← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويُطلَق القرنُ على الزمنِ، واختلفوا في مِقدارِه؛ فمنهم مَن قال: إِنَّهُ مئة، وهذا هو المشهور، ومنهم من قال: مئة وعشرونَ، ومنهم من قال: ثمانونَ سنة، وهَذِهِ الأقوال الَّتِي تُقَدِّرُ بالزمنِ هي مقارِبةٌ للأقوالِ الَّتِي تقدِّر بالأُمَّة؛ لِأَنَّ الغالبَ أن مثل هَذَا الزمن يَفنى به الأوَّلون ويأتي بعدَهم قومٌ آخرونَ، ولهذا قال النَّبي ﷺ في آخِرِ حياتِه: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مئة سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ" (١)، فهذا مما يُشِيرُ إلى أن القرنَ مئة سنةٍ، ولكنَّ السياقَ هنا يدل عَلَى أَنَّ المرادَ بالقرون الأُمم؛ لِأَنَّ الإهلاك للقرونِ يَكُون لأهل الأزمان، فالآيةُ هنا سياقها يدلّ عَلَى أَنَّ المراد بالقرونِ الكثيرةِ الأممُ، وما أكْثَرَ القرونَ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّه بين نوحٍ وأصحاب الرَّسِّ، وقد جاء في الحديث الَّذِي رواه أبو ذَرٍّ وهو حَسَنٌ، وصحَّحه الحاكِم (٢) أن عدد الرُّسُلِ ثلاثُ مئة وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وأمَّا الأنبياء فكثيرون؛ مئة وأربعة وعشرون ألفًا، هَذَا عددٌ كبيرٌ، فإذا كان غالب الرُّسُل مُكَذَّبًا، فمعنى ذلك أن القرونَ الَّتِي أُهْلِكت كانتْ كثيرةً، والنَّبي ﷺ رأى رؤيا: رأى الأنبياء، فرأى النَّبيَّ ومعَه الرَّهْطَ، والنَّبيَّ ومعه الرجلُ والرجلانِ، والنَّبي وليس معَه أحدٌ (٣)، ممَّا يدلّ عَلَى أَنَّ غالبَ الأنبياءِ كُذِّبَ فيما سَبَقَ ولم يَتْبَعْه إلَّا القليل، وهذا نوحٌ كما هو معروف لبِث في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا، قال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، هَذِهِ المدَّة العظيمة وهو يكابدهم ويناظرهم

стр. 142

ويجادلهم ويَقُولُونَ: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [هود: ٣٢]، أي: لن نُطِيلَ، الَّذِي عندك ائتِ به -والعياذ باللَّه- ونحن الآنَ إذا كابَدْنَا وَاحِدًا في الدعوةِ إلى اللَّهِ لِمُدَّة دقيقةٍ وَاحِدةٍ تَطَاوَلْنَاها، نقول: لماذا لم يَسْتَجِبْ من أوَّل مرَّة دعوناه فيها؟ ! والرُّسُلُ - عليهم الصلاة والسلام- الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بالنصرِ ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، يكابِدون أقوامَهم ثم لا يؤمن إلا القليلُ منهم. فالحاصِل أننا نقول: هَؤُلَاءِ القرون العظيمةُ الكثيرةُ كلُّها أهلكها اللَّه بتكذيبِها لِرُسُلهم، أفلا يَكُون قادرًا على أن يُهلِك المكذِّبين للرسول؟ بلى، هو قادرٌ عليه، وهذا هو الَّذِي حَصَلَ، لكِن اللَّه تَعَالَى جعل إهلاكَ أعداءِ الرَّسولِ ﷺ على يد الرَّسولِ ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. فهَذِهِ المصالح العظيمة لو أُهلكت قريشٌ بعذابٍ من عند اللَّه لم تَحصُل، ولهذا إذا هلك عدوُّك على يدِك كان أشفَى لك وأشدَّ سرورًا وفرحًا أن اللَّه يُهلِكه على يدك، أمَّا إذا هَلَكَ بعذابٍ من اللَّه فهذا لا شكَّ أن اللَّه كَفَاكَ شَرَّهُ ولكنْ كونه على يدِك أبلغ وأشدّ فَرَحًا وسرورًا. * * *

стр. 143

الآية (٣٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩]. * * * تقدَّم أنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا جعل لكل نبيٍّ عدوًّا مِنَ المجرمينَ؛ تسليةً للنبي ﷺ وإنذارًا لقومِه، وأنه بَيَّنَ أقوامًا على التعيينِ ليَكُونَ ذلك أبلغَ؛ لِأَنَّ التعيينَ كضربِ المثلِ، ومِمَّن عَيَّنَ وأوَّلُ مَن بدأ اللَّهُ بهم قومُ موسَى، ثم بعد ذلك نوح، وبعد ذلكَ عادٌ وثمود، كل هَذَا ذَكَرْنَاهُ وذَكَرنا أن اللَّه أهلكَ فِرعونَ المكذِّبَ للرسولِ ﵊ بالغَرَقِ في البحرِ الأحمرِ، وأنَّ الحِكمةَ من إغراقِه بالماءِ أَنَّهُ افتخرَ بالماء، حيثُ قال لقومِه: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]، فافتخرَ بالماء فأهلكه اللَّه تَعَالَى بما افتخرَ به. وقومُ نوحٍ أُهلِكوا بالغرقِ العامِّ الَّذِي هو من آياتِ اللَّهِ، حيثُ فجَّر اللَّه الأرض عيونًا وفتح أبواب السماءِ بماءٍ مُنْهَمِرٍ. وأمَّا عاد فأُهلكوا بالريحِ، والحِكمة من ذلك هو أَنَّهُمْ كانوا يَفتخِرون بالقوَّة، يَقُولُونَ: مَن أشدُّ مِنَّا قوَّةً، فأهلكهم اللَّه تَعَالَى بالأشياءِ اللطيفةِ الَّتِي ليستْ بشَيْءٍ لِيَتَبَيَّنَ للناسِ أن الإنْسَانَ مَهْمَا كان من القوَّةِ فَإِنَّهُ ضعيفٌ أمامَ قُدْرَةِ اللَّهِ . وثمود أُهلِكوا بالرَّجفة مع الصيحةِ، فإن اللَّه رجف بهم وصاح بهم جِبريلُ حتى تَقَطَّعَتْ قلوبُهم في أجوافِهم، وكانوا كهَشِيم المُحْتَظِر، ثم الصيحة أيضًا

стр. 144

ليستْ كصفَّارات الإنذار تتكرر، ولعلَّ أحدًا يدخلُ في الملاجئ، بل هي صيحةٌ وَاحِدةٌ فقطْ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، يعني مثل هَشيم الحِظَار، وهَشيم الحظار معروفٌ، يَكُون متفتِّتًا باليًا، والحِكْمَة من ذِكر هَؤُلَاءِ الرسُلِ وما جَرَى لِقَوْمِهم أمرانِ: التسليَةُ للرسول ﷺ ، والإنذار لهَوُلَاءِ المكذِّبين له أن يُصيبَهم ما أصاب مَن قبلهم، ولهذا قال شُعَيْب لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]. قوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ لماذا نُصبت ﴿وَكُلًّا﴾، والاسْم إذا ابتُدِئَ به يَكُون مبتدأً؟ هَذَا يسمونه باب الاشتغالِ، وفي باب الاشتغال يَكُونُ الفعل منصوبًا بالعامل بعدَه، أو بعاملٍ مقدَّر مناسِب، وهنا لا يصلُح بالعامل بعده؛ لِأَنَّ العامل بعده متعدٍّ بحرف الجرِّ، فالضمير (له) يعود على ﴿وَكُلًّا﴾ فالعامل اشتغل بضمير، لكِن بواسطة حرف الجرِّ، إذَن لا بد أن نقدِّر فعلًا مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ضربنا له الأمثال، فَهُوَ مَفْعُول لفعلٍ محذوفٍ، وهو من باب الاشتغالِ، وإنما تَرَجَّحَ النصبُ هنا لِأَنَّهُ معطوفٌ على جملةٍ فعليةٍ، وباب الاشتغال من مرجِّحات النصبِ فيه أن يعطف على جملةٍ فعليَّة. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجَّة]، ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يعني بَيَّنَّا له الأمثالَ، يعني الوقائع الَّتِي أوقعها اللَّه تَعَالَى بمن قبلَهم، كل أُمَّة تُنْذَرُ بمَن قبلها، ويُضرب لها المَثَل، يقال: هَذَا مَثَلُ المكذِّبين حَصَل عليهم كَيْت وكيت، فكل أُمَّة أَنْذَرَها اللَّه تمامَ الإنذارِ، بحيثُ لا يَبقَى لها حُجَّة: أُمَّة مُحَمَّد ﵊ وغيرها.

стр. 145

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجَّة عليهم، فلم نهلكْهم إلا بعد الإنذارِ]، وهذا من عَدْل اللَّه ؛ لِأَنَّ اللَّه قادِر على أن يُهلِكَ عبادَه بمجرَّد مَعْصِيَتِهم؛ إذ إِنَّهُ قد أخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ الفِطريَّ أو الحسيّ، على الخلاف في ذلك، بأنه ربُّهم وأَنَّهُمْ عابدون له، ولكن مع ذلك ما يُهْلِكُ أحدًا إلا بعدَ إرسالِ الرسُل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللَّهُ العبادَ إلى فِطَرِهم، ولا إلى العهدِ الَّذِي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رُسُلًا مبشِّرين ومنذرين، بعد هَذَا البعث هل يبقَى لأحدٍ حُجَّة؟ لا يبقى، حتى المحتجُّون بالقَدَر لا يستطيعون أن يحتجُّوا به مع إقامة الحجَّة عليهم بالرُّسُلِ، ولهذا لو كان القَدَر حُجَّةً لم تنتفِ بإرسالِ الرُّسُلِ؛ إذ القدرُ قائمٌ مع وجودِ الرُّسُلِ، فلو كان القَدَر حُجَّةً للعاصينَ ما كان إرسالُ الرُّسُلِ حجَّةً على الخَلْقِ؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يا ربَّنا القدر موجود حتى مع إرسالِ الرُّسُلِ، فَهُوَ لنا حُجَّة. ولكنَّ النَّاسَ قد أُنذروا وأُتوا بالآيات "مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١)، فكلُّ رسولٍ أيضًا ما أتَى فقطْ ليقولَ للناسِ: أنا رسولٌ، افْعَلْ كذا، حتى لو جاء الإنْسَانُ وقال: أنا رسول، افْعَلْ كذا، ولم يأتِ بآياتٍ فللناس الحُجَّة في أن يردوا قولَه، يَقُولُونَ: هاتِ بيِّنةً أنك رسول، وإلَّا لا نقبلَ، لكِن مع ذلك ما من رسولٍ إلَّا أتى بآيةٍ يؤمِنُ على مثلِها البَشَر، ثم مع ذلك أُنْذِروا؛ فشعيب ﵇ كما أشرنا سابقًا قال لقومِه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود: ٨٩]، وهود ﵇ قال لقومِه:

стр. 146

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوح﴾ [الأعراف: ٦٩]، وصالح قال لقومِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]، وكلُّ رسولٍ يضرب المثل لقومِه بمَن سَبَقَهم، إذَن فالحجَّة قائمةٌ. قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءَهم]، ﴿وَكُلًّا﴾ مَفْعُول مقدَّم لـ (تبَّرنا)، وليس من بابِ الاشتغالِ؛ لأنَّ باب الاشتغال يَكُون فيه العامل مشتغِلًا بضمير ما سَبَقَه، هَذَا باب الاشتغال، يعني إذا قلت: (زيدا ضربتُ) لا يَكُون من باب الاشتغال؛ لِأَنَّ العامل ما اشتغل بضميرِه، يَكُون هَذَا من باب المَفْعُول المقدَّم، لكِن إذا قلت: (زيد ضربته) صار الآن من باب الاشتغال، إن شئتَ فارفعْه على أَنَّهُ مبتدأ، والجملة بعده خبر، وإن شئتَ فانصِبْه، لكِن كما تقدَّم أن الاشتغال تَجري فيه الأحكام الخمس؛ تارَةً يَجِب النصب، وتارة يَجِب الرفع، وتارة يَترجَّح الرفع، وتارة يترجَّح النصب، وتارة يَتساوَى الأمرانِ، والأَصْل فيه الرفع، لكِن إذا كان الفعل لم يَشْتَغِلْ بالضميرِ صار السابق مَفْعُولًا، لا يَكُون من باب الاشتغالِ، فهنا ﴿وَكُلًّا﴾ لو قال اللَّه : وكلًّا تبَّرناه تتبيرًا لصارتْ من باب الاشتغالِ؛ لِأَنَّ العامل اشتغلَ بضميرِه، لكِن قال: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ فيَكُون من باب تَقَدُّمِ المَفْعُولِ، لا من بابِ الاشتغالِ. قوله: [﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا]، الإتيان بالمصدر هنا للتوكيدِ؛ كقولِه : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿تَكْلِيمًا﴾ فَضْلَة في هَذَا السياقِ، لو قال: وكلَّم اللَّه فهِمنا الموضوع، لكِن ﴿تَكْلِيمًا﴾ من باب التوكيدِ، وَأَمَّا التنكير فَهُوَ للتعظيم، يعني تتبيرًا لا بقاء معه، أي هلاكًا كاملًا لا بقاء معه، وهو كذلكَ.

стр. 147

الآية (٤٠) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠]. * * * قوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ هَذِهِ الجملة مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّدات؛ بـ (اللام) و (قد) والقَسَم المقدَّر، والمقصود بالتوكيدِ تقريرُ الأمرِ الواقعِ، فليس الخبر كالمعايَنة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهَذه القريةِ من عذابِ اللَّهِ لأَنَّهُمْ يمرون عليها، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ أي مَرَّ كفَّار مكَّة ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مصدر ساء، أي: بالحجارة، وهي عُظمَى قُرى قومِ لُوطٍ، فأهلكَ اللَّهُ أهلَها لِفِعْلِهِمُ الفاحشةَ]، يقول المُفَسِّر ﵀: [مر كفار مكة] (مر) تفسير لـ (أتى)، (كفار مكة) تفسير (للضمير: للواو) يعني أن كفار مكة مرُّوا على القرية الَّتِي أُمطرت مَطَرَ السَّوء، وهي قرية قوم لوطٍ، وقول المُفَسِّر ﵀: [وهي عُظمَى قُرَى قوم لوط] عُظمَى قرى يُستفاد منه أن القرى أكْثَر من وَاحِدةٍ. وقد قيل: إنها سَبع قُرى، ولكن ظاهر القُرْآن أنها قريةٌ وَاحِدةٌ؛ كما قال اللَّه تَعَالَى في الرُّسُل: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣١ - ٣٢]، إلى آخِره، فكون القُرْآن يأتي باسْم

стр. 148

قريةٍ وَاحِدة لا يَنْبَغِي لنا أن نقول: إنها أكْثَر من وَاحِدة إلا بدليلٍ ثابتٍ عن الرَّسول ﷺ وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك، أي في أنها سبع قرى، هَذَا مرفوض؛ لِأَنَّ دلالة كتابِ اللَّهِ تدلّ عَلَى أَنَّ ظاهرها أنها قرية وَاحِدة، فعلينا أن نَتَمَسَّكَ بهذا الظاهرِ ما لم يوجدْ دليل ينفي هَذَا الظاهرَ، إنْ وُجِدَ دليل فنعم، أمَّا مجرَّد أخبار بني إسرائيلَ فليستْ مقبولةً في هَذَا الموضعِ. أقول: إن المُفَسِّر وكثيرًا من المفسِّرين يَقُولُونَ: إن قرى قوم لوط ليست قريةَ وَاحِدةً، بل قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية وَاحِدة ما لم يوجدْ دليلٌ على تَعَدُّدِها؛ لِأَنَّ ظاهر القُرْآن أنها قرية وَاحِدة، فإذا قال قائل: إنها سبع قرى نقول له: هاتِ الدليلَ، ولو فُرِضَ أن المسألةَ فيها دليلٌ صريحٌ صحيحٌ فَإِنَّهُ يمكِن أن يقالَ كما قال المُفَسِّر، يعني يُذْهَبُ إلى ما ذَهَبَ إليه المُفَسِّر، فيقال: المراد بالقرية هنا عُظمى القرى، ولكن نحن نقول: لا حاجةَ أن نقولَ: عظمى القرى، بل نقول: هي قرية وَاحِدة، ولا مانعَ مِن أن اللَّه يُرسِل رسولًا إلى قريةٍ وَاحِدةٍ، بل كان فيما سبقَ يوجد رسولانِ في أمَّة وَاحِدة، فموسى وهارون كانا في أمَّة وَاحِدةِ، وداود وسليمان، وزكريَّا ويَحيى، وهكذا كثيرٌ. هَذِهِ القرية موجودة الآن، يَقُولُونَ: إن البحر الميِّت هو مكان قُرَى قوم لُوط، وصار بحيرةً مالحةً، وهذا مشهور. قوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ القرية اسْم للبلد، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فَهُوَ قريةٌ، قال : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، نحن نغضب إذا قيل: عنيزة مثلًا قرية، وبريدة قرية، والرياض قرية، لكِن هَذَا الغضب في الحقيقة بناء على اللغة العُرفيَّة في أن القرية اسْم للبلد الصغير, والمدينة اسْم للبلد الكبير، ولذلك بعضهم يحترِز يقول: بلدية مدينة عنيزة،

стр. 149

بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ولا حاجة أن تأتي بإضافات زائدة: بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، لكِن كل هَذَا خوف من أن يَكُون عيبًا عليهم أن تُسمَّى قرية، ولكن نحن نقول: أُمّ القرى سماها اللَّه قرية، وكفى بذلك أُسوةً، وإنما سُمِّيَ البلد قرية لِأنَّهُ من القَرْي، يعني الجمع؛ إذ إِنَّهُ يَجمَع أُناسًا، فالنَّاس يَجتمِعون فيه، فلذلك سُمِّيَ قريةً. قوله: ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ المَطَر نوعانِ؛ مطر سَوْء، يعني: عذابٍ، يَسُوءُ المُمْطَرينَ، ومطر رحمة يَسُرُّهم، فالغَيْثُ الَّذِي يَنزِل من السَّمَاء بالماء هَذَا مطر رحمةٍ، وإذا كان يَضُرُّ صارَ مطرَ سَوْءٍ، وقرية قومِ لوطٍ أُمطِرت بمطر سَوء، والمطر الَّذِي أُمطِرت به حِجَارة من سِجِّيل -والعياذ باللَّه- مُسَوَّمة عند اللَّه مُعْلَمَة للمسرفين الَّذِينَ جاوزوا حدَّهم، وهذا المطر -والعياذ باللَّهِ- جعل عالِيَهَا سافِلَها، فكيف هَذَا المطر جعل عاليَها سافِلَها؟ لَوْ قَيلَ: إنها قُلِبَتْ. نقول: ليس في القُرْآنِ آية وَاحِدة تدلُّ على أنها قُلِبَتْ. وَإِنْ قِيلَ: ورد حديث أن جِبريلَ رَفَعَها إلى السماءِ ثم قَلَبَها (١). نقول: هَذَا أنَّى له الصحَّة، لو صحَّ لكان الأمرُ واضحًا، لكِن جَعْلُ عاليها سافلَها لأنَّ الحجارةَ هَذِهِ لمَّا ضَرَبَتْها صارتِ المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلَها، فهَذِهِ الحجارة -والعياذ باللَّه- الَّتِي دمَّرتها بهذا التدمير يقول اللَّه فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ

стр. 150

الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، يعني من الَّذِينَ يَفعَلون هَذَا الفعلَ ليستْ ببعيدٍ منهم. ولهذا ذهب بعضُ الصحابة ﵃ أن فاعل الفاحشة هَذِهِ يُفعَل به هكذا، يُلقَى من شاهقٍ ويُرمَى بالحجارة بناءً على أنها رُفِعت ثم قُلبت ثم أُتبعت بالحجارة، وقال بعض العلماء: بل إنهم يُرجَمون رجمًا بالحجار بدون أنْ يُلْقَوْا من الشاهقِ، بناء على أنَّهُ لم يَثْبُتْ أنها رُفِعَتْ وقُلِبَتْ. وعلى كلِّ حالٍ فهَذِهِ الفاحشة المنكَرة الَّتِي عبَّر اللَّه عنها بالفاحشة، قال تَعَالَى في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، انظُرْ: كان فاحشةً من الفواحشِ، وَأَمَّا هَذَا فقال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فدخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغتْ في الفُحْش غايتَه، وهو كذلك، وهذا لِأَنَّ الفِطَر تنفُر منه ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، انظُرْ التقريع والتوبيخ -والعياذ باللَّه- تترك ما خلق لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي -والعياذ باللَّه- الذكر، وقال شيخ الإِسلام ابن تيميَّة ﵀ (١): وقد أجمعَ الصحابة ﵃ عَلَى أَنَّ فاعل هَذِهِ الفاحشةِ يُقتل فاعلًا كان أو مَفْعُولًا إذا كان قد بلغَ. والحقيقةُ الإجماعُ ليسَ إجماعًا قطعيًّا، بل إجماعٌ سكوتيٌّ، والإجماع السكوتيّ ليس إجماعًا قطعيًّا، لَكِنَّهُم اختلفوا في قتلِه؛ فمنهم من قال: يحرَّق، ومنهم من قال: يُرجَم بالحجارة. ومنهم مَن قال: يُلقَى من أعلى شاهقٍ، وذلك لقول النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالمَفْعُولَ بِهِ" (٢).

стр. 151

ولا يُشترَط الإحصان، فلا يشترط أن يَكُونَ محصَنًا، في الزِّنا لا يُرجَم ولا يُعدَم إلَّا المحصَن، أمَّا هَذَا فَإِنَّهُ لا يُشترَط فيه الإحصانُ، متى كان بالغًا عاقلًا وجبَ إعدامُه؛ وذلك لِأَنَّ هَذَا الفعلَ المنكَر لا يمكن التحرُّز منه في الحقيقةِ، فالزنا يمكن التحرُّز منه ويمكن مراقبة مَن حاول الزنا، فإنك لو رأيتَ رجلًا مع امرأةٍ تقولُ: من هَذِهِ المرأة؟ لكِن لو رأيتَ رجلًا مع ولدٍ ليسَ بمستغرَبٍ، ولذلك مِنْ أجْلِ أنَّ فسادَه خفيٌّ لا يمكن التحرُّز منه؛ صار لا يمكِن إصلاح الخَلْق إلَّا بإعدامِه، وهو مصلحة له ومصلحة لغيرِه، أمَّا كونُه مصلحةً له فإن الحدَّ كفَّارة، ولأنه إذا بقِيَ في الدُّنْيا متماديًا في هَذِهِ الفاحشةِ صار يزدادُ إثمًا، فنحن في الحقيقةِ قد قطعنا الطَّريقَ على الشيطانِ بالنسبةِ لهذا الرجلِ، ثم هو أيضًا إصلاح لغيرِه. وهذا القول الَّذِي ذكره شيخُ الإِسلامِ وأجمعتْ عليه الصحابة ﵃ هو القول المتعيّن، لا سيَّما إذا كثُر هَذَا الأمرُ؛ لِأَنهُ كلَّما كثُرتِ الفاحشةُ وجبَ أن تُقابَلَ بعقوبةٍ أشدَّ، إلَّا ما حدَّده الشرعُ فيَجِب الوقوفُ عليه، وتجد أن عمرَ ﵁ لمَّا أكْثَرَ النَّاسُ من شربِ الخمرِ ماذا صنعَ؟ زاد الضعف إلى ثمانينَ (١)، ولما كثُر الطلاقُ الثلاثُ في عهدِه عاقبَ المطلِّقين بتنفيذِ قولهِم، أمضاهُ عليهم (٢). فعلى هَذَا نقول: إِنَّهُ إذا كثُرتْ هَذِهِ الفاحشةُ وجبَ على وُلاةِ الأمورِ أنْ يَكُونوا أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أيّ توقُّف؛ لِأَنَّ ذلك هو الَّذِي يُصلِح الخَلْقَ، وإلَّا فانتشارها مثلما قُلْنا: إِنَّهُ لا يمكن التحرُّز منه، وانتشارها عظيم، كل وَاحِد مثلًا -والعياذُ باللَّهِ- مبتلًى بهذا الأمر، يُمسِك أيّ صبيّ ويعاشره ثم يفعل به

стр. 152

الفاحشةَ، ليس مثل النساء، هَذَا هو القول الصحيح المتعيّن. يوجد قول آخر وهو أن حكم اللُّواط حُكْم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمامِ أحمدَ، وهو ضعيفٌ، فعلى هَذَا إن كان الفاعل محصَنًا، والمَفْعُول به محصَنًا، وجبَ الرجمُ، وإلَّا فالجلدُ والتغريبُ. وذهب بعض العلماء إلى أَنَّهُ يُعَزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ؛ لِأَنَّهُ لم يَثْبُتْ عنده حديثُ: "فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ" (١)، وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرجَع فيه إلى التعزيرِ، والتعزيرُ إذا قُلْنا بأن وليّ الأمر له أن يعزِّر بالقتل فما دونه صارَ قتلُ اللائط والملُوط به عائدًا إلى اجتهاد الإِمام. وذهب بعض العلماء إلى أنَّه ليس فيه حدٌّ ولا تعزيرٌ، لكنَّه حرام، حُجَّته يقول: إِنَّهُ يُكتفَى بالنفور الفِطريّ عن العقوبة الرادعةِ، يعني أن هَذَا النفور منه أمر فطريّ، فلا يحتاج إلى عقوبةٍ رادعةٍ، ولهذا جعل الشرعُ في شُرب الخمرِ عقوبةً؛ لِأَنَّ النفوسَ تميل إليها, ولم يجعل في شربِ البولِ عقوبةً؛ لِأَنَّ النفوسَ تنفِر منه بالطبيعةِ، فهذا مثله. فيقال: هَذَا رجل سليم الفطرة ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فِطرته سليمةً تنفِر من هَذَا الأمر، فإن هناك فِطَرًا مقلوبة تَهْوَى هَذَا الأمرَ وتميل إليه، فماذا نَصنَع بهَذه الفِطَر؟ ثم إن قوله: إن شُرْبَ البولِ لا تعزيرَ فيه لِأَنَّ النفوسَ تنفِر منه؛ غير مُسَلَّم، فلو أن رجلًا ابتليَ بشربِ البولِ هل نتركه يشرب بولَ النَّاسِ أو نعزِّره؟ نعزِّره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبَى هَذَا الأمرَ.

стр. 153

فالحاصل: أن هَذِهِ الأقوالَ الأربعةَ أصحُّها القولُ الأوَّل، لكِن مَن أُكرِه على فعل الفاحشةِ فلا شَيْءَ عليه في هذا, ولا في غيرِه؛ لأن من شروط إقامةِ الحدِّ أن يَكُونَ غير مكرَه، حتى المرأة لو أُكرِهت على الزنا لا يُقام الحدُّ عليها، وهذا هو الَّذِي أوجبَ لبعضِ أهلِ العلمِ أن المرأةَ إذا حَمَلَتْ لا تُحَدّ، قال: لِأنَّهُ يَحتمِل أن تكون مكرَهةً، وهذا الاحْتِمَال يَدْرَأُ الحدَّ، ولكن الصحيح أن المرأةَ إذا حملتْ وليس لها زوجٌ ولا سيِّد يقام عليها الحدُّ؛ لخطبة أمير المؤمنين عمر ﵁ وقوله: "إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحْبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ" (١) أمام النَّاس، ولا أحد أنكر عليه ﵁، فهي يقام عليها الحد، يعني تؤخذ ويقال: هيا أقيموا الحدَّ عليها, لكنْ إن ادَّعت شُبهةً ممكِنة ارتفع عنها الحدُّ؛ لِأَنَّ الأمرَ محتمِل، وكثير من النساءِ يغلب على نفسه ويُفعل به الفاحشةُ. واعْلَمْ أنَّ الزنا كما قَسَّمه الرَّسول ﵊ وكذلك اللواط أنواع: زِنا الفَرْج، ولواط الفَرْج، وفيه أيضًا زِنا العين ولواط العين، وفيه أَيْضًا زِنا الأُذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط اليد، وزنا الرِّجْل ولواط الرجل، يعني لا تظنَّ أنَّ اللواطَ خاصٌّ بفعل الفرج، بل حتى العين لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردَ قُلْنا: هَذَا الرجل تلوط به، لكِن تلوط به فعلا أو نظرًا؟ نظرًا, ولذلك يَجِب الحذرُ من هَذَا الأمرِ، حتى إن النَّوَوِيَّ (٢) وجَماعَةً من أهل العلمِ قالوا: إِنَّهُ لا يجوز النظرُ مُطلَقًا إلى الأمردِ الحَسَنِ إلحاقًا له بالمرأةِ، ولكن الصواب أنَّهُ يجوز إلَّا مع التلذُّذ بذلك، فهذا حرامٌ.

стр. 154

قوله: [قوم لوط] ﵇، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: (قوم لوط) ألا يوجد إشكال في أن النسبةَ صارتْ إلى المضافِ إليه وهو نبيُّهم؟ فيقال واللَّه أعلم: إن السَّببَ في ذلك أن هَذِهِ الفاحشة اختصَّتْ بها هَذِهِ الأمَّة، ولهذا قال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ما أحد سَبَقَهم، يعني أول مَن سنَّ هَذِهِ الفاحشة والعياذُ باللَّهِ هم قومُ لوطٍ، وعلى هَذَا فعليهم وِزْرُها ووِزر مَن عمِل بها إلى يوم القيامةِ، نسأل اللَّه السلامةَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لا يَنبغي أن ننسُب اللُّواط لاسْم النَّبيِّ ﷺ ونقول ما ورد في الحديثِ: "عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" (١). نقول: هَذَا طيِّب في الحقيقةِ، لكنْ أنا أرى العلماء الكبار يَقُولُونَ هذا، مثل ابن القيِّمِ وشيخ الإِسلام، رَحِمهما اللَّهُ ومَن قَبْلَهُما ومَن بعدَهما. لَوْ قَالَ قَائِل: مَن أوَّل مَن أنشأ اللغة العربية إذا قُلْنَا: إن لغة آدم ليستْ عربيَّةً؟ فنقول: أوَّل ما نشأتْ مِنَ العربِ العاربةِ حينما جاءوا إلى مكَّة -القحطانيون- واتصلوا بإسماعيلَ، ونشأ بينهم، فصار عربيًّا, ولهذا بنو إسماعيل هم العربُ المستعرِبة، وطبعا اللغة العربية مثلُ غيرها يحصُل عليها تطوُّرات وتحسيناتٌ، فبعد الفتوحِ دخلَ عليها تغييرات، كذلك فيما سبقَ دخل عليها تطوُّرات وتحسينات، حتى وصلتْ إلى الكمالِ في عهدِ الرَّسولِ ﵊. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول سليمانَ ﵇: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله : ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ

стр. 155

وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]، ذكر بعض المفسِّرين أن الحيوانات تنطِق؟ نقول: إلى الآنَ هي تنطِق، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. قَالَ المُفَسِّر: [﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سَفَرِهم إلى الشامِ فيَعتبِرون، والاستفهامُ للتقريرِ]. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ هَذِهِ تأتي في القُرْآن كثيرًا: (أفلم) (أو لم) يعني يأتي حرف الاستفهام الهمزة وبعده حرف عطف، فاختلف النحْويُّون في ذلك، فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخلٌ على جملةٍ مقدَّرة مفهومة من السياق تقدَّر حسَب ما يليها. ومنهم مَن قالَ: إنَّ حرفَ الاستفهامِ داخلٌ على الجملةِ المذكورةِ، لكِن مَحَلّه بعدَ حرفِ العَطْفِ، فقوله : ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، يَقُولُونَ: أصله (فألم يَكُونوا يرونها)، فقدمت أداة الاستفهام؛ لِأَنَّ لها الصَّدَارَة. فالآنَ أمامنا رأيانِ فيما إذا وجد حرفُ استفهامٍ بعدَه حرفُ عطفٍ، هل يَكُون داخلًا على الجملةِ المذكورةِ مقدَّمًا على حرف العطفِ، أو يَكُون داخِلًا على جملةٍ مقدَّرة تُستفاد من السياقِ، كيف نقدر: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ على رأي الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق؟ يَكُون التقدير: أَعَمُوا فلم يَكُونوا يرونها؛ لِأَنَّ انتفاء الرؤية معناه العمَى، وعلى الرأي الثَّاني لا نحتاج إلى تقدير، نقول: التقدير (فألم يَكُونوا يرونها)، والأول رأيُ سِيبَوَيْهِ، والثَّاني رأي الكِسَائِيّ، والثَّاني أهونُ وأسلمُ؛ لِأنَّهُ في الحقيقة في بعضِ الأحيانِ تأتيك أمثلةٌ لا تستطيع أن تقدِّر هَذَا المحذوفَ ولا كيف تقدِّره، ثم إن الأَصْل عدم التقدير والحذف،

стр. 156

ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثَّاني لم نرتكِبْ إلا شيئًا وَاحِدًا فقطْ وهو تقديمُ الهمزةِ عن مكانها، وهذا شَيْءٌ بسيط، فالَّذِي يَنبغي سُلُوكُه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلةٌ على الجملةِ الموجودةِ بدونِ تقديرٍ، لكنَّها مقدَّرة بعد حرفِ العطفِ، إلا أنها قُدِّمت لأجلِ الصدارةِ، وهنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير حَمْل المخاطَب على الإقرارِ، مثلًا قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، نقول: الهمزة للاستفهام، المراد به التقرير، المهم أن هَذِهِ ليست للاستفهام والاستخبار، فاللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يَسأَلُ ولكنَّه يُقَرِّر أَنَّهُ شرح له صدره، ومعنى التقرير حَمْلُ المخاطَبِ على الإقرارِ، وكأنَّ ذلك متقرِّر ولا يمكِن إنكارُه؛ لِأَنَّهُ معلوم، فيَجِب عليكَ أنْ تُقِرَّ به. في الآية الكريمةِ: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ نقول: الاستفهام للتقريرِ، يعني أَنَّهُمْ قد رَأَوْهَا، وإذا كان بمعنى التقريرِ فَإنَّهُ يقدَّر بفعلٍ ماضٍ مَقْرُونٍ بـ (قد)، يعني مثلًا قوله: لَكَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح: ١]، معناها قد شَرَحنا لكَ، لكنْ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ أبلغُ، فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ معناه أَنَّهُمْ قد رَأَوْها، وهم يُقِرّون بذلك، ولا يمكن إنكارُه، لكِن الإتيان بالاستفهام أبلغُ لِأَنَّهُ يحمل المخاطَبَ على أن يقرَّ، وهذا أبلغُ من أن أُصدِّره بأمرٍ على سبيلِ التحقيقِ بـ (قد). يقول المُفَسِّر ﵀ في وصف الرؤيا: [﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سَفَرِهم إلى الشامِ فيعتبرون]، وهذا صحيح أن الإنْسَان إذا عاينَ آثارَ العذابِ يَكُون أشدَّ في يقينِه وتصديقه، لِأَنَّهُ (ليس الخبر كالمُعاينة)، وإِبْراهِيم ﵊ لا يشكُّ أن اللَّه قادرٌ على إحياءِ المَوْتَى، ومعَ ذلكَ قال ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقال النَّبي ﵇: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ

стр. 157

مِنْ إِبْرَاهِيمَ" (١)، وجئتُ بهذا الحديثِ لأجلِ أن نَفْهَمَ معناه حقيقةً، ما معنى "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ"؟ لو أخذنا بظاهرِه لقُلْنا: إن إِبْراهِيم قد شك ونحن أَولى بالشك منه، ولكن ليس المراد ذلك، المراد كما أننا نحن نَتيَقَّن أنَّ اللَّه يُحيي المَوْتى وقادر عليه، فإِبْراهِيم أَوْلَى باليقينِ، ولو كان ثمة شَكّ لكنَّا أَولَى به. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون نُشُورًا]، ﴿بَلْ﴾ للإضرابِ، وكأنه إضراب عن توبيخٍ إلى أشدَّ منه ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾. قُلْنَا: الاستفهام للتقريرِ، والإنْسَان الَّذِي يَرَى الشَيْءَ ثم لا يَعتبِر به مستحِقٌّ للتوبيخِ، انتقل إلى ما هو أعظم إلى حالٍ أشدَّ يستحقون التوبيخ عليها، فالإضراب هنا للانتقالِ من سيئٍ إلى أسوأ، ومن خفيفٍ إلى أغلظَ منه، معناه أن هَؤُلَاءِ لَيْسُوا تاركينَ للاعتبارِ بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك، لا يرجون نُشُورًا، وفسَّرَ المُفَسِّر ﵀ الرجاءَ بالخوفِ؛ لِأَنَّ الرجاءَ يأتي بمعنى الخوف، مثل قول اللَّه عن نوحٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، ولكن إتيان الرَّجاء في موضِع الخوفِ لا يَكُون إلا حيثُ تَعَذَّرَ أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقيّ، وهنا لا يَتعذَّر، لِأَنَّ معنى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠]، يعني لا يؤمِّلونه ولا يُقِرُّون به؛ لِأَنَّ مَن لا يؤمِّل شيئًا لا يقرّ به، وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ حَمَلَه على معنى الخوفِ؛ لِأَنَّ حالَهم تَقتضِي ذلك، تقتضي أَنَّهُمْ لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقَرُّوا وآمنوا، ولكن يقال أيضًا: الرَّجاء، لو كانوا يرجون هَذَا النشور ويؤمِّلونه لعمِلوا له؛ لِأَنَّهُ قيل لهم: إن صدقتم الرُّسُل فلكم كذا، وإن كذَّبتم الرُّسُل فعليكم كذا، فهم موعَدون ومتوعَّدون، فلا يَتَعَيَّن

стр. 158

أن نَحمِل الرجاءَ على الخوفِ، بل لا يَنبغِي ما دام أن معنى الرَّجاء الحقيقيّ له مَحَل، فَإِنَّهُ يَجِب أن يُحمَل على معناه الأَصْليّ، فنقول: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي لا يؤمِّلون النشور الَّذِي فيه ما وعدَتْهم به الرُّسُل من كرامةِ اللَّه وإدخال الجنة، وهذا أشدُّ من عدم اعتبارهم بما رأوْا من إهلاك المكذِّبين، حيثُ ينكرون البعثَ الَّذِي دلَّ عليه العقل، فالعقلُ يدلُّ عَلَى أَنَّ للناسِ بعثًا, ولهذا يقرِّر اللَّه ﵎ هَذَا المعنى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، يعني لا يأمر ولا ينهى ولا يجازَى، هَذَا سَفَهٌ، لو كانت هَذِهِ الخَليقة الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وأرسلَ إليها الرُّسُلَ وأباحَ دماءَ بعضِها لبعضٍ وأموالَهم ونساءَهم لأجلِ الدين الَّذِي بُعِثَ به الرُّسُلُ، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشَيْءٍ إلَّا أن الإنْسَان يحيى ويموت، ماذا يَكُون هَذَا الفعل؟ يَكُون سَفَهًا يُنزَّه اللَّه عنه، ولهذا قالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، ما أنزل اللَّه هَذَا القُرْآنَ إلا لمعادٍ يَكُون النَّاس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازَون بأعمالهِم، فالعقلُ دلَّ على أَنَّهُ لا بدَّ من بعثٍ، ولا بدَّ من جزاءٍ، ومعَ ذلك هَؤُلَاءِ ينكرونه ولا يَرْجُون نُشورًا بحُجَجٍ واهيةٍ باطلةٍ، مثل قولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهَذِهِ ليست بحُجَّة، هِي شُبهةٌ في الواقع، هي شُبهة باطلةٌ، فهذا الإنكارُ مبنيُّ على استبعادِ عقلِه، لذلك أبطله اللَّه تَعَالَى كما يظهر من القصةِ من نحوِ عشَرة أوجهٍ؛ أولها: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، هَذَا يكفي العاقلَ، أليست هَذِهِ العظامُ كانت ماءً مَهينًا، بل قبل ذلك لم تكنْ شيئًا مذكورًا، ثم خلقها اللَّه إلى عظامٍ، فالَّذِي أحياها أوَّلَ مرَّةٍ قادرٌ على إعادتها، وهو عقلًا أهونُ منْ الابتداءِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].

стр. 159

على كلِّ حالٍ لسنا بصددِ إثباتِ هَذَا الشَيْءِ، لكِن نقولُ: إن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يَرجُون نُشورًا معَ قيامِ الأدلَّة على وجودِه، لا شكَّ في سَفَهِهم وأَنَّهُمْ لَيْسُوا على صوابٍ. * * *

стр. 160

الآيتان (٤١، ٤٢) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]. * * * قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ انتقل إلى حالاتٍ أخرى يقابل بها هَؤُلَاءِ المشركون رسول اللَّه ﷺ . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به]. قوله: ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ يصيِّرونك ويجعلونك مهزوءًا به، وتجد أن الآية فيها حَصْرٌ طَريقُه النفيُ والإثباتُ، يعني لا يجعلون لكَ أيّ حالٍ من الأحوالِ إلا الهُزْء، وهُزُؤًا مصدر، لكِن المُفَسِّر يقول: [مهزوءًا به] يعني أنَّهُ بمعنى اسْمِ المَفْعُولِ، والمصدرُ بمعنى اسْمِ المَفْعُولِ كثيرٌ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ووجه الاستدلال بهذه الآية أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (حَمْل) مصدر بمعنى محمولٍ، فَهُوَ مصدر بمعنى اسْمِ المَفْعُولِ، وفي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١)، يعني مردودًا. هنا هُزُؤًا أو هُزُوًا مصدر،

стр. 161

لَكِنَّهُ بمعنى اسْمِ المَفْعُولِ على رأي المُفَسِّر، ويمكن أن يقال: إِنَّهُ مصدر على بابِه، ويَكُون من باب المبالغةِ، كأَنَّهُمْ ما جَعَلُوا الرَّسولَ مَحَلًّا للهُزو، يعني مهزوءًا به، بل جعلوه نفسه هو نفس الهزو، وهذا من باب المبالغةِ، كما تقول: فلان عدلٌ، وفلان رِضًا، يعني من باب المبالغةِ، كأنه هو العدل، لا أَنَّهُ مَحَلّ العدل، وكأنه الرضا، لا محلّ الرضا، وكذلك فلان ثِقَةٌ، فثقة مصدر بمعنى موثوقٍ به، لكنَّه من باب المبالغةِ، المعنى أن هَؤُلَاءِ لا يرونَ الرَّسول ﷺ إلا محلَّ استهزاءٍ، والعياذُ باللَّهِ، كأنه لُعبة عندهم. يَقُولُونَ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في دعواه محُتقِرِينَ له عن الرِّسَالةِ]، والعياذ باللَّهِ، ﴿أَهَذَا﴾ هو تفيد التحقيرَ، فمحلُّ الاستفهامِ للتحقيرِ، وهو متضمِّن للنفيِ، يعني لا يمكن أنْ يُبعثَ مثل هَذَا الرَّسول، وهذا كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. ولا شكَّ أن هَذَا من جملةِ الشُّبَه الَّتِي يَحتجُّون بها، وهي لا تَنطَلي على أحدٍ؛ لأننا نعلمُ أن مُحَمَّدًا ﷺ أعظمُ الخَلْقِ، وأحقُّهم بالرِّسَالةِ، فإن اللَّه يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فللرسالة محلُّ، فهذا النَّبي ﷺ نؤمِن بأنه أعظمُ الخَلق وأحقُّهم بالرِّسَالة، ولهذا جعلها اللَّه فيه، جعل اللَّه فيه أعظمَ الرسالاتِ، فَهُوَ أعظم من كلِّ ما يختلِقونه، لكِن من المعلوم أن المكابِرَ والمكذِّب يأتي بكل شُبهةٍ، سواء كانت حقيقةً أم غير حقيقةٍ. وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ (هذا) اسْم إشارة للقريبِ احتقارًا أيضًا؛ لِأَنَّ اسْم الإشارة يأتي للقريبِ أحيانًا للاحتقار، وأحيانًا للتعظيم والمودَّة، وكذلك اسْم الإشارة للبعيد يأتي لما هو قريب من باب التعظيمِ، مثل قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ

стр. 162

لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، ذلك الكِتَاب يعني القُرْآن، لَكِنَّهُ أتى بـ (ذلك) اسْم الإشارة للبعيدِ تنبيهًا لعلوِّ مَرتبتِه، فهم أَتَوْا بهذا للتحقيرِ، يعني: أهذا القريب الَّذِي لدينا ونتصوَّره ونشاهده أهذا يُبعَث رسولًا، هكذا يَقُولُونَ، وأَرْدَفُوا ذلك بقولهِم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِن﴾ مخفَّفة من الثقيلة، واسْمها محذوف، أي إِنَّهُ ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ يصرِفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾]، بئس الصبرُ هذا. قوله: ﴿إِنْ كَادَ﴾ بمعنى قَرُب، و ﴿إِن﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: إنها مخفَّفة من الثقيلة؛ لِأَنَّ ﴿إِن﴾ كما هو معروف لها معانٍ كثيرة، والَّذِي يعيِّنها السياقُ، تأتي نافيةً، وتأتي شرطيَّة، وتأتي زائدةً، ولا تأتي ناصبةً، الَّتِي تأتي ناصبة (أن)، لكنها هنا مخفَّفة من الثقيلة؛ لِأَنَّ أصلها (إنَّ) فخُففتْ، وإذا خُففت من الثقيلة لزِم أن يَكُون اسْمها محذوفًا، ولا نقول: مستتِر؛ لِأَنَّ الاستتارَ يَكُون بالفعلِ، أو بما هو بمعناهُ، لكِن نقولُ: محذوف، والتقدير: إِنَّهُ كاد لَيُضِلّنا، و (كاد) بمعنى قرُب، والصواب أن كاد تأتي بمعنى قرب، سواء كانت منفيَّة أو مثبَتة، وَأَمَّا قول بعض النحْويين: إن نفيَها إثبات، وإثباتها نفيٌ، فليس بصحيحٍ، كما حقَّقه ابن هشام في المُغْنِي (١)، بل هي دائمًا بمعنى القُرب، يعني: لقد قرب أن يُضِلَّنا عن آلهتنا، لكِن منع من هَذَا مانعٌ، وهو الصبرُ عليها، فهم في الحقيقة يُقرّون أن رسالة الرَّسول ﵊ خطيرة بالنسبة إليهم، لَكِنَّهُم يَتَمَدَّحون بأَنَّهُمْ ذوو صبرٍ بالغٍ عظيمٍ ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ -يعني على عِبادتها- لكان الرَّسول ﵊ يُضِلُّنا، والصواب

стр. 163

أَنَّهُمْ لو تركوها لكان الرَّسول قد هداهم اللَّه به، لَيْتَهُمْ لم يَصبِروا هَذَا الصبرَ؛ فإن هَذَا الصبرَ صَبْرٌ على معصيةِ اللَّهِ، لا عن معصيةِ اللَّهِ، وهو مذمومٌ، لا شكَّ أنَّهُ مذمومٌ، فأقول: هَذِهِ الجملة تدلّ على أَنَّهُمْ مُقِرّون بخطرِ رسالةِ النَّبي ﷺ عليهم، ولكنَّهم يَتَمَدَّحون بالصبر عليها، وأنه مع قوَّة تأثير الرِّسَالة هم صبروا على آلهتهم، فلم يُضِلَّهم النَّبي ﵊، فهم مقرّون بخطر الرِّسَالة، ولإقرارهم بخطر الرِّسَالة بَذَلوا مُهَجَهم ورِقابهم لقتالِ الرَّسول ﵊؛ لأَنَّهُمْ لو كانوا يعرِفون أنها ليستْ مؤثِّرةً ما احتاجوا إلى أَنَّهُمْ يخرجون لقتال الرَّسولِ، ولقالوا: الأمر هيِّن، هَذَا مثل المجنون الَّذِي لا يؤثّر ولا يتبعه أحدٌ. قوله : ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي معبوداتنا، والآلهة تطلَق على المعبودِ، لكِن تطلق إطلاقًا مجازيًّا على المعبود بغير حقٍّ، وإطلاقًا حقيقيًّا على المعبود بحقٍّ، ولهذا الرُّسُل-صَلَّى اللَّه عليهم وسلم- يَقُولُونَ لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ما معنى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ أي من معبود حقيقة غير اللَّه، أَمَّا معبوداتكم الَّتِي تعبدونها فهَذِهِ معبودات لكنها ليستْ حقًّا، وقولنا: لكِن تطلق إطلاقا مجازيًّا هَذَا التعبير خطأ، ما دام أنَّا قُلْنا: إِنَّهُ لا مجاز في القُرْآن، لكِن تنزُّلًا على حَسَب كَلامهم هم يدَّعون أنها آلهة، ولكنها حقًّا ليست آلهةً، فالتعبير الصحيح أن نقولَ: إن آلهتهم سَمَّوْها آلهةً باعتقادِهِم، وإلَّا فليستْ آلهةً. قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ يعني حَبَسْنا أنفسَنا عليها، قال المُفَسِّر ﵀: [لَصَرَفَنا عنها]، استفدنا من قول المُفَسِّر ﵀: [لصرفنا] أن ﴿لَوْلَا﴾ شرطية، وأن جوابها محذوف، و ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ مَحَلّها من الإعراب مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا.

стр. 164

وقول المُفَسِّر ﵀: [لصرفنا عنها]، الأصحُّ أن نقول: لأَضَلَّنا عنها؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، والتقدير: لولا صبر موجود على هَذِهِ الآلهة لأَضَلَّنا عنها، قال ابن مالك ﵀ (١): وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الخَبَرْ ... حَتْمٌ. . . . . . . . . . . . . (لولا) هَذِهِ شرطيَّة، وتأتي غير شرطية للتحضيضِ، ومرَّتْ قريبًا في هَذِهِ السورة، وكون (لولا) وهي لفظ وَاحِدٌ يأتي أحيانًا بمعنى التحضيضِ، وأحيانًا بمعنى الشرطِ، وكذلك (إن) وغيرها من الحروفِ؛ فهذا مما يؤيِّد ما ذهبَ إليه شيخ الإِسلام ابن تيميَّة أنَّهُ لا مجازَ في اللغةِ، وأن الَّذِي يُعَيِّن المعنى ويجعله حقيقةً أو غير حقيقةٍ السياقُ، فالكلمة في سِيَاقها، أو الجملة في سياقها حقيقة، لا تحتمل غير ما يُرادُ، وإنْ كانتْ قد تطلَق إطلاقًا آخرَ في معانٍ أُخرى، فـ (لولا) وجودها بجانب الفعل جعلها للتحضيضِ، ووجودها بجانب الجملةِ الاسْميَّة جعلها للشرطيَّة، فليست المعاني في الكلمات صفات ذاتيَّة، وإنما هي صفات إضافيَّة، ومعنى إضافية أي بحسَب ما تُضاف إليه، يعني حسب السياقِ، وبذلك نتخلَّص من الإِشْكالِ الَّذِي يَرِد علينا كثيرًا في بعض كلماتٍ في القُرْآنِ، حيث ننفي المجازَ ثم تأتينا كلمات أو جُمَل تُشكِل علينا، فإذا قُلْنا بهذا القول وقُلْنا: إن المعاني للألفاظ ليستْ من الصِّفات الذَّاتيَّة، وإنما هي من الصِّفات الإضافيَّة الَّتِي يعيِّنها السياق؛ نتخلص بهذا، ونقول مثلًا: قوله : ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، الجَناح إذا أُضِيف إلى الطائرِ صارَ له معنًى، وإذا أضيف إلى الذلِّ صار له معنى، وكذلك قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، معناه: مائل للانقضاض، فالإرادة إذا أُضيفت

стр. 165

للإنْسَانِ صار لها معنًى، وإذا أُضيقت للحيوانِ صار لها معنًى، وإذا أُضيفت للجماد صار لها معنًى، بحسَب الإضافاتِ، وحينَئذٍ نتخلَّص، لا نقول: الإرادة الأَصْل أن تكون حقيقة لذوي الشعور، فإذا أُضيفت إلى غيرهم صارت مجازًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عِيانًا في الآخِرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأ طَريقًا، أهم أم المؤمنونَ]، لو قال: أَمِ الرَّسول لكان أَولى؛ لِأَنَّ الكَلام بالرَّسول ﷺ . قوله : ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [عِيَانا في الآخِرة]، وهذا ليس بلازمٍ أن يقيّد بالآخرةِ، نقول: إنهم يَرَوْنَ العذابَ في الآخرة وعند المَوْتِ، فعند المَوْتِ يشاهدون، وإذا قالوا: إنهم تابوا عند المَوْت فالتوبة لا تنفَعُهم: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، هم أم الرَّسول ﷺ ، وجملة ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فيها من التهديد ما هو ظاهرٌ، يعني سوف يعلمون في تلك الحالِ هل هم الأضلُّ أم الرَّسول ﷺ ، والواقع أَنَّهُمْ سيعلمون أَنَّهُمْ هم الأضلُّ إذا رأوُا العذاب. * * *

стр. 166

الآية (٤٣) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. * * * بعد أنْ بَيَّن أمثلةً لكفَّارِ قريشٍ من الأممِ الَّذِينَ أهلكهم اللَّه ﵎ بسب تكذيبهم للرسل، وبَيَّنَ أن من هَذِهِ الأُمَم من كانوا أتوْا عليها، وهي قرية قوم لوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوء؛ انتقل اللَّه بعد ذلك إلى ما هو أقبحُ وأشدُّ في التوبيخِ، وهو كونهم لا يَرجُون نشورًا، يعني لا يرجون بَعثًا، لا يؤمِّلونه ولا يخافونه، ثم انتقل اللَّه بعد هَذَا إلى حالِ هَؤُلَاءِ مع الرسولِ ﵊ الَّذِي كان يَجِب علينا أن نُجِلَّه ونُعظِّمه ونوقِّره، وذكر أن هَؤُلَاءِ المكذِّبين اتَّخذوه هُزُوًا، وقوله: (اتَّخَذُوهُ هُزُوًا) أشدُّ وأبلغُ من قوله: هزِئوا به، يعني جعلوه كأنه صورة يُهْزَأُ بها, لكِن لو قال استهزءُوا به صار فعلًا، والفعل المطلَق يدلّ على المرَّة الوَاحِدة، بخلاف الأوَّل الَّذِي جعلوه كالصورة الَّتِي يُهْزَأُ بها. ثم بَيَّن أنَّهُ مع اتخاذهم إياه هُزُوًا أَنَّهُمْ يَسخَرون به في القول، يَقُولُونَ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، احتقارًا له، ثم يَفتخِرون مع احتقارِهم له بأَنَّهُمْ صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النَّبي ﵊ كان لها تأثير قوي، ولولا أَنَّهُمْ صبروا على آلهتهم لكانوا متأثِّرين بها: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا

стр. 167

أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، ثم توعَّدهم اللَّه بأَنَّهُمْ حين يرون العذابَ سيعلمون من هو أضلُّ، هم أم النَّبي ﷺ ؟ ثم ذكر اللَّه استفهامًا مشربًا بالتعجُّب فيمن اتَّخذ إلهه هواه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الخطاب للرسولِ ﷺ ؛ لِأَنَّ السياق يدل عليه، ولا أظنّه هنا يصحّ أن نجعلَه لكلّ مَن يتأتَّى خطابه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إِنَّمَا يناسب الرَّسول ﵊؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أَخْبِرني]، كيف تكون بمعنى أخبِرني، هل الرؤية هي الخبر؟ لا، لكِن أُريد لازِمُها، يعني هل رأيتَ فأخبرني، يعني هَذَا ليس هو المعنى الحقيقيّ له، لَكِنَّهُ معنًى لازِم للرؤية الَّتِي بمعنى العِلم، فإن المستفهِم لا يريد من المخاطَب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يَستفهِم عن كونه رأى، إِنَّمَا يريد أن يستفهِمَ عن لازمِ هَذِهِ الرؤية، وهو الإخبار، ولهذا يَقُولُونَ: إنها بمعنى أخبِرني، من بابِ إطلاق الملزومِ من لازمِه. أمَّا بالنسبة لإعرابها، فهذا التركيب ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يأتي كثيرًا في القُرْآن، ويَكُون ناصبًا لمَفْعُولينِ؛ الأول منهما اسْم، والثَّاني منهما جملة استفهاميَّة أو قَسَميَّة، ولْيُنْتَبَهْ لإعرابها؛ لِأنَّهَا مشكِلة، المَفْعُول الأول قُلْنا: إِنَّهُ يَكُون اسْمًا؛ إمّا مذكورًا وإما محذوفًا، هَذَا وَاحِد، المَفْعُول الثَّاني جملةٌ إمَّا استفهاميَّة أو قَسميَّة. (التاء) في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وتكون مفردةً دائمًا، أو مجموعةً، مثل قوله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٤٦]، أو مثناةً، مثل قولنا: أرأيتُما إن كان كذا وكذا، وقد يَلْحَقُها ضميرٌ, أي تلحقها الكاف لمجرَّد الدلالة على المخاطَب، ولا محلَّ له من الإعراب، يَكُون حرف خطابٍ لا محل

стр. 168

له من الإعراب، وتبقى (التاء) مفردةً، ولنضرِب لهذا أمثلة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]. فقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ هَذَا المَفْعُول الأول، والمَفْعُول الثَّاني الجملة القسمية: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والكاف في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف خطابٍ لا محلَّ لها من الإعرابِ، إذَن المَفْعُول الأول موجود، والمَفْعُول الثَّاني جملة قسمية موجودة. ومن الأمثلة قوله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]، المَفْعُول الأول محذوف؛ لِأَنَّ المَفْعُولَ الأوَّل لا يمكِن أن يَكُونَ جملةً، فَهُوَ إذَن محذوفٌ، تقديرُه: أرأيتُم حالَكم، يعني أَخْبِروني عن حالِكم إن أخذَ اللَّهُ سمعَكم وأبصارَكم إلى آخره، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ هي المَفْعُول الثَّاني. وأيضًا قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الكاف للخطابِ، والتاء للمفرد، والمخاطَب جَماعَة، والدلالة على أنَّهُ جَماعَة الكاف والميم، ومَفْعُولها الأول محذوف، ومَفْعُولها الثَّاني ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾. ومن الأمثلة -أيضًا- قوله : ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، والآيات كثيرة، لكِن أحيانًا -كما تقدَّم- يُذكَر المَفْعُول الثَّاني، وكثيرًا يحذف المَفْعُول الثَّاني لدلالة السياق عليه؛ فقوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ لا يمكن أن يَكُون الجواب ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾،

стр. 169

لكِن المعنى: هل تغنيكم شيئًا، هل تنفعكم، هل تستحقّ أن تُعبَد؟ وما أشبهَ ذلكَ، وللبحث بقيَّة تأتي إن شاء اللَّهُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: على رأي النُّحَاةِ بأنَّ الَّتِي تَنصِب المَفْعُولينِ هي الرؤيةُ القلبيَّةُ، فهنا تصبح القضية ليست مجرد رؤية للإخبار، كأنها اعتقاد؟ نقول: نعم يقولُ: أَعَلِمْتَ هَذَا فأخبِرني به. إذَن القُرْآن -سبحان اللَّه العظيم- ليسَ مثل بقيَّة الكَلامِ، تجد فيه استفهاماتٍ، أمرًا، تحدياتٍ في السياق، وهذا من إعجازِه في الحقيقةِ؛ لِأَنَّ كل هَذِهِ الاختلافات في الكَلام تُوجِب إثارةَ الإنْسَانِ وإقبالَه، ولكن -كما أسْلَفنا- لِمَن يَقْرَؤُه عن قلبٍ، أمَّا مَن يَقرؤه عن بَصَرٍ فقطْ بدونِ بَصير فهذا لا يَستفيدُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]، لماذا كُررت (من قبل) مرتين؟ الجواب: قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ التكرار هَذَا يَكُون لفائدةٍ وغرضٍ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فيها خلاف هل هي الأُولى أوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ غير الأولى، وعلى هَذَا فيَكُون معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل أن يُنزَّل عليهم، أي من قبل هَذَا التنزيل، فيَكُون من باب التكرار توكيدًا، وإن كان معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني من قبل هَذَا الأمر الَّذِي حدث لهم، ليس من قبل أن يُنزَّل، بل من قبل حالهم، فلا يَكُون فيها تكرار. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الإنْسَانُ المؤمِنُ يُمكِن أنْ يَضِلَّ عند المَوْتِ؟ الجواب: لا يَضِلّ ويَفقِد الإيمان عند المَوْت إلا إنْسَان سَرِيرَتُه باطلةٌ، أَمَّا الإنْسَان

стр. 170

الَّذِي عَمَلُه صالحٌ ومبنيّ على عقيدةٍ صحيحةٍ، فلا يمكن، لَكِنَّهُ على خَطَرٍ؛ لِأَنَّهُ يَخشَى أن يَكُونَ عَمَلُه مبنيًّا على سَريرةٍ باطلةٍ، نحن نقول: لا يمكن أن يضلَّ؛ لِأَنَّ اللَّه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْراهِيم: ٢٧]، إِنَّمَا يَكُون الإضلال عند المَوْتِ، بناءً عَلَى أَنَّ الإنْسَان في عِبادته غير مستقيمٍ، كما جاء في الحديث الصحيح: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لمِنْ أَهْلِ النَّارِ" (١). فلا بدَّ أن تكون السَّريرة باطلةً؛ لأننا نعلمُ أن الإنْسَانَ لو بَنَى عملَه على عقيدةٍ سليمةٍ، سواء بإخلاصٍ، أو بغير إخلاصٍ، فلا يمكِن أن يَخْذُلَ اللَّه المؤمنَ أبدًا، المؤمنَ حقيقةً، وهذا هو ما كنَّا ندعو إليه دائمًا؛ أن نحرِص على عملِ القلبِ، أمَّا الأعمال الظاهرة -عَمَل الجوارِح- فهي بمنزلةِ السُّور للبُستان تَحميه وتُحيطه، وَأَمَّا العملُ الأساسيُّ فَهُوَ عملُ القلبِ، فلا بدَّ أنْ نَحْرِصَ دائمًا على أن يَكُونَ الإنْسَانُ مطهِّرًا لقلبه، ومُصْلِحا لقلبِه، هَذَا أهمُّ شَيْءٍ، والأعمال الظاهرة هي في الحقيقةِ رسوم مصلحة، ومُنْمِية، مثل السَّقي للبستانِ، والرَّسول ﷺ شبَّه أعظمَ العباداتِ الظاهرةِ، وهي الصلاةُ، بالنهرِ الَّذِي يطهِّر الإنْسَان من أوساخِه (٢)، فهَذِهِ صقالات للقلب، ومادة يَنتفع بها القلب، إِنَّمَا الأَصْل هو القلبُ، ولهذا يَجِب علينا دائمًا أن ننظرَ إلى قلوبنا، أحيانًا يَكُون في القلب سَريرة الحسد مثلًا، وسريرة الحسد

стр. 171

هَذِهِ ليستْ بهيِّنة؛ لِأَنَّهَا مَوْرُوثَة عن اليهودِ، فهل تَرْضَى أنْ تكونَ شَبيهًا باليهودِ؟ لا أحد يَرضَى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثيرٍ من المؤمنينَ، والرياء في العِبَادَة أو في المظهَر موجودٌ أيضًا. قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي مَهْوِيَّه]، المُفَسِّر ﵀ فسَّر هَوى بمعنى مَهْوِيّ يعني فسر المصدر بمعنى اسْم المَفْعُولِ، يعني اتخذ إلهه هَذَا الحجر مثلًا، أو هَذِهِ الشجرة، يعني جعل الإلهَ الشجرةَ، والشجرة أو الحجر هي المَهْوِيّ، ولهذا فسَّر الهوى بـ (المهويّ)؛ لِأنَّهُ يريد أن يجعلَ الإلهَ هنا هو المعبودَ، ولكن الصواب أن الآيةَ على ظاهِرِهَا، وأن الإله هو الهوى، ومعنى ذلك أَنَّهُ جعل المتبوع الهوى، وكون الإنْسَان يَتْبَع غيرَه، سواء هوى نفسه أو كونه يتبع غيره، هَذَا من اتِّخاذِه إلهًا, ولهذا قال اللَّه تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. قالَ: "أَليْسَ يحرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ". قال: بَلَى، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (١). فإذَن نقولُ: الآية على ظاهِرِها، يعني أنَّ الإلهَ هو الهَوَى نفسه، والهوى يَقُودُهُ إلى عِبَادةِ الشجَرِ والحَجَر، ويقوده إلى استحلالِ الزِّنا، وإلى استحلالِ الرِّبا، وإلى غير ذلك، فعليه الأَوْلَى جَعْل الآيةِ على ظَاهِرِهَا، وألَّا تُصْرَفَ إلى المعبودِ، خِلافًا للمؤلِّف ﵀. وقوله ﵀: [قدَّم المَفْعُولَ الثَّانيَ لِأنَّهُ أهمُّ]، أين المَفْعُول الثَّاني؟

стр. 172

أصلُه (من اتَّخذ هواه إلهًا) فالمُتَّخَذُ إلهًا هو هوى، لا الإله متّخذًا هوى، الإلهُ ما اتّخذ هوًى، ولكن الهوى متَّخذ إلهًا، فلِهَذَا قالَ المُفَسِّر ﵀: [قدَّم المَفْعُول الثَّانيَ لِأنَّهُ أهمّ] يعني لِأنَّهُ هو محلّ التعجُّب، فمحلّ التعجّب أن يَكُون هَذَا الشَيْءُ إلهًا، لا محلّ التعجُّب مجرَّد الهوى، فمجرد الهوى ليس محلَّ تعجُّب، إِنَّمَا مَحَطُّ التعجُّب أن يُتَّخذ إلهًا، فعلى هَذَا نقولُ: المَفْعُول الأول (إلهًا) والثَّاني (هواه). قَالَ المفَسِّر ﵀: [وجملة (مَنِ اتَّخذ) مَفْعُولٌ أوَّل لـ (رأيت)]، قوله ﵀: [جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾] ننظُرُ هل كَلامه ﵀ صحيحٌ أو غيرُ صحيحٍ؟ يعني قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ هو على كلِّ حالٍ مفردٌ، إلَّا على طَريقةِ ابنِ جِنِّي، لكنْ هل يُعَبَّر عن الموصول وصلته بالجملةِ؟ إذا قلت مثلًا: (قدِم الَّذِي سافر)، هل تقول: (الَّذِي سافر) جملة؟ لا؛ لِأَنَّ الاسْمَ الموصولَ مُفْرَدٌ، لكِن صِلَته جملةٌ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ الاسْمَ الموصول يَقَعُ فاعلًا، والفاعل لا يَكُونُ جملةً، تقول: (جاء الَّذِي سافر) (الذي) فاعل، ولا يمكن أن يَكُون جملةً، وعلى هَذَا فيَكُون قوله ﵀: [وجملة مَنِ اتَّخذ] فيه تسامُحٌ، والصواب أن يقال: و (مَنْ) في قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مَفْعُول أوَّل لـ (رأيت). والثَّاني: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ الاستفهام هنا للنفي، يعني: فلنْ تكونَ عليه وَكِيلًا، قال المُفَسِّر ﵀: [أيْ حافظًا تَحْفَظُه مِنِ اتِّباعِ هَوَاهُ؟ لا]، يعني لستَ وكيلًا عليه، وإذا لم تكنْ وكيلًا عليه فلستَ مسئولًا عنه، وإذا كان هَذَا الكَلام للنبي ﷺ فمَن دُونَهُ أَولَى، فنحنُ لَسْنَا وُكَلَاءَ على مَن عَصَوُا اللَّه، ولا على مَن فَسَقُوا عن أَمْرِه، إِنَّمَا علينا البلاع والدعوة، وعلى اللَّه الحِساب، قال : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وبهذا نعرِف أنَّهُ لا يَنبغي للإنْسَانِ

стр. 173

أن يَحْزَنَ على ضلالِ مَن ضلَّ إذا كان قد قامَ بما أوجبَ اللَّهُ عليه من البلاغِ والدعوةِ، قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، يعني مهلكًا نفسَك ألا يَكُونوا مؤمنينَ، وآيات كثيرة بهذا المعنى، وأن الإنْسَانَ لا يَحزَن؛ لِأَنَّ ضلال مَن ضَلَّ بفعل اللَّه ، وفِعله تَعَالَى لحِكْمَةٍ، ولهذا قال أهل العلمِ: إننا ننظُر إلى أهلِ المعاصي نظرينِ؛ نظرًا شرعيًّا، ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعيُّ نحاول إلزامَهم بما أوجبَ اللَّه ونعاقبهم على ذلك، ونُعَزِّرهم بما يليق بهم، ونُقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، هَذَا النظر الشرعيُّ، نظر قوَّة وحَزْم، أمَّا النظر الثَّاني فَهُوَ النظر القَدَرِيّ الكونِّي، فإنَّنا نَرِقّ لهم ونرحمهم أن اللَّه ابتلاهم بهذا الأمرِ، ومنَ النَّاس مَن يتحمَّل هَذَا وهذا، ومِنَ النَّاس من لا يتحمَّل إلَّا وَاحِدًا منهما، وأيُّهما أكمل؟ الَّذِي يتحمَّل هَذَا وهذا أكمل، لكِن من النَّاس مَن لا يتحمَّل الأمر القدريَّ، وتجده يغضَب ويصير عنده غَيرة، ينفعِل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفِع اندفاعًا كثيرًا، ومن النَّاس من ينظر إلى الأمر القدريّ فيقول: هَذَا بقضاءِ اللَّهِ وقَدَره، ولا يَكُون عنده غَيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ، فالواجب على المرءِ أنْ يَنْظُرَ إلى الأمورِ مِنَ النافذتينِ: نافذة القَدَر ونافذة الشَّرْع؛ ليَكُونَ مُستقيمًا، وهذا هو العدلُ. إذَن مَن ضَلَّ منَ النَّاس فلَسنا وُكَلاءَ عليه، ولكنْ له علينا الدعوة إلى اللَّهِ، ومحاولة إصلاحِه بما نستطيعُ. قول المُفَسِّر ﵀: [لا] إشارة إلى أن الاستفهامَ هنا بمعنى النفي، يعني فلنْ تكونَ عليه وكيلًا.

стр. 174

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: يُشكِل على هَذَا أنَّ الإنْسَان يجد في نفسِه حزنًا على القريبِ؟ نقول: هَذَا الحزن على القريبِ من باب الرقَّة والرَّحمة، ومع هَذَا يَجِب أن يَكُونَ عنده حَزْم في الدعوة إلى اللَّهِ، وتبليغ شَرْعِه، وإقامة ما يَجِب إقامتُه منَ الحدودِ على هَذَا المخالِفِ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاسِ يَرِقُّ لِقَرِيبِهِ وصاحبِهِ وأخيه، وما أشبهَ ذلكَ، ولا يقوم بالواجبِ بالنسبةِ لتأديبِهِ ومحاولةِ إصلاحِهِ، وهذا خطأٌ. * * *

стр. 175

الآية (٤٤) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سَمَاعَ تَفَهُّمٍ ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما تقولُ لهم، ﴿إِنْ﴾ ما ﴿هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طَريقًا مِنها؛ لِأَنَّهَا تنقادُ لمِن يَتَعَهَّدُها، وهم لا يطيعون مولاهم المنعِمَ عليهم]. قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ الخطاب إما للرسول ﵊ وإما لكل مَن يتأتَّى خِطابُه مِمَّن يصِحُّ خطابُه، وقوله: ﴿أَمْ﴾ بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، لكِن هل هي متَّصِلة أو منقطِعة؟ هي منقطعة؛ لِأَنَّهَا بمعنى (بل)، والمتصلة هي الَّتِي تكون بين أمرينِ متعادلينِ، مثل قوله : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، هَذِهِ متَّصلة، فالَّتِي تأتي بين شيئينِ متعادلينِ يُسمُّونها متصلةً؛ لِأَنَّهَا تصل الأوَّل بالثَّاني، وإذا لم تكنْ كذلكَ فهيَ منقطِعة، فقوله هنا: ﴿أَمْ﴾ ليس فيها معادِل، فتكون إذَن منقطِعةً بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام. وقوله: ﴿تَحْسَبُ﴾ بمعنى تَظُنّ ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يعني أَنَّهُمْ لا يسمعون ولا يعقلون، وما المرادُ بالسمعِ؟ يقول المُفَسِّر ﵀ هنا: [سماع تفهُّم] وإنما قيَّده بسماع التفهُّم لأَنَّهُمْ يسمعون سَمْعَ إدراكٍ، لكنَّه لا ينفعهم؛ لأنَّهم

стр. 176

لا يتفهَّمون، ولو أن المُفَسِّر أبقَى الآيةَ على إطلاقها بدون تقييدٍ لكانَ أَولى، ويَكُون نَفَى السمع لانتفاءِ فائدتِه؛ لِأَنَّ ما لا يُستفاد منه كالمعدومِ، فهم لا يَسمعون وإنْ كانوا يدرِكون ما يقالُ إدراكًا حِسِّيًّا، لكنَّهم لعدمِ انتفاعِهِم بهذا السماعِ صاروا كالذينَ لا يَسمعونَ. وقوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [ما تقول لهم] وفي هَذَا نَظَرٌ ظاهرٌ، بل المراد: يعقلون كل ما ينفعهم، يعني أَنَّهُمْ ليس عندهم عقلٌ لمِا تقول ولا لغيرِه، فالعقلُ هنا ليس العقلَ الَّذِي هو الذكاء، وهو إدراك الأمورِ، فإنهم يعقِلون بهذا المعنى، لكِن المراد العقل الَّذِي يمنع صاحبَه ويعقِله مِنَ التصرُّف بما لا يليق، هَذَا العقل الحقيقيّ، وليس العقل أنْ يُدرِكَ الإنْسَانُ المعقول، فإنَّ العقلَ الَّذِي معناه أنْ يُدْرِكَ المعقولَ هو مَناط التكليفِ، وليس مَناط المدحِ أو الذمِّ. فالآنَ صار العقلُ عقلينِ: أحدهما: مناط التكليف، الَّذِي به يدرِك الإنْسَان ويتميَّز عن الحيوانِ. والثَّاني: العقل الَّذِي هو مَناط المدح، وهو الَّذِي يَمنَع صاحبَه ممَّا لا يَليق، والمنفيُّ عن الكفَّار هو الثَّاني، الَّذِي هو العقل بمعنى ما يَمنع صاحبَه عمَّا لا يليق، أمَّا الأوَّل الَّذِي هو إدراك المعقولات فهذا ثابتٌ لهم، ولذلك كُلِّفوا وخُوطِبوا بالشرعِ، ولولا ذَلِكَ لمَا كُلِّفوا ولمَا وَجَبَ عليهم التزامُ الشرعِ. هل العقل الَّذِي نفاه اللَّه عن الكفَّار يَقتضي نفيَ الذكاء عنهم؟ لا، هم أذكياء يَفهَمون الَّذِي يَنفَعهم، ويفهمون الَّذِي يضرُّهم، لكنَّهم ما عقَلوا، يعني ما مَنَعَهم هَذَا العقل عمَّا لا يليقُ، فلذلك صحَّ أنْ نقولَ: إنهم لا يعقِلون، فأبو جهل مثلًا عاقل أو غير عاقل؟ نقولُ: بالنسبة إلى العقل الَّذِي هو مناط تكليف

стр. 177

فَهُوَ عاقل بلا شكٍّ، ومن أَذكى النَّاس، وبالنسبة للعقل الَّذِي هو مَحَطّ المدح الَّذِي يَمتنِع الإنْسَان به عمَّا لا يليق فليس عاقلًا, ولذلك بقِي على كفرِه، مع وضوح الأدلَّة والبيِّنات على صِدق ما جاء به الرَّسول ﷺ . وهنا المراد بالعقل الَّذِي نفاه اللَّه العقلُ الَّذِي يَمنَع صاحبه عمَّا لا يليق. قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ هَذَا حَصْرٌ، يعني ما هم إلا كالأَنْعامِ، أي مثل الأَنْعام، والأَنْعام هي البهائمُ، ومن المعلومِ أنك لو قلتَ لأيِّ إنْسَانٍ: أنت بهيمةٌ يَغضَب بلا شكٍّ، فاللَّه يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾، أيضًا لم يقل: إن هم إلا أَنْعام، قال: ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾، والتشبيه يَقتضي أن المشبَّه أقلُّ من المشبَّه به، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ هَذَا انتقال للصريح ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني: أخطأ طَريقًا مِنَ الأَنْعامِ؛ لِأَنَّ الأنْعام تَهتدي لمِا ينفَعُها، وهَؤُلَاءِ لم يَهْتَدُوا لمِا ينفَعُهم، فالأَنعام إذا دعاها الراعي إلى المرعَى تأتي، وإذا دعاها إلى المَحْلَب أتتْ، وإذا دعاها إلى المأوَى أتتْ، كذلك أيضًا تنفِر ممَّا يضرُّها, لكِن هَؤُلَاءِ بالعكسِ؛ تدعوهم الرُّسُل ﵈ إلى ما ينفَعُهم وتحذِّرهم مما يضرُّهم، ومعَ ذلك لا يَهتدون سبيلًا, ولا يَنقادون، فصاروا إذَنْ أَضَلَّ سبيلًا مِنَ الأَنْعامِ، ولهذا بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى في آياتٍ متعدِّدة أنَّ الكفَّارَ شرُّ البِرَّية؛ شَرّ ما بَرَأ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]، وقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، يعني شَرًّا منَ الكلابِ والخنازير، وقلْ ما يُمكِن أن تقولَ مِنَ الخِسَّة في مخلوقات اللَّه الَّتِي خلقها، فهم شرٌّ من ذلك، ومع هَذَا نجد من المسلمين الآنَ مَن يُكْرِمهم، بل مَن يقدِّمهم على المؤمنين، وهَذِهِ محِنة عظيمة، فبهذا السَّبب استطالَ أعداء اللَّه على المسلمينَ، رأوْا أنفسَهم عند كثيرٍ من المسلمينَ مَحَلّ التبجيل

стр. 178

والتعظيم، ففخروا بأنفسِهم، بل أَنكى من ذلك وأدهَى أَنَّهُمْ صاروا محلَّ التقليدِ عند بعضِ النَّاسِ، يعني يقلدونهم، ومعروف أن الإنْسَانَ إذا قُلِّدَ فسوف يفخَر ويرى نفسه إمامًا، وهذا في الحقيقة من سُوء التصرُّف، ومن ضعف الشخصيَّة، وإلَّا فالواجب أن نُنزّلُ هَؤُلَاءِ الكفَّارَ مَنْزِلَتَهُمُ الَّتِي أَنزلَهم اللَّه ﵎، وألَّا نجعلَ منهم قدوةً، وأَنَّهُمْ إذا فتحوا لنا أبوابًا مِنْ الِاختراعات والصناعات وغيرِها، نعم نستفيد من عِلمهم، لكِن لا عَلَى أنَّنا نُظهِرهم بمظهرِ البارزِ المتقدِّمِ المعظَّم، إنَّما نقول: هَؤُلَاءِ مثلما تَهتدي الشاةُ إلى العَلَفِ الجيِّد وتأكله هم اهتدَوْا إلى هَذِهِ الصنائعِ وعَلَّمَهم اللَّه مهنة لهم ولغيرهم، لكِن كوننا نُقَدِّمُهُمْ وَنَجْعَلُهُم محَلَّ إعجابٍ وإكرامٍ هَذَا خطأ. وبَيَّنَ المُفَسِّر ﵀ فقال: [لأنها تنقاد لمِن يَتَعَهَّدها، وهم لا يطيعون مولاهم المنعِمَ عليهم]. وقد تقدَّم قولُهُ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فإذا قال هَؤُلَاءِ الكِتَابيُّون: نحن نَدِين دِينَ الحقِّ لأننا نتَّبع رسولًا، واللَّه قيَّد ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فهم يَقُولُونَ: نحن نؤمن باللَّه واليومِ الآخِر ونحرِّم ما حرَّم اللَّه ورسوله، وندين دين الحقِّ لأننا على دين رُسُلٍ؟ نقول: الحمد للَّه، سياق هَذِهِ الآيات بيَّن ما هو دين الحق؟ ففي آخر الآيات ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ

стр. 179

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٣]. فنقول: دين الحقّ ما جاء به الرَّسولُ ﵊، فإذَن اليهوديّ الكِتَابيّ إذا بقِيَ على دينه، وإن كان دينُه حقًّا حينما كان هو الثابت، لكنَّه الآن ليسَ بدين حقٍّ؛ لِأَنَّ دين الحقِّ ما جاء به مُحَمَّدٌ ﷺ ، فيَكُون في آخِرِ الآياتِ ما يدل على أن هَؤُلَاءِ وإنْ زَعَموا أَنَّهُمْ على شريعةٍ وعلى دينٍ، فإن دينَهم ليس دينَ حقٍّ بعد أنْ جاء دينُ الرَّسولِ ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]. وهذا نظير ما يحتجّ به هَؤُلَاءِ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: ٦]، اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم يَقُولُونَ: نحن ما كَفَرنا، بل نحن مؤمنونَ، فيَجعلونَ (من) للتبعيضِ، لا لبيانِ الجِنس، ونحن نقول: إن (من) لبيانِ الجِنس، فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أيِّ طائفةٍ؟ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، هَذَا بيان للاسْمِ الموصول (الذين) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. فالحاصِلُ: أنَّهُ توجَد آياتٌ في القُرْآن كما أَسْلَفْنَا مشتَبِهات يتبعها الَّذِينَ في قُلُوبهم زيغ، ولكنَّ المؤمنين يَرُدُّونها إلى المحكَمِ، فتكون كلها محكَمةً. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ألا يَكُون دليلًا صريحًا على كُفْرِهِم، لكِن إذا قالوا: نحن لا نقولُ: عُزيرٌ ابنُ اللَّه،

стр. 180

نقول: نردُّ عليهم بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٨]، نقول: هم سيَقُولُونَ: نحن أَقَمْنَا التوراةَ والإنجيلَ، وأمَّا قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سيَقُولُونَ: وما أنزل إلينا من ربّنا من غير التوراة والإنجيل؛ لِأَنَّ الرُّسُل جاءوا بأمرٍ غيرِ التوراةِ والإنجيل، وأمَّا قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ سيَقُولُونَ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ونحن لَيْسُوا من هَذَا الكثيرِ، فالآية ليستْ صريحةً، لكنْ توجد آيات صريحة -الحمد للَّه- واضحة جدًّا، وهذا في الحقيقة ما يهوِّن على بعض النَّاس مسألة اليهود والنصارى. وأنا قرأتُ مقالًا تقول: لماذا تصنعون هَذِهِ الضجَّة العظيمة لتوريد المربِّيَات، ما السَّبب؟ ! تقول: دين تُقِرّ به -هكذا تخاطب المسلم- كيف تنكِر على مَن قام به وكيف تنكر على المرأةِ النصرانيَّة الَّتِي تجيء عندك بيتك تقيم شعائر دينها؟ ! هَذَا ليس بمنكَرٍ؛ لأننا نحن عندهم هناك في بلادهم نقيم ديننا، حتى إنهم -هكذا تقول- يقدِّمون لنا وجبة الأفطار في الصوم، فهم يساعدوننا على ديننا، ونحن الآن ننكر دينَهم ونقول: لماذا نأتي بمربيات ونَفتعِل هَذِهِ الضجة. مع أنَّهُ لم تحدُثْ ضجَّة مع الأسف، يا لَيْتها حدثَت ضجَّةٌ ضدها. وفي الحقيقة مما يهوِّن عليهم مسألة النصارى واليهود أَنَّهُ يوجد في بعض الآيات أشياء متشابِهة، يتبعها مثل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أزاغَ اللَّهُ قلوبَهم، والعياذُ باللَّهِ، وإلَّا لو عَقِلوا لَفَهِمُوا خَطَرَ النصارى في هَذِهِ البلاد بالذَّات؛ لِأَنَّ هَذِهِ البلاد بالذَّات مغزوَّة من أعداء المسلمينَ، حيث إِنَّهُ لم يبقَ فيما نعلَمُ أحدًا من بلادِ الإِسلامِ يطبِّق من الإِسلام ما تطبِّقه هَذِهِ البلاد، فهي مغزوَّة من ناحيتينِ؛ من ناحية التزامِها بالإِسلام
следующие страницы →