Полный текст (257 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فَبين عروج الْأَمر وعروج الْمَلَائِكَة ثمَّ وصف صعودها بالارتفاع صاعدة إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾
وَقَالَ ﴿ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره﴾ مِقْدَار صعودها وفصله من قَوْله إِلَيْهِ كَقَوْل الْقَائِل صعدت إِلَى فلَان فِي يَوْم أَو فِي لَيْلَة وَإِن صعودك إِلَيْهِ فِي يَوْم فَإِذا صعدوا إِلَى الْعَرْش فقد صعدوا إِلَى الله جلّ وَعز وَإِن كَانُوا لم يروه وَلم يساووه فِي الِارْتفَاع فِي علوه فَإِنَّهُم قد صعدوا من الأَرْض وعرجوا بِالْأَمر إِلَى الْعُلُوّ الَّذِي لله فَوْقه
وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾
وَكَلَام الْمَلَائِكَة أَكثر وَأطيب من كَلَام الْآدَمِيّين فَلم يقل ينزل إِلَيْهِ الْكَلم الطّيب
وَقَالَ عَن عِيسَى ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ وَلم يقل عِنْده وَقَالَ عَن فِرْعَوْن ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾
стр. 107
ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ فِيمَا قَالَ لي إِنَّه فِي السَّمَاء فَطَلَبه حَيْثُ قَالَ لَهُ مُوسَى مَعَ الظَّن مِنْهُ بمُوسَى ﵇ انه كَاذِب وَلَو أَن مُوسَى ﵇ أخبرهُ أَنه فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ لطلبه فِي الأَرْض أَو فِي بَيته وبدنه وَلم يتعز ببنيان الصرح
وَأما الْآيَات الْأُخَر الَّتِي نزعوا بهَا فقد أبان الله جلّ وَعز فِي تلاوتها أَنه لَا يُرِيد أَنه كَائِن فِي الْأَشْيَاء بِنَفسِهِ إِذْ وَصلهَا وَلم يقطعهَا كَمَا قطع الْكَلَام الَّذِي أَرَادَ بِهِ كَونه فَوق عَرْشه فَقَالَ ﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ فَبَدَأَ بِالْعلمِ وَأخْبر أَنه مَعَ كل مناج حَيْثُ وجد وَختم الْآيَة بِالْعلمِ وَقَالَ ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَبَدَأَ بِالْعلمِ وَختم بِالْعلمِ فَبين أَنه أَرَادَ أَنه يعلمهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا لَا يخفون عَلَيْهِ وَلَا يخفى عَلَيْهِ مناجاتهم تفردوا أَو اجْتَمعُوا
وَلَو اجْتمع قوم فِي السّفل وناظر إِلَيْهِم فِي الْعُلُوّ وَيسمع كَلَامهم فَقَالَ إِنِّي لم أزل مَعكُمْ أَرَاكُم وَأعلم
стр. 108
مناجاتكم كَانَ صَادِقا وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى عَن شبه الْخلق
وَقد روى ابْن مَسْعُود مَا يدل على ذَلِك فَقَالَ اجْتمع ثَلَاثَة نفر عِنْد الْكَعْبَة فَقَالَ أحدهم أَتَرَوْنَ أَن الله يسمع مَا نقُول فَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ يسمع إِذا جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا فَأنْزل الله ﴿وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم﴾ الْآيَة فَإِن أَبَوا إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة وَقَالُوا هَذَا دَعْوَى خَرجُوا من قَوْلهم فِي ظَاهر التِّلَاوَة لِأَن مَوضِع الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل من ذَلِك الْوَاحِد فَهُوَ مَعَهم لَا فيهم وَمَا كَانَ مَعَ الشَّيْء فقد خلا جِسْمه مِنْهُ وَبَان كل وَاحِد مِنْهُمَا بِنَفسِهِ عَن الآخر وَهَذَا خُرُوج عَن قَوْلهم لِأَن عِنْدهم لَا يَخْلُو من الله سُبْحَانَهُ شَيْء أَن يكون فِيهِ بِنَفسِهِ فقد تركُوا قَوْلهم على ظَاهر التِّلَاوَة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مَعَهم﴾ وَلم يقل ﴿فيهم﴾
стр. 109
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ فقد بَين مَا أَرَادَ بذلك فَقَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ أَي بِعِلْمِهِ فَتكون الْإِحَاطَة بِالْعلمِ أقرب من عرق قلبه الْمُتَّصِل بِقَلْبِه فَإِن أَبَوا إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة فَإِن مَا قرب من الشَّيْء لَيْسَ هُوَ فِي الشَّيْء وَأقرب مَا يكون مِنْهُ أَن يلازمه وَلم يقل إِنِّي فِيكُم وَلَا إِنِّي فِي حَبل الوريد وَلَا أَنِّي أقرب فِيكُم من حَبل الوريد لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي حَبل الوريد صَار حَبل الوريد أقرب إِلَيْنَا لِأَن مَا كَانَ فِيهِ شَيْء فقد ١٠٣ حواه وَآخر حواه وَهُوَ دونه كَالرّجلِ يكون فِي بَيت دَار فجدار الْبَيْت أقرب إِلَى الدَّار مِمَّن هُوَ فِي الْبَيْت وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لَكَانَ آخر حَبل الوريد أقرب إِلَى قُلُوبنَا مِنْهُ ومحال أَن يكون مَا فِي الوريد أقرب إِلَى الْجِسْم من حَبل الوريد وَإِنَّمَا يكون أقرب إِلَى الْجِسْم من حَبل الوريد إِذا لم يكن فِي حَبل الوريد وَكَانَ خَارِجا
стр. 110
مِنْهُ أَو كَانَ بعضه فِي حَبل الوريد وَبَعضه خَارِجا مِنْهُ إِلَى الْجِسْم فَذَلِك التَّبْعِيض فَفِي ظَاهر التِّلَاوَة على دَعوَاهُم مَا يدل أَنه لَيْسَ فِي حَبل الوريد كُله وَإِنَّمَا يدل على أَنه إِمَّا خَارج مِنْهُ أَو بعضه خَارج مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ فَلم يقل فِي السَّمَاء ثمَّ قطع كَمَا قَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ فَقَالَ ﴿فِي السَّمَاء إِلَه﴾ فَأخْبر أَنه إِلَه أهل السَّمَاء وإله أهل الأَرْض
وَذَلِكَ مَوْجُود فِي اللُّغَة إِذْ يَقُول الْقَائِل من بخراسان فَيُقَال ابْن طَاهِر وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع فجايز أَن يُقَال ابْن طَاهِر أَمِير فِي خُرَاسَان فَيكون أَمِيرا فِي بَلخ وسمرقند وكل مدنها هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع وَاحِد يخفى عَلَيْهِ مَا وَرَاء بَيته وَلَو كَانَ على ظَاهر اللَّفْظ وَفِي معنى الْكَوْن مَا جَازَ أَن يُقَال أَمِير فِي الْبَلَد
стр. 111
الَّذِي هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي مَوضِع وَاحِد من بَيته أَو حَيْثُ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع جُلُوسه وَلَيْسَ هُوَ فِي دَاره أَمِير وَلَا فِي بَيته كُله وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع مِنْهُ لَو كَانَ معنى هَذَا معنى الْكَوْن فَكيف العالي فَوق كل شَيْء لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من الْأَشْيَاء يدبره فَهُوَ إِلَه أهل السَّمَاء وإله أهل الأَرْض لَا إِلَه فيهمَا سواهُ فَهُوَ فيهمَا إِلَه إِذْ كَانَ مُدبرا لَهما وَمَا فيهمَا وَهُوَ على عَرْشه فَوق كل شَيْء بَاقٍ
الحشوية والنسخ فِي الْأَخْبَار
وَأما الْأَخْبَار فقد قَالَ بعض الروافض إِن الله ينْسَخ أخباره وَقَالَ قوم من أهل السّنة بنسخ الْأَخْبَار لَا على التعمد مِنْهُم وَلَكِن عَن الإغفال والسهو عَن الفحص عَن معنى ذَلِك
فَقَالَ الْكَلْبِيّ إِنَّه لما نزلت ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾
стр. 112
نسخهَا بقوله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ وَمعنى ذَلِك لَو كَانَ نسخهَا أَن الله قَالَ ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ أَنه أَرَادَ بِهِ أَن يعذب عُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَة والمسيح فَأوجب عَلَيْهِم الْعَذَاب ثمَّ نسخ ذَلِك بَعْدَمَا أوجبه كَمَا أوجب قيام اللَّيْل ثمَّ نسخه وكما أوجب تَقْدِيم الصَّدَقَة قبل نجوى النَّبِي ﷺ ثمَّ نسخهَا وكما أوجب الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ نسخه ومعاذ الله أَن يكون الله أَرَادَ وَأحب تَعْذِيب أوليائه من الْمَلَائِكَة وَلَا الْمَسِيح وَلَا عُزَيْر وَقد تقدّمت فيهم أَخْبَار من الله جلّ وَعز بِالْولَايَةِ قبل أَن ينزل آيَة الْعَذَاب فِي الْآلهَة فَلَمَّا أنزل آيَة الْعَذَاب لم يرد بهَا من تقدم مِنْهُ القَوْل بولايتهم وَإِنَّمَا أَرَادَ من عبدُوا سوى أوليائه وَكَانَ خَبرا خَاصّا لَا عَاما كَمَا قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ وَلم يرد الْكَافرين إِذْ لم يتوبوا لِأَنَّهُ قد تقدم فيهم أَخْبَار أَنه لَا يغْفر لَهُم إِن لم يتوبوا
стр. 113
وَقَالَ الْكَلْبِيّ ومتبعوه أَيْضا قَوْله ﴿وَالْمَلَائِكَة يسبحون بِحَمْد رَبهم وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ نسخ ذَلِك بقوله ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك﴾
وَلَو كَانَ كَمَا زعم لَكَانَ قَوْله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ خَبرا مِنْهُ أَنهم يَسْتَغْفِرُونَ لأهل الأَرْض كلهم من تَابَ مِنْهُم وَمن لم يتب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ إِنَّمَا اسْتَغْفرُوا للَّذين تَابُوا وَلَيْسَ كَذَلِك وَلكنه أخبر أَولا بِخَبَر كَانَ ظَاهره على الْعُمُوم وَهُوَ خُصُوص وَلم يرد أَولا فِي خَبره أَنهم اسْتَغْفرُوا لأهل الأَرْض كلهم ثمَّ رَجَعَ فَأخْبر أَنهم إِنَّمَا اسْتَغْفرُوا للتائبين دون غَيرهم هم لم يَسْتَغْفِرُوا قطّ إِلَّا للتائبين وَلم يرد بِخَبَرِهِ عَنْهُم إِلَّا التائبين وَلكنه أخبر أَولا وَكَانَ ظَاهر خَبره على الْعُمُوم
وَإِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿لمن فِي الأَرْض﴾ من التائبين ثمَّ بَين فِي الْخَبَر الثَّانِي من أَرَادَ لِأَن الله لَا جَائِز أَن ينْسَخ الاسْتِغْفَار للْكَافِرِينَ وَقد أخبر أَنه قَالَ لَا يغْفر لَهُم أبدا فَيكون قد أَمرهم أَن يَسْتَغْفِرُوا للْكَافِرِينَ ثمَّ
стр. 114
نسخه بنهيه لَهُم فيدعوا الاسْتِغْفَار لجَمِيع النَّاس دون أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُؤْمِنين بعد ذَلِك لِأَنَّهُ يَقُول ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ وَلَا يقدمُونَ بَين يَدي الله مَا لم يؤمروا بِهِ فيخالفوا محبَّة مَوْلَاهُم فيسألوه أَن يغْفر للْكَافِرِينَ مَعَ الْمُؤمنِينَ وَقد أوجب أَلا يغْفر لَهُم أبدا وَهُوَ يخبر بِأَنَّهُم لَا يشفعون إِلَّا لمن رَضِي شفاعتهم لَهُ ويمدحهم بذلك
فَإِن احْتج مُحْتَج بِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ قد اسْتغْفر لِأَبِيهِ ومحمدا ﷺ لِعَمِّهِ حَتَّى نهي فَذَلِك إِنَّمَا كَانَ ابتلاء من مُحَمَّد ﷺ حَتَّى نَهَاهُ الله لَا أَن الله ﵎ أمره أَن يسْتَغْفر للْمُشْرِكين ثمَّ نسخه وَالْمَلَائِكَة لَا جَائِز أَن تبتدئ بِمَا لم تُؤمر بِهِ لِأَنَّهُ عز من قَائِل يَقُول ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾
فالناسخ والمنسوخ لَا يجوز أَن يَكُونَا إِلَّا فِي الْأَحْكَام فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْحُدُود والعقوبات فِي أَحْكَام الدُّنْيَا
стр. 115
وَلَا يكون ذَلِك بداوات من الله وَلَا استفادة علم وَلَا رُجُوعا عَن صدق بنسخ خبر وَلَا ابْتِدَاء بكذب ثمَّ رُجُوعا إِلَى صدق جلّ وَتَعَالَى عَن ذَلِك
وَلكنه أَمر بِأَمْر وَحكم بِحكم وَهُوَ يُرِيد أَن يُوَجه إِلَى وَقت وَيُرِيد أَن يَأْمر بِتَرْكِهِ بعد ذَلِك الْوَقْت لم يزل مرِيدا للْفِعْل الأول إِلَى الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ نسخه وإيجاد بدله إِلَّا من الْمَأْمُور بِهِ وَالْحكم بِهِ وَكِلَاهُمَا لم يزل يُرِيدهُمَا وَلم يُبدلهُ فِي الثَّانِي ببدو وَلَا بنسخ أمره وَلكنه ينْسَخ الْمَأْمُور بِهِ بمأمور بِهِ آخر وكلامها وَقع التبديل على الْمَأْمُور بِهِ بمأمور بِهِ آخر وَكِلَاهُمَا كَلَامه لَا رُجُوعا عَن قَوْله الأول أَنه لم يكن حَقًا وصدقا مِنْهُ وَحِكْمَة وصلاحا لِعِبَادِهِ يسْتَخْرج مِنْهُمَا التَّسْلِيم لأَمره فِي وَقت يكون ذَلِك مِنْهُمَا وَيكون من إِبْرَاهِيم الْقَصْد مِنْهُ لحديدة يذبح بهَا ابْنه وإضجاعه وَوضع السكين على حلقه بِالصبرِ وَالتَّسْلِيم لأَمره وَيكون من إِسْحَق بالطوع لِأَبِيهِ ابْتِغَاء مرضاة الله ربه بِالتَّسْلِيمِ لأَمره وَيكون من الْكَبْش بدله وَكِلَاهُمَا مُرَاد لَهُ لم يزل فِي
стр. 116
وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين فَأَرَادَ أَن يضجعه ويقصد بحديدة لذبحه وَيكون التَّسْلِيم مِنْهُمَا ويأمره بالكبش فيذبحه وَلَو أَرَادَ الله ذبح ابْنه لذبحه لَا محَالة لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيد شَيْئا إِلَّا تمّ وَلَو أَرَادَ ذبح ابْنه لذبحه لَا محَالة ولأخبره أَنه ذابحه لَا محَالة لِأَنَّهُ لَا يخبر بِشَيْء أَنه كَائِن ثمَّ لَا يكون وَلَا يجوز أَن يخبر أَنه يكون إِلَّا كَانَ
كَمَا أَمر الله تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ وَالْمُؤمنِينَ أَن يصفحوا عَن الْمُشْركين وَلَا يقاتلوهم ويصبروا على أذاهم وَهُوَ يُرِيد أَن يصفحوا عَنْهُم إِلَى أَن يقوى الْإِسْلَام ويهاجروا إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ يُرِيد إِذا هَاجرُوا وَقَوي الْمُسلمُونَ أَن يَأْمُرهُم بِالْقِتَالِ وَكِلَاهُمَا لم يَزَالَا مرَادا لَهُ
أَرَادَ أَن يُوجب هَذَا إِلَى وَقت ثمَّ يُوجب الآخر بَدَلا مِنْهُ وَيَأْمُر بترك الأول كَمَا أَمرهم بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ أَمرهم أَن يَتَحَوَّلُوا إِلَى الْكَعْبَة وَذَلِكَ كثير فِي أَحْكَامه أبدل أَحدهمَا بَدَلا من الآخر فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين وَكِلَاهُمَا كَانَ مرِيدا لَهُ
стр. 117
هَذَا يُرِيد أَن يَأْمر بِهِ إِلَى وَقت وَهَذَا يُرِيد أَن يَأْمر بِهِ بَدَلا مِنْهُ بعد تقضي الْوَقْت وَيَأْمُر بترك الأول من غير بَدْء وَلَا جهل
وَكَذَلِكَ كل حكم نسخه حكم آخر فَإِنَّمَا جعل الثَّانِي بَدَلا من الأول وَذَلِكَ مَوْجُود بَين الْعباد على تقدم الْإِرَادَة مِنْهُم فِيمَا أمروا بِهِ أَولا ثمَّ نهوا عَنهُ وَأمرُوا بِغَيْرِهِ من غير بَدْء وَلَا جهل وَذَلِكَ كَانَ يَأْمر الرجل غُلَامه ليعْمَل فِي أرضه وَهُوَ يُرِيد أَن يعْمل فِيهَا وَقت الزِّرَاعَة ثمَّ يصرفهُ بعد ذك إِلَى خدمته فِي منزله وَكِلَاهُمَا قد تقدّمت بِهِ الْإِرَادَة مِنْهُ ويأمره أَن يخرج مَعَه إِلَى قريته وَهُوَ يُرِيد إِذا بلغ الْقرْيَة أَن يَأْمُرهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَهله يقوم بحوائجهم ويكتفي هُوَ بِخِدْمَة نَفسه فِي قريته أَو يُرِيد أَن يردهُ إِلَى قريته أَو مدينته إِلَى عمل يعمله لَهُ من بِنَاء أَو عمل يكْسب بِهِ أَو غير ذَلِك لربما قَالَ لَهُ إعمل كَذَا وَكَذَا إِلَى الظّهْر أَو إِلَى رَأس الشَّهْر وَإِذا انْسَلَخَ ١٠٥ الشَّهْر فدع الْعَمَل واعمل كَذَا وَكَذَا لعمل آخر فَتقدم مِنْهُ الْأَمر
стр. 118
بالعملين جَمِيعًا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين أَو يَأْمُرهُ بِأحد العملين فِي وَقت وَهُوَ كَذَلِك يُرِيد أَن يَأْمُرهُ بِالْعَمَلِ الآخر بعد انْقِضَاء الثَّانِي فَيكون الآخر بَدَلا من الأول يبْدَأ بِأَحَدِهِمَا إِلَى الْوَقْت وَقد أمره أَن يَدعه إِذا جَاءَ الْوَقْت وَيعْمل الآخر بَدَلا من الأول من غير بَدْء مِنْهُ وَلَا كذب وَلَا جهل فَكيف بالإله الْوَاحِد القهار الَّذِي يعلم عواقب الْأُمُور كلهَا وَلَا تبدو لَهُ البداوات وَلَا تحل بِهِ الْحَوَادِث وَلَا تعتقبه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
القَوْل بِخلق الْقُرْآن
وَلَقَد جامعنا قوم من أهل الضلال على ذَلِك لِئَلَّا يَقع النّسخ من الله فِي أخباره ومدحه وَإِنَّمَا يَقع النّسخ فِي أَحْكَامه ثمَّ جهلوا إِذْ أَرَادوا أَن يقووا قَوْلهم بِأَن كَلَام الله مَخْلُوق فزعموا أَن الله قد ينْسَخ كَلَامه بِكَلَامِهِ فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى
стр. 119
عَنهُ وَكَانَ مِمَّا استدلوا بِهِ أَنه كَلَام مَخْلُوق أَنه ينْسَخ بعضه بِبَعْض
قَالُوا وَلَو لم يكن مخلوقا مَا جَازَ عَلَيْهِ النّسخ وَلَا التبديل
وَقد جهلوا الْمَعْنى وجاروا عَن الْحق لِأَن الله جلّ وَعز لم ينْسَخ كَلَامه بِكَلَامِهِ وَإِنَّمَا ينْسَخ مَأْمُورا بِهِ بمأمور بِهِ فأبدل أَحدهمَا مَكَان الآخر وَكِلَاهُمَا كَلَامه وَإِنَّمَا ينْسَخ كَلَامه الأول بِكَلَام مِنْهُ ثَان الْكَاذِب الرَّاجِع عَمَّا قَالَ فَأَما إِذا كَانَا جَمِيعًا مِنْهُ فهما حق وَصدق فَإِنَّمَا أَمرهم بمأمور أوجبه ثمَّ رَفعه وبدله بمأمور آخر ألزمهم الْقيام بِهِ وَكِلَاهُمَا كَلَامه أوجبهما فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين فَالله جلّ وَعز لم يَأْمر الْعباد أَن يَفْعَلُوا كَلَامه ثمَّ يَأْمُرهُم أَن يَفْعَلُوا كلَاما لَهُ ثَانِيًا بَدَلا من الأول وَإِنَّمَا أَمرهم بِعَمَل يَعْمَلُونَهُ ثمَّ بدل لَهُم عملا آخر ألزمهم إِيَّاه وَنسخ الأول وَجعل الثَّانِي مبدولا بِهِ ألم تسمع الله يَقُول ﴿لَا مبدل لكلماته﴾
стр. 120
وَقَالَ ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُم ﴿لن تخْرجُوا معي أبدا﴾ وَلم يقل إِن الله حرم عَلَيْكُم الْخُرُوج معي وَلم يقل أبدا فَيَكُونُوا إِذا أَرَادوا الْخُرُوج مَعَ النَّبِي ﷺ أَرَادوا أَن يعصوا الله وَلَا يَكُونُوا مبدلين كَلَام الله وَلَكِن الله جلّ وَعز أَمر نبيه أَن يُخْبِرهُمْ أَنهم لَا يخرجُون مَعَه أبدا أبدا وَلَا جَائِز أَن يخرجُوا مَعَه أبدا لِأَن هَذَا القَوْل من الله خبر مِنْهُ أَنه لَا يدعهم يخرجُون مَعَ نبيه ﵇ أبدا وَلَا يَأْذَن لَهُم فِي ذَلِك فَلَو خَرجُوا كَانَ ذَلِك تَكْذِيبًا لخَبر الله جلّ وَعز وَلَو أذن لَهُم الله لَكَانَ هَذَا تبديلا لكَلَامه الأول وَكَانَ هَذَا كذبا وَجل رَبنَا وَتَعَالَى عَن ذَلِك فَلَمَّا سَأَلُوا النَّبِي ﵇ أَن يخرجُوا مَعَه وَكَانَ فِي خُرُوجهمْ تَكْذِيب خبر الله وتبديل لكَلَامه قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ لنَبيه ﵇ لما سَأَلُوا أَن يخرجُوا مَعَه ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ فَدلَّ الله بذلك أَن فِي
стр. 121
تَبْدِيل كَلَام الله إِيجَاب الْكَذِب وَالله جلّ وَعز لَا يُبدل كَلَامه وَلَا ينْسَخ قَوْله وَإِنَّمَا ينْسَخ فَرْضه ويبدله بِفَرْض غَيره وَكِلَاهُمَا كَلَامه
أَلا ترى أَن كل مَا ينْسَخ ويبدل فَلَا يجوز فعله كَالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَبَعضه لَا يجوز فعله على الْإِيجَاب لَهُ كقيام اللَّيْل وَغَيره وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّة للْوَالِدين وَلمن يَرث لَا يجوز أَن ينفذ الْوَصِيَّة لَهُم
وَالْكَلَام الَّذِي نَهَاهُم بِهِ أَولا كَلَام لَهُ وَاجِب على الْعباد أَن يُؤمنُوا بِهِ أَنه حق وَأَنه من الْقُرْآن من كفر بِهِ فَهُوَ كَافِر وَمن آمن بِهِ فَهُوَ مُؤمن وَأَن عَلَيْهِم أَلا يخرجُوا جَمِيعًا من حفظه حَتَّى يكون بَعضهم يحفظه وَلَا يجوز لَهُ أَن يسْقط من الْقُرْآن فَلَا يقْرَأ وَلَا يُتْلَى وأنما سقط فرض الْآيَة وَثَبت نَصهَا وَالنَّص حق وَصدق وَإِنَّمَا بَطل الْفَرْض وَلم يبطل النَّص وَإِنَّمَا سَقَطت الْوَصِيَّة أَن ينفذ فَتجوز فَسقط وجوب الْفَرْض من الْآيَة وَثَبت نَصهَا أَن تجب الْوَصِيَّة للْوَالِدين وَنَحْوهَا وَلم يسْقط كَلَامه بذلك أَنه حق
стр. 122
وَصدق وَأَنه لَيْسَ بَين الْآيَة الناسخة للْمَأْمُور بِهِ وَبَين الْآيَة الَّتِي نسخ مِنْهَا الْمَأْمُور بِهِ فرقان فِي الايمان بهما وَالْكفْر بهما وأنهما جَمِيعًا حق وَصدق وَإِنَّمَا افترق الحكمان بهما
فَمن زعم أَن الحكم ١٠٦ الْمَنْسُوخ وَاجِب بعد علم فقد كفر وَأَن الثَّانِي الْمُبدل بِهِ لَيْسَ بِوَاجِب فقد كفر فَجَائِز أَن يُقَال قد أبطل الله الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَلَا يُقَال قد أبطل الله قَوْله فَيكون كَلَام الله بَاطِلا
فَالْكَلَام الَّذِي نسخ بِهِ حق وَالْكَلَام الْمَنْسُوخ الحكم مِنْهُ حق فَيُقَال قد أبطل الله جلّ وَعز وجوب الْوَصِيَّة وأبطل الله الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس أَن يكون وَاجِبا الْآن وأبطل قيام اللَّيْل أَن يكون وَاجِبا
وَلَا يَقُول مُؤمن قد أبطل الْآيَات الَّتِي كَانَت هَذِه الْأَحْكَام كلهَا فِيهَا وَاجِبَات فَيكون كلَاما بَاطِلا فَالْكَلَام الَّذِي نسخ مِنْهُ الحكم وَالْكَلَام الَّذِي ثَبت بِهِ الحكم الثَّانِي كَلَام الله حق وَصدق لَا بَاطِل وَلَا كذب وَأحد الْحكمَيْنِ سَاقِط وَمن دَان بِهِ بعد علم
стр. 123
فقد دَان بالضلال وَالْبَاطِل أَن يكون وَاجِبا على عباد الله
وَكَانَ مِمَّا احْتَجُّوا علينا بِهِ فِي ذَلِك قَول الله جلّ من قَائِل ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾
فَقَالُوا مَا جَازَ أَن يكون بعضه خيرا من بعض فَهُوَ مَخْلُوق لِأَنَّهُ إِذا كَانَ شَيْء هُوَ خير من شَيْء فقد فَضله وَالْآخر مَنْقُوص وَقَالَ أَو مثلهَا قَالُوا وَمَا كَانَ لَهُ مثل فَهُوَ مَخْلُوق لِأَن الْمثل يشْتَبه بِمثلِهِ وَمَا جَازَ أَن يَأْتِي بِهِ الله جلّ وَعز فيحدثه فَهُوَ مَخْلُوق وكل مَخْلُوق فَمثله مَخْلُوق لِأَن حكم الْمثل حكم مثله
وجهلوا التَّأْوِيل إِنَّمَا قَوْله جلّ وَعز ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ بِخَير بمأمور بِهِ هُوَ أوسع لكم وأخف عَلَيْكُم أَو مثله فِي الخفة وَالسعَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ لَا يَعْنِي خيرا من التَّوْحِيد
стр. 124
وَإِنَّمَا يَعْنِي لَهُ مِنْهَا خير كَمَا يُقَال الدَّرَاهِم خير من المَال لَا يُرِيد أفضل من المَال وَإِنَّمَا يُرِيد الدَّرَاهِم من المَال خير فَإِن قَالُوا بِظَاهِر التِّلَاوَة فقد جامعونا أَن الله جلّ وَعز عِنْدَمَا أَمر بِالْوَصِيَّةِ للْوَالِدين أَمر بمأمور بِهِ أوسع من الأول وجامعونا أَن الله جلّ وَعز لما أَمر بِالْمَالِ لوَرَثَة معلومين فالمأمور بِهِ الآخر أوسع وَمَا نسخ الله جلّ وَعز من تقدمه النَّجْوَى بَين يَدي كَلَامهم لرَسُوله ﵇ وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل وَنَحْو ذَلِك
وَمِمَّا يدل على بطلَان قَوْلهم أَن قَائِلا لَو قَالَ ترك قيام اللَّيْل أَن يكون علينا وَاجِبا هُوَ أرْفق بِنَا وأوسع لنا من قبل اتساعه لنا كَانَ صَادِقا وَلَو قَالَ إِن قَوْله ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ خير من قَوْله ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ فَأَرَادَ أَن الْكَلَام الآخر من الله جلّ ذكره خير وَأفضل وَالْكَلَام الأول أنقص وَأدنى كَانَ كَافِرًا بِاللَّه إِذْ ازدرى كَلَام الله وَزعم أَنه مَنْقُوص دني
стр. 125
الْقسم الْخَامِس
مَعَ الْمُعْتَزلَة دفاع والزامات
دفاع عَن أهل السّنة
دَعْوَى الْمُعْتَزلَة
وَقد ادّعى علينا بعض أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة أَنا نزعم أَن الله ينْسَخ أخباره وَصِفَاته فَقَالُوا إِن الله أخبر أَنه يعذب الْقَاتِل وَالزَّانِي وشارب الْخمر وآكل مَال الْيَتِيم ظلما وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فزعمتم أَنه جَائِز أَن يغْفر الله لبَعض أهل الْكَبَائِر وَأَنه لَا يغْفر لبَعْضهِم
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه يغْفر لَهُم كلهم
وَأخْبر أَن الْفجار لَا يغيبون عَن النَّار فزعمتم أَن الله جلّ ذكره يخرج قوما من الْفجار المقرين بَعْدَمَا احترقوا ويدخلهم الْجنَّة
وَزعم بَعْضكُم أَن الله يخرج كل فَاجر مقرّ قَاتل كَانَ أَو زَان أَو سَارِق أَو من أَتَى بأعظم الذُّنُوب إِلَّا بالْكفْر بِاللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ
стр. 126
وزعمتم أَن الله جلّ وَعز نسخ خَبره وأخلف وعيده وأكذب قَوْله فِي بعض مَا أخبر أَنه معذبه وَبَعض من أخبر أَنه مخلد فِي النَّار وَهَذَا تَكْذِيب وَخلف من القَوْل
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الصِّفَات قَالُوا زعمتم أَن الله جلّ وَعز امتدح بِأَن الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ ثمَّ زعمتم أَن هَذِه المدحة تبدل فِي الْآخِرَة فتراه الْعُيُون وَهَذَا نسخ الْمَدْح لِأَنَّهُ أمتدح بِأَن الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ وَلم يسْتَثْن فِي الدُّنْيَا فزعمتم أَنَّهَا تُدْرِكهُ فِي الْآخِرَة نظرا
قَالُوا وَلَو جَازَ أَن يغْفر الله لأهل الْكَبَائِر بعد مَا قَالَ إِنِّي معذبهم وَإِن جزاءهم النَّار لجَاز أَن يغْفر لأهل الْكفْر لِأَنَّهُ كَذَلِك قَالَ إِنِّي أعذبهم وَإِن جزاءهم النَّار وَلَو جَازَ أَن ترَاهُ الْأَبْصَار بَعْدَمَا نفى الرُّؤْيَة لجَاز فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يطعم وَلَا يطعم﴾ أَن يطعم فِي الْآخِرَة وَلَا يطعم ١٠٧ فِي الدُّنْيَا
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ لجَاز أَن
стр. 127
تَأْخُذهُ السّنة وَالنَّوْم فِي الْآخِرَة وَقَوله ﴿لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء﴾ أَنه يخفى عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة لَا فرقان بَين ذَلِك زَعَمُوا
فِي الْوَعْد والوعيد
وَقَالَ أَبُو عبد الله ﵀ وَقد أبعدوا الْقيَاس وَادعوا علينا مَا لم نَقله معَاذ الله أَن نقُول إِن أَخْبَار الله ومدحه تنسخ وَهُوَ الصَّادِق فِي كل حَال والكامل لم يزل وَلَا يَزُول وَلَكنَّا نقُول إِن الله جلّ ذكره أَخْبَارًا عَامَّة وَإِن اتّفق ظَاهر تلاوتها فِي الْعُمُوم فَهُوَ مُخْتَلف فِي مَعَاني الْخُصُوص والعموم
فَأَما مَا ادعوا علينا فِي الْوَعيد فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِل وَلَكِن الله جلّ وَعز أوجب لآكل مَال الْيَتِيم وَالزَّانِي وَالسَّارِق وشارب الْخمر وَالْقَاتِل وَهُوَ يُرِيد أَن ذَلِك عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَاجِب وَأَنَّهُمْ لَهُ مستحقون وَلم يرد أَن يعذبهم أَجْمَعِينَ وَلَو أَرَادَ أَن يعذبهم أَجْمَعِينَ فَإِن أَرَادَ أَن يعذب بعض من اسْتوْجبَ فيعذبه بعدله
стр. 128
ويغفو عَن بعض من وَجب عَلَيْهِ فيعفو عَنهُ بِفضل رَحمته لزلاته يَقُول ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾
فَأخْبر أَنه لَا مَشِيئَة لَهُ فِي مغْفرَة أحد من الْمُشْركين وَله الْمَشِيئَة فِيمَا دون الشّرك بالمغفرة عَمَّن يَشَاء مِنْهُم فَأخْبر أَنه لم يرد أَن يعذبهم كلهم وَأَن يغْفر لبَعض من يَشَاء مِنْهُم
وَأخْبر أَنهم جَمِيعًا مستحقون للعذاب وَأَن لَهُ مَشِيئَة فِي بعض من اسْتحق مِنْهُم الْعَذَاب الَّذِي وَجب عَلَيْهِم فِي حكمه وَلم يعلمنَا من يغْفر لَهُ فقطعنا بِمَا قطع وأيسنا من عَفوه عَمَّن آيسنا مِنْهُم من الْمَغْفِرَة للْمُشْرِكين وأوقفنا مَا أوقف من عَذَاب الْمُسْتَحقّين من الْمُؤمنِينَ إِلَّا أَنا نعلم أَنه سيعذب بَعضهم وَلَا يكذب قَوْله لِأَنَّهُ أخبر أَنه يعذب وَأَن لَهُ مَشِيئَة فيهم فِيمَن يَشَاء مِنْهُم أَن يغْفر لَهُ
فَكَانَ مَا أخبر الله جلّ وَعز بِهِ من عَذَاب الْمُوَحِّدين
стр. 129
خُصُوصا لَا عُمُوما إِذْ أخبر أَنه يغْفر لمن يَشَاء مِنْهُم وَأَن خَبره أَنهم مستوجبون عُمُوم
وَإِذا أخبر أَنه لَهُ مَشِيئَة فَيمكن مَشِيئَته فِيمَن اسْتوْجبَ الْعَذَاب مِنْهُم
وَأما مَا ادعوا بِهِ علينا فزعموا أَنه يلْزمنَا أَن نشك فِي عَذَاب الْكفَّار فَلَا نَدْرِي يغْفر لبَعْضهِم لِأَنَّهُ قَالَ للْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾
فَقَالُوا قد اسْتثْنى فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ كَمَا اسْتثْنى فِيمَا دون الشّرك فَإِنَّهُ يُقَال لَهُم أبعدتم فِي الْقيَاس والتمييز إِن الله جلّ وَعز لم يقل للْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء﴾ مِنْكُم فَيكون قد اسْتثْنى بَعضهم فيلزمنا ذَلِك فَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ يلْزمنَا كَمَا قُلْتُمْ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يغْفر لمن يَشَاء﴾ عُمُوم لم يخص قوما بأعيانهم فقد عرفنَا من يَشَاء مغفرته بعد عُمُوم هَذَا الْخَبَر بأخبار خَاصَّة وَلَوْلَا الْأَخْبَار الْخَاصَّة
стр. 130
بعد ذَلِك لَكَانَ علينا أَن نقف حَتَّى نعلم من يَشَاء عَذَابه فَلَمَّا أخبرنَا أَنه لَا يغْفر لمن أشرك قَطعنَا بذلك
وَأخْبرنَا أَنه يغْفر لمن يَشَاء مِمَّن تَابَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ فقطعنا بذلك وَعلمنَا أَنه قد شَاءَ عَذَاب الْكَافرين وَشاء مغْفرَة التائبين وَلما أرْخى كَذَا مغفرته من يَشَاء من المصرين من الْمُوَحِّدين وقفنا وَلم نقطع وَعلمنَا أَنه يَشَاء أَن يغْفر لبَعْضهِم وَأَنه يعذب بَعضهم إِذْ أخبر أَنه سيعذبهم إِلَّا من يَشَاء مغفرته مِنْهُم فَجعل مَشِيئَته فِي مغْفرَة بَعضهم خُصُوصا وَالْآخرُونَ معذبون بقوله أعذب وأغفر لمن شِئْت مِنْهُم فَعلمنَا أَن من يَشَاء الله من خلقه بعد قَوْله ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ أَن يعذبهم وَأَن يغْفر لَهُم وَلم نعلم من يغْفر لَهُ من المصرين من الْمُوَحِّدين
стр. 131
وَلَا من يعذب مِنْهُم إِلَّا أَنه سيعذب بَعضهم وَيغْفر لمن يَشَاء مِنْهُم
وَأما قَوْلهم لَا يَخْلُو من ثَلَاث خلال
إِمَّا أَن يكون قَالَ أعذبهم وَهُوَ يعلم أَنه سيعذبهم
أَو كَانَ لَا يعلم من يعذبه مِنْهُم
أَو كَانَ يعلم أَنه يعذبهم
فالشك فِي علم عَذَابهمْ كفر
وَقَوله أعذبهم وَهُوَ يعلم ١٠٨ أَنه لَا يعذبهم كذب
فقد جامعناهم على ذَلِك إِلَّا الْفَصْل الأول وَهُوَ قَوْلهم إِنَّه قَالَ ذَلِك وَهُوَ يعلم أَنه يعذبهم
فجوابنا أَنه قَالَ ذَلِك وَهُوَ يعلم أَنه سيعذب بَعضهم وَيَعْفُو عَمَّن شَاءَ أَن يعْفُو عَنهُ وَكَذَلِكَ اسْتثْنى لما علم وَلَا يلْحقهُ فِي ذَلِك شكّ وَلَا كذب وَلَا خلف وَالْآيَة فِي الِاسْتِثْنَاء من شَاءَ أَن يغْفر لَهُ من الْمُوَحِّدين لَا يَخْلُو من أَن تكون الْآيَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا فِي المصرين أَو فِي التائبين أَو هِيَ مخصصة أَولهَا وَآخِرهَا فِي التائبين
стр. 132
فَهَذَا لَا يَقُوله أحد أَنه من تَابَ من الشّرك لم يغْفر لَهُ وَمن تَابَ من الذُّنُوب غفر لمن شَاءَ مِنْهُم وَإِن كَانَت فِي المصريين فَهَذَا عندنَا هُوَ الْحق لِأَن الله جلّ ذكره لَا يغْفر لمن مَاتَ مصرا على الشّرك وَيغْفر لمن يَشَاء مِمَّن مَاتَ مصرا على الذُّنُوب مَعَ التَّوْحِيد وَإِن كَانَ أَولهَا فِي بعض دون بعض فَهَذَا على مَعَاني شَتَّى وَآخِرهَا فِي التائبين فَهَذَا التحكم فِي الدَّعْوَى لأَنهم جامعونا على أَن أَولهَا فِي المصرين وَقَوْلهمْ إِن أَولهَا فِي المصرين على مَا ابتدأها الله أَو يَأْتُوا ببرهان على قَوْلهم
وَقَوْلهمْ إِن آخرهَا فِي التائبين فَلَو كَانَ كَذَلِك لم يكن التائبون مغفورا لَهُم أَجْمَعِينَ إِنَّمَا الغفران أَن يغْفر لبَعْضهِم لمن شَاءَ مِنْهُم لِأَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ اسْتثْنى خُصُوصا وَلم يعم وَقد عَمَّتهَا الْأَخْبَار عَنهُ أَنه يغْفر للتائبين جَمِيعًا وَلم يخص أحدا مِنْهُم بالمغفرة دون أحد كَمَا خص فِيمَا دون الشّرك أَنه يغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء
فَإِن أَبَوا فِي آيَات الْوَعيد إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة أَن الله أخبر أَنه معذب جَمِيع من فعل ذَلِك وكل من
стр. 133
فعله مِنْهُم فَهُوَ فِي ظَاهر التِّلَاوَة معذب وَأَنه إِنَّمَا اسْتثْنى فِي آيَة الِاسْتِثْنَاء من يَأْتِي دون غَيرهم كَذَا وَأَنه من أخبر أَنه معذبه من الْمُوَحِّدين فَالْخَبَر فِيهِ عَام وَلم يرد بَعْضنَا دون بعض فَعَلَيْهِم فِي الظَّاهِر مثل ذَلِك إِن كَانَ أَرَادَ أَن يعذب من قَالَ إِنِّي أعذبه على الْعُمُوم وَلم يرد بَعْضًا دون بعض فقد قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ وَقَالَ ﴿وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ وَقَالَ ﴿إِن الظَّالِمين فِي عَذَاب مُقيم﴾ وَقَالَ ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾
فَكل من جَاءَ بسيئة أَو ظلم نَفسه بذنب صَغِير وَمَات مصرا عَلَيْهِ أَو عصى بذنب كَبِير وَتَابَ مِنْهُ فَهُوَ فِي النَّار لِأَنَّهُ لم يسْتَثْن فِي هَذِه الْآي تَائِبًا من مصر لَا من كَبِيرَة وَلَا من صَغِيرَة
فَإِن قَالُوا إِنَّه لَا يُرِيد التائبين وَلَا المجتنبين للكبائر وَلَا النَّبِيين قيل لَهُم تركْتُم ظَاهر التِّلَاوَة
стр. 134
وَكَذَلِكَ قُلْنَا نَحن لم نرد من شَاءَ أَن يغْفر لَهُ من أهل الْكَبَائِر والصغائر المصرين
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها﴾ إِلَى قَوْله ﴿فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء﴾ وكل من دخل النَّار فقد كذب بِمَا أنزل الله جلّ ثَنَاؤُهُ
وَقَالُوا مَا أنزل الله على بشر من شَيْء فَلَنْ يدْخل النَّار أبدا كَذَا على قَول من حمل الْآيَة على ظَاهرهَا إِلَّا من قَالَ مَا أنزل الله على بشر من شَيْء وَكذب النّذر وَأَنه لَا يدخلهَا أحد من أهل الْكَبَائِر المقرين بِاللَّه وَرَسُوله فَإِن قَالُوا ذَلِك ضادوا قَوْلهم وكذبوا الله تَعَالَى فِيمَا سوى ذَلِك من الْأَخْبَار
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ المكذبين خَاصَّة قُلْنَا لَهُم هَذَا أبين فِي الْعُمُوم من الْآيَات الموجبات للموحدين على الذُّنُوب النَّار لِأَنَّهُ قَالَ ﴿كلما ألقِي فِيهَا فَوْج﴾ فَعم كل فَوْج يلقى فِيهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾
стр. 135
وَقد نفى أَن يصلاها إِلَّا من كذب وَتَوَلَّى وَأوجب أَن من صدق لَا يدخلهَا وَإِن أَتَى بِكُل ذَنْب لِأَن الله نفى أَن يصلاها إِلَّا من كذب وَتَوَلَّى
فَإِن قَالُوا إِنَّمَا عَنى بِهِ بَابا من أَبْوَابهَا دون غَيره من الْأَبْوَاب
قيل لَهُم فَهَذَا على غير ظَاهره كَمَا قُلْتُمْ فِي الْآيَات الموجبات لمن أذْنب من أهل التَّوْحِيد وَقد قَالَ جلّ وَعز ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾ وَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ ١٠٩ ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾
وَأحسن الْأَعْمَال التَّوْحِيد
فَإِن قَالُوا أَرَادَ من اجْتنب الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين
стр. 136
قيل لَهُم هَذَا غير ظَاهر التِّلَاوَة فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾
قيل لَهُم فَهَذَا عَلَيْكُم لِأَن كل من اتَّقى الشّرك فقد وَقع عَلَيْهِ اسْم الْمُتَّقِينَ كَمَا من فجر فجرة فقد وَقع عَلَيْهِ اسْم الفاجرين فقد لزمكم القَوْل بِأَن الله تَعَالَى ينْسَخ أخباره لأَنا نقُول زعمتم فِي دعواكم علينا أَن أَخْبَار الله جلّ وَعز تتناسخ لِأَنَّهُ يَقُول ﴿إِن الظَّالِمين فِي عَذَاب مُقيم﴾ ﴿إِنَّه لَا يحب الظَّالِمين﴾ فَكل من عصى الله من النَّبِيين وَالصديقين وَأَصْحَاب الْأَنْبِيَاء فقد ظلم نَفسه
وَقَالَ مُوسَى ﵇ ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ وَقَالَ يُونُس ﵇ ﴿إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ وَقَالَ آدم ﵇ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ وَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾
стр. 137
وَمن عصى الله فقد عمل سوءا لِأَن الْمعْصِيَة سوء كائنة مَا كَانَت فَإِن قَالُوا لم يرد النَّبِيين وَلَا التائبين وَلَا من اجْتنب الْكَبَائِر
قيل لَهُم فَلَو عارضكم معَارض فَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ بقوله إِلَّا من تَابَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ دون غَيرهم لِأَن الْآيَة عَلَيْهِم أنزلت فَهِيَ لَهُم خَاصَّة مَا كُنْتُم تردون عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا أَرَادَ كل تائب قيل لَهُم يَقُول لكم كَذَلِك أَرَادَ كل من أذْنب ذَنبا دون الشّرك مصرا كَانَ أَو غَيره وَيُقَال لَهُم أَرَأَيْتُم لَو قَالَ لكم قَائِل إِن قَوْله ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ﴾ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ من اجتنبها فَلم يعملها قطّ يُرِيد من لم يكن لَهُ صبوة وَاحْتج بِظَاهِر التِّلَاوَة على الَّذِي يحتجون عَلَيْهِ
فَإِن قَالُوا قد اسْتثْنى من تَابَ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قد اسْتثْنى مَا دون الشّرك من الذُّنُوب فقد ذهبتم إِلَى مَا خص دون مَا عَم
стр. 138
وَلَو قَالَ لكم قَائِل بل إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ من لم يرتكب كَبِيرَة قطّ فَإِن كَانَت مِنْهُ كَبِيرَة ثمَّ تَابَ ثمَّ لقِيه بالصغائر مصرا عَلَيْهَا غفر لَهُ مَا تَابَ مِنْهُ من الْكَبَائِر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا﴾ وَأَخذه بالصغائر لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَن يغْفر الصَّغَائِر إِذا لم يتب مِنْهَا مِمَّن اجْتنب الْكَبَائِر فَلم يأتها قطّ فَمن قَالَ بِظَاهِر الْآيَتَيْنِ أوجب الْمَغْفِرَة لمن لقِيه مصرا عَلَيْهَا وَهَذَا ظَاهر الْآيَتَيْنِ فَإِن قَالُوا أَرَادَ من اجْتنب الْكَبَائِر بِالتَّوْبَةِ وَمن لم يكن لَهُ صَغِيرَة قيل إِن ظَاهر الْآيَة إِنَّمَا هُوَ على الاجتناب وَهُوَ أَلا يكون أَتَاهَا قطّ فقد تركْتُم ظَاهر التِّلَاوَة والعموم فَإِن كَانَ من رجا لمن اسْتثْنى الله جلّ ذكره مَشِيئَة مغفرته قَالَ بتناسخ الْأَخْبَار فقد قُلْتُمْ بتناسخ الْأَخْبَار وَأَنْتُم عبتم ترك ظَاهر التِّلَاوَة فِي الْآيَات الموجبات على الْكَبَائِر لأهل التَّوْحِيد النَّار وتركتم ظَاهر الْآيَة فِي اسْتثِْنَاء كل مَا دون الشّرك من الذُّنُوب فزعمتم أَنه أَرَادَ التائبين مِمَّن أَخطَأ مِمَّن قَالَ بِمثل مَا عَابَ على غَيره فَقَالَ
стр. 139
يغْفر لبَعْضهِم فقلتم يغْفر لكلهم هُوَ ظَاهر الِاسْتِثْنَاء لمن شَاءَ فَخص وَلم يعم فاحكموا على أَنفسكُم أَنكُمْ تقولن بتناسخ الْأَخْبَار
وَقد قَالَ بعض الْأمة بِغَيْر قَوْلنَا وقولكم قَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ بالوعيد على الْكَبَائِر الْمُشْركين وَلم يرد الْمُؤمنِينَ لِأَن الْمُؤمنِينَ مغْفُور لَهُم لِأَنَّهُ يَقُول ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا﴾ وَقَالَ ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله أُولَئِكَ هم الصديقون وَالشُّهَدَاء عِنْد رَبهم﴾
فَكل من أقرّ فقد آمن
وقولكم إِذا أَتَى كَبِيرَة فَلَيْسَ بِمُؤْمِن دَعْوَى مِنْكُم لَا برهَان لكم عَلَيْهَا وَقد قَالَت الْخَوَارِج إِنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ من أَتَى كَبِيرَة فَهُوَ كَافِر فَمَا دعواكم إِلَّا كدعواهم أَو ترجعون جَمِيعًا إِلَى قَول أهل الْحق فتقطعون بِمَا قطع الله جلّ وَعز من عَذَاب للجاحدين ومغفرة للتائبين
стр. 140
وَالْوُقُوف عِنْد من اسْتثْنى من الْمُوَحِّدين فِيمَا دون الشّرك وَإِلَّا كُنْتُم مدعين مبطلين وَنحن نسألكم عَن معنى قَوْلكُم حَتَّى نقرر كم بِأَن قَوْلكُم خلاف الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وإجماعكم مَعَهم
إمتناع الْخَوْف والرجاء
فَنَقُول لكم أَرَأَيْتُم يَخْلُو الْعباد أَجْمَعُونَ من أَن يكون لَا يَنْفَكّ أحد مِنْهُم أَن يكون صَاحب كَبِيرَة أَو صَاحب صَغِيرَة مجتنبا للكبائر فَإِن ١١٠ قَالُوا لَا قُلْنَا فَمن كَانَ مِنْهُم صَاحب كَبِيرَة هَل يجب عَلَيْهِ وَاجِب أَن يعلم أَنه إِن مَاتَ عَلَيْهَا وَلم يتب أَنه فِي النَّار لَا محَالة فَإِن قَالُوا كَذَلِك يجب عَلَيْهِ قيل لَهُم هَل يجب عَلَيْهِ أَن يخَاف الله إِن مَاتَ عَلَيْهَا أَن يعذبه بعد مَوته فَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا إِنَّمَا الْخَوْف على الشَّك فَأَما من علم أَنه معذب لَا محَالة فَلَا معنى لخوفه لِأَنَّهُ مستيقن بِالْعَذَابِ لَا شكّ فِيهِ فَكيف يكون خَائفًا أَن يعذب وَهُوَ مستيقن بِالْعَذَابِ إِن مَاتَ على ذَلِك
стр. 141
وَلَو جَازَ لَهُ ذَلِك لجَاز أَن يَقُولُوا إِنَّا نَخَاف أَن يعذب الله فِرْعَوْن وهامان قَالُوا لَا يجوز ذَلِك لأَنا مستيقنون بِعَذَاب فِرْعَوْن وهامان
وَقيل يجوز أَن يَقُولُوا إِن مَاتَ الْكَافِر مصرا خفنا عَلَيْهِ الْعَذَاب فَإِن قَالُوا لَا يجوز لأَنا مستيقنون ذَلِك قيل لَهُم فَكَذَلِك صَاحب الْكَبِيرَة لَا يجوز أَن يخَاف الله أَن يعذبه عَلَيْهَا فَيكون شاكا فِي وَعِيد الله عَلَيْهَا فيكفر
وَيُقَال لَهُم هَل يجوز أَن يَرْجُو أَن يعْفُو الله عَنهُ وَهُوَ مصر عَلَيْهَا وَلم يتب بعد فَإِن قَالُوا لَا لِأَن رَجَاءَهُ أَن يعْفُو الله عَنهُ وَلم يتب شكّ فِي وَعِيد الله وَصدقه وَرَجا أَن يخلف وعده ويكذب قَوْله قيل لَهُم فالخوف والرجاء من صَاحب الْكَبِيرَة ضلال إِذن
وَيُقَال لَهُم أَرَأَيْتُم إِن كَانَ مجتنبا الْكَبَائِر هَل يجوز أَن يخافه قَالُوا نعم عَلَيْهِ أَن يخَاف الله قيل لَهُم يخَاف الله أَن يعذبه وَهُوَ وعده الْمَغْفِرَة والرضى والمدخل الْكَرِيم وَهُوَ الْجنَّة
стр. 142
فَإِن قَالُوا لَا يخَاف أَن يعذبه الله إِذا لقِيه بالضغائر مجتنبا للكبائر
قُلْنَا فَلَو جوزتم لَهُ الْخَوْف أَن يعذبه الله وَقد لقِيه مجتنبا للكبائر لَكَانَ خَوفه ضلالا لِأَن ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ الشَّك فِي وعد الله تَعَالَى وَلَا يَأْمَن أَن يخلف وعده ويكذب قَوْله جلّ وَعز عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
وَيُقَال لَهُم يجوز أَن يرجوا أَن يكفر الله عَنهُ سيئاته ويدخله الْجنَّة وَهُوَ مجتنب للكبائر والصغائر وَلَو اجْتنب الْكَبَائِر والصغائر لَكَانَ مغفورا لَهُ فنسألكم كَذَا عَنهُ وَلَو اجْتنب الْكَبَائِر وأتى الصَّغَائِر أَو كَانَ مجتنبا للذنوب كلهَا هَل يجوز لَهُ أَن يَرْجُو الْعَفو وَالْمَغْفِرَة من الله جلّ وَعز
فَإِن قَالُوا لَا يجب ذَلِك عَلَيْهِ فقد زَعَمُوا أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَرْجُو الْمَغْفِرَة من الله لِأَن صَاحب الْكَبَائِر عِنْدهم مؤيس من رَحْمَة الله وَصَاحب الصَّغَائِر وَمن لم يَأْتِ شَيْئا من الذُّنُوب موقن بمغفرة فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يخَاف الله وَلَا يرجوه بزعمهم فَإِن قَالُوا
стр. 143
لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ييأس من الله قيل إِن الرَّجَاء عنْدكُمْ لَا يكون إِلَّا على الشَّك لَا على الْيَقِين فَكيف يجوز أَن يَرْجُو أَن يغْفر الله لَهُ ويدخله الْجنَّة وَقد وعده ذَلِك لَئِن جَازَ لَهُ ذَلِك ليجوزن لَك أَن ترجو الله أَن يدْخل رسله الْجنَّة وَأَن يؤاخذهم بذنوب غَيرهم ويرجو أَن لَا يعذبهم بِكفْر غَيرهم من الْكفَّار ويرجو أَن لَا يعذبكم على الْكفْر بِهِ وَأَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يَرْجُو أَن يَكُونُوا رجَالًا وَأَن يَكُونُوا نسَاء وَهَذَا كُله غير جَائِز عِنْدهم لِأَن الرَّجَاء وَالْخَوْف عِنْدهم لَا يكون إِلَّا على الشَّك وَلَا يكون على الْيَقِين فَإِن قَالُوا لَا يجوز ذَلِك لِأَن الله جلّ ذكره أخبر أَنه مدْخل رسله الْجنَّة وَأَنه لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَنه لَا يجزى الْعباد إِلَّا بِمَا كسبوا وَلَا يعذبهم بِمَا لم يذنبوا
قيل لَهُم وَكَذَلِكَ المجتنب للكبائر لَا يجوز لَهُ أَن يَرْجُو الله أَن يغْفر الله لَهُ وَقد وعده ذَلِك بل يستيقن ذَلِك والموحدون لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون مجتنبا
стр. 144
للكبائر أَو مصرا على بعض الْكَبَائِر أَو دون ذَلِك أَو كِلَاهُمَا فَحَرَام عَلَيْهِم على قَوْلكُم الرَّجَاء وَالْخَوْف فَحَرَام على الْعباد كلهم بزعمكم الرَّجَاء وَالْخَوْف لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون من إِحْدَى المنزلتين وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأَوَّلين والآخرين
إمتناع الْعَفو
وَكَذَلِكَ الْعَفو فِي الْآخِرَة لَا يجوز أَن يكون من الله جلّ ذكره على مذهبكم لِأَنَّهُ لَا يلقى الله إِلَّا صَاحب كَبِيرَة قد أوجب فِي الدُّنْيَا أَلا يعْفُو عَنهُ وَذَلِكَ عنْدكُمْ كفر إِن اعتقده لِأَن الله جلّ ذكره قد آيسه من ذَلِك
أَو صَاحب صَغِيرَة غير مصر ١١١ على كَبِيرَة يعد مجتنبا للكبائر كلهَا فقد عفى عَفا الله عَنهُ فِي الدُّنْيَا وَقد مَاتَ يَوْم مَاتَ وَهُوَ مغْفُور لَهُ من أهل الْجنَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى الْعَفو والصفح عَنهُ فِي الْقِيَامَة وَقد فعل ذَلِك بِهِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فِي الدُّنْيَا يَوْم مَاتَ
стр. 145
لِأَنَّهُ قد لَقِي الله وَلَا ذَنْب لَهُ تجب عَلَيْهِ بِهِ الْعقُوبَة فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا الْعَفو والصفح فِي الْآخِرَة عَمَّن لقِيه وَهُوَ مُسْتَحقّ للعقوبة فصفح عَنهُ تفضلا عَلَيْهِ وَذَلِكَ عنْدكُمْ كذب مِنْهُ لَو فعله فَأَما من لقِيه وَلَا ذَنْب لَهُ يسْتَوْجب بِهِ الْعقُوبَة فَلَا يحْتَاج إِلَى الْعَفو وَالله لَا يلقاه فِي الْقِيَامَة كَافِر وَلَا موحد إِلَّا صَاحب كَبِيرَة أَو مجتنب لَهَا وَالْعَفو فِي الْقِيَامَة عَن هذَيْن سَاقِط فَلَا عَفْو لله جلّ ذكره فِي الْآخِرَة على مذهبكم عَن أحد
وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْقُرُون من الْأَوَّلين والآخرين
امْتنَاع شَفَاعَة النَّبِي
وَكَذَلِكَ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ لَا تجوز على قَوْلكُم فِي الْآخِرَة لِأَن صَاحب الْكَبِيرَة الله معذبه لَا محَالة وَلَا يسْتَحل النَّبِي ﷺ أَن يشفع فِيهِ فَيكون يطْلب إِلَى الله أَن يخلف قَوْله ويكذب وعيده على دعواكم
следующие страницы →