← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ هذَا أَيْضًا إنكارٌ واستكبارٌ، يَعْنِي كيف نسجدُ لِمَا تَأْمُرنا، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالفوقانيَّة والتحتانيَّة، والآمِر مُحَمَّد ﷺ ]. قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ (ما) هَذِه هل هي بمعنى (مَنْ) أو (ما) مصدريَّة، يَعْنِي هل المعنى: لمِن تأمُرنا بالسجودِ له، فتكون موصولةً، بمعنى (مَن)، أو أنها مصدريَّة؛ أي لِأَمْرِك؟ كلاهما ممكِن، والمُفَسِّر ﵀ يقولُ: [ولا نَعْرِفه]، يشير إِلَى أن (ما) اسْم موصول، يَعْنِي للذي تأمرنا أن نسجدَ له، ونحن لا نعرِفه، فعلى مُقْتَضَى تفسيرِه تكون (ما) بمعنَى (مَن)، وحينئذٍ التعبيرُ بـ (ما) بَدَل (مَن) فِي غير الجمادِ أو فِي غير مَن لا يَعقِل -كما يَقُولُونَ- خِلاف الأَصْلِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أنْ يُعَبَّر عن ذي العلمِ بـ (مَنْ)، لا بـ (ما)، ولا يُعَبَّر بـ (ما) إِلَّا لملاحظة شَيْء، مثل قوله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، لم يَقُلْ: (مَنْ طابَ)، فما هو هذَا الشَيْء؟ نقول: في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هو لا يريد امرأةً بعينِها حَتَّى يعبر عنها بـ (مَنْ)، إِنَّمَا يريد الجنسَ الَّذِي يُتَزَوَّج لِطِيبِه، فيَكُون فِي ذلك مراعيًا للصفةِ، لا للموصوفِ، ولهذا أتى بـ (ما) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، كَذَلِك أَيْضًا قوله: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ إذا جَعَلْنا (ما) بمعنى (مَنْ) نقول: عَدَلُوا عن الموصوفِ إِلَى الإشارةِ إِلَى الصِّفةِ؛ لأَنَّهُمْ يُنكِرون هذَا الوصفَ الَّذِي هو الرَّحمنُ، فكأَنَّهُمْ قالوا: أنسجُدُ لأمرٍ مجهولٍ غير معلومٍ، وهو ما تأمرنا بالسجودِ له، أمَّا عَلَى أن تكون (ما) مصدريَّة فالأمرُ واضحٌ جدًّا، يَعنِي كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنَسْجُدُ لِأَمرِكَ وأنتَ لستَ بشَيْءٍ عندنا؛ لأَنَّهُمْ قالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، فيَكُون هنا جَمَعُوا بَيْنَ الإنكارِ والاستكبارِ، الإنكار لصفةٍ من صفاتِ اللَّهِ واسْمٍ من أسمائِه، ثم الإنكار لِمَا أُمِرُوا بالسجودِ له،

стр. 247

ثم الاستكبار عن أمرِ النَّبيِّ ﷺ . قوله : ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ فِيهَا قراءة، يقول المُفَسِّر ﵀: [بالفوقانيَّة والتحتانيَّة] قراءتان سَبعِيَّتانِ (١)، أمَّا عَلَى قراءةِ التحتانيَّة: "لِمَا يَأْمُرنا" فلا إشكالَ فِيهَا؛ لِأَنَّ التقديرَ: أنسجد لمِا يَأْمرنا القائِل، لكِن عَلَى قراءة ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ هنا خَصَّص، ويقصدون بقولهم: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ النَّبي ﵊، قال: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ فما الحِكْمَة فِي أنَّهُ عَبَّر فِي الأوَّل بالعمومِ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ أَبْهَمَ القائلَ لعمومِه، وهنا قَالَ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؟ يَعْنِي كأنَّ كلَّ أحدٍ يَأْمُرُهم بالسجودِ، يَعْنِي مهما قِيلَ لهم يَقُولُونَ للقائلِ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، فيَكُون فِي الأَوَّل حكَى ما يُقال، وهنا حكاها عَلَى سبيلِ المخاطبةِ، هم يَقُولُونَ لكلِّ إنْسَانٍ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾. فعلى هَذَا التقدير الَّذِي قُلْنَا لا يَكُونُ المرادُ بقولهِم ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ الرَّسول، بل ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ أيُّها القائل، فيَكُون هنا عُدُولٌ عن الغَيْبَة إِلَى الخِطاب، يَعْنِي إذا قِيلَ لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ قَالُوا لمِن قَالَ لهم: اسْجُدُوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. وعلى رأي المُفَسِّر ﵀ نقولُ: الآمِرُ مُحَمَّد ﵊، فيَكُون فِيهِ عُدُولٌ عن العمومِ إِلَى الخصوصِ، إذا كَانَ المعنى: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنا يا مُحَمَّدُ يَكُون عدولًا عن العمومِ إِلَى الخصوصِ، فإذا أَنْكَروا ذلكَ مِنَ النَّبيِّ ﵊ فإنكارُهُم إيَّاه من غيرِه من باب أَوْلَى. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ عامٌّ فِي كفَّار مكَّة وغيرهم من الكفارِ الَّذِينَ سيأتون وهَذِهِ صِفَتُهم؟

стр. 248

فالجواب: نحنُ لَا نَعْلَم القضيَّة إِلَّا فِي كفَّارِ مَكَّة؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ سَبَب نزول الآيةِ. فَلَوْ قِيلَ: هَذَا هو موقِف الكفارِ. نقول: هَؤُلَاءِ الكفارُ أنكروا أمرينِ؛ أَنْكَرُوا السجودَ، قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، كأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ولو جاء الأمر من غيرِكَ لَكِنَّا نَنْظُر. والثَّاني: إنكار الرَّحمنِ ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، فهل كل كافِرٍ ينكر الرَّحمنَ، لا نَدْرِي. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَزَادَهُمْ﴾ هَذَا القَوْلُ لهم ﴿نُفُورًا﴾ عن الإيمانِ] والعياذ باللَّه، يَعْنِي ما زادهم إقبالًا ولا امتثالًا، بل زادهم نفورًا، وَفي هَذَا دَليلٌ عَلَى أن واجبَ الداعِيَةِ أنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ، سواء امتثلَ المدعوُّ أمْ نَفَرَ، وقد كَانَ بعضُ النَّاسِ يسألُ يقولُ: إذا كَانَ هَذَا المدعوُّ إذا دَعَوْتُه يزدادُ نفورًا وكراهِيَةً للشرعِ، ولِمَا يُؤْمَرُ بِهِ، هل يجوزُ أنْ أَدْعُوَهُ أو يَحْرُم أنْ أدعوَهُ؛ لأني أكونُ سَبَبًا لنفورر واستكبارِهِ، ونفورُهُ واستكبارُهُ أعظمُ من مَعْصِيَتِهِ المجرَّدة، يقول: أنا إذا دعوتُ أخي أو عمِّي أو أبي ازدادَ نفورًا واستكبارًا، فأكون سَبَبًا لاستكبارِهِ ونفورِهِ وكراهِيَتِهِ للحقِّ، وذلك أعظمُ من مجردِ المعصيةِ أو تَرْك الواجبِ، فهل أَتْرُكُهُ أو أدعوه؟ وحينَئذٍ أَرَى نفسِي فِي حَرَجٍ أنِّي تَسَبَّبْتُ له فوقعَ فِي هَذَا الأمرِ العظيمِ؟ نقول: في الآية الَّتِي مَعَنَا يقول اللَّهُ : ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، هل الرَّسول ﵊ لمَّا رأى هَؤُلَاءِ يَزْدَادُونَ نفورًا تركَ الدعوةَ؟ الَّذِي نرى أنَّهُ يَجِبُ أنْ تدعوَ عَلَى العمومِ، وليس عليكَ هُداهم، ولَكِن اللَّه يَهْدِي مَن يشاء؛ لأنَّكَ إذا سَكَتَّ عنه استمْرَأَ المعصيَةَ ولم يَرَهَا معصيةً، ولم يَسْتَقِمْ، ثم هو أَيْضًا ربما يَستكْبِر، ولَكِنَّه بعدَ ذلكَ يَرجِع ويحاسِب نفسَه، والكلمة الَّتِي تقالُ للَّهِ لا بدَّ أن تؤثِّر تأثيرًا بالغًا، وما نحن ببعيدٍ عن تكرارِ قضيَّة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

стр. 249

حينما تكلمَ للناسِ جميعًا وللسَّحَرَةِ بالأخصِّ، فَقَالَ لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]، فهَذَا كَلامٌ قاسٍ وتَوَعُّد ووعيد، ومع ذلك قَالَ : ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢]، و (الفاء) تَدُلُّ عَلَى التفريعِ والتعقيبِ، يَعْنِي صارت هَذِهِ الكلمة بمنزلةِ ما يُسَمُّونَهُ بالقنبلةِ الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، فأنتَ لا تَظُنُّ أنَّ كَلِمَتَكَ الَّتِي تَقُولهُا للَّه تَضِيع سُدًى، لا بدَّ لها من تأثيرٍ، وهذا التأثيرُ وإنْ كَانَ قد لا يَكُونُ فِي الوقتِ الحاضَرِ، ولَكِنَّه لا بدَّ أن يؤثِّر. والنَّبيُّ ﵊ دَعَا قَوْمَه وأُوذِيَ إِلَى حَدِّ أَنَّهُم يَضَعُونَ السَّلَا عليه وهو ساجدٌ (١)، وإلى حدِّ أَنَّهُمْ يُلْقُونَ العَذِرَاتِ والأقذارَ عندَ عَتَبَتِه. وأنتَ إذا كنتَ مؤمنًا بقولِ اللَّهِ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، ما يَضُرُّكَ هذا، فالعاقبةُ للمتَّقين، وأنا قلتُ قبلَ ذلك: إن المرادَ بنجاح الدعوةِ نجاحُ الجنسِ، لا الشخص، قد لا تَنْجَح أنتَ بشخصِكَ وتموت وأنت ما نِلْتَ المقصودَ، لكِن الكَلام عَنِ الدَّعوة أنها نجحتْ وأثرت، وهذا لا بدَّ أنْ يَكُونَ، ونحنُ قُلْنَا هَذَا مِن قبل، ثم اقْرَأْ قولَ اللَّه : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]، ماذا بعدها؟ لم يقل فاشكر نعمةَ ربك عَلَى هَذَا الإنزال قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الإنْسَان: ٢٤]، معنى ذلك أن الَّذِي يَتَحَمَّل هَذَا القُرْآن، سواء نزل عليه أو حَفِظه، لا بدَّ أنْ ينالَهُ ما يناله، سواء بالنسبةِ لنفسِهِ الَّتِي تأمُرُه بالسُّوء وبمخالفة هَذَا الوحي، أو بالنسبة لغير، أَمَّا هَذِهِ الأشياء فهي جُبْنٌ فِي الحقيقةِ ومن الشيطانِ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،

стр. 250

ونحن نقول هَذَا ونقرِّره، وإنْ كنَّا مقصِّرين، لكِن لا بدَّ من بيانِ الحقِّ، والتقصير عَلَى أنفسِنا فِي الحقيقةِ، لَكِنَّنا نرى أن الداعيةَ إِلَى اللَّهِ، بل والعالِم الَّذِي أعطاهُ اللَّهُ علمًا، لا بدَّ أنْ يَنْشُرَهُ وأن يدعوَ إليه، وإلَّا صار حجَّةً عليه، وربما لا يكرهونه إِلَّا فِي الظاهِرِ، لِأَنَّ فِي أنفسهم مِنَ الحَسَدِ أو ما فِي أنفسهم من كراهةِ مخالفةِ هواهُمْ ما يؤدِّي إِلَى أَنَّهم يعادونه ظاهرًا وإنْ كانتْ قلوبهم تحبّه، فربما يَكُون هَذَا أيضًا. عَلَى كل حالٍ فالمسألة أَنَّهُ إنْ أصابكَ ما أصابكَ مِنَ الأذى مع الاستقامةِ، فإن هَذَا لِرِفْعَةِ درجاتِكَ، وإنْ أصابَكَ ما أصابكَ من الأذى معَ عدمِ الاستقامةِ، يَعْنِي إما خطأ فِي سبيل الدعوةِ فما استعملتَ ما أرشد اللَّه إليه مِنَ الحِكْمَةِ والموعظةِ الحسنةِ والمجادلةِ بالَّتِي هي أحسنُ، فإن هَذَا الأذى يَكُون تكفيرًا لسيئاتِكَ الَّتِي وقعتْ منكَ، فأنتَ عَلَى كل حالٍ لا بدَّ أن تُنالَ بأذًى، لَكِنه إما رفعة للدرجاتِ أو تكفير للسيئاتِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعض النَّاس يَقُولُونَ: كيف نَدْعُو النَّاسَ ونحن عاجزونَ عن إصلاحِ أنفسِنا؟ فنقول: إذا لم تَدْعُ النَّاسَ فأنتَ أفسدتَ نفسَكَ باختيارِكَ؛ لِأَنَّ من إصلاح نفسِكَ الدعوةُ إِلَى اللَّهِ، فإذا لم تدعُ إِلَى اللَّهِ أفسدتَ نفسَكَ باختيارك، فاتقِ اللَّهَ ما استطعتَ، أمَّا أنْ تَتْرُكَ واجبًا لأنك تترك واجبًا آخرَ فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ. ولَا شَكَّ أَنَّهُ من سُوء الأدبِ، ومن عدمِ الحِكْمَةِ أن الْإِنْسَانَ يدعو إِلَى أمرٍ وهو متلبِّس بضدِّ ما يأمر به: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)

стр. 251

لكِن لَيْسَ معنى ذلك أنك تتركُ الواجبَ، فحاوِلْ أنْ تُصْلِحَ أمرَكَ، وأن تُصْلح أمرَ غيرِكَ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أن مِن عادةِ الكفارِ إنكارُ ما لا يَعرِفون، سواء كَانَ عمليًّا أو اعتقاديًّا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾. الْفَائِدَة الثَّانية: أن تعطيلَ الجهْمِيَّة وشُبههم أعظمُ مِن تعطيلِ هَؤُلَاءِ، فإذا كَانَ هَؤُلَاءِ كفرهم بإنكارِ الرَّحمنِ فكيف بمَن يُنكِر جميعَ الأَسْماءِ من الجَهْمِيَّة ونحوهم! ومعروفٌ أن المُعْتَزِلةَ لا ينكرون الأَسْماءَ، لكِن ينكرها غُلَاةُ الجهميَّة، ومعلوم أن الَّذِي ينكر الأَسْماءَ أعظمُ مِنَ الَّذِي ينكر اسْمًا وَاحِدًا، والكفار يُقِرّون باللَّهِ ويقرون بالرَّحيمِ، لم ينكروا إِلَّا الرَّحمنَ، قالوا: ما نعرِف إِلَّا رحمنَ اليَمَامَةِ. الْفَائِدَة الثالثة: أن الشرعَ لا يُقاس بالهوى والعقل، وإنَّما الشرعُ متبوعٌ وليس بتابعٍ. الْفَائِدَة الرابعة: أنَّ نفورَ المدعوّ من الدعوةِ لا يَستوجِب التوقُّف، ولا يَمنع الدعوةَ، وهَذِهِ الْفَائِدَة مهمَّة جِدًّا؛ لِأَنَّهَا مجال نقاش أو تساؤل من بعض الإخوان. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه تَعَالَى: ﴿فَذكرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] يقولُ بعض المفسِّرين: يَعْنِي تذكِّر الشخصَ إذا كانتِ الذكرَى نافعةً، فإذا رأيتَه لم يَنتفِعْ فاتْرُكْهُ لوقتٍ آخرَ ترى فِيهِ انتفاعَه، فهل تترك الدعوةَ عامَّةً فِي الوقتِ الحاضرِ أم ماذا؟ الجوابُ: هَذَا عَلَى كل حالٍ تَبَعَ الحِكْمَة؛ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، قد يَكُون لَيْسَ من الحِكْمَةِ أنك تدعوه فِي وقتٍ قد يَكُونُ فيه ضَجِرًا

стр. 252

أو مالًّا أو مُتْعَبًا، فلا يَكُون مناسبًا للدعوة، فاتْرُكْه وائْتِهِ فِي وقتٍ آخرَ، أَمَّا قوله تَعَالَى: ﴿فَذكرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ فالعلماءُ مختلِفون هل (إنْ) شرطيَّة أو أنَّها لبيانِ حالهِم، يَعْنِي إن كانت الذكرى سَتَنْفَعُهم فذَكِّرْهُم، يَعْنِي هَؤُلَاءِ لَيْسَ فيهم خيرٌ، ولا تنفعهم الذكرى، مثلما تقول: عَلِّمه إذا كَانَ العلمُ يَنْفَعه، ولَكِن عَلَى كل حالٍ الأَصْل أن الشرطَ مقصودٌ، وأيضًا قوله ﵊: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (١) من هَذَا النوع، فهَذَا منَ الحِكْمَةِ، وليس المعنى: لا تحدِّثُونهم بما لا يعرفون؛ لِأَنَّهُ قَالَ: "أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ"، فالمعنى: اسْلُكُوا سبيلَ الحِكمةِ. الْفَائِدَة الخامسة: أن عَلَى الداعي ألَّا يَرْبِطَ دَعْوَتَه بنتائجها، بمعنى أَنَّهُ لا يقولُ: إنْ وَجَدْتُ نتيجةً وإلَّا وقفتُ. الْفَائِدَة السادسةُ: أن عدمَ استجابةِ المَدْعُوِّينَ للداعي لا يدلُّ عَلَى فسادِ قَصْدِهِ أو عَمَلِهِ، ولا يدل أَيْضًا عَلَى تقصيرِهِ، يَعْنِي إذا دعا الْإِنْسَانُ ولَكِنَّه لم ينجحْ، فلا يجوزُ لنا أنْ نَتَّهِمَهُ ونقول: هَذَا لو كانتْ نيَّتُه صالحةً لانتفعَ النَّاسُ بِهِ. إذَن هَذِهِ فائدة عظيمةٌ؛ لِأَنَّهُ ربما يَكُونُ من بعض النَّاس اعتراضٌ عَلَى الداعي، يقول: هَذَا الداعي نيَّته باطلةٌ، لو أن نِيَّته صحيحةٌ ما نفرَ النَّاسُ منه. فهَذِهِ فائدةٌ طيِّبةٌ. الْفَائِدَة السابعة: تسليةُ الدُّعاة إذا قُدِّرَ أَنَّهُمْ لم يَنْجَحُوا مثلًا، فيقال: هَذَا النَّبي ﵊ دعا هَؤُلَاءِ القومَ، وزادهم نفورًا، لَكِنْ كانتِ العاقبةُ له، فأنتَ اصْبِرْ وستكون العاقبة للمتَّقين.

стр. 253

الْفَائِدَة الثامنة: إثبات صفةِ الرَّحمةِ وإثباتُ اسْمِ الرَّحمنِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أنكروه. الْفَائِدَة التاسعة: أن المعاصيَ يجرُّ بعضها بعضًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. الْفَائِدَة العاشرة: أن السجودَ من أسبابِ الرَّحمةِ، ولهذا قال: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، سواء السجود العامّ أو السجود الخاصّ، فَإِنَّهُ من أسباب الرَّحمةِ، ولهذا لم يقل: اسجدوا للَّه، بل قال: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ يَعْنِي لتصلوا إِلَى رحمةِ هَذَا المسجودِ له. الْفَائِدَة الحاديةَ عشْرةَ: وجوب امتثالِ أوامرِ الرَّسولِ ﵊، مأخوذ من ذمِّ المشركين بعدم استجابتهم لأمر الرَّسول ﷺ بالسجود للَّه. الْفَائِدَةُ الثَّانيةَ عشرةَ: بُلُوغ المشركينَ الغايةَ فِي الاستكبارِ، ولهذا ما قالوا: لا نريدُ السجودَ، بل قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ يَعْنِي: عَلَى فَرْضِ أَنَّنا يُمْكِنُ أنْ نَسْجُدَ فلا يُمْكِن أن نسجدَ لِأَمْرِكَ. الْفَائِدَتان الثالثةَ عَشْرَةَ والرابعةَ عشْرةَ: أَنَّهُ لا يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقِيسَ الحقَّ بقائِلِهِ، وإنَّما يُعْرَف الحقُّ بالحقِّ، لا بالقائلِ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاسِ إذا قُلْنَا مثلًا: هَذَا قاله فلانٌ، قَالَ: مَن فلان بالنسبةِ لفلانٍ؟ فيريدون أنْ يعرفوا الحقَّ بالرِّجالِ، والواجبُ -كما قَالَ النَّوَوِيُّ وغيرُه- أنْ يُعْرَفَ الرِّجالُ بالحقِّ. فكأنَّهم يَقُولُونَ: لو فُرِضَ أَنَّنا سَجَدْنا، ما سَجَدْنا لأمرِكَ، فيَكُون فِي هَذَا أَيْضًا دليلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أنْ يَنقادَ للحقِّ مهما كَانَ قائلُه، حَتَّى لو كَانَ من أَرْذَلِ النَاس فِي نظرِه، فالواجبُ عليه أنْ يَنقادَ للحقِّ لِأَنَّهُ حقٌّ، لا لأنَّ قائلَهُ ذاكَ الرجُل. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لمَّا قرأ الرَّسولُ ﵊ سُورةَ النَّجْم هل صَحيح أنَّ

стр. 254

الكفَّارَ سَجَدُوا (١) لسجود النَّبي ﷺ ؟ نقول: صحيح، لَكِنْ هل ذلك مِنْ أجْلِ ما ذُكِر أو لِقُوَّة ما أَخَذَهُمْ، يَعْنِي لمَّا كَانَ فِيها التهديدُ فِي الأوَّل ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٤] وقبلها أَيْضًا ذمّ الأصنامِ إِلَى آخِره، ثم جاءت أوصاف اللَّه ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]، ثمَّ جاءَ التهديدُ بِذِكْرِ الأمثالِ فِي الأُمَم السابقينَ، فكأنَّ هَذَا أخذَ بألبابهم حَتَّى نَسُوا ما هُمْ عَلَيْهِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف كَانَ كُفَّار مكَّة يَطَّلِعُون عَلَى القُرْآنِ؟ فمعروفٌ أنَّ الرَّسولَ كَانَ يَقْرَأُ وأَبو بكرٍ كَانَ يقرأ، وكان الصغارُ والنساءُ مِنَ الكفَّار يأتون إِلَى أبي بكرٍ يَستمِعون لقراءَتَهُ، ويَسْتَمِعُون أَيْضًا لقراءةِ النَّبيِّ ﵊، فهم يطَّلِعُون لأنَّ الرَّسولَ ﷺ يُبَلِّغُها والصحابة يبلِّغونها. * * *

стр. 255

الآية (٦١) * * * * قالَ اللَّه : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. * * * قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَبَارَكَ﴾ تَعَاظَمَ]، وتَقدَّم أَنَّهُ لا يَنبغي الاقتصارُ فِيهَا عَلَى تَعَاظَمَ؛ فإنَّها تدُلّ عَلَى كثرةِ الخيراتِ وسَعَتِها؛ لِأَنَّ هَذِهِ البُرُوجَ الَّتِي سَتَأْتِي فِيهَا مِنَ الخيرِ للناسِ والمصلحةِ والمنفعةِ ما يُناسِبُ هَذَا الوصفَ. وكلمة ﴿تَبَارَكَ﴾ مبالَغةٌ مِنَ البَرَكَةِ لزيادةِ (التاء)، وَهِيَ تقالُ للَّه ، والعامَّة عندنا يقولونها لغيرِ اللَّهِ، يَقُولُونَ: تباركتَ علينا، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ، فبعضُ النَّاسِ يَقُولُونَ: إن هَذَا الوصف خاصٌّ باللَّهِ، ولا يجوزُ أنْ تقولَ للإنْسَانِ: تباركتَ، ولَكِن الَّذِي نرَى أنَّهُ لا بأسَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يريدون بـ (تباركت) أن اللَّه وضعَ فيك بركةً، لا أنَّها بركة ذاتيَّة، فلا بأس بِهَا، والعِبرة بالمعاني، واللفظ إذا لم يكنْ فِيهِ محذورٌ شرعيٌّ فلا بأسَ به. وقوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هل قوله: ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر أو بمعنى وَضَعَ؟ بمعنى وضعَ، وعلى هَذَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وهو قوله: ﴿بُرُوجًا﴾.

стр. 256

قوله : ﴿بُرُوجًا﴾ جمع بُرْج، والبرج فِي الأَصْلِ البناءُ العالي المرتفِع، وهَذِهِ البروجُ الشاملةُ للنجومِ لِعُلُوِّها هي فِي الحقيقةِ مثل الأبنيَةِ الشامِخَةِ العاليةِ، يقول المُفَسِّر ﵀ [اثْنَي عَشَرَ]، هَذِهِ بَدَلٌ من ﴿بُرُوجًا﴾، يقول: [اثني عشر: الحَمَل، والثَّور، والجَوْزاء، والسَّرَطَان، والأَسَد، والسُّنْبُلة، والميزَان، والعَقْرَب، والقَوْس، والجَدْي، والدَّلْو، والحُوت] اثنا عشر برجًا، بدأ المُفَسِّر ﵀ بالحمل لِأَنَّهُ وقتُ اعتدالِ الزمانِ الربيعيّ؛ لِأَنَّهُ إذا حلَّتِ الشَّمْسُ أوَّل يومٍ من بُرج الحَمَل تَساوَى الليلُ والنهارُ ربيعًا عند ابتداءِ برج الحمل، يَعْنِي يَكُون الليل اثنتَي عشْرةَ ساعةً، ويَكُون النهار اثنتَي عشْرةَ ساعةً. هناك ثلاثةُ بُرُوج -الحمَل والثَّور والجوزاء- إذا تَمَّت الجوزاءُ وبدأَ السرطانُ انتهى الليلُ فِي القِصَرِ، والنهار فِي الطُّول، يَعْنِي أن الشَّمْس تَنتهي إِلَى البُروج الشماليَّة بعد هَذِهِ الثَّلاثَة: الحمل والثور والجوزاء، ثم بعد ذلكَ تَنصرِف الشَّمْس إِلَى الجنوبِ: السَّرَطَان والأسد والسُّنبلة، هَذِهِ الثَّلاثَة إذا مضت تَساوَى الليل والنهارُ خريفًا بعد انتهاءِ طُولِ النهارِ. والميزان والعقرب والقوس هَذِهِ الثَّلاثَة إذا انْتَهَتْ يَنْتَهِي طُولُ الليلِ وقِصَر النهار، ثم تعود الشَّمْسُ فِي الجَدْي والدَّلْو والحُوت، إذا انتهى الحوت تَساوَى الليلُ والنهارُ ربيعًا. وقدْ اختلف النَّاسُ هل يُبْدَأ بالحَمَل لِأَنَّهُ أحسنُ أيامِ السنةِ، حيث إن فِيهِ الاعتدالَ الربيعيَّ، أو يُبْدَأ بالميزان؛ لِأَنَّهُ هو وقتُ اعتدالِ الزمانِ الخريفيِّ المعروف والمشهور. والأَكْثَرُ الَّذِي مَشَى عليه المُفَسِّر ﵀ أَنَّهُ يَبْتَدِئ بما فِيهِ الاعتدالُ الربيعيُّ، لكِن بعض النَّاس يَبتدِئ بالطرفِ الثَّاني ويزعُم أن هَذِهِ هي طَريقةُ العربِ، واللَّه أَعْلَمُ، لكِن الَّذِي أَرَى أنَّ التقاويمَ أَكْثَرُها يبدأ بِهَذَا، ويَقُولُونَ: إن العرب يَبْتَدِئون

стр. 257

منْ الِاعتدالِ الخريفيّ، وإن العَجَمَ يبتدئون من الاعتدالِ الربيعيّ، وكون العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي هَذَا واضحٌ، والعجم -إيران وتوابعها- تؤرِّخ ابتداء السنة بالحمل؛ لِأَنَّ السنينَ عندهم شمسية ويَبْدَأونها ببُرج الحَمَل. يقول المُفَسِّر ﵀: [وهي مَنازل الكواكبِ السبعةِ السَّيَّارة؛ المِرِّيخ، وله الحَمَل والعقرب. والزُّهْرَة، ولها الثَّور والميزان. وعُطَارِد، وله الجَوزاء والسُّنْبُلة. والْقَمَر، وله السَّرَطان، والشَّمْس، ولها الأَسَد. والمُشْتَرِي، وله القَوْس والحُوت. وزُحَلُ، وله الجَدْي والدَّلْو]. على كلِّ حالٍ هَذَا التقسيمُ الأخيرُ لا أعرِف وجهَه، ولا أَدري عنه، لكِن هَذِهِ البُرُوج الشَّمْس تَقْطَعُها فِي السنَةِ كما سمِعنا قريبًا، والْقَمَر يَقْطَعُها فِي الشهرِ، كل شهر يَقطع الْقَمَر هَذِهِ البروجَ، وله منازل: ثمانٍ وعشرونَ منزِلةً، تَشتَمِل عَلَى هَذِهِ البروجِ الاثْنَي عَشَرَ، أمَّا الشَّمْس فإنما تَقْطَعُها فِي السنة. وهَذِهِ البُرُوج يدلّ عَلَى عَظَمَتِها أن اللَّهَ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ المراد بِهِ العُلُوّ، وليس المراد بِهِ السَّقْف المحفوظ، بل هو العُلُو؛ لأنَّ هَذِهِ البروج دُونَها. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أَيْضًا ﴿سِرَاجًا﴾ هو الشَّمْس ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، وَفِي قراءة: سُرُجًا (١) بالجمعِ، أي نيِّرات، وخصَّ الْقَمَرَ منها بالذِّكر لنوعِ فضيلةٍ]، عَلَى هَذِهِ القراءة خص الْقَمَر منها بالذِّكر لنوع فضيلة، يقول ﵀: عُطِفَ القمر عَلَى سُرُج وهو منها لنوعِ فضيلةٍ، ولَكِن عَلَى قراءةِ الإفرادِ المرادُ بالسراجِ الشَّمْسُ، وسُمِّيَتْ سِراجًا والْقَمَر مُنِيرًا؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ نورها ذاتيّ وحارّ،

стр. 258

والْقَمَر نوره مكتسَب مِنَ الشَّمْس، فليسَ بنفسِه سِراجًا، وإنَّما هو مُنيرٌ أو نورٌ، لَكِنَّ نورَه مكتسَب. وعلى قراءةٍ (سُرُج) يقول المُفَسِّر ﵀: [يعني نيِّرات] ومنها الْقَمَر نيِّر، لكِن خصَّه لنوع فضيلةٍ، لكِن أقول: إن كَلامَ المُفَسِّر ﵀ فِيهِ نَظَرٌ، فعطفُ الْقَمَرِ المنيِّر عَلَى السُّرُج من بابِ عَطْفِ المُتَغَايِرَيْنِ، لا من بابِ عطفِ الخاصّ عَلَى العامّ، فالْقَمَرُ لَيْسَ من السُرُج، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، فالشَّمْسُ بلَا شَكٍّ سراجٌ، ولَكِن الْقَمَر نُور، فعليه لا يَكُونُ منها، ولا يحتاج إِلَى الجوابِ الَّذِي ذكر المُفَسِّر: خصَّ الْقَمَر لنوع فضيلةٍ، بل نقول: إن هَذَا لَيْسَ من بابِ التخصيصِ، ولَكِن من بابِ عطفِ المُتَغايِرَيْنِ، لكِن قراءة الجمع (وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا) تدلّ عَلَى أنَّ غير الشَّمْسِ من الكواكبِ فِيهِ حرارة وفيه إضاءة أَيْضًا، لَكِنها لا تصل إِلَى الْأَرْض لِلْبُعد، ولَكِن هَذِهِ الآية تدلّ عَلَى أنَّ فِيهَا الحرارة والإضاءة. وإنَّما ذكر السُّرُج والْقَمَر المنيِّر مع البروج لِأَنَّ البروج منازلُ، وهَذِهِ الأشياء نازلةٌ، فذكر المنازل والنازِل جميعًا، وكلاهما مما يدلّ عَلَى آياتِ اللَّهِ العظيمة الَّتِي لا يُمْكِن أنْ يُقابِلَها أيُّ أحدٍ. * * *

стр. 259

الآية (٦٢) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي يَخْلُفُ كلٌّ مِنهما الآخَرَ ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ بالتشديد والتخفيفِ (١) كما تقدَّم]، (يَذْكر) أو (يَذَّكَّر) [ما فاته فِي أَحَدِهما من خيرٍ فيفعله فِي الآخَر ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ أي شكرًا لنعمة ربِّهِ عليه فيهما]. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ الضمير فِي قولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ يعود عَلَى ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يَعْنِي: ومن آياتِه ونِعَمِه أَنَّهُ جعلَ الليلَ والنهارَ خِلْفَة، يَعْنِي يَخْلُف بعضُهما الآخرَ، هَذِهِ الخِلفة فِيهَا فائدةٌ عظيمةٌ جِدًّا، بل فائدتانِ عظيمتانِ: أوَّلًا: التذكُّر والاتِّعاظ. ثانيًا: شُكْر النعمةِ. ففي التذكُّرِ يقول المُفَسِّر: [ما فاته فِي أحدهما من خير فيفعله فِي الآخَر]، وهذا نوع من التذكُّر فِي الواقعِ، لكِن من التذكر أنْ تَتَذَكَّر بذلك قُدْرَةَ اللَّهِ

стр. 260

حيث أَتَى بالليلِ بدل النهارِ، وبالنهار بدل الليلِ، ولوِ اجتمعَ الخَلْق عَلَى أنْ يغيِّروا هَذَا النظامَ فيأتوا بالليلِ بدلَ النهارِ أو بالعكسِ ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا. ثانيًا: مِمَّا تتذكره فِي هَذَا الليل والنهار تَذَكُّر المَوْتِ والحياة ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وَفِي الحقيقةِ أن الْإِنْسَان إذا قامَ مِنَ الليلِ يشعر كأنه خُلِق من جديدٍ، يَعْنِي لو يتصور الْإِنْسَان أن الوقتَ كله نهار أو كله ليلٌ ما حَصَلَ هَذَا النشاط الَّذِي يَتَجَدَّد له كلَّ يومٍ، ويشعر بأنه دخلَ فِي حياةٍ جديدةٍ، ولهذا سمَّاه اللَّه تَعَالَى بَعْثًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، حيثُ تتذكر البَعْث بعدَ المَوْت. كَذَلِك أَيْضًا مما يتذكَّر ويتَّعظ بِهِ أَنَّهُ يتذكر مُطلَق البَعْث وأن اللَّه قادِر، يتذكر أَنَّهُ لا بدَّ من يَقَظَةٍ بعد الرَّقْدة، وذلك فِي يوم القيامةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] فلا بدَّ مِن هَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّة اللَّه، لكِن يوم القيامةِ يوم وَاحِدٌ، لا ليلَ فِيهِ، بل هو دائمًا عَلَى ما هو عليه. كَذَلِك أَيْضًا ما قاله المُفَسِّر ﵀ مِنَ التذكُّر العمليّ أن الْإِنْسَانَ إذا نَسِيَ عبادةً فِي ليلٍ قَضاها فِي النهارِ، أو فِي نهارٍ قَضاها فِي الليلِ، أو إذا لم يَتُبْ فِي النهار تابَ فِي الليل "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ" (١) والنَّبي ﵊ كَانَ إذا غَلَبَهُ نومٌ أو وَجَعٌ فما يُصَلِّيه فِي الليلِ قَضَاهُ فِي النهارِ (٢) فهذا أَيْضًا من التذكُّر العَمَليّ.

стр. 261

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الوِتْرُ يُصَلَّى عَلَى صِفتِه إذا كَانَ قضاءً؟ الصحيحُ أَنَّهُ لا يَقضيه عَلَى صفتِه، وأنه يشفعه؛ لِأَنَّ هَذَا حديثٌ ثابتٌ فِي مسلمٍ، وهل يُسَمَّى وِترًا؟ نقولُ: يُسمَّى قضاءً، لكِن أصل الوتر "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (١)، فصلاة الليلِ انتهتِ الآنَ، فلا فائدةَ من الوترِ، لكِن ما كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَعَبَّد بِهِ لربِّه يحبُ ألَّا يَفُوتَه، وهذا ما ترَكَه عمدًا، بلْ تَرَكَه نسيانًا، وترك قَضَاءَه، وهو أهونُ من فعله، ولَكِن مع هَذَا نقولُ: لا يَنبغِي لِلإنْسَانِ إذا كَانَ عادته أَنَّهُ يوتر بثلاث يصلي أربعًا، ولْيَتَذَكَّرِ الْإِنْسَانُ عندَما تقولُ لَهُ نفسُه: لا تَفْعَلْ هَذِهِ الطاعةَ أَنَّهُ سيحتاجُ إليها حاجةً عظيمةً. وأمَّا قوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ فـ (أَوْ) هنا هل هي للتقسيمِ والتنويعِ، بمعنَى أنْ يَجْعَلَ هَذَا قَسيمًا للأوَّلِ، فتكون مانعة اجتماع أو هي مانعةُ خلوّ؟ . الجواب: مانعة خلوّ؛ لأنَّ مانعةَ الاجتماعِ معناها أَنَّهُ إذا وُجِدَ الأوَّلُ امتنعَ الثَّاني، لكِن مانعة الخلوِّ معناها إمَّا أن يوجدَ هَذَا أو هَذَا، أو هما ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ فهل يمكن أنْ يَجتمعِا؟ نعم إذَنْ هي مانعةُ خلوٍّ. قوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ يَعْنِي أن مَن أرادَ أنْ يَشْكُرَ نعمةَ ربِّه عليه فِي هَذَا النهارِ والليلِ فَإِنَّهُ له المجالُ، ولَا شَكَّ أن مَن تَذَكَّرَ نعمةَ اللَّهِ فِي هَذَا الليلِ والنهارِ لا بدَّ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ، ففي الليلِ سكونٌ وهدوءٌ، وكلٌّ راقِدٌ، وكلٌّ ساكنٌ، فيَطِيبُ النومُ، ويَلَذُّ، وتَحْصُل الراحةُ الكاملةُ، هَذِهِ نعمةٌ عظيمةٌ، وِفي النهارِ الأمرُ بالعكسِ، فَفِي الْإِنْسَانِ نشاطٌ وقوَّةٌ ورَغْبَةٌ فِي الكَسْبِ والعملِ، فيَزداد بذلك شكرًا للَّهِ

стр. 262

عَلَى هَذِهِ النعمةِ، وليس هَذَا المجالُ أو هَذَا المكانُ بمحيطٍ لمِا يَتَصَوَّرُه الْإِنْسَان من نعمةِ اللَّهِ تَعَالَى عليه بِهَذَا الليلِ والنهارِ، فالْإِنْسَان أحيانًا يُفتح عليه عند التأمُّل والتفكُّر ما يَتبَيَّن بِهِ نعمةَ اللَّهِ أكْثَر مما نقول وممَّا نستطيع أن نقولَ، ولو أن الْإِنْسَانَ سَهِرَ ليلةً مِنَ الليالي لَتبَيَّنَ له نعمةُ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ بِهَذَا الليلِ وهذا النهارِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] السؤال بـ (مَنْ) الجواب: للَّه؟ هَذِهِ فِيهَا قراءتانِ؛ هَذِهِ القراءة الَّتِي ذُكرت فِي السؤالِ، وَهِيَ الَّتِي فِي المصحف، وقراءة ثانيةٌ سَبْعِيَّة: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾؛ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِه مَلَكوتُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، أَمَّا الأُولى ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٨٤]، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥]، يَعْنِي الأولى ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ لِأَنَّ السؤال ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، الثَّانية ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] فِيهَا قراءتان: الجواب ﴿فَسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، وقراءة ثانية سبعيَّة ﴿فَسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، والثالثة أَيْضًا ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الجواب: ﴿فَسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أو ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (١)، أَمَّا ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فلا إشكال فِيهَا، لكِن عَلَى قراءة ﴿للَّهِ﴾ يَكُون المعنى: سَيَقُولُونَ: ذلك للَّه، أي الربوبيَّة العظيمة الَّتِي هي رُبُوبية السَّمواتِ وألْأَرْضِ للَّه، أمَّا عَلَى قراءة ﴿اللَّهُ﴾ فالمعنى: سيَقُولُونَ: هو اللَّهُ. * * *

стр. 263

الآية (٦٣) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. * * * مرَّ فيما سبقَ أن اللَّه تَعَالَى أَثْنَى عَلَى نفسِه بمخلوقاتِهِ العظيمةِ؛ الْبُرُوج الَّتِي جعلها فِي السَّمَاء لما تَتَضَمَّنَه مِنَ الدلالةِ عَلَى قُدْرَتهِ وعلى رَحْمَتِه بعبادِهِ، وكَذَلِك الْقَمَرُ والشَّمْسُ، ففيهما من مصالحِ العبادِ الدينيَّة والدنيويَّة ما هو معلومٌ، فالْقَمَر جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى مِيقاتًا للحجِّ وللصومِ ولآجالِ النَّاسِ فِي بَيْعِهِم وشِرَائِهِم ودُيُونِهم، وغيرِ ذلكَ، والشَّمْسُ فِيهَا منافعُ أَيْضًا كثيرةٌ، مِن إنضاجِ الثمارِ وتعاقُبِ الليلِ والنهارِ والفصولِ وغيِرِهَا، ثمَّ بَيَّن أَنَّهُ جَعَلَ الليلَ والنهارَ خِلْفَةً، يَخْلُفُ أحدُهما الآخَرَ، ولَكِنَّ هَذِهِ الآيةَ لا يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا مَن أرادَ أنْ يَذَّكَّر أو أرادَ شُكُورا، ﴿يَذَّكَّرَ﴾ يَعْنِي ما فيهما من آياتِ اللَّهِ ، والإشارة إِلَى ما هو أعظمُ من البعثِ والنشورِ يوم القيامةِ، فإنَّ الليلَ والنوم فِيهِ بمنزلة المَوْتِ والنهارِ، والاستيقاظُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ البَعْثِ، وَأَمَّا الشُّكُور، فَإِنَّهُ لمَّا تَضَمَّن هَذَا التخالُف بَيْنَ الليلِ والنهارِ مِن مصالحِ العبادِ ما تَضَمَّنَهُ صارَ مُسْتَوْجبًا عَلَى العبدِ أنْ يشكرَ نعمةَ اللَّهِ عليه بذلكَ. ثم بَيَّن اللَّهُ بعدَ أنْ ذكرَ ما سبقَ عن المشركينَ المجادِلينَ للرسولِ ﵊ والمكذِّبين له الَّذِينَ لم يَنتفِعُوا بآياتِ اللَّهِ، ولم يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا برسولِهِ؛

стр. 264

ذَكَرَ أو خَتَمَ هَذِهِ السورةَ بذِكْرِ مَن كانوا عَلَى خلافِ هَؤُلَاءِ، وهكذا القُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ مثانيَ تُثَنَّى فِيهِ المعاني المتقابِلَة والمتماثِلَة أَيْضًا، ولهذا دائمًا تجدُ أن اللَّهَ إذا ذكرَ النارَ يذكُر الجنَّة، وإذا ذكرَ الجنّةَ ذكرَ النارَ، وإذا ذكرَ صفاتِ أهلِ النارِ ذكرَ صفاتِ أهلِ الجنَّة، وهكذا؛ لِأَنَّهُ مثانٍ، وهذا من الحِكْمَةِ؛ لأنَّ الْإِنْسَانَ إذا رَأَى النارَ وصِفات أهلِهَا قد يُؤَدِّي ذلكَ إِلَى القُنُوط من رحمةِ اللَّهِ، فيأتي بعده ذِكْر الجنَّة وأهلها فيَنْشَط ويَرْجُو رحمةَ اللَّهِ ، والعكسُ بالعكسِ. وَمنَ المعلومِ للإنْسَانِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى وَتيرةٍ وَاحِدةٍ لحِقَه السَّأَم والمَلَل، فإذا تنوَّعتْ له الأحوالُ وتنوَّعَ الخطابُ نَشِطَ فيبدأ بالجنَّة أحيانًا وبالنار أحيانًا حَسَبَ ما يَقْتَضِيه السياقُ، إِنَّمَا فِي الغالبِ إذا ذكر الصِّفاتِ لهذا ذكر الصِّفاتِ لهذا؛ ليَكُون الْإِنْسَانُ غيرَ مالٍّ وغيرَ قانطٍ من رحمةِ اللَّهِ، وغير آمِنٍ من مَكْرَه. قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: (الرَّحمن) كُرِّرت فِي مَوَاضِعَ قريبةٍ جدًّا ثلاثَ مرَّات. - فِي قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾. - وَفِي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾. - والثالثةُ هُنا فِي قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، ثم السُّورة كُلّها مُصَدَّرة بالقُرْآنِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾؛ مِمَّا يدلّ عَلَى أن نُزُولَ هَذَا القُرْآنِ مِن رحمةِ اللَّهِ . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأٌ، وما بَعْدَهُ صفاتٌ له، إِلَى أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ غير المُعْترضِ فِيهِ].

стр. 265

قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ عِبَادٌ جمعُ عبدٍ، وأضافهم إِلَى الرَّحمنِ ولم يَقُلْ: عباد اللَّهِ، أو عباد الربِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ إِشَارَةً إِلَى أن هَذِهِ العُبُودِيَّة الَّتِي اتَّصَفُوا بِهَا من آثارِ رحمةِ اللَّهِ، وأن اللَّه تَعَالَى رَحِمَهُمْ حَتَّى صاروا عبادًا له. وَفِي الإضافةِ أَيْضًا معنًى آخرُ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي أَنَّهُمْ عبادٌ يَتَعَبَّدُونَ للَّه لِرَجَاءِ رحمتِه، وبرحمتِه أَيْضًا عَبَدُوه، لا يَتَعَبَّدُون رِيَاءً ولا سُمْعَةً، فهذا وجهُ الإضافةِ مَن الناحيتينِ؛ من ناحيةِ أن عِبَادَتَهُم للَّه كانتْ مِن مُقْتَضَيَاتِ رحمتِه، ومن ناحيةٍ أُخرى أَنَّهُمْ يَرْجُونَ بهَذه العِبَادَةِ رحمةَ ربِّهم، لا يرجونَ بذلك دنيا ولا دَفْعَ مَذَمَّةٍ عنهم، وإنَّما يَرْجُونَ بِهَذَا رحمةَ اللَّهِ. وهَذِهِ العُبُودِيَّة خاصَّة؛ لِأَنَّ المرادَ بِهَا عُبُوديَّةُ الشَّرعِ، وعبودية الشرع خاصَّة بِمَن أتى بالشرعِ. أمَّا العامَّةُ فهي عُبوديَّة القَدَر، وَهِيَ الخُضُوع لِقَدَرِ اللَّهِ ، وهَذِهِ عامَّة، كل أحدٍ خاضِعٌ لِقَدَرِ اللَّهِ ، لا يُمْكِن أنْ يَسْتَعصِيَ عليه، وَأَمَّا قول المُفَسِّر: [مبتدأ وما بعده صفات له] يَعْنِي: والخبر ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥] ففيه نَظَرٌ، بل الصواب أن (عباد) مبتدأ، وخَبَرُه ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، وما بعدَه معطوف عليه، يَعْنِي عباد الرَّحمن هم الَّذِينَ يَمشُون عَلَى الْأَرْضِ هونًا إِلَى آخِرِهِ، ويَكُون قوله : ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ جملةً مُسْتَأْنَفَةً لبيانِ جزائِهِم وثوابِهِم؛ وذلك لأنَّنا إذا مَشَيْنا عَلَى ما قَالَ المُفَسِّر ﵀؛ لَزِمَ مِن هَذَا الفصلِ بَيْنَ المبتدأ والخبرِ بفواصلَ طويلةٍ، لا داعيَ لها، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ غيرَ تامٍّ حَتَّى نهاية ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أيْ بِسَكِينَةٍ وتَوَاضُعٍ]، قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أبلغُ من (الماشون عَلَى الْأَرْض هَونًا)؛ لأنَّ الجملةَ الفعليَّة تَدُلُّ عَلَى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، يَعْنِي الذينَ فِي حالِ مِشْيَتِهِم يَمشُون

стр. 266

عَلَى الْأَرْض هونًا، وَفِي تعريفِ المبتدأ والخبرِ دليلٌ عَلَى الحصْرِ كما هو معروفٌ فِي القواعدِ؛ أَنَّهُ إذا عُرِّف المبتدأُ والخبرُ كَانَ ذلك دليلًا عَلَى الحَصْر، يَعْنِي أنَّ عبادَ الرَّحمنِ هم هؤلاءِ. قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قول المُفَسِّر ﵀: [في سَكِينَةٍ وتَوَاضُعٍ، يَعْنِي ليستْ مِشْيَتُهم مِشْيَةَ الْإِنْسَانِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَّزِن، وإنَّما مِشْيَتُهم مِشْيَةُ اتِّزانٍ، هَوْنًا بِدُونِ سُرْعَةٍ، ولا ينافي ذلك ما ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﵊ من أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِقُوَّةٍ وجَلَد كأنَّما يَنْحَدِرُ مِن صَبَبٍ (١)، فإنَّما ذلك لِقُوَّتِه، وليس هَذَا من بابِ العَجَلَة الَّتِي تُقَبَّح، ففَرَّقٌ بَيْنَ إنْسَانٍ يمشي كمِشيةِ المجنونِ غير المهذَّب، وإنْسَان يَمْشِي بقوَّةٍ ولَكِنَّه يمْشِي مشيًا مُتَّزِنًا، فالأوَّلُ مذمومٌ، والثَّاني محمودٌ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النشاطِ وعلى القوَّة، وأريحُ للبَدَنِ وأسرعُ فِي بلوغِ الغايةِ، كما كَانَ الرَّسولُ ﷺ يَفْعَلُ، وأيضًا كَانَ عمرُ إذا رأَى الرجل يَتَوَانَى فِي مِشْيَتِهِ ضَرَبَه. ثمَّ إنَّ هَذَا المشيَ هل هو المشيُ الحِسِّيّ أو يَعُمُّ المشيَ الحِسِّيَّ والمَعْنَوِيَّ؟ الجواب: يَعُمُّهُما جميعًا، حَتَّى المشي المَعْنَوِيّ، بدليل قولِه : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، وهذا من هَوْنِ المشي المعنويّ، أَنَّهُمْ إذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ لا يَتَسَرَّعُونَ فيقابلونه بمثلِ جَهْلِه، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: سلامًا. قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ وليسَ المرادُ بالجاهلِ الَّذِي لَيْسَ بعالمٍ، بل المرادُ السَّفِيهُ؛ لأنَّ الجَهَالَة تُطْلَق عَلَى السَّفَه، قَالَ اللَّه : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، يَعْنِي السَّفَه، ثم يَرْشُدُون.

стр. 267

يقول المُفَسِّر: [﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ بما يَكْرَهُون ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، أي: قولًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإثمِ] وليس المراد (سلاما) يَعْنِي: السلام عليكم، كما يَظُنُّ بعضُ العامَّة، ولذلك تَسَلَّط الفعلُ عَلَيْهَا فَنَصَبَها، ولو كَانَ المرادُ بالسلامِ الجملة السلامية لقال: (قالوا: سلام)، ولَكِن المراد مثلَما قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قولًا يسلمون فِيهِ من الإثمِ] ومن التطاوُلِ فِي الأذيَّةِ؛ لأنَّ الرجلَ إذا قابلَ الجاهلَ بمثلِ قولِه فالجاهلُ لا حدودَ له، لا يَحُدُّه شَرْعٌ ولا عقلٌ، إذا قَالَ كَلِمَةً أتاهُ بكلمتينِ، أو بعشَرةٍ، لَكِنه إذا كَانَ عاقلًا مؤمنًا مُتَّزِنًا فَإِنَّهُ يقولُ قولًا يَسْلَمُ فِيهِ مِنَ الإثمِ ومن الأذيَّة، وهذا القَوْلُ يَحْفَظُ للإنْسَانِ كَرَامَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لم يَقُلْ: إنهم يَسْكُتُون، بل قَالَ: قَالُوا قولًا، فلا بدَّ من قولٍ لَكِنَّه قولٌ يَسْلَمُون بِهِ من أذيَّة هَذَا الجاهلِ ومن إثمِه، ومن النزاع والخصومةِ، ويَنتصِرون لأنفسِهِم، فلا يحسبهم الجاهلُ جُبَنَاءَ ولا يحسبهم مُتَّصِفِينَ بما يقول إذا سَكَتُوا؛ لأَنَّهُمْ إذا سكتوا مع القُدْرَة عَلَى الإنكارِ فَإِنَّهُ يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ راضونَ بما وُصِفُوا بِهِ، ولا بدَّ من مُقَابَلَتِهِم، ولَكِنْ كما قَالَ اللَّه تَعَالَى بقولٍ يَسْلَمُ فِيهِ الْإِنْسَانُ منَ الإثمِ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ، ومن اللَّجاج والخُصُومة فيما بينَه وبينَ هَؤُلَاءِ الجاهلينَ. قوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ مثالُ ذلك لو قَالَ له: أنت فاسِقٌ، أنت سَروقٌ، أنت كَذوبٌ، أنت كذا، ولا نستطيع أنْ نحدِّد؛ لِأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ تحديدُه إِلَى الحالِ أو المقامِ الَّذي يَكُون فِيهَا الْإِنْسَانُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذا سكت عنه سَيَنتهِي؟ نقول: الآيةُ ما تعرضتْ لهذا، لكِن لو رُوعِيَتِ المصلحةُ فلا بأسَ، فهم هنا وَصفهم أَنَّهُمْ يَقُولُونَ قولًا يَسلَمون فِيهِ مِنَ الإثمِ، لكِن القَوْل أحسن فِي الغالبِ،

стр. 268

وليس معنى القَوْلِ أن يردَّ عليه، فمن القَوْلِ أن يَنْصَحَهُ؛ يقول: يا أخي، اتقِ اللَّهَ، مثلما قَالَ الرَّسول ﷺ فيمَن شُتِمَ وهو صائمٌ، قال: "فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" (١) فالمهمُّ أنْ يَسْلُكَ الطَّريقَ؛ لِأَنَّ سكوتَه قد يؤدِّي إِلَى استطالةِ الآخرِ عليه ويَعْتَقِد أَنَّهُ ضعيفٌ أمامَه. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوُله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، هل هَذِهِ الآيةُ مثل قَوْلِه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾؟ نقول: هَذِهِ الآية غير تِلْكَ، فَقَوْلُه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ الخِطَاب مَعَهم، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يَعْنِي أنَّ الكَلامَ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ فقَامُوا وَترَكُوهم وقالوا: سلامٌ عليكمْ. * * *

стр. 269

الآية (٦٤) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ جَمْع سَاجِد ﴿وَقِيَامًا﴾ بمعنى قائمينَ، أي يُصَلُّون الليلَ]، قوله ﵀: [يصلون الليل] أَخَذَهُ من قَوْلِهِ: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. قوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ هَذَا معطوفٌ عَلَى ما سَبَقَ، وتقديم المعمولِ أو المتعَلِّق يَدُلّ عَلَى الحَصْرِ، يَعْنِي: لا يَسْجُدُون رِيَاة ولا سُمْعَةً، وإنَّما يَسْجُدُون للَّه وَحْدَهُ: لِرَبِّهِم، وَفي قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ دونَ قولِهِ: (للَّه) إشارةٌ إِلَى أن هَذَا السجودَ يُرِيدُونَ بِهِ ثوابَ اللَّهِ ورِضْوَانَه؛ لِأَنَّ الربَّ هو المالِكُ المتصرِّف، ومن مُلْكِه وتَصَرُّفِه مُجَازَاة هَؤُلَاءِ عَلَى أعمالم. وقوله: ﴿سُجَدًا﴾ الساجِدُ معروفٌ، ﴿وَقِيَامًا﴾ والقائم أَيْضًا معروفٌ، يَعْنِي قائمينَ، ولم يَذْكُرِ اللَّهُ الركوعَ، ولم يَذْكُرِ القعودَ؛ لِأَنَّ القيامَ أشرفُ ما فِي الصلاةِ من حيثُ ذِكْرُه؛ أي مِن حيثُ الذِّكْرُ الَّذِي هو القُرْآنُ، والسجودُ أشرفُ ما فِي الصلاةِ من حيثُ الحالُ والهيئةُ، قَالَ ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (١)، فَذَكر القيامَ لِشَرَفِه بِذِكْرِه، أي: بما يُقالُ فِيهِ، وذكرَ السجودَ لِشَرَفِه بِهَيْئَتِهِ، فدلَّ ذلكَ

стр. 270

عَلَى أن هَذَا أفضلُ حالاتِ الصلاةِ، وهوَ كذلكَ. وقوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ قد يقولُ قائلٌ: إنَّ ظاهرَ الآيةِ الكريمةِ أنَّهم يَسْهَرُون الليلَ؛ لِأَنَّهُ ذكرَ أن وَصْفَهم فِي حالِ البياتِ القيامُ والسجودُ، فهل معنى ذلك مشروعيَّة قِيَامِ الليلِ كلّه؟ نقولُ: إذا أَخَذْنَا بظاهرِ الآيةِ فَهُوَ كَذَلِك، ولَكِن ما جاءتْ بِهِ السنَّةُ يدلُّ عَلَى خلافِ هَذَا، وأنَّ أفضلَ ما يَكُونُ أنْ ينامَ الْإِنْسَانُ نصفَ الليلِ ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه (١) كما كَانَ ذلك صلاة داود ﵊، وصلاة النَّبي ﷺ ، فَإِنَّهُ كَانَ ينامُ سَحَرًا ويقوم فِي جوفِ الليلِ ﷺ ، فيَكُون عَلَى هَذَا معناهُ أنَّهم يَبِيتُونَ غالبَ لَيْلِهِم، أو أن اللَّه يَكْتُبُ لهم أَجْرَ الصلاةِ والقيامِ، وإنْ كانوا بائتينَ، ما داموا عَلَى هَذِهِ النيَّة، وعلى هَذَا الفعلِ، ما داموا يفعلون ويَنْوُون أَنَّهُمْ إذا ناموا إِنَّمَا ينامون لِيَتَقَوَّوْا عَلَى القيامِ، فيكتب لَهُمْ أَجْره وإنْ كانوا نائمينَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿يَبِيتُونَ﴾ لا يَلْزَمُ منه القيامُ بالليلِ، بل المرادُ مُطْلَق القيامِ؟ الجواب: لكِن قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَبِيتُونَ﴾ والبياتُ لا يَكُونُ إِلَّا باللَّيْلِ. * * *

стр. 271

الآية (٦٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أيْ لَازِمًا]، هَذَا مِمَّا يَدْعُونَ اللَّهَ به. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ فِي قولهِم: رَبَّنا اصْرِفْ عنَّا عذابَ جَهَنَّم دليلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لا يُدِلُّون عَلَى اللَّه بأَعمالِهم، وأَنَّهُمْ معَ قيامهم بِهَذَا العملِ خائفونَ منَ النارِ، ولذلك يسألون اللَّه تَعَالَى أن يَصْرِفَ عنهم عذابَ جَهَنَّم، وجهنمُ اسْمٌ من أَسْماءِ النارِ، وسُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا بَعِيدةُ القَعر مُظْلِمَة. وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أيْ لَازِمًا كملازمةِ الغَريمِ لِغَرِيمه، وهذا بالنسبةِ للعذابِ المطلَقِ، لا لِمُطْلَقِ العذابِ؛ لِأَنَّ مطلقَ العذابِ لَيْسَ بلازِمٍ، فالمؤمنُ يعذَّب بالنارِ عَلَى حَسَب ذُنُوبِه، ثم يخرج مِنها إِلَى الجنَّة، لكِن عذابها المُطْلَق غَرَامٌ ملازِمٌ لها، فهم يسألون اللَّه أنْ يَصْرِفَهُ عنهم، ويُبَيِّنُونَ مِقْدَار هَذَا العذابِ الَّذِي استعاذوا باللَّهِ منه أَنَّهُ ملازِم لمِن أُخِذوا به. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ يخبر اللَّه تَعَالَى أن من صفاتِهِم أَنَّهُمْ يَتَوَسَّلُون إِلَى اللَّهِ بِربُوبِيَّتِه ليَصْرِفَ عنهم عذابَ جَهَنَّم، والغالبُ

стр. 272

أن الأدعِيَةَ تُصَدَّرُ بالتوسُّلِ بالربوبيَّةِ: (رَبَّنا)؛ لِأَنَّ فِيهَا التصرُّف والتدبير. وَفِي قولهم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ توسُّل أَيْضًا؛ لِأَنَّ شِدَّة هَذَا العذابِ وَمُلَازَمته يُوجِبُ للمرءِ الفِرار منه والاستعاذة باللَّهِ مِنْهُ. * * *

стр. 273

الآية (٦٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ بَئِسَتْ ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ هي أي مَوْضِع استقرار وَإِقَامَة]. قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ هَذِهِ الجملةُ يَحتمِلُ أنَّها مِن كَلامِ اللَّهِ ، ويحتمل أنَّها من كَلامهم، يَعْنِي أنَّهم استجاروا من النارِ باللَّهِ ، وَبَيَّنوا سَبَبَ ذلكَ بأن عَذَابَهَا دائمٌ، وأنها أَيْضًا بئست المَحَلّ للاستقرارِ والمُقام، فكأَنَّهُمْ بيَّنوا سَبَبَ استعاذتهم باللَّهِ مِنها بهذينِ الأمرينِ؛ بدوام عذابِهَا وبِسُوء مُقامها، والعياذُ باللَّهِ، مِمَّا يَحْفِزهم لسؤالِ اللَّهِ ﵎ أنْ يَصْرِفَ عنهم هَذَا العذابَ. قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ عكس أهل الجنَّة ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ قد يدلُّ أنَّ فِي النارِ خَيْرِيَّة هو مُقْتَضَى اسْم التفضيلِ، وليسَ كذلكَ. * * *

стр. 274

الآية (٦٧) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ عَلَى عِيَالهِم ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بفتحِ أَوَّله وضَمِّه، أي يُضَيِّقُوا]، فتح أوله ﴿يَقتُرُوْا﴾ وضَمِّه أي ضمّ أَوَّله، المُفَسِّر ﵀ لم يُفْصِحْ فِي القراءةِ، يَعْنِي لم يَذْكُرْ حُكْمَ التاء فِي المسألةِ الأخيرةِ؛ لِأَنَّ ﴿يَقتُرُوْا﴾ ليست بظاهرةٍ من جهةِ التصريفِ، قَالَ: بفتحِ أوَّله وضمه: "ولم يَقْتُروا"، "ولم يُقْتُروا"، هَذَا ظاهر كَلامه، وليس كَذَلِك، وإنَّما إذا قُرِئَ بضمِّ الياءِ كُسِرَتِ التاءُ: "ولم يُقْتِروا" من أَقْتَرَ الرُّبَاعِيّ، لكِن فِي الثلاثيّ: "ولم يَقْتُروا" قراءة ثانية بكسر التاء: "ولم يَقْتِروا"، فتكون القراءات عَلَى هَذَا ثلاثةً: "ولم يَقْتُروا" "ولم يَقْتِروا" "ولم يُقْتِروا" (١)، والإقتار بمعنى الإقلال والتضييق. قوله: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ قول المُفَسِّر: [على عِيَالهِم] تَخْصِيصُه بالإنفاقِ عَلَى العِيَالِ فِيهِ نَظَرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أنْ يُرِيدَ بذلكَ المَثَل، يَعْنِي مِثل الإنفاقِ عَلَى العِيالِ، وإلَّا فَهُوَ شاملٌ للإنفاقِ عَلَى العيالِ والإنفاقِ فِي سبيلِ اللَّهِ، وَفِي الزَّكَوَات والصَّدَقَات، والإنفاق فِي وُجُوهِ الخيرِ، وَفِي كلِّ ما يَكُونُ إنفاقًا؛ لِأَنَّهُ لم يُتين المُتَعَلّق، لم يَقُلِ اللَّهُ:

стр. 275

(أَنْفِقُوا عَلَى عِيالهِم)، بل أطلقَ، فيَشْمَل كلَّ ما أنفقوهُ، عَلَى العِيَالِ وعلى غيرِهِم، فهَؤُلَاءِ إذا أَنْفَقُوا لم يُسْرِفُوا، والإسرافُ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ كمِّيَّة أو كيفيَّة، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يُضَيِّقوا، فالإقتارُ هو الإقلالُ والتضييقُ، وفُهِم معناهُ مِمَّا قُوبِلَ بِهِ، وهو قولُه : ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾، مثل قوله : ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ لا يستطيعُ الْإِنْسَانُ أنْ يَعْرِفَ ما معناها أبدًا، لَكِن لمَّا قال : ﴿انفِرُوا جَمِيعًا﴾ عَرَفْنَا أنَّ معنى (ثُبات): مُتَفَرِّقِينَ، وهذا مِمَّا يُعرف بِهِ تفسير القُرْآن، فيُعرف تفسير الكلمةِ بِمُقارنتها بما يُقابِلها. قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكَانَ﴾ إنفاقُهُمْ بَيْنَ ذلكَ الإسرافِ والإقتارِ ﴿قَوَامًا﴾ وَسَطًا]. وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الإشارةُ تعودُ إِلَى الإسرافِ والإقتارِ، يَعْنِي كَانَ الإنفاقُ بَيْنَ ذلكَ المذكورِ؛ وهو الإسرافُ والإقتارُ. وقوله : ﴿قَوَامًا﴾ أي مُستقيمًا، وإنَّما قال: ﴿قَوَامًا﴾ يَعْنِي مُستقيمًا لِأَنَّهُ قد يميل إِلَى الإسرافِ وقد يميلُ إِلَى الإقتارِ بِحَسَبِ الحالِ، يَعْنِي ما بَيْنَ الإسرافِ والإقتارِ مَنْزِلةً، لَكِنْ قد يَكُون الأمرُ يَقتَضِي أنْ يميلَ إِلَى الإسرافِ، وقد يَكُون الأمرُ يَقتضي أنْ يميلَ إِلَى الإقتارِ، ولهذا قَالَ: ﴿قَوَامًا﴾، فلم يَقُلْ: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وسكتَ، بل قَالَ: ﴿قَوَامًا﴾؛ يَعْنِي مُستقيمًا، إنْ كَانَ الأمرُ يَتَطَلَّب أنْ يَزِيدُوا قليلًا عَلَى الوسَطِ زادوا، وإن كَانَ الأمرُ يَتَطَلَّب أنْ يَنْقُصُوا نَقَصُوا، مثالُ ذلكَ إذا قَدَّرنا أن الإنفاقَ فِي هَذِهِ الجهةِ إنفاق ألف دِرْهَم يُعْتبر إسرافًا، وإنفاق أربع مئة دِرْهم يُعتبر إقتارًا، بينهما الآن ست مئة دِرهم، أحيانًا تكون الحال تَقتضي أنْ يجعلوها تسعَ مئة، ويَكُون الفرق مئة، وأحيانًا تكون الحال تَتَطَلَّب أن يجعلوها خمس مئة،

стр. 276

فيَكُون الفرق مئة، وأحيان تكونُ الحالُ تَقتضِي أنْ يَكُونَ سَبْع مئة، المُهِمُّ أَنَّهُ بَيْنَ ذلكَ قوامًا، يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ تقومُ بِهِ الحالُ، سواء ارتفعَ وقرُب مِنَ الإسرافِ، أو انخفضَ وقربَ منَ الإقتارِ، فهَذَا معنى قولِهِ: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾؛ يَعْنِي لا تُسْرِف، لكِن أحيانًا تَتَطَلَّب الحالُ أن تزيدَ، مثل لو أنَّ أحدًا دعا أُناسًا ذوي جاهٍ ومكانةٍ، هَؤُلَاءِ يُزادُ لهم بعض الشَيْء، ومَن كَانَ دونَ ذلكَ فالحِكْمَةُ تَقتضي أنْ يُعْطَوْا بِقَدْرِ حالهِمْ. والإنفاقُ بَيْنَ الإسرافِ والإقتارِ هو داخلٌ فِي قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، إذا جَعَلْنَا المشيَ مَشْيًا معنويًّا؛ لِأَنَّ هَذَا من المشي المعنويِّ الهَيِّن الَّذِي لا يَميلُ إِلَى السرعةِ ولا يميلُ إِلَى الانحطاطِ. * * *

стр. 277

الآيتان (٦٨، ٦٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. * * * قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: ﴿إِلَهًا﴾ بمعنى: معبودًا، و ﴿لَا يَدْعُونَ﴾ هل المراد دعاءُ المسألةِ أو دعاءُ العِبَادَةِ أو هما؟ المرادُ كِلاهما، يَعْنِي لا يَدْعُون دعاءَ مَسألةٍ ولا يدعون دعاءَ عِبادةٍ، قَالَ اللَّه : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، فدلَّ ذلك عَلَى أنَّ الدعاءَ عِبادةٌ، وقد جاء فِي الحديثِ: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" (١) وهو ضعيفٌ، لَكِنَّه فِي الحقيقةِ واضحٌ، فدعاء الطلبِ واضحٌ أَنَّهُ يُسَمَّى دعاءً، يَعْنِي تقول: يا ربِّ اغْفِرْ لي. ودعاء العِبَادَة كيف كَانَ دعاءً؟ نقوُل: لأنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ هو داعٍ بلسانِ الحالِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يرجو

стр. 278

رحمةَ اللَّهِ، ويخافُ عذابَه، فالْإِنْسَان إذا صلَّى وزكَّى وصامَ وحجَّ وبرَّ والديْه ووصلَ رَحِمَهُ ماذا يريد بذلك؟ يريد بذلك ثوابَ اللَّهِ، فكأنَّه يقولُ: رَبِّ أَثِبْنِي وأَعْطِني الجنَّة وأَنْجِنِي منَ النارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، لهذا سُمّيَتِ العِبَادَةُ دعاءً، فحقيقةُ الأمرِ أنَّ التعبُّدَ للَّهِ دعاءٌ بلسانِ الحالِ، فإنَّ الْإِنْسَانَ العابدَ لو سألتَه: لمِاذا عَبَدْتَ اللَّهَ؟ قَالَ: رجاءَ ثَوَابِهِ وخوفَ عِقابِه، فَهُوَ فِي الحقيقةِ داعٍ. وَأَمَّا دُعاءُ المسألةِ فواضِحٌ، لكِن كيفَ كَانَ دعاءُ المسألةِ عبادةً؟ نقول: لِأَنَّهُ يدلُّ عَلَى الذلِّ والخُضُوعِ، فَهُوَ راجٍ خائِف لمِن دعاهُ، ولأنه مُقِرّ بأنه لا يقدر عَلَى الإجابةِ إِلَّا اللَّه، فكأنه ثناءٌ عَلَى اللَّهِ، والثناءُ عَلَى اللَّهِ مِنَ العِبَادَةِ، وهَذِهِ هي حقيقةُ العِبَادَةِ، فهم لا يَدْعُون معَ اللَّهِ إلهًا آخرَ، لا دعاءَ عبادةٍ ولا دعاءَ مسألةٍ، ولا يُنافي هَذَا أن يسألوا المخلوقينَ ما يقدِرون عليه، فإنَّ ذلكَ باعتقادِهِمْ أن هَؤُلَاءِ المسؤولينَ سَبَبٌ، ولَيْسُوا مُسْتَقِلِّين، فعندما يسألُ الْإِنْسَانُ غنيًّا أو سلطانًا شَيْئًا منَ الدراهمِ فهو يَعتقِد أن هَذَا المسؤولَ مجرَّد وسيلةٍ فقطْ، وليسَ مستقِلًّا بالعطاءِ والمنعِ، وإنَّما العطاءُ والمنعُ بِيَدِ اللَّهِ، وهذا الَّذِي أعطاكَ أو مَنَعَكَ إِنَّمَا هو وسيلة. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكرتُمْ أن عِبادَ الرَّحمنِ يجوزُ لهم سؤال المخلوقينَ ما يَقدِرونَ عليه، فكيف نَجمَعُ بَيْنَ هَذَا وقولِهِ : ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وكَذَلِك ما وردَ فِي الأحاديثِ فِي النهي عن السؤالِ؟ الجواب: السؤالُ أحيانًا يَكُونُ محمودًا، وأحيانًا يَكُونُ مذمومًا، وأحيانًا يَكُون مكروهًا، إمَّا كَرَاهة أو تَحريمًا؛ لأنَّ الْإِنْسَانَ قد يسألُ عندَ الضرورةِ، فمُباحٌ له أنْ يسألَ عندَ الضرورةِ، يَعْنِي لو أن الْإِنْسَانَ جاعَ حَتَّى وصلَ إِلَى حدٍّ إمَّا أن يموتَ وإما أن يسألَ فهنا يجوز له أنْ يسألَ، يجوز فِي الأَصْلِ وقد يَجِب.

стр. 279

المهمُّ أننا نتكلمُ عَلَى حالةٍ لا يُذَمّ فاعِلُها. قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ كَلِمة فِعَال دائمًا تأتي بمعنى مَفْعُولٍ، مثل بِناء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِراش بمعنى مفروشٍ، فإِنَّه بمعنى مَأْلُوه، والمألوهُ هو المعبودُ المتقرَّب إليه بالعِبَادَةِ، وعلى هَذَا فأصنامُ المشركينَ تُعتبر آلهةً باعتبارِ فِعْلِهم، أمَّا باعتبارِ الحقيقةِ فإنها ليستْ آلهةً فِي الحقيقةِ؛ لأنَّ الأُلُوهِيَّة حقًّا للَّهِ . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ]، المُفَسِّر ﵀ يقول: إن المَفْعُولَ محذوفٌ تقديره (قتلها)، ويمكن أن نجعلَ المَفْعُول المحذوف ضميرًا فقطْ، فيَكُون صِلَة الموصول حُذف منه العائدُ، أي: الَّتِي حَرَّمها اللَّهُ، والمراد بتَحْرِيمِها تحريمُ قَتلِها وأَذِيَّتها، والنفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أربعةُ أنفُسٍ؛ المُسلِمُ، والذِّمِّيِّ، والمعاهَد، والمستأمَن، هَذِهِ هي الأنفسُ الَّتِي حرَّم اللَّهُ، فهَذِهِ الأربعة أنفس محرَّمَةٌ. ثمَّ إنَّ المسلمَ أَيْضًا قد يُبيحُ اللَّهُ قتلَه معَ إسلامِهِ؛ كالزاني المحصن، والقاتِل عَمدًا، فإن قتلَه مُباح، معَ أَنَّهُ مسلِم، لَكِنَّنا نقولُ: إن قتلَ المسلِمِ بهَذه الأَسْبابِ طارئٌ، وإلَّا فوَصْف الإسلامِ مُحَرِّم لِقَتْلِه. والذِّمِّي هو مَن عُقد معَه عَهْدٌ عَلَى بَذْلِ الجِزْيَةِ والحماية. والمعاهَد مَن وَقَعَ بيننا وبينه عها بعدمِ القتالِ مُدَّةً معيَّنةً، أو غيرَ معينةٍ، بدون حمايةٍ وبدونِ جِزيةٍ. والمستأمَن مَن دخلَ ديارَ المسلمينَ مِنَ الكفارِ بأمانٍ منهم، هَذَا هو أضعفُهم؛ لِأَنَّهُ عبارة عن تأمينٍ بدونِ عقدٍ، ولهذا يَصِحُّ من كلِّ إنْسَانٍ، فكل إنْسَانٍ يَصِحُّ

стр. 280

أنْ يُؤَمِّنَ الكافرَ، لقولِ النَّبيِّ ﵊: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (١). وَأَمَّا المعاهَدَة والذِّمَّة فلا تكونُ إِلَّا مِنَ الإمامِ أو نائِبِهِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله ﷺ : "أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ"، ألَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يدخلُ فِي الإجارةِ حَتَّى يوافق الإمامُ؟ الجواب: لا، لا يدلُّ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ كَذَلِك لَمَنَعَ الرَّسول ﵊ غيرَها أنْ يُجيرَ بعدَ ذلكَ، فهذا لَيْسَ معناهُ إنشاء، بل معناه أَنَّهُ حُكْم، فالإنشاء حَصَلَ بإجارتها الأُولَى، يَعْنِي كأنه يقولُ: قد ثَبَتَتْ إجارتُكِ إيَّاه؛ لأننا لا نعلم أَنَّ الإجارة ثابتة إِلَّا بِهَذَا، فليسَ هَذَا إنشاءً، وإنَّما هو عبارة عن بيانِ حُكم أَنَّهُ أنْفَذَ إجارتَها. قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ مستثنًى من الأَنْفُسِ المحرَّمة؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأنفس المحرَّمة قد تُستباحُ بالحقِّ، فمِنَ الحقِّ ما أَشَرْنَا إليه من كونِ المسلمِ يَزْنِي وهو مُحْصَن، وكَذَلِك الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ يُقامُ عليه الحَدُّ كما فعلَ النَّبيُّ ﷺ بِرَجْمِ الزانيينِ المحصَنينِ، وكَذَلِك مِنَ الحقِّ أنْ يَكُونَ ذلكَ قِصاصًا، ومِنَ الحقِّ إذا كَانَ قاطِعَ طَريقٍ، فهَذِهِ فِي الأَصْلِ أنفُسٌ محرَّمة، لكِن وُجِدَ حقٌّ يُبيحُ قَتْلَها. وَأَمَّا إذا ارتدَّ فلا يدخل فِي الاستثناءِ، بل يدخُل فِي المفهوم ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ فإن المرتدَّ مباح الدمِ، وليسَ هو ممن يَحْرُم قتلُه إِلَّا لسَبَبٍ، بل هو مِمَّن يجوز قتله، فيَكُون المرتدُّ داخلًا فِي مفهومِ قولِهِ : ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ لِأَنَّ المرتدَّ لَيْسَ مُحرَّمًا؛

стр. 281

لِأَنَّهُ لَيْسَ ممَّن حرم مِنَ الأَصْلِ، فلمَّا ارتدَّ صارَ وَصْفُه كافرًا، فلا يدخل فِي الأربعةِ، لكِن الزاني يَبْقَى عَلَى إسلامِهِ معَ زِنَاهُ، والقاتل يَبقَى عَلَى إسلامِهِ معَ قَتْلِهِ، فالمُرْتَدُّ نقولُ: سُلِبَ عنه وَصْفُ الإسلامِ، يَعْنِي زالَ عنه الوَصْفُ نَهَائِيًّا، فيَكُون غيرَ مُحْتَرَمٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ المرادُ بقولِهِ ﷺ : "التَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (١) المُرْتَدُّ التارِكُ لدينِه المفارِقُ للجَماعَةِ بعضُهم قَالَ: المرادُ قُطَّاع الطَّريقِ؛ لأنَّ قَطْعَ الطَّريقِ تَرْكٌ للدينِ؛ لأجلِ أنْ يَكُونَ الاستثناءُ مُتَّصِلًا، وبعضُهم قَالَ: إنَّ التاركَ لِدِينِهِ هو المرتَدُّ، ويَكُون الاستثناءُ بالنسبة إليه منقطِعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسلمًا حينَ يَتْرُكُ دينَه إِلَّا باعتبارِ وصفٍ زالَ، والمفارق للجَماعَةِ هو الخارِجُ عَلَى الإمامِ. قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ لمَّا ذكرَ انتهاكَ الأنفسِ، ذكرَ انتهاكَ الأعراضِ، والزِّنا فِعْلُ الفاحشةِ فِي قُبُل أو دُبُر، فإن كَانَ بِذَكَرٍ سُمِّيَ لُواطًا، وإنْ كَانَ بِأُنْثَى فَهُوَ زِنا، وإنَّما لم يَذْكُرِ اللَّهُ ﵎ اللُّواط لِأَنَّهُ أمرٌ مُسْتكْرَه مُسْتَبْعَد؛ لأنَّ الطبيعةَ لا تدعو إليه إِلَّا مَن نكس اللَّهُ طَبِيعَتَه وفِطْرَتَه؛ لِأَنَّهُ أخبثُ، ولأنَّ اللواطَ لا يَحِلُّ بحالٍ، والفرجُ يَحِلُّ بالزَّواجِ، ولهذا كانتِ عقوبةُ اللواطِ عَلَى القَوْلِ الراجحِ الإعدامَ بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أم غيرَ محصنٍ؛ لِأَنَّهُ فرج لا يُباح بحالٍ، ثم إنَّه أمر لا يُمْكِن التحرُّز منه، فلا يُمْكِن تَطهيرُ المجتمعِ إِلَّا بإعدامِ الفاعلِ والمَفْعُولِ به. وكَذَلِك أَيْضًا عَلَى القَوْلِ الراجحِ الزِّنا بذواتِ المحارِمِ يُوجِبُ القتل بكلِّ حالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الفرج لا يُباح بحالٍ مِنَ الأحوالِ، وقد وردَ فِي ذلكَ حديثٌ

стр. 282

فِي السُّنَن (١)، وهو صحيحٌ، والزِّنا بذواتِ المَحَارِمِ -كما لو زَنَا بأُخْتِه، والعياذُ باللَّهِ، ولو مِنَ الرَّضاعِ- يُوجِبُ قَتْلَه بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أمْ غيرَ مُحْصَنٍ. وقد وَصَفَ اللَّهُ ﵎ الزِّنا بأنه فاحِشةٌ، ووصفَ اللُّواط عَلَى لسانِ لُوطٍ بأنه الفاحشةُ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] فدَخَلَتْ عليه (أل)، أما بصيغة النكرة أي: كَانَ فاحشةً مِنَ الفَوَاحِش، لكِن كأنَّ هَذَا انحصرتِ الفاحشةُ فِيهِ لِعِظَمِهِ وقُبْحِهِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا زَنَا المُسْلِمُ فأُقِيمَ عليه الحدُّ هل يَكُونُ كفَّارة له؟ الجواب: نعم. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا أُطْلِقَتِ النفسُ هل تُخَصّ ببني آدمَ أم يدخل الحيوان فِي الأنفسِ الَّتِي نُهي عن قَتلِها؟ الجواب: تَخْتَصّ ببني آدمَ، أمَّا نفس الحيوان فلا تدخلُ فِي هذا، لكِن هي عَلَى كلِّ حالٍ تدخُلُ فِي المعاصي الأخرى، لكِن إذا قِيلَ: لا يقتل النفس، أو من قتل نفسًا فعليه كذا وكذا، فالمراد نفسُ الآدمِيّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قاعدةُ: ما آذَى طبعًا قُتِلَ شرعًا مستقيمةٌ؟ الجواب: هي مُستقيمةٌ، فكلُّ ما آذى طبعًا فَإِنَّهُ يُقتَل شرعًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الجِنُّ لو عَمِلوا هَذِهِ الأعمالَ، أي القتل، هل يقتل بعضهم بعضًا قِصاصًا؟

стр. 283

الجواب: الظاهرُ أن أحكامَهم مثل أحكامِ الإنسِ، فالرَّسولُ بُعِثَ إليهم، وهذا من الاعتداء، ولهذا يُذكَر أنَّ شيخَ الإسلامِ ابن تَيْمِيَّة ﵀ كان إذا أُتِيَ إليه بمصروعٍ وَعَظَهُ وزَجَرَهُ (١)، وبَيَّنَ له أن الاعتداءَ عَلَى المسلمِ محرَّم، ممَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَعتقِدون تحريمَ ذلك، وأَنَّهُمْ مُلْزَمُون بِهِ. وقد سبقتْ هَذِهِ المسألةُ، وَهِيَ: هل تكليف الجنِّ كتكليفِ الإنسِ؟ قُلْنَا: إن ظاهرَ النصوصِ أَنَّهُمْ مساوون لهم؛ لِأَنَّ الرَّسولَ بُعِثَ إليهم جميعًا، ولم نعلمْ أن شريعةً تَخُصُّهم، ولَكِن مَن نظر إِلَى الحِكْمَة مِنَ التشريعِ وجدَ أن اللَّه يَشْرَعُ لكلِّ أحدٍ ما يُناسِبُهُ، فعلى هَذَا يَكُونُ تكليفُ الجنِّ يخالفُ تكليفَ الانسِ، ويُكَلَّفُون بما يَلِيق بهم، ويدل عَلَى هَذَا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لهم كلَّ عظمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه يَجِدُونه أوفرَ ما يَكُونُ لَحْمًا (٢)، مِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُخالِفُونَ الإنسَ؛ لِأَنَّ الإنسَ لا يَحْصُل لهم ذلك. وأيضًا الإنسُ أنفسهم يختلفونَ فِي التكليفِ بِحَسَبِ الحالِ؛ فتكليفُ الغنيِّ بالزكاةِ لا يساويه تكليفُ الفقيرِ؛ لِأَنَّهُ لا مالَ عنده، وتكليف القادر عَلَى العِبَادَةِ لا يساويه تكليف العاجزِ عنها؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الوصف الَّذِي لَزِمَ فِيهِ التكليفُ. فالظاهرُ -واللَّهُ أَعْلَمُ- أنْ يقالَ: أُصُولُ العِبَادَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مكلَّفون بِهَا، وَأَمَّا صفاتُ العِبَادَةِ، وفروع العِبَادَةِ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ أن يَكُونوا مُساوِينَ للإنسِ؛ لأَنَّهُمْ يَختلِفون عنهم فِي الحقيقةِ، والشريعة تَقتضِي أنْ يُشْرَعَ لكلِّ إنْسَانٍ ما يناسبه. لَوْ قَالَ قَائِل: هَؤُلَاءِ الجنُّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لَقُوا النَّبيَّ ﷺ مرَّةً وَاحِدةً، فهل أعطاهم النَّبيُّ ﷺ تشريعاتٍ أمِ انقطعَ تكليفُهُمْ؟

стр. 284

الجواب: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الجماعَةُ الذينَ اتَّصلوا بِهِ انقطعَ تكليفُهُمْ، فقد يَكُونون مُلْزَمِينَ بما يَسْمَعُونه ويَعْلَمُونه مِنَ الشريعةِ، وإن كَانَ الرَّسولُ ما باشرهُ؛ لِأَنَّ قولَه : ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١ - ٢]، يَقتضي أنَّهم يَهتدون بالقُرْآنِ كلِّه؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، وهم لم يَسْمَعُوا القُرْآنَ كلَّه؛ لِأَنَّ السورةَ مكِّيَّة، والقُرْآن ما نَزَلَ كله فِي مَكَّة. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الجنَّ مُخَاطَبُونَ بالتصديقِ فقطْ؟ نقول: لا، هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، هم مخاطَبون بالفروعِ بلَا شَكٍّ. لكِن هل يَلْزَم من هَذَا أن يَكُونوا مساوينَ لنا؟ بعضُ العُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ النَّبيَّ ﵊ بُعِثَ إِلَى الجنِّ والإنسِ، ولم نَعْلَمْ أنَّ تَشْرِيعًا خاصًّا بالجنِّ قد جُعل لهم، فما دَامُوا مُكَلَّفِينَ بالرِّسَالةِ فإنها تَلْزَمُهُمْ عُمُومًا. وبعضُ العلماءِ يقولُ: مَن نظرَ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ قَالَ: إنَّ كلَّ قومٍ يُشْرَعُ لهم ما يُناسِبُهم، فإذا كَانَ الإنسُ يَختلِفَ بعضهم عن بعضٍ بنوعٍ مِنَ التكليفِ خُصَّ بِهِ، فما بالُكَ بالجنس الآخَرِ، وهذا أقربُ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ أنَّ لهم شرائعَ خاصَّةً بهم، أمَّا أُصُولُ الدينِ فلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِثْلُنا، يَعْنِي مثل الصلاة وأصل الزكاة وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أفعالُ الصلاةِ والحجِّ بالنسبةِ للجنِّ هل تَختلِفُ عَنِ الإنسِ؟ الظاهر: أن هَذِهِ العبادات لا تَختلِفُ؛ لأَنَّهُمْ يُمْكِنُهم أنْ يُصَلُّوا، ويُمْكِنُهُم أنْ يَحُجُّوا، وهم مَخْلُوقُونَ من نارٍ، وأيضا هم لا يَرَوْنَ، وإلَّا فهم أجسامٌ، والعوامُّ يَقُولُونَ:

стр. 285

لَيْسَ لهم عظامٌ ولا عَصَبٌ، ولا ندري هل هَذَا صحيحٌ أو لا، المهمُّ أَنَّهُمْ أجسامٌ يأكلون ويشربون ويَبُولُون، والرَّسول ﵊ يقولُ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ" (١) وذكر ﵊ أَنَّه إذا لم يسمِّ الإِنْسَانُ عَلَى الطعامِ فإِنَّهُ يُشارِكه الشيطانُ: الجن (٢)، وأخبرَ بأن "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحَمًا" (٣). ومَسْكَنُهم فِي ظاهرِ الْأَرْضِ، لكِن حَسَب ما نَعْرِفُ مِنَ التَّتَبُّعِ أَنَّهُمْ يَأْوُون دائمًا إِلَى الأماكنِ الخاليةِ فيَكُونون فِيهَا، وهذا من رحمةِ اللَّهِ بِنا وبهم؛ لأَنَّهُمْ لو كانوا فِي الأماكنِ المسكونةِ فيُمْكِن أنْ يَتَأَذَّوْا، أو نحن نَتَأَذَّى بهم، وأحيانًا إذا سَكَنَ أحدٌ فِي أماكنَ خاليةٍ يأتونه ويَقُولُونَ: اذْهَبْ عنَّا. وقيل: إِنَّهُ كان يوجد مَحَلٌّ مهجورٌ لا يُسْكَن، فجاء إنْسَانٌ وسَكَنَه، فثاروا عليه بالليلِ فقالوا: لا بدَّ أنْ ترحلَ عنَّا وإلَّا نقتل أولادك. فخرجَ وذهبَ وتركَه، وأنا -والحمد للَّه- سالمٌ مِنهم، ما عُمُري سَمِعْتُ منهم تهديدًا، لكِن هَذَا الشَيْء مَعروفٌ عندَ النَّاسِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهم؟ بعضُ العلماءِ يقولُ: إِنَّهُ يجوزُ، وبعضُ العلماءِ يقولُ: لا يجوزُ أن الْإِنْسَان يَتَزَوَّج منهم؛ لأنَّ من شرطِ الزواجِ مثلما قَالَ اللَّه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فهم أولًا لَيْسُوا من أنفسهم، وثانيًا: لا يُمْكِن أنْ يُسْكَنَ إليهم،
следующие страницы →