← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فيَكُون الباء حرف جر زائد و (المُؤْمِنِينَ) اسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء نيابة عن الكَسْرة؛ لأنَّه جمع مذكر سالم، وبعضهم يَقُول: (المُؤْمِنِينَ) خبر (ما) مَنْصُوب بها، وعلامة نصبه ياء مقدّرة غير الياء الظَّاهِرة؛ لأَن الياء الظَّاهِرة لمناسبة الباء، وهَذِهِ الياء المقدرة منه من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. على كل حال هَذَا تعمُّق شديد لَيْسَ له داع، إنما يَجب أن نعرف أن (ما) نافية من حيث المَعْنى، و (الباء) حرف جر زائد، والغرض منه تأكيد النَّفي، أي: الإِيمَان عن هَؤُلَاءِ الَّذينَ قالوا: آمنا وأَطَعْنَا، ثم تولوا ولَيْسَوا بمُؤْمِنينَ، وتقدَّم أن نفي الإِيمَان هُنا إما نفي لأصله وإما نفي لكماله. * * *

стр. 317

الآية (٤٨) * قَالَ الله : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا﴾ الضَّمِير يَعود على هَؤُلَاءِ القائلين الَّذينَ يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ﴾ يتولون. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي: المُبَلِّغ عَنْهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ المَجِيءإِلَيْهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا﴾ أي: دعاهم من يخاصمهم إلى الله وإلى رسوله ليحكم بينهم، أعرضوا. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ هل المُراد أن يُدعَوا إلى الله ليصلوا إلَيْه فوق عرشه؟ الجواب: لا، وإنما يَكُون الدُّعاء إلى الله بالدَّعوة إلى كتابِه؛ لأَن كتاب الله كلام الله ، فالدُّعاء إلى الله هو الدُّعاء إلى كتاب الله. وقَوْلهُ: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ هل المُراد أن يصلوا إلى النَّبِيّ ﷺ في بيته أو في مسجده أو في سوقه؟

стр. 318

نقول: في حياته يصلون إلَيْه شخصيًّا في المسجد أو في البَيْت أو في السوق، وبعد وفاته إلى سنَّته؛ لأَن سنته ﵊ هي: قَوْلهُ وفعله وإقراره، فإننا نشاهده عنْدَما ندعوا إلى قَوْلهُ أو إلى فعله أو إلى إقراره. وقول المُفَسِّر ﵀: [المبلغ عنه] أي: عن الله، وإنما قَالَ المُفَسِّر ﵀ هَذَا لأجل أن يبين أن حكم الرَّسُول ﷺ هو حكم الله، وحتى لا يقع إِشْكال في قَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مع أنهم مدعوون إلى الله ورسوله. ثم قَالَ المُفَسِّر: [المُبَلِّغ عَنْهُ أَوْ ذُكِر الله لِتَعْظِيمِهِ]. وقَوْلهُ: [أَوْ ذُكِر الله لِتَعْظِيمِهِ] غير موجود في النُّسخ الأُخْرَى، فهَذه الحاشية إن صحت فيَكُون مراده ﵀ أن ذكر الله لَيْسَ مقصودًا ولكن للتعظيم، أي لتعظيم حكم الرَّسُول ﵊؛ لأَن الَّذِي سيحكم هو النَّبِيّ ﵊، لكن هَذَا لا وجه له. وقَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (اللَّام) للتَّعليل، يعني دُعوا لهَذَا الغرض ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الضَّمِير في قَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ هل يَعود على الله أو على الرَّسُول ﷺ أو عليهما؟ لا يصِح أن يَعود عليهما، إِذْ لو كَانَ عائدًا عليهما لوجب أن يَكُون الضَّمِير بِصيغَة التثنية، أي: إِذَا دعوا إلى الله ورسوله ليحكما بينهم، لكنها تعود إلى واحد منهما، إلى الرَّسُول ﷺ لأنَّه أقرب مذكور، لكن بالنِّسْبَةِ لله إما أن يُقدر جملة مثل هَذه الجُمْلَة يعني مثل قَوْلهُ: "إلى الله ليحكم بينهم ورسوله ليحكم بينهم"، مثل ما قُلْنا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَّوبة: ٦٢]، ولم يقل: أن يُرضوهما بل قَالَ: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ فقالوا: إن التَّقدير: "والله أحق أن يُرضوه ورسوله أحق أن يُرضوه"، وإما أن يُقال: إن حكم الرَّسُول ﵊ هو حكم الله ويشير إلى هَذَا قَوْل المُفَسِّر ﵀: [أي إلى رَسُول الله المبلغ عنه]؛

стр. 319

فإذا كَانَ النَّبِيّ ﷺ هو المبلغ عن الله صَارَ حكمه حكم الله. وفي الحَقيقَة أن الحاكم المباشر هو الرَّسُول ﷺ فعند النِّزاع في حياته نرجع إلَيْه مباشرة لِذَلك نقول: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الضمِير يَعود على الرَّسُول ﷺ ولماذا؟ لأنَّه أقرب مذكور، ثم نقول: إن حكم الرَّسُول ﷺ هو حكم الله، لأنَّه مبلغ عنه، لا يحكم إلا بما حكم الله به. هَؤُلَاءِ إِذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ يسميها النَّحويون فجائية، يعني المفاجئة، ففي هَذه الآيَة ﴿إِذَا﴾ الأولى في قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ شرطية جوابها ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ لكنَّه صدَّر بـ ﴿إِذَا﴾ الفجائية؛ لأنَّه جملة اسمية، وإذا كَانَ الجواب جملة اسمية، فلابُدَّ أن يصدر بالفاء أو بـ (إذا) الفجائية. إِذَنْ (إذا) فُجائية، يعني تدُلّ على مفاجئة ما بعدها لما قبلها فهَؤُلَاءِ إِذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم هل يُفكرون وينظرون هل يقبلون أو لا يقبلون؟ الجواب: لا، يردون مباشرة - والعِيَاذ باللهِ - لا يتأنون في الْأَمْر ويفكرون: بل ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بسرعة يعني بدون تروٍ، فكأنهم من الأَصْل مستعدون لرد حكم الله ورسوله، وهَذَا - والعِيَاذ باللهِ - أَشَدّ في الاسْتِكْبار وفي العتو من رجل يَقُول: يتروى ثم يعرض، وإن كَانَ الحُكْم واحدًا؛ إِذْ الواجب قبول ما حكم به الله ورسوله، لكن كون الْإِنْسَان يُفَاجِئ بالإعراض دَليل على أنَّه مستكبر ولا يُرِيد أبدًا أن يخضع للحق، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.

стр. 320

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الحُكْم لله ورسوله والتحاكم إلى الله ورسوله، قد أقسم الله تَعَالَى قسمًا مؤكَّدًا بأنهم لن يؤمنوا حَتَّى يُحكِّموا النَّبِيَّ ﷺ فيما شجر بينهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، هَذه مرحلة، المرحلة الثَّانية: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، هاتان مرحلتان، يعني لا يَكُون في نفسك ضيق أو كراهة لما حكم به الرَّسُول ﵊، المرحلة الثَّالِثَة ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، يعني: ينقادوا انقيادًا تامًّا. والنَّاس مختلفون فيما يلتزمون من هَذه المراحل، فمن النَّاس من لا يُحكِّم الرَّسُول ﵊ وهَذَا من الأَصْل لم يدخل في المراحل الثَّلاث، ومن النَّاس من يحكم الرَّسُول ﵊ لكن يجد في نفْسِه حرجًا من حكم الله ورسوله؛ لأنَّه يخالف هواه فتجده متحرِّجًا، يعني يحكم الله ورسوله لكن مع ضيق وحرج، هَذَا أيضًا لَيْسَ بمؤمن، ومن النَّاس من يحكم الرَّسُول ﵊ ولا يَكُون في صدره حرج من حكمه، لكن لا يستسلم، يَكُون مثلًا عنْدَه تأنٍّ وعنده تهاون أو تقصير في بعض التنفيذ، هَذَا أيضًا لَيْسَ بمؤمن. إِذَنْ لا بُدَّ من الْأُمُور الثَّلاثة: التحكيم وانتفاء الحرج والتسليم، وتأمل قَوْلهُ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ إِشارَة إلى أنَّه تسليم كامل، ولهَذَا يُسمي النَّحويون هَذَا المَصْدَر مصدرًا مؤكِّدًا، يعني: أنهم يُسلِّموا تسليمًا كاملًا لَيْسَ فيه أي التواء أو إعراض، هَذِهِ الآية مثلها. * * *

стр. 321

الآية (٤٩) * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يَعْنِي مُسْرِعِينَ طَائِعِينَ] اهـ. إذا كَانَ الحَقّ لهم في حكم الله ورسوله لا يتولون وإنما يُسرعون وينقادون فدل ذَلِك على أنهم لا يُريدُونَ الحَقّ وإنما يُريدُونَه ما يوافق أهواءهم، إن كَانَ الحَقّ لهم قبلوا وانقادوا، وإذا كَانَ الحَقّ عليهم تولوا وأعرضوا، بل إن ظاهر الآيَة الْكَرِيمَةِ أنهم يُعرضون في حالين: إِذَا كَانَ الحَقّ عليهم وإذا لم يكن عليهم ولا لهم؛ لأنهم لا يذعنون إلا إِذَا كَانَ الحَقّ لهم. وفي الحَقيقَة أن طاعتهم وإذعانهم هو لهوى أنفسهم لا للحق، وهَذَا أيضًا حال بعض النَّاس، تجده إِذَا دل الكتاب والسنة على ما يهوى ويريد ينشرح صدره ويذعن ويقبل، وإذا دل الكتاب والسنة على خلاف ما يُرِيد تجده يَكُون في نفْسِه حرج وربما يزيد على ذَلِك الإعراض والتولي، هَذَا في الحَقيقَة لَيْسَ بمؤمن وإنما يتبع من الحَقّ ما وافق هواه فقط، أما المُؤْمِن فله حال أُخْرَى ستأتي - إِنْ شَاء اللهُ -. * * *

стр. 322

الآية (٥٠) * قَالَ اللهُ : ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كُفْرٌ، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أَي: شَكُوا فِي نُبُوَّته ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ فِي الحكْم أَي: فَيَظْلِمُوا فِيهِ. لَا، ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ] اهـ. يَقُول الله مبينًا حال هَؤُلَاءِ الَّذينَ يَردُّون ما حكم الله به ورسوله بأنهم لا يخلون من هَذه الأَحْوال الثَّلاثة: الأوَّل: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والمرض هو عِلَّة تصيب الصَّحيح فيخرج عن الاعتدال، وهَذَا التعريف للمريض يشمل المرضي الجسمي والمرض الْقَلْبي، فالمرض الجسمي في الحقيقَة عِلَّة تصيبه فيخرج عن الاعتدال، كَذلِكَ المرض الْقَلْبي عِلَّة تصيب الْقَلْب فتخرجه عن الاعتدال حَتَّى ينحرف ولا يقبل الحَقّ، والمرض المشار إلَيْه هُنا، المُفَسِّر فسّره بالكفر، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المُراد به الشَّهْوَة في الإِرادَة السيئة بِدَلِيل التقسيم سواء كَانَ كفرًا أو نفاقا أو غير ذَلِك، المُهِمّ أن المرض هو الإِرادَة السيئة الَّتِي تصرفهم عن قبول الحَقّ. الثَّاني: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ هَذَا الشَّك، وهو مرض الشُّبهة؛ وقد تقدّم كثيرًا أن أَسْبَاب

стр. 323

الانحراف عن الحَقِّ إما شبهة وإما شَهْوَة، يعني إما أن الْإِنْسَان يشتهي أمرًا مخالفًا للشَّرع فيتبعه، وإما أن يَكُون عنْدَه شبهة في هَذَا الحَقّ فيمتنع منه، فنقول هُنا: يَنْبَغِي أن يفسر المرض بالإِرادَة السيئة الَّتِي هي الشَّهْوَة، أي: اشتهاء ما يُخالف الشَّرع، فقَوْلهُ: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أي: شكوا، هَذَا مرض الشُّبهة الَّذِي يعرض لِلإنْسان حَتَّى لا يتبَيَّن له الحَقّ. ونضرب لِذَلك مثلًا برجل أُمِرَ بأمر من الْأُمُور، أمر أن يصلي ولكنه قدم أمرًا دنيويًّا على صلاته، ما الَّذِي في قلبه من الْأَمْراض؟ في قلبه مرض الشَّهْوَة، وآخر أمر أن يصلي لكنَّه شك في فَائِدَة الصَّلاة أو شك في وُجوبها أو ما أشبه ذَلِك، هَذَا في قلبه مرض الشُّبهة، فقَوْلهُ: ﴿مَرَضٌ﴾ أي: إرادة سيئة، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ هَذَا الشَّك - والعِيَاذ باللهِ -. الثَّالث: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يعني: لَيْسَ عندهم إرادة سيئة ولا عندهم شك في حكم الله ورسوله فقط، لكن عندهم شك آخر، شك في عدالة الله ورسوله، ولهَذَا هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، فيخشون من الميل والجور، وفي الحَقيقَة أن الميل والجور عندهم هم لَيْسَ في حكم الله ورسوله، بل إن حكم الله ورسوله على الحَقّ والعَدْل، ولكنَّ الجور في ميزانهم هم، لأنهم هم الَّذينَ حادوا عما يَجب أن يَكُونوا علَيْه من الامتثال والطَّاعة. قَوْلهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ هَذه للإضراب، هَذَا الإضراب؛ هل هو إضراب إبطال أو إضراب انتقال؟ المُفَسِّر ﵀ ماذا يراه؟ موجب كلام المُفَسِّر أن الإضراب هُنا للإبطال ولذَلك قدَّر، لا، بعد الاحتمالات الثَّلاثة السَّابِقة، وعندي أن الإضراب هُنا لَيْسَ للإبطال، وإنما هو للانتقال؛ لأَن

стр. 324

حَقِيقَة الْأَمْر أن الَّذِي لا يقبل حكم الله ورسوله لا يخرج عن هَذه الْأُمُور الثَّلاثة: إما أن عنْدَه إرادة سيئة أو عنْدَه شك أو خوف، لا نتصوَّر أمرًا رابعًا يرد على هَذه الاحتمالات الثَّلاثة. ثم إن وصفهم بالظُّلْم لا يخرج عن هَذه الاحتمالات الثَّلاثة أيضًا، فمن في قلبه مرض فهو ظالم، ومن في قلبه شبهة فهو ظالم، ومن خاف أن يحيف الله ورسوله علَيْه فهو ظالم، إِذَنْ فالمَسْأَلَة من باب الإضراب الانتقالي ولَيْسَ من باب الإضراب الإبطالي. وقَوْلهُ: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿أَمِ﴾ في هَذه المواضع هل هي للتسوية الَّتِي بمَعْنى (أو) أو للإضراب الَّذِي بمَعْنى (بل)؟ تقدَّم فيما سبق أن (أم) الَّتِي بمَعْنى (أو) هي الَّتِي تأتي بعد همزة التسوية مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وقَوْلهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المُنافِقُونَ: ٦]؛ هَذه هي الَّتِي بمَعْنى (أو) ويسمونها متصلة، وأما الَّتِي تأتي بمَعْنى (بل) فهي الَّتِي لا يسبقها همزة تسوية وتسمى منقطعة، وعلى هَذَا فـ ﴿أَمْ﴾ في قَوْلهُ: ﴿أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ هَذِهِ منقطعة بمَعْنى (بل)، وقد وردت كثيرًا في آخر سورة الطور؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ثم قَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٢٩ - ٣٣]؛ فهمزة الاستفهام هُنا منقطعة بمَعْنى (بل) ولَيْسَت متصلة؛ لأَن المتصلة هي الَّتِي تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمَعْنى (أو) وأما المنقطعة فهي الَّتِي لا تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمَعْنى (بل).

стр. 325

وقَوْلهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ هُنا سجل عليهم الظُّلْم وأكده بنوعين من التَّأكيد، أكده بضمير الفصل وبكون الجُمْلَة اسمية مُعرَّفة الطرفين؛ لأَن الجُمْلَة إِذَا كَانَت اسمية معرفة الطرفين فإنها تفيد الحصر، هُنا (أولاء) مُبْتَدَأ وهي معرفة؛ لأنَّها اسم إِشارَة ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر وهو معرفة لأنَّه محلى بـ (ال) وعلى هَذَا أكد الله ظلمهم بنوعين من التَّأكيد وقد تقدَّمت فوائد ضمير الفصل الَّذِي يرد كثيرًا في القُرْآن وفي غير القُرْآن. * * *

стр. 326

الآية (٥١) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. * * * لمَّا بين الله حال المُنافِقِينَ وأنهم إِذَا كَانَ الحَقّ لهم في حكم الله ورسوله أتوا إلَيْه مذعنين، يعني: منقادين مطيعين فصاروا إنما يتبعون أهواءهم فقط بيَّن حال المُؤْمِنِينَ، فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. أولًا: إِعْراب قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قَوْلَ﴾ مَنْصُوب، والمعْرُوف أن (كَانَ) ترفع الاسْم وتنصب الخبر، وهنا الَّذِي يليها مَنْصُوب وجوابه أن هَذَا هو خبرها مقدمًا، أعني ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبرها مقدمًا، واسمها المَصْدَر المنسبك من (أن والفِعْل) في قَوْلهُ: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ يعني: ما كَانَ قولهم إلا هَذَا القَوْل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وقَوْلهُ: ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتابه وإلى ﴿وَرَسُولِهِ﴾ إلَيْه شخصيًّا في حياته وإلى سنته بعد وفاته ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يقال فيه ما سبق في الآيَة نظيرها ﴿بَيْنَهُمْ﴾ الضَّمِير يَعود على الرَّسُول ﷺ وإنما أسند الحُكْم إلَيْه؛ لأَن حكمه تبليغ عن الله فيَكُون حكمه منتظمًا لحكم الله أيضًا؛ إِذْ هو المبلغ عن الله .

стр. 327

وقَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يشمل ما تنازعوا فيه من الخُصومَات وما اختَلفُوا فيه من الأَحْكام، فإن الحاكم هو الرَّسُول ﵊ في الخصومات الَّتِي تحدث بين المتشاجِرين وفي الأَحْكام الَّتِي يختلف فيها النَّاس، قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقَالَ اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ فالمُؤْمِنُونَ إِذَا دعوا إلى الله والرَّسُول ليحكم بينهم فقولهم: أنْ يقولَوا: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا، أنْ يقولَوا: سَمِعْنَا بآذاننا وأَطَعْنَا بجوارحنا، فهم يسمعون وينقادون. والطَّاعة شاملة لفعل الأوامر وترك النَّواهي، فهي شاملة للأمرين جميعًا، عكس الَّذينَ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وهم لا يسمعون، أو يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وعصينا، فيَقُولُونَ: سَمِعْنَا وهم لا يسمعون، أو يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وعَصَيْنَا، فيَقُولُونَ: سَمِعْنَا ولا ينقادون أو يُصرِّحونَ بالعصيان يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وعَصَيْنَا، المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا. قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَالْقَوْل اللَّائِق بِهِمْ ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ بِالْإِجَابَةِ] اهـ. يعني: أنَّه ما كَانَ قولهم اللائق، فظاهر كلام المُفَسِّر ﵀ أن المَسْأَلة على سبيل التَّقدير والفرض؛ أي: لا يفترض إلا أنْ يقولَوا هَذَا، ولكن الحَقيقَة أن هَذَا هو الواقِع، لَيْسَ هو بالقَوْل اللائق فقط بل هو القَوْل اللائق الواقِع، فالمُؤْمِنُونَ إِذَا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فقولهم أنْ يقولَوا: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا، مثل ما قَالَ اللهُ عنهم: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وكوننا نجعل هَذَا قولًا لائقًا، أي: مقدرًا ومفروضًا خلاف ظاهر القُرْآن؛ فإن قَوْل المُؤْمِنِينَ إِذَا دعوا إلى الله ورسوله

стр. 328

يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا، سمعًا وطاعة وعلى الرحب والسعة، فهَذَا قولهم اللائق الواقِع منهم، إِذَا دعوا إلى الله ورسوله لا يَقُولُونَ: رأي فلان خلاف ذَلِك، ورأي فلان خلاف ذَلِك، والنَّاس على خلاف ذَلِك وما أشبه ذَلِك، لا يَقُولُونَ هَذَا، بل يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا، وهَذَا الواجب على المؤمن، فمن لم يقل هَذَا فلَيْسَ بمؤمن، إما أنَّه قد انتفى عنه الإِيمَان بالكلية أو هو ناقص الإِيمَان. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأُولَئِكَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ النَّاجُونَ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وقد تقدَّمت فوائده الثَّلاثة: الحصر والتَّأكيد وتمييز الخبر من الصِّفة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ أي: الَّذينَ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا إِذَا دعوا إلى الله ورسوله هم المفلحون. يَقُول المُفَسِّر ﵀: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أي النَّاجون)، والأصح أن الفلاح لَيْسَ نجاة فقط، بل نجاة من المرهوب وحصولٌ للمطلوب، فالمُفلح هو الَّذِي نجا مما يكره وأدرك ما يحب. إِذَنْ هَؤُلَاءِ هم الَّذينَ نجوا من المرهوب لانتفاء العصيان منهم، وأدركوا المَطْلوب لحصول تمام الطَّاعة منهم، فبالطاعات حصول المَطْلوب واجتناب المعَاصِي النَّجاة من المرهوب، وحصر الفلاح في هَؤُلَاءِ يدُلّ على أن من سواهم غير مفلح، لكن إن انتفى عنه الإِيمَان كله انتفى عنه الفلاح كله، وإن انتفى عنه بعض الإِيمَان انتفى عنه بعض الفلاح. إِذَنْ وظيفة المُؤْمِن فيما إِذَا دُعي إلى حكم الله ورسوله أو فيما إِذَا اطَّلع هو بنَفْسِه على حكم الله ورسوله وظيفته أنْ يقولَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا، يلتفت يمينًا أو شمالًا

стр. 329

أو يؤول أو يحرف، لا، بل يَقُول: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا انقيادًا تامًّا وسمعًا تامًّا؛ لأَن بِذَلِك يتحقق الإِيمَان، والْإِنْسَان الَّذِي ينقاد لحكم الله بهَذه السهولة وبهَذه المطابقة هو الَّذِي يستريح ولا يحصل عنْدَه قلق؛ لأَن من عوَّد نفسه التردد في قبول الأَحْكام الشَّرْعِيَّة ولو في حكم واحد؛ فإن النَّفس تجبره على أن يتردد في كثير من الْأُمُور الشَّرْعِيَّة، يَقُول الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فالْإِنْسَان إِذَا عوَّد نفسه قبول الحَقّ من أول وهلة وبدون أي قلق أو تردد في تنفيذه فإنَّه يسهل علَيْه بعد ذَلِك الانقياد لجميع الأوامر وعدم الالْتِفات والتردد، ولكنه إِذَا فعل، ولو مرة، وتردد في أمر من الْأمُور من الأَحْكام الشَّرْعِيَّة، بعد أن يثبت عنْدَه الحُكْم وأن هَذَا حكم الله ورسوله، فإن تردده في قبوله خطر علَيْه جدًّا؛ لأنَّه يؤدي إلى التردد في الأَحْكام الأُخْرَى المستقبلة، دعنا من التردد في الثُّبوتِ، التردد في الثُّبوتِ شَيْء آخر، فالمكلف له أن يتردد في الثُّبوتِ إِذَا كَانَ الحديث ضعيفَ السَّنَد مثلًا أو ما أشبه ذَلِك. ونظير ذَلِك في الحُكْم القدري أيضًا، الْإِنْسَان الَّذِي لا يمرن نفسه على الصَّبر على أحكام الله وعلى قضائه وقدره يبقى قلقًا دائمًا متعبًا من الأَحْكام القدرية الَّتِي لا تلائمه، فإذا تمشى مع القضاء والقدر وصَارَ إن أصابه خير اطمأن به وإن أصابه شر صبر علَيْه ورضي بالقضاء والقدر؛ فإنَّه بِذَلِك يستريح ولا يقلق أبدًا، تجد الْإِنْسَان الَّذِي يُرِيد من الله أن يَكُون قضاؤه وقدره فيما يلائمه تجده دائمًا في قلق؛ لأَن القضاء والقدَر لَيْسَا على ما تريد، كما أن الشَّرع أيضًا لَيْسَ على ما تريد، الشَّرع لَيْسَ على ما يُرِيد النَّاس.

стр. 330

والقضاء والقدَر لَيْسَ على ما يُرِيد النَّاس، فمن تمشى مع هَذَيْنِ الحُكْمين فإنَّه سوف يجد الفلاح والطُّمأنينة والحَياة الطيبة، ومَن قَلِق منهما أو من أحَدهما فإنَّه سيبقى في قلق، إن كَانَ من الْأَمْر القدري بَقِي في قلق وحزن؛ لأَن الْأُمُور لا تأتي على ما يَنْبَغِي، وإن كَانَ من الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَذلِكَ أيضًا ينفتح علَيْه باب التردد في قبول أحكام الله وتنفيذها. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان صفة الانقياد للمُؤْمِنِينَ، وجه ذَلِك أنهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا لا يتِلْكؤون ولا يترددون. الفَائِدة الثَّانية: ما يترتب على هَذَا السمع والطَّاعة من الفلاح الَّذِي هو الفوز بالمَطْلوب والنَّجاة من المرهوب. * * *

стр. 331

الآية (٥٢) * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يَخَافُهُ ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ الهَاء وَكَسْرهَا، بِأَنْ يُطِيعُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بِالجنَّةِ] اهـ. هَذه الآيَة من أجمع الآيات وأخصرها ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بانقياده لأحكام الله ورسوله، وسبق أن الطَّاعة موافقة الْأَمْر نهيًا كَانَ أو أمرًا، يعني طلب إيجاد أو طلب ترك. قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ الطَّاعة لله ورسوله، والخَشْيَة عبادة والتَّقْوى عبادة؛ لا تَكُون إلا لله وحده، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾. قَوْلهُ: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ - بسكون الهاء وكسرها - "وَيَتَّقِه" و"وَيَتَّقهِ" (١). وقَوْلهُ: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يخافه]، ولكن هَذَا التفسير قاصِر؛ لأَن الخَشْيَة أَشَدّ من الخَوْف، والفَرْق بينهما:

стр. 332

أولًا: أن الخَشْيَة لا تَكُون إلا عن علم؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ فالعالم هو الَّذِي يخشى الله؛ لأنَّه يخافه عن علم بحَقِيقَة المخوف وحال الخائف، فهو يعلم حال المخوف ويعلم حال الخائف. ثانيًا: أن الخَشْيَة إنما تَكُون لعظم المخشي، وإن كَانَ الخاشي عَظِيمًا، والخَوْف يَكُون من ضعف الخائف؛ والفَرْق بينهما ظاهر. ثالثًا: الخَشْيَة خوف بهيبة وتعظيم وإجلال، وهي متفرعة عن الفَرْق الثَّاني، والخَوْف لا يَكُون كَذلِكَ، أي: لا يَكُون عن رهبة وتعظيم وإجلال، ولذَلك يُقال: خاف من الذئب، ولا يُقال خشي منه أو خشيه إلا على سبيل التوسع. فهَذه الفروق الثَّلاثة توجب ألا تَكُون الخَشْيَة بمَعْنى الخَوْف على وجه المُطابقة، نعم على وجه التقريب، لا بأس أن الْإِنْسَان يَقُول: إن الخَشْيَة بمَعْنى الخَوْف ليقربها إلى أفهام السامعين لا على أن الخَوْف هو المَعْنى المطابق للخشية. قَوْلهُ: ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ نتكلَّم عن القراءات الَّتِي فيها: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾، وفيها: "وَيَتَّقِه"، وفيها قِراءَة ثالثة لحفص لم يذكرها المُفَسِّر ﵀، وهي: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ - بسكون القاف وكسر الهاء -. أما قِراءَة "وَيَتَّقِهِ"، بالكسر؛ سواء أشبعنا الهاء أم لم نشبعها، وهما قراءتان أيضًا: "وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ" و"وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ"؛ ففيها قراءتان: الإشباع، وعدمه. هَذِهِ القِراءَة واضحة ولَيْسَ فيها إِشْكال؛ لأنَّها متمشية على ما نعرف من القواعد العربيَّة (يتقه) مثل (يرمه): معطوفة على فعل الشَّرط ﴿يُطِعِ﴾ وهو مجزوم والمعْطُوف على المجزوم مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العِلَّة، يعني: حذف الياء، والكَسْرة

стр. 333

قبلها دَليل عَلَيْها، والهاء في قَوْلهُ: "وَيَتَّقِهِ" مفعول (يتَّق)، وهي: ضمير مبني على الكَسْرة، لكن على قِراءَة "وَيَتَّقِه" - سكون الهاء - على خلاف الَّذِي نعرف من اللُّغَة العربيَّة، فنقول: سكنت للتخفيف، لأَن "وَيَتَّقِه" أخف من "وَيَتَّقِهِ" فهي مسكنة للتخفيف. على قِراءَة حفص ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ سكنت مع أنَّها مجزومة بحذف حرف العِلَّة؛ لأَن (يتَّقي) لا شَك أنَّه فاعل ناقص آخِره حرف عِلَّة، فالإِشْكال الآن في تسكين القاف مع أن الفِعْل معتل آخِره لَيْسَ حرفًا صحيحًا، والمعتل يجزم بحذف حرف العِلَّة؛ فلماذا سكن؟ يُقال: إما أنَّه سكن تخفيفًا ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ أو سكن على تناسي حرف العِلَّة، كأن حرف العِلَّة نسي وصَارَ فعلًا صحيحًا، والفِعْل الصَّحيح يجزم بالسكون. والتَّقْوى: تقدَّم كثيرًا في تفسير التَّقْوى بأنَّها اتخاذ وقاية من عَذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فما الرَّبط بينها وبين الخَشْيَة؟ يقال: التَّقْوى في الحَقيقَة نتيجة الخَشْيَة؛ لأَن من خشي الله اتَّقاه، الَّذِي يخافه بهيبة وتعظيم وإجلال لا بُدَّ أن يتقيه، فالرَّبط بينها وبين الخَشْيَة أنَّها فرع عنها ونتيجة منها، فمن خشي الله اتَّقاه بلا شَك؛ لأَن نفس الخَشْيَة عبادة فتحصل التَّقْوى، فكون الْإِنْسَان في قلبه خوف من الله وتعظيم له هَذِهِ عبادة من أعظم العِبادات، والطَّاعة في الغالِب لا تَكُون إلا عن محبَّة، فحينئذٍ تَكُون الخَشْيَة؛ لأنَّه لا يُمْكِن لِلإنْسان أن يطيع أحدًا في شَيْء إلا عن محبَّة للآمر أو للمأمور أو خوفًا منه، أما إِذَا كَانَ يبغض الْأَمْر فلا يُمْكِن أن يطيعه وهو يسْتَطيع أن يتخلص منه؛ لأَن من لم يحب شخصًا فلن يطيعه إلا خوفًا منه.

стр. 334

لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا قُلْنا: إن التَّقْوى اتِّخاذ وقاية من عَذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ألَيْسَت هَذه الطَّاعة؟ الجواب: هي في الحَقيقَة الطَّاعة، ولكن ليكن عندنا قاعِدَة لا بُدَّ أن نفهمها، وهي: أن بعض الكَلِمات تفسَّر بمَعْنى عند الانفراد وبمَعْنى آخر عند الاقتران، فقد تَكُون عند الانفراد شاملة لهَذَا المَعْنى، وقد تَكُون عند الاجتماع بعضًا منه، وأمثال ذَلِك كثير؛ مثلًا: الفَقِير والمِسْكين، عند الانفراد الفَقِير يشمل المِسْكين، والمِسْكين يشمل الفَقِير، لكن عند الاجتماع يَكُون الفَقِير بعضًا من المِسْكين، والمِسْكين بعضًا من الفَقِير، بمَعْنى أنَّنا نقول: الفَقِير كذا والمِسْكين كذا؛ لأجل ألا يحصل التَّرادُف بين الكلمتين؛ فتضيع فَائِدَة العَطْف. لو قَالَ قَائِلٌ: الكَلِمات الَّتِي إِذَا اجتمعت افترقت، هل يَكُون بينها صلة حال الافتراق؟ الجواب: ما دام أن الكَلِمة إِذَا انفردت تكُون بمَعْنى الثَّانية لا بُدَّ أن يَكُون بينها صلة؛ فالفَقِير والمِسْكين بينهما صلة، وهي الحاجة، وكَذلِك التَّقْوى: ترك النَّواهي والطَّاعة فعل الأوامر بينهما صلة، وهي الامتثال. لو قَالَ قَائِلٌ: هل التَّرادُف المطلَق يوجد في اللُّغَة العربيَّة؟ الجواب: التَّرادُف المطلَق لا يُمْكِن أن يوجد في اللُّغَة العربيَّة؛ لأنَّه تكرار بلا فَائِدَة لا سيَّما مع وجود العَطْف، أما مع عدم وجود العَطْف فقد يَكُون من باب التَّوكيد؛ لأَن العَطْف يقْتَضِي المُغايَرَة، فالاتفاق في الحُكْم والتغاير في المَعْنى، أي: أن الكَلِمة المعْطُوفة غير الكَلِمة المعْطُوف عَلَيْها لكن الحُكْم واحد، مثلًا: قام زيد وعمرو

стр. 335

وبكر وخالد، فالحُكْم على الجميع واحد، لكن عمرو وبكر وخالد غير زيد، فالمُغايَرَة تَكُون في المَعْنى. أما موافقة الحُكْم فيما بين المعْطُوفات بعضها مع بعض فهو ضروري، فأصل العَطْف معناه أن هَذَا انعطف على ذاك فأصبح له حكمه، لكن هَذَا غير هَذَا، فلا تأتي وتقول: قام زيد وزيد، ويَكُون زيد الثَّاني هو الأوَّل، لكن يجوز أن تقول: قام زيد وزيد، وَيكُون زيد الثَّاني هو الأوَّل من باب التَّوكيد. قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الفاء) في قَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ واقعة في جواب الشَّرط؛ لأَن الجُمْلَة اسمية، وإذا كَانَت الجُمْلَة اسمية في جواب الشَّرط وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط الفاء إلا عند الضَّرورة، مثل قَوْل الشَّاعر (١): مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... ......................... ولم يقل: فالله يشكرها. وقَوْلهُ: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فيها ما سبق في ضمير الفصل، والذي سبق أن مِنْ فَوَائِدِ ضمير الفصل والحصر والاختصاص والتمييز بين الخبر والصفة والتَّوكيد، وقَوْلهُ: ﴿الْفَائِزُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِالجَنَّةِ]. اهـ. يعني هَؤُلَاءِ الفائزون بالجَنَّة والنَّجاة من النَّار أيضًا، كما قَالَ اللهُ : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، واقتصار المُفَسِّر على الجَنَّة فقط؛ لأَن من دخل الجَنَّة فقد نجا من النَّار.

стр. 336

فهَذه الآيَة من أجمع الآيَات، لأنَّها جمعت إجمالًا أَسْبَاب الفوز، وهي هَذِهِ الْأُمُور الثَّلاثة: طاعة الله، وخشيته، وتقواه. فمتى حصلت هَذه الْأُمُور لشخص فإنَّه يَكُون من الفائزين. ويُستَفاد من هذِه الآيَةِ أنَّ الطَّاعة والخَشْيَة والتَّقْوى هَذِهِ الثَّلاث فَائِدَتها الفوز بالجَنَّة والنَّجاة من النَّار. * * *

стр. 337

الآية (٥٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [غَايَتُهَا ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهَادِ ﴿لَيَخْرُجُنَّ قُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ لِلنَّبِيِّ خَيْرٌ مِنْ قَسَمِكُمْ الَّذِي لَا تَصْدُقُونَ فِيهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ حلفوا به ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ هَذِهِ الآيَة استوعبت كل أركان القَسَم؛ لأَن القسم دائمًا يحذف منه بعض أقسامه، لكن هَذِهِ الآيَة استوعبت الأقسام كلها: المُقْسَمُ به، وحرف القسم، وفعل القسم، والمُقْسَمِ عليه. فعل القسم: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾، حرف القسم: (الباء) في ﴿بِاللَّهِ﴾، المقسم به: (الله)، المقسم عليه: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾؛ هَذِهِ الجُمْلَة هي جواب القسم، وهي المقسم عليه. أقسم هَؤُلَاءِ: لئن أمرهم النَّبِيّ ﷺ ، يعني: بالجهاد، والدَّليل أن المُراد الجهاد قَوْلهُ: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾؛ لأَن الخروج المُراد به الجهاد؛ فهم أقسموا هَذَا القسم: أن الرَّسُول لو أمرهم لخرجوا، هَذَا القسم قسم نذر؛ لأَن القسم إِذَا تضمَّن إلزامًا من الْإِنْسَان لله صَارَ جامعًا بين القسم والنَّذر.

стр. 338

وعلى هَذَا لو قَالَ قَائِلٌ: والله لأصلِّينَّ ركعتَيْن وقصده بِذَلِك الالتزام، ماذا يَكُون هَذَا؟ الجواب: يَكُون قسمًا ونذرًا، مثل: عليَّ أن أصلي ركعتين، لكن أبلغ من ذَلِك قَوْلهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التَوبة: ٧٥]. وأما إِذَا قصد الْإِنْسَان بالقسم تحقيق الشَّيء دون التزامه؛ فإنَّه لَيْسَ بنذر، ففرق بين الْإِنْسَان الَّذِي يلتزم ويرى أن نفسه ملزمة بهَذَا الشَّيء وبين الْإِنْسَان الَّذِي يُرِيد تحقيق الشَّيء لكن بدون أن يرى نفسه ملزمة، مثلًا لو قَالَ: والله لأفعلن كذا أو لأخرجن إلى السوق أو لألبسن الثَّوْبَ وما أشبه ذَلِك ولَيْسَ قصده أن يُلزم نفسه، بل قصده أن يحقق، وأن يفعل من غير أن يَكُون ملزمًا، قصده أنْ يقولَ: أنا سأفعل، ويحقق أنَّه سيفعله، فهَذَا لَيْسَ بقسم، فالقسم إن تضمَّن إلزامًا صَارَ قسمًا ونذرًا أو نذرًا مقسمًا عليه. قَوْلهُ: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ لا حاجة لأَن تقسموا وتقولوا: والله لئن أمرتنا لنخرجن، وإنما إِذَا أُمِرتم فاخرجوا بدون قسم. قَوْلهُ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [خَيْرٌ مِنْ قَسَمِكُمْ] اهـ. المُفَسِّر ﵀ جعل حسب سِيَاقه ﴿طَاعَةٌ﴾ مُبْتَدَأ و ﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صفة له، وخَبَرُها محذوف تقديره (خير من قسمكم)، ولكن هَذَا لَيْسَ بظاهر، بل الظَّاهِر أن ﴿طَاعَةٌ﴾ مُبْتَدَأ والخبر محذوف تقديره: (عليكم)، أي: عليكم طاعة معْرُوفة، أو ﴿طَاعَةٌ﴾ خبر والمبتدأ محذوف، أي: طاعتكم معْرُوفة، فمعنى ذَلِك أن الْإِنْسَان علَيْه أن يطيع طاعة معْرُوفة. والطَّاعة المعْرُوفة من المُؤْمِنِينَ تَكُون بدون حلف؛ لأَن الَّذِي يحلف على أن

стр. 339

يفعل كأنه لا يُرِيد أن يفعل، يفعل لكنَّه يَلْزَم نفسه، فالطَّاعة المعْرُوفة الانقياد بدون قسم وهَذَا أولى من تقرير المُفَسِّر، وهو أن نقول: عليكم طاعة معْرُوفة أو طاعتكم طاعة معْرُوفة، يعني: الطَّاعة المعْرُوفة للمُؤْمِنِينَ، وهي التزام أحكام الشَّرع بدون قسم. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ طَاعَتكُمْ بِالْقَوْلِ وَمُخَالَفَتكُمْ بِالْفِعْلِ] اهـ. هَذَا لَيْسَ بصحيح، فقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملون سواء أقسمتم علَيْه أم لم تُقسموا عليه، قَوْلهُ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (ما) اسم موصول يُفيد العُموم، أي: جميع الأعْمَال. ﴿خَبِيرٌ﴾ بمَعْنى عليم، إلا أن الفَرْق بينه وبين العليم أن الخبير هو العليم ببواطن الْأُمُور، فيَكُون أدق من العِلْم المطلَق، فهو خبرة بالبواطن. إِذَنْ قَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عام لكل ما يعمله الْإِنْسَان بقَلْبِه أو لسانه أو جوارحه، لا يخفى على الله من ذَلِك شَيْء. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: كراهة النَّذر؛ لقَوْله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾، وهَذَا نهي. وقد اختلف أهْل العِلْم في النَّذر؛ هل هو مكروه أو حرام؟ على قولين: فمن أهْل العِلْم من يرى أن النَّذر مكروه، ومنهم من يرى أنَّه محرم، وكأنَّ شيخ الإِسْلام يميل إلى التَّحْريم وهو أقرب، فالقول بالتَّحْريم أقرب من القَوْل بالكراهة؛ لأَن الله تَعَالَى نهى عنه بقَوْلهُ: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ والأَصْل في النَّهْي التَّحْريم،

стр. 340

والنَّبيّ ﷺ نهى عنه، وقال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ" (١)، والمَعْنى يَقْتَضيه أيضًا؛ لأنَّه كَانَ في عافية فكونه يُلزم نفسه بأمر لم يَلْزَم الله به؛ هَذَا من باب تكليف النَّفس بما لم تُكلَّف به. ثم أيضًا المَعْنى يَقْتَضيه؛ فإن كثيرًا من النَّاس النَّاذرين يندمون على نذرهم، لا سيَّما إِذَا كَانَ النَّذر فيه نوع من المشقَّة، مثل رجل حلف إن شَفى الله مريضه أن يصوم من كل شهر عشرة أيام، وشفى الله مريضه؛ الآن يَجب أن يصوم عشرة أيام من كل شهر لقول النَّبِيّ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" (٢). وكثير من النَّاس النَّاذرين لا يُوفون بنذْرِهم من أجل أنهم يرون أن فيه مشقَّةً، ويقول: الحمد لله حصل لي المَطْلوب وشفى الله مريضي أو نجحت، فلا يوفِّي لله بما وفَّى الله له به، الله يوفِّي له بما اشترط على ربه، وهو - والعِيَاذ باللهِ - لا يوفِّي له، ولكن ما هي النَّتيجة والعاقبة؟ العاقبة عَظِيمة جدًّا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ ولم يتصدقوا ﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، ولم يَكُونوا من صالحين، والذي حصل ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا﴾ أي بسبب ما ﴿أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التَوبة: ٧٥ - ٧٧]، وهَذِهِ نتيجة - والعِيَاذ باللهِ - سيئة عَظِيمة جدًّا أن يجعل الله نفاقًا في قلب هَذَا النَّاذر الَّذِي لم يفِ بما عاهد الله تَعَالَى عليه؛ لأنَّه عاهد الله على هَذَا الشَّيء.

стр. 341

وأما من نذر معْصِيَة فلا يجوز الوفاء بها؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معْصِيَة الخالق، فنفسك وإن ألزمتك بفعلها فلا تطعها، كما أنك لا تطيع أمريك إِذَا ألزمك بأمر فيه معْصِيَة الله، كَذلِكَ أيضًا لا تُطع نفسك إِذَا ألزمتك بأمر فيه معْصِيَة الله. وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَالَ: "وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ" (١)، ومع ذَلِك فعلى النَّاذر كَفَّارة يمين، حَتَّى لو قَالَ مثلًا: لله علي نذر فقط، ولم يقل شيئًا، مال الَّذِي يَجب عمله؟ يَجب علَيْه كَفَّارة يمين، ويهَذَا نعرف خطورة النَّذر. وأما ما يتوهَّمه بعض النَّاس من أن النَّذر يحصل به المَطْلوب؛ فإن الرَّسُول ﵊ نفى هَذَا الوهم بقَوْلهُ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ" (٢)؛ فمريضك قد قُدِّر له أن يُشفى قبل أن تنذر، ولَيْسَ نذرك سببًا للشفاء بالتَّأكيد؛ فالله أكرم الأكرمين لَيْسَ يتوقف كرمه على شَيْء يخرجه الْإِنْسَان، إِذَا أنعم الله عَليْك بالنِّعمة فاشكره عَلَيْها بما جاءت به الشَّريعة. وأما أن تقول: نذرت لله من أجل أن يشفيه، كأنك تقول: إن الله لا يشفي ها المريض إلا إِذَا نذرت له، ثم تأتي البلوى، فيحصل الْأَمْر عنْدَه لا به، وهَذَا من الابتلاء؛ لِذَلك يَنْبَغِي لنا، بل يَجب علَيْنا، أن نحذر من النَّذر، وأن نبين للنَّاس أن النَّذر لا يأتي بخير، والنَّبيّ ﵊، وهو لا ينطق عن الهوى في هَذِهِ الْأُمُور - أخبر بأنه لا يأتي بخير. وكم من طالبٍ نَذَرَ أنَّه إِذَا وفقه الله للنجاح أنَّه يصوم ثلاثة أيام ونجح ولم يفِ بنذره ولم يصم، وهي ثلاثة أيام فقط؛ لأَن النَّفس في الحَقيقَة ضعيفة الإِيمَان

стр. 342

لا يهمها أن تُخالف، يَقُول: حصل المَقْصُود ولا يهمني، على كل حال هَذَا النَّذر يستدل على تَحْريمه بقَوْلهُ: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾. الفَائِدة الثَّانية: وُجوب تقييد الطَّاعة بالمعْرُوف، يعني أن تَكُون طاعة بالمعْرُوف، وهل المُراد بالمعْرُوف هُنا المعْرُوف بين النَّاس أو من الشَّرع؟ طاعة معْرُوفة من الشَّرع لَيْسَت الَّتِي بين النَّاس؛ لأَن النَّاس قد يعرفون شيئًا يظنونه طاعة ولَيْسَ بطاعة. الفَائِدة الثَّالِثَة: أنَّه لا تجوز الزِّيادة على الشَّرع في الطَّاعة ولا النَّقص؛ لقَوْله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ بدون غلو ولا تقصير. الفَائِدة الرَّابِعَة: إحاطة علم الله بكل شَيْء؛ لقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بكل ما تعملونه حاضرًا ومستقبلًا، والفَائِدة من ذكر علم الله بما نعلم لَيْسَ مُجرَّد أن يخبرنا بأنه يعلم، لكن الفَائِدة من ذَلِك هي الترغيب أو التخويف إلا إِذَا اقتضى السِّيَاق أن المُراد أحَدهما فقط، وإلا فكونك تعلم أن الله يعلم كل ما تعمل؛ فإن ذَلِك ينشطك على عبادتك.

стр. 343

الآية (٥٤) * قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. * * * قَوْلهُ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [عَنْ طَاعَته بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ خِطَاب لَهُمْ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ مِنْ التَّبْلِيغ ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ مِنْ طَاعَته ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: التَّبْلِيغ الْبَيِّن] اهـ. يَقُول الله تَعَالَى للنبي ﵊ آمرًا له أنْ يقولَ للنَّاس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقد سبق أن الطَّاعة موافقة الْأَمْر بفعل الأوامر واجتناب النَّواهي. وقَوْلهُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إعادة العامِل تدُلّ على أن طاعة الرَّسُول ﷺ طاعة مستقِلَّة، وأن ما جاء به الرَّسُول ﷺ فكَما جاء به عنه الله، ولهَذَا قَالَ العُلَماء: إن ما وجب في سُنَّة رَسُول الله ﷺ كالذي وجب في القُرْآن من أمر ونهي، وهَذَا واضح، لأنَّه جعل طاعة النَّبِيّ ﷺ طاعة مستقِلَّة حيث قَالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وقَوْلهُ: ﴿الرَّسُولَ﴾ (ال) للعهد وهو عهد ذهني يعني الرَّسُول المعهود بينكم وهو محمد ﷺ الَّذِي تعرفونه، و (ال) هَذِهِ لَيْسَت كالتي في قَوْل الله تعالى: ﴿فَعَصَى

стр. 344

فِرْعَوْنُ﴾ [المزمل: ١٦]، لأَن (ال) في قَوْلهُ: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ للعهد الذكري، ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]؛ فعصى فرعون رسوله. قوله ﵀: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: عَنْ طَاعَته بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ خِطَاب لَهُمْ. معنى: ﴿تَوَلَّوْا﴾ تُعرضوا، فالتولِّي الإِعْراض لكن من حيث اللَّفْظ أصلها تتولّوا، فإن تتولّوا، خطاب للنَّاس، فإن تتولوا - أيها النَّاس - ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ إِلَى آخِرِهِ، لكن حذفت منه إِحْدَى التاءين، وقد اختلف النَّحويون هل المحذوف تاء المُضارَعة أو المحذوف تاء الفِعْل؟ منهم من قَالَ: المحذوف تاء الفِعْل، لأَن تاء المُضارَعة جيء بها لمعنى فلا يَنْبَغِي حذفها، ومنهم من قَالَ المحذوف تاء المُضارَعة؛ لأَن تاء الفِعْل أصليَّة وأما تاء المضارَعة فهي زائدة، فهي أولى بالحذف من الحرف الأَصْلي، وعلى كل حال الخلاف في هَذَا لفظي لا يترتب علَيْه أمر معنوي، لكن المُراد بقول: ﴿تَوَلَّوْا﴾ تتولوا، نظير ذَلِك، حذف إِحْدَى التَّاءَيْن، في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ﴿تَلَظَّى﴾ بمَعْنى: تتلظى، ولَيْسَ تلظى فعلًا ماضيًا، لو كَانَ ماضيًا لقال: تلظت، لكنَّه فعل مُضارِع حذف منه إِحْدَى التاءين. قَوْلهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على الرَّسُول ﷺ ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ والبَيان والدعوة؛ فإنَّه ﵊ بلغ بلاغًا مبينًا ودعا النَّاس، أيضًا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ فالواجب على النَّبِيّ ﷺ أمران، والمُفَسِّر ﵀ اقتصر على أحَدهما، الواجب علَيْه التبليغ والدعوة، وقد بلَّغ ودعا ﷺ ، بلغ النَّاس ودعاهم وقام بما يَجب عليه. قَوْلهُ: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ما الَّذِي حُمّلنا؟ حُمِّلنا طاعته واتِّباعه. وعلى هَذَا فإن أخل هو بما يَجب علَيْه صَارَ مستحقًّا لما يترتب على ذَلِك، وإن أخللتم أنت بما

стр. 345

يَجب عليكم صرتم مستحقين لجزاء ذَلِك، والنَّبيّ ﵊ بلغ البلاع المبين؛ فقام بما حُمِّل، لكن الَّذينَ أعرضوا لم يقوموا بما حُمِّلوا، وفي هَذَا دَليل على أن الرَّسُول ﷺ لَيْسَ ملزمًا بهدايتهم، وهَذَا كثير في القُرْآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] , وقَوْلهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقَوْلهُ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. فالرَّسُول لَيْسَ ملزمًا بل إن الله نهاه أن يَكُون في صدره حرج وضيق وحزن؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]؛ يعني مهلك نفسك لعدم إيمانهم، وهَكَذا أيضًا من ورث النَّبِيّ ﷺ وهم العُلَماء - إنما عليهم البلاع والدعوة، أما هداية الخلق فهو إلى خالقهم ﵎، ولَيْسَ عَليْك هداهم. قَالَ اللهُ تَعَالَى مرغبًا في طاعته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أي: إن تُطيعوا الرَّسُول ﵊ ﴿تُطِيعُوهُ﴾، وفي هَذَا إِشارَة إلى ما سبق من أن ما جاءت به السُّنَّة فهو حكم مستقل يَجب أن يُطاع ويتبع كما جاء في القُرْآن، ولهَذَا قَالَ: ﴿تَهْتَدُوا﴾ فالهداية مطلوبة؛ فإذا أمر النَّبِيّ ﷺ بأمر فلا يجوز لنا أن نقول: هل لهَذَا أصل في القُرْآن أو لا؟ إن كَانَ له أصل قبلناه وإن لم يكن له أصل لم نقبله؛ لأَن هَذَا حرام، وهو كفر بالقرآن نفسه؛ لأَن الله يَقُول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثم قَالَ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ فدل هَذَا على أن كل ما جاء به فهو حق وهداية، لَيْسَ فيه باطل وضلال.

стр. 346

قَوْلهُ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ هَذَا الحصر حقيقيٌّ أو إضافيٌّ، وإذا قُلْنا: حقيقي كَيْفَ يَكُون حقيقيًّا وهو ﵊ يَجب علَيْه أن يُصلي وأن يزكي وأن يصوم؟ فالحصر الحقيقي معناه أن ما سواه منتهٍ، فهل يُمْكِن أن نقول: إن الرَّسُول ﷺ لَيْسَ علَيْه إلا أن يبلغ النَّاس، وأما أنَّه يفعل الطاعات هو بنَفْسِه فلَيْسَ علَيْه منها شَيْء؟ الجواب: هَذَا الحصر إضافي؛ يعني بالنِّسْبَةِ لما يَجب علَيْه نحوكم؛ لأنَّه قَالَ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ بالنِّسْبَةِ إليكم ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أما أن يهديكم ويرغمكم على الحَقّ فهَذَا لَيْسَ علَيْه كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ فيَكُون هَذَا الحصر بالنِّسْبَةِ لما يَجب علَيْه نحو أمته؛ فإنَّه لا يَجب علَيْه إلا البلاغ المبين، وهو حصر حقيقي بالنِّسْبَةِ لما يَجب علَيْه لا بالنِّسْبَةِ للعموم. لكن الحصر الحقيقيَّ هو الَّذِي يَكُون بالنِّسْبَةِ إلى العُموم، لا شَيْء علَيْه سوى هَذَا، ومعنى قولنا: إضافي أي: بالإضافة إلى كذا، كما لو قلت: لا جواد إلا فلان، هَذَا حصر، أي: أنَّه لا يوجد جواد سواه، مع أن الأجواد سواه كثيرون، لكن معنى لا جواد إلا فلان بالنِّسْبَةِ إلى قبيلته مثلًا أو بالإضافة إلى بلده أو ما أشبه ذَلِك، فإِذَنْ الحصر يَكُون إضافيًّا إِذَا كَانَ بمَعْنى الإضافة إلى كذا، وإذا صَارَ الحصر بالإضافة إلى الكل فهو حقيقي. قَوْلهُ: ﴿الْبَلَاغُ﴾ بمَعْنى التبليغ، وأصل البلاغ: الوصول إلى الغَايَة، يقال: بلغ كذا بمَعْنى وصل، فالمُبلِّغ موصل إلى غايَة؛ وهي: الهداية الَّتِي أَرَادَ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 347

من عباده أن يَكُونوا عَلَيْها، وقول المُفَسِّر: ﴿المُبِينُ﴾ (بمَعْنى البيِّن) فيه نظر؛ لأَنَّه سبق أن ﴿المُبِينُ﴾ تصح بمَعْنى البيِّن، وتصح بمَعْنى المبيِّن؛ يعني: الَّذِي أظهر وأوضح ما دعا إلَيْه وبلغه؛ فالمبين بمَعْنى المظهر ولَيْسَت بمَعْنى البين كما قَالَ المُفَسِّر ﵀. وأيهما أبلغ: المبين بمَعْنى المظهر أو المبين بمَعْنى البين؟ بمَعْنى المُظهر؛ لأَن المبين بمَعْنى المظهر، أي: بيِّن بنَفْسِه مبيِّن لغيره، والبيِّن بيِّن بنَفْسِه فقط، قد يبين غيره وقد لا يبين. * * *

стр. 348

الآية (٥٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀ [بَدَلًا عَنْ الْكُفَّار ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالمَفْعُول ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بَنِي إسْرَائِيل بَدَلًا عَنْ الجبَابِرَة، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وَهُوَ الإِسْلام بِأَنْ يُظْهِرهُ عَلَى جَمِيع الْأَدْيَان ويُوَسِّع لهمْ فِي الْبِلَاد فَيَمْلِكُوهَا ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ مِنْ الْكُفَّار ﴿أَمْنًا﴾. وَقَدْ أَنْجَزَ الله وَعْده لهمْ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الوعد معناه: أن يمني شخصًا بما يحب، وأما الوعيد: فأن يحذره مما يكره، ففرق بين الوعد والوعيد، الوعد لما يُرجى من المحبوب، والوعيد لما يُخشى من المكروه.

стр. 349

وقد قَالَ الشَّاعر (١): وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُه أَوْ وَعَدْتُه ... لمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ أي: أنَّه التزم لهم بما يحبون. قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: جمعوا بين الإِيمَان والعَمَل الصَّالح، الإِيمَان محله الْقَلْب، والعَمَل الصَّالح محله الجوارِح، والإِيمَان وحده لا يكفي، والعَمَل وحده لا يكفي، ولا يَكُون صالحًا إلَّا بالإِيمَان ولو كَانَ ظاهره الصَّلاح؛ فإذا لم يكن مبينًا على إيمان فإنَّه لَيْسَ بصالح، فالَّذينَ يجمعون بين الْأَمْرين: الإِيمَان والعَمَل الصَّالح، لهم هَذَا الوعد؛ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ ومعنى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أي: يجعلهم خلفاء لغيرهم يخلفون غيرهم في الأَرْض، وكَلِمة ﴿الْأَرْضِ﴾ المُراد بها الجنس، لَيْسَت أرضًا واحدة معينة بل أرض عامَّة، أي: الأَرْض كلها. وَذلِك لأَن ﴿الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ وقَوْلهُ: ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الَّذينَ يشاء الله أن يورثهم؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وعلى هَذَا؛ فمثلًا أرض العرب لَيْسَت للعرب وأرض لفرس لَيْسَت للفرس وأرض الروم لَيْسَت للروم، الأَرْض لله يورثها من يشاء من عباده؛ فيورثها العباد الصَّالحين الَّذينَ آمنوا وعملوا الصَّالحات؛ فمن كفر باللهِ وعتى عن طاعته فلا حق له في الأَرْض، فالحق لغيره، يورثها الله من يشاء من عباده الصَّالحين.

стр. 350

وعلى هَذَا فإذا قَالَ بنو إسرائيل: أرض الشَّام لنا؛ لأَن موسى ﵊ قَالَ: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، إِذَا قالوا هَذَا؛ نقول: إن موسى قَالَ هَذَا لأنكم في ذَلِك الوقت أنتم أهل الصَّلاح وأنتم عباد الله الصَّالحون، والأَرْض لله يورثها من يشاء من عباده الصَّالحين، فهي في هَذَا الوقت لكم. لكن لما جاء الإِسْلام وكفرتم به صرتم لستم أهلًا لها، وصَارَ أهلها الصَّالحون؛ وهم المُؤْمِنُونَ بمحمد ﷺ المتبعون له، ثم احتلها من بعد اليهود النَّصَارَى الروم؛ لأنهم كانوا هم الصَّالحون بعد اليهود، ثم احتلها من بعد الروم المُسْلِمُونَ؛ لأنهم هم عباد الله الصَّالحون؛ فأرض الشَّام كتبت للصالحين، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، ورثها بنو إسرائيل من الجبارين؛ لأنهم كانوا أهل الحَقّ، ثم ورثها النَّصَارَى من اليهود؛ لأنهم أهل الحَقّ، ثم ورثها المُسْلِمُونَ من النَّصَارَى؛ لأنهم أهل الحقّ. وعلى هَذَا فاليهود الآن لا حق لهم في فلسطين ولا غيرها من أرض الله، لَيْسَ لهم حق في الأَرْض أبدًا، لا هم ولا أي كافر؛ لأَن الأَرْض إنما يستحقها عبادُ الله الصَّالحون، لكن إن صلح المُسْلِمُونَ ورجعوا إلى دينهم الحقيقيِّ الَّذِي يورثهم الله به أرضه فإننا نجزم جزمًا بأنهم سوف يسترجعون الأَرْض، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فنحن نجزم بأن المُسْلِمِينَ الآن لو رجعوا حَقِيقَة إلى دين الله بالإِيمَان والعَمَل الصَّالح فسوف يطردون اليهود من الأَرْض، بل سوف يطردون الأمريكان من

стр. 351

أماكنهم والروس من أماكنهم، نجزم بهَذَا جزمًا، لكن ما دام المُسْلِمُونَ على هَذَا الوصف فإنَّه حسب القواعد الشَّرْعِيَّة والنُّصوص لا يستحقون النَّصر؛ لأنَّهم لم يقوموا بجهاد أنفسهم فكَيْفَ يقومون بجهاد غيرهم ليدخلوه في الإِسْلام، الآن أقيموا الإِسْلام فيما بينكم، أقيموا دين الله فيما بينكم ثم بعد ذَلِك سوف ينصر الله دينه إِذَا قمتم به، لأَن الله لا ينصر فلانًا لأَنَّه فلان أو ينصر هَذِهِ الطائفة، لأنهم عرب أو ينصر هَذِهِ الطائفة، لأنهم فرس، بل ينصر من قام بهَذَا الدِّين. صلاح الدِّين الأيوبي أصله غير عربي، ومع ذَلِك نصره الله على النَّصَارَى، لأَنَّه قام بدين الله، فالدِّين نفسه هو الَّذِي ينصر، هو الَّذِي سيشق عن نفسه، إن كمل فهو سلاح، وإن لم يكمل فلا يقوى لِلإنْسان سلاح ولا يسْتَطيع أن يحكم النَّصر بما في يده من صلاح أبدًا، إِذَا كَانَ سلاح الدّين بيد الْإِنْسَان يبقى هُناكَ السلاح المادي، لكن أيهما أقوى مادة؟ معْلُوم أن المُسْلِمِينَ أضعف الأُمَم مادة في الوقت الحاضر، لأنهم أمم متفرقة ومتناحرة والعداوات بينهم كَثيرَة والبغضاء بينهم كَثيرَة، هَذَا يدعو إلى كذا، وهَذَا يدعو إلى كذا، وهَذَا له منهج خاص، كلهم متفرقون وقد قَالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وهَذَا الْأَمْر منطبق تمامًا على المُسْلِمِينَ في الوقت الحاضر فلا اجتماع على الإِسْلام، ولا دين قيم مقام للمُسْلِمين، قد يوجد في شرذمة قليلة لكنها لا تمثل المُسْلِمِينَ، يوجد فيها شَيْء من الصَّلاح ومن الإِيمَان والعَمَل الصَّالح لكن على ضعف أيضًا. فالحاصِل: أن هَذَا الوعد الَّذِي وعده الله حق لكنَّه للذين آمنوا وعملوا الصَّالحات وهَؤُلَاءِ هم عباد الله الصَّالحون الَّذينَ قَالَ فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي

стр. 352

الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، فإذا قَالَ الَّذينَ يجاهدون اليهود: نحنُ سنطرد اليهود ونقيم على هَذِهِ البلاد المقدسة الَّتِي احتلوها برجسهم دولة إسلامية تقود النَّاس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم مثلوا ذَلِك بأنفسهم قبل أن يفتحوا هَذِهِ البلاد حينئذٍ نتيقن لهم النَّصر، وفيما عدا ذَلِك فالنَّصر غير مضمون، بل قد يَكُون بالعَكْسِ الهزيمة هي المضمونة؛ لأَن من قام بشَيْء وجاهد به وهو على خلافه فإن ذَلِك نوع من خداع الله ، ومن يخادع الله يخدعه. قَوْلهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ تقدَّم أن الأَرْض المُراد بها الجنس يعني لَيْسَت أرضًا معينة كأرض مكة يستخلف الله فيها المهاجِرينَ بدلًا عن المشرِكينَ بل المُراد كل الأَرْض. قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ هَذَا في الحقيقَة مثل قَوْلهُ: ﴿وَلَكِنْ لِطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠] يعني: ذكر من باب التَّوكيد وطُمأنِينَة الموعود بما وعد به، يعني كأنه قَالَ: انظروا إلى هَذَا الوعد الَّذِي وعدكم الله فقد تحقق فيمن قبلكم. قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [من بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة] اهـ. هَذَا صحيح وأيضًا من بني إسرائيل بدلًا عن الفراعنة؛ فإن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] ويقول أيضًا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل في ذَلِك الوقت ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)

стр. 353

وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٦]؛ هَذِهِ الجنات والعُيون والزُّروع والمقام الكَرِيم الَّتِي هي جنة الدُّنْيَا تركوها وأورثها الله تَعَالَى لبني إسرائيل، كَذلِكَ المُسْلِمُونَ. وقَالَ اللهُ تَعَالَى في اليهود الَّذينَ قضى عليهم بالقضاء على بني قريظة وبالتالي فتح خيبر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] يعني: ما وطئتم عَلَيْها أبدًا أورثكم الله إياها، وهَذَا وعد حق، وقد علمنا في التاريخ أن المُسْلِمِينَ حينما كَانَ يمثلون الإِسْلام حَقِيقَة ملكوا مشارق الأَرْض ومغاربها، ودانت لهم الأُمَم إدانة كاملة، وفي الحَقيقَة أنهم فتحوا تِلْك البلدان قبل كل شَيْء بالدِّين والأخلاق. فإن من سَبَرَ أحوال المُسْلِمِينَ دخل في الإِسْلام بدون أي قتال، ولكن مع ذَلِك استعانوا بالسلاح لئلا يقف أحد في وجه دعوتهم، واستعمال السلاح في الإِسْلام ما هو إلَّا مدافعة عن الإسْلام فقط لا إرغامًا للنَّاس أن يدخلوا بالسيف؛ لأَن الله يَقُول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: صدًّا عن سبيل الله وقيامًا ضد الدعوة الْإِسْلَامية ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهو الظَّاهِر وهو الغالِب. فعلى كل حال، نقول: إن من سَبَرَ أحوال التَّاريخ فيما قبل هَذِهِ الأُمَّة وفي هَذِهِ الأُمَّة عرف تصديق هَذَا الوعد، وأنه وعد تحقق، ونزل وأنه إنما تخلف فيما تخلف النَّقص؛ إما في الإِيمَان وإما في العَمَل الصَّالح؛ فتخلف النَّصر في أُحد لترك العَمَل الصَّالح؛ وهو الامتثال؛ حيث قَالَ الرَّسُول ﵊: "لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ،

стр. 354

إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا، فَلَا تُعِينُونَا" (١)، ولكنهم برحوا. وتخلَّف النَّصر في غزوة حُنَين لنقص الإِيمَان، وهو الاعتماد على الله بل اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم، وقالوا: لن نُغلب اليْوم من قلة، فغلبوا من قلة، فهَذَا دَليل على أنَّه متى تخلف أحد الوصفين: الإِيمَان أو العَمَل الصَّالح، فإنَّه يتخلف من هَذَا الوعد بقدر ما تخلف من هَذَيْنِ الوصفين. الْأَمْر الثَّاني: مما وعد الله به المُؤْمِنِينَ: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهَذَا هو قرة أعينهم قرة أعين المُؤْمِنِينَ أن الله يُمْكِن لهم دينهم الَّذِي ارتضى لهم، وأن يَكُون الإِسْلام هو المتمكِّن وهو الظَّاهِر وهو الغالِب هَذِهِ قرة عيون المُسْلِمِينَ، وهي إن لم تكن مثل الأولى فهي أولى منها، بالنِّسْبَةِ للمُؤْمن حقًّا الَّذِي يُرِيد الإِيمَان والْإِسْلَام، فلو سُئل المُؤْمِن: ماذا تتمنَّى؟ لم يقل: أتمنى أن يَكُون لي سيارة فخمة وقصر مشيد وما أشبه ذَلِك، قَالَ أتمنى أن أجد الإِسْلام هو العالي وهو المتمكن في الأَرْض، هَذِهِ أمنيته، وهَذه أمنية عليا لكل مُؤْمن. وفي قَوْلهُ: ﴿دِينَهُمُ﴾ الإضافَة إلَيْهم فيها نوع من التَّخصِيص نوع من الفخر والإعزاز، يعني: الدِّين الَّذِي اختاروه لأنفسهم وصَارَ خاصًّا بهم. ثم في قَوْلهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ في هَذَا أيضًا ميزة أُخْرَى بأن هَذَا الدِّين الَّذِي اختاروه هو الدِّين الَّذِي ارتضاه الله لهم أيضًا، فصَارَ هَذَا الدِّين ميزة وغبطة

стр. 355

للمُؤْمِنِينَ من ناحيتين، أولًا: أنَّه هو الَّذِي سلكوه واختارُوه لأنفسِهم، والشَّيء الثَّاني: أن الله ارْتضاهُ لهم أيضًا ليدينوا لله به، فيَكُون فيه مزيتان: مزية من جهة السالك في قَوْلهُ: ﴿دِينَهُمُ﴾، ومزية من جهة الشَّارع في قَوْلهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾؛ فهم رضوا هَذَا الدِّين، وربهم رضيه لهم، فكان هَذَا الدِّين الَّذِي ارتضوه لأنفسهم ورضيه الله لهم، فأعز شَيْء عليهم أن يُمْكِن الله لهم هَذَا الدِّين، وهَذه نتيجة ثانية لِلْإيمَانِ والعَمَل الصّالح: الأوَّل: الاستخلاف في الأَرْض، والثَّاني: أن يُمْكِن الله لهم الدِّين ويثبته ويقويه ويجعله الأعلى على غيره. قَوْلهُ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: (فيها قراءتان: التخفيف "وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ" (١) والتشديد ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾، وهما بمَعْنى واحد أو مع اختلاف يسير). قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ أتى بقَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ولم يقل: بخوفهم أمنًا لِتُحقق الخَوْف الأوَّل، ثم يأتي من بعده الأَمْن وظهور نعمة الأَمْن، وفَائِدَته بعد الخَوْف أبلغ من ظهور أمنٍ على أمن، لأَنَّه لا تعرف قيمة الأَشْيَاء إلَّا بضدها، فإذا قدر أن هَذَا الْإِنْسَان في خوف ثم أبدل بعد الخَوْف أمنًا ظهر لِهَذَا الأَمْن من الأثر في نفْسِه ما هو أبلغ مما لو كَانَ أمنًا على أمن، ولذَلك الآن هَؤُلَاءِ الشَّباب من بنينا الَّذينَ عاشوا في هَذَا الظل الوارف والنَّعيم الوافر من الإطعام من الجوع والأَمْن من الخَوْف؛ هل يقدِّرون نعمة الله هَذَا الأَمْن؟ أبدًا لا يقدرون نعمة الشِّبع، بالنِّسْبَةِ إلَيْهم كأنه أمر عادي خلقوا علَيْه ولن يتبدل، لكن من ذاق ألم الجوع ورهبة الخَوْف ممَّن سبقونا ثم أدركوا هَذَا النَّعيم يعرفون قدر هَذَا النَّعيم، الَّذينَ كانوا يبيتون ليالي
следующие страницы →