صيَّروه مهجورًا، والهاء المفعول أول محل المبتدأ، ومهجورًا محل الخبر.
الْفَائِدَة الثالثة: بشاعة هَذَا العمل من قريش، وجه ذلك الإضافة في قوله: ﴿قَوْمِي﴾؛ فإن هَذَا يدلّ على بشاعة هَذَا العمل منهم؛ لِأَنَّ المفروض أن قومَه يَكُونون أَولى النَّاس بالعنايةِ به وقَبُول ما جاء به، ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكسِ.
* * *
стр. 107
الآية (٣١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
* * *
لمَّا قال الرَّسول ﵊: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وهذا من الرَّسول ﵊ شِكاية لقومِه؛ لِأَنَّهُ تضايَقَ بهم، فأنزل اللَّه عليه تسليةً له وجوابًا لِشِكايتِه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (الكاف) اسْم بمعنى (مثل)، وهي تأتي في القُرْآنِ كثيرًا، فكُلَّمَا جاءت فإننا نُعرِبها هَذَا الإعراب، على أنها اسْم بمعنى مثل، وَأَمَّا إعرابها فهي مفعول مطلَق، وعاملها الفعل الَّذِي بعدَها، أي: ومِثْل ذلك الَّذِي جعلناه جعلناه لكل نبي، فهَؤُلَاءِ المشركون الَّذِينَ جعلوا القُرْآن مهجورًا ونَبَذُوه وراءَ ظُهُورهم ودَعَوْا إلى هجره وسخِروا به لَيْسُوا بِدَعًا من غيرهم، فقد سبقَ لكلِّ نبيٍّ كذلك.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جَعَلْنَا لكَ عدوًّا من مُشْرِكِي قومِك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبِرْ كما صَبَرُوا]، وفي هَذَا من تسليةِ النَّبي ﷺ ما هو ظاهرٌ؛ لِأَنَّ الإنْسَانَ يَتَسَلَّى إذا كان غيرُه قد أُصِيبَ بمثلِ مُصِيبَتِه، تقول الخَنْسَاءُ وهي تَرْثِي أخاها صَخْرًا (١):
стр. 108
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
فإذا عَلِمَ النَّبي ﵊ أن هَذَا دَأْبُ قومِ الأنبياءِ من قِبَلِه فَإِنَّهُ يَتَسَلَّى ويُهَوَّنُ عليه الأمرُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرا لك على أعدائك].
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ (الباء) يَقُولُونَ: إنها زائدة إعرابًا فقطْ، ولها معنى، و (ربك) فاعل (كفى)، يعني: وكفى رَبُّكَ، و (هاديا) تمييز محوَّل عن الفاعلِ، يعني كفت هدايته ونصره، والتمييز قد يحول عن الفاعل، وقد يحول عن المفعول، فقوله : ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ محوَّل عن المفعولِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ: وَفَجَّرْنَا عيونَ الأرضِ، هنا ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ الأَصْل: وكفتْ هدايةُ ربِّك ونصرُه.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أي: ناصرًا لك على أعدائِك. ووجه المناسبةِ بين قولِه : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أقول: المشركون الَّذِينَ يُنابِذون الرُّسُلَ يَقصدون بذلك أمرينِ؛ إضلالَ النَّاسِ للحيلولةِ دونَ وصولِ الهِدايَةِ إليهم، والعُدوان على الرُّسُلِ حتى بالحرب والقتال، فبيَّن اللَّه أن هَذِهِ المحاولة ليستْ بشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّه ﵎ كَفَى به هاديًا، فلا يستطيع هَؤُلَاءِ الأعداءُ أن يُضِلُّوا أحدًا، وكفى به نصيرًا، فلا يستطيع هَؤُلَاءِ الأعداءُ أن يَقضُوا على دعوةِ الرسُلِ.
* * *
стр. 109
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى والثَّانية: عناية اللَّه تَعَالَى بالرَّسول ﷺ ، ووجهُ ذلك أن كونَ اللَّهِ يَعتني بالرَّسولِ ويُسَلِّيه بما وَقَعَ لغيرِه، هَذَا دليلٌ على العنايةِ به، وكون الرَّسول ﷺ يحتاج إلى أن اللَّه يسلِّيه بِمَنْ سَبَقَه يدلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسول ﵊ بَشَرٌ يَنتابُه ما ينتابُ البشرَ مِنَ الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسليةِ، وأن مَن دون الرَّسول من باب أَولى، فعندما يأتي إلينا مثلًا أحد دُعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من النَّاس نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هَذَا قُصُور في حقّه، هَذَا لا بدَّ منه، فالطبيعة البشريَّة تَقتضي أن الأمر يهوَّن على النفس إذا أصاب الغيرَ مثلُ ما أصابَه.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لِذِكر أن اللَّه جعلَ لكل نبيٍّ عدوًّا من المجرمين، يعني: هَؤُلَاءِ المجرمون يحاولون القضاء على الرِّسَالة أو النبوَّة بوَاحِد من أمرينِ؛ إما بإضلال النَّاس وصدِّهم عَّما جاءت به الرُّسُل، وإمَّا بقتالهم وإهلاكهم، فيَعتدون على النَّاس بالقتالِ، فقال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة محاولة الإضلال، ﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على الأنبياء وأُممهم.
وهَذِهِ العداوة الَّتِي تكون للأنبياء تكون لورثتهم؛ لأَنَّهُمْ يدعون لمِا يدعو له النَّبي، ونحن نعلمُ أن هَذِهِ العداوة ليستْ شخصيةً، وإنما هي معنويَّة بسَبَب النبوَّة، ودليلنا عَلَى أَنَّ العداوة ليستْ شخصيَّة، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرُّسُل، بل لِمَا جاءوا به من الحقِّ؛ دليلنا أن قريشًا ليستْ تعادي الرَّسول ﷺ قبلَ أن يُبعَث، بل هي ترى أَنَّهُ من أشدّ الرِّجال أمانةً وصدقًا.
الْفَائِدَة الثالثة: أَنَّهُمْ لا يستطيعون أن يُضِلّوا النَّاس إذا أراد اللَّهُ هدايتَهم،
стр. 110
ولا أن يقضوا عليك إذا أراد اللَّه نَصْرَك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، هَذِهِ العداوة حسَب ما يقول اللَّه وما عرض من القُرْآنِ، هل تكون لأتباعِ الرُّسُلِ أو لا؟
الجواب: تكون لأتباعِ الرُّسُلِ؛ لأَنَّهُمْ عادَوُا الرُّسُلَ لدعائهم للحق، يعني ما عادَوا الرُّسُل لأشخاصهم، ولهذا كان الرَّسول ﵊ قبل البعثة عند قُريشٍ ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمينَ، فما دامتِ العداوةُ مِنْ أجْلِ الدعوةِ إلى الدينِ فسوفَ تكونُ لكلِّ مَن دعا إلى الدينِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يدعو مثلًا إلى شريعةِ النَّبي ﷺ هو يدعو إلى ما دعا إليه النَّبي ﵊، فلا بدَّ أن يَكُونَ له أعداءٌ كما كان للأنبياء أعداء، وعليه فالواجبُ على مَن دعا إلى الهدى وأُوذي أنْ يَصبِر، وأن يَتَأَسَّى بما جَرَى للرسلِ من قبله، والرُّسُلُ أعظمُ منزِلةً عند اللَّه منه، ومع ذلك مَكَّنَ أعداءهم مما فعلوه.
فَلَوْ قِيلَ فِي الجَوَاب: إنهم عادوا الرُّسُلَ، وهم أفضلُ الخَلق، كيف لا يعادون من سواهم؟
فالجواب: قد يقال: إنهم عادوا الرُّسُل واشتدت عداوتهم لهم لِأَنَّ تأثيرهم أشد، فَعَادَوهم أشد.
الْفَائِدَة الرابعة: أن الحقَّ يَتبيَّن بضدِّه؛ لِأَنَّ اللَّه جعل عدوًّا من المجرمينَ يُنابِذ الدعوةَ، فمِنَ الحِكْمَةِ في ذلك أن تتبيَّن الدعوة؛ لِأَنَّهُ إذا لم يكنْ لها معارِضٌ ما تَبَيَّنَتْ، لكِن إذا كان لها معارِض، وكلَّما أُتي بشُبهةٍ رُدَّ عليها، صار ذلك أَبْيَنَ وأوضحَ.
الْفَائِدَة الخامسة: ابتلاء اللَّه للمؤمنِ؛ فَإِنَّهُ إذا كان الإيمانُ قويًّا فَإِنَّهُ يصمد أمام هَذِهِ الشُّبُهات، وأمام هَذِهِ العداوة، وإذا كان ضعيفًا فَإِنَّهُ يتأثَّر، فهذا من
стр. 111
حكمة اللَّه أن اللَّه يقيِّض للإنْسَانِ ما يَكُون سَبَبًا للحيلولةِ بينه وبين دعوتِه لِيَبْلُوَه، قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ يعني اطمئنَّ بحالِه الَّتِي هو عليها، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]، وإن أصابته فتنة وأمر يشغله انقلبَ على وجهِه.
* * *
стр. 112
الآية (٣٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
* * *
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هَذِهِ السورة فيها طابع التحدث عن القُرْآنِ والردّ على المكذِّبين له، فأوَّل ما ابتدأتْ هَذِهِ السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، فهذا الفرقان الَّذِي تمدَّح اللَّه نفسه بإنزاله إلى رسوله لا بدَّ أن يُعْنَى به ويُجَاب عن المعارِضين له بالأساليب المختلفة الَّتِي مرتْ علينا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كالتوراة والإنجيل والزَّبور]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذَا من جملة الشُّبَه الَّتِي أَوْرَدَهَا المكذِّبون للرسول ﷺ ، قالوا: الكتب السابقة تنزِل على الأنبياء جملةً وَاحِدةً، مثل التوراة والإنجيل والزَّبور، لا مفرَّقةً، فقال هؤلاء: لو كان مُحَمَّد ﷺ صادقًا وأنه نبي من الأنبياء لكان شأنه شأنَ الأنبياءِ السابقينَ؛ ينزل عليه القُرْآن جملةً وَاحِدةً، وأَتَوْا بـ (لولا) الدالة على التحضيض، يعني أَنَّهُ كان يَنْبَغِي أو يَجِب أن ينزل عليه القُرْآن جملةً وَاحِدةً على زعمهم كما نزل على الأنبياءِ السابقينَ، وهنا قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا شك أَنَّهُمْ من قريشٍ، لِأَنَّهُ يتحدث عن أمرٍ وقعٍ، ولا يمكن أن تكونَ عامَّةً لجميعِ الكفارِ، يعني لا يمكن أن تكون عامَّة لكفار الأمم السابقينَ،
стр. 113
لكِن ربما يَكُون هَذَا القول موروثًا عن قريشٍ، ويقوله من يقوله بعدهم تمويهًا وتضليلًا للناس.
قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، كلمة ﴿نُزِّلَ﴾ وكلمة ﴿جُمْلَةً﴾ قد يُفهَم منهما التعارضُ؛ لِأَنَّ المعروف أَنَّهُ إذا كانت بالتشديد (نُزِّلَ) فهي لِمَا ينزل شيئًا فشيئًا، وإذا كانت (أُنْزِلَ) فهي لما نزل جملةً وَاحِدةً، وهنا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً﴾ وكان مُقتَضَى ما أَشرنا إليه أن يقولوا: لولا أُنزل عليه القُرْآنُ؛ فقيل: إن (أُنْزِل) و (نُزِّل) يتناوبانِ؛ فالمضعَّف يَكُون بمعنى المهموز، ونظيره من الأفعال (أَخْبرَ) و (خَبَّرَ)، فتقول: خَبَّرَني وأَخْبَرني، ومعناهما وَاحِد، وإن كون (نُزِّل) لمِا ينزل شيئًا فشيئًا و (أُنْزِل) لِمَا ينزل جملةً وَاحِدةً هَذَا ليس من مدلولِ اللفظِ بذاتِه، ولَكِنَّهُ مما يُعيِّنه السياقُ والقرائن والحالُ، وعلى هَذَا فلا فرقَ بينهما، ويَكُون المراد بـ (نُزِّلَ) هنا (أُنزل)، ولكن نابتْ عنها.
ويَحتمِل أن يَكُون قوله: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أَنَّهُمْ قالوه على حكاية ما ينزل، ثم اقترحوا أن يَكُون جملةً، بمعنى أَنَّهُ نُزِّل حسب الواقع؛ فالواقع أن القُرْآن ينزل على الرَّسول ﷺ متفرِّقًا، فكأَنَّهُمْ قالوا: هلَّا كان تنزيله الَّذِي ينزل الآن شيئًا فشيئًا جملةً وَاحِدةً، فيَكُون التنزيل هنا باقيًا على القاعِدَة، وهو أَنَّهُ ينزل شيئًا فشيئًا، كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا التنزيل الَّذِي كان صفةً للوحي الَّذِي ينزل على مُحَمَّد ﷺ لولا كان هَذَا التنزيل جملةً وَاحِدةً.
فأمامنا الآن جوابان:
الجواب الأول: أن (نُزِّل) و (أُنْزِل) يتناوبان، ويُعَيِّن المعنى السياقُ والقرائنُ.
ثانيًا: أنهما لا يتناوبان، ولكل وَاحِدة منهما معنًى، لَكِنَّهُم قالوا: نُزِّل باعتبار
стр. 114
واقع الأمر؛ فإن الوحي كان يَنزِل على النَّبي ﷺ شيئًا فشيئًا، فكأَنَّهُمْ قالوا: لولا كان هَذَا التنزيل جملة وَاحِدةً.
هَذِهِ الشُّبهة قد تكون شبهة في بادئِ الأمرِ، يعني لماذا لم يكن الوحي النازل عليه كالوحي النازلِ على مَن قبله؟ هَذَا قد يَكُون شبهة في بادئ الأمر، ولَكِنَّهُ في الواقع ليس بشبهةٍ، بل هو حُجَّة، ولهذا أجاب اللَّه عنه بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. قال المُفَسِّر ﵀: [نزَّلناه ﴿كَذَلِكَ﴾ أي متفرِّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نقوِّي قلبك ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي أتينا به شيئًا بعد شَيْء بتمهُّل وتُؤَدَةٍ لتيسير فَهمه وحِفظه].
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يَنْبَغِي أن تقفَ عند التلاوة على قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ لِأَنَّهُ إلى هنا انتهى كَلام الكفارِ، ثم تبتدئ فتقول: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا الأخير من كَلام اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فيَجِب الفصل بينه وبين كَلام الكفار؛ لِأَنَّهُ جواب عن الشبهة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول لفعلٍ محذوفٍ، مَفْعُول مطلق، يعني أنزلناه مثل ذلك التنزيل، و (اللام) في قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ للتعليل، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، يعني أنزلناه لأجل التثبيتِ، والتثبيتُ معناه التقويةُ والإقرارُ، يعني ليست مجرد تقوية؛ لأنك تقول: ثَبَّتُّ الشَيْء بمعنى أقررته لا يَتَزَعْزَع ولا يتحرَّك، ومنه قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ تميل ﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، فالتثبيت بمعنى التقوية والإقرار؛ لِأَنَّهُ يقرره ويجعله مستقرًّا، فَقَلْبُ الرَّسول ﵊ بهذا التنزيل يَتَقَوَّى ويثبت ويستقرّ ولا يتزعزع.
وقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ كيفية التثبيت هنا من وجهينِ:
стр. 115
أولًا: أَنَّهُ إذا نزل عليه فترة بعد فترة استقرَّ فؤادُه، وعرف استمرار رسالته، وانظُرْ إلى حال النَّبي ﵊ عند فترة الوحي ماذا كان يصنع؟ كان يخرج إلى الجبالِ حتى يوشك أنْ يَتَرَدَّى من الجبالِ؛ لِأَنَّهُ فقد ما كان أحسَّ به أوَّلًا، فهذا تثبيتٌ يثبِّت قلب الرَّسول؛ لِأَنَّهُ رسول ولأن رسالته لم تَنقطِع، هَذَا وجهٌ.
وجهٌ آخرُ: أَنَّهُ يُثَبِّتُ قلبَ الرَّسولِ ﵊ كلَّما أُورِدَ عليه شُبهة، فينزل القُرْآنُ مجُيبًا عنها، وهذا بلا شكٍّ تَثبيتٌ، إذَن يَكُونُ التثبيتُ هنا من ناحيتينِ؛ تثبيته على أَنَّهُ رسولٌ، وتثبيتٌ آخرُ لدفعِ الشُّبُهات الَّتِي تُورَدُ عليه، وهذا الأمرُ الأولُ ضَرَبْنَا له مثلًا بفترةِ الوحي، والأمر الثَّاني نَضْرِب له مثلًا بهَذِهِ الآيةِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، جاء الجواب: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، وأيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١]، إلى آخره، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، فهذا وغيره كثير يَكُون من جملة تثبيت قلبِ الرَّسول ﵊، لِأَنَّهُ إذا كان الإنْسَان يُمَدُّ بما يدافع به خصمه، فإن ذلك من أقوى ما يَكُون من التثبيتِ.
وهنا بيَّن اللَّه الحِكمة بأنه تثبيت فؤاد الرَّسول ﵊. وفي آيةٍ أُخرى قال : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فَبَيَّن حِكمة أخرى وهي أن يقرأه النَّبي ﷺ على النَّاس على مُكث؛ ليَكُون أسهلَ لحفظه وأَوعى لفهمِه، فما هي الحِكْمَة في أن اللَّه اختارَ في هَذَا الموضعِ أن يقول: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، وهناك قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾؟
стр. 116
الحِكْمَة في هَذَا ظاهرة؛ لِأَنَّهُ هنا جواب لشبهة أوردت عليه، فناسب أن يُبَيِّن الحِكْمَة فيما يختص بالنَّبي ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كما هو معروف أن البشرَ بشر، يمكن أن يتأثَّر بما يورَد عليه من الشبهات؛ كما قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ [الإسراء: ٧٤].
وقوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [أتينا به شيئًا بعد شَيْءٍ]، وعلى هَذَا يَكُون الترتيل بمعنى التنزيل، وعندي أن الترتيل أخصُّ، يعني أن المعنى جعلناه مرتَّلًا، يعني بعضه يعقب بعضًا، وكل آية منه منفصِلة عن الأخرى، فكأن هَذِهِ الآيات مراحل للمسافر، والمسافر إذا كان له مراحل في سفرِه يهوَّن عليه السفرُ، وتَنْقُضُ هَذِهِ المراحل تعبَ سفرِه، لكِن إذا كان دائمًا في مَسيرٍ وَاحِدٍ يَشُقُّ عليه، وكون النفس ترتاح للقرآن بسَبَب هَذِهِ الآيات والترتيل أمرٌ معلومٌ، وتجزئة القُرْآن أيضًا لهذا السَّبب؛ أي لأجل أن يقطع الإنْسَان القُرْآن مرحلةً مرحلةً، فيهون عليه ويقوى في قراءته، وكذلك أيضًا جَعْلُهُ سوَرًا، كل سورة مستقلَّة عن الأخرى، هَذَا أيضًا من أسباب تنشيط القارئ واستمراره في قراءته، إذَن ترتيل القُرْآن بالآيات والسور هَذَا مما يفيد القارئ ويُكْسِبه نشاطًا وقوةً على القُرْآنِ حفظًا وفهمًا.
وكذلك أيضًا من فوائد الترتيل أيضًا أن العمل يأتي للناس شيئًا فشيئًا، ما ظنك لو أنَّ القُرْآن الكريم نزل جملةً وَاحِدةً على النَّاس بجميع أحكامه، هل يستوعب النَّاس هَذِهِ الأحكام ويقومون بها أو لا؟ لا يمكن، هَذَا صعب جدًّا، وليس من طَريق التربية أو التنشئة، ولكن بحكمة اللَّه كما هو شأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا في كل شَيْء من الأمور القدرية والأمور الشرعية أَنَّهُ يُنَشِّئُها تَنْشِئَةً، حتى الأمور الكونية تُنَشَّأ تَنْشِئَةً، فالجنين في بطن أمه يبقى مدة، في بني آدم تسعة شهور، وفي غيره من الدواب بحسبها، المهم لا بد من تنشئة، الليل والنهار لا يأتي دفعة وَاحِدة،
стр. 117
بل شيئًا فشيئًا، وهكذا الشرائع أيضًا تأتي إلى النَّاس شيئًا فشيئًا، لاسيما هَذِهِ الأُمة، وإن كانت الأمم السابقة شرائعهم نزلتْ جملةً وَاحِدةً، وهذا من الآصار والأغلال الَّتِي كانت عليهم أن شَرْعَهم ينزل جملةً وَاحِدةً، ويلزمون به دفعةً وَاحِدةً، لكِن هَذِهِ الأُمة من رحمة اللَّه بها أَنَّهُ رتَّل القُرْآن ترتيلًا، حتى يُنَشِّئَهم على الإسلام وعلى شريعة اللَّه تنشئةً شيئًا فشيئًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما العيب في كون القُرْآن لم يَنْزِلْ جملةً وَاحِدةً؟
العيب أَنَّهُ ليس برسولٍ لِأَنَّهُ لو كان رسولًا لكان مثل غيره ينزل عليه القُرْآنُ جملةً مثلما نزل على من سبقه جملةً. وهي شُبهة في الحقيقة وليست بحجَّة، هي شبهة يريدون التمويهَ بها، وإلا فليس هَذَا -أنه يأتي بالوحي شيئًا فشيئًا- إطلاقًا بشَيْءٍ يَمنع من صدق رسولِ اللَّه ﷺ ، لكِن هم يَقُولُونَ هَذَا بالإضافة إلى ما سبق في سورة النحل حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، إذا أضفتَ هَذَا إلى ما سبق كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هو يُلقَّن القُرْآن تلقينًا، وإلا لنَزَل عليه جملةً وَاحِدةً كغيره من الأنبياء.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألَا يَكُون قول المشركين: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ اعترافًا منهم بأن القُرْآن منزل من عند اللَّه؟
الجواب: لا، هم لم يعترِفوا، يعني على حسَب دعواه، حيث إنهم يَقُولُونَ: إذا كان نازلًا من عند اللَّه، إذَن لماذا لم ينزل عليك من اللَّه جملةً وَاحِدةً إنْ كنتَ صادقًا، فهذا ليس إقرارًا منهم بالإنزالِ، لكِن يَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي يقول: إِنَّهُ نَزَلَ عليه القُرْآن من اللَّه لماذا لم ينزل عليه جملة وَاحِدة؟ وأيضًا لا يوجد تناقض بين هَذِهِ الآية وبين قولهم: إن هَذَا كَلام ساحر يسحر النَّاس.
стр. 118
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: حِرص الكفار على إبطالِ ما جاء به الرَّسول ﷺ وإيراد الشُّبه عليه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ فإنَّ هَذِهِ ليستْ حجَّة وإنما هي شُبهة.
الْفَائِدَة الثَّانية: عناية اللَّه برسوله ﷺ بردِّه على هؤلاء.
الْفَائِدَة الثالثة والرابعة: إثبات الحِكْمَة في أفعال اللَّه؛ لقولِه: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾؛ لِأَنَّ اللام للتعليل، والتعليل معناه الحِكْمَة، ففيه ردٌّ على طائفةٍ من طوائف البِدع، والأَصْل أن هَذَا القول عند المجبرة، يرون أن أفعال اللَّه غير معلَّلة، وأنه يخلق الخلائق أو الخَلْق، ويشرع الشرائع لمجرد المشيئة، لا لحكمة، ويَستدلّون بقوله : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولكن أنَّى لهم ذلك من هَذِهِ الآية. إذَن هَذِهِ الآيات تفيد بيان الحِكْمَة من إنزالِ القُرْآن مفرَّقًا وأن أفعال اللَّه تَعَالَى معلَّلة مقرونة بالحِكْمَة، لكِن هَذِهِ الحِكْمَة الَّتِي تكون لأفعال اللَّه سواء كانت شرعية أو غير شرعية منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول لنا، ولَكِنَّهَا معلومة عند اللَّه.
الْفَائِدَة الخامسة: أن من الحِكْمَة في إنزال القُرْآن تثبيت قلبِ الرَّسولِ ﷺ سواء كان ذلك تثبيتًا في تقرير الرِّسَالةِ أو تثبيتًا في ردِّ الشُّبه الَّتِي تُعرَض عليه.
* * *
стр. 119
الآية (٣٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ في إبطالِ أمرِكَ ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافع له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بيانًا]، هَذَا من تثبيت قلب الرَّسول ﷺ ، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ المراد بالمثل هنا الصِّفة؛ كما قال اللَّه : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، والمَثَل كما هو معروف يُطلَق على الشبه ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، ويُطلَق على الصِّفة، أو الوصف العظيم العجيب ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥]، ويُطلَق على المثل المعروف بين الأدباء وهو القول السائر الَّذِي يراد به تشبيه الحال الواقع بما سبق، أو ما أشبه ذلك، فالمراد بالمثل هنا الصِّفة، يعني لا يأتونك بصفةٍ من القولِ يريدون بها إبطال دعوتك إلا جئناك بالحق.
إذَن فهم يأتون بباطلٍ لِأَنَّهُ قابل قولهم بالحقِّ، فهذا دليلٌ أيضًا عَلَى أَنَّ كلَّ شُبهةٍ يَحتجّ بها المكذِّبون للرسول ﷺ ، فهي باطلٌ، ولكن هَذَا الباطل باطل في ذاته، قد يظهر لبعضِ النَّاسِ بطلانُه، وقد يَخفَى على بعض النَّاس بطلانه، وهذا من الفِتَن، أي فتنة الشبهة، يعني ليس كل ما كان باطلًا معلومًا لكل أحدٍ، ولهذا أنت أحيانًا
стр. 120
وأنت شخص وَاحِد يَنجلي لك الأمرُ واضحًا في بعض الحالاتِ، ويَلتبِس عليك في بعضِ الحالاتِ، حَسَب ما يَكُونُ قلبُك صافيًا مطمئنًّا، أو غير ذلك، ومن ثَمَّ نُهي عن القضاء في حالِ الغضبِ، وعن الإفتاء في حال الغضبِ، وفي حالِ الحَرِّ المزعِج، والبرد المؤلِم، وَمَا أَشْبَهَ ذلك؛ لِأَنَّ الإنْسَان تحولُ هَذِهِ الأمور بينَه وبين العلمِ بالحقِّ، أو إرادة الحق؛ لِأَنَّهُ عند الغضبِ يَشْتَبِه عليكَ الحقُّ، أو ربما لا تُرِيد الحقَّ بل تُرِيد أن تنفذ غضبك فيمن غضِبت عليه مثلًا.
فالحاصل الآن نقول: كل شُبهة يُورِدُها الكفَّار في عهد الرَّسول ﵊ وفيما بعده فهي باطلٌ، وما جاء أحدٌ بباطلٍ في عهدِ الرَّسولِ ﷺ إلَّا جاء اللَّه بالحقِّ.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [أيْ بيانًا].
وهنا (أحسن) هل هي على بابها أو من باب مقابلة الخصمِ؟ على بابها؛ لأَنَّهُمْ عندهم بيانٌ وإيضاحٌ للأمورِ، وإيراد للشُّبه، وهم في غايةِ ما يَكُون من الفصاحةِ، ولهذا ما تحدَّى اللَّه أحدًا في عهد الرَّسول ﵊ بمثلِ ما تحدَّاهم بالقُرْآن، إذَن فـ (أحسن) هنا على بابِها، يعني أَنَّهُمْ يأتون بكَلامٍ حسنٍ جدًّا وبَيِّن وواضِح، ولكننا نأتيك بما هو أحسن وأبين وأوضح، وفي هَذَا من مدافعة اللَّه تَعَالَى عن رسوله ﷺ ما فيه.
قوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كَلامهم ما دام باطلًا هل فيه بيانٌ؟
فالجواب: نعم؛ لأَنَّهُمْ يأتون بكَلامٍ جيدٍ في فصاحتِه، وقد قال رسول اللَّه ﵊: "إن من البيان لسحرا" (١)، لكِن بيانهم هَذَا وفصاحتهم وسحرهم
стр. 121
اللفظي يأتي اللَّه تَعَالَى بما هو أحسنُ منه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: أن كلَّ ذي باطلٍ نجد جواب باطلِه من القُرْآنِ، أو نقول ما هو أعمّ: نجد بيان باطله من الوحي المنزَّل على مُحَمَّد ﷺ ، نأخذه من قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، فما من شُبهة إلى يومنا هَذَا تَرِد إلا وفي كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﵊ ما يَدْحَضُها، ولكن كما هو معروف ليس كلُّ أحدٍ يُدرِك ذلك، فالسيف في يدِ إنْسَانٍ لا يغني شيئًا ولا ينفعه، كالعصا أو أقلَّ، وفي يد إنْسَانٍ هو سيفٌ بتَّار يضرِب به ويقتل به، هكذا أيضًا الوحيُ المنزل على الرَّسولِ ﷺ ليس كلّ أحدٍ يعلمه، ولا كلّ أحدٍ يستطيع إقامة الحجَّة منه، ولكن فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، ولهذا سئل عليٌّ ﵁: هل عندكم شَيْءٌ من الوحي إلَّا ما في كتابِ اللَّهِ؟ قال: "لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ما أَعْلَمُه إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيه اللَّهُ رَجُلًا في القُرْآنِ، وما في هَذِه الصَّحِيفَةِ". قيل: وما في الصَّحِيفَةِ؟ قال: "الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" (١).
فالحاصلُ: أن اللَّه يُؤتِي فضلَه من يشاء بالنسبة لفهم القُرْآنِ، وكم من آيةٍ تمرّ بشخصٍ يَستنبِط منها عدة مسائل، وآخر لا يستطيع أن يأتيَ منها بمسألةٍ. ويُذكَر أن الإمامَ أحمدَ ﵀ استضافَ الإمامَ الشافعيَّ ذات ليلةٍ، فقدَّم إليه العشاءَ، فأكل العشاء كلَّه، ثم نامَ واضطجعَ على فراشه، ولم يَقُمْ لصلاة الليلِ، ثم قام إلى الفجرِ ولم يطلبْ وَضُوءًا، فقالت إحدى بنات الإمام أحمد لأبيها: هَذَا الشافعي الَّذِي كنت تقولُ عنه كيت وكيت، ما رأيناه عمِل ولا رأيناه أيضًا اقتصرَ
стр. 122
على ثُلُث لطعامِه. فقال: آتيكم بالخبرِ. فسأل الشافعي ﵀ أولًا: لماذا أكل كل الطعام؟ فأجاب قال: إني لا أرى أحدًا في هَذَا البلد أحلَّ طعامًا من الإمام أحمدَ، فأحببتُ أن يمتلئَ بطني من هَذَا الطعامِ الحلالِ، هَذِهِ وَاحِدةٌ، إذَن له غرضٌ، والشبع أحيانًا جائزٌ -فأبو هريرة شَرِبَ اللبنَ وقال له النَّبي ﷺ : "اشْرَبْ". فقال: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا (١)، ولكن نحن نحدِّث أنفسَنا بالحديث عند كل أكلةٍ، كل أكلة نقول مثل ما قال أبو هريرة! وهذا عارض، والعوارض كثيرة- وسأله: لماذا لم يَقُمِ الليلَ؟ فقال: إني كنتُ أتدبَّر قول النَّبي ﷺ : "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " (٢)، وإني استنبطتُ من الحديثِ ألفَ فائدةٍ. وَأَمَّا كوني أصلي الفجر بدونِ وضوءٍ فأنا لم أنمْ، أتدبَّر هَذَا الحديثَ. لكِن ما أظنُّه أخذها من لفظِ الحديثِ فقط، فاللَّه أعلم أَنَّهُ كُلَّمَا رأى فائدةً جرَّ حديثًا آخرَ يدلّ عليها، ثم استنبط منه.
فالحاصِلُ: أن النَّاس يَختلفون في فَهْم الكِتَابِ والسنَّة، واستنباط الأحكام من الكِتَاب والسنَّة، ولهذا تجد بعض النَّاس يأتي لك بالآيةِ ويسوقُ فوائدَها ويمكن أن يُحصِّل خمس أو عشْر فوائد حسَب ما في الآيةِ، وآخرُ يأتي بدلًا من الخمس بخمسين، وذلك فضلُ اللَّه يؤتيه مَن يشاء.
* * *
стр. 123
الآية (٣٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤].
* * *
قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ يقول المفسِّر: [هم ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾]، فجعل (الذين) خبر مبتدأ محذوف، والتقديرُ: هم ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، يعني هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبوك وعارَضوا ما جئتَ به هم الَّذِينَ يُحشَرون على وجوههم، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: يُساقُون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾، ولو قال المُفَسِّر: يُحشَرون بمعنى يُجمَعون؛ لِأَنَّ الحشر بمعنى الجمعِ، يعني يُبعَثون -والعياذُ باللَّه- يومَ القيامةِ على وُجُوهِهم، لكنْ كأنَّه لمَّا عُدِّيَ بقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ صار مُضمَّنًا لمعنى السَّوق؛ لمعنى يُساقُون، ولكنَّه لا مانعَ أن نقولَ: يُحشَرون ويساقون؛ لِأَنَّ الفعل إذا ضُمِّن معنى فعل آخرَ ليس معناه أَنَّهُ يَسْلُب دلالتَه الَّتِي يدلُّ عليها لفظُه، بل يُضاف إليه معنًى آخرُ، فمثلًا ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
قُلْنَا: إن يشرب مضمَّن معنى يَرْوَى، وليس معنى ذلك أَنَّهُ سلب معنى الشرب؛ لِأَنَّهُ لا رِيَّ إلَّا بعدَ الشُّرب، وهذا واضحٌ، كذلك أيضًا لا سَوْقَ إلى جهنَّم إلا بعد الحشر الَّذِي هو الجَمْعُ.
وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ﴾ على رأي المُفَسِّر تكون: ﴿الَّذِينَ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف،
стр. 124
ويَكُون قوله : ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ حالًا؛ جملةً حاليَّةً، أو أنها مبتدأ وخبر مستأنَف، ويَحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ خبر المبتدأ، فتكون من باب المبتدأ المخبَر عنه بجُملةٍ.
وقوله: ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ كيف يمشون على وجوههم؟ نقول: كما قال النَّبي ﵊: "أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " (١)، ليس ببعيدٍ، وإذا كان المتكبِّرون يُحشَرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِم (٢) فاللَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، فإنْسَانٌ بَشَرٌ قد يَكُون من أكبرِ النَّاسِ جُثَّةً في الدُّنْيا، وهو متكبِّر، إذا كان يوم القيامة يُحشَر أمثالَ الذَّرِّ، واللَّه تَعَالَى على كلِّ شَيْء قدير، وهذا مثالٌ مِما سبق الإشارةُ إليه بأن أحوال الآخِرة لا تُقاس بأحوال الدُّنيا.
إذا قيل: ما وَجْهُ العقوبة بحَشْرهم على وُجوههم؟
فالجواب: إهانةً لهم؛ لِأَنَّ الوجه أشرفُ الأعضاءِ، فإذا جُعل هو مَحَلّ الوَطْء فهذا إهانةٌ، لكِنْ ما هي الحِكمة من ذلك؟ لا شكَّ أَنَّهُ فيه إهانة وعذاب؛ لأَنَّهُمْ قَلَبُوا الحقائقَ فَقُلبوا، وأيضًا لمَّا كانوا ينطِقون بِأَلْسِنَتِهِمْ، وهي في وُجُوههم، صار العذابُ عليها، كلُّ هَذِهِ وُجُوه محتمَلة، وعندي زيادة احْتِمَال أن الإنْسَان يُقبِل على الشَيْءِ بوجهه ويُعرِض عنه بوجهه، فلمَّا كان الوجه محلَّ الإعراضِ والإقبالِ، وهم قد أَعرضوا، صار العذابُ عليها.
стр. 125
كل هَذِهِ المعاني مناسِبة، واللَّه أعلمُ بما أرادَ، وقد تكون كل هَذِهِ المعاني مقصودةً، ولا يقال: إن الوجهَ أشدُّ مواطنَ الجسدِ إحساسًا، نقول: ليس على كلِّ حالٍ؛ لِأَنَّهُ توجد مواطنُ أشدُّ إحساسًا من الوجهِ. على كلِّ حال هَذِهِ المعاني الَّتِي ذكرتُ يمكِن أن تكونَ كلُّها من أسباب أَنَّهُمْ يحشَرون على وجوههم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هو جهنم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طَريقًا من غيرهم، وهو كُفْرهم].
قوله: ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ يعني منزِلَةً، وهي جهنَّم، فهي شرٌّ مكانًا من كلِّ أحد؛ لِأَنَّهُ لم يذكر المفضَّل عليه، وعدم ذِكر المفضَّل عليه يفيد العموم، يعني ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ من جميع الأمكنة ومن كل أحد.
قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني طَريقًا عن الصواب، فهم أضلُّ طَريقًا من كل أحدٍ، فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحشَرون على وُجُوهِهم إلى جَهنَّم -والعياذُ باللَّه- هم شرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً، وهم أضلُّ النَّاسِ طَريقًا.
وقوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ جَهَنَّم هَذِهِ اسْم من أَسْماء النار، وأصلها من الجُهْمَة، والنون فيها زائدة، وعلى هَذَا فوزنها فَعَنَّل؛ لِأَنَّ النون زائدة، وسُميت بهذا الاسْم لِأَنَّهَا سوداء اللون، بعيدة القَعْر، وهَذِهِ هي الجُهمة والظُّلمة، نعوذ بِاللَّهِ منها.
ويستفاد من الآية إثباتُ البَعْث؛ لِقَوْلِه: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾.
* * *
стр. 126
الآية (٣٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥].
* * *
هَذِهِ الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ فيها مؤكِّدات عددها ثلاثة: (اللام)، و (قد)، والقَسَم؛ لِأَنَّ اللام مُوَطِّئَةٌ للقَسَم، والتقدير: واللَّهِ لقد، والتأكيد في القُرْآنِ سَبَبُه أحدُ أمرينِ: إمَّا أن يَكُون في مقابلةِ إنكارِ المنكِر، وإما أن يَكُون لأهميةِ الموضوعِ، وإما للأمرينِ جميعًا، فيَكُون أمرًا مُهِمًّا، ويَكُون هناك مُنْكِرٌ له، فيؤكِّد اللَّه ذلك الأمرَ، فهنا إيتاء موسى الكِتَابَ هَذَا أمرٌ واقِعٌ ولا يُنْكَر، لكنْ لأهميَّة الموضوعِ أكَّده اللَّه لِيَعْرِضَ للرسولِ ﵊ صُوَرًا من تكذيبِ السابقينَ حتى يَكُون ذلك أبلغَ في تسليتِه، ففيما سَبَقَ يقول اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]، وهذا قولٌ مجمَل، ثم شَرَعَ هنا في تفصيلِ ذلك وبيانِ ما وَقَعَ على سبيل التَّعْيِين.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التَّوْرَاةَ]، وآتَيْنَاهُ بمعنى أَعطيناه إيَّاها، أنزلها اللَّه تَعَالَى عليه مكتوبةً بألواحٍ، فهي ألواحٌ مكتوبٌ فيها التوراة، جاءَ بها مُوسَى منَ اللَّه، وليس المراد أنها تنزل من السماء، أنزلها اللَّه على موسى فجاء بها إلى قومِه، وقِصَّتُها في الأعرافِ مبسوطةٌ.
стр. 127
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ مُعِينًا]، ﴿أَخَاهُ﴾ من أبيه وأمِّه، وأمَّا قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، فهذا من باب التلطُّف والتعطُّف؛ لِأَنَّ الأمَّ أشدُّ حنانًا من الأبِ، وإلَّا فَهُوَ أخوه من أبيه وأُمِّه، ومسألة القرابة وأنه شقيقه ثابتةٌ.
قوله: ﴿هَارُونَ وَزِيرًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مُعِينًا].
وقوله: ﴿وَزِيرًا﴾ من الأَزْرِ؛ وهو العَوْن، يعني أَنَّهُ كان وزيرًا، أي مُعِينًا له، وذلك بِطَلَبٍ من موسى؛ كما قال اللَّه : ﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٠ - ٣٢]، ويقال: إِنَّهُ لا يُوجَد أحد من الإخوة أشدّ مِنَّةً وفضلًا من موسى على هارون؛ لِأَنَّهُ طلب أن يَكُونَ رسولًا، والرِّسَالة أعلى المقامات الَّتِي يتوصَّل إليها البَشَر.
* * *
стр. 128
الآية (٣٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي القِبْط فِرْعَون وقَوْمه، فذَهَبَا إليهم بالرِّسَالةِ فكَذَّبُوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أهلكناهم إهلاكًا].
قوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ في كلمة ﴿كَذَّبُوا﴾ إشكالٌ؛ وهو أَنَّهُ يَقْتَضِي أن التكذيبَ سابقٌ للرسالةِ، ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فكيف يَكُونون مكذِّبين مع أَنَّهُمْ لم يأتِ إليهم رسولٌ؟
والجواب: أن الفعلَ الماضيَ هنا بمعنى المستقبَل، بمعنى: الَّذِينَ يكذبون بآياتنا؛ لِأَنَّ الآياتِ لم تَصِلْ إليهم بعدُ، فمعنى ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي يكذبون بها في المستقبَل.
أو يقال: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بحسَب عِلْمِ اللَّه ، يعني: قَدَّرنا أَنَّهُمْ يكذِّبون.
ويَحتمِل وجهًا ثالثًا، لَكِنَّهُ احْتِمَال لا يوجد ما يؤيِّده، أَنَّهُمْ قد أُرْسِل إليهم رسولٌ فكَذَّبُوه، وهذا يؤيِّده قول المؤمن من آلِ فِرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ
стр. 129
مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤].
فَإِذَا قِيلَ: إن يُوسُفَ سابقٌ جِدًّا على موسى، ولا ندري هل أدركه فرعون أم لم يُدْرِكْه؟
فيقال: لعلَّ آثار رِسالته قد بَقِيَتْ، ولهذا خاطَبَهُم المؤمن: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾، ولم ينكروا، ما قالوا: ما جاءنا، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يعني إلى الآن.
فصار عندنا الوجوه ثلاثةً؛ إما أن الماضيَ هنا بمعنى المضارعِ، واستعمالُه بمعنى المضارع كثيرٌ في اللغة العربيةِ، ولا يَحْضُرني الآن أمثلة، وربما يأتي، وإمَّا أن يَكُونَ كَذَّبُوا في علمِ اللَّهِ أي حَسَب علم اللَّه وتقديره، وإما أن يَكُون بِحَسَب الرِّسَالةِ السابقةِ الَّتِي هي رسالة يُوسُف.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ المراد بالآياتِ هنا الكونيَّة أو الشرعيَّة؟ الظاهر أنها تَشْمَل الآيات الكونية والشرعية؛ لِأَنَّ آيات اللَّه كما هو معروفٌ آيات شرعيَّة وآيات كونيَّة، فما تَعَلَّقَ بالخَلْق والتقدير فَهُوَ آيات كونيَّة؛ لِأَنَّ في انتظامِه ودِقَّته وصُنعه ما يدلّ على حِكمة صانعِه وقُدرته، وما يتعلَّق بالوحي فَهُوَ آيات شرعيَّة؛ لِأَنَّ إصلاح هَذَا الوحي لَمِن نزل إليه على حَسَب ما شُرِعَ هَذَا من الآيات العظيمة الدالَّة على أَنَّهُ من عند اللَّه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
قوله : ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ اذهبَا إليهم فدمَّرناهم؛ من المعروف أن في الآية تقديرًا، والتقدير: فذَهَبَا إليهما فكذَّبوهما فدمَّرناهم تدميرًا، وإنما يَتَعَيَّن هَذَا التقدير لِأَنَّهُ لا يمكِن التدمير بمجرَّد ذَهاب
стр. 130
الرَّسولِ إليهم، لابدَّ من تكذيبٍ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لن يُهْلِكَ أحدًا إلا بذنبٍ.
وقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾ مصدر يُراد به التعظيم، يعني تدميرًا عظيمًا، ولا شك أنَّ التدميرَ الَّذِي وقع لفرعونَ وقومِه من أعظم التدميرِ؛ لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧]، هَذَا النَّعيم العظيمُ الَّذِي كان فيه قومُ فِرعونَ إذا جاء الهلاك من بعده يَكُون وَقْع الهلاك فيهم شديدًا؛ لِأَنَّ الهَلَاكَ إذا وقع للبائسِ فَهُوَ أهونُ مِمَّا إذا وقع للناعِم، هو أَهْوَن بكثيرٍ، ولهذا وَصَفَ اللَّه هَذَا التدمير بقوله: ﴿تَدْمِيرًا﴾؛ يعني عظيمًا بالغًا، وهذا التدميرُ لا يُنافي ما أَشَرْنا إليه من أنَّ اللَّه تَعَالَى أنجَى فرعونَ بِبَدَنِه، يعني لا بِرُوحِه، فإن رُوحَه هلكتْ مع مَن هلكَ، لَكِنَّهُ أنجاهُ ببدنِه ليَكُونَ آيةً لبني إسرائيلَ وعلامةً على أَنَّهُ هلك؛ لِأَنَّ الرجلَ قد أَرْعَبَهُم وأَرْهَبَهُم، فلا يَطْمَئِنُّون تمَامَ الطُّمأنينة حتى يشاهدوا جُثَّتَه ميِّتة، وبذلك يَكُون آية وعلامة على أَنَّهُ ما بَقِيَ له بقيَّة.
هل في هَذَا تعيين لمِا يَتَسَلَّى به الرَّسول ﵊؟
الجواب: نعم فيه؛ لِأَنَّ فرعونَ من أعظم النَّاس عُتُوًّا وتكبُّرًا، ومعَ ذلك أهلكه اللَّه إهلاكًا بالغًا هو وقومه، فهكذا أيضًا تكون العاقبةُ للرسول ﷺ مثلمَا كانت العاقبةُ لموسى وقومِه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قوم الرَّسول ﵊ يَعرِفون حكاية فرعونَ؟
فنقول: نعم يَعرِفونها؛ إمَّا من قَبل نزول القُرْآنِ أو من بعدِه؛ لأَنَّهُمْ يعرفون في أنفسِهم أن القُرْآنَ حقٌّ.
* * *
стр. 131
الآية (٣٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧].
* * *
بدأ بذكر موسى ﵇، معَ أَنَّهُ متأخِّر بالنسبةِ إلى قومِ نوحٍ، فما هي الحِكمة من ذلك؟ فالجواب: لِأَنَّ فرعونَ أقربُ عَهْدًا، وأشدُّ عُتُوًّا من قوم نوحٍ.
قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ الناصب لها موجودٌ، ليس مقدَّرًا، وهو قوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، فَهُوَ من باب الاشتغالِ، ولكن لماذا نَصَبَ مع أن الراجحَ في ظاهر القول الرفعُ؟ نقول: لِأَنَّهُ عُطِف على جملةٍ فعليَّة، وإذا كان معطوفًا على جملة فعلية فتقديرُ الفعلِ أَولى من المبتدأ؛ لأجل أن تتناسب الجملتانِ، يُعْطَف فعل على فعلٍ، يعني: فدمَّرناهم تدميرًا، وأغرقنا قوم نوح لمَّا كذَّبوا الرُّسُل، فدمَّرنا وأغرقنا قوم نوح.
وعلى رأي المُفَسِّر ﵀ فإن ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوب بتقدير: اذْكُرْ قوم نوحٍ لمَّا كذَّبوا الرُّسُلَ أغرقناهم، ولكننا نقول: لا نحتاج إلى تقدير، والمسألةُ من بابِ الاشتغالِ، والاشتغالُ معروف، والاشتغال مثل النِّكاح، فالنكاح تَجري فيه الأحكامُ الخمسةُ، والاشتغال أيضًا تَجري فيه الأحكامُ الخمسةُ، أحيانًا يَجِب الرفع، وأحيانًا يَجِب النصب، وأحيانًا يَتَرَجَّح النصب، وأحيانًا يَتَرَجَّح الرفع، وأحيانًا يَتساوَى الأمرانِ، فتجري فيه الأحكام الخمسة، أحكام النحو، لا أحكام التكليف في الشرع،
стр. 132
وفي مثل هَذَا التركيب يَتَرَجَّح النصبُ؛ لِأَنَّهُ معطوف على جملةٍ فعليَّة، وإذا عطف على جملة فعلية فالأرجح النصبُ؛ لأجل أن نقدِّر فعلًا يَكُون مناسبًا لمَا عُطِفَ عليه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ بتكذيبهم نوحًا لِطُول لُبْثِه فيهم، فكأنَّه رُسُل، أو لِأَنَّ تَكْذِيبَه تكذيبٌ لِباقي الرسُلِ؛ لاشتراكِهِم في المجيءِ بالتَّوحِيدِ]، المُفَسِّر ﵀ حلَّ الآية الكريمة على وجه جوابٍ لإشكال في قوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، فمعلوم أن نوحًا ﵊ هو أول الرُّسُل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وكذلك أيضًا في حديث الشفاعة: "وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ" (١)، فإذا كان أول الرُّسُل فكيف الجواب عن قوله : ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ معَ أَنَّهُ ما سَبَقَه رسول ولا جاء معه رسول؟
أجاب المُفَسِّر ﵀ بوَاحِد من أمرينِ: إما أَنَّهُ لِطُول مُكْثِه في قومِه صار كأنه رُسُل كثيرون؛ لِأَنَّهُ لَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، وهَذِهِ مدَّة تَستوعب رسلًا كثيرينَ، فكأنه لِطُول المُكْث صارَ متعدِّدًا، هَذَا وَاحِد.
الجواب الثَّاني: أو لِأَنَّ تكذيبَه تكذيبٌ لباقي الرُّسُلِ؛ لاشتراكِهِم في المجيءِ بالتَّوحِيدِ، فيَكُون هَذَا من بابِ الجنس؛ لِأَنَّ مَن كَذَّب رسولًا فكأنَّما كذَّب جميعَ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّهُ كما أَسلَفنا أعداء الرسُل لا يُعادونهم لِشَخْصِهِم، وإنما يُعادونهم لمَا يَدْعُونَ إليه، وما جاءوا به، وهذا جِنسٌ، فيَكُون تكذيبهم لرسولٍ تكذيبًا لجميع الرُّسُل، وهذا أقرب، ولذلك مَن كذَّب رسولًا وَاحِدًا فَهُوَ مكذِّب لجميعِ الرسُلِ،
стр. 133
وبهذا نعرِف أن اليهودَ الآن مكذِّبون لمُوسى، وأن النصارى الَّذِينَ يزعُمون أَنَّهُمْ متبِّعون لعيسى مكذِّبون لعيسى؛ لأَنَّهُمْ مكذِّبون للرسول ﷺ ، فهم مكذِّبون حتى لأنبيائِهم.
وبهذا نعرِف أيضًا أن ما اشتهر بين النَّاسِ الآنَ من تسمية النصارى بالمسيحيِّين أَنَّهُ خطأ، وأنه لا يَنبغي أنْ نُسمِّيَهم بالمسيحيين؛ لِأَنَّ المسيحَ منهم بريءٌ، ولا يجوز أن يُنسَبوا إليه، ولا إلى دينِه، وإنما يقالُ لهم ما قال اللَّه فيهم؛ وهو النصارى، وما زال المسلمونَ في كُتُبهم يُسَمُّونهم بهذا الاسْم بالنصارى إلى أن استعمروا البلاد الإسلاميَّة وأدخلوا على المسلمينَ هَذَا التعديلَ تلطيفًا وتمويهًا؛ لِتَصْطَبغَ مِلَّتُهم بالوصف الشرعيّ وهو المسيحيَّة، ونحن نقول: نُشهِد اللَّه عَلَى أَنَّ المسيح ﷺ منهم بريءٌ، وأَنَّهُمْ كافرون به كما هم كافرون بمحمَّدٍ ﷺ ، بل إنَّهم في الحقيقة كافرونَ به، لا من حيثُ العمومُ والجنسُ، بل من حيثُ التعيينُ؛ لِأَنَّ اللَّه يقول عن عيسى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، يخاطب بني إسرائيل فيبشِّرهم بهذا الرَّسول، وهل يمكن أن يُبَشَّرَ أحدٌ بما لا يتَّصل به؟ لا يمكن، فإذا كان يبشِّرهم برسول يأتي إلى العرب ويحاربهم ويقاتلهم هل هَذِهِ بشارة؟ أبدًا، البشارة برسول يأتي إليهم لِيُنْقِذَهم من الضلالِ، ومُحَمَّد ﷺ لمَّا جاء إلى هَذِهِ الأُمَّة صار يحارب النصارَى، وأوجبَ اللَّهُ عليه محاربَتَهم ومحاربة اليهود، ومحاربة جميع الكفارِ، هل يمكن أن يَكُونَ عيسى مبشِّرًا للنصارى برسول يأتي من بعده اسْمه أحمد ليقاتِلَهم؟ !
لا يمكن، وبهذا نعرِف أَنَّهُمْ كَذَّبُوا عيسى على التعيينِ، لا على جنسِ الرِّسَالةِ، كما أسلفنا أولًا.
стр. 134
وَإِذَا قِيلَ: إنهم لا يعلمون بهَذِهِ البشارةِ.
نقول: هَذِهِ البشارة موجودةٌ في أصلِ الكِتَابِ، ولا أظنها تحرّفتْ، لا بدَّ أن تكون باقيةً؛ لِأَنَّهُ مُبَشِّرٌ لهم، ولا يبشَّر إلا من تصل إليه البشارة، فالظاهر أَنَّهُ ما جَرَى عليها التحريف وأنها باقية، فقد يحرِّفون المعنى أو بعض الأمور كتموها، أو ما أشبه ذلك، ولهذا اليهود لما أرادوا ألا يطبِّقوا الحدَّ في التوراة لم يُزيلوها من التوراة، هي باقية، لكِن يحاولون أن يكتموها عن النَّاس كما هو معروف (١)، وأنا عندي أن ذلك لا بد أن يَكُون هَذَا موجودًا لم يَجْرِ عليه تحريفٌ؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف: ٦]، ولأنه إِنَّمَا يُبَشَّرُ بالرَّسول مَن كان في وقت الرَّسول، وهذا معناه أَنَّهُ سيبقَى، وَأَمَّا قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠]، فإن هَذَا مما يؤيِّد ما قُلْنا، لكِن نفس البشارة تدلّ عليه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يؤيّد، وليس نصًّا في الموضوع، فقد يَكُون المراد أوائلهم قبل التحريف، لكِن الظاهر أن المراد الأوائل والأواخِر، كذلك وفد نَجْرَان لمَّا أَتَوُا النَّبي ﷺ .
والخلاصة في الكَلام على قوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أَنَّهُ جمع، مع أَنَّهُمْ ما كذَّبوا إلا نوحًا، والجواب عن ذلك من أحد وجهين كما تقدم: إما أَنَّهُ لطول مُكْثِه كأنه رُسُل، وإما أَنَّهُمْ لمَّا كذبوا هَذَا الرَّسول مِنْ أجْلِ الرِّسَالة صاروا مكذِّبينَ لجِميع الرسُلِ.
والَّذِي حصل ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فَهُوَ جواب ﴿لَمَّا﴾، قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ وقصَّتهم معروفة، حتَّى إنَّ اللَّه أغرقَ من قومِ نوحٍ
стр. 135
ابنَه ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، فقال اللَّه له: إِنَّهُ ليس مِن أهلِك؛ لِأَنَّهُ كافر وأنتَ مؤمِنٌ.
وَقَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدَهم ﴿آيَةً﴾ عِبرةً ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخِرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرينَ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾].
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةً﴾ عِبرة]، كيف كانوا عبرةً؛ لِأَنَّ الآية لا بدَّ أن تكون معلومة، فكيف كان ذلك؟ عن طَريق الخبرِ، سواء كان عن طَريق الوحي أو عن طَريقِ النقلِ بين النَّاسِ، وأيضًا الفُلْك أوَّل مَن صَنَعها نوح، فبَقِيَتْ آيةً إلى يومِنا هذا، ولكنَّها تطوَّرت بحسَب الزمن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٣ - ١٥].
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ في الآخِرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾]، قوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ هَذَا إظهارٌ في موضِع الإضمارِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى السياق أن يقول: وأَعْتَدْنَا لهم، كما قال اللَّه : ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]، ولكن الإظهارُ هنا له فائدةٌ، بل فوائدُ، نَعُدُّها:
الأُولى: إرادة الشمول والعموم؛ لِيَشْمَلهم هم وغيرهم، حتى الظالمون من قريشٍ يدخلون في هذا؛ لِأَنَّهُ إذا قال: (وأَعتدنا لهم عذابًا أليمًا) صار العذابُ الأليمُ لهم فقطْ، لكِن لمَّا قال: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ صار لهم ولغيرِهم.
والثَّانية: تسجيل هَذَا الوَصْف عليهم، وهو الظُّلم؛ لِأَنَّهُ وصفهم بأَنَّهُمْ ظالمون.
стр. 136
والثالثة: إظهار الحِكمة من هَذِهِ العقوبة وهي أَنَّهُمْ كانوا ظالمين، يعني أعدَّ لهم عذابًا أليمًا؛ لأَنَّهُمْ ظالمون.
والرابعة: التنبيه: تنبيه المخاطَب؛ لِأَنَّ تَغَيُّر السياق يُوجِب انتباهَ المخاطَب، مثل الالتفاتِ، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ [المائدة: ١٢]، ولم يَقُل: وبَعَثَ. وقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]، لم يقلْ: نعبد، بل قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لكِن المراد بالمخاطَب هنا الَّذِي يَكُون في قلبه حياة، أمَّا الَّذِي يقرأ القُرْآن بدون تدبُّر فَإِنَّهُ لا يَنْتَبِهُ للإظهار في موضِع الإضمار، والالْتِفات، والتنبيه، فكله عنده وَاحِدٌ، لكِن الكَلام للذي يقرَأ بتدبُّر؛ فَإِنَّهُ لا بد أن يَنْتَبِهَ كيف تغيَّر السياقُ، وكيف عُدل عن الضمير إلى الظاهرِ.
قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فَعِيل بمعنى مُفْعِل، يعني مُؤْلِمًا، وعذاب جهنم -والعياذ باللَّه- أو عذاب الآخرة يَشمَل الألمَ البَدَنِيَّ والألم القلبيَّ، فالألم البدني يحصُل بنوع العذاب، والألم القلبيُّ يحصُل بما يقارن عذابهم من التوبيخ؛ لأَنَّهُمْ يوبَّخون ويُقرعون ويُقرَّرون بإتيان الرُّسُلِ، وهذا من أشدِّ ما يَكُون من العذاب القلبيّ.
* * *
стр. 137
الآية (٣٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿عَادًا﴾ قومَ هُودٍ ﴿وَثَمُودَ﴾ قومَ صالحٍ، ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اسْم بِئْرٍ، ونبيُّهم قيل: شُعَيْب، وقيل: غيرُه، كانوا قعودًا حولَها فانهارتْ بهم وبمنازلهم، ﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، أي بين عاد وأصحاب الرَّسِّ].
قوله : ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: إنها على تقدير (اذْكُر)؛ لِأَنَّهُ لم يذكر فعلًا بحيثُ يُحالُ العملُ عليه، وعادٌ قومُ هودٍ، وكانوا في الأحقافِ في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا ذوي قوَّة وشِدَّة، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فقال اللَّه مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، انْظُر ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لها فائدة؛ لأَنَّهُمْ مخلوقون ضعفاء ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وبماذا أُهْلِكُوا؟ أهلكوا بألطفِ الأشياءِ، وهي الريحُ؛ رِيحٌ دَمَّرَتْهُم، قال تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
قوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ فيها قراءتانِ: (وَثَمُودًا) ﴿وَثَمُودَ﴾ بدون تنوينٍ، فعلى قراءة التنوينِ يَكُون غير ملاحَظ فيها اسْم القبيلة، يعني ليس فيها تأنيث، وعلى قراءة
стр. 138
عدم التنوين ﴿ثَمُودَ﴾ منعت من الصرف للعلميَّة والتأنيثِ، فأَسْماء القبائل كلها يُحْذَى بها هَذَا الحَذو، يعني يجوز أن تمنعها من الصرف باعتبارِ اسْم القبيلة، ويجوز ألَّا تَمْنَعَها إذا لم يكنْ فيها مسوِّغ غير التأنيث المعنويّ؛ لِأَنَّهَا ليستْ فيها سَبَبٌ.
وثمود هم قوم صالحٍ، كذَّبوا صالحًا وعَقَرُوا الناقةَ الَّتِي جعلها اللَّه آية، وأخيرًا أُهلِكوا بصيحةٍ ورَجفةٍ، صِيحَ بهم مع الرَّجْفَة، فماتوا والعياذُ باللَّهِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، وفي آية أخرى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل نبيّ اللَّه صالح عربيّ؟
فالجواب: الظاهرُ أَنَّهُ عربيّ، وهُود أيضًا، لكنهما ليسا من العرب المستَعْرِبَة الَّذِينَ هم بنو إسماعيل من العربِ العاربةِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لكِن ذكر ابنُ كثيرٍ (١) حديثًا عن أبي ذرٍّ قال: يا رسول اللَّه، كم الأنبياء؟ فذكر فيه: "وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ" (٢)؟
فالجواب: الأَسْماء تدل على أنها عربيَّة، لكِن لا أدري عن هَذَا الحديث، لكنِ المعروف أَنَّهُ لا يوجَد إلا هَؤُلَاءِ الأربعة، حتى شُعَيب لا أدري عنه إلا مِن هَذَا
стр. 139
الحديثِ، أمَّا هود فمعروف عند المؤرِّخين أَنَّهُمْ عَرَب عاربةٌ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل أحدٌ تَعَرَّض لتعريبِ أَسْماءِ الأنبياءِ، أي معرفة معناها؟
فالجواب: من المعروف أنَّ الأعلامَ قد تكونُ أَسْماء جامدةً، ليس لها اشتقاقٌ، لكنْ فيما يبدو لي -واللَّه أعلم- أن أَسْماء الأنبياء في الغالبِ لها معانٍ، لكِن لا أعرِفُ عنها شيئًا.
قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ اسْم للبئر؛ إمَّا للبئر مطلقًا، أو لبئر غير مَطْوِيَّة، ولم يبيِّنِ اللَّه مَنْ أصحابُ الرسِّ، ولذلك اختلفَ المفسِّرون فيهم اختلافًا كثيرًا، فقيل: إنهم -كما يقول المُفَسِّر ﵀ قومُ شُعَيْب، ولكنَّ هَذَا ليسَ بصحيحٍ، وقيل: إنهم من قومِ ثَمود، ولَيْسُوا قومَ ثمود، وعلى هَذَا فيَكُونُ عَطْفُهم على ثمودَ من بابِ عَطْف البعضِ على الكلِّ، ولَيْسُوا هم ثمود أصحاب البئر، يعني بئر الناقة؛ لِأَنَّهُ معروفٌ أَنَّهُمْ ثمود مستقِلُّون، وهلاكهم معروف، وجوابهم لرسولهم معروف، فالأَصْل في العطف التغايُر.
وقيل: إنَّ أصحابَ الرَّسِّ -ورجَّحه ابنُ جَرِير (١) - هم أصحابُ الأُخدود الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى في سورة البُرُوج، ولكن الأَولى التوقُّف في تَعْيِينهم؛ لِأَنَّ اللَّه لم يُعَيِّنْهُم، ولكننا نَعْلَم أن هَؤُلَاءِ القوم كانوا معلومينَ للعربِ حين نُزُولِ القُرْآنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يَكُنْ لِيَضْرِبَ لهم المَثَلَ بقومٍ لا يَعرِفون ما جَرَى عليهم، الآن نحن نَتَكَلَّم عن تعيينهم بأشخاصهم، أو بقبائلهم، نقول: الأَولى التوقُّف.
لكنْ لماذا سُمُّوا أصحابَ الرَّسِّ؟
стр. 140
قيل: إنهم رَسُّوا نبيَّهم، يعني دفنوه في هَذِهِ الرسِّ، يعني في البئر، فسُمُّوا بأصحاب الرسِّ من باب إضافة الشَيْءِ إلى العملِ الشَّنيع المنكَر.
وقيل: إنهم كانوا حولَ هَذِهِ البئرِ، وإن اللَّه خَسَفَ بهم وببئرهم، فانهارت البئرُ بمَن حولها، فذهبوا عن آخِرِهِم. وكيفيَّة العقوبة الَّتِي جرتْ عليهم أو كيفية العمل الَّذِي عمِلوه فأُهلِكوا به على الأوَّل تكونُ الإضافة إشارة إلى الفعلة القبيحة الَّتِي فعلوها، فكانت سَبَبًا في إهلاكهم، وعلى الثَّاني تكون إشارة إلى نوع العقوبة الَّتِي عُوقِبوا بها، فتكون من باب الإضافة إلى العقوبةِ.
نقرأ كَلام المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ اسْم بئرٍ، ونبيُّهم قيل: شُعيب، وقيل: غيرُه، كانوا قعودًا حولَها فانهارتْ بهم وبمنازلهم]، المُفَسِّر ﵀ اقتصرَ على ذكر كيفيَّة إهلاكهم، فهم أُضيفوا إلى البئرِ؛ لِأَنَّ إهلاكَهم كان بما حولها، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي بينَ عادٍ وأصحابِ الرَّسِّ]، هَذَا ما ذهب إليه المُفَسِّر، ويَحتمِل أنَّ الإشارةَ تعودُ إلى ما سبقَ من قومِ نوحٍ، يعني من قوم نوح إلى أصحاب الرسِّ قرون كثيرة أَهلَكهم اللَّه .
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقُرُونًا﴾ أقوامًا] كأنه يقول ﵀: إن المرادَ بالقرنِ الجِيل، والقوم والأُمَّة الَّتِي كانت في عصرٍ وَاحِدٍ، وهذا أحد الأقوالِ في القرن؛ أن المراد به الأُمة والطائفة الَّذِينَ كانوا في عصر وَاحِدٍ، وعلى طَريقٍ وَاحِدةٍ، واستدلوا بقول النَّبي ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (١).
стр. 141
ويُطلَق القرنُ على الزمنِ، واختلفوا في مِقدارِه؛ فمنهم مَن قال: إِنَّهُ مئة، وهذا هو المشهور، ومنهم من قال: مئة وعشرونَ، ومنهم من قال: ثمانونَ سنة، وهَذِهِ الأقوال الَّتِي تُقَدِّرُ بالزمنِ هي مقارِبةٌ للأقوالِ الَّتِي تقدِّر بالأُمَّة؛ لِأَنَّ الغالبَ أن مثل هَذَا الزمن يَفنى به الأوَّلون ويأتي بعدَهم قومٌ آخرونَ، ولهذا قال النَّبي ﷺ في آخِرِ حياتِه: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مئة سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ" (١)، فهذا مما يُشِيرُ إلى أن القرنَ مئة سنةٍ، ولكنَّ السياقَ هنا يدل عَلَى أَنَّ المرادَ بالقرون الأُمم؛ لِأَنَّ الإهلاك للقرونِ يَكُون لأهل الأزمان، فالآيةُ هنا سياقها يدلّ عَلَى أَنَّ المراد بالقرونِ الكثيرةِ الأممُ، وما أكْثَرَ القرونَ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّه بين نوحٍ وأصحاب الرَّسِّ، وقد جاء في الحديث الَّذِي رواه أبو ذَرٍّ وهو حَسَنٌ، وصحَّحه الحاكِم (٢) أن عدد الرُّسُلِ ثلاثُ مئة وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وأمَّا الأنبياء فكثيرون؛ مئة وأربعة وعشرون ألفًا، هَذَا عددٌ كبيرٌ، فإذا كان غالب الرُّسُل مُكَذَّبًا، فمعنى ذلك أن القرونَ الَّتِي أُهْلِكت كانتْ كثيرةً، والنَّبي ﷺ رأى رؤيا: رأى الأنبياء، فرأى النَّبيَّ ومعَه الرَّهْطَ، والنَّبيَّ ومعه الرجلُ والرجلانِ، والنَّبي وليس معَه أحدٌ (٣)، ممَّا يدلّ عَلَى أَنَّ غالبَ الأنبياءِ كُذِّبَ فيما سَبَقَ ولم يَتْبَعْه إلَّا القليل، وهذا نوحٌ كما هو معروف لبِث في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، قال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، هَذِهِ المدَّة العظيمة وهو يكابدهم ويناظرهم
стр. 142
ويجادلهم ويَقُولُونَ: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود: ٣٢]، أي: لن نُطِيلَ، الَّذِي عندك ائتِ به -والعياذ باللَّه- ونحن الآنَ إذا كابَدْنَا وَاحِدًا في الدعوةِ إلى اللَّهِ لِمُدَّة دقيقةٍ وَاحِدةٍ تَطَاوَلْنَاها، نقول: لماذا لم يَسْتَجِبْ من أوَّل مرَّة دعوناه فيها؟ ! والرُّسُلُ - عليهم الصلاة والسلام- الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بالنصرِ ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، يكابِدون أقوامَهم ثم لا يؤمن إلا القليلُ منهم.
فالحاصِل أننا نقول: هَؤُلَاءِ القرون العظيمةُ الكثيرةُ كلُّها أهلكها اللَّه بتكذيبِها لِرُسُلهم، أفلا يَكُون قادرًا على أن يُهلِك المكذِّبين للرسول؟ بلى، هو قادرٌ عليه، وهذا هو الَّذِي حَصَلَ، لكِن اللَّه تَعَالَى جعل إهلاكَ أعداءِ الرَّسولِ ﷺ على يد الرَّسولِ ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. فهَذِهِ المصالح العظيمة لو أُهلكت قريشٌ بعذابٍ من عند اللَّه لم تَحصُل، ولهذا إذا هلك عدوُّك على يدِك كان أشفَى لك وأشدَّ سرورًا وفرحًا أن اللَّه يُهلِكه على يدك، أمَّا إذا هَلَكَ بعذابٍ من اللَّه فهذا لا شكَّ أن اللَّه كَفَاكَ شَرَّهُ ولكنْ كونه على يدِك أبلغ وأشدّ فَرَحًا وسرورًا.
* * *
стр. 143
الآية (٣٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩].
* * *
تقدَّم أنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا جعل لكل نبيٍّ عدوًّا مِنَ المجرمينَ؛ تسليةً للنبي ﷺ وإنذارًا لقومِه، وأنه بَيَّنَ أقوامًا على التعيينِ ليَكُونَ ذلك أبلغَ؛ لِأَنَّ التعيينَ كضربِ المثلِ، ومِمَّن عَيَّنَ وأوَّلُ مَن بدأ اللَّهُ بهم قومُ موسَى، ثم بعد ذلك نوح، وبعد ذلكَ عادٌ وثمود، كل هَذَا ذَكَرْنَاهُ وذَكَرنا أن اللَّه أهلكَ فِرعونَ المكذِّبَ للرسولِ ﵊ بالغَرَقِ في البحرِ الأحمرِ، وأنَّ الحِكمةَ من إغراقِه بالماءِ أَنَّهُ افتخرَ بالماء، حيثُ قال لقومِه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]، فافتخرَ بالماء فأهلكه اللَّه تَعَالَى بما افتخرَ به. وقومُ نوحٍ أُهلِكوا بالغرقِ العامِّ الَّذِي هو من آياتِ اللَّهِ، حيثُ فجَّر اللَّه الأرض عيونًا وفتح أبواب السماءِ بماءٍ مُنْهَمِرٍ.
وأمَّا عاد فأُهلكوا بالريحِ، والحِكمة من ذلك هو أَنَّهُمْ كانوا يَفتخِرون بالقوَّة، يَقُولُونَ: مَن أشدُّ مِنَّا قوَّةً، فأهلكهم اللَّه تَعَالَى بالأشياءِ اللطيفةِ الَّتِي ليستْ بشَيْءٍ لِيَتَبَيَّنَ للناسِ أن الإنْسَانَ مَهْمَا كان من القوَّةِ فَإِنَّهُ ضعيفٌ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ .
وثمود أُهلِكوا بالرَّجفة مع الصيحةِ، فإن اللَّه رجف بهم وصاح بهم جِبريلُ حتى تَقَطَّعَتْ قلوبُهم في أجوافِهم، وكانوا كهَشِيم المُحْتَظِر، ثم الصيحة أيضًا
стр. 144
ليستْ كصفَّارات الإنذار تتكرر، ولعلَّ أحدًا يدخلُ في الملاجئ، بل هي صيحةٌ وَاحِدةٌ فقطْ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، يعني مثل هَشيم الحِظَار، وهَشيم الحظار معروفٌ، يَكُون متفتِّتًا باليًا، والحِكْمَة من ذِكر هَؤُلَاءِ الرسُلِ وما جَرَى لِقَوْمِهم أمرانِ: التسليَةُ للرسول ﷺ ، والإنذار لهَوُلَاءِ المكذِّبين له أن يُصيبَهم ما أصاب مَن قبلهم، ولهذا قال شُعَيْب لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
قوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ لماذا نُصبت ﴿وَكُلًّا﴾، والاسْم إذا ابتُدِئَ به يَكُون مبتدأً؟ هَذَا يسمونه باب الاشتغالِ، وفي باب الاشتغال يَكُونُ الفعل منصوبًا بالعامل بعدَه، أو بعاملٍ مقدَّر مناسِب، وهنا لا يصلُح بالعامل بعده؛ لِأَنَّ العامل بعده متعدٍّ بحرف الجرِّ، فالضمير (له) يعود على ﴿وَكُلًّا﴾ فالعامل اشتغل بضمير، لكِن بواسطة حرف الجرِّ، إذَن لا بد أن نقدِّر فعلًا مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ضربنا له الأمثال، فَهُوَ مَفْعُول لفعلٍ محذوفٍ، وهو من باب الاشتغالِ، وإنما تَرَجَّحَ النصبُ هنا لِأَنَّهُ معطوفٌ على جملةٍ فعليةٍ، وباب الاشتغال من مرجِّحات النصبِ فيه أن يعطف على جملةٍ فعليَّة.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجَّة]، ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يعني بَيَّنَّا له الأمثالَ، يعني الوقائع الَّتِي أوقعها اللَّه تَعَالَى بمن قبلَهم، كل أُمَّة تُنْذَرُ بمَن قبلها، ويُضرب لها المَثَل، يقال: هَذَا مَثَلُ المكذِّبين حَصَل عليهم كَيْت وكيت، فكل أُمَّة أَنْذَرَها اللَّه تمامَ الإنذارِ، بحيثُ لا يَبقَى لها حُجَّة: أُمَّة مُحَمَّد ﵊ وغيرها.
стр. 145
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجَّة عليهم، فلم نهلكْهم إلا بعد الإنذارِ]، وهذا من عَدْل اللَّه ؛ لِأَنَّ اللَّه قادِر على أن يُهلِكَ عبادَه بمجرَّد مَعْصِيَتِهم؛ إذ إِنَّهُ قد أخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ الفِطريَّ أو الحسيّ، على الخلاف في ذلك، بأنه ربُّهم وأَنَّهُمْ عابدون له، ولكن مع ذلك ما يُهْلِكُ أحدًا إلا بعدَ إرسالِ الرسُل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللَّهُ العبادَ إلى فِطَرِهم، ولا إلى العهدِ الَّذِي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رُسُلًا مبشِّرين ومنذرين، بعد هَذَا البعث هل يبقَى لأحدٍ حُجَّة؟ لا يبقى، حتى المحتجُّون بالقَدَر لا يستطيعون أن يحتجُّوا به مع إقامة الحجَّة عليهم بالرُّسُلِ، ولهذا لو كان القَدَر حُجَّةً لم تنتفِ بإرسالِ الرُّسُلِ؛ إذ القدرُ قائمٌ مع وجودِ الرُّسُلِ، فلو كان القَدَر حُجَّةً للعاصينَ ما كان إرسالُ الرُّسُلِ حجَّةً على الخَلْقِ؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يا ربَّنا القدر موجود حتى مع إرسالِ الرُّسُلِ، فَهُوَ لنا حُجَّة. ولكنَّ النَّاسَ قد أُنذروا وأُتوا بالآيات "مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١)، فكلُّ رسولٍ أيضًا ما أتَى فقطْ ليقولَ للناسِ: أنا رسولٌ، افْعَلْ كذا، حتى لو جاء الإنْسَانُ وقال: أنا رسول، افْعَلْ كذا، ولم يأتِ بآياتٍ فللناس الحُجَّة في أن يردوا قولَه، يَقُولُونَ: هاتِ بيِّنةً أنك رسول، وإلَّا لا نقبلَ، لكِن مع ذلك ما من رسولٍ إلَّا أتى بآيةٍ يؤمِنُ على مثلِها البَشَر، ثم مع ذلك أُنْذِروا؛ فشعيب ﵇ كما أشرنا سابقًا قال لقومِه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود: ٨٩]، وهود ﵇ قال لقومِه: