أماكنهم والروس من أماكنهم، نجزم بهَذَا جزمًا، لكن ما دام المُسْلِمُونَ على هَذَا الوصف فإنَّه حسب القواعد الشَّرْعِيَّة والنُّصوص لا يستحقون النَّصر؛ لأنَّهم لم يقوموا بجهاد أنفسهم فكَيْفَ يقومون بجهاد غيرهم ليدخلوه في الإِسْلام، الآن أقيموا الإِسْلام فيما بينكم، أقيموا دين الله فيما بينكم ثم بعد ذَلِك سوف ينصر الله دينه إِذَا قمتم به، لأَن الله لا ينصر فلانًا لأَنَّه فلان أو ينصر هَذِهِ الطائفة، لأنهم عرب أو ينصر هَذِهِ الطائفة، لأنهم فرس، بل ينصر من قام بهَذَا الدِّين.
صلاح الدِّين الأيوبي أصله غير عربي، ومع ذَلِك نصره الله على النَّصَارَى، لأَنَّه قام بدين الله، فالدِّين نفسه هو الَّذِي ينصر، هو الَّذِي سيشق عن نفسه، إن كمل فهو سلاح، وإن لم يكمل فلا يقوى لِلإنْسان سلاح ولا يسْتَطيع أن يحكم النَّصر بما في يده من صلاح أبدًا، إِذَا كَانَ سلاح الدّين بيد الْإِنْسَان يبقى هُناكَ السلاح المادي، لكن أيهما أقوى مادة؟
معْلُوم أن المُسْلِمِينَ أضعف الأُمَم مادة في الوقت الحاضر، لأنهم أمم متفرقة ومتناحرة والعداوات بينهم كَثيرَة والبغضاء بينهم كَثيرَة، هَذَا يدعو إلى كذا، وهَذَا يدعو إلى كذا، وهَذَا له منهج خاص، كلهم متفرقون وقد قَالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وهَذَا الْأَمْر منطبق تمامًا على المُسْلِمِينَ في الوقت الحاضر فلا اجتماع على الإِسْلام، ولا دين قيم مقام للمُسْلِمين، قد يوجد في شرذمة قليلة لكنها لا تمثل المُسْلِمِينَ، يوجد فيها شَيْء من الصَّلاح ومن الإِيمَان والعَمَل الصَّالح لكن على ضعف أيضًا.
فالحاصِل: أن هَذَا الوعد الَّذِي وعده الله حق لكنَّه للذين آمنوا وعملوا الصَّالحات وهَؤُلَاءِ هم عباد الله الصَّالحون الَّذينَ قَالَ فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي
стр. 352
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، فإذا قَالَ الَّذينَ يجاهدون اليهود: نحنُ سنطرد اليهود ونقيم على هَذِهِ البلاد المقدسة الَّتِي احتلوها برجسهم دولة إسلامية تقود النَّاس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم مثلوا ذَلِك بأنفسهم قبل أن يفتحوا هَذِهِ البلاد حينئذٍ نتيقن لهم النَّصر، وفيما عدا ذَلِك فالنَّصر غير مضمون، بل قد يَكُون بالعَكْسِ الهزيمة هي المضمونة؛ لأَن من قام بشَيْء وجاهد به وهو على خلافه فإن ذَلِك نوع من خداع الله ، ومن يخادع الله يخدعه.
قَوْلهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ تقدَّم أن الأَرْض المُراد بها الجنس يعني لَيْسَت أرضًا معينة كأرض مكة يستخلف الله فيها المهاجِرينَ بدلًا عن المشرِكينَ بل المُراد كل الأَرْض.
قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ هَذَا في الحقيقَة مثل قَوْلهُ: ﴿وَلَكِنْ لِطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠] يعني: ذكر من باب التَّوكيد وطُمأنِينَة الموعود بما وعد به، يعني كأنه قَالَ: انظروا إلى هَذَا الوعد الَّذِي وعدكم الله فقد تحقق فيمن قبلكم.
قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [من بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة] اهـ.
هَذَا صحيح وأيضًا من بني إسرائيل بدلًا عن الفراعنة؛ فإن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] ويقول أيضًا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل في ذَلِك الوقت ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)
стр. 353
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٦]؛ هَذِهِ الجنات والعُيون والزُّروع والمقام الكَرِيم الَّتِي هي جنة الدُّنْيَا تركوها وأورثها الله تَعَالَى لبني إسرائيل، كَذلِكَ المُسْلِمُونَ.
وقَالَ اللهُ تَعَالَى في اليهود الَّذينَ قضى عليهم بالقضاء على بني قريظة وبالتالي فتح خيبر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] يعني: ما وطئتم عَلَيْها أبدًا أورثكم الله إياها، وهَذَا وعد حق، وقد علمنا في التاريخ أن المُسْلِمِينَ حينما كَانَ يمثلون الإِسْلام حَقِيقَة ملكوا مشارق الأَرْض ومغاربها، ودانت لهم الأُمَم إدانة كاملة، وفي الحَقيقَة أنهم فتحوا تِلْك البلدان قبل كل شَيْء بالدِّين والأخلاق.
فإن من سَبَرَ أحوال المُسْلِمِينَ دخل في الإِسْلام بدون أي قتال، ولكن مع ذَلِك استعانوا بالسلاح لئلا يقف أحد في وجه دعوتهم، واستعمال السلاح في الإِسْلام ما هو إلَّا مدافعة عن الإسْلام فقط لا إرغامًا للنَّاس أن يدخلوا بالسيف؛ لأَن الله يَقُول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: صدًّا عن سبيل الله وقيامًا ضد الدعوة الْإِسْلَامية ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهو الظَّاهِر وهو الغالِب.
فعلى كل حال، نقول: إن من سَبَرَ أحوال التَّاريخ فيما قبل هَذِهِ الأُمَّة وفي هَذِهِ الأُمَّة عرف تصديق هَذَا الوعد، وأنه وعد تحقق، ونزل وأنه إنما تخلف فيما تخلف النَّقص؛ إما في الإِيمَان وإما في العَمَل الصَّالح؛ فتخلف النَّصر في أُحد لترك العَمَل الصَّالح؛ وهو الامتثال؛ حيث قَالَ الرَّسُول ﵊: "لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ،
стр. 354
إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا، فَلَا تُعِينُونَا" (١)، ولكنهم برحوا.
وتخلَّف النَّصر في غزوة حُنَين لنقص الإِيمَان، وهو الاعتماد على الله بل اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم، وقالوا: لن نُغلب اليْوم من قلة، فغلبوا من قلة، فهَذَا دَليل على أنَّه متى تخلف أحد الوصفين: الإِيمَان أو العَمَل الصَّالح، فإنَّه يتخلف من هَذَا الوعد بقدر ما تخلف من هَذَيْنِ الوصفين.
الْأَمْر الثَّاني: مما وعد الله به المُؤْمِنِينَ: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهَذَا هو قرة أعينهم قرة أعين المُؤْمِنِينَ أن الله يُمْكِن لهم دينهم الَّذِي ارتضى لهم، وأن يَكُون الإِسْلام هو المتمكِّن وهو الظَّاهِر وهو الغالِب هَذِهِ قرة عيون المُسْلِمِينَ، وهي إن لم تكن مثل الأولى فهي أولى منها، بالنِّسْبَةِ للمُؤْمن حقًّا الَّذِي يُرِيد الإِيمَان والْإِسْلَام، فلو سُئل المُؤْمِن: ماذا تتمنَّى؟ لم يقل: أتمنى أن يَكُون لي سيارة فخمة وقصر مشيد وما أشبه ذَلِك، قَالَ أتمنى أن أجد الإِسْلام هو العالي وهو المتمكن في الأَرْض، هَذِهِ أمنيته، وهَذه أمنية عليا لكل مُؤْمن.
وفي قَوْلهُ: ﴿دِينَهُمُ﴾ الإضافَة إلَيْهم فيها نوع من التَّخصِيص نوع من الفخر والإعزاز، يعني: الدِّين الَّذِي اختاروه لأنفسهم وصَارَ خاصًّا بهم.
ثم في قَوْلهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ في هَذَا أيضًا ميزة أُخْرَى بأن هَذَا الدِّين الَّذِي اختاروه هو الدِّين الَّذِي ارتضاه الله لهم أيضًا، فصَارَ هَذَا الدِّين ميزة وغبطة
стр. 355
للمُؤْمِنِينَ من ناحيتين، أولًا: أنَّه هو الَّذِي سلكوه واختارُوه لأنفسِهم، والشَّيء الثَّاني: أن الله ارْتضاهُ لهم أيضًا ليدينوا لله به، فيَكُون فيه مزيتان: مزية من جهة السالك في قَوْلهُ: ﴿دِينَهُمُ﴾، ومزية من جهة الشَّارع في قَوْلهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾؛ فهم رضوا هَذَا الدِّين، وربهم رضيه لهم، فكان هَذَا الدِّين الَّذِي ارتضوه لأنفسهم ورضيه الله لهم، فأعز شَيْء عليهم أن يُمْكِن الله لهم هَذَا الدِّين، وهَذه نتيجة ثانية لِلْإيمَانِ والعَمَل الصّالح: الأوَّل: الاستخلاف في الأَرْض، والثَّاني: أن يُمْكِن الله لهم الدِّين ويثبته ويقويه ويجعله الأعلى على غيره.
قَوْلهُ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: (فيها قراءتان: التخفيف "وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ" (١) والتشديد ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾، وهما بمَعْنى واحد أو مع اختلاف يسير).
قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ أتى بقَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ولم يقل: بخوفهم أمنًا لِتُحقق الخَوْف الأوَّل، ثم يأتي من بعده الأَمْن وظهور نعمة الأَمْن، وفَائِدَته بعد الخَوْف أبلغ من ظهور أمنٍ على أمن، لأَنَّه لا تعرف قيمة الأَشْيَاء إلَّا بضدها، فإذا قدر أن هَذَا الْإِنْسَان في خوف ثم أبدل بعد الخَوْف أمنًا ظهر لِهَذَا الأَمْن من الأثر في نفْسِه ما هو أبلغ مما لو كَانَ أمنًا على أمن، ولذَلك الآن هَؤُلَاءِ الشَّباب من بنينا الَّذينَ عاشوا في هَذَا الظل الوارف والنَّعيم الوافر من الإطعام من الجوع والأَمْن من الخَوْف؛ هل يقدِّرون نعمة الله هَذَا الأَمْن؟ أبدًا لا يقدرون نعمة الشِّبع، بالنِّسْبَةِ إلَيْهم كأنه أمر عادي خلقوا علَيْه ولن يتبدل، لكن من ذاق ألم الجوع ورهبة الخَوْف ممَّن سبقونا ثم أدركوا هَذَا النَّعيم يعرفون قدر هَذَا النَّعيم، الَّذينَ كانوا يبيتون ليالي
стр. 356
لا يقتاتون إلَّا من ورق الشَّجر إن تيسَّر لهم، ولا يأكلون اللَّحم إلَّا من خِفاف الإِبل المشويَّة إن تيسَّرت، هَؤُلَاءِ هم الَّذينَ عرفوا قدر هَذِهِ النِّعمة، والآن أصبحت اللحوم تلقى على المزابل من عدم أكلها.
فعلى كل حال: الأَمْن بعد الخَوْف أَشَدّ ظهورًا منه من الأَمْن على الأَمْن؛ لأنَّه لا يظهر في الحقيقَة استمرار الأَمْن بين قوم لم يذوقوا رهبة الخَوْف، هَذَا قد لا يُشعر به، والَّذي يشعر بظُهور نعمة الأَمْن إنما يَكُون ذاقها من بعد الخَوْف، ولا شَك أن الَّذينَ خوطبوا بهَذه الآيَة أولًا قد ذاقوا رهبة الخَوْف؛ لأنهم كانوا خائفين من أعدائهم الْكُفَّار لما لاقوه من الأَذَى الشَّديد القولي والفِعْلي، حَتَّى النَّبِيّ ﷺ لم يخرج من مكة إلَّا خائفًا متخفيًا ﵊، حَتَّى أظهره الله فاتحًا منصورًا مؤزرًا فإذا تصور الْإِنْسَان إبدال الخَوْف بالأَمْن يجد أن للخوف أثرًا كبيرًا في نفْسِه.
قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ الْكُفَّار ﴿أَمْنًا﴾ وَقَدْ أنجَزَ الله وَعْده لهمْ بِمَا ذُكِرَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بقَوْلهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾] اهـ.
الحمد لله، نعم أنجز الله وعده وقد قَالَ النَّبِيّ ﵊ وهو على باب مكة عام الفتح معلنًا للتوحيد الَّذِي كَانَ يُحارب في مثل ذَلِك المكان، قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (١)، وقد تحقق - ولله الحمد - فكانت الأصنام في جوف الكَعْبة وحول الكَعْبة، وهَذَا يُنافي تمامًا شهادة أن لا إله إلَّا الله، وقد كَانَ المُسْلِمُونَ منهم من لا يُمَكَّن من البَيْت أو من الصَّلاة حوله، وإذا صلى حوله سُخر منه وأوذي، حَتَّى إن إمامهم محمد ﷺ كَانَ ساجدًا وكان حوله أَبو جهل ومَنْ معه من شرار قريش فقالوا: ألا رجل يأتي بسلا
стр. 357
جَزُور بني فلان، فيلقيه على محمد ﷺ وهو ساجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به ووضعه على النَّبِيّ ﷺ -وهو ساجد، فجعلوا يضْحَكُون ويهزؤون به، حَتَّى إن بعضَهم يسقط من الضَّحك والسُّخرية، إلى أن جاءت فاطمة ابنته وكانت صغيرة لا يجرؤون على أن يمنعوها، فأخذت هَذَا من على ظهره ﷺ (١).
فأقول: هَذَا البَيْت الَّذِي كَانَ حال المُسْلِمِينَ فيه على هَذَا الوضع بعد مدة وجيزة -ولله الحمد- وقف النَّبِيّ ﵊ على عتبة الباب حكمًا في قريش الَّذينَ هم فعلوا به ما فعلوا وقال لهم: "مَا ترَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ " قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، وفي هَذَا المقام الَّذِي يسْتَطيع أن ينتقم كما يُرِيد ﵊، قَالَ لهم: "أَقُولُ كَما قَالَ يُوسُفُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" (٢)؛ فأي تمكين أقوى من هَذَا التمكين وأي عَزَّ أعلى من هَذَا العز، فصدق الله وعده ﵎ في مدة وجيزة - ولله الحمد -، وإلَّا فمن كَانَ يفكر أنَّه في خلال ثمان سنوات من خروج النَّبِيّ ﵊ إلى عام الوفود، كما هو معْرُوف، ثم يرجع فاتحًا منصورًا مؤزرًا.
يَقُول المُفَسِّر ﵀: [وَقَدْ أَنْجَزَ الله وَعْده لهمْ بِمَا ذُكِرَ وَأَثَنَى عَلَيْهِمْ بقَوْلهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾].
المُفَسِّر يرى أن هَذِهِ الجُمْلَة استئنافية للثناء عليهم، ويحتمل أن تَكُون هَذِهِ الجُمْلَة استئنافية لَيْسَ الغرض منها ثناء بل الغرض منها استمرار الصِّفة من الإِيمَان
стр. 358
والعَمَل الصَّالح، يعني: أن هَذَا التمكين وهَذَا الاستخلاف وهَذَا التبديل بالأَمْن بعد الخَوْف يَكُون إِذَا استمروا على عبادة الله من غير إشراك به، فتكون الجُمْلَة هَذِهِ حالية أو استئنافية، والغرض منها بَيان أن هَذَا الوضع الحاصل أو هَذَا الوعد الَّذِي وعد الله به حاصل ما استمروا على عبادة الله وعدم الإشراك به، ونضيف هَذِهِ الصِّفة، وهي إخلاص التوحيد لله والبقاء علَيْه الَّذِي هو شرط للتمكين مع قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]؛ هَذِهِ أربع صِفات مع هَذِهِ الصِّفة وهي العِبادَة بدون إشراك، فتكون أَسْبَاب النَّصر الَّتِي وعد الله به خمسة: عبادة الله بدون إشراك الَّتِي أعلاها التوحيد، ثم إقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والْأَمْر بالمعْرُوف، والنَّهْي عن المُنْكر.
فهَذه هي أَسْبَاب النَّصر الحقيقية الَّتِي بها ينصر الله عباده، وما عدا ذَلِك فلَيْسَ بسبب من أَسْبَاب النَّصر، ويلاحظ أن إعداد القوة داخل في ضمن هَذِهِ الأَشْيَاء، لأَنَّه من جملة عبادة الله حيث أمر الله به، وكل ما أمر الله به فهو من العِبادات، أما رجل يَقُول: أتمنى النَّصر لكن لا يقيم الصَّلاة من أين يأتيه النَّصر؟ ويقول: إنه يتمنَّى النَّصر لكنَّه لا يأمر بالمعْرُوف ولا ينهى عن المُنْكر، فمن أين يأتيه النَّصر؟ لا بُدَّ من أمر بمعْرُوف ونهي عن منكر، ولنثق أنَّه لا يُمْكِن أن يقوم للمُسْلِمين قائمة إلَّا بالْأَمْر بالمعْرُوف والنَّهْي عن المُنْكر؛ لأنَّهم إن لم يأمروا بالمعْرُوف وينهوا عن المُنْكر لزم ولابُدَّ التفرق بينهم، أنا أقول: إِذَا لم يأمر النَّاس بالمعْرُوف وينهوا عن المُنْكر، فإنَّه يَلْزَم لزومًا حتميًّا مؤكّدًا أن يتفرقوا، لأَن مشرب النَّاس لَيْسَ واحدًا وهدفهم لَيْسَ واحدًا، هَذَا أمر بالضَّرورة، فمثلًا الَّذِي ارتد عن الإِسْلام إِذَا لم نرده إلى الإِسْلام
стр. 359
صَارَ مفارقًا لنا يسلك غير ما نسلك، ولِهَذَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ثم قَالَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]؛ فدَلَّ هَذَا على أنَّه بترك الْأَمْر بالمعْرُوف والنَّهْي عن المُنْكر يَكُون التفرق، وهو أمر واقع طبيعي.
قَوْلهُ: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سِيَاق النَّفي؛ فتعم أي شَيْء مما يُشرك به، ولَيْسَ الشِّرك خاصًّا بعبادة الوثن بأن يركع الْإِنْسَان ويسجد لشجر أو حجر أو قبر أو شمس أو قمر، لا، الشِّرك أعم من ذَلِك كله؛ حَتَّى إنه إِذَا أُطيع الْإِنْسَان في معْصِيَة الله يَكُون ذَلِك شركًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
قَالَ عدي بن حاتم ﵁: يا رَسُول الله، إنا لسنا نعبدهم! قَالَ: "أَليْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ اطرامَ فتسْتَحِلُّونَهُ، وَيحرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الحَلَالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ "، قَالَ: نعم، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (١).
الرَّجل يفضل الدُّنْيَا ويقدمها على الْآخِرَة؛ هل هو مشرك أو لا؟ نعم، مشرك؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ" (٢)؛ لأَن أصل العِبادَة مأخوذ من الذُّلِّ، ومنه قولهم: طريق مُعَبَّد، يعني مذللًا لسالكيه يمشون عليه، فكون
стр. 360
الْإِنْسَان يذل للدرهم والدِّينار حَتَّى يقدمه على طاعة الله ، هَذَا نوع من الشِّرك، ولِهَذَا سمَّاه النَّبيّ ﵊ عابدًا له.
كَلِمة: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ لَيْسَت بالكَلِمة الهيِّنة، إِذَا كنا نتصور مَعْناها كما جاء في الكتاب والسنة، أما إِذَا ضيقنا مَعْناها وقُلْنا لا يشركون به شيئًا، أي: لا يعبدون شجرًا ولا حجرًا، صَارَت ضيقة، ولا معنى للعُموم فيها.
فإِذَنْ عبادة الله حقًّا لا تَكُون إلَّا بانتفاء الشِّرك مطلقًا، بحيث لا يشرك باللهِ أحدًا، لَيْسَ الشَّرك في العِبادَة فقط، بل في نفس العِبادَة والإِرادَة وغير ذَلِك، فإذا حقق هَذَا الْأَمْر فقد تحقق الإِخْلاص، وقد تقدَّم أن بعض السَّلف كَانَ يَقُول: ما جاهدت نفسي على شَيْء مجاهدتها على الإِخْلاص، وهَذَا حَقِيقَة، فالإِخْلاص: أن لا يشرك الْاِنْسَان باللهِ شيئًا لا في العِبادَة الَّتِي لله وحده ولا في الإِرادَة وهَذَا أمر يصعب جدًّا على الْإِنْسَان أن يحققه، ولكن بعون الله والاستعانة به يحصل المَطْلوب.
قَوْلهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [هُوَ مُسْتَانْف فِي حُكْم التَّعْلِيل] اهـ.
هَذَا غريب من المُفَسِّر ﵀، جعله في الأوَّل ثناء علَيْه ثم جعله تعليلًا، وفي الحقيقَة لا شَك أنَّه تعليل كما قررناه، لكنَّه متضمن للثناء، لأَن من عبدِ الله استحق الثَّناء.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: الحث والتَّرغيب على الاِيمَان والعَمَل الصَّالح.
стр. 361
الفَائِدة الثَّانية: الوعد لمن اتصفوا بهَذَيْنِ الوصْفَيْن أن يستخلِفَهم الله تَعَالَى في الأَرْض كما استخلف الَّذينَ من قبلهم، يعني: يجعلهم خُلَفاء لأهلِها في إِرثها من بعدهم.
الفَائِدة الثَّالِثَة: حسن التَّعليل؛ حيث إن الله ذكر الشَّواهد على وعده بالْأُمُور الواقِعة، لقَوْله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ فإن الله أَرَادَ بهَذَا المثال، وهو قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ طمأنة هَؤُلَاءِ الموعودين بذكر الْأَمْر واقعًا فيمن قبلهم، فيَكُون في ذَلِك زيادة تشجيع لهم على ذَلِك.
الفَائِدة الرَّابِعَة: أن الأَرْض لله يورثها من يشاء من عباده، وهو الَّذِي يستخلف فيها النَّاس بدل غيرهم، ولَيْسَ للنَّاس في هَذِهِ الأَرْض ملك، الملك في الأَرْض لله يؤتيه من يشاء لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
الفَائِدة الخَامِسَة والسَّادِسَة: أن الإِيمَان والعَمَل الصَّالح سبب لتمكين الدِّين في الأَرْض، وأن المخالفة سبب لنزع الدِّين من الأَرْض؛ لقَوْله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ فيفهم منه أنهم لو فسقوا ولم يؤمنوا ولم يعلموا صالحا ما مُكِّن لهم الدِّين الَّذِي هو لهم والذي ارتضاه الله تَعَالَى لهم، ويتفرع على الفَائِدة السَّابِقة التَّحذِير البالغ من المخالفة والفُسوق، وأن ذَلِك سبب لنزع الدِّين منهم، وهَذَا هو المطَّرد في سنن الله ؛ فإن النِّعم إِذَا لم تُشكر زالت، وأكبر نعمة أنعم الله بها علَى عِبَادِه هي نعمة الدِّين، فإذا لم تُشكر فإنها تزول كغيرها من النِّعم.
стр. 362
الفَائِدة السَّابِعَة: كمال الدِّين الْإِسْلَامي حيث قَالَ: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ فهو الدِّين الَّذِي ارتضاه لعباده، وهو أكمل الأديان ولذَلك ختمت به الرسالات.
الفَائِدة الثَّامِنَة: أن الإِيمَان والعَمَل الصَّالح سبب لاستمرار الأَمْن ولزوال الخَوْف، إِذَا كَانَ هُناكَ أمن سابق فهو يستمر ولزوال الخَوْف، فإذا كَانَ هُناكَ خوف فإنَّه يزول؛ لقَوْله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
الفَائِدة التَّاسِعَة: أن الْأُمُور الهامة يَنْبَغِي تأكيدها بأنواع المؤكِّدات، فإن هَذَا الوعد من الْأُمُور الهامة لما يترتَّب علَيْه من المَصالِح والمنافع في الدُّنْيَا والْآخِرَة، ولِهَذَا أكَّده الله تَعَالَى بالقسم واللَّام والنُّون، كما في قَوْلهُ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، وقَوْلهُ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، وأكَّده أيضا بمؤكِّد معنوي لَيْسَ بأداة لفظية، وهو قَوْلهُ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فإن المُراد بهَذَا التَّشبِيه كما أسلفنا تأكيد هَذَا الوعد بذكر شواهده، فيَكُون ذَلِك أيضا تأكيد معنوي على تأكيد لفظي؛ فالأول كما تقدَّم المؤكِّد اللَّام والنُّون والقسم، هَذِهِ مؤكِّدات لفظية، لكن قَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيه مؤكِّد معنوي؛ حيث إنه يذكر ما يقوِّي الْقَلْب ويثبِّته.
الفَائِدة العاشرة: أن الإِيمَان والعَمَل الصَّالح هو عبادة الله؛ لقَوْله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، وعلَيْه يَكُون تحقيق التوحيد من أَسْبَاب هَذَا الوعد الَّذِي وعد الله به.
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: التَّهدِيد للكَافِرين؛ لقَوْله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فإن هَذَا تهديد لمن كفر بعد هَذَا الوعد أو بعد هَذَا الواقِع،
стр. 363
فمن كفر سواء كَانَ وقع له ما ذُكر من الاستخلاف في الأَرْض والأَمْن أو لم يقع له، ولكنه وُعد به؛ فإن كفره بعد ذَلِك يجعله فاسقًا.
الفَائِدة الثَّانية عشرة: عظم هَذَا الفسق الَّذِي يحصل بعد هَذَا الوعد أو بعد هَذَا الواقِع، ووجه عظمه حصر الفسق في هَؤُلَاءِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ هو مع أَنَّه يُوجَد أناس فاسقون غيرهم، لكن لِعِظَم فسقهم حصر الفسق فيهم.
* * *
стр. 364
الآية (٥٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: افعلوها قيمة على الوجه الَّذِي شرع الله تَعَالَى ورسوله، هَذَا معنى إقامة الصَّلاة، وإقامة الشَّيء يعني: تعديله وجعله قويمًا، وضد ذَلِك تعويجه بالإفساد والنَّقص، فإِذَنْ معنى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ افعلوها كاملة.
وقَوْلهُ: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يعم الفرض والنَّفل؛ ولِذَلك إِذَا دخل الْإِنْسَان في نفل وجب علَيْه أن يأتي به كما شُرع.
فلو أَرَادَ الْإِنْسَان أن يتنفل بنافلة كصلاة نفل مثلًا، ويترك التَّسبيح أو يترك التكبير أو يترك التشهد ويقول: ما دام الْأَمْر نفلًا فلا بأس نقول له: هو نفل قبل أن تدخل فيه، فإذا دخلت صَارَ الإتيان به على الوجه المشروع أمرًا مفروضًا، لو قَالَ: سأصلي نفلًا لكن سأسجد قبل الركوع؛ لأنه نفل أو سأصلي وأسجد مرة واحد، ألَيْسَ ذَلِك نفلًا؟ نقول له: هَذَا لا يجوز؛ لأنه إِذَا كَانَ نفلًا فإن إقامته على الوجه المشروع واجبة.
وقَوْلهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أعطوها لمستحقها، وقد بيَّن الله المستحقين للزكاة بقَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
стр. 365
قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].
قَوْلهُ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الطَّاعة سبق أنَّها موافقة الْأَمْر فعلًا للمأمور وتركًا للمحذور.
وقَوْلهُ: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ هَذَا من باب عطف العامّ على الخاص؛ فإن إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة من طاعة الرَّسُول، لكن هَذَا من باب التنويه بفضل إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة.
وقَوْلهُ: ﴿الرَّسُولَ﴾ (ال) للعهد الذهني؛ يعني: الرَّسُول الَّذِي هو معْرُوف لديكم، وهو محمد ﷺ .
قَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي رَجَاء الرَّحْمَة] اهـ.
وهَذَا يدُلّ على أن المُفَسِّر جعل (لعل) للرجاء لكن باعتبار الفاعل لا باعتبار المتكلِّم، يعني: أنكم تفعلون ذَلِك لأجل أن تُرحموا راجين بِذَلِك الرَّحمة، فتكون هُنا (لعل) للترجِّي، لكن باعتبار الفاعل الَّذِي هو المخاطب لا باعتبار المتكلِّم، فإن المتكلِّم، وهو الله ؛ لأَن الله لا يعجزه شَيْء حَتَّى يترجاه.
ويجوز أن نجعل (لعل) للتَّعليل وتكون باعتبار المتكلِّم، يعني: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ لأَن ذَلِك سبب لرحمتكم، وهَذَا أقرب؛ فإن (لعل) في كلام الله بل في كلام كل مخاطب تُحمل على ما يُرِيد المتكلّم لا على ما يريده المُخاطب، وعلى ها فنقول: (لعل) للتَّعليل، وَيكُون فيه دَليل على أن إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وطاعة الرَّسُول سبب لرحمة الله، وقَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: من قِبَل الله .
стр. 366
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: وُجوب إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وطاعة الرَّسُول، ونأخذ الوُجوب من الْأَمْر، لأَن الأَصْل في الْأَمْر الوُجوب.
الفَائِدة الثَّانية: فضيلة الزَّكاة؛ حيث إنها قُرنت بالصَّلاة، وهي مقرونة بالصَّلاة في مواضع كَثيرَة من القُرْآن؛ وسبب ذَلِك - والله أعلم - أن الزَّكاة عبادة مالية محضة، والصَّلاة عبادة بدنية محضة، وكلاهما من جنس، ولِذَلك حث الله عليهما جميعًا.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الذي ثبت في السنة كالَّذي ثبت في القُرْآن؛ لقَوْله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وهَذَا شامل لما قاله النَّبِيّ ﵊ ابتداء، ولما قاله تفسيرًا للقرآن؛ فيَكُون فيه دَليل على وُجوب العَمَل بالسنة كما يَجب العَمَل بالقرآن، والأدلَّة في ذَلِك كَثيرَة جدًّا، ولكن يَنْبَغِي التركيز عَلَيْها؛ لأَنَّه ظهر في وقتنا من الزِّنَادقة من يَقُولُونَ: إنه لا يَجب العَمَل بما في السُّنة، بل وُجد من صادروا كتب السنة، صادروا صحيح البخاري ومسلم وحجبوهما عن الأسواق، لأنهم يرون أن السنة لا يَجب العَمَل بها، بل على مقتضى عمله هَذَا أن السنة ضلال، لأَنَّه لا تُصادر الكتب وتُحجب عن النَّاس إلَّا إِذَا كَانَت سببًا لفسادهم وضلالهم.
الفَائِدة الرَّابِعَة: إِثْبات الأَسْبَاب وأن الأَسْبَاب موجبة بذاتها، لقَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ حيث جعل هَذِهِ الأَشْيَاء الثَّلاثة: إقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وطاعة الرَّسُول سببًا للرحمة.
والصَّحيح، كما أشرنا إلَيْه سابقًا، أن السَّبَب موجب بذاته، لكن هل هو مستقل
стр. 367
عن الله أو بإذن الله؟ باذن الله، وأما من قَالَ: إن السَّبَب غير موجب وإنَّما هو أمارة وعلامة فقط فقوله يرده الشَّرع والواقِع.
الفَائِدة الخَامِسَة: فضيلة هَذِهِ الْأُمُور الثَّلاثة؛ حيث كَانَت سببًا لرحمة الله، والتي هي: إقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وطاعة الرَّسُول.
الفَائِدة السَّادِسَة: أن الصَّلاة أفضل من الزَّكاة، وَذلِك لتقديمها عَلَيْها في كل موضع، اللهم إلَّا أن يَكُون هُناكَ سبب خاص لتقديم الإنفاق، فقد يُقدَّم الإنفاق على الصَّلاة، لكن عنْدَما تُذكر الصَّلاة والزَّكاة معًا فإنها تُقدَّم.
* * *
стр. 368
الآية (٥٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧]
* * *
قَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّة وَالْفَاعِلُ الرَّسُولُ ﷺ ] اهـ.
أما قَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فهو خطاب على كلام المُفَسِّر للرَّسول ﷺ ، ولكن يوجد احتمال ثانٍ، وهو أن يَكُون الخِطَاب لكل مَن يصح خطابه بمثل ذَلِك فيَكُون هَذَا أعم أي: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ﴾ أيها المُخاطب، النَّبِيّ ﵊ وغيره، وأما على قِراءَة "لَا يَحسَبَنَّ" (١) فيقول المُفَسِّر أيضًا: إن الضَّمِير يَعود على الرَّسُول؛ يعني: لا يحسبن الرَّسُول الَّذينَ كَفَرُوا معجزين في الأَرْض.
ولكن عندي أن فيه احتمال أقرب، وهو: أن نجعل يحسبن فاعله ﴿الَّذِينَ﴾ "لَا يَحسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وَيكُون المفعول الأوَّل لـ"يَحسَبَنَّ" محذوفًا، والتَّقدير: لا يحسبن الَّذينَ كَفَرُوا أنفسهم معجزين في الأَرْض، وَيكُون في هَذَا تهديد لهم، أما على ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀ فيَكُون المُراد بِذَلِك لَيْسَ تهديدَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار، ولكن المَقْصُود بِذَلِك تثبيت الرَّسُول ﵊ وطمأنته وتسليته بأن هَؤُلَاءِ الكافرين
стр. 369
لم يعجزوا الله ، ولكنه يملي لهم وقد يؤخر عقابهم.
وقَوْلهُ: ﴿مُعْجِزِينَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لَنَا] اهـ.
المعجز: هو الَّذِي يفعل ما يُعجز غيره، فهل الَّذينَ كَفَرُوا معجزين لله، أي: فاعلين ما يَعْجَز الله عنه؟
الجواب: لا، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤].
قَوْلهُ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِأَنْ يَفُوتُونَا] اهـ.
هَذَا تفسير الأعجاز. يعني: نعجز عنهم، فلا ندركهم بل يفوتوننا.
قَوْلهُ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: مرجعهم] اهـ. الَّذِي يأوون إلَيْه النَّار، وإنَّما قَالَ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾؛ لأَن هَذَا هو الواقِع، إِذْ أن هَذِهِ الحياة الدُّنْيَا سوف تنقضي والمرجع الَّذِي لَيْسَ بعده شَيْء آخر هو ما يؤول إلَيْه المُؤْمِن والكافر يوم القِيامَة، إما إلى نار وإما إلى جنة، هَؤُلَاءِ ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ - والعِيَاذ باللهِ - مرجعهم.
وقَوْلهُ: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: المَرْجِع هِيَ] اهـ. (اللَّام) واقعة في جواب القسم؛ أي: موطئة للقسم، يعني: والله لبئس المصير، و (بئس) كما هو معْرُوف فعل ذم أو فعل جامد لإنشاء الذم، و ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعله لكن أين المخصوص؟ لأَن (بِئس) و (نِعم) يحتاجان إلى فاعل وإلى مخصوص، الفاعل في هَذِهِ الآية هو المصير، المخصوص محذوف، والتَّقدير: ولبئس هي المصير، ولا يصِح أن
стр. 370
نقول: مستتر، لأنَّنا لو قُلْنا: مستتر صَارَ هو الفاعل، بل نقول: محذوف، فإما أن نقول: ولبئس المصير النَّار، أو: ولبئس المصير هي.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: تمام قدرة الله ، وأن الكافرين مهما بلغوا من القدرة فلَيْسَوا بمعجزين الله، وكون الله تَعَالَى يُملي لهم لا يدُلّ على عجزه عنهم، بل يدُلّ على حكمته في تأخير الْعَذَاب عنهم.
الفَائِدة الثَّانية: أن أهل النَّار مُخَلَّدون فيها؛ لقَوْله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾، ولو لم يُخلَّدوا لكان مأواهم ما بعد النَّار، لأَن المأوى معناه المرجع الأَخِير، وهَذَا دَليل على أن النَّار دائمة لهم وأنهم مخلدون فيها، وقد ثبت في القُرْآن الكَرِيم تأبيد أهل النَّار في ثلاث آيات من القُرْآن، هي: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ هَذَا في سورة النِّساء، أما في سورة الأحزاب فقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. فهَذه ثلاث آيات صريحة تنص على تأبيد خلودهم.
وبهَذَا يُعرف ضعف قَوْل من قَالَ من أهْل العِلْم: إنه لا تأبيد لأهل النَّار، واشتبه علَيْه قَوْلهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]، ولم يشتبه علَيْه قَوْله تَعَالَى في أهل الجَنَّة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]؛ لأَنَّه قَالَ:
стр. 371
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في أهل النَّار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
لكن لَيْسَ معنى قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أنَّه سيرفع عنهم هَذَا الْعَذَاب، بل لما كَانَ هَذَا انتقام منه وهَذَا العَمَل لَيْسَ من الْأَمْر الَّذِي يختاره الْإِنْسَان حَتَّى تُذكَرُ منة الله علَيْه باستمراره، قَالَ في هَؤُلَاءِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلا يمنعه شَيْء أن يفعل ما يُرِيد، وقال في أهل الجنَّة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾، فيُقال: الآيَة لَيْسَت صريحة، فقَوْلهُ: ﴿أَحْقَابًا﴾ متعَلِّقة بما بعدها، يعني: ﴿أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ﴾ [النبأ: ٢٣، ٢٤]، وهَذَا ضعيف عندي، أو يُقال: ﴿أَحْقَابًا﴾ أي: مددًا طويلة، وهَذَا لا يُنافي التَّابيد؛ لأَن التَّأبيد لا ينقص عن الأحقاب، فالتَّابيد أحقاب، مهما طالت، أي: أحقاب طويلة. والأحقاب: جمع (حُقب)، وهي المدة من السنين، يعني: أحقابًا أحقابًا أحقابًا متوالية، إلى ما لا نهاية له. فلو قُلْنا مثلًا: الحقب ثمانون سنة، وقُلْنا: الأحقاب يعني مددًا طويلة، كل حُقب ثمانون، ثمانون، إلى ما لا نهاية له، ونعم، لو قَالَ: "أحقابًا عددها كذا" كَانَ له وجه، فحتى المدة المؤبدة هي أحقاب في الحَقيقَة.
ومهما كَانَ الْأَمْر ومهما فهِمنا من كَلِمة (أحقاب) ومن التَّحقيب، فإنها لا تُعارِض الأدلَّة الصَّحيحة في التأبيد.
الفَائِدة الثَّالِثَة: عظم قبح النَّار وشُؤمها، لأَن الله تَعَالَى وصفها بهَذَا الوصف وذمها بقَوْلهُ: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
واعلم أن ما ذمَّه الله أو ما مدحه فإنَّه أمر عَظِيم، فالعَظِيم لا يرى الشَّيء العَظِيم إلَّا وهو صحيح أنَّه عَظِيم، لكن غير العَظِيم قد يرى ما لَيْسَ عَظِيمًا عَظِيمًا،
стр. 372
أما العَظِيم فإنَّه لا يعظِّم إلَّا ما يستحق التَّعظيم، ولا يمدح إلَّا ما هو عَظِيم جدًّا، ولا يذمُّ إلَّا ما هو مذموم وذمه شديد.
لو قَالَ قَائِلٌ؛ في وصف النَّبِيّ ﷺ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، هل هَذَا العظم بالنّسْبَةِ لأخلاق البشر أو ماذا؟
الجواب: الرَّسُول ﵊ عَظِيم بالنِّسْبَةِ لأخلاق البشر، لكن هَذَا العِظَم عظم إلى الحَدّ الَّذِي يصل إلَيْه البشر، لكن ربما أنا أقول: هَذَا الرَّجل على خلق عَظِيم، لأني جلست معه مدة قليلة ووجدت منه أخلاقًا فاضلة ولَيْسَ الحال كَذلِكَ، أما إِذَا قَالَ ذَلِك إِنْسَان عَظِيم يعرف الْأُمُور ويقدر الْأُمُور عرفنا عظمه، وأما عظم ما في الجنَّة فإن الجنَّة فيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سِمِعَتْ ولا خَطَرَ على قَلْبِ بشر، وما ذكر الله من الجنَّة والنَّار فلَيْسَ مما نتصوره بل أعظم وأعظم، لأَن فيها شَيْء لا ندركه في الدُّنْيَا، ولِهَذَا هي من الْأُمُور الَّتِي لا يعلمها إلَّا الله، أي: حقائق ما في الجنَّة وما في النَّار من الْأُمُور الَّتِي لا يعلمها إلَّا الله.
ولِهَذَا حسب مفهومِنا أن الْإِنْسَان إِذَا أُدخل في النَّار يحترق ويموت، لكن في نار الْآخِرَة لا، يذوق الْعَذَاب ويتألم، وقول من قَالَ: إنهم - والعِيَاذ باللهِ - لا يدركون حرّها ويتأقلمون معها، هَذَا قَوْل باطل بلا شَك، ولِهَذَا يَقُول الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] فدَلَّ ذَلِك على أنهم يحسون ويتألمون.
* * *
هَذَا تفسير للمرات، فالمُراد بالمرات الأوْقات.
قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ الْعَبِيد وَالْإِمَاء]؛ لأَن ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول يشمل الذكور والإناث.
وقَوْلهُ: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: ملكتم، وعبّر باليمين عن النَّفس؛ لأنَّها غالبًا أداة الأخذ والإعطاء.
وقَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ يعني: لم يبلغوا زمنًا يحتلمون فيه غالبًا، أو: لم يبلغوا الحلم بمَعْنى العقول، أي: لم يبلغوا أن يَكُونوا في حد العقلاء. وعلى كل حال المُراد به من دون البُلوغ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [وَعَرَفُوا أَمْر النِّسَاء]؛ كأن المُفَسِّر ﵀ أخذ هَذَا القَيْد من وُجوب الاسْتِئْذان؛ لأَن من لم يعرف أمر النِّساء لو دخل على الْإِنْسَان في هَذِهِ الأوْقات لا يهمه، ففي هذا القَيْد نظر؛ لأَنَّه لَيْسَ الغرض من ذَلِك دخولهم على النِّساء حَتَّى نقول: إِذَا عرفوا أمر النِّساء بل الغرض من هَذِهِ التوجيهات خوفًا من أن يدخلوا على الْإِنْسَان في حال لا يَجب أن يُطلع عَلَيْها فيها؛ لأَن هَذِهِ الأَحْوال الثَّلاثة عورات، فأي إِنْسَان يدخل عَليْك ولو كَانَ ممَّن لا يعرف أمر النِّساء لا شَك أنك تشمئز منه وتفر من هَذَا الدُّخول.
فالصحيح - كما تقدَّم - أن هَذَا القَيْد الَّذِي ذكره المُفَسِّر ﵀ لَيْسَ بمراد، بل نقول: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾؛ لأنهم إِذَا بلغوا الحلم فسيأتي - إِنْ شَاء اللهُ - الحُكْم فيهم.
قَوْلهُ: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ يعني في ثلاثة أوْقات؛ فسّرها بقَوْلهُ:
стр. 375
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾؛ لأَن الْإِنْسَان قبل صلاة الفجر يَكُون غير متهيئ لأَن يراه أحد ويدخل علَيْه أحد؛ قد يَكُون في ثياب النَّوم الَّتِي يكره أن يراه أحد وهي عليه، وقد تَكُون ثيابًا أبلغ من ذَلِك، مثل ثيابه مع أهله أو ما أشبه ذَلِك.
والثَّاني: قَالَ: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أي: وقت الظهر.
والثالث: قَالَ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.
قَوْلهُ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بِالرَّفْعِ خَبَر مُبْتَدَأ مُقَدَّر بَعْده مُضَاف وَقَامَ المُضَاف إلَيْهِ مَقَامه، أَي: هِيَ أَوْقَات ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾] اهـ.
تقدَّم فيما سبق أن قَوْلهُ: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ يعني ثلاثة أوْقات، أي: يستأذنكم هَؤُلَاءِ في ثلاثة أوْقات.
قَوْلهُ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ تقدير الكَلام أي: هَذِهِ الثَّلاث ثلاث عورات لكم.
يَقُول المُفَسِّر: إنها على حذف مضاف، أي: هي أوْقات ثلاث عورات لكم؛ لأَن هَذِهِ الأوْقات لَيْسَت هي العورات، اللهم إلَّا على سبيل التجوّز بأن نقول: المُراد بالعورة زمنها، ولِهَذَا المُفَسِّر قدّر قبلها مضاف؛ لأَن الوقت نفسه لَيْسَ بعورة، وعلى هَذَا فلا تَكُون هَذِهِ الأوْقات هي العورات، وإنَّما تَكُون أوْقات عورات ولَيْسَت عورات، ولِهَذَا قَالَ رَحَمَهُ الملَّهُ: أوْقات ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
والعورة في الأَصْل: كل ما يُستقبح ويُستحى منه شرعًا أو عُرفًا.
هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة أوْقات عورات، لكن كَيْفَ كَانَت أوْقات عورات؟
الجواب: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ تَكُون عورة؛ لأَن الْإِنْسَان يَكُون علَيْه ثياب
стр. 376
أو لبس النَّوْم، والتي قد يكره الْإِنْسَان أن يطّلع علَيْه أحد.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ كَذلِكَ فالْإِنْسَان في وقت القائلة يضع ثوبه وينام عريانًا أو ينام على صفة لا يحب أن يطّلع علَيْه أحد.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ يَكُون متهيئًا للنوم ولابسًا ثياب النَّوم ولا يحب أن يطّلع علَيْه أحد.
ولِهَذَا قَالَ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ يعني: ثلاث أوْقات عورات لكم.
وتقدير المُفَسِّر صحيح، لأنَّه مفهوم من المَعْنى. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [وَبِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَوْقَات مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنْ مَحَلّ مَا قَبْله قَامَ المُضَاف إلَيْهِ مَقَامه وَهِيَ لِإِلْقَاءِ الثِّيَاب تَبْدُو فِيهَا الْعَوْرَات] اهـ.
يَقُول المُفَسِّر ﵀: فيها قراءَتان: بالرَّفع على أنَّها خبر مُبْتَدَأ محذوف، وبالنَّصب (١)، ويُقال فيها ما سبق بأنَّها على تقدير مُضاف، أي: أوْقات ثلاث عورات لكم، وهي مَنْصُوبة بدلًا مما قبلها، والذي قبلها: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ لأَن قَوْلهُ: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الأولى بمَعْنى ثلاثة أوْقات، فيَكُون أوْقات ثلاث عورات بدلًا منها وبدل المَنْصُوب يَكُون مَنْصُوبًا، ومع ذَلِك فهي نفسها لَيْسَت هي الأَصْل لا في كونها خبرًا ولا في كونها بدلًا، بل هي قائمة مقام مضاف، تقدير هَذَا المضاف أوْقات ثلاث عورات (أوْقات) بالنَّصب أو (أوْقات) بالرفع.
يَقُول المُفَسِّر ﵀ مجيبًا على سؤال مقدر: "لمَ كَانَت هَذِهِ الأوْقات أوْقات عورات؟ ".
стр. 377
قَالَ ﵀: [وَهِيَ لِإِلْقَاءِ الثِّيَاب تَبْدُو فِيهَا الْعَوْرَات].
يعني: سمّيت هَذِهِ الأوْقات أوْقات عورة؛ لأنَّها إِذَا أُلقيت الثِّياب فيها للنوم، أو للتهيؤ له أو لكونه أثر النَّوم كما هو الحال قبل صلاة الفجر، فإنَّه تبدو فيها العورة، وكأنَّ عادة النَّاس في ذَلِك الوقت أن الْإِنْسَان إِذَا نام يخلع ثيابه ويلتحف بلحاف وينام، وعلى هَذَا فالعورة تبدو؛ لأَن الْإِنْسَان لَيْسَ علَيْه إلَّا لحاف، وهو متهيئ للنوم؛ وهَذَا لا بأس به.
أما عادة النَّاس اليوم، فهل هي كَذلِكَ؛ يُمْكِن أن يوجد بعض النَّاس لا يلبس، لكن الظَّاهِر أن غالب النَّاس أنهم يلبسون ثوبًا ساترًا.
وكَذلِك أيضًا: كانوا في الزمن السَّابِق، البُيُوت لَيْسَت فيها حجاب ولا أستار، فإذا فاجأ العَبْد أو الصَّغير صاحب المنزل في هَذَا الأوْقات اطّلع على عورته، أما الآن فالبُيُوت محجبة والستور مكثفة، ولهَذَا لو دخل البَيْت ولم يستأذن فإن الحُكْم قد زال، لأَن الحُكْم يدور مع علته؛ حيث قَالَ اللهُ تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ ولأجل ذَلِك اختلف أهْل العِلْم في هَذِهِ الآية.
فزعم بعضهم أنَّها منسوخة، وَذلِك لأَن النَّاس تركوا العَمَل بها من قديم.
وقال آخرون: بل هي محكمة وباقية، وروي عن ابن عبَّاس ﵄ بسند صحيح أن هَذِهِ الآيَة محكمة لكن في حال دون حال.
وعندنا أن الحُكْم باقٍ وإن كَانَت البُيُوت محجبة؛ لأنَّنا نقول: الْإِنْسَان عادة إِذَا أَرَادَ أن ينام فإنَّه ينام في مكان خاص، فإذا أَرَادَ أحد من هَؤُلَاءِ المماليك والصغار أن يستأذن علَيْه في محل النَّوم الخاص فإن الحُكْم باق، وماذا تُغني الأَبواب إِذَا أَرَادَ
стр. 378
الْإِنْسَان أن يدخل عَليْك غرفة النَّوم، فإنَّه يفتح الباب بسرعة، هَذَا أَشَدّ، فالحُكْم باق في الحَقيقَة.
والاسْتِئْذان لدخول البَيْت عُمومًا صحيح أنَّه قد زال؛ لأَن النَّاس كانوا في الزمن السَّابِق الحجرة هي حجرة النَّوم وحجرة الأكل وحجرة الجلوس وكل شَيْء، لكن بعد أن وسَّع الله على المُسْلِمِينَ توسعت المباني؛ فصَارَ النَّوْمُ له غرفة خاصة والجلوس له غرفة خاصة وما أشبه ذَلِك، فنقول: الحُكْم باقٍ لكنَّه بالنِّسْبَةِ للغرف المعدَّة للنوم، فإن هَؤُلَاءِ لا يدخلون حَتَّى يستأذنوا في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
أما لو دخل الْإِنْسَان الغرفة الَّتِي ينام فيها في غير هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة فالأَصْل أنَّه لم يدخل للنوم، فالاسْتِئْذان علَيْه لَيْسَ بلازم إلَّا إِذَا علم أن هَذِهِ الغرفة أيضا محل لخلع الثِّياب ولبسها، فإنَّه إِذَا دخل غرفته فلابُدَّ أن يستأذن؛ لأَنَّه يُخشى أن يَكُون خلع ثوبه ليلبس الثَّوْبَ الآخر فتدخل علَيْه على وجه تبدو فيه العورة. فبيّن الله في هَذِهِ الآيَة سبب تَخْصِيصها بهَذه الثَّلاث، والحكْمَةُ في الاسْتِئْذان في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة أنَّها أوْقات عورة تُلقى فيها الثِّياب غالبًا للنوم، إما للتهيؤ له أو بعده أو من أجل الحَرّ، كما في قَوْلهُ: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾.
ثم نقول: هل هَذِهِ الآيَة محكمة وباقٍ حكمها أو منسوخة؟
الجواب: اختلف فيها المفسرون كما تقدَّم، منهم من قَالَ إنها منسوخة ولَيْسَ له دَليل سوى الواقِع وهو تغير النَّاس وعدم اسْتِئْذانهم؛ فظنوا أنَّه نُسخت.
وقال آخرون: بل هي محكمة وباقية.
وقال آخرون: إنها محكمة ولكن ترك النَّاس العَمَل بها من أجل تغيُّر الحال،
стр. 379
وهَذَا هو الَّذِي صح عن ابن عبَّاس ﵄ (١)؛ من أجل تغيُّر الحال؛ لأَنَّه في الزمن السَّابِق كَانَت البُيُوت غير محجّبة ولَيْسَ لِلإنْسان غرفة خاصة للنوم، وكان هَؤُلَاءِ الأطفال وهَؤُلَاءِ المماليك إِذَا دهموا النَّاس وفتحوا الباب بدون اسْتِئْذان قد يدخلون وهم على عورة، وقد يدخلون والْإِنْسَان على امرأته؛ فأُمروا بالاسْتِئْذان.
أما بعد أن وسّع الله الْأَمْر وصَارَت البُيُوت محجّبة وصَارَ النَّوْمُ له غرف خاصة؛ فإننا نقول: لا بأس من دخول المنزل عامَّة في هَذِهِ الأوْقات بدون اسْتِئْذان؛ لأَن العِلَّة الَّتِي أمر الله بالاسْتِئْذان من أجلها زالت، لكن حكم غرفة النَّوم في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة باقٍ، فلا يجوز الدُّخول لهؤُلَاءِ الأطفال والمماليك إلَّا بعد اسْتِئْذان؛ لئلا يدخلوا والْإِنْسَان على حال لا يحب أن يطّلع علَيْه فيها أحد.
قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي المَمالِيك وَالصِّبْيَان، ﴿جُنَاحٌ﴾ هو فِي الدُّخُول عَلَيْكُمْ بِغَير اسْتِئْذَان ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أَي بَعْد الْأَوْقَات الثَّلَاثَة هُمْ] اهـ.
(الجُناح) بمَعْنى الإثم، وقَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ واضح في نفي الجُناح عن الَّذينَ آمنوا، لأنهم مُكَلَّفون، فهم ممَّن يوصفون بالإثم وعَدَمِه.
منطوق الآية أن الدُّخول بغير اسْتِئْذان في غير هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة لَيْسَ فيه إثم لا على الأَوْلياء ولا على الصَّغِار والمماليك؛ لقَوْله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾، وهَذَا واضح لَيْسَ فيه إِشْكال؛ فمفهوم الآية الْكَرِيمَةِ ثبوت الجناح عليكم وعليهم في الدُّخول بغير اسْتِئْذان في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة، الجناح على الأولياء والصغار والمماليك إِذَا دخلوا بغير اسْتِئْذان في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
стр. 380
أما ثبوت الجُناح على الأولياء إِذَا دخلوا بغير اسْتِئْذان فالْأَمْر فيه ظاهر وجهه، أنهم لم يدخلوا بغير اسْتِئْذان إلَّا لأَن هَؤُلَاءِ قصّروا في واجب التربية والتأديب، ومن قصّر في واجب ترَتَّبَ علَيْه ما يَتَرَتَّبُ على تركه، هَذَا بالنِّسْبَةِ للأولياء.
وبالنِّسْبَةِ للماليك أيضًا ظاهر أن عليهم جُناح، لأنهم تركوا الواجب وهم مكلّفون بالغون عاقلون، فيأثمون بما يُخالفون الشَّرع.
وبالنِّسْبَةِ للصغار هَذَا هو المشكل؛ فإن الصّغار لا إثم عليهم؛ فكَيْفَ يصح أن ينفي الإثم مع أنَّه لا إثم عليهم، فإن دَلالَة المَفْهُوم تدُلّ على أنَّه يثبت الجنال كوُلَاءِ الصّغار إِذَا دخلوا في هَذِهِ الأوْقات بغير اسْتِئْذان، وهَذَا وجه إِشْكال، فكَيْفَ يثبت الإثم على من لم يُكلّفوا؟
الجواب: على هَذَا أن يُقال: دَلالَة المَفْهُوم لا يُشترط فيها العُموم، وإنَّما تصح وتصدق بالدَّلالَة على فرد من أفراده، ولِهَذَا يَقُولُونَ: المَفْهُوم لا عُمُوم له، بمَعْنى أنَّه يصدق بصُورَة واحدة، فيَكُون المَفْهُوم على حسب الأدلَّة، وهَذه قاعِدَة مطردة.
وهنا صدقت بصورتن من ثلاث، فدَلالَة المَفْهُوم تصدق بصُورَة واحدة من مِئَة صُورَة أو مِئَات، فكَيْفَ وقد صدقت الآن بصورتين من ثلاثة، والصُّورَة الثَّالِثَة لَوْلا الأدلَّة على خروجها لم تخرج أيضًا، والأدلَّة على خروجها عمومات الأدلَّة على أن الصَّغير غير مكلّف وأنه لا إثم عليه.
قَوْلهُ: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لِلْخِدْمَةِ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ طَائِف ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾] اهـ.
стр. 381
قَوْلهُ: ﴿طَوَّافُونَ﴾ خبر مُبْتَدَأ محذوف، والتَّقدير: هم طوّافون، والجُمْلَة هَذِهِ تعليل؛ لقَوْله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، لماذا لَيْسَ عليهم جُناح؟ لأنهم ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: مترددين، فالطَّائف بمَعْنى المتردد ومنه الطَّائف بالبَيْت لأَنَّه يتردد عليه، ومنه قَوْل النَّبِيّ ﷺ في الهرة: "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ" (١)، أي: من المترددين عليكم، ومنه قَوْل النَّاس للمساكين: طوّافين؛ لأنهم يترددون على النَّاس يسألونهم.
لماذا لم يكن علَيْنا ولا عليهم جناح بعدهنَّ؟ لأنَّهم طوّافون مترددون، فلو ألزموا بأن يستأذنوا كلما دخلوا لكان في ذَلِك مشقَّة عليهم وعلى أهل البَيْت أيضًا؛ لأَن أهل البَيْت قد يَكُونون مُنشغلِين ولا يسمعون المستأذن، وقد يثقل عليهم الردُّ لأنهم منشغلون، فيَكُون في ذَلِك مشقَّة على المُستأذن وعلى صاحب البَيْت، ولو ألزم الصَّبي الَّذِي له ستُّ سنوات أو عشرُ سنوات كلمَّا خرج من البَيْت أو دخل نقول له: لا بُدَّ أن تستأذن.
وكَذلِك المملوك هَذَا فيه مشقَّة كَبيرَة علَيْه وعلى أهل البَيْت؛ لِهَذَا انتفى الحرج لِوُجود المشقَّة، وسيأتي - إِنْ شَاء اللهُ - ذكر ذَلِك في الفوائد.
وقَوْلهُ: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قدّره المُفَسِّر ﵀ بقَوْلهُ: [طَائِف عَلَى بَعْضٍ] وعلى هَذَا فالجُمْلَة الثَّانية ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وتأكيد للجملة الأولى الَّتِي هي ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ فبعضكم يطوف على بعض، ويتردد على بعض.
стр. 382
وكوننا نُلْزَم بالاسْتِئْذان كلما دخل هَذَا الصَّبي أو كلما دخل هَذَا المملوك مع أنَّه دائمًا في خدمة أهل البَيْت يأتي لهم بالحوائج وغير ذَلِك، يترتب على ذَلِك مشقَّة، كما تقدَّم؛ ولِهَذَا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَالجُمْلَة مُؤَكِّدَة لِمَا قَبْلهَا] اهـ؛ وهو قَوْلهُ: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كَمَا بُيَّنَ ما ذُكِرَ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أَي الْأَحْكَام، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأُمُورِ خَلْقه ﴿حَكِيمٌ﴾ بِمَا دَبَّرَهُ لهمْ. وَآيَة الاسْتِئْذَان قِيلَ مَنْسُوخَة وَقِيلَ لَا وَلَكِنْ تهَاوَنَ النَّاس فِي تَرْك الاسْتِئْذَان] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ تقع هَذِهِ الجُمْلَة أو يقع هَذَا التَّرْكيب في القُرْآن كثيرًا: ﴿يُبَيِّنُ﴾، وقَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥]، وما أشبهها. و (الكاف) اسم بمَعْنى (مثل) وهو في محل نصب على المفعوليَّة المُطلقة، وإن شئت فقل على أنَّه مفعول مطلق، العامِل فيه ما بعده، وتقدير الكَلام هُنا، أي: مثل ذَلِك البَيان يُبيِّن الله لكم الآيات، وكلما جاء هَذَا التعبير نقول فيه ما تقدَّم. وقَوْلهُ: ﴿يُبَيِّنُ﴾ أي: يوضح ويظهر.
وقَوْلهُ: ﴿الْآيَاتِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: أي: [الأَحْكام]؛ فالآيات هي الأَحْكام، ولو فُسرت بما هو أعم لكان أولى؛ لأَن الله يبين الآيات الْكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة، لكن كأن المُفَسِّر ﵀ خصّها بالأَحْكام؛ لأَن السِّيَاق في الأَحْكام ولَيْسَ في الآيَات الْكَوْنِيَّة، ولكنَّ الأخذ بالعُموم أولى.
وقَوْلهُ: [الأَحْكام]؛ كَيْفَ تَكُون الأَحْكام آيات الله؟
الجواب: لأَن هَذِهِ الأَحْكام إِذَا تأملها الْإِنْسَان وجدها في غايَة الإتقان، ووجدها في غايَة المناسبة للخلق في جلب المَصالِح لهم ودفع المضار عنهم، ولله المثل
стр. 383
الأعلى: لو أن رجلًا كتب له نظامًا: المادة الأولى، المادة الثَّانية ... إِلَى آخِرِهِ، وتدبرنا هَذَا النِّظام وإذا هو نظام محكم متقن موافق للمصالح ومناسب، ماذا نقول عن هَذَا الكاتب؟ نقول: إنه حكيم ونعجب بحكمته، ويدُلّ ذَلِك على ذكانَّه وفطنته؛ فكَيْفَ بأحكام الله الَّتِي لا يُمْكِن أن تتغيَّر ولا أن تتناقض؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
ومَن تدبّر أحكام الله في خلقه تبين له أنَّها من لدن حكيم خبير؛ ولِهَذَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.
وفي وصف الأَحْكام بالآيَات إرشَادٌ للخَلق إلى تأمل هَذِهِ الأَحْكام لَيْسَتدلوا بها على مشرِّعها.
لا تظن أنَّه إِذَا قِيلَ لك: الأَحْكام الشَّرْعِيَّة آيات من آيات الله، فلَيْسَ المَعْنى أن تقول: ما شاء الله؛ إنها آيات! وتؤمن بأنَّها آيات، لا، بل يَجب أن تبحث وتتأمل لأجل أن يتبَيَّن لك كَيْفَ كَانَت آية من آيات الله لتستدل بها على مشرعها وعلى حكمته وعلمه ورحمته، وهَكَذا أيضًا في الآيات الْكَوْنِيَّة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]؛ لا يكفي أن تقول: الليل من آيَاتِ الله وَالنَّهَارُ من آيَاتِ الله وَالشَّمْسُ من آيَاتِ الله وَالْقَمَرُ من آيَاتِ الله، لا يكفي هَذَا؛ إنما يُقال لك إنها من آيات الله ترغيبًا للبحث عن وجه كونها من آيات الله؛ لتستدِلَّ بها عن اقتناع على خالِقها إن كَانَت كونيَّة، وعلى مشرعها إن كَانَت شرعيَّة.
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ إِشارَة إلى أن هَذِهِ الأَحْكام صادرة عن علم وعن حِكْمَة، وإذا صدر الحُكْم عن علم وعن حِكْمَة صَارَ مطابقًا للحق؛ لأَن مُخَالَفَةُ
стр. 384
الحَقّ في الأَحْكام مرجعها أحد أمرين: إما الجهل، وإما السَّفَه؛ الجهل المنافي للعلم، أو السَّفه المنافي للحكمة، فقد يَكُون المشرِّع جاهلًا فلا يُشرِّع أحكامًا مناسبة لأنَّه جاهل، وقد يَكُون سفيهًا يعلم الأَحْكام ويعلم مصلحتها ولكن لا يريدها فيَكُون سفيهًا، فالله جَلَّ وَعَلَا متَّصف بالعلم والحِكْمة اللتين بهما تَكُون الأَحْكام مناسبة للمصالح، وباختلاف واحد منهما يختل من الأَحْكام بحسبه، والله أعلم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: تصدير الحُكْم بالنِّداء دَليل على العناية به، لأَن النِّداء يقْتَضِي التَّنْبيه، وتوجيهه إلى المُؤْمِنينَ يدُلّ على أن امتثال هَذَا الحُكْم من مُقتَضيات الإِيمَان وأن مخالفته من منافيات الإِيمَان.
الفَائِدة الثَّانية: توجيه الخِطَاب للمُؤْمِنِينَ والحُكْم لغيرهم يدُلّ على أنهم مسؤولون عنهم ومسؤولون عن تنفيذ هَذَا الحُكْم في أولادهم الصِّغار ومماليكهم، وأن هَذَا الصَّغير والمملوك إِذَا خالف فإن إثمه على من لم يقم بواجب التربية والتأديب.
الفَائِدة الثَّالِثَة: وُجوب اسْتِئْذان هَذَيْنِ الصِّنفين من النَّاس: الصِّغار والمماليك في ثلاثة أوْقات فقط وهي المذكورة، وأما من سواهم فيَجب عليهم الاسْتِئْذان دائمًا.
الفَائِدة الرَّابِعَة: تعليل الأَحْكام بمَعْنى أن أحكام الله كلها مبينة على الحِكَم، وجه ذَلِك من الآية أن الله علل الحُكْم الأوَّل والحُكْم الثَّاني، الحُكْم الأوَّل: وُجوب الاسْتِئْذان في ثلاث أوْقات، لأنَّها عورات، والحُكْم الثَّاني: عدم الاسْتِئْذان فيما عداهم، لأنهم طوَّافون عليكم.
стр. 385
الفَائِدة الخَامِسَة: تَحْريم النَّظر إلى العورات، وجهه أنَّه إِذَا وجب الاسْتِئْذان في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة خوفًا من أن يفاجئهم على عورة، فمن تعمد أن يرى العورة فهو أولى إِذَا؛ فيُستَفاد منه تَحْريم النَّظر إلى العورة سواء كَانَ النَّاظر صغيرًا أو كبيرًا، وأما تهاون بعض النَّاس في نظر الصَّغير إلى العورة فهَذَا خطأ، وبعض النَّاس إِذَا كَانَ الصَّغير له ست سنوات أو سبع سنوات لا يبالي أن ينظر إلى عورته، وَذلِك لا يجوز لأنَّه لا بُدَّ أن يرتسم في ذهنه هَذَا المنظر، ثم ربما يذكره في يوم من الأَيَّام.
الحاصل أن هَذَا فيه دَليل على تَحْريم النَّظر إلى العورة من الصَّغير والكبير، ولكن المُراد بالصغير الَّذِي يميز؛ لأَن قَوْلهُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ دَليل على أنَّه يميز، فإذا أُمِرَ بالاسْتِئْذان استأذن، أما الصَّغير غير المميز فهو لا يدري عن ذَلِك شيئًا.
الفَائِدة السَّادِسَة: رفع الحرج والمشقَّة على النَّاس، وجه ذَلِك يؤخذ من رفع الحرج في عدم الاسْتِئْذان في غير هَذِهِ الأوْقات الثّلاث؛ لأنهم طوافون عليهم مترددون، والاسْتِئْذان فيه مشقَّة.
الفَائِدة السَّابعَة: أن الوليّ آثِم بما ارتكبه موليه من معْصِيَة أو مُخَالَفَةُ إِذَا كَانَ قد فرّط في تربيته وتأدَيبه؛ لقَوْله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، هَذَا إِذَا لم يكن بالغًا، فإذا كَانَ بالغًا فقد استقل بنَفْسِه وَيكُون مثل غيره، إِذَا قدر على تغيير المُنْكر الَّذِي ارتكبه وجب عليه.
الفَائِدة الثَّامِنة: طهارة بدن الطِّفل وإن غلب على الظَّن أنَّه نجس، نأخذه من قَوْلهُ ﷺ في الهرة إنها لَيْسَت بنجس، وعلل ذَلِك بأنَّها من الطوافين، وهَؤُلَاءِ من الطوافين، فربما يؤخذ من هَذَا طهارة بدن الطفل وأنه طاهر ما لم يتيقن النَّجاسة؛ فإذا تيقن النَّجاسة فهَذَا شَيْء ثان.
стр. 386
الفَائِدة التَّاسِعَة: منَّة الله على العباد ببَيان الآيَات الْكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة حَتَّى لا يبقى للنَّاس على الله حجة بعد هَذَا البَيان؛ لقَوْله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.
الفَائِدة العاشرة: أنَّه لا يسْتَطيع أحد أن يأتي بمثل تَشْريع الله ونظامه، تؤخذ من كونه جعل ذَلِك من الآيَات، وآيات الله مَعْناها أنَّها لا تصلح لغيره، إِذْ لو صلحت لغيره لم تكن آية له؛ فهَذَا يدُلّ على أن شرع الله لا يُمْكِن أن يأتي أحد بمثْلِه وإلَّا ما صح أن يَكُون آية.
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: ثبوت ملك الْيَمِين للآدميين وأن الإِسْلام جاء بالرّق؛ لقَوْله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولكن كما هو معْرُوف أن الإِسْلام حمى حقوق هَؤُلَاءِ المماليك ورغب في تحريرهم وعتقهم، وجعل للعتق أَسْبَابًا متعددة.
الفَائِدة الثَّانية عشرة: جَواز وضع الثَّوب عند النَّوْم ويلتحف الْإِنْسَان بلحافه؛ لقَوْله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحكْمَةُ في تقييد الظهيرة بقَوْلهُ: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ ولم يقيدها بِذَلِك في قَوْلهُ: (﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ﴾ و ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، ولم يقل: "وحين تضعون ثيابكم من الفجر أو من العشاء"؟
الجواب: لَيْسَتِ العورةُ في وقت الظُّهر حاصلةً لكل النَّاس، إنما تَكُون عورة لمن يضع ثيابه لينام عند الظَّهيرة، وبعضُهم قَالَ: لأَن نومة الظهر لَيْسَت طويلة، فبعض النَّاس لا يخلع ثيابه، ولِهَذَا قيّدها بقَوْلهُ: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بخلاف نوم الليل؛ فإن النَّاس يخلعون ثيابهم؛ لأَن مدته تطول.
стр. 387
الفَائِدة الثَّالِثَة عشرة: عناية الله بالخلق وأنهم وإن رضوا بما يُستقبح فلن يرضى الله به، فقد يَقُول قائل: أنا لا أبالي إِذَا دخل عليّ طفلي في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة؛ فنقول له: ولكن الله قد اعتنى بك ومنع من الدُّخول عَليْك في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
الفَائِدة الرَّابِعَة عشرة: جَواز الدُّخول بدون اسْتِئْذان في غير هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
وهنا بحث: هل هَذِهِ الآيَة محكمة أو منسوخة أو ترك العَمَل بها لزوال الحاجة إلَيها؟
تقدَّم أن الآيَة محكمة؛ لكن يَجب أن نعلم أنَّه لا يجوز أن نقول عن آية أو حديث انَه منسوخ إلَّا بعد أن يتعذر الجمع بينه وبين ما ادُّعيَ أنَّه ناسخ، وأن يُعلم التاريخ بتأخر النَّاسخ، وإذا كنت لا تَسْتَطِيع أن تجمع فَكل العِلْم إلى الله، أما أن تدَّعي النَّسخ فهَذَا لا يجوز؛ لأَن معنى النَّسخ إبطال هَذَا النَّصِّ، وإبطال النَّصِّ صعب؛ فلِذَلك يَجب على الْإنْسَان أن يتورّع عن إطلاق النَّسخ فيما لم يثبت نسخه، ثم إن ترك العَمَل به لا يدُلَّ على أنَّه منسوخ حَقِيقَة؛ لأنَّه كم من أشْيَاء محكمة ترك النَّاس العَمَل بها، فترك النَّاس العَمَل بها إما تهاونًا وإما لزوال السَّبَب الموجب للاسْتِئْذان، والمُفَسِّر ﵀ له تعليق على هَذَا؛ يَقُول ﵀: ﴿وَآيَة الاسْتِئْذَان قِيلَ مَنْسُوخَة وَقِيلَ لَا وَلَكِنْ تهَاوَنَ النَّاس فِي تَرْك الاسْتِئْذَان] اهـ.
هَذَان القولان اللذان أشرنا إلَيْهما.
والصَّحيح أن الآيَة محكمة وباقية، وأن ترك الاسْتِئْذان إما للتهاون وإما لزوال السَّبَب الموجب للاسْتِئْذان، وأما أن نقول: إن الأَحْكام الشَّرْعِيَّة تُنْسَخ بترك النَّاس العَمَل بهَذَا، فهَذَا لا وَجْهَ له.
стр. 388
الفَائِدة الخَامِسَة عشرة: إِثْبات العِلْم والحِكْمة لله من هَذَيْنِ الاسْمين: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والحكْمَةُ سبق أنَّها وضع الأَشْيَاء في مواضعها، بل سبق أن (الحَكِيم)؛ لَيْسَ معناه ذي الحِكْمة فقط، بل معناه ذو الحِكَم والحِكْمة.
الفَائِدة السَّادِسَة عشرة: أن المشقَّة تجلِب التَّيسير.
* * *
стр. 389
الآية (٥٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩].
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيّهَا الْأَحْرَار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ فِي جَمِع الْأَوْقَات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَي: الْأَحْرَار الْكِبَار] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿مِنْكُمُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَيّهَا الْأَحْرَار، وَذلِك لأَن المماليك كما سبق لا يستأذِنَون إلَّا في الأوْقات الثَّلاثة سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، وتقييد المُفَسِّر ﵀ بالأحرار لمفهوم الآيَة أولى.
وقَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ هو كِناية عن البُلوغ بالإنْزال، والحلُم بمَعْنى الاحتِلام أو بمَعنى العَقْل، وَذلِك لكمال عقولهم، لكن الأوَّل أولى، لأنَّه لا يشترط في هَذَا كمال العَقْل، وكمال العَقْل يحصل بكمال أربعين سنة.
وقَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ لم يذكر الله سوى بلوغ الحلم، والمعْرُوف أن هُناكَ شيئين آخرين يحصل بهما البُلوغ هما تمام خمس عشرة سنة وإنبات شعر العَانَة، لكن هَذَان الْأَمْران فيهما خلاف بين العُلَماء فمنهم من يرى أنَّه لا بلوغ إلَّا بالإنزال وأن تمام خمس عشرة سنة لَيْسَ علامة على
стр. 390
البُلوغ بل علامة على قدرة الْإِنْسَان على الجهاد؛ لأَن الَّذينَ أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر ﵄ حينما عُرض على النَّبِيّ ﷺ عام أُحد فلم يجزه، وعرض علَيْه عام الخندق فأجازه، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة (١)، لكن في رِوايَة للحاكم أنَّه قَالَ: "فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ" (٢)، والثَّاني: "فَأَجَازَنِي وَرَآنِي بَلَغْتُ"، لكن كَلِمة بلغت هل معناه بلغت سن التكليف أو بلغت الحالة الَّتِي يُمْكِنني فيها أن أجاهد؟ فيه احتمال".
لكنَّ عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه - كتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة ورآهم قد بلغوا، وقال: إِذَا كَانَ هَذَا السن حدًّا لصلاحهم للقتال فهو حد لبلوغهم (٣)، ويرى بعض العُلَماء كأبي حنيفة أن حد البُلوغ ثماني عشرة سنة لا خمس عشرة سنة، وهَذَا هو الَّذِي مشى علَيْه نظام العَمَل والعمال هُنا؛ لأَن واضعه فيما يظهر إِنْسَان أجنبي لا يعرف إلَّا المَذْهب المعْرُوف في الشَّارع عند عامَّة المُسْلِمِينَ وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ الَّذِي يقيده بثماني عشرة سنة.
إنما مذاهب الأئمة الثَّلاثة أن البُلوغ يحصل بخمس عشرة سنة، أما إِنْبَات العَانَة ففيه خلاف أيضًا، والَّذينَ قالوا: إنه لَيْسَ علامة على البُلوغ قالوا: إن كون الرَّسُول ﵊ يكشف عن أُزُرِ بني قريظة فمن أَنْبَتَ قتله (٤)، لَيْسَ ذَلِك دليلًا