الآية (٥٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣].
* * *
قوله : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ إنِ احْتَمَلَتِ الآيةُ أن يَكُونَ هناكَ شَيْءٌ فاصلٌ لا نَعرِفه نحن؛ لأنَّ الفصلَ هنا بَيْنَ المِلْحِ والحُلْو بذاتِهما، يَعْنِي لَيْسَ أمرًا يَحْجُزُ هَذَا عن هَذَا، إِنَّمَا الفاصل فِي نفسِ الحلاوةِ ونفس المرّ، فليسَ بينَهما شَيْءٌ، إِنَّمَا طبيعةُ هَذَا وطبيعةُ هذَا تَقتِضي أنْ يَنْفَصِل بعضُهما عن بعضٍ، فإذا كَانَ القُرْآنُ استنبطَ هَذَا فهذا لَا شَكَّ أَنَّهُ من أعظمِ الآياتِ أنْ يَكُونَ مثلًا نهر يَمشِي مسافةً طويلةً فِي وسطِ الماءِ المالحِ ولا يَختلِط به.
أنا أقول: إنَّ السَبَبَ كثرةُ هَذَا وكثرةُ هذَا، أو مُلُوحة هَذَا وحلاوة هَذَا، لَكِن كَلِمَة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ تدل عَلَى أن الفاصلَ في الحَقِيقَة هي أن حقيقة هَذَا لا تَتَلاءَم معَ حَقِيقَةِ هَذَا، ويَكُون البَرْزَخُ شيئًا ثالثًا بينَهما، فالبَيْنِيَّة تَقْتَضِي طَرَفَيْنِ وشيئًا بينَهُما.
على كلِّ حالٍ نقولُ: إذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل هَذَا المعنَى -واللَّهُ أَعْلَمُ- لكِن ليسَ لنَا أنْ نَتَعَدَّى اللفظَ، فِي الحقيقةِ كلمةُ البَيْنِيَّة تَقتضِي أنها ثلاثةُ أطرافٍ؛ اثنان ووسط بينَهما، فإذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل أنْ نجعلَ بينَهما بمعنى: فِي حَقِيقَتَيْهِما وتَكْوِينِهِما؛ لأننا فَهِمنا أن سَبَبَ عَدَمِ البَغْي لَيْسَ شَيْئًا فاصلًا بينَهما، إِنَّمَا حقيقة تكوين هَذَا وهذا،
стр. 215
فقِطعة الثلجِ لا تَستطيعُ أنْ تقولَ: بينها وبَيْنَ الماءِ بَرْزَخٌ، وحقيقةً لَيْسَ بينَهما شَيْءٌ.
فَلَوْ قِيلَ: هَذَا من آياتِ اللَّهِ؟
نقول: نحنُ لا نقولُ: هَذَا لَيْسَ من آياتِ اللَّهِ، لكِن الكَلام عَلَى دَلالةِ القُرْآنِ عَلَى هَذَا، فهل لنا أنْ نَتَجَاوَزَ البَيْنِيَّة: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، هل لنا أن نتجاوز هَذَا ونقول: إن البينيَّة هنا كِنايةٌ عن أن حقيقة هَذَا لا تندمِج بهذا؟
من العلماء مَن قَالَ: دخول الأنهارِ فِي البحارِ، لكِن يُشْكِل عليه قوله : ﴿بَيْنَهُمَا﴾، ولهذا ضَعَّفنا هَذَا القَوْلَ، وقُلْنا: هَذَا لا يمكِن. وَفِي الحقيقةِ الَّذِي ينظُر إِلَى كلِمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ هي مانع، أَمَّا كَوْنُهما لا يَختلِطانِ فهذا واضِحٌ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿بَرْزَخٌ﴾ بَرْزَخ هل هو حاجِزٌ حِسِّيٌّ أو مجرَّد قولِه: حاجز يَعْنِي مانعًا، فالمانِعُ قد يَكُونُ مِنَ الشَيْءِ نفسِه، وقد يَكُون من غيرِه؟
فأنت إذا قُلْتَ: بينَك وبينَ صاحِبِكَ حَجَرٌ، أي مكان، فالبحرُ أَيْضًا ماءٌ، فكيف يَكُون بينهما حيز، وَأَمَّا قولُك: بينَه وبينَ فلانٍ مِنَ العِلْمِ، فصحيحٌ؛ لأنَّ العلمَ أصلًا معنًى، لكِن الماء والماء جِسم يَشغَلَانِ حَيِّزًا.
على كلِّ حالٍ، أنا لا أستطيعُ أنْ أَجْزِمَ الآنَ، نحنُ نُفَسِّرُ كَلامَ اللَّهِ، فإذا كَانَ القُرْآنُ يَحتمِل هَذَا المعنَى الَّذِي تَقَدَّمَ فهذا لَا شَكَّ أَنَّهُ مِن إعجازِ القُرْآنِ، إذا كَانَ كَلِمَة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ تَمْنَع هَذَا الاحْتِمَالَ، ونقول: إن البَرْزَخِيَّة هنا فِي الحقيقةِ تَقتضِي شيئًا ثالثًا غيرَ البحرينِ، نحن نقولُ: الحمدُ للَّهِ هَذَا الَّذِي اطّلَعْنَا عليه بالعلمِ يَكُونُ من آياتِ اللَّهِ وإنْ كَانَ القُرْآنُ لا يَدُلُّ عليه.
стр. 216
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَلا يُمْكِن أنْ نقولَ: إنَّ البرزخَ جُزْءٌ ضَئيلٌ مِن هَذَا وهذا انْدَمَجَا فكانَ كالحاجِزِ؟
نقول: إذا ثبتَ هَذَا فيُمكِن أنْ نقولَ: النسبة مثلًا الَّتِي بينهما لا تكون حُلوًا خالصًا ولا مِلحًا خالصًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل كلمة بَرْزَخ تُقاسُ بالنسبةِ لِلْبَرْزَخِ المعروفِ فِي الدُّنيا والآخِرَةِ؟
نقول: يُمْكِنُ، واللَّهُ أعلمُ.
لَوْ قَالَ قَائِل: أحيانًا عَلَى ضَوْءِ مُكْتَشَف عِلْمِيّ لا بأسَ من إعطاءِ مَعْنًى معيَّن؛ لِأَنَّهُ أحيانًا فِي غِيَابِ هَذَا الواقِعِ العلميِّ قد يُشْكِل معنى آيةٍ، وأَذْكُرُ أنا تفسيرَ آيةٍ فِي سورةِ النورِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠]، فأكْثَر المفسِّرِينَ قالوا: بما أنَّه لا يُوجَدُ مَوْجَانِ فوقَ بَعْضِهما، فالفوقُ هنا يُحْمَلُ عَلَى معنى ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، وهذا تأويلٌ لا تحْتَمِله كثيرًا اللغة العربيَّة.
وقد قرأتُ بحثًا مِن مُدَّةِ حوالي خمس سَنَوَاتٍ لِعَالمٍ فِي أَمْرِيكا، أَصْلُه مِصْرِيٌّ وأخذ جِنْسِيَّة أمريكيَّة، مشهور فِي أبحاثِ الفضاءِ، نزل فِي غَوَّاصَةٍ مِنْ أجْلِ اكتشافِ أعماقِ المحيطاتِ، فَقَالَ: إن الرأيَ الغالبَ كَانَ عندَ العلماءِ قبلَ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ أنَّ باطنَ المحيطاتِ والبحارِ ساكنٌ تمامًا، قَالَ: وإذا بِنَا نُفَاجَأ أنَّ فِي قاعِ المحيطاتِ أمواجًا، والأمواج الَّتِي عَلَى السَّطْحِ لا تُذْكَرُ أمامَ تِلك الأمواج مِن شِدَّتِها وعَظَمَتِها، فالآن كلمة ﴿فَوْقِهِ﴾ لم يَعُدْ هناك مُبَرِّر لتأويلِها، وإنما (فوق) أي هناك موجٌ فِي الأسفلِ يَعْلوه مَوْج فِي الأعلَى، فوجود الظاهرةِ الكونيَّة العلميَّة يُساعِد عَلَى تَوْجِيهِ المعنى فِي اتجاهٍ معيَّن بدونِ تَعَسُّفٍ فِي المعنى، فحَتَّى الأمواج الظاهريَّة الَّتِي عَلَى سطحِ البحرِ يَكُونُ الموجُ قليلَ الارتفاعِ ثم يأتي موجٌ أكبرُ منه.
стр. 217
عَلَى كلِّ حالٍ الآيةُ تَحتمِل ثلاثةَ معانٍ:
- المعنَى الَّذِي ذَكَرَهُ كثيرٌ من المفسِّرين.
- والمعنى الَّذِي ذَكَرْنَا.
- والمعنى الثالثُ: أَيْضًا رجلٌ عِراقيٌّ فِي كتابٍ اسْمُه: (حقائق جُغْرَافِيَّة)، ذكر هَذَا المعنَى الَّذِي أشرنا إليه. والمعنى الثالث إذا كانت الآيةُ تَحْتَمِله، وَهِيَ هَذِهِ الأنهارُ الَّتِي تكون فِي وسطِ المحيطاتِ، وسَمِعنا النقاش الآن فِي كلمةِ: ﴿بَيْنَهُمَا﴾ وما تَحْتَمِلُه، وإذا كانت هناك طَبَقَة عند اختلاطِهما تكون بَيْنَ الحُلْو وبينَ المَالِحِ أمكنَ أنْ يقالَ: هذَا بَرْزَخٌ، عَلَى ثِقَلٍ؛ لِأَنَّ ظاهِرَه أنَّ البَرْزَخَ هو المانِعُ، فيُمْكِن أنْ يقالَ: هو مانِعٌ منْ أنْ يَخْتَلِطَا لأجلِ المقاربةِ.
على كلِّ حالٍ هذه البَيْنِيَّة في كَلِمَةِ ﴿بَيْنَهُمَا﴾ تَقْتَضِي أن هناك شيئًا ثالثًا، لا من هَذَا ولا من هذا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: البحَّارة يجدون عُيُونًا فِي البحرِ حُلوةً، ما صِحَّة هذا؟
نقول: سمِعنا هذا، أن العينَ تَخْرُجُ من قاعِ البحرِ، لَكِنْ تَختلِط بعد ذلك، وهم يأخذون من نفس العين، لكِن هَذَا الَّذِي ذَكَرُوه أنَّ أنهارًا فِي وَسَطِ الماءِ هَذَا غريبٌ.
الآن -الحمدُ للَّه- صارَ فِي الآية ثلاثةُ معانٍ، ويبقى المعنى الثالثُ مُحْتمَلًا من جهةِ البينيَّة، وإذا صحَّ نقول: إِنَّهُ عند مُلَاقَاتِهَما لابدَّ أنْ يَكُونَ بينَهما برزخٌ، لَيْسَ حُلْوًا ولا مالحًا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
والحقيقة أن كونه لا يَخْتَلِطُ عندَ المَصَبِّ هَذَا لَيْسَ بواضِحٍ، أنا لَيْسَ عندي شكٌّ فِي المعنَى الَّذِي أشرتُ إليه سابقًا أن هَذَا من آياتِ اللَّهِ وهذا الحاجز طبيعيٌّ،
стр. 218
ولو قربا من بعضهما فلا يفسد المعنى، هَذَا لَيْسَ عندي فِيهِ شكٌّ، لكِن الَّذِي عندنا فِيهِ شكٌّ قد يوجد احْتِمَال أن هَذَا الفاصلَ الَّذِي ذَكَرْناه يَصِحُّ أنْ نَجْعَلَه بَرْزَخًا؛ لِأَنَّهُ فِي الحقيقة لَيْسَ منَ المالحِ وليسَ من العَذْبِ.
على كلِّ حالٍ الآيةُ فِيها احْتِمَالٌ، ويمكن أنْ نقولَ أَيْضًا: إن الفاصلَ هَذَا الَّذِي يَكُونُ لَيْسَ بِحُلْوٍ ولا مُرٍّ، إنه: حِجْرًا مَحْجُورًا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿بَرْزَخًا﴾ ثم قال: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أليسَ معناهما وَاحِدًا؟
فالجوابُ: لَا، الْفَائِدَة التقويَة، حَتَّى قوله: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فِيهِ فائدة، والمعنى أَنَّهَ مُحْكَمٌ حَجَرُه.
* * *
стр. 219
الآية (٥٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
* * *
من كمالِ قُدْرَةِ اللَّه أنْ خَلَقَ من الماءِ بَشَرًا وقسمه إِلَى قسمينِ، هما: النَّسَب، والصِّهر أي الزوجية، وقُلْنا: إن هذه أسباب الصِّلَة بَيْنَ النَّاسِ؛ إمَّا صلة بالوِلادة؛ النَّسَب، أو بالنِّكاح وهو المصاهَرَة.
وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [قادرًا عَلَى ما يشاءُ]، نحن نناقش المُفَسِّر ﵀ فِي تفسر قَدِير بقادِر، وَفِي تقييد المطلَقِ بما يشاءُ:
أوَّلًا: أمَّا تفسيرُ قَدِيرٍ بقادِرٍ فهذا يُعْتَبرُ نقصًا فِي التفسيرِ؛ وذلك لأنَّ ﴿قَدِيرًا﴾ إمَّا أنْ تكونَ صفةً مُشَبَّهَةً، وإمَّا أنْ تكونَ صيغةَ مبالَغَةٍ، أمَّا قادِر فهي اسْمُ فاعلٍ مجَرَّد، لا تدلّ عَلَى ما تدل عليه الصِّفةُ المشبَّهة، ولا عَلَى ما تدلُّ عليه صيغة المبالغةِ، فهذا نوعٌ مِنَ القُصُور فِي تفسيرِ القُرْآنِ.
ثانيًا: إنَّ القُرْآن مطلَقٌ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾، وهنا قيَّده بقوله: [على ما يشاء] وكلمة (على ما يشاء) نحن نعرِف أن من النَّاسِ من يَكُون هَذَا القيد عنده دالًّا عَلَى بدعةٍ ارتكبها؛ لِأَنَّ القَدَرِيَّة يَقُولُونَ: إن اللَّه لا يَقدِر إِلَّا عَلَى ما يشاء، وإنَّه لا يشاء أفعالَ العبادِ، وعلى هَذَا فلا يَكُونُ قادرًا عليها، ولَا شَكَّ أنَّ هَذَا قولٌ تُبْطِلُه
стр. 220
النصوصُ والعقلُ، فاللَّه هو الَّذِي يَهْدِي ويُضِلّ، وما معنى الهِدايَة والإضلال إِلَّا أَنَّهُ يفعل ما يشاءُ حَتَّى فيما يَتَعَلَّق بأفعالِ العبدِ، لهذا نرى أن تقييدَ القُدْرَةِ بالمشيئةِ لا يَنبغِي ولا يَلِيقُ للوجوهِ الآتيةِ:
أولًا: أن اللَّه أطلقَ هَذَا الوصفَ لنفسِهِ بدونِ قَيْدٍ، ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُقَيِّدَ ما أَطْلَقَهُ اللَّهُ؛ لأنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّة يُتوقف فِيها عَلَى ما وَرَدَ.
ثانيًا: أَنَّهُ خِلاف طَريقةِ الرَّسولِ ﵊ وأصحابِهِ، بل طَريقة الرُّسُلِ كلِّهم؛ لأَنَّهُمْ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]، لا يَقُولُونَ: إنَّكَ عَلَى ما تَشاءُ قَدِير، بل يَقُولُونَ: إنك عَلَى كلِّ شَيْءٍ قديرٌ.
ثالثًا: أَنَّهُ يُوهِم أن القُدرةَ تَتَعَلَّقُ بما يشاءُ فقطْ، وعلى هَذَا فيَكُونُ ما لا يشاؤه لَيْسَ بمقدورٍ عليه، وهذا معنًى باطلٌ، فَهُوَ قادرٌ عَلَى ما يشاءُ وعلى ما لا يشاءُ، لَكِنَّ ما شاء كَانَ وما لم يَشَأ لم يَكُنْ، فَهُوَ قادرٌ عَلَى الأمرينِ جميعًا، لَيْسَ عَلَى ما يشاءُ فقطْ.
مِنْ أجْلِ هَذِهِ الوجوهِ الثَّلاثَةِ نَرَى أنَّ التعبيرَ بِها لا يَنْبَغِي، وأنه مِمَّا يُرْشَدُ إليه العبدُ ويقالُ لهُ: لا تَقُلْ هكذا، لا تقيِّد ما أَطْلَقَهُ اللَّهُ لنفسِهِ، عَلَى أساسِ أنَّ الَّذِي يَقُوُله لا يريدُ هَذَا المعنى، نقولُ: يُرْشَدُ ويقالُ: هَذَا لا يَنبغِي.
وَإِذَا قِيلَ: ما الجمعُ، أو ما هو الجوابُ عن قولِ اللَّهِ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، فهنا قال: ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، ونحن نَمنَع تعليقَ القُدْرَةِ بالمشيئةِ؟
فالجواب: أنَّ تقييدَ المشيئةِ بالجمعِ؛ لِأَنَّ الجمعَ فعلٌ، وهذا الفعل يُنْكِرُه الكفَّار المكذِّبونَ بالبعثِ، فيقول اللَّه : إنَّ المانعَ مِن ذلكَ لَيْسَ العَجْز،
стр. 221
ولَكِنَّه عَدَمُ المشيئةِ، فإذا شاء أنْ يَجْمَعَهُم جَمَعَهم، خِلافًا لمَن يُنكِرون ذلكَ، لِمَن يَقُولُونَ: إِنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَجْمَعَهُمْ، فيَكُون التقييد هنا بالفعلِ، أي أن تقييدَ المشيئةِ عائدٌ عَلَى الفعلِ، لا عَلَى القُدرة، فَهُوَ قادر عَلَى جَمْعِهِم كلَّ وقتٍ، لَكِنَّه لمَّا كَانَ لا يريد أنْ يَجْمَعَهُمْ إِلَّا فِي وقتٍ معيَّن ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ مؤقَّت ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود: ١٠٤]، كل الدُّنْيا أَجَل مَعْدُود، ناهيك عن قِصَرِها مهما طالتْ.
فنقول: إن هَذَا عائدٌ عَلَى الجمعِ، وهو فِعْل، فكأنَّ اللَّهَ يقولُ: إِنَّهُ إذا أرادَ هَذَا الفعلَ فَهُوَ قادرٌ عليه، فعلى هَذَا لا يرد ما ذُكِرَ فِي سابقا ولا ما جاءَ فِي الآيةِ الكَريمةِ مِنْ تَقييدٍ بالمشيئةِ؛ لأنَّ هَذَا التقييدَ عائدٌ عَلَى الفِعلِ، وَلَمْ يُرَد بِهِ الصِّفةُ المطلقةُ: صفةُ القُدرة، وهو ظاهر جِدًّا بالنسبة للحديثِ؛ لِأَنَّهُ قال: "عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ" (١).
إذَن نَرْجِع إِلَى كَلامِ المُفَسِّر ﵀؛ فنقول: كَلام المُفَسِّر فِيهِ نظرٌ من وجهينِ: الوجهُ الأوَّلُ: تفسير القديرِ بالقادرِ، والثَّاني: تَقْيِيد ذَلِكَ بالمشيئةِ.
* * *
стр. 222
الآية (٥٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي الكفَّار ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ بِعِبَادَتِهِ ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ بِتَرْكِها، وهو الأصنامُ]، والمراد بالجُملة هنا التوبيخُ واللَّوْمُ وإقامة الحُجَّة عَلَى هؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعبُدون من دونِ اللَّهِ مَنْ هَذَا وَصْفُه؛ ما لا يَنْفَعُهُمْ إذا عَبَدُوه، ولا يَضُرُّهم إذا عَصَوْه، وقد قَالَ اللَّه فِي سورة الأَحْقَافِ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، يَعْنِي لو ظلَّ يدعو هَذَا الصنمَ إِلَى يومِ القيامةِ ما استجابَ له، هل أحدٌ أضلّ من هذا؟ لا يوجد أحدٌ أضلّ من هَذَا أبدًا، إنْسَان يحاوِل أن يَنْفَعَهُ الصنمُ أو يَضُرّه، ويبقى يدعوه إِلَى يومِ القيامةِ وما استجاب له، فهَذَا من أبلغ ما يَكُونُ فِي الضلالِ.
قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ فِيها إظهارٌ فِي مَقامِ الإضمارِ، قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ السياق يَقتضي أن يقول: وكانوا عَلَى ربِّهم، لكِن قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ إشارة إِلَى أن هَذِهِ العِبَادَة أَوْصَلَتْهُمْ إِلَى الكفرِ، وأيضًا لفائدةِ التعميمِ، يَعْنِي أنَّ كل كافرٍ، حَتَّى ولو كَانَ بغيرِ العِبَادَةِ، يَعْنِي بغيرِ الشركِ، حَتَّى الْإِنْسَان الدَّهْرِيّ الَّذِي لا يعبدُ شيئًا أبدًا، فَهُوَ ظَهيرٌ عَلَى ربِّه.
مسبوقًا بتقديرٍ؛ لِأَنَّ أصلَ الخَلْقِ التقديرُ، لَكِنَّه يُطلَق عليه وعلى الفعلِ، فإذا أُطلق الخَلْقُ عَلَى الفعلِ صارَ معناهُ أَنَّهُ فِعْلٌ بتقدير، فيَكُون الإحكامُ سابقًا، ثم الفعلُ عَلَى مِنهاج ذلك الإحكامِ، فَخَلَقها مُحْكَمَة، ومَن تَدَبَّرها وتأمَّلَها وجدَ فِيها غايةَ الإحكامِ.
قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ومِمَّا نراه مما بينهما الشَّمْس والْقَمَر والنجوم، وغير ذلك؛ لأنَّ القَوْلَ بأن هَذِهِ فِي نفس السَّموات لَيْسَ عليه دليلٌ من الكِتَابِ ولا من السُّنةِ، وإنما ظاهر القُرْآنِ يَدُلّ عَلَى أنها فِي فَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ، والواقعُ يَشْهدُ لذلكَ أَيْضًا، فإنهم وَصَلُوا إِلَى الْقَمَرِ، ولو كَانَ فِي نفسِ السَّمَاءِ ما وصلوا إليه؛ لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، فإذا كانت السَّمَاءُ محفوظةً حَتَّى عن أشرفِ الرُّسُلِ وأشرفِ الملائكةِ إِلَّا باستئذانٍ، فمَن دونَهم من باب أَوْلَى.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]، ما معنى قولِهِ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾؟
الجواب: يَعْنِي فِي جِهَتِهِنّ، يَعْنِي ليستْ مظروفاتٍ له، والمظروف الجهة، كما سيأتينا إنْ شاء اللَّهُ فِي قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، نفس الشَيْء.
وقوله : ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [من أيامِ الدُّنْيا، أي فِي قَدْرِها؛ لِأَنَّهُ لم يكنْ ثَمَّ شمس، ولوْ شاءَ لَخَلَقَهُنَّ فِي لمَحَةٍ، والعدول عنه لتعليمِ خَلقِه التثبُّت]، العدول: عَدَلَ يَعدِل عَدْلًا وعُدُولًا، يقول ﵀: [في ستةِ أيامٍ من أيام الدُّنْيا] هَذَا هو القَوْل المشهورُ، وهو الراجِحُ، وَأَمَّا مَن قَالَ: فِي ستَّة أيامٍ من أيامِ الآخِرةِ، وإن اليومَ كألفِ سنةٍ، أو من قَالَ: إن المرادَ بالأيامِ مطلَق الزمنِ، أي فِي لحظاتٍ، فكَذَلِك أَيْضًا قول مرجوحٌ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ إِنَّمَا يخاطِب النَّاسَ بما يَعرِفونَ،
стр. 231
فالصحيحُ أن المرادَ سِتَّة أيامٍ من أيامِ الدُّنْيا كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، أوَّلها يومُ الأَحَد، وآخِرها يوم الجُمُعة، فَإِنَّهُ بِهِ تم خَلْق السَّموات والْأَرْض وخُلِق آدمُ فِي آخِرِهِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أخبرنا اللَّه بنصِّ القُرْآنِ بأنَّ اليومَ عندَه كألفِ سنةٍ ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، ألا يُرَجِّح هَذَا قولَ مَن قَالَ: إنها من أيامِ الآخِرَةِ؟
الخَلْق نفسُه من صفاتِ اللَّهِ، لكِن الأيَّام الَّتِي أضافَ اللَّهُ الخَلْقَ إليها وجعلَه فِي هَذه الأيامِ معلومة لنا، وَأَمَّا قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قال: ﴿يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لا نَدري عنه يومًا وَاحِدًا أو أيَّامًا، حَتَّى ﴿يَوْمًا﴾ قد يقول قائل: إِنَّهُ يومٌ معيَّن عند اللَّه كألفِ سنةٍ، لو قال: (وإن اليوم عند ربك) وأتى بـ (أل) الجِنْسِيَّة فيُمْكِن أنْ يُقالَ، فالأقربُ هو هَذَا واللَّهُ أَعْلَمُ، حَتَّى المسألة ليستْ هي بالأمرِ اليقينِ، لكِن الَّذِي يَتَرَجَّح حَسَبَ مُقْتَضَى اللفظِ العربيّ، وأننا خُوطِبنا باللفظِ العربيّ، وأن الأَصْلَ حَمْلُ اللفظِ عَلَى ما دلتْ عليه اللغةُ إِلَّا بدليلٍ، فهَذَا الأَصْلُ، والواجبُ أنَّ القُرْآنَ تكونُ دِلالتُه بِمُقْتَضَى اللغةِ العربيَّةِ ما لم يوجدْ دليلٌ يَصْرِفُه.
وقولُهُ ﵀: [أي فِي قَدْرِها؛ لأَنَّهُ لم يكنْ ثَمَّ شَمْس] وتقدير الأيام بالشَّمْسِ، والشَّمْسُ غيرُ موجودةٍ حين الخَلْقِ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ إِنَّمَا خُلِقَتْ بعدَ ذلك؛ لقولِه تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]، بعدما خَلَقَها أوحَى فِيها أمرَها، وهذا يَشْمَل كلَّ ما يَتَعَلَّق بالسَّمَاءِ، فعلى هَذَا يَكُونُ المرادُ بقولِه: ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي فِي قَدْر هَذِهِ الأيَّام الستَّة.
ثم أَوْرَدَ المُفَسِّر ﵀ جوابًا عن سؤالٍ يَفْرِضُه الذِّهنُ، وهو أنْ يقولَ قائلٌ: لماذا لم يَخْلُقْهُنَّ اللَّهُ بكلمةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
стр. 232
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، يَكُون عَلَى مرادِ اللَّهِ ؟
أجاب المُفَسِّر ﵀ بأنه فَعَلَ ذلك لتعليمِ خَلْقِه التثبُّتَ، هذَا ما جَرَى عليه أهلُ العلمِ؛ أنَّ اللَّه جلَّ وَعَلَا خَلَقَها فِي ستَّةِ أيامٍ ليُبين للعبادِ أنَّ المقصودَ الإحكامُ، لا الإسراعُ، فيَتَثبت النَّاس فيما يَفعلُون، حَتَّى فيما قَدِروا عليه، فَإِنَّهُ يَنبغي أنْ يُلاحِظوا فِيهِ الإحكامَ دونَ الإسراعِ فِي تنفيذِه.
ورأيتُ كَلامًا لبعضِهم حَسَنًا؛ قَالَ: إن خلق السَّمواتِ والْأَرضِ له أسبابٌ، وهو عبارة عن تكوينٍ، والتكوينُ هذَا يَحتاجُ إِلَى مدَّةٍ، مثلَما يَنْشَأ الجنين فِي بطنِ أُمِّه شيئًا فشيئًا فِي مدَّةٍ، كَذَلِك هذَا الخلْقُ له أسبابٌ كَوَّنَتْه، هذه الأَسْبابُ كانتْ فِي هَذِهِ المدَّةِ: فِي سِتَّة أيام، لَكِنَّ هؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِهذَا القَوْلِ يرجِّحون القَوْلَ بأن المرادَ بالأيامِ أيامُ الآخِرة الطويلةِ، حَتَّى تكون التطورات الَّتِي أدَّتْ إِلَى الكمالِ مناسبةً، وعندي أن هذَا لَيْسَ بلازمٍ؛ لِأَنَّ اللَّه قادِرٌ عَلَى أنْ يَجعَلَ هذه الأَسْبابَ الَّتِي مِن شأنِها أنْ تَمتَدَّ لِعِظَمِ المخلوقِ أنْ يَكُونَ ذلكَ بهذه السرعةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وإنما التعليلَ الأخيرَ يَكُونُ معناه سَبَب تأخُّرها، وأنها لم تَنْتَهِ إِلَّا فِي سِتَّةٍ؛ لِأَنَّها تحتاجُ إِلَى تَطَوُّرات، هذه التطوراتُ شيئًا فشيئًا حَتَّى تَنتهِيَ إِلَى الكمالِ، كما هو معروفٌ فيما نُشاهِد مِمَّا يخلُقه اللَّه من غيرِ السَّمواتِ والْأَرْضِ، نجد أن هذه المخلوقات لا تأتي دَفْعَةً، وإنما لها أسباب وأحوال تَتَطَوَّر إليها، حَتَّى تَصِلَ إِلَى درجةِ الكمالِ.
قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ هذه هل هي للترتيبِ الذِّكري أو المعنويّ؟ المعنويّ؛ لِأَنَّ هذَا هو الأَصلُ أنها للترتيبِ المعنويّ، لا للترتيب الذكريِّ، والفرقُ بينهما أنَّهُ في الترتيبِ الذكريِّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ما بعدَها متأخِّرًا عمَّا قبلها،
стр. 233
بل قد يَكُون قبله ولَكِنَّه ذُكِرَ بعده، هذَا يُسمِّيه العلماء الترتيب الذكريّ، ولَكِنَّهم لا يَلْجَئُون إليه إِلَّا عندَ الضرورةِ، إذا لم يُمْكِنِ الترتيبُ المعنويُّ قالوا: هو ترتيبٌ ذِكْرِيٌّ، وأنشدوا عليه البيتَ المشهورَ الَّذِي لا أعلمُ قائِلَه، وهو (١):
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ ... ثُمَّ قَد سَادَ بعدَ ذَلِكَ جَدُّهُ
قالوا: إنَّ هذَا من بابِ الترتيبِ الذكريِّ؛ لِأَنَّ سِيادةَ الجدِّ متقدِّمةٌ عَلَى سيادةِ الأبِ، وسيادةَ الأبِ متقدِّمَةٌ عَلَى سيادةِ الِابْنِ، هذَا هو المعروفُ والمعهودُ، وإن كَانَ قد يَكُونُ الأمرُ بالعكسِ؛ قد يَسُودُ الحفيدُ وبسيادتِهِ يسودُ أبوه ثم يسود جدُّه، لكِن المعروف بالعكسِ.
عَلَى كلِّ حالٍ هذَا الترتيبُ فِي الآية ترتيبٌ معنويٌّ؛ لأنَّهُ الأَصل، ولا يُلْجَأُ إِلَى الأوَّلِ إِلَّا عند الضرورةِ.
وقوله : ﴿اسْتَوَى﴾ يَعنِي عَلَا عَلَى العرشِ، وهذا العلوُّ عُلُوٌّ خاصٌّ، لَيْسَ كالعلوِّ عَلَى سائرِ المخلوقاتِ؛ لأنَّ اللَّه عالٍ عَلَى جميعِ المخلوقاتِ علوًّا مُطلَقًا، لكِن هذَا العلوّ عَلَى العرش علوٌّ خاصٌّ، وأنه من الصِّفاتِ الفعليَّة، وأن أهل السنَّة والجماعَة يؤمنون بذلكَ عَلَى الوجهِ الَّذِي يَليق باللَّهِ ، لا يُكَيِّفُونَ ولا يُحاوِلونَ أنْ يُكَيِّفوا أَيْضًا؛ لأنَّ ذلكَ أمرٌ مُستحيلٌ، وهو يدلُّ عَلَى كمالِ العالي؛ لِأَنَّ هذه المادة ﴿اسْتَوَى﴾ تدلّ عَلَى الكمالِ مِن حيثُ هي، تقول: استوَى الثَّمَرُ بمعنى كَمُلَ نُضْجُه، وتقولُ: استوى الرجلُ بمعنى كَمُلَ عَقْلًا: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، هنا إذا تَعَدَّتْ بـ (على) صارتْ دالَّةً عَلَى العلوِّ، لكِن متضمِّنة للكمالِ، فعلى هذَا يَكُونُ (استوى) بمعنى عَلَا علوًّا خاصًّا عَلَى وجهِ الكمالِ.
стр. 234
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ هو فِي اللُّغَةِ سَرِيرُ المَلِك]، هَذَا العرش، يَعنِي لَيْسَ كلّ كرسيٍّ يُسَمَّى عرشًا، كرسيُّ المُعَلِّم لا نُسمِّيه عرشًا، لكِن الكُرسِيّ الخاصّ بالمَلِك يُسَمَّى عرشًا، هذَا هو الأَصل فِي اللُّغة، قَالَ اللَّه ﵎ عن مَلِكَةِ سَبَأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، وَقَالَ : ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فِي قِصَّة يُوسُفَ، لكِن المراد بالعرش هنا ما هو أعظمُ من ذلكَ، هو عبارة عن هذَا المخلوقِ العظيمِ الَّذِي وَسِعَ السَّمواتِ والْأَرضَ والكُرسيّ؛ لأنَّهُ جاء فِي الحديث: "مَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كحَلْقَةٍ أَلْقَاهَا مُلْقٍ فِي أَرضِ فَلَاةٍ"، (حلْقة) يَعنِي حَلْقة المغْفَر، أو الدِّرع، وَهِيَ بالنسبةِ للفلاةِ لا شَيْء، "وَمَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ أَلْقَاها مُلْقٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ" (١). إذَن ما يَعلَم قَدْرَه إِلَّا اللَّه .
وَهُنَا مِنَ التَّعَمُّق والتَّنَطُّعِ أنْ نَبْحَثَ ونسألَ عن ماهيَّة هذَا العرشِ، يَعْنِي من أيِّ شَيْءٍ هو؛ من ذهبٍ، من فضةٍ، من زَبَرْجَد، من كذا، وهذَا وردتْ فِيهِ آثارٌ لَكِنَّها ليستْ بصحيحةٍ، وليست واردةً عن معصومٍ، ولا يَنبغِي أَيْضًا الخوضُ فِي ذلك؛ لأنَّه ما لنا وله من أين مادته، المهمُّ أنْ نَعرِفَ عِظَمَ هذَا العرشِ وأنه هو الَّذِي اسْتَوَى عليه اللَّه .
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الرَّحْمَنُ﴾ بَدَل من ضمير (استوى)، أي استواء يَلِيق به]، قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يعْنِي لا تَقُل: إن الرَّحمن فاعل (استوى)؛ لأنَّهُ سبقهما ما يدل عَلَى رجوعِه إليه ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، فكَلام المُفَسِّر يقول: إِنَّهُ لا يُعرَبُ عَلَى أنَّهُ
стр. 235
فاعل (استوى)؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ ما يَرجع إليه الضميرُ فِي (استوى)، ولَكِن لا مانعَ من أنْ نَجْعَلَهُ فاعلًا عَلَى أن يَكُونَ إظهارًا فِي مَقامِ الإضمارِ، وإلَّا صحيحٌ أنَّ ظاهرَ السياقِ يَقتضى أن يَكُونَ (خلق السَّموات ثم استوى)، يَعْنِي (هو)؛ لِأَنَّ الفاعلَ ضَمير مُسْتَتِرٌ؛ ويَكُون (الرَّحمن) بدلًا؛ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، هذَا وجهٌ، لَكِننا نقولُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيّن؛ لجوازِ أنْ يَكُونَ (الرَّحمن) -كما تَقَدَّمَ- فاعلًا، عَلَى أنَّهُ إظهار فِي مَقامِ الإضمارِ.
وذكروا فِيهِ أَيْضًا وَجْهًا ثالثًا، وهو أنْ يَكُونَ مبتدأً، وخبره ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وأن يَكُونَ خبرَا لمبتدأٍ محذوف تقديرُه: هو الرَّحمن، ولَكِن ما ذَهبْنَا إليه أَوْلَى، ويَكُون فائدة الإضمار هنا بيان أن هذَا الاستواءَ والعلوَّ الخاصَّ لَيْسَ كعُلُوِّ المتجَبِّرينَ المتكبِّرينَ، بل هو علوّ رَحمَن واسع الرَّحمة؛ لأنَّ عادةَ البشرِ أو الملوكِ إذا اسْتَوُوا عَلَى عُرُوشِهم أنْ يَكُونَ لديهم فِي الغالبِ مِنَ الجَبَرُوت والعَظَمة ما يَتَخَيَّلُونه إذا استووا عَلَى عروشهم، ولَكِن اللَّه معَ عُلُوِّهِ العظيمِ عَلَى عرشِه العظيمِ هو رحمنٌ واسعُ الرَّحمةِ ﵎ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾.
وقول المُفَسِّر: [أي استواء يَليق به] السؤال الأوَّل عَلَى هذه الجملة: هل هَذِهِ الجملةُ تدلُّ عَلَى أن المُفَسِّر ﵀ لم يحرف؟
أنا راجعتُ عِدَّة مواضع يقول: [استواء يليق به]، وفِي رأيي أنها فِي الحقيقةِ لا تُثبِت ولا تَنفي؛ لأَنَّهُ ما ذَكَرَ إِلَّا صفةَ الاستواءِ فقطْ، يَعنِي لم يَتَعَرَّضْ إِلَّا لِأَنَّ صفة الاستواء تَلِيقُ بِهِ، لكِن معنى الاستواء ما تَكَلَّمَ عنه، لكِن فِي الحقيقةِ أنَّا أَرَى أن هذَا يُومِئُ إِلَى مَذْهبِ أهلِ السنَّة والجَماعَةِ؛ لأنَّهُ لو كَانَ يَرَى أن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولَى ما قَالَ: [استواء يليق بِهِ]؛ إذ لا يُمْكِن أنْ يَكُونَ المعنى استولَى
стр. 236
استيلاءً يَلِيق بِهِ، وإنما يَكُون مثل هذَا التعبيرِ فيما إذا جُعل الاستواءُ صفةً، ليستْ صِفَة ملك، بل صِفَة فعل، فيقول: [استواء يليق بِهِ]، لكِن مع هذَا لَيْسَ هذَا التفسيرُ بكاملٍ، وكان عليه أن يقولَ: عَلَا عَلَى وجهٍ يَليق به.
وَلَوْ قِيلَ: إن المُفَسِّر يجمع بَيْنَ الرأيينِ؟
نقول: لا، لو أرادَ استوى بمعنى استولَى لصرَّحَ بِهِ، مثلما قَالَ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، فسَّرَها بقولِه: جاءَ أمرُ رَبِّكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: المُفَسِّر ﵀ يُؤَوِّلُ آياتِ العُلُوّ، فكيف نُوَجِّه قولَه: [استواء يليق به]؟
على كلِّ حالٍ كَلامه هنا لا يدلُّ لا عَلَى إثباتٍ ولا عَلَى نفيٍ، لكِن فيما أَعتقِدُ أنَّهُ يدل عَلَى التفسيرِ، بمعنى العلوِّ؛ لِأَنَّ الاستيلاءَ لا يُقال: إِنَّهُ استيلاء يَلِيق بِهِ، لا يُتَصَوَّر هذَا، لو أراد استولَى لقالَ: استوى بمعنى استولَى، مثل قولِه : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، فقد فسَّره بقولِه: جاء أمرُ ربِّك، لكِن معَ ذلك ما فسَّرها كما يَنْبَغِي، وكان الَّذِي يَنبغي أن يقولَ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ عَلَا عليه علوًّا يَلِيق بِهِ، وأنا تَتَبَّعْتُ الَّتِي قبلها فِي مواضعَ وجدتُه يقول هذَا، فأقول: إني استغربتُ هذَا، معَ أنَّهُ هو لا يُقِرُّ بالعلوِّ الذَّاتيِّ، وهذا من الغرائبِ، يَعْنِي تعتبر طَريقة متناقضةً بالنسبةِ للمؤلِّف.
عَلَى كلِّ حال قوله: [استواء يليق به] معناه صحيحٌ، لكِن يحتاج إِلَى تكميلٍ، وهو أن يصرِّح ويوضِّح معنى الاستواء، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا عليه عَلَى وجهٍ يَليق به.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أليسَ اللَّهُ عاليًا عَلَى جميعِ المخلوقاتِ؟
стр. 237
فالجواب: بلى، لكِن هذَا العلوّ علوٌّ خاصٌّ بالنسبة للعرشِ، وقد مرَّ فِي العقيدةِ، ولا حاجةَ إِلَى التكرارِ أن أهل التعطيلِ حَرَّفوا معنى الاستواءِ إِلَى معنى الاستيلاءِ، وبَيَّنَّا هناك أن هذَا التحريفَ باطلٌ من عدة أوجهٍ لُغَوِيَّة وشرعيَّة وعَقليَّة، وأنه يَلْزَم عَلَى هذَا التفسيرِ لوازمُ باطلةٌ، لا تليق باللَّهِ .
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أي المتَّصف بالرَّحمةِ، وَهِيَ إذا أُفردتْ عن الرَّحيم دلتْ عَلَى الصِّفةِ والفعلِ، والرَّحيم أَيْضًا إذا أُفردَتْ عنها دلَّ عَلَى الصِّفةِ والفعلِ، وإذا اقترنتا فُسِّر الرَّحمنُ بما يَتَعَلَّق بالصِّفةِ، والرَّحيم بما يَتعلَّق بالفعلِ، فعلى هذَا هنا انْفَرَدَت ﴿الرَّحْمَنُ﴾ فتَشْمَل الصِّفةَ والفعلَ؛ لِأَنَّ (فَعِيل) تدلُّ عَلَى إيقاعِ الفعلِ، سميع بمعنى سمع الصوت، رحيم بمعنى رحم الخَلْق، والرَّحمن يُشْبِهُها كلمة غَضْبَان، يَعنِي مُمْتَلِئًا غَضَبًا، كَذَلِك الرَّحمن يَعنِي واسِع الرَّحمةِ، ولهذا فسَّرهُ بعضُ السلفِ بقولِه: الرَّحمن ذو الرَّحمةِ العامَّةِ، والرَّحيم بالمؤمنينَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف الجمعُ بَيْنَ قولِه فِي آية الكُرسيّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وبين قولِه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؟
الجواب: لا يوجدُ خلافٌ بينهما، فالكرسيُّ شاملٌ للسماواتِ والْأَرْضِ، يَعْنِي لِعِظَمِه وكِبَرهِ يَكُون واسعًا لهما جميعًا، أي لكل السَّموات والْأَرضِ، والعرش فوقَه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاسْأَلْ﴾ أيُّها الْإِنْسَان ﴿بِهِ﴾ بالرَّحمنِ ﴿خَبِيرًا﴾ يُخْبِرُك بصفاتِه]، المُفَسِّر ﵀ جعلَ الخطابَ فِي قولِه: ﴿فَاسْأَلْ﴾ لَيْسَ للرسولِ ﷺ بل لجميعِ مَن يَصِحُّ خِطابُه؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أنَّ الخطابَ الَّذِي يُفْرَدُ فِي القُرآنِ لجميعِ النَّاسِ، إِلَّا إذا دلّ الدليلُ عَلَى أَنَّهُ خاص بالرَّسولِ؛ لِأَنَّ القرآنَ نَزَلَ للجميعِ، فَهُوَ يخاطب الكلَّ ما لَمْ يدلُّ دليلٌ عَلَى أنَّهُ خاصٌّ بالرَّسولِ، مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]،
стр. 238
هَذَا معروفٌ أنَّهُ خاصٌّ بالرَّسولِ ﷺ ، ومثل: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]، صرَّح أنَّه ينادي الرَّسول وحدَه، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥].
﴿فَاسْأَلْ﴾ أيُّها الْإِنْسَان ﴿بِهِ﴾ بالرَّحمنِ ﴿خَبِيرًا﴾ يَعْني بذاتِهِ وأسمائِهِ وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه.
وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ قد يقول قائلٌ: إن المتبادَر أنْ يقولَ: اسأَلْ عنه خبيرًا؛ لِأَنَّ السؤالَ بمعنى الاستفهامِ يُعَدَّى بـ (عن)، فهل تقول: سألتُ بفلان أو عن فلان؟ تقول: سألتُ عن فلانٍ، فكيف نُجِيبُ عن التعديَةِ بـ (الباء)، مع أن المتبادر أن يتعدى بـ (عن)؟
الوجه الأول: أنْ تكونَ (الباء) بمعنى (عن)، وهذا واضحٌ: فاسأل عنه خبيرًا.
الوجه الثَّاني: أن تكونَ (الباء) مُتَعَلِّقَةً بمحذوف تقديره: معتنيًا أو مهتمًّا بِهِ، حال من الضمير المستتِر فِي قولِه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. وعندي أَيْضًا أَنَّهُ يوجد احتِمَال أنَّ المعنى: فاسألْ تجب بِهِ خبيرًا، يَعْنِي كأَنَّه ضمَّن السؤالَ ما يَدُلُّ عَلَى الجوابِ، مثل ما قِيلَ في: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، سأل سائلٌ وأُجيبَ بعذابٍ واقعٍ، ويَكُون عُدِل عن (عن) بـ (الباء)؛ لِأَنَّ (عن) إِنَّمَا تدل عَلَى مجرَّد السؤال، و (الباء) تَدُلُّ عَلَى الإجابةِ أَيْضًا. وعلى كلِّ حالٍ فالمعنى أن الرَّحمنَ الَّذِي خلقَ السَّمواتِ والْأَرضَ واستوى عَلَى العرشِ اسْأَلْ عنه خبيرًا يُخْبِرُكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَصِحُّ أن يَكُون (به) متعلِّقًا بـ (خبيرًا)؟
стр. 239
نقول: صحيحٌ، إذا قُلْنَا: متعلقة بـ (خبيرًا) فواضح ولا نحتاج إِلَى أيِّ تقديراتٍ، يَعنِي فاسألْ خبيرًا بِهِ يُخْبِركَ عنه، ويَكُون هذَا وجهًا رابعًا، وهذا الوجهُ فِي الحقيقةِ عندي الآنَ أَنَّهُ أحسنُ الأوجهِ، وليس فِيهِ تكلُّفٌ، ويَكُون تقديمُه عليه لمُرَاعَاةِ الفواصلِ، والأَصْلُ: فاسأل خَبيرًا به.
لَوْ قَالَ قَائِل: هل يُمْكِنُ أَنْ نَحْمِل معنى قولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ عَلَى التعظيمِ؟
يُمكِن أنْ تتضمن هَذَا بمعنى ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، يَعْنِي: اسألْ مَن هو مِن أعلمِ النَّاسِ خِبرةً بما يُخْبِرُكَ بِهِ معناهُ، إِنَّمَا أخبرناك بذلكَ ونحنُ أعلمُ مَن يُخبِرك بِهِ، فكأنه من بابِ التعظيمِ والمبالغةِ، قَالَ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ولَيْسَ المرادُ حقيقةَ السؤالِ، إِنَّمَا المراد التعظيم، يَعْنِي: ما أعظمَ مَن أَخبرَكَ خِبرةً. وهذَا وجهٌ جيِّدٌ، ولا تمُانِعُهُ الآيةُ.
لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَنِ المرادُ بِهذَا الخَبيرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أنْ نَسْأَلَهُ؟
الخبيرُ هو اللَّهُ، فكأنه يقولُ: فاسألْ بِهِ خبيرًا، يَعنِي خُذِ الخِبْرَةَ والعلمَ منِّي؛ لأنّي خبيرٌ بنفسي، هذَا المعنى، ومنه قولُ عائشةَ ﵂: "عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ" (١) تعني نفسَها حينما سُئِلَتْ عن مسألةٍ.
فالمعنَى: اسألْ عنِ اللَّهِ خَبيرًا بِهِ وهو نفسُه.
стр. 240
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى والثَّانيةُ: إثباتُ خلقِ السَّمواتِ والْأَرضِ، وأنها كانتْ معدومةً، فيَكُون فِي هذَا ردٌّ لقولِ الفلاسفةِ القائلينَ بِقِدَمِ الأفلاكِ؛ لِأَنَّ ما كَانَ مخلوقًا فَإِنَّهُ لَيْسَ بقديمٍ، والمراد بقولنا: لَيْسَ بقديمٍ بالمعنى المصْطَلَح عليه عندَ الفلاسفةِ؛ أن القديمَ هو الأزليّ، لا أن المراد القِدَم اللُّغَوي؛ لأنَّ القديمَ فِي اللغةِ هو الشَيْءُ المتقدِّم، وإن كَانَ حادثًا، كما قَالَ اللَّه : ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، لكِن فِي اصطلاح الفلاسفةِ إذا قالوا: قديمٌ، فمَعْنَاهُ أزليٌّ، لَيْسَ بحادثٍ. نقولُ: هذه الآية تَرُدُّ عليهم؛ لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
الْفَائِدَة الثالثة: أن الَّذِي يَنبغي أن يلاحظَه الفاعلُ هو الإتقانُ والتثبُّت فِي الأمورِ؛ حَتَّى يخرجَ الشَيْءُ المَفْعُولُ عَلَى الكمالِ، وهذا ما أشارَ إليه المُفَسِّر ﵀.
الْفَائِدَة الرابعةُ: حِكمة اللَّهِ بِتَسْيِيرِ الأمورِ حَسَبَ أسبابها، عَلَى الوجهِ الَّذِي أَشَرنا إليه؛ لِأَنَّ خلقها امتدَّ إِلَى ستةِ أيامٍ؛ لِأَنَّها تَتَطَوَّر وتَتَعَلَّق بأسبابٍ معيَّنةٍ تكمُن فِي هَذِهِ المدَّةِ.
الْفَائِدَة الخامسة: كمالُ قُدرة اللَّهِ ؛ لأنَّ هذه السَّمواتَ والْأَرضَ وما بينَهما أمورٌ عظيمةٌ، لا يستطيعُ الخَلْقُ أن يَخْلُقُوها أبدًا، لا فِي ستَّة أيامٍ ولا فِي ستِّينَ قَرنًا، الَّذِينَ صَنَعُوا الأقمارَ الصناعيَّةَ أوَّل ما أَخْرَجوها نعلم ماذا حصل من الضَّجَّة العظيمة، والتعظيم العظيم لِهَوُلَاءِ الَّذِينَ صَنَعُوها، معَ أنها ليستْ بشَيْءٍ بالنسبةِ لأقربِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ، لا بذاتِه ولا بالحجمِ، ولا بالكيفيَّة، ولا بالقوَّة، ولا بالانتظامِ، فإنها تزول فِي آخِر الأمر ويَختلف نِظامها وتَتْلَف.
الحاصلُ: أن فِي خلقِ السَّمواتِ والْأَرْضِ، ولو فِي الأيَّام الستَّة، فِيهِ دليلٌ عَلَى
стр. 241
كمالِ قُدرة اللَّهِ ﵎، وعَظَمَتِه؛ لِأَنَّ عِظَم المخلوقِ يَدُلّ عَلَى عِظَمِ الخالِق، كما أنَّ عِظَم الفعلِ فِي غيرِ الخالقِ يدلّ عَلَى عَظَمَةِ الفاعلِ ومَهارتهِ وقُدرَته، ولهذا النَّاس إذا رَأَوْا بناءً مُحْكَمًا يُثْنُونَ عَلَى البانِي أوَّلًا، ثم عَلَى البِناء.
ويُذْكَر فِي (الحيْدَة) الَّذي يُنْسَبُ إِلَى عبد العزيز الكناني، إنْ صَحَّ عنه، أن أحدَ الَّذِينَ ناظروه عند الخليفةِ انتقدَ خِلْقَتَه، فَقَالَ له: عبد العزيز الكناني: أنت ما انْتَقَدتَنِي، إِنَّمَا انتقدتَ الخالِقَ. ثم ضربَ مثلًا بأنه لو كَانَ الجِدَار الَّذِي عند الخليفةِ مُشَوَّهًا ومائلًا، ثم عِيبَ الجِدار، فالعَيْب يَقَع حقيقة عَلَى الباني الَّذِي بناه، فخِلْقَة الْإِنْسَانِ ليستْ مِنِ اختيارِهِ، فلا يُذَمُّ عَلَيْهَا (١).
ولذلك ما وَرَدَ من الأحاديثِ الَّتِي تُعَلِّق الذمَّ عَلَى الخِلقة فإنما ذلك لَيْسَ للخلقةِ نفسِها، ولَكِنه دليلٌ عَلَى ما تُحْمَل عليه هذه الخِلْقَة من الصِّفاتِ الَّتِي يُذَمُّ عَلَيْها العبدُ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ فِي بعضِ الأحاديثِ ذَمٌّ، ثمَّ يُفَسِّره العلماءُ بِصِفَاتٍ خلقيَّةٍ، هذَا الذمُّ المعلَّق عَلَى صفةٍ نقولُ: إذا صحَّ أنَّ الحديثَ يُفَسَّر بهذه الصِّفاتِ الخَلْقيَّة فليس ذلك لأجلِ هذه الصِّفات الخَلْقية، ولَكِنْ لمِا تَتَضَمَّنَهُ غالبًا من صفاتٍ فعلية أو خُلقية للإنْسَان؛ إذِ الْإِنْسَانُ لا يُذَمُّ عَلَى ما خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ، وإنما يُذَمُّ عَلَى ما كَانَ باختيارِهِ.
الْفَائِدَة السادسةُ والسابعةُ: استواء اللَّهِ عَلَى عَرشِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وأنَّ الاستواءَ مِن الصِّفاتِ الفعليَّةِ، لَيْسَ مِن الصِّفاتِ الذَّاتيَّة؛ لِأَنَّهُ مرتَّب بعد خلقِ السَّمواتِ، يَعْنِي حادثًا، وهل الاستواء قبلَ خلقِ السَّمواتِ والْأَرضِ
стр. 242
ثابتٌ أو لَيْسَ بثابتٍ؟ نقول: الاستواءُ عَلَى العَرشِ قبل الخلْق لا نَتكلَّم فيه، اللَّهُ أعلمُ به، لَكِن الاستواء عَلَى العرشِ حِينَ الخلْق لَيْسَ بموجودٍ؛ لِأَنَّ ذلكَ ينافي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، أمَّا قبل الخَلْقِ فالواجبُ السكوتُ عنه؛ لِأَنَّ ذلك لَيْسَ بِوُسْعِنا، واللَّه تَعَالَى لم يُخْبِرْ عن نفسِهِ بِهِ.
الْفَائِدَة الثامنة: ثُبُوت صفةِ الرَّحمةِ للَّه؛ لقولِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾، وإضافة الاستواء إِلَى الرَّحمنِ فِي قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ففيه إشارةٌ إِلَى أنَّهُ تَعَالَى مع عُلُوِّهِ عَلَى جميعِ مخلوقاتِه فإنَّ رحمتَه شاملةٌ لجميعِ الخَلْقِ، وليس كعُلُوِّ غيرهِ مِمَّن إذا على تَجَبَّر وتَكَبَّر وأخذ بالعُنْف والغِلظة.
الْفَائِدَة التاسعة: عِظَم صفاتِه ﵎؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
الْفَائِدَتان العاشرةُ والحاديةَ عشْرةَ: أَنَّهُ لا تُطْلَبُ معرفةُ اللَّهِ إِلَّا مِنَ اللَّهِ: مِنَ الخَبيرِ بِهِ، وهو اللَّه ؛ لقولِهِ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وأن هذه الآية تَشْهَد لمِا عليه أهلُ السنَّة والجَماعَة من أن أَسْماءَ اللَّهِ وصفاتِه تَوْقِيفيَّةٌ، لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يُثْبِتَ منها إِلَّا ما أَثْبَتَهُ اللَّه ورسوله، يَعْنِي أن وصفَ اللَّهِ تَعَالَى لا يَكُون إِلَّا بِحَسَبِ ما عَلِمْنَاهُ منه، فلا يُمْكِن أنْ نَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لم يَصِفْ بِهِ نفسَه، ولهذا قَالَ العلماءُ: إن أَسْماءَ اللَّهِ وصفاتِهِ توقيفيَّة، هذَا هو القَوْلُ الصحيحُ الراجِحُ، وإِنَّه لَيْسَ لنا أنْ نَصِفَ اللَّه تَعَالَى بما لم يَصِفْ بِهِ نفسَه؛ لِأَنَّ ذلك ينافي كمالَ الأدَبِ معَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وكما أنَّهُ لَيْسَ لنا أنْ نُحْدِثَ فِي شَرعِه شَيْئًا فليسَ لنا أن نَصِفَهُ بشَيْءٍ لم يَصِفْ بِهِ نفسَه، وللَّهِ المثلُ الأعلَى.
فَلَوْ قِيلَ لإنْسَانٍ: تحَدَّثْ عن رجلٍ، وهذا الرجلُ غائبٌ عنه، هل يملِك أنْ يَتَحَدَّث عن شَيْءٍ من صفاتِهِ إِلَّا ما يَعْلَم من الصِّفات البشرية، بأن يقول: هو إنْسَان
стр. 243
مخلوق يحيا ويموت، إِلَى آخِره، لكِن يتحدث عن صفةٍ ليست من الصِّفات العامَّة للصفاتِ البشريَّة فلا يجوز له، فكيف باللَّهِ !
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ التَّوْرَاةُ والإنجيلُ يُقَرِّرَانِ ويُثْبِتَانِ المَعادَ كما يُثْبِتُهُ القُرآنُ؟
الجواب: القُرآنُ تكلَّم عنِ المعادِ وتقريرِهِ وإثباتِهِ أكْثَرَ مِمَّا تكلمتْ بِهِ التوراةُ والإنجيلُ، وشيخُ الإسلامِ ﵀ فِي الحَمَوِيَّة كَلامُه يدلُّ عَلَى أن القُرآنَ تَكَلَّم عَنِ المَعَادِ وتقريره وإثباته أَكْثَر مما تكلمتْ بِهِ التوراةُ والإنجيلُ، وإلَّا فهو معلومٌ ومصرَّح بِهِ فِي كل الكتبِ، لكِن تقريرها لَيْسَ كتقريرِ القُرْآنِ، ولا يمكن أن يَستقيمَ عملُ النَّاسِ إِلَّا بالإيمانِ بالمعادِ، ولذلك الَّذِينَ يُنْكِرون المعادَ الآنَ ما دام أَنَّهُم يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤]، لن يعملوا، فالمراد تقريره عَلَى أوجهٍ شتّى؛ لِأَنَّ اللَّه قرَّر المعادَ فِي القُرْآن لَيْسَ بطَريقٍ وَاحِدٍ، بل بعِدَّة طرقٍ، ونحن أشرنا مرةً إِلَى أن آخِرَ سورة يس فِيها عَشَرَةُ أَوْجهٍ كلّها تقرِّر المَعاد، لكِن بعضها أصرحُ من بعضٍ.
* * *
وهذا الإنكارُ لا وجهَ له؛ لأنَّهُ ما دامَ قد أثبتَ بطَريقِ الرِّسَالةِ فلا وجهَ له لِكَوْنِهِم لا يَعْرِفُونه؛ لأنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي لا يُؤْمِن إِلَّا بما يَعْرِف هو تابعٌ لهواهُ، وليسَ مؤمنًا بالرُّسُلِ، ومنه ما يَفْعَلُه بعضُ العامَّةِ الآنَ إذا أُحْيِيَتْ سُنَّة مِن السننِ الَّتِي أُميتت، قالوا: ما هذا؟ ! هذَا دينٌ جديدٌ، لا نَقبَله ولا نريدهُ، نقولُ لِهَوُلَاءِ: إنهم يُشْبِهون هؤُلَاءِ الكُفَّارَ من بعضِ الوجوهِ، حيث أنكروا ما لا يَعرِفونه وقالوا: لن نَقْبَلَ، أين المشَايخ مِن هذَا الدينِ، وأين فلان وأين فلان؟ ! وهذا لَيْسَ بحُجَّة؛ لِأَنَّ الحقَّ يَجِب أنْ يُقبَل وأن يَكُونَ هوَى الْإِنْسَانِ تابعًا للحقِّ، لا أن الحقَّ تابعٌ لِهَواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
والواجبُ عَلَى المؤمنِ إذا رأَى ما لا يَعرِفه أو سمِع ما لا يَعرِفه التَّثَبُّتُ، صحيحٌ أن الْإِنْسَانَ يَستنكِر ما لا يعرِف، ولَكِن الواجب عليه نحوَ ذلك أنْ لا يُنكِر، والواجب عليه التثبُّت، وأنْ يَعْرِفَ مصدرَ هذَا الشَيْءِ، أمَّا أن يقولَ: أتيتم بدينٍ جديدٍ ولا نَقْبَله، فليسَ كَذَلِك، بل إن الَّذِي يحيى سُنَّة هو الَّذِي أتى بالدينِ القديمِ، وما خالَفَ السنَّة فَهُوَ الدينُ الجديدُ المُحْدَث، أَمَّا السنة فهي الدينُ القديمُ الَّذِي عليه الرَّسول ﵊ وأصحابه.
والحاصِلُ: أنك لا تكاد تجد معصيةً مِنَ المعاصي إِلَّا وَفِيها مُشابَهة من جنسها من الكُفْرِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل نأخُذُ من الآيةِ فضيلةَ السجودِ من بَيْنِ العباداتِ؟
هذَا إِذَا قُلْنَا: إن السجودَ خاصٌّ، لكِن الآية محتمِلة أن المرادَ بالسجودِ ما هو أعمُّ؛ أي الخُضُوع المطلَق، لا الخضوع بالسجود المعروف، وما دام وجد احْتِمَال لا يَتمّ الاستدلالُ.
стр. 246
قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ هذَا أَيْضًا إنكارٌ واستكبارٌ، يَعْنِي كيف نسجدُ لِمَا تَأْمُرنا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالفوقانيَّة والتحتانيَّة، والآمِر مُحَمَّد ﷺ ].
قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ (ما) هَذِه هل هي بمعنى (مَنْ) أو (ما) مصدريَّة، يَعْنِي هل المعنى: لمِن تأمُرنا بالسجودِ له، فتكون موصولةً، بمعنى (مَن)، أو أنها مصدريَّة؛ أي لِأَمْرِك؟ كلاهما ممكِن، والمُفَسِّر ﵀ يقولُ: [ولا نَعْرِفه]، يشير إِلَى أن (ما) اسْم موصول، يَعْنِي للذي تأمرنا أن نسجدَ له، ونحن لا نعرِفه، فعلى مُقْتَضَى تفسيرِه تكون (ما) بمعنَى (مَن)، وحينئذٍ التعبيرُ بـ (ما) بَدَل (مَن) فِي غير الجمادِ أو فِي غير مَن لا يَعقِل -كما يَقُولُونَ- خِلاف الأَصْلِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أنْ يُعَبَّر عن ذي العلمِ بـ (مَنْ)، لا بـ (ما)، ولا يُعَبَّر بـ (ما) إِلَّا لملاحظة شَيْء، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، لم يَقُلْ: (مَنْ طابَ)، فما هو هذَا الشَيْء؟ نقول: في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هو لا يريد امرأةً بعينِها حَتَّى يعبر عنها بـ (مَنْ)، إِنَّمَا يريد الجنسَ الَّذِي يُتَزَوَّج لِطِيبِه، فيَكُون فِي ذلك مراعيًا للصفةِ، لا للموصوفِ، ولهذا أتى بـ (ما) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، كَذَلِك أَيْضًا قوله: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ إذا جَعَلْنا (ما) بمعنى (مَنْ) نقول: عَدَلُوا عن الموصوفِ إِلَى الإشارةِ إِلَى الصِّفةِ؛ لأَنَّهُمْ يُنكِرون هذَا الوصفَ الَّذِي هو الرَّحمنُ، فكأَنَّهُمْ قالوا: أنسجُدُ لأمرٍ مجهولٍ غير معلومٍ، وهو ما تأمرنا بالسجودِ له، أمَّا عَلَى أن تكون (ما) مصدريَّة فالأمرُ واضحٌ جدًّا، يَعنِي كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَسْجُدُ لِأَمرِكَ وأنتَ لستَ بشَيْءٍ عندنا؛ لأَنَّهُمْ قالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، فيَكُون هنا جَمَعُوا بَيْنَ الإنكارِ والاستكبارِ، الإنكار لصفةٍ من صفاتِ اللَّهِ واسْمٍ من أسمائِه، ثم الإنكار لِمَا أُمِرُوا بالسجودِ له،
стр. 247
ثم الاستكبار عن أمرِ النَّبيِّ ﷺ .
قوله : ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ فِيهَا قراءة، يقول المُفَسِّر ﵀: [بالفوقانيَّة والتحتانيَّة] قراءتان سَبعِيَّتانِ (١)، أمَّا عَلَى قراءةِ التحتانيَّة: "لِمَا يَأْمُرنا" فلا إشكالَ فِيهَا؛ لِأَنَّ التقديرَ: أنسجد لمِا يَأْمرنا القائِل، لكِن عَلَى قراءة ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ هنا خَصَّص، ويقصدون بقولهم: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ النَّبي ﵊، قال: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ فما الحِكْمَة فِي أنَّهُ عَبَّر فِي الأوَّل بالعمومِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ أَبْهَمَ القائلَ لعمومِه، وهنا قَالَ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؟ يَعْنِي كأنَّ كلَّ أحدٍ يَأْمُرُهم بالسجودِ، يَعْنِي مهما قِيلَ لهم يَقُولُونَ للقائلِ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، فيَكُون فِي الأَوَّل حكَى ما يُقال، وهنا حكاها عَلَى سبيلِ المخاطبةِ، هم يَقُولُونَ لكلِّ إنْسَانٍ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾.
فعلى هَذَا التقدير الَّذِي قُلْنَا لا يَكُونُ المرادُ بقولهِم ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ الرَّسول، بل ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أيُّها القائل، فيَكُون هنا عُدُولٌ عن الغَيْبَة إِلَى الخِطاب، يَعْنِي إذا قِيلَ لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ قَالُوا لمِن قَالَ لهم: اسْجُدُوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
وعلى رأي المُفَسِّر ﵀ نقولُ: الآمِرُ مُحَمَّد ﵊، فيَكُون فِيهِ عُدُولٌ عن العمومِ إِلَى الخصوصِ، إذا كَانَ المعنى: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنا يا مُحَمَّدُ يَكُون عدولًا عن العمومِ إِلَى الخصوصِ، فإذا أَنْكَروا ذلكَ مِنَ النَّبيِّ ﵊ فإنكارُهُم إيَّاه من غيرِه من باب أَوْلَى.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ عامٌّ فِي كفَّار مكَّة وغيرهم من الكفارِ الَّذِينَ سيأتون وهَذِهِ صِفَتُهم؟
стр. 248
فالجواب: نحنُ لَا نَعْلَم القضيَّة إِلَّا فِي كفَّارِ مَكَّة؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ سَبَب نزول الآيةِ.
فَلَوْ قِيلَ: هَذَا هو موقِف الكفارِ.
نقول: هَؤُلَاءِ الكفارُ أنكروا أمرينِ؛ أَنْكَرُوا السجودَ، قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ولو جاء الأمر من غيرِكَ لَكِنَّا نَنْظُر. والثَّاني: إنكار الرَّحمنِ ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، فهل كل كافِرٍ ينكر الرَّحمنَ، لا نَدْرِي.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَزَادَهُمْ﴾ هَذَا القَوْلُ لهم ﴿نُفُورًا﴾ عن الإيمانِ] والعياذ باللَّه، يَعْنِي ما زادهم إقبالًا ولا امتثالًا، بل زادهم نفورًا، وَفي هَذَا دَليلٌ عَلَى أن واجبَ الداعِيَةِ أنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ، سواء امتثلَ المدعوُّ أمْ نَفَرَ، وقد كَانَ بعضُ النَّاسِ يسألُ يقولُ: إذا كَانَ هَذَا المدعوُّ إذا دَعَوْتُه يزدادُ نفورًا وكراهِيَةً للشرعِ، ولِمَا يُؤْمَرُ بِهِ، هل يجوزُ أنْ أَدْعُوَهُ أو يَحْرُم أنْ أدعوَهُ؛ لأني أكونُ سَبَبًا لنفورر واستكبارِهِ، ونفورُهُ واستكبارُهُ أعظمُ من مَعْصِيَتِهِ المجرَّدة، يقول: أنا إذا دعوتُ أخي أو عمِّي أو أبي ازدادَ نفورًا واستكبارًا، فأكون سَبَبًا لاستكبارِهِ ونفورِهِ وكراهِيَتِهِ للحقِّ، وذلك أعظمُ من مجردِ المعصيةِ أو تَرْك الواجبِ، فهل أَتْرُكُهُ أو أدعوه؟ وحينَئذٍ أَرَى نفسِي فِي حَرَجٍ أنِّي تَسَبَّبْتُ له فوقعَ فِي هَذَا الأمرِ العظيمِ؟
نقول: في الآية الَّتِي مَعَنَا يقول اللَّهُ : ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، هل الرَّسول ﵊ لمَّا رأى هَؤُلَاءِ يَزْدَادُونَ نفورًا تركَ الدعوةَ؟
الَّذِي نرى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تدعوَ عَلَى العمومِ، وليس عليكَ هُداهم، ولَكِن اللَّه يَهْدِي مَن يشاء؛ لأنَّكَ إذا سَكَتَّ عنه استمْرَأَ المعصيَةَ ولم يَرَهَا معصيةً، ولم يَسْتَقِمْ، ثم هو أَيْضًا ربما يَستكْبِر، ولَكِنَّه بعدَ ذلكَ يَرجِع ويحاسِب نفسَه، والكلمة الَّتِي تقالُ للَّهِ لا بدَّ أن تؤثِّر تأثيرًا بالغًا، وما نحن ببعيدٍ عن تكرارِ قضيَّة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
стр. 249
حينما تكلمَ للناسِ جميعًا وللسَّحَرَةِ بالأخصِّ، فَقَالَ لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]، فهَذَا كَلامٌ قاسٍ وتَوَعُّد ووعيد، ومع ذلك قَالَ : ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢]، و (الفاء) تَدُلُّ عَلَى التفريعِ والتعقيبِ، يَعْنِي صارت هَذِهِ الكلمة بمنزلةِ ما يُسَمُّونَهُ بالقنبلةِ الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، فأنتَ لا تَظُنُّ أنَّ كَلِمَتَكَ الَّتِي تَقُولهُا للَّه تَضِيع سُدًى، لا بدَّ لها من تأثيرٍ، وهذا التأثيرُ وإنْ كَانَ قد لا يَكُونُ فِي الوقتِ الحاضَرِ، ولَكِنَّه لا بدَّ أن يؤثِّر.
والنَّبيُّ ﵊ دَعَا قَوْمَه وأُوذِيَ إِلَى حَدِّ أَنَّهُم يَضَعُونَ السَّلَا عليه وهو ساجدٌ (١)، وإلى حدِّ أَنَّهُمْ يُلْقُونَ العَذِرَاتِ والأقذارَ عندَ عَتَبَتِه.
وأنتَ إذا كنتَ مؤمنًا بقولِ اللَّهِ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، ما يَضُرُّكَ هذا، فالعاقبةُ للمتَّقين، وأنا قلتُ قبلَ ذلك: إن المرادَ بنجاح الدعوةِ نجاحُ الجنسِ، لا الشخص، قد لا تَنْجَح أنتَ بشخصِكَ وتموت وأنت ما نِلْتَ المقصودَ، لكِن الكَلام عَنِ الدَّعوة أنها نجحتْ وأثرت، وهذا لا بدَّ أنْ يَكُونَ، ونحنُ قُلْنَا هَذَا مِن قبل، ثم اقْرَأْ قولَ اللَّه : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]، ماذا بعدها؟ لم يقل فاشكر نعمةَ ربك عَلَى هَذَا الإنزال قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الإنْسَان: ٢٤]، معنى ذلك أن الَّذِي يَتَحَمَّل هَذَا القُرْآن، سواء نزل عليه أو حَفِظه، لا بدَّ أنْ ينالَهُ ما يناله، سواء بالنسبةِ لنفسِهِ الَّتِي تأمُرُه بالسُّوء وبمخالفة هَذَا الوحي، أو بالنسبة لغير، أَمَّا هَذِهِ الأشياء فهي جُبْنٌ فِي الحقيقةِ ومن الشيطانِ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،
стр. 250
ونحن نقول هَذَا ونقرِّره، وإنْ كنَّا مقصِّرين، لكِن لا بدَّ من بيانِ الحقِّ، والتقصير عَلَى أنفسِنا فِي الحقيقةِ، لَكِنَّنا نرى أن الداعيةَ إِلَى اللَّهِ، بل والعالِم الَّذِي أعطاهُ اللَّهُ علمًا، لا بدَّ أنْ يَنْشُرَهُ وأن يدعوَ إليه، وإلَّا صار حجَّةً عليه، وربما لا يكرهونه إِلَّا فِي الظاهِرِ، لِأَنَّ فِي أنفسهم مِنَ الحَسَدِ أو ما فِي أنفسهم من كراهةِ مخالفةِ هواهُمْ ما يؤدِّي إِلَى أَنَّهم يعادونه ظاهرًا وإنْ كانتْ قلوبهم تحبّه، فربما يَكُون هَذَا أيضًا.
عَلَى كل حالٍ فالمسألة أَنَّهُ إنْ أصابكَ ما أصابكَ مِنَ الأذى مع الاستقامةِ، فإن هَذَا لِرِفْعَةِ درجاتِكَ، وإنْ أصابَكَ ما أصابكَ من الأذى معَ عدمِ الاستقامةِ، يَعْنِي إما خطأ فِي سبيل الدعوةِ فما استعملتَ ما أرشد اللَّه إليه مِنَ الحِكْمَةِ والموعظةِ الحسنةِ والمجادلةِ بالَّتِي هي أحسنُ، فإن هَذَا الأذى يَكُون تكفيرًا لسيئاتِكَ الَّتِي وقعتْ منكَ، فأنتَ عَلَى كل حالٍ لا بدَّ أن تُنالَ بأذًى، لَكِنه إما رفعة للدرجاتِ أو تكفير للسيئاتِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعض النَّاس يَقُولُونَ: كيف نَدْعُو النَّاسَ ونحن عاجزونَ عن إصلاحِ أنفسِنا؟
فنقول: إذا لم تَدْعُ النَّاسَ فأنتَ أفسدتَ نفسَكَ باختيارِكَ؛ لِأَنَّ من إصلاح نفسِكَ الدعوةُ إِلَى اللَّهِ، فإذا لم تدعُ إِلَى اللَّهِ أفسدتَ نفسَكَ باختيارك، فاتقِ اللَّهَ ما استطعتَ، أمَّا أنْ تَتْرُكَ واجبًا لأنك تترك واجبًا آخرَ فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ. ولَا شَكَّ أَنَّهُ من سُوء الأدبِ، ومن عدمِ الحِكْمَةِ أن الْإِنْسَانَ يدعو إِلَى أمرٍ وهو متلبِّس بضدِّ ما يأمر به:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)