Полный текст (257 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَلَو جَازَ لَهُ ذَلِك لجَاز أَن يَقُولُوا إِنَّا نَخَاف أَن يعذب الله فِرْعَوْن وهامان قَالُوا لَا يجوز ذَلِك لأَنا مستيقنون بِعَذَاب فِرْعَوْن وهامان
وَقيل يجوز أَن يَقُولُوا إِن مَاتَ الْكَافِر مصرا خفنا عَلَيْهِ الْعَذَاب فَإِن قَالُوا لَا يجوز لأَنا مستيقنون ذَلِك قيل لَهُم فَكَذَلِك صَاحب الْكَبِيرَة لَا يجوز أَن يخَاف الله أَن يعذبه عَلَيْهَا فَيكون شاكا فِي وَعِيد الله عَلَيْهَا فيكفر
وَيُقَال لَهُم هَل يجوز أَن يَرْجُو أَن يعْفُو الله عَنهُ وَهُوَ مصر عَلَيْهَا وَلم يتب بعد فَإِن قَالُوا لَا لِأَن رَجَاءَهُ أَن يعْفُو الله عَنهُ وَلم يتب شكّ فِي وَعِيد الله وَصدقه وَرَجا أَن يخلف وعده ويكذب قَوْله قيل لَهُم فالخوف والرجاء من صَاحب الْكَبِيرَة ضلال إِذن
وَيُقَال لَهُم أَرَأَيْتُم إِن كَانَ مجتنبا الْكَبَائِر هَل يجوز أَن يخافه قَالُوا نعم عَلَيْهِ أَن يخَاف الله قيل لَهُم يخَاف الله أَن يعذبه وَهُوَ وعده الْمَغْفِرَة والرضى والمدخل الْكَرِيم وَهُوَ الْجنَّة
стр. 142
فَإِن قَالُوا لَا يخَاف أَن يعذبه الله إِذا لقِيه بالضغائر مجتنبا للكبائر
قُلْنَا فَلَو جوزتم لَهُ الْخَوْف أَن يعذبه الله وَقد لقِيه مجتنبا للكبائر لَكَانَ خَوفه ضلالا لِأَن ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ الشَّك فِي وعد الله تَعَالَى وَلَا يَأْمَن أَن يخلف وعده ويكذب قَوْله جلّ وَعز عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
وَيُقَال لَهُم يجوز أَن يرجوا أَن يكفر الله عَنهُ سيئاته ويدخله الْجنَّة وَهُوَ مجتنب للكبائر والصغائر وَلَو اجْتنب الْكَبَائِر والصغائر لَكَانَ مغفورا لَهُ فنسألكم كَذَا عَنهُ وَلَو اجْتنب الْكَبَائِر وأتى الصَّغَائِر أَو كَانَ مجتنبا للذنوب كلهَا هَل يجوز لَهُ أَن يَرْجُو الْعَفو وَالْمَغْفِرَة من الله جلّ وَعز
فَإِن قَالُوا لَا يجب ذَلِك عَلَيْهِ فقد زَعَمُوا أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَرْجُو الْمَغْفِرَة من الله لِأَن صَاحب الْكَبَائِر عِنْدهم مؤيس من رَحْمَة الله وَصَاحب الصَّغَائِر وَمن لم يَأْتِ شَيْئا من الذُّنُوب موقن بمغفرة فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يخَاف الله وَلَا يرجوه بزعمهم فَإِن قَالُوا
стр. 143
لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ييأس من الله قيل إِن الرَّجَاء عنْدكُمْ لَا يكون إِلَّا على الشَّك لَا على الْيَقِين فَكيف يجوز أَن يَرْجُو أَن يغْفر الله لَهُ ويدخله الْجنَّة وَقد وعده ذَلِك لَئِن جَازَ لَهُ ذَلِك ليجوزن لَك أَن ترجو الله أَن يدْخل رسله الْجنَّة وَأَن يؤاخذهم بذنوب غَيرهم ويرجو أَن لَا يعذبهم بِكفْر غَيرهم من الْكفَّار ويرجو أَن لَا يعذبكم على الْكفْر بِهِ وَأَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يَرْجُو أَن يَكُونُوا رجَالًا وَأَن يَكُونُوا نسَاء وَهَذَا كُله غير جَائِز عِنْدهم لِأَن الرَّجَاء وَالْخَوْف عِنْدهم لَا يكون إِلَّا على الشَّك وَلَا يكون على الْيَقِين فَإِن قَالُوا لَا يجوز ذَلِك لِأَن الله جلّ ذكره أخبر أَنه مدْخل رسله الْجنَّة وَأَنه لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى وَأَنه لَا يجزى الْعباد إِلَّا بِمَا كسبوا وَلَا يعذبهم بِمَا لم يذنبوا
قيل لَهُم وَكَذَلِكَ المجتنب للكبائر لَا يجوز لَهُ أَن يَرْجُو الله أَن يغْفر الله لَهُ وَقد وعده ذَلِك بل يستيقن ذَلِك والموحدون لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون مجتنبا
стр. 144
للكبائر أَو مصرا على بعض الْكَبَائِر أَو دون ذَلِك أَو كِلَاهُمَا فَحَرَام عَلَيْهِم على قَوْلكُم الرَّجَاء وَالْخَوْف فَحَرَام على الْعباد كلهم بزعمكم الرَّجَاء وَالْخَوْف لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون من إِحْدَى المنزلتين وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأَوَّلين والآخرين
إمتناع الْعَفو
وَكَذَلِكَ الْعَفو فِي الْآخِرَة لَا يجوز أَن يكون من الله جلّ ذكره على مذهبكم لِأَنَّهُ لَا يلقى الله إِلَّا صَاحب كَبِيرَة قد أوجب فِي الدُّنْيَا أَلا يعْفُو عَنهُ وَذَلِكَ عنْدكُمْ كفر إِن اعتقده لِأَن الله جلّ ذكره قد آيسه من ذَلِك
أَو صَاحب صَغِيرَة غير مصر ١١١ على كَبِيرَة يعد مجتنبا للكبائر كلهَا فقد عفى عَفا الله عَنهُ فِي الدُّنْيَا وَقد مَاتَ يَوْم مَاتَ وَهُوَ مغْفُور لَهُ من أهل الْجنَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى الْعَفو والصفح عَنهُ فِي الْقِيَامَة وَقد فعل ذَلِك بِهِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فِي الدُّنْيَا يَوْم مَاتَ
стр. 145
لِأَنَّهُ قد لَقِي الله وَلَا ذَنْب لَهُ تجب عَلَيْهِ بِهِ الْعقُوبَة فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا الْعَفو والصفح فِي الْآخِرَة عَمَّن لقِيه وَهُوَ مُسْتَحقّ للعقوبة فصفح عَنهُ تفضلا عَلَيْهِ وَذَلِكَ عنْدكُمْ كذب مِنْهُ لَو فعله فَأَما من لقِيه وَلَا ذَنْب لَهُ يسْتَوْجب بِهِ الْعقُوبَة فَلَا يحْتَاج إِلَى الْعَفو وَالله لَا يلقاه فِي الْقِيَامَة كَافِر وَلَا موحد إِلَّا صَاحب كَبِيرَة أَو مجتنب لَهَا وَالْعَفو فِي الْقِيَامَة عَن هذَيْن سَاقِط فَلَا عَفْو لله جلّ ذكره فِي الْآخِرَة على مذهبكم عَن أحد
وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْقُرُون من الْأَوَّلين والآخرين
امْتنَاع شَفَاعَة النَّبِي
وَكَذَلِكَ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ لَا تجوز على قَوْلكُم فِي الْآخِرَة لِأَن صَاحب الْكَبِيرَة الله معذبه لَا محَالة وَلَا يسْتَحل النَّبِي ﷺ أَن يشفع فِيهِ فَيكون يطْلب إِلَى الله أَن يخلف قَوْله ويكذب وعيده على دعواكم
стр. 146
وَكَذَلِكَ المجتنب للكبائر يلقى الله وَقد اسْتوْجبَ الْإِجَارَة من الْعَذَاب وَقد غفر الله لَهُ وَأخْبرهُ أَنه مدخله الْجنَّة وَعدا عَلَيْهِ مؤكدا فَلَا يحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة المستوجب للعذاب فَأَما من ضمن الله لَهُ الْمَغْفِرَة وَأخْبرهُ أَنه من أوليائه وَأَنه مدخله الْجنَّة وَأَنه لَا يعذبه فَلَا يحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة وَلَو جَازَ أَن يشفع فِي هَذَا لجَاز أَن يشفع فِي إِبْرَاهِيم ﵇ أَلا يعذب وَفِي مُوسَى وَيحيى وَجَمِيع رسله واختص مُحَمَّدًا بِأَفْضَل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم لِأَن الْوَعْد من الله للمجتنب للكبائر ولرسله أكبر دَرَجَات فِي الْجنَّة وَأعظم منزلَة عِنْد الله جلّ ذكره قد وعدهم جَمِيعًا أَلا يعذبهم ويدخلهم الْجنَّة وَقد تولاهم أَجْمَعِينَ فَلَا شَفَاعَة للنَّبِي ﷺ فِي الْقِيَامَة على قَوْلكُم وَهَذَا رد للآثار المستفيضة عَن النَّبِي ﷺ وَالْأمة كلهَا جاهلها وعالمها كلهم يرجون شَفَاعَة النَّبِي ﷺ وَلَا يجوز فِي قَوْلكُم لأحد فِي الدُّنْيَا أَن يَرْجُو شَفَاعَة النَّبِي ﵇ وَلَا أَن يسْأَلهَا لِأَنَّهُ إِن كَانَ صَاحب كَبِيرَة
стр. 147
فَعَلَيهِ أَن يعلم أَن النَّبِي ﵇ لَا يشفع إِلَى الله فِيهِ لِأَن فِي ذَلِك طلبا أَن يكذب قَوْله وَيرجع عَن وعيده
وَإِن كَانَ مجتنبا للكبائر لم يجز لَهُ ذَلِك لِأَن عَلَيْهِ أَن يعلم أَن شَفَاعَة النَّبِي ﷺ فِي الْقِيَامَة لَا تجوز بزعمكم وَحرَام على أحد من الْعباد أَن يرجوها أَو يطْلبهَا إِلَى الله فِي قَوْلكُم
فَإِنَّمَا أَنْتُم قوم غلطتم فجعلتم الْخَاص عَاما وَالْعَام خَاصّا وادعيتم على من خالفكم أَنه قد وصف الله جلّ وَعز أَن أخباره تتناسخ وَقد دَخَلْتُم فِي مثل مَا عبتم وجوزتم تَعْذِيب الرُّسُل ﵈ والتائبين لِأَنَّهُ وعد من عَصَاهُ النَّار وَلم يسْتَثْن أحد إِلَّا أَن يَقُولُوا إِنَّه أخبر فِي آيَات أخر أَنه لَا يعذب الرُّسُل ﵈ وَلَا التائبين من المذنبين فَيُقَال لكم وَكَذَلِكَ قد أخبر أَنه يغْفر مَا دون الشّرك لمن يَشَاء من المذنبين وَقد قُلْتُمْ فِيمَن أوجب الله لَهُم الْعَذَاب على الظُّلم إِنَّه لم يرد الرُّسُل ﵈ وَلَا التائبين
стр. 148
وَلَا أهل الصَّغَائِر وَإِن كَانَت الْآيَة فِي ظَاهر تلاوتها عَامَّة فَلم يعمهم إِذْ أخبر فِي آيَات أخر أَنه لَا يعذبهم وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ فلزمكم أَن من أحسن من جَمِيع الْخلق وَلَو مِثْقَال ذرة أَن الله يدْخلهُ الْجنَّة فقلتم إِن الله قد أخبر أَنه إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ فَقيل لكم فَمن اتَّقَاهُ بِأَقَلّ التَّقْوَى فقد دخل فِي الْعُمُوم بالْقَوْل فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا أَرَادَ التائبين قيل لكم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا أَرَادَ أَن يعذب على الْكَبَائِر من يَشَاء أَو يغْفر لَهُ لِأَنَّهُ قد أخبر بعد خَبره عَن عَذَابهمْ أَنه يغْفر لمن يَشَاء أَن يغْفر لَهُ مِنْهُم وَلم يعلمنَا بهم فَمن اسْتَثْنَاهُ فَهُوَ لَا محَالة مغْفُور ١١٢ لَهُ وَإِن كَانَ الِاسْتِثْنَاء لم يَقع على أحد بِعَيْنِه إِلَّا أَنا نعلم أَن بَعضهم يغْفر لَهُم كَمَا قَالَ فعلينا أَن نقطع بِمَا بَينه ونوقف مَا أوقفهُ وَهُوَ عَالم بِمن يَشَاء مغفرته وَمن يَشَاء عَذَابه
стр. 149
الْقسم السَّادِس
ذكر النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْأَحْكَام
فَأول ذَلِك معرفَة السُّور المكية والمدنية ليعرف أَن مَا فِيهَا من الْأَمر وَالْأَحْكَام نزل بِمَكَّة أَو بِالْمَدِينَةِ فَإِذا اخْتلف كَانَ الَّذِي نزل بِالْمَدِينَةِ هُوَ النَّاسِخ لِأَنَّهُ الآخر فِي النُّزُول
حَدثنَا شُرَيْح بن يُونُس قَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ مَا كَانَ من حد أَو فَرِيضَة أنزلهَا الله بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ من ذكر الْأُمَم والقرون أنزل بِمَكَّة
стр. 150
قَالَ وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ السُّور المدنية الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنفال وَالتَّوْبَة والرعد وَالْحجر والنحل والنور والأحزاب وَسورَة مُحَمَّد ﷺ وَالْفَتْح والحجرات وَالْحَدِيد والمجادلة والممتحنة والصف وَالْجُمُعَة والمنافقون والتغابن وَالنِّسَاء الْقصرى وَيَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم وَلم يكن وَإِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَقل هُوَ الله أحد وَهُوَ يشك فِي أَرَأَيْت
حَدثنَا عبد الله بن بكر قَالَ حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة قَالَ إِن الَّذِي أنزل بِالْمَدِينَةِ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة وَآيَة من الْأَعْرَاف ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر﴾ والأنفال وَبَرَاءَة والرعد غير آيَة مِنْهَا مَكِّيَّة ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَمن إِبْرَاهِيم إِلَى قَوْله
стр. 151
﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَالْحج غير أَربع آيَات مِنْهَا مَكِّيَّة أولهنَّ ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ إِلَى عَذَاب يَوْم عقيم والنور وَعشر آيَات من العنكبوت والأحزاب وَسورَة مُحَمَّد ﷺ وَالْفَتْح والحجرات والرحمن والمجادلة والحشر والممتحنة والصف وَالْجُمُعَة والمنافقون ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ وَيَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم وَلم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَإِذا زلزلت وَإِذا جَاءَ نصر الله وَبَقِيَّة السُّور مكي
قَالَ وَحدثنَا عبد الله قَالَ حَدثنَا أُسَامَة عَن
стр. 152
الْأَعْمَش عَن الْمسيب عَن عَلْقَمَة قَالَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآن ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ فَهُوَ مكي وَمَا كَانَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَهُوَ مدنِي
قَالَ ذكر سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة بِنَحْوِهِ
قَالَ حَدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن سَلمَة بن نبيط عَن الضَّحَّاك قَالَ كل آيَة أنزلت ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ بِالْمَدِينَةِ و ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ بِمَكَّة
стр. 153
فَأَما النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْأَحْكَام فَهُوَ على وُجُوه شَتَّى مِنْهَا خُصُوص وَمِنْهَا عُمُوم حَدثنَا سعيد قَالَ حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ يَقُول فِيهَا تَخْفيف وفيهَا رخصَة وفيهَا أَمر وفيهَا نهي
قَالَ وَحدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها﴾ نثبت خطها ونبدل حكمهَا
فالباب الأول مَا رفع رسمه من الْكتاب وَلم يرفع حفظه من الْقُلُوب فَأثْبت حكمه بِسنة نبيه ﵇ من ذَلِك آيَة الرَّجْم قَالَ عمر ﵁ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأ / الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة /
стр. 154
قَالَ وَحدثنَا مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول كُنَّا نقُول فِيمَا نسخ ﴿أَن بلغُوا إِخْوَاننَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا ورضينا عَنهُ﴾
وَقَوله ﴿إِنَّا أنزلنَا هَذَا المَال لإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة﴾
стр. 155
وَفِي مصحف عَائِشَة قبل أَن يُغير عُثْمَان ﵄ الْمَصَاحِف إِلَى مصحف وَاحِد إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ ١١٣ الأول بعد قَوْله ﴿وسلموا تَسْلِيمًا﴾
وَقَالَ كُنَّا نَقْرَأ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَإِنَّهُ كفر بكم أَن ترغبوا عَن آبائكم وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ الني أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَهُوَ أَب لَهُم وأزواجه أمهاتهم وَكَانَت فِيمَا أسقط وَفِي حرف أبي وَهُوَ أَب لَهُم فَلَيْسَ ذَلِك فِي الرَّغْبَة وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْولَايَة وَلَا يكون فِي الرَّغْبَة إِلَّا مَا كَانَ من صلب الرجل
وَقَالَ النَّبِي ﵇ من ترك مَالا فلورثته وَمن ترك كلا فعلي
وَقَوله اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك ونستهديك ونستغفرك إِلَى قَوْله الْجد وَلَو أَن لِابْنِ آدم واديين من مَال
стр. 156
لابتغا إِلَيْهِمَا ثَالِثا وَكَانَ بعد ذَلِك هَذَا الْكَلَام مثبتا فِي مصحف أبي وَقَوله ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ صَلَاة الْعَصْر
وَفِي مصحف عَائِشَة ﵂ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ كَمَا جاهدتم أول مرّة فنسخ ذَلِك كُله وأبدل أَحْكَامه بِالسنةِ
ثَبت الرَّجْم بِالسنةِ وَأوجب النَّبِي ﵇ على أمته أَلا يَنْتَفِي أحد من وَالِده فَقَالَ من انْتَفَى من أَبِيه أَو ادّعى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله
وَنهى ﵇ عَن الْحِرْص الَّذِي يخرج إِلَى طلب مَا لَا يحل وَقَوله إِنَّا نستعينك ونستغفرك يقنت بهَا الْمُسلمُونَ فِي صلَاتهم وَكَذَلِكَ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ وَأوجب على الْعباد أَن يفعلوه وَأَن يقومُوا بذلك لله جلّ ذكره وَقد جَاءَت بذلك أَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ أَنهم شهدُوا أَن هَذِه الْآيَات كَانَت مِمَّا أنزلهَا الله
قَالَ وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا يحيى بن أبي
стр. 157
بكير عَن فُضَيْل بن مَرْزُوق عَن شَقِيق بن عقبَة عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ أنزلت هَذِه الْآيَة / حَافظُوا على الصَّلَوَات وَصَلَاة الْعَصْر / وقرأناها على عهد رَسُول الله ﷺ مَا شَاءَ الله أَن نَقْرَأ ثمَّ ننسخها فَأنْزل الله ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ فحفظتها الْأمة فَمنهمْ من قَالَ نزلت ثمَّ رفعت وَهِي ثَابِتَة فِي السّنة أَنَّهَا صَلَاة الْعَصْر وَمِنْهُم من يَقُول بل رفعت وَصَلَاة الْوُسْطَى غَيرهَا ثمَّ اخْتلفُوا أَي صَلَاة هِيَ إِلَّا أَنه قد رُوِيَ عَن عَليّ وَعبد الله عَن النَّبِي ﷺ أَنه صَلَاة الْعَصْر
وَقَالَ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ كَمَا جاهدتم أول مرّة فالجهاد ثَابت وَالْحكم بِهِ ثَابت والرسم من الْكتاب مَرْفُوع
стр. 158
قَالَ وَحدثنَا ابْن أبي مَرْيَم عَن نَافِع بن عمر عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة أَن عمر قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ألم تَجِد فِيمَا أنزل الله أَن / جاهدوا كَمَا جاهدتم أول مرّة / قَالَ بلَى وَلَكِن أسقط من الْقُرْآن
وَالْبَاب الثَّانِي أَن يرفع حكمه من الْآيَة بِآيَة أُخْرَى وَيبقى رسمه فِيمَا أسقط ثَابتا فِي كتاب الله من ذَلِك قَوْله ﴿وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج﴾ وَمِنْه ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ﴾
стр. 159
الْآيَة وَقَوله ﴿فأمسكوهن فِي الْبيُوت﴾ وَقَوله ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَقَوله ﴿إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فذرهم﴾ ﴿فاصفح عَنْهُم﴾ و ﴿أعرض عَنْهُم﴾ و ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم وَكيلا﴾ و ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ و ﴿لست عَلَيْهِم بمصيطر﴾ وَقَوله ﴿فَإِن اعتزلوكم فَلم يُقَاتِلُوكُمْ وألقوا إِلَيْكُم السّلم فَمَا جعل الله لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ فنسخ ذَلِك قَوْله ﵎ ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا﴾
وَالْبَاب الثَّالِث أَن يرفع رسمه من الْكتاب وَيرْفَع حفظه من الْقُلُوب وَحكمه فَمن ذَلِك مَا حَدثنَا إِسْمَعِيل
стр. 160
بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي قَالَ حَدثنَا ابْن جَعْفَر عَن الْمُبَارك عَن عَاصِم عَن زر عَن أبي قَالَ قَالَ لي أبي يَا زر إِن كَانَت سُورَة الْأَحْزَاب لتعدل سُورَة الْبَقَرَة
قَالَ وَحدثنَا حجاج بن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَليّ بن زيد عَن أبي حَرْب عَن أبي الْأسود عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ أنزلت سُورَة نَحْو بَرَاءَة ثمَّ رفعت وَحفظ مِنْهَا إِن الله سيؤيد هَذَا الدّين بِقوم لَا خلاق لَهُم
стр. 161
حَدثنَا الْقَاسِم بن سَلام قَالَ حَدثنَا عبد الله بن صَالح ١١٤ عَن لَيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أبي أُمَامَة أَن رجلا كَانَت مَعَه سُورَة فَقَامَ يقْرَأ من اللَّيْل فَلم يقدر عَلَيْهَا وَقَامَ آخر يقْرؤهَا فَلم يقدر عَلَيْهَا فَقَالَ النَّبِي ﵇ إِنَّهَا نسخت البارحة
وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا بكار بن عبد الله
стр. 162
الربذي عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن كَعْب يَقُول فِي هَذِه الْآيَة ﴿يمحو الله مَا يَشَاء﴾ قَالَ مَا أنسي النَّبِي ﷺ والمسلمون بَعْدَمَا قرؤوه
وَالْبَاب الرَّابِع أَن يرفع رسمه من الْكتاب وَيبقى حفظه فِي الْقُلُوب وَيرْفَع حكمه من ذَلِك مَا رَوَت عَائِشَة أَنه كَانَ فِيمَا أنزل الله أَلا يحرم إِلَّا عشر رَضعَات وَالْأمة مجمعة أَن حكم الْعشْر رَضعَات غير لَازم فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة وَإِنَّمَا اخْتلف الْعلمَاء فِي رضعة أَو خمس رَضعَات وَلم يقل أحد مَا فَوق الْخَمْسَة
قَالَ وَحدثنَا عبد الْغفار بن دَاوُد عَن ابْن
стр. 163
لَهِيعَة عَن عَمْرو بن دِينَار النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَهُوَ أَب لَهُم ثمَّ قَالَ وَكَانَت فِيمَا أسقط
قَالَ وَحدثنَا سنيد قَالَ حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ قَوْله تَعَالَى / النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَهُوَ أَب لَهُم وأزواجه أمهاتهم / قَالَ وَحدثنَا حجاج عَن ابْن جريح عَن مُجَاهِد النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَهُوَ أَب لَهُم فالأمة الْيَوْم مجمعة أَن النَّبِي ﵇ لَيْسَ بأب للْمُؤْمِنين وَقد قَالَ الله ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ الْآيَة
وَالْبَاب الْخَامِس أَن يرفع الرَّسْم وَيرْفَع الحكم
стр. 164
إِذا كَانَ الحكم لعِلَّة فانقضت تِلْكَ الْعلَّة وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم﴾ الْآيَة فَكَانَ إِذا جَاءَت امْرَأَة من الْكفَّار إِلَى الْمُؤمنِينَ أعْطى النَّبِي ﷺ زَوجهَا صَدَاقهَا من الْغَنَائِم وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾ فَإِن عَاقَبْتُمْ يَعْنِي إِن غَنِمْتُم فأعطوا زَوجهَا مثل مَا سَاق إِلَيْهَا من الصَدَاق وذلكم الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين رَسُول الله ﷺ وكفار مَكَّة
وَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن﴾ إِلَى قَوْله ﴿ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم﴾ وَهَذَا فِي الصُّلْح بَين رَسُول الله ﷺ وكفار أهل مَكَّة فنسخ ذَلِك إِذْ زَالَ الصُّلْح وَفتحت مَكَّة فأيما امْرَأَة جَاءَت من الْمُشْركين لم يجب أَن يُعْطوا زَوجهَا شَيْئا وَكَذَلِكَ الْكفَّار لَيْسَ وَاجِبا فِي الحكم أَن يُعْطوا
стр. 165
أَزوَاج من هرب إِلَيْهِم من الْمُسلمين
وَمِنْه تَوْقِيت الله للنَّبِي ﵇ استغفاره لبَعض من كَانَ أظهر لَهُ الْإِيمَان وَأسر النِّفَاق ثمَّ نسخهَا الله فَنَهَاهُ عَن الاسْتِغْفَار لَهُم
وَمن ذَلِك أَن النَّبِي ﵇ حض على الصَّدَقَة فجَاء عبد الرَّحْمَن بِمَال عَظِيم وَجَاء عَاصِم بن عدي بصاعين فاستهزأ معتب بن قُشَيْر وَحكم بن يزِيد فَقَالَا أما عبد الرَّحْمَن فَمَا أعْطى إِلَّا رِيَاء وَسُمْعَة وَالله عَن صاعي عَاصِم غَنِي فَأنْزل الله جلّ ذكره ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ فَقَالَ عَم النَّبِي عَلَيْهِ
стр. 166
السَّلَام لَا تستغفر قد نهاك الله فَقَالَ النَّبِي ﵇ يَا عَم أَولا أسْتَغْفر إِحْدَى وَسبعين مرّة وَكَانَ ظَاهِرهمْ الْإِسْلَام فَاطلع الله على نفاقهم وَلَيْسَ أحد يعلم ذَلِك بعد النَّبِي ﵇ لِأَنَّهُ وَحي من الله جلّ ثَنَاؤُهُ فَهَكَذَا كَانَ ثمَّ انْقَضى حكمه فنسخ التَّخْيِير للنَّبِي فِي أَكثر من السّبْعين إِذْ حرم عَلَيْهِ أَن يسْتَغْفر لَهُم سبعين مرّة وَلم يَنْهَهُ عَن أَكثر من ذَلِك ثمَّ نَهَاهُ الله بعد ذَلِك عَن الاسْتِغْفَار أَلْبَتَّة بقوله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم﴾ وَهَذَا لَا يجوز أَن يكون لأحد بعد النَّبِي ﷺ
وَمِنْه مَا اخْتلفُوا فِي الْآيَة الثَّانِيَة هَل هِيَ زِيَادَة حكم ١١٥ أم ناسخة لأولى من ذَلِك مَا أنزل من الْهِجْرَة ثمَّ أنزل بأَمْره بِالْقِتَالِ عَلَيْهَا فَقَالَ قوم نسخت بعد الْهِجْرَة بِغَيْر قتال عرض لِلْمُهَاجِرِ وَلَا رخصَة لَهُ فِي الرُّجُوع وَكَانَت لَهُ رخصَة أَولا
стр. 167
حَدثنَا يُوسُف عَن شَيبَان عَن قَتَادَة وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر عَن النَّبِي ﵇ قَالَ لما نزلت آيَة الْهِجْرَة كتب بهَا الْمُسلمُونَ من الْمَدِينَة إِلَى إخْوَانهمْ بِمَكَّة فَخَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق أدركهم الْمُشْركُونَ فردوهم فَأنْزل الله ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون﴾ عشر آيَات من أول السُّورَة فتعاهدوا فَخَرجُوا فَتَبِعهُمْ الْمُشْركُونَ فَاقْتَتلُوا فَمنهمْ من قتل وَمِنْهُم من نجا فَنزلت فيهم ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا﴾ إِلَى قَوْله ﴿لغَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ بَعضهم بل يَعْنِي هِيَ زِيَادَة حكم ثَان لَا ناسخة
وَمِنْه مَا أوجب الله جلّ ثَنَاؤُهُ على الْمُؤمنِينَ أَلا يناجوا الرَّسُول حَتَّى يتصدقوا بِصَدقَة إِذا أَرَادوا أَن يناجوه بَعْدَمَا يتصدقون ثمَّ رفع ذَلِك بقوله ﴿أَأَشْفَقْتُم أَن تقدمُوا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صدقَات فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم فأقيموا الصَّلَاة﴾
стр. 168
الْآيَة فنسخ هَذِه الْأَحْكَام فَلم يبْق لنا مِنْهَا حكما فِي كِتَابه لِأَن صلح النَّبِي ﷺ مَعَ أهل مَكَّة قد مضى وانْتهى وَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله جلّ ذكره
وَالنَّهْي للإستغفار عَمَّن أظهر الْإِسْلَام وَأسر النِّفَاق وَلم ينْه عَن ذَلِك إِذْ كُنَّا لَا نَعْرِف مَا فِي قلبه بِوَحْي ينزل فلنا أَن نَسْتَغْفِر لكل من أظهر الْإِسْلَام وَنكل سَرِيرَته إِلَى الله وَلَا نَبِي بعد مُحَمَّد ﵇ وَقد مضى النَّبِي ﵇ وَتَابَ الله على الْمُؤمنِينَ فِيمَا كَانَ أوجب عَلَيْهِم من الصَّدَقَة فناجوا الرَّسُول من غير أَن يقدموا قبل مناجاتهم صَدَقَة
وَالْبَاب السَّادِس أَن يفعل النَّبِي ﷺ فعلا أَو يَأْمر أمته بِفعل لَيْسَ بِنَصّ فِي كتاب الله فينسخه الله بِحكم أنزلهُ فِي كِتَابه فَيثبت الحكم فِي الْكتاب بِالْفَرْضِ وأباح مَا كَانَ محرما كَذَا
стр. 169
من ذَلِك صلَاته إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَإِن كَانَ قد قَالَ بعض مَا مضى أَن الله افْترض الصَّلَاة أَولا إِلَى بَيت الْمُقَدّس بقوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ لَو لم تجمع الْأمة على هَذَا القَوْل إِلَّا أَنَّهَا مجمعة أَن الله أوجبه بِمَا أَمرهم النَّبِي ﷺ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا عَن الله وَإِن لم نجد نَصه فِي كتاب الله فنسخ الله ذَلِك بقوله ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾
وَمِنْه استغفاره لِعَمِّهِ فنسخ ذَلِك ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ الْآيَة
وَمِنْه كَلَامه فِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فروى زيد بن أَرقم أَن الله نسخ ذَلِك بقوله ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَن الله أحدث من أمره أَلا تكلمُوا فِي الصَّلَاة وَلم يبين أَنَّهَا بِعَينهَا نزلت لذَلِك
стр. 170
وَمن ذَلِك أَيْضا أَنه كَانَ محرما عَلَيْهِم بِغَيْر نَص نجده فِي الْكتاب إِذا نَامُوا فِي ليَالِي رَمَضَان أَلا يَأْكُلُوا وَلَا يشْربُوا وَلَا ينكحوا إِلَى دُخُول اللَّيْل من الْقَابِلَة وَلَهُم أَن يَفْعَلُوا من ذَلِك مَا أَحبُّوا قبل أَن يَنَامُوا فَفعل ذَلِك غير وَاحِد مِنْهُم فَرفع ذَلِك عَنْهُم رَحْمَة بهم وعرفهم مَعَ رَفعه إِيَّاه عَنْهُم أَن مَا أوجب من ذَلِك كَانَ يصنعه بَعضهم فَقَالَ عز من قَائِل ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ فرفعه ونسخه وقررهم بخيانتهم أنفسهم وَعَفا عَنْهُم خيانتهم أنفسهم فِيمَا كَانَ نَهَاهُم عَنهُ ففعلوه
وَكَانَ ١١٦ يُؤذن بَعضهم بَعْضًا بِالصَّلَاةِ فنسخ ذَلِك برؤيا عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ الْأَذَان وأكد رُؤْيَاهُ ﴿وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة﴾
وَالْبَاب السَّابِع أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْآيَتَيْنِ أناسخة إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى أم لم تنسخها وَإِن أَجمعُوا أَن يستعملوا الَّتِي
стр. 171
اخْتلفُوا فِيهَا مَنْسُوخَة أم لَا على التَّجَوُّز وَالِاحْتِيَاط لَا على الْقطع من ذَلِك قَوْله ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ ثمَّ قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ فَقَالَ عَليّ أحلتها آيَة وحرمتها آيَة وَقَالَ عُثْمَان نَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ هَذِه مَكِّيَّة ثمَّ نزلت بِالْمَدِينَةِ ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾
قَالَ وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق بن يُوسُف
стр. 172
عَن سُفْيَان عَن السّديّ عَن سعيد بن جُبَير وَأبي مَالك ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا﴾ نسختها الْآيَة فِي النِّسَاء ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا﴾ الْآيَة
حَدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا يحيى بن زَكَرِيَّا عَن الْحجَّاج عَن أَصْحَاب عبد الله قَالَ الْمُتْعَة
стр. 173
مَنْسُوخَة نسختها الطَّلَاق وَالْعدة وَالْمِيرَاث
وَحدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا شَيبَان عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب ثمَّ نسخ هَذَا الْحَرْف الْمُتْعَة ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾
وَاخْتلفُوا فِي قَوْله ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ بَعضهم نسخت بقوله ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ وَقَالَ إِن فِي النّصْف لَهَا لمتاعا حسنا وَقَالَ بَعضهم هِيَ ثَابِتَة لم تنسخ وَلَيْسَت بواجبة لمن شَاءَ متع وَمن لم يَشَأْ لم يمتع وَقد متع عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالْحسن وَعلي وَغَيرهم والواجبة الَّتِي لم يسم لَهَا صَدَاقا وَلم يدْخل بهَا
стр. 174
حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا شَيبَان عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب أَن الْمُتْعَة نسخهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾
وَالْبَاب الثَّامِن أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْآيَتَيْنِ أناسخة إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى أم لَا ويجمعوا على إِثْبَات حكمهمَا فِي مَعْنيين مُخْتَلفين من ذَلِك قَوْله جلّ وَعز ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ قَالَ مُجَاهِد نسخ مِنْهَا عدَّة الَّتِي لم يدْخل بهَا قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾
وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا هشيم قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن الْحسن قَالَ نسخ من الْقُرْء امْرَأتَيْنِ ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم﴾ ﴿واللائي لم يحضن﴾
قَالَ وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا الْحسن بن مُوسَى
стр. 175
عَن وَرْقَاء عَن مُجَاهِد ثمَّ نسخ من الْقُرْء عدَّة من لم يدْخل بهَا
وَقَالَ الْحسن قرء امْرَأتَيْنِ اللائي يئسن من الْمَحِيض واللائي لم يحضن وأبى ذَلِك أَكثر الْعلمَاء وَقَالُوا نَحن نرد إِلَى قَوْله بقوله ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ اللائي لم يحضن وَقد دخل بِهن وَقَوله ﴿إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات﴾ وَقَوله ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض﴾ حكمين مخصوصين لم يدخلهم الله جلّ ذكره فِي الْأَقْرَاء وَلَكِن خص آيَة الْأَقْرَاء فِي ذَوَات الْحيض الْمَدْخُول بِهن وَخص كل آيَة من الْآيَتَيْنِ الآخريين كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِحكم سوى الْأُخْرَى وَاخْتلفُوا فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ الآخريين وَالْأمة مجمعة أَن عدَّة الآيسة من الْمَحِيض وَالَّتِي لم تَحض ثَلَاثَة قُرُوء
стр. 176
وَعَن ابْن أبي ليلى عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فخافت وجهر وخافتنا فِيمَا خَافت لَهَا ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾
حَدثنَا جرير عَن لَيْث عَن مُجَاهِد فِي الدُّعَاء قَالَ وَقَالَ أَبُو همام عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة فِي الدُّعَاء حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن الْأَشْعَث عَن عِكْرِمَة ١١٧ عَن ابْن عَبَّاس كَانُوا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ
стр. 177
حَدثنَا هشيم عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ متواريا بِمَكَّة إِذا قَرَأَ الْقُرْآن رفع صَوته فَإِذا سَمعه الْمُشْركُونَ سبوا الْقُرْآن وَمن جَاءَ بِهِ فَأنْزل الله ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ عَن أَصْحَابك فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يَأْخُذُوا عَلَيْك
حَدثنَا هشيم قَالَ حَدثنَا مَنْصُور وعَوْف عَن الْحسن ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ قَالَ لَا ترائي فِي الْعَلَانِيَة وَلَا تسئ بهَا فِي السِّرّ وَالْأمة مجمعة أَن للْمُصَلِّي أَن يرفع صَوته وَله أَن يخافته وَيسمع أُذُنَيْهِ وَأَجْمعُوا أَنه لَا يجوز أَن يرائي بِصَلَاتِهِ
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ الْآيَة فَقَالَ بَعضهم نسختها
стр. 178
﴿إِلَّا أَن يخافا أَلا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾
وَقَالَ بَعضهم كلتاهما محكمتان لَيست إِحْدَاهمَا بناسخة لِلْأُخْرَى تَحْرِيم أَخذ القنطار على الظُّلم بِغَيْر الْحق وَأَخذه مِنْهَا تفدي بِهِ نَفسهَا ليخلعها ثمَّ تَأْخُذهُ فَهَذِهِ خُصُوص وَهَذِه مَخْصُوص
وَالْبَاب التَّاسِع أَن أَصْحَاب مُحَمَّد ﵇ اخْتلفُوا فِي آيَتَيْنِ هَل نسخت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى وحكمهما جَمِيعًا ثابتان ثمَّ أَجمعت الْعلمَاء بعد عصرهم من التَّابِعين وَمن بعدهمْ عَن سنة النَّبِي ﵇ أَن إِحْدَاهمَا نسخت الْأُخْرَى وَأَنَّهَا مبدلة لبَعض حكمهَا من ذَلِك قَول الله ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَقَوله ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ فَاخْتلف زيد وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس
стр. 179
فَقَالَ ابْن مَسْعُود أَن سُورَة النِّسَاء الْقصرى أنزلت بعد
وَقَالَ عتبَة تربص آخر الْأَجَليْنِ
وَالْأمة مجمعة الْيَوْم أَن الْآيَة فِي الْحَامِل قد ثَبت حكمهَا وَأَنَّهَا لَا تربص آخر الْأَجَليْنِ وَذَلِكَ أَنه ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر سبيعة أَن تتَزَوَّج بعد وَفَاة زَوجهَا بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَمِنْه أَيْضا الْمَمْلُوكَة يكون لَهَا زوج يُرِيد الْمولى أَن يعْزل عَنْهَا زَوجهَا وينكحها فَأَجْمعُوا أَن ذَلِك جَائِز فِي بعض المماليك وَاخْتلفُوا فِي بَعضهم فَرَأى جَابر وَأنس أَن بيعهَا طَلاقهَا فَرَأَوْا أَن ينْكِحهَا المُشْتَرِي ويعزل زَوجهَا عَنْهَا وَلَا ينْكِحهَا الأول الَّذِي هُوَ زَوجهَا
وَرَأى ابْن مَسْعُود أَن ينْكِحهَا زَوجهَا وَاحْتج بقوله ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ وَأبي ذَلِك أكَابِر أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ عمر
стр. 180
وَعُثْمَان وَعلي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد ﵃
وَقَالُوا لَا يجوز للْمولى أَن ينْكح أمته إِذا كَانَ لَهَا زوج وَإِن كَانَت ذِمِّيَّة تَحت ذمِّي وَأَجْمعُوا جَمِيعًا بعد ذَلِك أَن ذَوَات الْأزْوَاج إِذا سبين ينكحهن من ملكهن وَأَن الله جلّ ذكره نسخ ذَوَات الْأزْوَاج من النِّسَاء بقوله ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾
قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ نزلت فِي سَبَايَا أَوْطَاس وَالْأمة مجمعة الْيَوْم أَنه لَا يحل للموالي أَن ينكحوا الْأزْوَاج سوى السبايا وَأَنه قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه خير بَرِيرَة من زَوجهَا بَعْدَمَا بِيعَتْ وأعتقت بعد البيع لم يَجْعَل البيع يزِيل نِكَاح زَوجهَا وَلَو كَانَ البيع مزيل النِّكَاح فَكَانَ بيعهَا طَلاقهَا لكَانَتْ حِين
следующие страницы →