← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لا يتفهَّمون، ولو أن المُفَسِّر أبقَى الآيةَ على إطلاقها بدون تقييدٍ لكانَ أَولى، ويَكُون نَفَى السمع لانتفاءِ فائدتِه؛ لِأَنَّ ما لا يُستفاد منه كالمعدومِ، فهم لا يَسمعون وإنْ كانوا يدرِكون ما يقالُ إدراكًا حِسِّيًّا، لكنَّهم لعدمِ انتفاعِهِم بهذا السماعِ صاروا كالذينَ لا يَسمعونَ. وقوله: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [ما تقول لهم] وفي هَذَا نَظَرٌ ظاهرٌ، بل المراد: يعقلون كل ما ينفعهم، يعني أَنَّهُمْ ليس عندهم عقلٌ لمِا تقول ولا لغيرِه، فالعقلُ هنا ليس العقلَ الَّذِي هو الذكاء، وهو إدراك الأمورِ، فإنهم يعقِلون بهذا المعنى، لكِن المراد العقل الَّذِي يمنع صاحبَه ويعقِله مِنَ التصرُّف بما لا يليق، هَذَا العقل الحقيقيّ، وليس العقل أنْ يُدرِكَ الإنْسَانُ المعقول، فإنَّ العقلَ الَّذِي معناه أنْ يُدْرِكَ المعقولَ هو مَناط التكليفِ، وليس مَناط المدحِ أو الذمِّ. فالآنَ صار العقلُ عقلينِ: أحدهما: مناط التكليف، الَّذِي به يدرِك الإنْسَان ويتميَّز عن الحيوانِ. والثَّاني: العقل الَّذِي هو مَناط المدح، وهو الَّذِي يَمنَع صاحبَه ممَّا لا يَليق، والمنفيُّ عن الكفَّار هو الثَّاني، الَّذِي هو العقل بمعنى ما يَمنع صاحبَه عمَّا لا يليق، أمَّا الأوَّل الَّذِي هو إدراك المعقولات فهذا ثابتٌ لهم، ولذلك كُلِّفوا وخُوطِبوا بالشرعِ، ولولا ذَلِكَ لمَا كُلِّفوا ولمَا وَجَبَ عليهم التزامُ الشرعِ. هل العقل الَّذِي نفاه اللَّه عن الكفَّار يَقتضي نفيَ الذكاء عنهم؟ لا، هم أذكياء يَفهَمون الَّذِي يَنفَعهم، ويفهمون الَّذِي يضرُّهم، لكنَّهم ما عقَلوا، يعني ما مَنَعَهم هَذَا العقل عمَّا لا يليقُ، فلذلك صحَّ أنْ نقولَ: إنهم لا يعقِلون، فأبو جهل مثلًا عاقل أو غير عاقل؟ نقولُ: بالنسبة إلى العقل الَّذِي هو مناط تكليف

стр. 177

فَهُوَ عاقل بلا شكٍّ، ومن أَذكى النَّاس، وبالنسبة للعقل الَّذِي هو مَحَطّ المدح الَّذِي يَمتنِع الإنْسَان به عمَّا لا يليق فليس عاقلًا, ولذلك بقِي على كفرِه، مع وضوح الأدلَّة والبيِّنات على صِدق ما جاء به الرَّسول ﷺ . وهنا المراد بالعقل الَّذِي نفاه اللَّه العقلُ الَّذِي يَمنَع صاحبه عمَّا لا يليق. قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ هَذَا حَصْرٌ، يعني ما هم إلا كالأَنْعامِ، أي مثل الأَنْعام، والأَنْعام هي البهائمُ، ومن المعلومِ أنك لو قلتَ لأيِّ إنْسَانٍ: أنت بهيمةٌ يَغضَب بلا شكٍّ، فاللَّه يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾، أيضًا لم يقل: إن هم إلا أَنْعام، قال: ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾، والتشبيه يَقتضي أن المشبَّه أقلُّ من المشبَّه به، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ هَذَا انتقال للصريح ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يعني: أخطأ طَريقًا مِنَ الأَنْعامِ؛ لِأَنَّ الأنْعام تَهتدي لمِا ينفَعُها، وهَؤُلَاءِ لم يَهْتَدُوا لمِا ينفَعُهم، فالأَنعام إذا دعاها الراعي إلى المرعَى تأتي، وإذا دعاها إلى المَحْلَب أتتْ، وإذا دعاها إلى المأوَى أتتْ، كذلك أيضًا تنفِر ممَّا يضرُّها, لكِن هَؤُلَاءِ بالعكسِ؛ تدعوهم الرُّسُل ﵈ إلى ما ينفَعُهم وتحذِّرهم مما يضرُّهم، ومعَ ذلك لا يَهتدون سبيلًا, ولا يَنقادون، فصاروا إذَنْ أَضَلَّ سبيلًا مِنَ الأَنْعامِ، ولهذا بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى في آياتٍ متعدِّدة أنَّ الكفَّارَ شرُّ البِرَّية؛ شَرّ ما بَرَأ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]، وقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، يعني شَرًّا منَ الكلابِ والخنازير، وقلْ ما يُمكِن أن تقولَ مِنَ الخِسَّة في مخلوقات اللَّه الَّتِي خلقها، فهم شرٌّ من ذلك، ومع هَذَا نجد من المسلمين الآنَ مَن يُكْرِمهم، بل مَن يقدِّمهم على المؤمنين، وهَذِهِ محِنة عظيمة، فبهذا السَّبب استطالَ أعداء اللَّه على المسلمينَ، رأوْا أنفسَهم عند كثيرٍ من المسلمينَ مَحَلّ التبجيل

стр. 178

والتعظيم، ففخروا بأنفسِهم، بل أَنكى من ذلك وأدهَى أَنَّهُمْ صاروا محلَّ التقليدِ عند بعضِ النَّاسِ، يعني يقلدونهم، ومعروف أن الإنْسَانَ إذا قُلِّدَ فسوف يفخَر ويرى نفسه إمامًا، وهذا في الحقيقة من سُوء التصرُّف، ومن ضعف الشخصيَّة، وإلَّا فالواجب أن نُنزّلُ هَؤُلَاءِ الكفَّارَ مَنْزِلَتَهُمُ الَّتِي أَنزلَهم اللَّه ﵎، وألَّا نجعلَ منهم قدوةً، وأَنَّهُمْ إذا فتحوا لنا أبوابًا مِنْ الِاختراعات والصناعات وغيرِها، نعم نستفيد من عِلمهم، لكِن لا عَلَى أنَّنا نُظهِرهم بمظهرِ البارزِ المتقدِّمِ المعظَّم، إنَّما نقول: هَؤُلَاءِ مثلما تَهتدي الشاةُ إلى العَلَفِ الجيِّد وتأكله هم اهتدَوْا إلى هَذِهِ الصنائعِ وعَلَّمَهم اللَّه مهنة لهم ولغيرهم، لكِن كوننا نُقَدِّمُهُمْ وَنَجْعَلُهُم محَلَّ إعجابٍ وإكرامٍ هَذَا خطأ. وبَيَّنَ المُفَسِّر ﵀ فقال: [لأنها تنقاد لمِن يَتَعَهَّدها، وهم لا يطيعون مولاهم المنعِمَ عليهم]. وقد تقدَّم قولُهُ : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فإذا قال هَؤُلَاءِ الكِتَابيُّون: نحن نَدِين دِينَ الحقِّ لأننا نتَّبع رسولًا، واللَّه قيَّد ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فهم يَقُولُونَ: نحن نؤمن باللَّه واليومِ الآخِر ونحرِّم ما حرَّم اللَّه ورسوله، وندين دين الحقِّ لأننا على دين رُسُلٍ؟ نقول: الحمد للَّه، سياق هَذِهِ الآيات بيَّن ما هو دين الحق؟ ففي آخر الآيات ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ

стр. 179

قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٣]. فنقول: دين الحقّ ما جاء به الرَّسولُ ﵊، فإذَن اليهوديّ الكِتَابيّ إذا بقِيَ على دينه، وإن كان دينُه حقًّا حينما كان هو الثابت، لكنَّه الآن ليسَ بدين حقٍّ؛ لِأَنَّ دين الحقِّ ما جاء به مُحَمَّدٌ ﷺ ، فيَكُون في آخِرِ الآياتِ ما يدل على أن هَؤُلَاءِ وإنْ زَعَموا أَنَّهُمْ على شريعةٍ وعلى دينٍ، فإن دينَهم ليس دينَ حقٍّ بعد أنْ جاء دينُ الرَّسولِ ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]. وهذا نظير ما يحتجّ به هَؤُلَاءِ في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: ٦]، اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم يَقُولُونَ: نحن ما كَفَرنا، بل نحن مؤمنونَ، فيَجعلونَ (من) للتبعيضِ، لا لبيانِ الجِنس، ونحن نقول: إن (من) لبيانِ الجِنس، فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أيِّ طائفةٍ؟ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، هَذَا بيان للاسْمِ الموصول (الذين) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. فالحاصِلُ: أنَّهُ توجَد آياتٌ في القُرْآن كما أَسْلَفْنَا مشتَبِهات يتبعها الَّذِينَ في قُلُوبهم زيغ، ولكنَّ المؤمنين يَرُدُّونها إلى المحكَمِ، فتكون كلها محكَمةً. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ألا يَكُون دليلًا صريحًا على كُفْرِهِم، لكِن إذا قالوا: نحن لا نقولُ: عُزيرٌ ابنُ اللَّه،

стр. 180

نقول: نردُّ عليهم بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٨]، نقول: هم سيَقُولُونَ: نحن أَقَمْنَا التوراةَ والإنجيلَ، وأمَّا قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سيَقُولُونَ: وما أنزل إلينا من ربّنا من غير التوراة والإنجيل؛ لِأَنَّ الرُّسُل جاءوا بأمرٍ غيرِ التوراةِ والإنجيل، وأمَّا قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ سيَقُولُونَ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ونحن لَيْسُوا من هَذَا الكثيرِ، فالآية ليستْ صريحةً، لكنْ توجد آيات صريحة -الحمد للَّه- واضحة جدًّا، وهذا في الحقيقة ما يهوِّن على بعض النَّاس مسألة اليهود والنصارى. وأنا قرأتُ مقالًا تقول: لماذا تصنعون هَذِهِ الضجَّة العظيمة لتوريد المربِّيَات، ما السَّبب؟ ! تقول: دين تُقِرّ به -هكذا تخاطب المسلم- كيف تنكِر على مَن قام به وكيف تنكر على المرأةِ النصرانيَّة الَّتِي تجيء عندك بيتك تقيم شعائر دينها؟ ! هَذَا ليس بمنكَرٍ؛ لأننا نحن عندهم هناك في بلادهم نقيم ديننا، حتى إنهم -هكذا تقول- يقدِّمون لنا وجبة الأفطار في الصوم، فهم يساعدوننا على ديننا، ونحن الآن ننكر دينَهم ونقول: لماذا نأتي بمربيات ونَفتعِل هَذِهِ الضجة. مع أنَّهُ لم تحدُثْ ضجَّة مع الأسف، يا لَيْتها حدثَت ضجَّةٌ ضدها. وفي الحقيقة مما يهوِّن عليهم مسألة النصارى واليهود أَنَّهُ يوجد في بعض الآيات أشياء متشابِهة، يتبعها مثل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أزاغَ اللَّهُ قلوبَهم، والعياذُ باللَّهِ، وإلَّا لو عَقِلوا لَفَهِمُوا خَطَرَ النصارى في هَذِهِ البلاد بالذَّات؛ لِأَنَّ هَذِهِ البلاد بالذَّات مغزوَّة من أعداء المسلمينَ، حيث إِنَّهُ لم يبقَ فيما نعلَمُ أحدًا من بلادِ الإِسلامِ يطبِّق من الإِسلام ما تطبِّقه هَذِهِ البلاد، فهي مغزوَّة من ناحيتينِ؛ من ناحية التزامِها بالإِسلام

стр. 181

التزامًا فائقًا على غيرِها، هَذِهِ وَاحِدة، ومن ناحية أخرى أنها هي مَهْبَط الوحي ومَنْبَع الرِّسَالةِ، وإذا قُضي على الرِّسَالة في مَهدِها ومَنْبَعِها فالأطراف من باب أَوْلَى، على أن الأطراف قد أُكِلت الآن، فما بقي إلَّا هَذَا الصُّلْب، فركَّزوا جُهُودَهم على هَذِهِ البلادِ، ولكن مع الأسفِ أن كثيرًا منَّا لا يَعُونَ خطرَ هَذَا الأمر، وهم في غفلةٍ، وما همّهم إلا الدُّنْيا, ولذلك يريدون أن يحصُلوا عليها بأيِّ وسيلةٍ. والواجبُ علينا الحذَر من هَؤُلَاءِ الأعداء، وأن نعلمَ أنَّهُ مهما حصلَ منهم مِن نُصح كما يقولونَ، وإخلاصٍ في العملِ، فما ذلك إلا شبكة يَصطادون بها مَن لا يفهمون. على أَنَّهُمْ في الحقيقة مهما بَلَغوا من النصحِ، إن صح ذلك، فإنَّ اللَّه يقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويقول: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولاحظْ أن الآيةَ تقول: ﴿مُؤْمِنٌ﴾ و ﴿مُؤْمِنَةٌ﴾، لا مسلم ومسلمة؛ لِأَنَّ من المسلمين مَن لا خيرَ فيه، لكِن الكَلام على المؤمنِ، ولهذا يَنبغي للإنْسَانِ أنْ يحرِص في مربِّيَات أولادِه وفي خَدَمِه أن يَكُونوا مؤمنينَ، وأن يَحذَر من هَؤُلَاءِ الأعداءِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَحْرُم استخدام الكافر؟ نقول: أمَّا في الأَصْلِ فيجوز استخدام الكافرِ، لكِن بالنظر إلى مفاسدِه، وأن هَذِهِ البلاد خالِيَة منهم، فإننا نَميل إلى أن منعَهم أَولى؛ لِأنَّهُ من المعروفِ أن الثوبَ الوَسِخ لا يَهُمُّ أنْ يَتَوَسَّخ، لكِن الثوب النظيف أيُّ وَسَخٍ يُدَنِّسه، فبلادنا لمَّا كانت خاليةً منهم فهي أطهرُ، كما هو معروف في حديثِ زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂، أن الرَّسولَ ﵊ استيقظَ ليلةً فَزِعًا مُحْمَرًّا وجُهه يقول: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ". قالتْ:

стр. 182

أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ" (١) ومَنْ هم الخَبَث؟ الكفَّار؛ قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. فالكفَّار همُ الخَبَثُ، وإنْ كان مِنَ الخبيثِ ما قد يُرادُ به ما هو أعمُّ من ذلكَ، لكِن فُتِحَ اليومَ من رَدْم يَأجوجَ يدلّ على ما أَشَرْنا إليه، وهو كثرةُ غير المسلمينَ في المسلمينَ، وقد يراد بالخَبَث كلُّ المعاصي، فالمعاصي كلُّها خَبَثٌ، والطاعات طُهْرٌ، لكِن لعلَّ الحديثَ يَشمَل هَذَا وهذا، ويؤيِّد الأوَّلَ فَتْحُ رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كلُّ الآياتِ يمكِن أن تقبل الإِشْكالَ، حتى هَذِهِ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. نقول: اللَّه يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الَّذِينَ يكذبون بالرَّسول لَيْسُوا بمؤمنينَ؛ لِأنَّهُ كلَّما جاء نبيٌّ وكذَّبوه صاروا كافرينَ بالجميعِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: في قولِه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ نجد أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوع بين منصوباتٍ، وقوله : ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٦٢]، هَذِهِ عكس الآية السابقة؛ فهذا منصوب بين مرفوعات، وذاك مرفوع بين منصوبات، فما إعراب هاتين الكلمتينِ؟

стр. 183

نقول: الإعراب: ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ هَذِهِ على تقدير: وأخصّ أو أمدَح المقيمينَ للصلاة. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في قَطْعِ العطف إلى هَذَا التقدير؟ نقول: العِنَاية بالصلاةِ، هَذِهِ فائدةٌ مَعنويَّة، وتُوجَدُ أيضًا فائدة لفظيَّة، وهي التَّنْبِيه؛ لأنَّ تغيُّرَ الأسلوبِ يُوجِب الانتباهَ، لو قَرَأْنا الآيةَ كلَّها على نَسَقٍ وَاحِدٍ مَشَيْنا، لكِن حِينَما تَقِف يَكُونُ في هَذَا التنبيهُ. وأمَّا إعرابُ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ هنا لماذا رُفعت؟ نقول: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ يجوز أنَّ النصارَّى مرفوعة أيضًا، ويمكِن أن تكونَ منصوبةً، فهي مُحْتَمِلة، لكِن لا يَتعيَّن أن تكونَ منصوبةً، فتكون (الواو) هنا للاستئنافِ، (والصابئون والنصارَى كذلكَ) هَذَا التقدير، وتكون هَذِهِ الجُملة مستأنَفةً بين الكَلِمَتينِ، أو نقول: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو الخبر، وحُذف الخبرُ مِنَ الجُملةِ الأُولى. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين هَذِهِ الآية وقوله في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]؟ الجواب: في هَذِهِ الآية قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، واليهود مؤمنون باللَّه واليوم الآخِرِ، في سورة الحج ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]، فلم يذكرْ أن جزاءهم الجنَّة مثلًا، ذكر أن اللَّه يفصِل بينهم، والفصل شامِل للمؤمنينَ والمشركينَ والمجوسِ وغيرِهم، ففرق بين الآيتينِ.

стр. 184

الآيتان (٤٥، ٤٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]. * * * لمَّا ذكر اللَّه الَّذِينَ كذَّبوا الرُّسُلَ السابقينَ، وما أحلَّ اللَّه بهم من العذاب والعقوبة، أراد أن يبيِّن شيئًا من آياتِه يدل على قُدرته ووَحدانِيَّته، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [تنظر ﴿إِلَى﴾ فِعل ربِّك ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾]، إلى آخِرِه. أولًا: كلمة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهامُ للتَّقرير؛ كقولِ اللَّهِ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، وقوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦]، وما أشبهَ ذلك مِنَ الأمثلةِ، ويقدِّر بعض العلماء مثل هَذَا التركيب بقولِه: قد فعلْنا ذلك، قد رأيت ذلك، فمثلًا ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يعني أنك رأيت ذلك، وقول المُفَسِّر ﵀: [تنظر] فسَّر الرُّؤية بالرؤية البصرية، مع أنَّهُ يَحتمل أن تكون رؤيةً بصريةً ورؤيةَ بَصيرةٍ، يعني رؤية عِلمية، أي تعلم هَذَا الأمر الَّذِي سيُذكَر. والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبي ﵊ أو لكل ما مِن شأنِهِ أن يخاطَب؟ الجواب: أنَّهُ لكل مَنْ مِنْ شأنِه أن يخاطَب؛ النَّبي ﵊ وغيره؛ لِأَنَّهُ كما أسلَفنا في القاعِدَة التفسيريَّة أنَّهُ كلَّما كانتِ الآية أدلَّ على العموم كان القولُ به

стр. 185

أَولى، وأنه لا يَنبغي أن تُجعَل خطابات القُرْآن للخصوصِ إلا بدليلٍ يَمنع العمومَ، يعني ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيُّها الإنْسَان ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، المُفَسِّر ﵀ قدَّر مضافًا فقال: [﴿إِلَى﴾ فعل ﴿رَبِّكَ﴾] لِأنَّهُ ليس المراد أن ينظر الإنْسَان إلى اللَّهِ بذاته، إِنَّمَا المراد أن ينظُر إليه من هَذِهِ الحيثيَّة، فيَكُون مصبّ النظر هو الفِعل. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ من وقتِ الإسفارِ إلى وقتِ طلوعِ الشمسِ]، هَذَا تفسيرٌ للظلِّ، وليس تفسيرًا للمدِّ، فالظلُّ من وقتِ الإسفارِ إلى وقتِ طلوعِ الشمسِ، وسُمِّيَ ظِلًّا لِأنَّهُ ذو نورٍ، ولَكِنَّهُ بدون شعاع شمس، فكان ظلًّا، وهذا هو الَّذِي فسَّره به ابن عبَّاس وغيره، وعليه جمهور المفسِّرين؛ أن الظلَّ ما بين طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ؛ لِأنَّهُ كما قُلْنا: نور بدون شعاعٍ، ومدُّه يعني تطويله، لِأَنَّ الفرق بين هَذَا وهذا معروف، ولكن أيّ شَيْء يَكُون فيه من آيات اللَّه؟ قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ يعني غير ممدودٍ، بحيث تطلُع الشمس مباغتةً بدون مدٍّ، والواقِع بخلافِ ذلكَ، بل هو ممتدٌّ، وكونه لا يزول بطلوع الشمس هَذَا غير ممكِن، ولذلك يقول في تفسير الجَمَل في تفسير قول المُفَسِّر: [مقيمًا لا يزول بطلوع الشمس]: (بألا تطلع الشمس)، ليس المعنى تطلع ولا يزول؛ وذلك لِأَنَّ زواله بطلوع الشمس، فإذا طلعت فلا بدَّ أن يزول، المعنى أن النفيَ مسلَّط على قوله: [بطلوع الشمس]، فمعنى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي أن الشمس لا تطلُع، ويبقى باستمرار، يعني يبقى الأمرُ لا ليلٌ ولا نهارٌ، إسفارٌ بدون شمس. فكَلام صاحب الجلالين يَصِحّ بأنْ نجعلَ النفيَ مسلَّطًا على قولِه بطلوعِ الشمس، يعني فلا تطلع الشمس. على كلِّ حالٍ المعنى مفهوم الآن؛ لو شاء لجعله ساكنًا فلا تطلع الشمس، أو إنْ صحَّ أن يقال: لو شاء لجعله ساكنًا فتطلع الشمس

стр. 186

غيرَ مضيئةٍ، وهذا خلاف المعهودِ أن تطلُعَ غير مضيئة، ولكن اللَّه قادِر على أنْ يُخرِجَها غيرَ مضيئةٍ، كما يُعلم ذلك في الكسوفِ. فالحاصلُ: أن السكونَ الآن يفسَّر بحسَب ما يفسَّر به الظلُّ. هَذَا أحد الأقوال في تفسير الظل. والقول الثَّاني في الظل: أن المراد به الليلُ كلُّه، وأنَّ المراد بمدِّه تطويله، ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ بمعنى بعد أن كان طويلًا كان ينقُص شيئًا فشيئًا، فيَكُون في هَذَا إشارة إلى تغيُّر الفصول؛ لِأَنَّ الفصول تتغيَّر بتغيُّر الليلِ والنهارِ. والقول الثالث: أنَّ المرادَ بالظلِّ ظلُّ كلِّ شاخصٍ إذا طلعتِ الشمسُ، فإنَّ اللَّه تَعَالَى يَمُدُّه ثم يَقْبِضُهُ شيئًا فشيئًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ فتكون الشمس مُسْتَقِرَّةً ثابتةً في مكان لا تَرتفِع ولا تَنخفِض. فالآنَ صار المرادُ بالظلِّ على الخلاف ثلاثة آراءٍ؛ إمَّا أنَّهُ ما بين طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ، والمُفَسِّر ﵀ يقول: [من وقت الإسفار] لأجل أن يتحقق الظل. أو أنَّهُ الليل كله، ويَكُون مَدُّهُ تطويلَه ثم يَنقُص، ففي هَذَا من قُدرة اللَّه تَعَالَى: تغيُّر الفصول بسَبَب طول الليل وقِصره. أو أن المراد به ظِلّ كلِّ شاخصٍ، فَإِنَّهُ أوَّل ما تطلُع الشمس يَكُون الظلُّ طويلًا ممدودًا، ثم يُقبَض شيئًا فشيئًا، ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ اللَّه ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، والسكون هنا يَختلِف معناه بحسَب اختلاف معنى الظلِّ، فإذا قُلْنا: المراد بالظلِّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كان المراد بالسكون أن الشمس تخرج دَفعةً وَاحِدةً بدون أن يَكُون ظِلُّها شيئًا فشيئًا، وإذا قُلْنا: إن المراد به الليل كان المراد بسكونِه أن يبقَى الليل دائمًا، لا يزيد ولا ينقُص، وإذا قُلْنا: إن المراد بالظلِّ ظِلُّ الشاخصِ، صار المراد بسكونِه أن الشمسَ لا تتحرَّك،

стр. 187

وتبقى في مكانٍ وَاحِدٍ، ويَكُون الظلُّ ساكنًا، لا يزيد ولا يَنقُص، ففي كون اللَّه قادرًا على هَذَا وهذا دليلٌ على كمال قُدرته ووحدانِيَّتِه في التفرُّد؛ لِأَنَّهُ لو كان معه إلهٌ آخرُ لم يكنْ له المشيئة المطلَقة في هَذَا وفي هذا. ثمَّ فيه أيضًا من نعمة اللَّه على العبادِ في اختلاف هَذَا الظلِّ ما هو معلوم؛ لأننا لو قُدِّر أن الشمسَ تخرج هكذا بَغتةً بعد ظلام دامسٍ فقد يؤثر النور الساطع في المواشي في إبصارها، وفي بني آدم، وفي الأشجار والنبات، بخلاف ما إذا كان الشَيْء يأتيها تدريجيًّا، وكذلك أيضًا لو كان الليل والنهار دائمًا لا يزيد أحدهما ولا ينقُص، لم يكنْ في ذلك اختلاف في الفصول، ولم يكن في ذلك اختلافٌ في الأشجارِ؛ لِأَنَّ كثيرًا من الأشجار تختلِف ثِمارُها وإيناعها بحسَب اختلاف الفصولِ. كذلك أيضًا إذا قُلْنا بأنَّ الظلَّ ظلُّ كلِّ شاخصٍ؛ فإنَّ كونَ الشمسِ تَدُورُ وتختلف الأفياءُ والأَظِلّة بحسَب سَيْرِها هو أيضًا من نعمةِ اللَّهِ ومن تمام قُدرته. فالحاصل: أن هَذَا الأمر الَّذِي قرَّر اللَّه تَعَالَى بأننا ننظر إليه في كل وقت دالٌّ على أمرينِ: تمام القُدرة، وتمام الرَّحمة؛ لِأَنَّهُ متضمِّن لهما. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما الَّذِي تختارون من هَذِهِ الأقوال؟ نقول: ما دام أن هَذِهِ المعانيَ لا تَتنافَى، فالواجب أن تُحمَل الآية على الجميعِ، وهَذِهِ قاعِدَة قرَّرناها سابقًا، وهي قد قُرِّرت أيضًا من قبلنا، قررها شيخ الإِسلام ابن تيميَّة ﵀؛ بأنه إذا كانت الآية تَحتمِل المعانيَ المذكورةَ فيها، فالواجبُ أن تُحمَل على كل هَذِهِ المعاني؛ لِأَنَّ كَلام اللَّه لا يحيط به شَيْءٌ.

стр. 188

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الظلِّ والفيءِ؟ هَذِهِ الْفَائِدَة قد سبقتْ، والفرق بينهما: أن الفيءَ ما نَسَخَ الشمسَ، والظل ما نسختْه الشمسُ، مثل قولنا: الظل ما قبلَ الزوال، والفيء ما بعد الزوال؛ لِأَنَّ الظلَّ الَّذِي قبلَ الزوالِ الَّذِي يُزيله ويَنسَخه الشمسُ، والفيء الَّذِي بعد الزوال ينسخ الشمسَ؛ لِأنَّهُ يمتدّ، وكلَّما امتدَّ إلى شَيْءٍ أزال ضوءَ الشمسِ عنه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ أي على الظلّ ﴿دَلِيلًا﴾]، قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾ الجملة الفعليَّة هَذِهِ هل هي معطوفة على قوله: ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، أو على قوله ﴿مَدَّ﴾: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ﴾؟ فالجواب: معطوفة على قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ لِأَنَّ قوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لو جُعِل معطوفًا على ﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ لكانت الشمس ليستْ دليلًا عليه، والأمر بخلاف ذلك، فالمعنى يفسُد، فهي إذَن معطوفة على قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾، يعني: وكيف جعلنا الشمس عليه دليلًا, ولكنَّ فيه الْتفاتًا من الغَيبة إلى التكلُّم؛ لِأنَّهُ قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾، ولم يقل (ثم جعل). وقوله: ﴿الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يعني على الظلِّ، وكيف كانت دليلًا على الظلّ؟ يقول المُفَسِّر ﵀: [فلولا الشمس ما عُرف الظلُّ]، المراد بالظلِّ هنا الَّذِي يأتي من اللَّه ، ليس ظلّ الأنوار حيث يضع الإنْسَان له كشَّافًا، ويَكُون له ظِلال؛ لِأَنَّ هَذَا الظلّ الَّذِي يَكُون من مصباحي أنا ومصباحك أنت هَذَا ظِلٌّ نسبيّ، حتى ظِلّ الشاخِصِ إذا جَعَلْناه هو الأنوار؛ لِأَنَّهُ ليس المقصود معرفة الظل الَّذِي يَكُون بمجرَّد تسلط ضوء على جسمٍ، المراد الظلُّ العامُّ الَّذِي يعمُّ كلَّ النَّاس، وهذا لا يمكِن إلا بِجعلِ الشمسِ وحدَها هي الدليلَ عليه، لكِن قد يقول قائل: القمرُ أيضًا دليل عليه؟ فنقول: إن نور القمر

стр. 189

مستفادٌ من نورِ الشمسِ، وليس مستقلًّا بالإضاءة، فالَّذِي يدل على الظلِّ أصلًا هي الشمس. قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ جَعْلُ الشَّمْس دليلًا عَلَى الظلِّ فِيهِ دليلٌ ليسَ عَلَى مجرَّدِ وجودِ الظلِّ، بل دليل عَلَى ما فِيهِ من المصالحِ، وَهِيَ أَيْضَا مدلولٌ عَلَيْهَا به، فالشَّمْس الآنَ يُستدَلُّ بها عَلَى ما في الظِّلّ مِنَ المصالحِ، ويُستدَلُّ بالظِّلّ عَلَى ما فِيهَا من المصالحِ أَيْضًا؛ لأنَّ غُيُوبَ الشَّمْسِ عنِ الْأَرْض قد يؤثِّر، وبقاءَها دائمًا عَلَى وجهِ الْأَرْضِ قد يؤثِّر، مثل قول اللَّه : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢]، فكونُ هَذَا دليلًا عَلَى هَذَا، وهذا دليلًا عَلَى هَذَا؛ هو أَيْضًا من رحمةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَولَا الشَّمْس ما عَرَفْنَا فائدةَ الظِّلِّ، ولولا الظِّلّ ما عرفنا فائدة الشَّمْس، فكلٌّ منهما في الحقيقةِ دالٌّ ومدلولٌ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أي الظِّلّ الممدود إِلينا ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ خفيًّا بطُلُوعِ الشَّمْسِ]. قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ هل المرادُ باليَسِير هنا صفة للفعل، يعني أَنَّ قَبْضَنَا إيَّاه يَسيرٌ علينا؛ كَقَوْلِهِ : ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، أو أن المراد بقولِه: ﴿يَسِيرًا﴾ يَعْنِي أن القبضَ كَانَ شَيْئًا فشيئًا؟ الأخير أظهرُ، وهو المتبادَرُ؛ أن اللَّه تَعَالَى قَبَضَ هَذَا الظِّلَّ قبضًا يسيرًا، شَيْئًا فشيئًا، وهو مُنْطَبِقٌ عَلَى كلِّ التفسيراتِ السابقةِ.

стр. 190

إِذَا قُلْنَا: الظِّلّ ما بَيْنَ طلوعِ الفجرِ أو ما بَيْنَ وقتِ الإسفارِ إِلَى وقتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ يُقْبَضُ هَذَا الظِّلُّ شَيْئًا فشيئًا، لا يزال النورُ يَسْطَعُ تدريجيًّا حَتَّى تطلع الشَّمْس. هَذِهِ وَاحِدةٌ. إِذَا قُلْنَا: المراد به الليلُ؛ فَهُوَ أَيْضًا يُقْبَضُ شَيْئًا فشيئًا، يَعْنِي لا يَكُون الليل فِي هَذَا اليومِ اثني عشْرة ساعةً، ويَكُون تسع ساعاتٍ في اليومِ الَّذِي يَليهِ، وإنَّما يُقْبَضُ شَيْئًا فشيئًا. كَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: إن المرادَ بِالظِّلِّ ظِلُّ الشاخِصِ، فَهُوَ نفسُ الشَيْءِ، إنَّما يَتَنَاقَص شَيْئًا فشيئًا, وليسَ في الآيةِ إشكالٌ سِوَى قولِهِ: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، ﴿إِلَيْنَا﴾ هَذِهِ الغايةُ فِيهَا إشكالٌ؛ لأنَّهُ كَانَ من المُمْكِن أنْ يُقْتصَر عَلَى قولِه: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما الحِكْمَةُ من هَذِهِ الغايةِ في قوله : ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾؟ بعضهم يَرَى أنَّ الضميرَ في قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ أي الشَّمْس، باعتبارها دليلًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾، أي: قبضنا هَذَا الدليلَ ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. وعلى كلِّ حالٍ يوجد احْتِمَالٌ أنَّ المرادَ مِن جَعْلِ الغايةِ إِلَى اللَّهِ إشارة إِلَى أنَّهُ هو المتصرِّف به، وأنه لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَتَصَرَّفَ بخلافِ ذلكَ. ويوجد احْتِمَالٌ أَنَّهُ يُجْعَل المراد بقولِه: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يَعْنِي الدليل، أي الشَّمْس، ويَكُون المراد بالقبضِ إليه ما أشارَ إليه النَّبيُّ ﵊ في قولِه في حديث أبي ذَرٍّ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ" (١).

стр. 191

ويوجد احْتِمَالٌ ثالثٌ ذَهَبَ إليه الزَّمَخْشَرِيُّ (١)، وَقَالَ: إنَّ المرادَ بالقَبْضِ هنا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ بقولِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ١ - ٢]، وإنَّ المرادَ به قَبْضُ هَذِهِ النيِّرات؛ الشَّمْس وغيرها يوم القيامة، وجَعَلَ اليسيرَ لَيْسَ صفةً للقبضِ، يَعْنِي أنَّهُ يَكُون شَيْئًا فشيئًا، بل هو صفة للفِعل؛ لِفِعل اللَّه، يَعْنِي أنَّهُ يسير عليه كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، لكِن الأخير بعيدٌ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يَمْتَنّ بذلكَ عَلَى أمرٍ يُدرِكُ النَّاسُ فائدتَهُ في الدُّنْيا، وتمام قُدْرة اللَّه تَعَالَى فِيهِ، فيَكُون عَلَى هَذَا إمَّا أنْ يقالَ: إن الغايةَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ إشارة إِلَى أن ذلك من تَصَرُّفِه وحدَه، وأن الأمرَ إليه وحدَه، لا إِلَى غيرِهِ، فيَكُون دليلًا عَلَى عَظَمَة اللَّهِ ، أو أنَّ المرادَ بالقَبْضِ إليه أنَّ الشَّمْسَ تُقْبَضُ إِلَى اللَّهِ، بمعنى أنها تَذْهَب وتسجُد تحتَ العرشِ؛ كما جاء به الحديثُ عن النَّبيِّ ﷺ (٢). من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: تَقريرُ الْإِنْسَانِ بالنِّعَم الَّتِي يُشاهِدُها؛ لِقَوْلِه : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَة الثَّانية: إثباتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّه ؛ لِقولِه: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، والربُّ هو الخالِق المتصرِّفُ. الْفَائِدَة الثالثة: بَيان كمالِ قُدْرة اللَّه ورحمته بِمَدّ الظّلِّ، وجعل الشَّمْس دليلًا عليه، وقبضه قبضًا يَسيرًا، بهَذه الأمور الثَّلاثَةِ. الْفَائِدَة الرابعة: إثبات الاستدلالِ بالشَيْءِ عَلَى الشَيْءِ.

стр. 192

الْفَائِدَة الخامسة: الاستدلال بالشَيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وبِضِدِّهِ يُعْرَفُ الضِّدّ، ويقولُ بعضهم (١): وَبِضِدِّهَا تَتبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ وذلك في قولِه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. وقولنا: الاستدلال بالشَيْءِ عَلَى ضِدِّهِ مُرادنا النِّعَم، ففيه معرفة قَدْر النعم بمعرفة ضِدِّها، وأن الْإِنْسَان يستدلّ عَلَى مقدار هَذِهِ النعمة بِضِدِّها. الْفَائِدَة السادسة: إثباتُ مَشيئة اللَّه؛ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. الْفَائِدَة السابعةُ: أنَّهُ يَنبغِي للإنْسَانِ ألَّا يَجعلَ النِّعم أمورًا عاديَّةً لا بدَّ منها، بل يُقَدِّرها بِضِدِّها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، فإذا قَالَ الْإِنْسَان مثلًا: طلوع الشَّمْس عَلَى هَذِهِ الْأَرْض وغروبها عنها أمرٌ مُعتادٌ، نقول: نعم، هو أمرٌ معتادٌ، مِن أجلِ كونِه مُعتادًا لا يُحِسُّ الْإِنْسَان بأنه نِعمة، لكِن قَدِّر هَذَا الشَيْء بضده ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾، إنَّ خروجَ النَّفَسِ من جسم الْإِنْسَان أمرٌ معتادٌ، ولهذا لا يُحِسُّ الْإِنْسَانُ بِقَدْرِ هَذِهِ النعمةِ، لكِن قَدِّر أن اللَّه لو شاء اللَّه لحَبَسَهُ، وحينئذٍ يَتبيَّن قَدْرُ النعمةِ. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ يَنْبَغِي أن يُجعَل هَذَا قاعِدَة لنا فِي كلِّ النِّعَم المعتادة الَّتِي نحنُ عِشنا عَلَيْهَا واعتدناها؛ فإننا لا نشكُّ بكونها نعمًا، لكِن علينا أن نقدِّر ضِدَّها حَتَّى نعرِفَ بذلك قدرَ نعمةِ اللَّه بهَذِهِ النعمِ المعتادَةِ. الْفَائِدَتان الثامنة والتاسعة: إثبات رحمة اللَّه بوجود هَذِهِ النِّعم، لكنْ تنبيه الْإِنْسَان عَلَى الشكرِ إِنَّمَا يَكُونُ بذِكر ضدِّ هَذِهِ النعمِ.

стр. 193

الْفَائِدَة العاشرة: فائدة الالتِفَات، وَهِيَ تغيير الأسلوبِ لِتَنْبِيهِ المخاطَبِ؛ لقولِه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. * * *

стр. 194

الآية (٤٧) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا كاللِّباسِ ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحةً للأبدانِ بِقَطْعِ الأعمالِ، ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ منشورًا فِيهِ لِابتغاءِ الرزقِ وغيرهِ]، هَذَا أَيْضًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتيَ بها إلَّا اللَّه. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ (اللام) للتعليلِ، أي: مِنْ أجْلِكم، جعل مِنْ أجْلِكم الليلَ لِباسًا، ومعنى لِباسًا ساترًا كاللّباس، وذلك لظلامِهِ، ولهذا الْإِنْسَان ربَّما يخرُج في الليلِ بثيابٍ لا يستطيعُ أنْ يخرجَ بها في النهارِ، فربما يخرج بثياب ليأتيَ بحوائجَ في الليلِ لا يستطيعُ أن يخرجَ بها في النهارِ؛ لِأَنَّ الليلَ يَستُر، فَهُوَ لِبأسٌ، وهل هو لِباسٌ للأرضِ أو لبأسٌ لنا؟ للجميعِ؛ لِأنَّهُ يكسو الْأَرْضَ ويكسو الْإِنْسَانَ في الواقعِ، فَهُوَ كاسٍ للأرضِ وكاسٍ أَيْضًا للإنْسَانِ. وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ السَّبْتُ بمعنى القَطْع، والمُفَسِّر فسَّره بالراحةِ، وهو من باب تفسيرِ الشَيْءِ بلازمهِ، وإلَّا فَهُوَ قطعٌ لِتَعَبِ البدنِ، ولذلك يُكسِب البدن راحة، ففيه هَذِهِ الْفَائِدَةُ العظيمةُ؛ أنَّهُ يَقطَع التعبَ السابقَ، وليس كما قَالَ المُفَسِّر: [بقطع الأعمالِ]، وقصده ﵀ أنَّ الْإِنْسَانَ إذا نامَ لا يعمَل، هَذَا وجهٌ كونه سُباتًا،

стр. 195

ولكننا نقول: لَيْسَ كَذَلِكَ، لَيْسَ قطعًا للأعمالِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قد يَقطَع أعمالَه وهو يَقْظَان، أي مع وجودِ الصحوِ واليقظةِ، ولكنَّه يقطع التعبَ كما هو مشاهَد، فالْإِنْسَان يَكُون مُتْعَبًا ثم ينام، فإذا نام انتقضَ تعبُه، فَهُوَ في الحقيقةِ قطعٌ للتعبِ الماضي وتجديدٌ للنشاط المستقبَلِ. قوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ يَعْنِي محلًّا للنشورِ، ولهذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [منشورًا فيه] يَعْنِي أنَّ النهارَ مَحَلُّ النشورِ وابتغاء الرزقِ، وغيره من الأعمالِ، وهذا من نعمةِ اللَّهِ ، ولا يرد عَلَى هَذَا ما نحن فِيهِ اليومَ منْ كونِ الليلِ لَيْسَ لِباسًا؛ لِأَنَّ هَذَا أمرٌ طارئٌ بسَبَبِ الأنوارِ المُحْدَثة الَّتِي صَنَعَها الْإِنْسَانُ، هَذِهِ الأنوارُ لو فاتتْ لعادَ الظَّلَامُ عَلَى الْأَرْضِ، ثم إنَّ هَذَا النور والإضاءة الَّذِي يمنع كون الليل لباسًا لَيْسَ بعامٍّ في الواقعِ، بل هو أمرٌ نِسبيّ، ثمَّ هو أَيْضًا ضعيفٌ لا يَشمَل الظِّلّ، فالظِّلّ الَّذِي يحدث ضَوْء هَذِهِ الشَّمْعَة مَثَلًا يَكُونُ أسودَ لِباسًا. وكَذَلِكَ أيْضًا قوله : ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لا يرد عليه بعض الحالات الطارئة؛ كالحرَّاس مَثَلًا، فالحراس ينامونَ بالنهارِ وبالليلِ، فهم يَعْمَلُون، لكِن هَذِهِ الأمور نادرةٌ، والنادرُ لا يقطَع القواعد، فالقواعد لا يمكن أن تَنخرِم بالأمور النادرة، إنَّما الكَلام عَلَى العامِّ. هَذَا أَيْضًا مِن نِعمَة اللَّهِ ، فهل أحد يستطيعُ لو لم يجعلِ اللَّهُ الليلَ أنْ يأتيَ بالليلِ؟ لا أحد يستطيع، يَعْنِي لو اجتمعَ الخَلْق كلُّهم من أوَّلهم إِلَى آخِرِهم بجميعِ صنائِعِهِم ما استطاعوا أنْ يأتوا بن صفِ ليلٍ ولا بساعةٍ من ليلٍ، كَذَلِك أَيْضًا النومُ، هل يستطيع أحدٌ أنْ يُنَوِّمَ أحدًا؟ أبدًا لا يستطيع، وحبوب النوم هَذِهِ لا ترد علينا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يُعطِي حُبوب النَّوم، ويقول: أنا استطيع أن أُنَوِّم الْإِنْسَان

стр. 196

بإعطائِهِ جرعاتِ النوم، نقولُ: هَذَا مِثل الَّذِي قَالَ لإِبْراهِيمَ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فإن هَذَا الَّذِي يُعطِي جُرعات النوم لَيْسَ هو الَّذِي ينوِّم، وإنما يفعل السَّبب الَّذِي يَكُون به النومُ، أرأيتَ لو أن اللَّه تَعَالَى جعلَ هَذَا الجسمَ غيرَ قابلٍ للنومِ، هل تستطيع هَذِهِ الجرعات أن تنومه؟ لا، إذَن فالنوم لا يستطيع أحد أبدًا أنْ يأتيَ به إِلَى بدنِ الْإِنْسَانِ، وحتى لو أتَى به مثلًا فقد يأتي به ولا يَكُون قاطعًا للتَّعَبِ، ولهذا امتنَّ اللَّهُ به عَلَى العبادِ، وهو أمر لا يستطيع أحدٌ فِعْلَه. كَذَلِك جَعَلَ النهارَ نشورًا، مَن يَستطيعُ أنْ يَخْلَعَ هَذَا اللِّباس؛ لباس الليل، حَتَّى يَكُون الإسفار وينتشر النَّاس في مَصالحِهِم؟ الجواب: لا أحدَ يستطيعُ سِوَى اللَّهِ ، ولهذا امتنَّ اللَّه عَلَى عِبَادِهِ بهَذِهِ الأمورِ الثَّلاثَةِ؛ بالنومِ والليلِ والنهارِ. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ اللَّه جَعَلَ الليلَ لِباسًا، وجعلَ النهارَ نُشُورًا، وجعلَ النومَ سُباتًا، مَحَلّ النوم هل هو في الليلِ أوْ فِي النهارِ؟ الأَصْلُ أنَّهُ في الليلِ، لكنْ قد يَكُونُ في النهارِ أيضًا، فقد يَتْعَب الْإِنْسَانُ في النهارِ وينام ثم يَستريح؛ كوقت القائلةِ مثلًا, ولذلك لا يقول قائلٌ: إنَّ اللَّه ذَكَرَ نعمتينِ في الليلِ ونعمةً وَاحِدةً في النهارِ، بل نقولُ: إن اللَّه ذَكَرَ في الليلِ نعمةً، وهو كونه: ﴿لِبَاسًا﴾، وَفِي النهارِ نعمةً، وهو كونه: ﴿نُشُورًا﴾، وجعل في النوم مطلقًا نعمة، وهو أنَّه سباتٌ، يَعْنِي قاطعًا للتعَبِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل النوم بكل أنواعِه قاطعٌ للتعَبِ؟ نقول: نعم النومُ الطبيعيُّ الَّذِي من خِلقةِ الْإِنْسَان، فأمَّا النومُ الَّذِي يحدُث بسَبَب المرضِ -لأنَّ الْإِنْسَانَ قدْ يمرضُ فيكثر معه النومُ- فالظاهرُ أنَّهُ لا يدخلُ

стр. 197

فِي الآيَةِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعض النَّاس لا يَرتاح إذا نامَ بعد الفجرِ؟ الجواب: الظاهر أَنَّهُ أمرٌ نِسبيٌّ، وبعض النَّاس يرتاح له كثيرًا، وأنا إذا لم أَنَمْ قبل أنْ آتيَ ما استطعتُ أنْ أعملَ، ولكنت أنام دائمًا، مثلَما جَرَّبناه فيما سبقَ، والنوم يتعب أكْثَر ما يتعب إذا كَانَ الْإِنْسَان مُمتلِئَ البَطْنِ، فإذا نامَ ممتلئَ البطنِ فيمكِن أنْ يَتْعَبَ، لكِن الكَلام عَلَى العمومِ من حيثُ هو. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل النوم فِي بعض الأوقاتِ مكروهٌ؟ شرعًا لا أدري إِلَّا أنْ نقولَ: يُكرَه النوم قبلَ صلاةِ العشاء؛ لسَبَبٍ شرعيٍّ، لا سَبَب جِسميّ، وأمَّا نوم العصرِ فهم يَقُولُونَ قول الشاعرِ (١): أَلا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ... خَبَالًا وَنَوْمَاتُ الْعُصَيْرِ جُنُونُ وهذا لَيْسَ بصحيحٍ، كثيرٌ مِنَ النَّاسِ ينامون بعد العصرِ باستمرارٍ، ولم يصابوا بجنونٍ، ولا قِيلَ: إنهم مجانين، وإذا أشغلَ عن ذِكْرٍ يمكن أن يَقضيَه الْإِنْسَان، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أحيانًا لا يستطيع أن ينامَ فِي نصف النهارِ، وأيضًا لا يستطيع أنْ يبقَى إِلَى الليلِ، فلا بدَّ أنْ ينامَ بعدَ العصرٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: حديث: "قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ" (٢) هل هو صحيحٌ؟ ما أَظُنُّه حَديثًا، والظاهرُ أَنَّهُ حديث عامَّةٍ، والعوامُّ أَيْضًا يقولونَ: (أَقِلْ فإنَّ الشياطينَ لا تَقِل) فيحذفون الياء.

стр. 198

الآية (٤٨) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. * * * هَذِهِ الآيةُ فِيها عِدَّة قراءاتٍ: أولًا (الرياح) فِيهَا قراءتانِ سبْعِيَّتانِ، والدليل أن المُفَسِّر ﵀ إذا قَالَ: وَفِي قراءة، فهي سَبْعِيَّة، وإذا قَالَ: وقُرِئَ فهي شاذَّة، ففيها قراءتانِ: (الرياح) و (الريح) (١)، وبهذا نَعْرِف أن ما اشتهر من قولهم: إن الريح لا تكونُ إِلَّا فِي العذابِ، والرياح تكون فِي الرَّحمةِ، لَيْسَ عَلَى إطلاقِهِ، وأنه قد يُؤتَى بالرِّيحِ مُفْرَدًا فِي ريحِ الرَّحمةِ، لَكِنَّهُ له قَرينة، فهنا لما قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ عَرَفْنَا أنها ريح رحمةٍ، وكَذَلِك قولُه : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ ماذا بعدَها ﴿طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، هَذِهِ ريح رَحْمة، لكنها وُصِفَتْ، فأمَّا عند الإطلاقِ فالغالبُ أن الريحَ للعذابِ. وقوله: ﴿بُشْرًا﴾ فِيهِ عدة قراءات: أوَّلًا (نُشُرا) بضم النون والشين، ومعنى نُشُرًا يقول المُفَسِّر ﵀: [مُتَفَرِّقة]، يَعْنِي أنها تكون أحيانًا جنوبًا، وأحيانًا شمالًا، وأحيانًا غربًا، وأحيانًا شرقًا، وبهذا التفرُّقِ يَتَوَلَّد السَّحاب ثم المطر. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وفي قراءةٍ بسكونِ الشينِ تخفيفًا: نُشْرًا]، وقوله (تخفيفًا)

стр. 199

يَعْنِي أنها لا يتغير بها المعنى، وإنما تُسَكَّنُ للتخفيفِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وفي أُخْرَى بِسُكُونِها وفتحِ النونِ مَصْدرًا]، (نَشْرًا) حينئذٍ يَتَغَيَّر المعنى. (نُشُرا) و (نُشْرا) معناهما وَاحِدٌ لا يختلف؛ لِأَنَّ التسكينَ للتخفيفِ، لكِن (نَشْرا) يَعْنِي يَنْشُرها نَشْرًا، هَذِهِ مختلِفةٌ، تكون مصدرًا. ثم قَالَ ﵀: [وفي أُخرى: بسكونها وضمِّ الموحَّدة بدل النونِ]، سكون الشين وضمّ الموحدة بدل النون، وَهِيَ (بُشْرًا)، والموحَّدة هي (الباء)، وهَذِهِ هي القراءة المشهورة، ومعنى (بُشْرًا) عَلَى هَذَا أي مبشِّرات، يَعْنِي هي تبشِّر وليستْ مصدرًا وأن اللَّه يبشِّر بها، وإنما هي نفسها بُشْرًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ومفرد الأُولى نَشُور؛ كرسول]، الأُولى "نُشُرًا" كرَسُول ورُسُل، ورسول ورُسْل، هَذَا مُفرد الأولى ما لم تكنْ مصدرًا، وَهِيَ "نَشْرًا"، فإن كَانَ مصدرًا فهي مفرد وليست جمعًا، والأخيرة "بُشْرًا" يقول المُفَسِّر ﵀: [والأخيرة مفردها بَشير]، صارت القراءات فِي هذه الكلمة أربعًا: "نُشُرًا" و"نُشْرا" و"نَشْرا" و"بُشْرا" (١) وهذا من إعجاز القُرْآن. وفائدةُ اختلافِ القراءاتِ أنْ يُؤخَذَ من كلِّ قراءةٍ معنًى، وعلى هَذَا فتكونُ الرياحُ الآنَ جامعةً بَيْنَ كونِها بِشارةً وكونِها منشورةً متفرِّقة بَيْنَ يَدَي المَطَرِ. وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ المراد بالرَّحمةِ هنا المطرُ، أو آثارُه، وهَذِهِ رحمةٌ مخلوقةٌ، لِأَنَّ الرَّحمةَ المضافةَ إِلَى اللَّه تَنقسِم إِلَى قسمينِ؛ رحمة هي صِفَتُه، فهي غيرُ مخلوقةٍ، ورحمةٌ هي من آثارِ الصِّفةِ، فهي مخلوقةٌ، فقوله للجنَّة:

стр. 200

"أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١) هذه مخلوقة، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، هذه الصِّفة الَّتِي ليست مخلوقة. فإذَن الرَّحمةُ المضافةُ إِلَى اللَّهِ تَنقسِم إِلَى قِسمينِ؛ مخلوقة، وسُمِّيَتْ رحمةً لِأَنَّهَا من آثارِ الرَّحمةِ، وغير مخلوقةٍ، وَهِيَ صِفَتُه، والَّتِي معنا فِي قوله: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ هل هي المخلوقة أو غير المخلوقة؟ يَحتمِل أنَّ قولَه: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ معناه إذا أرادَ أنْ يَرْحَمَ، فتكون من غير المخلوقةِ، ويَحْتَمِلُ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ بَيْنَ يَدَي المَطَرِ نفسِه، فتكون الرَّحمة هنا مخلوقةً؛ لأنَّ إِطلاقَها عَلَى المَطَرِ يَقتَضِي ذلكَ، والمُفَسِّر ﵀ فَسَّرَها عَلَى أنها الرَّحمة المخلوقةُ؛ لأَنَّهُ قَالَ: [قُدَّامَ المَطَرِ]. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ من المعروفِ أنَّ الَّذِي يَكُونُ به المطرُ بإذنِ اللَّهِ هي الرِّياحُ الجَنُوبِيَّة، ولذلك يَقُولُونَ لنا: إنَّ الأوَّلينَ مِن آبائنا وأَجدادِنا إذَا هَبَّتِ الرِّيحُ الجنوبيَّة أَوْضَعُوا السواني وقالوا: الآن يأتي المطرُ، ولا حاجةَ لِأَنْ نَسْقِيَ الزرعَ، وكأنه شَيْءٌ مُعتادٌ عندَهم. قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي مِنَ السحابِ؛ لِأَنَّ كلَّ ما عَلاكَ فَهُوَ سماءٌ، ولا شكَّ أن المطرَ إِنَّمَا يَنزِلُ مِنَ السحابِ، فيَكُون المراد بالسماءِ هنا العُلُوّ. وقوله: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ يَعْنِي به المطر، و (الطَّهور) بفتح الطاء هو ما يُتَطَهَّرُ به، أو ما تَحْصُلُ به الطهارةُ، وأمَّا (الطُهور) بِضَمِّها فَهُوَ التطهُّر. هنا يقولُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وقبلَها: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾، ففيه من علمِ البَديع

стр. 201

ما يُسَمَّى بالالتفاتِ، وفائدتُه -كما مرَّ كثيرًا- تنبيهُ المخاطَبِ؛ لأنَّ تَغَيُّرَ الأسلوبِ يُوجِب التنبُّهَ، وفيه أَيْضًا العنايةُ بما حَصَلَ الالتفات إليه؛ لِأَنَّهُ احتاجَ إِلَى أنْ يُنبَّهَ بهذا الالتفاتِ إليه، ولَا شَكَّ أنَّ إنزالَ المطرِ هو المقصودُ من إرسالِ الرِّياح ولذلك جاء الالتفاتُ إليه بصورةِ المتكلِّم ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كلمة (نا) للوَاحِد أو للجَماعَة؟ تصلح للوَاحِدِ المعظّم نفسه، وَهِيَ هُنَا كَذلكَ. * * *

стр. 202

الآية (٤٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ بالتخفيفِ، يَسْتَوِي فِيهِ المذكَّر والمؤنَّث، ذَكَّرَهُ باعتبارِ المكانِ، ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ أي الماء ﴿مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ إِبِلًا وبَقَرًا وغَنَمًا، ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ جمع إنْسَانٍ، وأصلُه أَنَاسِين، فأُبْدِلَتِ النونُ ياءً وأُدغِمَتْ فِيهَا الياءُ، أو جمع إِنْسِيٍّ]. ذكر اللَّه من فوائد هَذَا المطر فائدتينِ: أَوَّلًا: إحياء البَلْدَةِ المَيْتَة؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ولم يقل: ميتة، والمُفَسِّر ﵀ يقول: [بالتخفيف، يَستوي فِيهِ المذكَّرُ والمؤنَّثُ باعتبار المكانِ] كذا عندي، لكِن الصواب أن يقال: (أو ذَكَّرَه باعتبارِ المكان)؛ لِأَنَّهُ إذا استوى فِيهِ المذكَّر والمؤنَّث لا يَحتاج إلى أن نُعَلِّلَ أَنَّهُ ذُكر باعتبارِ المكانِ. فنقول: الصواب أن يقالَ: "أو ذكَّره باعتبار المكان"، فكلمة (ميتًا) إذا كَانَ يستوي فِيها المذكَّر والمؤنَّث صار قولك ميتًا أو ميتةً عَلَى حدٍّ سواء، وَأَمَّا إذا قُلْنَا: إِنَّهُ للمذكَّر فحينئذٍ نحتاجُ إِلَى الجوابِ عن كونِه وُصِف بِهِ مؤنَّث (بلدة) فيقول ﵀: [إِنَّهُ ذكَّره باعتبار المكان].

стр. 203

قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ (الباء) هنا للسَبَبيَّة، والمحيي هو اللَّهُ، ولكنَّ المطرَ سَبَبٌ. وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ وَصْفُ البلدةِ هنا بالمَيْت هل المراد نفسُ الْأَرْضِ تكونُ ميتةً أو ما عليها؟ الجواب: ما عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْفَائِدَة مِنَ الْأَرْضِ هي ما عَلَيْها والَّذِي ترعاه الإبل والبقرُ والغنمُ هو ما عَلَى الْأَرْض، فإنها لا تأكل الترابَ والحَصَى، فإحياؤها باعتبارِ ما فِيها أَنَّهُ يَحْيَا وينمو ويكبر، فنفس الْأَرْض لا يدخلها الحياة والمَوْت، نفس الْأَرْض يَعْنِي الأحجار والطِّين لا يدخلها الحياة والمَوْت، إِنَّمَا تدخل الحياة والمَوْت ما فِيهَا، ولهذا قَالَ فِي آية أخرى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، والاهتزاز والرُّبُوُّ إِنَّمَا يَكُون فيما عَلَيْهَا، أمَّا هِيَ فلا تَهْتَزُّ. قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ أنزلَهُ لِيُحْيِيَ بِهِ البلدةَ، فيَقتضِي هَذَا التعليلُ أَنَّهُ ما منْ قطرةٍ تَنزِلُ مِنَ السماءِ إِلَّا ويَحْصُلُ بِهَا حياة الْأَرْض، وإلَّا لَفَسَدَتِ العِلَّة، ولكن يقالُ: هَذَا سَبَبٌ، والأَسْباب قد تَتَخَلَّف لوجودِ الموانِعِ، وقد لا تؤثر لوجودِ الموانعِ، فذنوب بني آدمَ من موانعِ إحياءِ الْأَرْضُ لو نزلَ المطرُ، ويَكُون هَذَا أشدَّ وأَنكَى وأبلَغَ فِي التذكُّرِ؛ إذا نزل المطرُ ولم تُنْبِتِ الْأَرْضُ، ولهذا جاء فِي الحديث: "لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا" (١). وهذا هو الصحيحُ، أحيانًا تأتي أمطارٌ كثيرةٌ ولا تجد حياةً فِي الْأَرْض، وأحيانًا تأتي أمطار قليلة وتَحْيَا بِها الْأَرْضُ حياةً طيِّبةً، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أن هَذَا المطرَ سَبَبٌ لحياةِ الْأَرْضِ، ولكن الأَسْباب قد تَتَخَلَّف مُسَبَّبَاتُها لوجودِ الموانِعِ.

стр. 204

قوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ هذه فائدةٌ أُخْرَى لِلْمَطَرِ؛ أَنَّهُ يُسقَى بِهِ الأَنْعامُ والنَّاسُ، لكِن كيف ذلكَ؟ هل هو بالغُدرانِ الَّتِي تَبْقَى عَلَى وجهِ الْأَرْضِ، أو أن هَذَا الماءَ يُخْزَنُ فِي الْأَرْض، أو بهما؟ بهما جميعًا؛ لأنَّ سَقْيَ المطرِ يَكُونُ عَلَى هذينِ الوجهينِ؛ إما غدران تكون فِي قِيعانٍ لا تشرب فيَنْتَفِع النَّاس بِهَا، وإمَّا أنَّ الْأَرْضَ تشربه ويُحْزَن فِيهَا؛ كما قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، بل الَّذِي يَخْزُنُهُ اللَّه . قوله: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ هنا قَالَ: ﴿أَنْعَامًا﴾، وما قَالَ: أَنْعامًا كثيرةً، والأناسِيُّ قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ وَفِي هَذَا التعبيرِ إشكالانِ: الإِشْكال الأوَّلُ: لمِاذا وصفَ الأناسيَّ بالكثيرِ ولم يَصِفِ الأَنْعامَ بالكثيرِ؟ الإِشْكال الثَّاني: أننا نعلمُ أن اللَّه تَعَالَى يَسقِي بهذا الماءِ كلَّ الأَنَاسِيّ، فكلُّ النَّاسِ يشربونَ منه، فلماذا قَالَ: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، يَعْنِي كأنه يُفهم أنَّ مِنَ الأناسيِّ من لا يُسقَى بماءِ المطرِ، فما هو الجواب عن الإِشْكال الأول: وصف الأناسيّ بالكثرةِ دونَ وَصف الأَنْعامِ؟ إِذَا قُلْنَا: إن ﴿كَثِيرًا﴾ صفة للأناسيّ والأَنْعام زالَ الإِشْكالُ، وقد يقال -واللَّهُ أَعْلَمُ -: إن بعض الأَنْعامِ لا يحتاجُ إِلَى الماء حَسَب ما نَسمَع، وبعضها لا يحتاج إِلَّا قليلًا جدًّا، فهناك أشياءُ كثيرةٌ يَعُدُّونها علينا يقولون: لا تَحتاج إِلَى ماءٍ، أو إذا شَرِبَتْ لا تشربُ إِلَّا قليلًا جِدًّا، تقريبًا مرة فِي السنة، فإذا صحَّ هَذَا فَهُوَ من الحِكْمَةِ، قد يَكُون هَذَا من الحِكْمَةِ بعدمِ وصفها بالكثرةِ. لكِن يَبْقَى عندنا الإِشْكالُ الثَّاني فِي قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ مع أن جميع الأناسيّ يشربون؟ ممكن أن نقول: إن اللَّه يبيِّن أن الأناسيَّ كثيرون، ولا يلزم

стр. 205

من هَذَا أن بعضهم لا يذكر وأن تكون هذه الكثرة كثرة شاملة، مثلما تقول: الجُنْد كثيرون، أو عند الأمير جُنْدٌ كثيرٌ، كلمة (جُند كثير) تَشْمَل جميع الجنود وتصفهم بالكثرةِ، و (أناسيّ) أَيْضًا تَشمَل جَمِيع النَّاسِ وَتَصِفُهم بِالْكَثرةِ. إذَنِ الإِشْكالُ الَّذِي يَتبادَرُ فِي الأوَّل نتخلص منه بأن نجعلَ (كثيرًا) صفة للأمرينِ؛ أَنْعامًا كثيرًا وأناسيّ كثيرًا، وليس كقول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]؛ فإن ﴿كَثِيرًا﴾ لا تَصِحُّ أنْ تكونَ صفةً للأمرينِ لِأَنَّهَا مقدَّمة عَلَى النساء، أَمَّا هَذِهِ فيمكن أن يقال بأنها وصف للمعطوف والمعطوف عليه، وأمَّا ﴿كَثِيرًا﴾ فَإِنَّهُ لبيان الواقع وليس لإخراج البعض، ونَظيرُهُ فِي التمثيل -كما تَقَدَّمَ- أن تقولَ مثلًا: عندَ الأميرِ جُنْدٌ كثيرٌ، أو خرج إِلَى العدوِّ جيشٌ كثيرٌ، فَهُوَ وصفٌ له بالكثرةِ، يَعْنِي أناسي لَيْسُوا بالقليلينَ، فهَذَا هو المعنى: أَنْعامًا ليستْ قليلةً وأناسيّ لَيْسُوا قليلين، بل كثيرون، ويَكُون هَذَا بيانًا لِشُمُول انتفاعِ الخَلْقِ ناطقهم وبَهِيمهم بهذا الماء؛ أَنْعامًا كثيرًا وأناسيّ كثيرًا. الآن تَوَصَّلْنا إِلَى أنَّ الكثيرَ صِفَة للأَنْعامِ، والأناسيّ بالنسبةِ لكثرةِ الأَنعامِ هل نقول: كثرة الجِنْس والأنواع، أو كثرة الأفراد، أو الجميع؟ نقول: الجميع، وبالنسبة للأناسيّ كثرة الأفراد؛ لِأَنَّ الأناسيَّ جِنسٌ وَاحِدٌ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا ذكر الأَنْعامَ قبلَ الأناسيّ؟ الجواب: الظاهرُ -واللَّهُ أَعْلَمُ- للكثرةِ؛ لِأَنَّهَا أكْثَرُ أنواعًا وأفرادًا، والكَلام عَلَى إفادتها مِنَ المطرِ، فتقديمها لِأَنَّهَا أكْثَرُ. وقد يقالُ: إن إحياءَ الْأَرْضِ لمصلحةِ الْإِنْسَانِ، وسقي الأَنْعامِ لمصلحةِ الْإِنْسَانِ، وسقي الْإِنْسَانِ هَذِهِ لمصلحة نفسِه، فقدّم ما يَكُون انتفاعًا غير مباشرٍ

стр. 206

للإنْسَانِ، ثم أخَّر الانتفاعَ المباشِرَ من باب الأبعدِ فِي المصالح، فالأبعد لِأَنَّ الأَنْعام من مصلحة الْإِنْسَانِ، والْأَرْض إحياؤها من مصلحة الْإِنْسَان، وإحياء الأَنْعام أشدّ مباشرة والتصاقًا بالْإِنْسَانِ من إحياء الْأَرْضِ؛ لأنه كم من أراضٍ تُحْيَى بالمطرِ لا ينالها الْإِنْسَان ولا يَنتفِع بها، بخلافِ الأَنْعامِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إثباتُ الأَسْبابِ؛ لقولِهِ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانيةُ: إرسالُ المُبَشِّرات والمقدِّمات بَيْنَ يَدَي الأشياءِ؛ لقوَّة الرجاء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الثالثة: قُدرة اللَّه فِي إرسالِ الرياحِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرياحَ لوِ اجتمع الخَلْقُ كلُّهم بالتأكيدِ عَلَى أن يأتوا بوَاحِدةٍ منها ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح فِي بعض الأحيانِ تَقتلِع الأشجارَ وتدمِّر المنازلَ، هَذِهِ القوة العظيمة لو أتيتَ بمُوَلِّداتِ الدُّنْيا كلها لِتَخْلُقَ مثلَ هَذَا الهواء ما حَصَلَ هذا. الْفَائِدَةُ الرابعة: حِكمة اللَّه بكونِ المطرِ يَنزِل مِنَ السَّمَاءِ، لو كَانَ هَذَا المطرُ الَّذِي تَحيا بِهِ الْأَرْض يأتي جريًا عَلَى سطح الْأَرْض ما كَانَ فِيهِ هَذَا النفع؛ لِأَنَّهُ لا يصل إِلَى قِمَم الجبال إِلَّا بعدَ أنْ يُغْرِق ما تحتها، لكنَّه إذا نزل من فوق أتى عَلَى قِمَمِ الجبالِ وأتَى عَلَى ما هو أسفلُ منها، وهذا من حِكْمة اللَّه بذلك. الْفَائِدَةُ الخامسة: أن الأَصْل فِي الماءِ الطهارةُ؛ لِقولِه: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ ونحن نعرف الآنَ حَسَبَ ما تَلَوْنَا أنَّ الماء الموجود فِي الْأَرْض كلّه منَ السَّمَاء ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، فإذا كَانَ من السَّمَاء فإن الأَصْل فيما نبع من

стр. 207

الْأَرْض أو فيما نزل من السَّمَاء أنْ يَكُونَ طَهُورًا. الْفَائِدَةُ السادسةُ والسابعةُ: إثبات الحِكمة فِي أفعالِ اللَّهِ؛ لِقولِه: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ وهَذِهِ اللام هي لام التعليل، وهذا دليل من مئاتِ الأدلَّة عَلَى إثباتِ الحِكمةِ، فيَكُون فِيهِ ردّ عَلَى طائفةٍ من طوائفِ المبتدِعَةِ، وهم الجَهْمِيَّة؛ لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أن فعل اللَّه لمجرَّد المشيئةِ، لَيْسَ لعِلَّة؛ فَإِنَّهُ لا يرجِّح شَيْئَا عَلَى شَيْءٍ لحِكمةٍ، إِنَّمَا لمجرَّدِ المشيئةِ، ولا يفعَل شَيْئًا إِلَّا لمجرد المشيئة. ولَا شَكَّ أنَّ هَذَا القَوْلَ مردودٌ بالأدلَّة النقليَّة والعقليَّة؛ لِأَنَّ مَن يفعل لحكمةٍ أكملُ ممَّن يفعل لغيرِ حكمةٍ، وَهُم يَرَوْنَ نفيَ الحِكْمَةِ، يَقُولُونَ: لأنَّ الحِكْمَةَ غَرَضٌ، واللَّه مُتَزَّه عن الأبعاضِ والأعراضِ والأغراضِ، انظُرْ إِلَى حُسْن هَذَا التعبيرِ، فالَّذِي يَسمَع هَذَا التعبيرَ يقول: هَذَا مثل تعبير القُرْآن: منَّزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض، يريدون بالأبعاضِ اليدَ والوجهَ والعينَ، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، ويريدون بالأعراضِ الصِّفاتِ الفعليَّةَ: الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، ويريدون بالأغراض الحِكْمَة؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لو فعل لحكمةٍ لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلبِ الحقائقِ، فإذا فعل لحكمةٍ فَهُوَ دليل عَلَى كمالِه، وأنه لا يفعلُ شَيْئًا سَفَهًا لمجرَّد المشيئةِ. الْفَائِدَةُ الثامنة: جوَاز ذِكْرِ بعضِ الفوائدِ؛ لأنَّ الاقتصارَ عَلَى البعضِ لا يُعَدُّ نَقْصًا؛ فهنا ذكر اللَّهُ من فوائدِ المطرِ فائدتينِ فقطْ؛ إحياء الْأَرْضِ، وسَقْي الأَنْعام والأناسيّ، معَ أنَّ للمطرِ فوائدَ أُخرَى؛ كالتطهُّر بِهِ مثلًا، فالتطهر بِهِ لَيْسَ سقيًا وليس إحياءً للأرضِ، وغير ذلك أَيْضًا من الفوائدِ، لكنَّه لمَّا كَانَ أشدّ ما يَكُون ضرورةً للمطر هو إحياء الْأَرْض بالنباتِ؛ ليأكلَ النَّاسُ والأَنْعامُ، وكَذَلِك السقيُ؛ فالطعام والشراب ضرورة مِن ضرورَّيات الحياةِ بالنسبةِ للأَنْعامِ وبالنسبةِ للناسِ،

стр. 208

فاقتصرَ اللَّهُ عَلَى ذكر هاتينِ الفائدتينِ فقطْ؛ لأنهما هما الفائدتانِ الضرورَّيتانِ الحاصلتانِ بنزولِ المطرِ: إحياء الْأَرْض للنباتِ، والأكلُ والسقيُ للشُّرب. * * *

стр. 209

الآية (٥٠) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي الماءَ ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله (يَتَذَكَّروا) وأُدْغِمَتِ التاءُ فِي الذالِ. وَفي قراءة "لِيذْكُرُوا" بسكونِ الذالِ وضمِّ الكافِ (١)، أي: نعمةَ اللَّهِ بِهِ، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا للنعمةِ حيث قالوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا]. قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ التصريف هنا معناه: صَرَفْتُ الشَيْءَ يَعْنِي غيرته وصرفته عن وَجْهِهِ، يَعْنِي أنَّ اللَّه تَعَالَى غَيَّرَ هَذَا المطرَ بالنسبةِ للناسِ ووَزَّعَه بينهم ما بَيْنَ مُقِلّ ومستكثِر، فمنهم مَن يكثر المطر عنده، ومنهم من يَقِلُّ، هَذَا بالنسبةِ للبَيْنِيَّة، كَذَلِك أَيْضًا صَرَّفه اللَّه بينهم بالنسبةِ لكلِّ أحدٍ، أحيانًا يَكُونُ المطرُ كثيرًا فِي عامٍ وقليلًا فِي عامٍ. وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ المُفَسِّر جعل التذكُّرَ هنا تذكُّر النِّعمةِ فقطْ، ولكن الأصحّ أَنَّهُ أعمّ، ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة اللَّه فيما إذا نزل عليهم، و ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتَّعِظُوا ويذكروا ما هم عليه من المعاصي والآثام فيما إذا لم ينزِلْ، وكَذَلِك أَيْضًا "لِيذْكُروا" بذلك

стр. 210

قدرة اللَّه، حيث صُرِّف فِي محل دون محلٍّ، فالمهم أن تصريف هَذَا المطر فِي محل دون محل أو فِي سنة دون سنة هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ سَبَب لتذكُّر الْإِنْسَان، إمَّا تذكّر النعمة إذا كَانَ ناسيًا، وإما تذكّر النقمةِ ومعاصيه إذا كَانَ ممتنعًا، وإمَّا تذكر القُدرةِ حينما يَعرِف أَنَّهُ فِي مكانٍ يَكُون غزيرًا وَفي مكان يَكُون قليلًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ يَعْنِي امتنعَ أكْثَرُ النَّاسِ عنِ التذكُّرِ ولم يَزِدْهُمْ إِلَّا كُفرًا. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أي أكْثر النَّاسِ أبَى، والأقلّ شَكَرَ وتَذكَّر واتَّعَظَ، ولكن أكْثَر النَّاس أبى إِلَّا أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ ذَكَر المُفَسِّر ﵀ منه مثالًا وَاحِدًا، وهو قولُه: [مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا]، ويُستدَلّ لِمَا مَثَّلَ بِهِ المُفَسِّر ﵀ بقولِ النَّبيِّ ﵊ فِي حديث زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ حينَ صلَّى بهم عَلَى إثرِ سماءٍ كانتْ مِنَ اللَّيْلِ فِي الحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ" (١)، فَهَذَا كُفْرٌ، وكيف يَكُونُ كُفرًا؟ لأِنَّهُ أضافَ المطرَ إِلَى أمرٍ لَيْسَ بسَبَبٍ، وجعل هَذَا من فضلِ هَذَا النَّوْءِ، وليس من فضلِ اللَّهِ ، وهو حرامٌ وكُفْرٌ كما جاء بِهِ الحديثُ. أمَّا لو قَالَ الْإِنْسَان: (مُطِرنا فِي نَوْء كذا)؛ فيجوز لِأَنَّهَا للظرفية، وَأَمَّا (بنوء) فلا يجوز؛ لِأَنَّهَا للسَبَبيَّة، لكِن عند العامَّة -عامتنا هنا فِي نَجْدٍ- يجعلون (الباء)

стр. 211

بمعنى (في)، يَقُولُونَ: مُطِرْنا بالشبط، مُطِرْنا بالمربعانية، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، فهذا لَيْسَ بِكُفْرٍ، نقول: إن (الباء) تأتي للظرفيَّة كثيرًا، وهم يريدون بِها الظرفيَّة، فلا بأسَ به، حَسَب النيَّة. ومِنَ الكُفْرِ بِهَذَا المطرِ مِمَّا لم يَذْكُرِ المُفَسِّر ﵀ أنْ يُجْعَلَ ذلك سَبَبًا للأَشَر والبَطَر، مثلما يَحْصُل من بعضِ النَّاسِ إذا نزلتِ الأمطارُ وكَثُرَتِ الأبيارُ؛ صارتْ سَبَبًا لِأَشَرهِ وبَطَرِه وفُسُوقه، فهَذَا من أسبابِه، ومن أسبابِ الكفرِ أَيْضًا أَنَّهُ إذا امتنعَ المطرُ صار امتناعُه سَبَبًا لِقُنُوطِ الْإِنْسَانِ من رحمةِ اللَّهِ ، والقُنُوط من رحمةِ اللَّهِ من كبائرِ الذنوبِ، وَلَيْسَ بالأمرِ الهيِّن، فلا يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقْنُطَ من رحمةِ اللَّهِ، ولا أنْ يأمَن مَكْرَ اللَّهِ، لا هَذَا ولا هذا. وقوله : ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ فِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن النَّاس يَنقسِمون إِلَى قسمينِ: كافر ومؤمِن، وهو كَذَلِك، لكِن لَيْسَ فِي هَذِهِ النعمةِ فقطْ، بل بجميعِ النِّعَم، فمِن النَّاسِ مَن يُؤمِن بِهَا، ومن النَّاس مَن يَكْفُر باللَّه وبهَذِهِ النِّعَمِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: كَمَالُ القُدرة؛ لِقولِه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانيةُ: ثُبُوتُ الحِكمة للَّه ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ فـ (اللام) للتعليلِ. الْفَائِدَةُ الثالثةُ: بُلُوغ الغايةِ فِي الكُفْرِ من بعضِ النَّاسِ؛ لأَنَّهُ إذا كَانَ اللَّه تَعَالَى يُرِيهم آيةً ليَتَذَكَّروا بِهَا، فلا يزدادون إِلَّا كُفُورا، فهذا -والعياذُ باللَّهِ- فِي غايةِ ما يَكُونُ مِنَ الكفرِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذا لم تَحْصُلْ له الآياتُ فقد يُعْذَرُ بِكُفْرِهِ، لكِن إذا حَصَلَتِ الآياتُ ولم يَنْتَفِعْ صارَ أشدَّ.

стр. 212

الْفَائِدَةُ الرابعةُ: استعمال المؤكِّدات فيما يَنبغي تأكيدُه، نأخذه من القَسَم في قولِه: ﴿وَلَقَدْ﴾؛ لِأَنَّ مثل هَذَا التعبيرِ كما مرَّ كثيرًا يُعتبَر مؤكَّدًا بثلاثةِ مؤكِّدات؛ بـ (اللام) و (قد) والقسم، واللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَائِدَةُ الخامسة: إبطالُ مَذهَب الجَبْرِيَّة؛ لِقَوْلِهِ : ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ فجعل هَذَا باختيارِهِم، أَبَوْا إِلَّا أنْ يَكْفُروا بذلك، وهذا الكفر عامٌّ، يَشمَل كلَّ ما يُتَصَوَّر من أنواعِ الكفرِ، حَتَّى الكفر الأصغرُ، وذلك سَبَب فِي الأَشَر والبَطَر؛ حيثُ يَمْرَحُ النَّاسُ مثلًا ويَفْسُقُون ولا يُؤَدُّون ما أوجبَ اللَّهُ عليهم من صلاةِ الجماعَةِ وغيرِ ذلكَ، فهذا مِن هَذَا النوعِ. * * *

стр. 213

الآيتان (٥١، ٥٢) * * * ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢]. * * *

стр. 214

الآية (٥٣) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. * * * قوله : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ إنِ احْتَمَلَتِ الآيةُ أن يَكُونَ هناكَ شَيْءٌ فاصلٌ لا نَعرِفه نحن؛ لأنَّ الفصلَ هنا بَيْنَ المِلْحِ والحُلْو بذاتِهما، يَعْنِي لَيْسَ أمرًا يَحْجُزُ هَذَا عن هَذَا، إِنَّمَا الفاصل فِي نفسِ الحلاوةِ ونفس المرّ، فليسَ بينَهما شَيْءٌ، إِنَّمَا طبيعةُ هَذَا وطبيعةُ هذَا تَقتِضي أنْ يَنْفَصِل بعضُهما عن بعضٍ، فإذا كَانَ القُرْآنُ استنبطَ هَذَا فهذا لَا شَكَّ أَنَّهُ من أعظمِ الآياتِ أنْ يَكُونَ مثلًا نهر يَمشِي مسافةً طويلةً فِي وسطِ الماءِ المالحِ ولا يَختلِط به. أنا أقول: إنَّ السَبَبَ كثرةُ هَذَا وكثرةُ هذَا، أو مُلُوحة هَذَا وحلاوة هَذَا، لَكِن كَلِمَة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ تدل عَلَى أن الفاصلَ في الحَقِيقَة هي أن حقيقة هَذَا لا تَتَلاءَم معَ حَقِيقَةِ هَذَا، ويَكُون البَرْزَخُ شيئًا ثالثًا بينَهما، فالبَيْنِيَّة تَقْتَضِي طَرَفَيْنِ وشيئًا بينَهُما. على كلِّ حالٍ نقولُ: إذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل هَذَا المعنَى -واللَّهُ أَعْلَمُ- لكِن ليسَ لنَا أنْ نَتَعَدَّى اللفظَ، فِي الحقيقةِ كلمةُ البَيْنِيَّة تَقتضِي أنها ثلاثةُ أطرافٍ؛ اثنان ووسط بينَهما، فإذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل أنْ نجعلَ بينَهما بمعنى: فِي حَقِيقَتَيْهِما وتَكْوِينِهِما؛ لأننا فَهِمنا أن سَبَبَ عَدَمِ البَغْي لَيْسَ شَيْئًا فاصلًا بينَهما، إِنَّمَا حقيقة تكوين هَذَا وهذا،

стр. 215

فقِطعة الثلجِ لا تَستطيعُ أنْ تقولَ: بينها وبَيْنَ الماءِ بَرْزَخٌ، وحقيقةً لَيْسَ بينَهما شَيْءٌ. فَلَوْ قِيلَ: هَذَا من آياتِ اللَّهِ؟ نقول: نحنُ لا نقولُ: هَذَا لَيْسَ من آياتِ اللَّهِ، لكِن الكَلام عَلَى دَلالةِ القُرْآنِ عَلَى هَذَا، فهل لنا أنْ نَتَجَاوَزَ البَيْنِيَّة: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، هل لنا أن نتجاوز هَذَا ونقول: إن البينيَّة هنا كِنايةٌ عن أن حقيقة هَذَا لا تندمِج بهذا؟ من العلماء مَن قَالَ: دخول الأنهارِ فِي البحارِ، لكِن يُشْكِل عليه قوله : ﴿بَيْنَهُمَا﴾، ولهذا ضَعَّفنا هَذَا القَوْلَ، وقُلْنا: هَذَا لا يمكِن. وَفِي الحقيقةِ الَّذِي ينظُر إِلَى كلِمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ هي مانع، أَمَّا كَوْنُهما لا يَختلِطانِ فهذا واضِحٌ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿بَرْزَخٌ﴾ بَرْزَخ هل هو حاجِزٌ حِسِّيٌّ أو مجرَّد قولِه: حاجز يَعْنِي مانعًا، فالمانِعُ قد يَكُونُ مِنَ الشَيْءِ نفسِه، وقد يَكُون من غيرِه؟ فأنت إذا قُلْتَ: بينَك وبينَ صاحِبِكَ حَجَرٌ، أي مكان، فالبحرُ أَيْضًا ماءٌ، فكيف يَكُون بينهما حيز، وَأَمَّا قولُك: بينَه وبينَ فلانٍ مِنَ العِلْمِ، فصحيحٌ؛ لأنَّ العلمَ أصلًا معنًى، لكِن الماء والماء جِسم يَشغَلَانِ حَيِّزًا. على كلِّ حالٍ، أنا لا أستطيعُ أنْ أَجْزِمَ الآنَ، نحنُ نُفَسِّرُ كَلامَ اللَّهِ، فإذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل هَذَا المعنَى الَّذِي تَقَدَّمَ فهذا لَا شَكَّ أَنَّهُ مِن إعجازِ القُرْآنِ، إذا كَانَ كَلِمَة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ تَمْنَع هَذَا الاحْتِمَالَ، ونقول: إن البَرْزَخِيَّة هنا فِي الحقيقةِ تَقتضِي شيئًا ثالثًا غيرَ البحرينِ، نحن نقولُ: الحمدُ للَّهِ هَذَا الَّذِي اطّلَعْنَا عليه بالعلمِ يَكُونُ من آياتِ اللَّهِ وإنْ كَانَ القُرْآنُ لا يَدُلُّ عليه.
следующие страницы →