Полный текст (257 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يملك ذَلِك كُله وَذَلِكَ أَنه قدر رآنا يَأْتِي أَحَدنَا كتاب من الْقَرَابَة أَو الْأَخ أَو الْعَامِل أَو الْجَار فَلَا يَتَمَالَك أَن يقرأه ويقرؤه مرَارًا من حبه لصَاحبه وَلَا يرضى بِقِرَاءَة حُرُوفه دون الْفَهم بِمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ بإحضار عقل وَفقه للحروف ليفهم مَا أَرَادَ وَمَا الَّذِي بِهِ أَمر وَنهى وَمَا أوصى فَإِن أشكل عَلَيْهِ اسْتِخْرَاج بعض حُرُوفه اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ على قِرَاءَته ليستخرج لَهُ مَا لم يَسْتَخْرِجهُ ليعرف بذلك مَا معنى الَّذِي كتب بِهِ وَمَا الَّذِي أَرَادَ وَمَا الَّذِي يكن خوفًا أَن يفوتهُ فِيهِ معنى مَنْفَعَة أَو علم مضرَّة ليحذرها
وَرُبمَا كتب إِلَيْهِ من لَا يأمل ذَلِك مِنْهُ يكْتب بحاجة يطْلبهَا أَو شَيْء أَرَادَ أَن يُعلمهُ فَمَا يتْرك أَن يستقصي فهم كِتَابه ليفقه الْحُرُوف مَعَ فهم الْقلب معنى الَّذِي أَرَادَ وَكتب يبعثنا على تَأمل كِتَابه محبَّة منا إِلَيْهِ لخَبر ورجاء منا لخبره أَو جزعا منا لخوف فَوت مَنْفَعَة ننالها مِنْهُ آجلا أَو قرب جواره أَو تفهما لسؤالنا حَاجَة أَو أمل مكافأته أوجبت محمدته أَو خوفًا أَن يفوتنا مَا يُريدهُ فيلومنا فِي تقصيرنا أَو حَيَاء مِنْهُ أَن نقدم عَلَيْهِ فيسألنا عَن بعض مَا كتبه فَلَا تقوى قُلُوبنَا ونستحي أَن نجيبه بِأَنا لم نَقْرَأ كِتَابه أَو أَنا قرأناه وَلم نفهم مَا كتب بِهِ لِأَنَّهُ
стр. 72
يرى أَن ذَلِك تهاون منا بِهِ وَقلة عناية منا بالمرة فغدا نقدم على الله جلّ وَعز فنلقاه ويسائلنا عَن كِتَابه الَّذِي أنزل إِلَيْنَا مُخَاطبا لنا بِهِ وَكَيف فهمنا عَنهُ وَكَيف عَملنَا بِهِ وَهل أجللناه ورهبناه وَهل قمنا بِحقِّهِ الَّذِي أمرنَا بِهِ وجانبنا مَا نَهَانَا عَنهُ مَعَ مَا يفوتنا من جواره وَمَا نستوجب من عِقَابه
ألم تسمع مسَائِله الْجِنّ وَالْإِنْس جَمِيعًا يَوْم الْقِيَامَة بِمَا أَقَامَ عَلَيْهِم بِهِ الْحجَّة فِي الدُّنْيَا من تِلَاوَة آيَاته عَلَيْهِم من رسله وَأَنه قطع بذلك عذرهمْ وأدحض بِهِ حجتهم فَقَالَ يَوْم الْعرض ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا﴾
وَقَالَ ﴿ألم تكن آياتي تتلى عَلَيْكُم﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَو نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ الْآيَة
стр. 73
فَلَمَّا جَاءَهُم تَأْوِيل مَا قَالَ من الَّذِي توعد بِهِ نادوا بالندامة على نسيانهم مَا جَاءَتْهُم بِهِ رسلهم من كَلَام رَبهم وتركهم فهمه وَنَادَوْا بالشفاعة أَو بردهمْ إِلَى الدُّنْيَا فيعقلوا عَنهُ كَلَامه ويقوموا بِحقِّهِ
قلت فَهَل أستعين على فهم مَعَاني مَا أتلو أَو يُتْلَى عَليّ
قَالَ بإحضار عقلك فبذلك تفهم وتذكر ألم تسمعه يَقُول ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾
قَالَ مُجَاهِد أَو ألْقى السّمع لَا يحدث نَفسه بِغَيْر مَا يسمع وَهُوَ شَهِيد قَالَ شَاهد الْقلب
قلت فَكيف أحضر عَقْلِي حَتَّى يكون شَاهدا لَا يغيب عَن فهم كَلَام رَبِّي جلّ وَتَعَالَى
قَالَ بِأَن تجمع فهمك حَتَّى لَا يكون فهمك مُتَفَرقًا فِي شَيْء غير طلب الْفَهم لكَلَام مَوْلَاك
стр. 74
قلت وَكَيف أجمع همي حَتَّى لَا يتفرق فِي شَيْء سوى ذَلِك
قَالَ تمنع عقلك من النّظر فِي شَيْء سوى طلب فهم كتاب رَبك جلّ وَتَعَالَى
قلت وَكَيف أجمع عَقْلِي
قَالَ بِأَن لَا تشغل جوارحك بِمَا لَا يشْتَغل بِهِ عقلك وَأَن تسْتَعْمل كل جارحة بِمَا يعينك على الْفَهم كنظرك فِي مصحف واستماعك إِلَى تلاوتك أَو تِلَاوَة غَيْرك وتمنع عقلك من فكر وَذكر يقوى طلب فهم كَلَام مَوْلَاك لِأَنَّك إِذا لم تشغل جوارحك بِشَيْء غير ذَلِك وَمنع عقلك عَن النّظر والفكر فِي غير ذَلِك اجْتمع همك وَحضر وَإِذا حضر عقلك زكا ذهنك وَإِذا زكا ذهنك قويت على طلب الْفَهم واستبان فِيهِ الْيَقِين وَصفا فِيهِ الذّكر وَقَوي فِيهِ الْفِكر وَبِذَلِك مدح المستمعين لتلاوة كِتَابه بالفهم فَقَالَ ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا﴾ أَي قَالُوا صه أَفلا نسْمع الله مدحهم بِأَن سكتوا عَن الْكَلَام لِئَلَّا يشتغلوا عَن
стр. 75
فهم مَا يَتْلُو نبيه ﵇ عَلَيْهِم وَهَذَا وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ وَمَا هُوَ فَلَمَّا قضى وفهموا عَن الله مَا تَلا عَلَيْهِم نبيه ﵇ ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين تحدثُوا وفهموا من الله مَا سمعُوا فَقَالُوا ﴿يَا قَومنَا إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ يهدي إِلَى الْحق وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله وآمنوا بِهِ يغْفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عَذَاب أَلِيم وَمن لَا يجب دَاعِي الله فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض وَلَيْسَ لَهُ من دونه أَوْلِيَاء﴾ وَقَالُوا ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ﴾ الْآيَات
لقد نطقوا بالحكم عَن فهم بَين وَعَن عقول ذكية فِي اسْتِمَاع آيَات فِي مقَام وَاحِد فدعوا إِلَى إِجَابَة الله وأملوا الْمَغْفِرَة والنجاة من الْعَذَاب الْأَلِيم وأخبروا أَنه من أعرض عَمَّا تَلا نبيه ﷺ من كَلَام ربه لَا يعرف الله وَأَن مصيره إِلَيْهِ
هَذَا الْأَدَب والفهم من اسْتِمَاع آيَات فِي مقَام وَاحِد فِي أقل من سَاعَة فَكيف بِمن وعى الْقُرْآن كُله من صغره ويكرر
стр. 76
تِلَاوَته من صباه إِلَى كبره وَعمر السنين الْكَثِيرَة ويكرر تِلَاوَته لم يعقل عَن ربه وَلم يفهم كَلَام مَوْلَاهُ فَيقوم بِحقِّهِ وَكَانَ أول مَا تداعوا الْأَدَب لاستماع مَا تلى نبيه ﵇ بتناهيهم عَن الِاشْتِغَال بالمحادثة عَن كَلَام رَبهم وَلَقَد ذمّ مَوْلَانَا المتشاغلين عِنْد استماعهم بالمحادثة فَقَالَ تَعَالَى ﴿نَحن أعلم بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى﴾
فاحرص أَن لَا يكون فِيك خلق ذمّ الله بِهِ كَافِرًا وَإِن كنت مُؤمنا فَإِن من كَمَال الْإِيمَان مُخَالفَة أهل الْكفْر بالْقَوْل وَالْفِعْل فِيمَا نهى الله عَنهُ وَلَقَد وعد رَبنَا الرَّحْمَة وأمرنا أَن نطلبها مِنْهُ بالاستماع والإنصات لفهم كَلَامه فَقَالَ ﴿وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ يَعْنِي لكَي ترحموا فَجعل الِاسْتِمَاع بترك الْكَلَام لتفهم كَلَامه يُوجب ٩٦ الرَّحْمَة قبل الْعَمَل بِمَا يسمع وَقَالَ ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب﴾
стр. 77
فمدحهم بِالْهدى ووصفهم باللب وَأثْنى عَلَيْهِم فِي آي من الْقُرْآن فَإِذا أحضرت عقلك بِجمع همك بنية صَادِقَة مَعَ أمل ورجاء أَن تنَال مَا قَالَ وتسارع إِلَى محابه وتجتنب مساخطه وتريده وَحده وَلَا تُرِيدُ أَن تفهم مِنْهُ مَا تتصنع بِهِ عِنْد الْعباد فَإِذا نظر الله إِلَيْك وَأَنت كَذَلِك وَعلم ذَلِك من ضميرك أقبل بِلُطْفِهِ وَولي تَقْوِيم عقلك بفهم كَلَامه وَمَا فِيهِ من علم الغيوب ومكنون الْوَعيد فَحِينَئِذٍ تكون لِلْقُرْآنِ مفهما فتستنطق مِنْهُ علم مَا عميت عَلَيْك فِيهِ الْحجَّة فيوضح الله لَك بِهِ الْبُرْهَان ويمدك بالفوائد ويجلي عَنْك ظلم الشّبَه ويدلك على محجة المهتدين ويذيقك الْحَلَاوَة الَّتِي أذاقها أهل التَّقْوَى لِأَن كَلَامه ربيع قُلُوب الْأَبْرَار ويثقل فهمه على من تعطل قلبه وَهُوَ الَّذِي هتك حجب قُلُوب الفهمين فأهاج مِنْهُم الْفُؤَاد والزفرات أسفا على مَا فَاتَ من أعمارهم وَمَا أحصى
стр. 78
الله عَلَيْهِم من ذنوبهم وأشخص أبصار قُلُوبهم إِلَى ملكوت جواره فطال حنينهم واشتياقهم إِلَى الخلود فِي دَار الأمل فِي جوَار رب الْعَالمين مَعَ خوف الحرمان لما سلف من جرائمهم
فَإِن طلبت الْفَهم بِالصّدقِ أقبل عَلَيْك بالمعونة تَصْدِيق ذَلِك فِي كتاب الله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ لَا يثقل فهم كَلَامه إِلَّا على من تعطل قلبه أَلا يسمع وربنا جلّ وَعز يَقُول ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾
فَأخْبر أَنه لَو علم فيهم خيرا لأفهمهم لأَنهم لم يَكُونُوا صمًّا وَكَانُوا يسمعُونَ قِرَاءَة النَّبِي ﷺ وَلَكِن ضيعوا الْفَهم أَلا تسمعه يَقُول ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾
стр. 79
أَلا تسمعه يَقُول ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون﴾ لَا يَعْنِي أَنهم كَانُوا صمًّا وَلَكِن لَا يفقهُونَ مَا يسمعُونَ بآذانهم أَلا تسمعه يَقُول ﴿وتراهم ينظرُونَ إِلَيْك﴾ فَأثْبت النّظر مِنْهُم إِلَى النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ ﴿وهم لَا يبصرون﴾
يَقُول لَا يعْقلُونَ دَلَائِل الله فِي نبوته ﵇ فَإِن علم من التَّالِي لكتابه صدق ضمير وعناية حَتَّى يجمع همه للفهم أفهمهُ أَلا تسمعه يَقُول ﴿إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا يُؤْتكُم خيرا مِمَّا أَخذ مِنْكُم وَيغْفر لكم﴾
فَإِذا أَقبلت على الله تَعَالَى بِصدق نِيَّة ورغبة لفهم كِتَابه باجتماع هم متوكلا عَلَيْهِ أَنه هُوَ الَّذِي يفتح لَك الْفَهم لَا على نَفسك فِيمَا تطلب وَلَا بِمَا لزم قَلْبك من الذّكر لم يخيبك من الْفَهم وَالْعقل عَنهُ إِن شَاءَ الله
стр. 80
الْقسم الثَّالِث
فِي الْمُحكم والمتشابه
قلت مَا الَّذِي يَنْبَغِي لي أَن أعرفهُ قبل طلب الْفَهم لكتاب الله لِأَن لَا أغلط فأعتقد مَا لَا يُرْضِي الله جلّ ثَنَاؤُهُ من الْمعَانِي أَو أنفي مَا يرضيه من الْمعَانِي فاخطر عَلَيْهِ فابتدع بِدعَة أَو أوجب فرضا قد أسقط بالنسخ بعد وُجُوبه أَو يشْتَبه عَليّ تِلَاوَته فيجد الْعَدو مَوضِع تزين للشَّكّ فِيمَا اشْتبهَ عَليّ وأقدم مَا أَخّرهُ أَو أؤخر مَا قدمه أَو أَعم خَبرا أَو فرضا أَو وعيدا خَاصّا فأظنه عَاما أَو أخص خَبرا أَو وعيدا أَو أمرا عَاما فأجعله خَاصّا أَو أبدل محكما متشابها أَو متشابها محكما
قَالَ أَن تعلم أَن الْقُرْآن مِنْهُ نَاسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وَله وُجُوه
فَمِنْهُ متشابه فِي التِّلَاوَة من غير أَن ينْسَخ بعضه بَعْضًا وَمِنْه متشابه لاخْتِلَاف أوقاته فِي الْوَاجِب وَفِي
стр. 81
الْكَائِن مِمَّا أخبر الله أَنه كَائِن وَمِنْه متشابه والمعاني مُخْتَلفَة وَمِنْه مقدم ومؤخر وَمِنْه خَاص وعام وَمِنْه ٩٧ مَوْصُول ومفصول وَمِنْه غَرِيب اللُّغَة وَمِنْه مَا لَا يعرف مَعْنَاهُ إِلَّا بِالسنةِ أَو بِالْإِجْمَاع وَمِنْه مَا لَا يعرف مَعْنَاهُ إِلَّا بعد تِلَاوَة مَا يَأْتِي فِي سورته وأمثال وَغير ذَلِك
حَدثنَا الْقَاسِم بن سَلام قَالَ حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ قَالَ المحكمات ناسخة وَحَلَاله وَحَرَامه وفرائضه وَمَا يُؤمن بِهِ وَيعْمل بِهِ وَلَا يعْمل بِهِ
стр. 82
حَدثنَا أَبُو عبيد قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مر بقاص يقص فَقَالَ هَل تعلم النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ قَالَ لَا قَالَ هَلَكت وأهلكت
وحدثتا الْقَاسِم ابْن سَلام قَالَ حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة الْقرشِي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز ﴿وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا﴾ فَقَالَ الْمعرفَة بِالْقُرْآنِ ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وَحَلَاله
стр. 83
وَحَرَامه وَأَمْثَاله فَأَما قَوْله ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة لَا يعلمهَا إِلَّا الله
قَالَ أَبُو عبد الله وَرُوِيَ عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله قَالَ لكل آيَة من كتاب الله ظهر وبطن وحد ومطلع
قَالَ أَبُو عبد الله أما ظَاهرهَا فتلاوتها وَأما بَاطِنهَا فتأويلها وَأما حَدهَا فمنتهى فهمها
وَعند هَذِه الْخلَّة فرق الله بَين الصَّادِقين والكاذبين مِمَّن تَلَاهَا أَو من عرف تَفْسِيرهَا وَلم يبلغ مُنْتَهى فهمها أَو صَادِق بلغ مُنْتَهى فهمها لِأَن أقل الصدْق من الْمُؤمن المريد بعد الْإِيمَان بِالْآيَةِ أَن يفهمها عَن ربه وَأَن يعْمل بهَا
وَإِنَّمَا قصر بِالنَّاسِ عَن فهمها قلَّة تعظيمهم لقائلها وَأما مطْلعهَا فمجاوزة حَدهَا بالغلو والتعمق والفجور والمعاصي من ذَلِك قَول الله جلّ وَعز ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تعتدوها﴾
стр. 84
وَقَالَ غَيره وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أوجه حَلَال وَحرَام وَلَا يسع جَهله وَتَفْسِير يُعلمهُ الْعلمَاء وعربية تعرفها الْعَرَب وَتَأْويل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله يَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا
وَكَانَ ابْن عَبَّاس يقْرَأ ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ﴾
وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي من أَيْن يعلمُونَ تَأْوِيله وَإِنَّمَا انْتهى علم الراسخين إِلَى أَن قَالُوا ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾
وَقَالَ قَتَادَة الْمُحكم مَا يعْمل بِهِ والمتشابه الْمَنْسُوخ الَّذِي لَا يعْمل بِهِ
قَالَ الْكَلْبِيّ هُوَ ألم وألمر وألمص وَأَشْبَاه ذَلِك
стр. 85
وَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والمقطوع والموصول وَالْخَاص وَالْعَام
وَقَالَ مُجَاهِد ﴿هن أم الْكتاب﴾ يَعْنِي مَا فِيهِ من الْحَلَال وَالْحرَام وَمَا سوى ذَلِك مِنْهُ الْمُتَشَابه
وَسُئِلَ مَالك بن أنس عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ الْآيَة أيعلم تَأْوِيله الراسخون فِي الْعلم قَالَ لَا وَإِنَّمَا معنى ذَلِك أَن قَالَ وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله ثمَّ أخبر فَقَالَ ﴿والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ وَلَيْسَ يعلمُونَ تَأْوِيله وَالْآيَة الَّتِي بعْدهَا أَشد عِنْدِي قَوْله ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا﴾ هُنَا قَالَ مَالك ﴿الراسخون فِي الْعلم﴾ هم الْعَامِلُونَ علمُوا المتبعين لَهُ
стр. 86
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأخر متشابهات يشبه بعضه بَعْضًا
وَذكر عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ يعلمونه وَيَقُولُونَ ﴿آمنا بِهِ﴾
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ والراسخون فِي الْعلم قَائِلُونَ آمنا بِهِ
стр. 87
الْقسم الرَّابِع - بَاب مَا لَا يجوز فِيهِ النّسخ وَمَا يجوز ذَلِك فِيهِ
صِفَات الله وأسماؤه
اعْلَم أَن النّسخ لَا يجوز فِي مَعْنيين وَمن دَان بِأَنَّهُ يجوز فيهمَا النّسخ فقد كفر لَا يحل لأحد أَن يعْتَقد أَن مدح الله جلّ ثَنَاؤُهُ وَلَا صِفَاته وَلَا أسماؤه يجوز أَن ينْسَخ جلّ وَعز وصف نَفسه بصفاته الْكَامِلَة وامتدح نَفسه بمدحه الطاهرة ٩٨ وبأسمائه الْحسنى فَمن أجَاز النّسخ فِيهَا أجَاز أَن يُبدل أسماءه الْحسنى فيبدلها قبيحة سوآى وَصِفَاته وَصِفَاته الْكَامِلَة الْعلية فَتكون دنية نَاقِصَة سفلى ومدحه الطاهرة فَتكون مذمومة دنية جلّ وَتَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
أخباره تَعَالَى عَمَّا كَانَ وَيكون
وَلَا يجوز النّسخ فِي أخباره تَعَالَى عَمَّا كَانَ وَيكون فَيكون بذلك منصرفا من الصدْق إِلَى الْكَذِب وَمن الْحق إِلَى الْهزْل واللعب وَإِنَّمَا ينْسَخ أخباره الْكذَّاب أَو
стр. 88
الْمخبر بِالظَّنِّ فَيرجع عَن قَوْله إِلَى أَن يكذب نَفسه وَيبْطل قَوْله وَذَلِكَ كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت كَذَا وَسمعت كَذَا ثمَّ يَقُول بعد لم يكن مَا أخْبرت أَنِّي رَأَيْته وسمعته
ونجد أَن شَيْئا قد كَانَ ثمَّ يخبر أَنه لَا يكون فيكذب نَفسه فِيمَا أخبر وَيدل أَنه أخبر بِمَا لَا يُعلمهُ أَو يكذب نَفسه فيخبر أَن مَا أخبر بِهِ أَنه سَيكون إِنَّمَا قَالَ مُتَعَمدا للكذب أَو قَالَه بِالظَّنِّ وَأَنه كَانَ جَاهِلا بِهِ ثمَّ رَجَعَ عَن ظَنّه وَبِذَلِك صفة الْكذَّاب
وَقد جوز فريق من الروافض فِي أَخْبَار الله جلّ ثَنَاؤُهُ التناسخ وَهَذَا الْكفْر لَا يجوز أَن ينْسَخ الله خَبره أَنه خلق آدم وَأَسْكَنَهُ الْجنَّة وَأمر الْمَلَائِكَة أَن يسجدوا
стр. 89
لَهُ فسجدت الْمَلَائِكَة كلهَا إِلَّا إِبْلِيس وَلَا أخباره عَمَّا مضى من الرُّسُل وَعَما كَانَ فِي الدهور الخالية مِمَّا أخبر أَنه كَانَ فنجد أَن ذَلِك لم يكن وَكَذَلِكَ مَا أخبر أَنه سيقيم الْقِيَامَة وَأَنه يبْعَث من فِي الْقُبُور وَأَنه يصير فريقا فِي الْجنَّة وفريقا فِي السعير وَلَا مَا يَقُول أهل الْجنَّة وَأهل النَّار وَأَنه يخلد أهل الْجنَّة فِيهَا ويخلد الْمُشْركين فِي الْعَذَاب الْأَلِيم فيخبر خلاف ذَلِك كُله لِأَن ذَلِك يُوجب بالْخبر الثَّانِي لُزُوم الْكَذِب فِي الأول وَلُزُوم الْبَرَاءَة وَأَنه أَرَادَ أَن يفعل فاستبدل فَأَرَادَ أَن لَا يفعل رُجُوعا عَن قَوْله وَالرُّجُوع عَن القَوْل الْكَذِب والبداء من الْجَهْل بالعواقب
وَمن ذَلِك حُدُوث الإرادات فِي ذَاته بالذوات وَذُو البداوات جَاهِل بِمَا يكون فِيمَا يسْتَقْبل
وَلَا جَائِز أَن يخبر بِأَمْر كَانَ ثمَّ يخبر أَنه لم يكن أَو يخبر بِأَمْر لَا يكون ثمَّ يخبر أَنه سَيكون أَو يخبر
стр. 90
أَنه لَا يفعل ثمَّ يخبر أَنه سيفعل أَو يخبر عَن شَيْء أَنه لَا يَفْعَله ثمَّ يخبر أَنه يَفْعَله كَمَا قَالَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه خَاتم النَّبِيين فَأخْبر أَنه آخر من يبْعَث ثمَّ يخبر أَنه يبْعَث بعده نَبيا أَو يبْعَث نَبيا بَعْدَمَا أخبر أَنه آخر من يبْعَث من النَّبِيين
وكما قَالَ للأعراب ﴿فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا﴾ فَلَمَّا قَالُوا بعد خَبره هَذَا ﴿ذرونا نتبعكم﴾ قَالَ الله جلّ وَعز ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل﴾ وَقَالَ ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ جلّ عَن الْجَهْل والبداوات
وَكَذَلِكَ لَا يجوز إِذا أخبر أَن صِفَاته حَسَنَة عليا أَن يخبر بعد ذَلِك أَنَّهَا دنية سفلى أَو يصف نَفسه بِأَنَّهُ جَاهِل بِبَعْض الْغَيْب بَعْدَمَا أخبر أَنه عَالم الْغَيْب
стр. 91
وَأَنه لَا يبصر مَا قد كَانَ وَلَا يسمع الْأَصْوَات وَأَنه لَا قُوَّة لَهُ وَلَا قدرَة على الْأَشْيَاء وَلم يتَكَلَّم بِشَيْء وَلَا الْكَلَام كَانَ مِنْهُ وَلَا لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَأَنه تَحت الأَرْض لَا على الْعَرْش جلّ عَن ذَلِك وَتَعَالَى علوا كَبِيرا
فَإِذا عرفت ذَلِك واستيقنته فتلوت آيَة فِي ظَاهر تلاوتها تحسب أَنَّهَا ناسخة لبَعض أخباره كَقَوْلِه فِي فِرْعَوْن ﴿حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق﴾ وَقَالَ ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ وَكَقَوْلِه ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار﴾ أَنه لم يرد بِهِ النجَاة من الْغَرق فِي الدُّنْيَا وَلَا من الْعَذَاب فِي الْآخِرَة وَقد تَأَول قوم أَن الله جلّ ذكره عَنى أَن ينجيه بِبدنِهِ من النَّار إِذا آمن عِنْد الْغَرق وَقَالُوا إِنَّمَا ذكر أَن قوم فِرْعَوْن يدْخلُونَ النَّار وَلم يذكر أَنه يدْخل فِرْعَوْن النَّار وَإِنَّمَا قَالَ ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار﴾ وَلم يقل فيردها
стр. 92
فِرْعَوْن وَقَالَ ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب﴾ ﴿فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى﴾
وَإِنَّمَا معنى قَوْله ﴿ننجيك ببدنك﴾ أَن الله جلّ وَعز لما غرق فِرْعَوْن وَقَومه لم توقن بَنو إِسْرَائِيل بذلك وَقَالُوا مَا غرق فِرْعَوْن وإننا نَخَاف أَن يلحقنا فيقتلنا فَأمر الله جلّ شَأْنه الْبَحْر ٩٩ فَألْقى بدنه بِغَيْر روح على ضفة الْبَحْر ليستبين بَنو إِسْرَائِيل بغرقه فَلَمَّا أَلْقَاهُ الْبَحْر نظرت إِلَيْهِ بَنو إِسْرَائِيل فَجعلُوا يمثلون بِهِ
وَكَذَلِكَ إِذا تَلَوت قَوْله ﴿فليعلمن الله الَّذين صدقُوا﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ الْآيَة فَظَاهر التِّلَاوَة على اسْتِئْنَاف الْعلم من الله بجهاد الْمُجَاهدين وَصدق الصَّادِقين وَكذب
стр. 93
الْكَاذِبين وَجل الله أَن يسْتَأْنف علما بِشَيْء وَكَيف وكل شَيْء يكون فَهُوَ يكونه فَلم يَأْتِ إِلَّا وَقد تقدم الْعلم مِنْهُ بِهِ وَكَيف يَأْتِي وَكَيف يكون وَلَو لم يكن يعلم كَيفَ يكون مَا أحسن أَن يكونه أبدا لِأَنَّهُ من لَيْسَ لَهُ علم بِمَا يُرِيد أَن يصنعه كَيفَ يكون يحسن أَن يصنعه وَمن لم يحسن كَيفَ يصنعه لم يقدر أَن يصنعه
وَهَذَا نجده ضَرُورَة فِي فطرنا فَلَو لم نر كتابا قطّ وَلم نحسن أَن نكتب لم يجز لنا أَن نكتب كتابا مؤلفا بمعاني مفهومة بالتخمين أبدا وَكَذَلِكَ جَمِيع الصناعات من لم يرهَا فيعلمها أَو تُوصَف لَهُ فيعلمها لم يحسن أَن يَأْتِي بهَا أبدا فَالله جلّ ذكره أولى بِعلم مَا يكونه قبل أَن يكونه
ألم تسمعه يَقُول ﴿أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾ وَقد يسْتَدلّ على ذَلِك من عقولنا أَن من فعل شَيْئا بحكمة فَلم يَفْعَله حَتَّى كَانَ عَالما قبل أَن
стр. 94
يَفْعَله فَأتى بِهِ كَمَا أَرَادَ أَن يكون وَقد علم كَيفَ يَجِيء
وَقد امتدح الله جلّ وَعز بِعلم مَا قد كَانَ وَمَا سَيكون وَمَا لَا يكون أَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون فمدح نَفسه بِعلم جَمِيع الغيوب فَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿وَرَبك أعلم بِمن فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم﴾ وَقَالَ ﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ وَقَالَ ﴿علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن﴾ وَقَالَ ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ الْآيَة
وَأخْبر بِمَا لَا يكون أَو كَانَ كَيفَ كَانَ كَيفَ يكون فَقَالَ ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ وَقَالَ ﴿لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم وَلَئِن قوتلوا لَا ينصرونهم﴾ فَأخْبر أَنه قد علم أَنهم لَو نصروهم لولوا الأدبار وَإِنَّمَا قَوْله ﴿حَتَّى نعلم﴾ ﴿وَلما يعلم﴾ ﴿وليعلمن﴾ إِنَّمَا يُرِيد حَتَّى يرَاهُ فَيكون مَعْلُوما مَوْجُودا لِأَنَّهُ لَا جَائِز أَن يكون يعلم الشَّيْء مَعْدُوما قبل أَن يكون ويعلمه مَوْجُودا
стр. 95
كَائِنا فَيعلم فِي وَقت وَاحِد أَنه مَعْدُوم مَوْجُود أَنه قد كَانَ وَأَنه لم يكن بعد وَهَذَا الْمحَال
وَإِنَّمَا لم يجز أَن يُقَال يعلم الله أَن الشَّيْء قد كَانَ لِأَن الشَّيْء لم يكن بعد فَإِن الله جلّ وَعز لَا يجوز أَن يكون جَاهِلا بِهِ أَنه سَيكون وَذَلِكَ مَوْجُود فِينَا وَنحن جهال وَعلمنَا مُحدث قد علمنَا أَن كل إِنْسَان ميت فَكلما مَاتَ إِنْسَان قُلْنَا قد علمنَا أَنه قد مَاتَ من غير أَن نَكُون قبل مَوته جاهلين أَنه سيموت إِلَّا أَنا قد يحدث لنا الْعلم من الروية وحركة الْقلب إِذا نَظرنَا إِلَيْهِ مَيتا بِأَنَّهُ ميت
وَالله جلّ ذكره لَا تحدث فِيهِ الْحَوَادِث لأَنا لم نجهل موت من مَاتَ أَنه سَيكون وَكَذَلِكَ علمنَا أَن النَّهَار سَيكون صَبِيحَة ليلتنا ثمَّ يكون فنعلم أَنه قد كَانَ من غير جهل منا تقدم أَنه سَيكون
فَكيف بالقديم الأزلي الَّذِي لَا يكون موت وَلَا نَهَار وَلَا شَيْء من الْأَشْيَاء إِلَّا وَهُوَ يخلقه وَنحن لَا نخلق شَيْئا
стр. 96
وَكَذَلِكَ قَوْله جلّ وَعز ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَقَوله ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
لَيْسَ ذَلِك ببدء مِنْهُ لحدوث إِرَادَة حدثت لَهُ وَلَا أَن يسْتَأْنف مَشِيئَة لم تكن لَهُ وَذَلِكَ فعل الْجَاهِل بالعواقب الَّذِي يُرِيد الشَّيْء وَهُوَ لَا يعلم العواقب
البداوات وحدوث الإرادات
فَلم يزل تَعَالَى يُرِيد مَا يعلم أَنه يكون لم يستحدث إِرَادَة لم تكن لِأَن الإرادات إِنَّمَا تحدث على قدر مَا لم يعلم المريد فَأَما من لم يزل يعلم مَا يكون وَمَا لَا يكون من خير وَشر فقد أَرَادَ على علم لَا يحدث لَهُ بداء إِذْ كَانَ لَا يحدث فِيهِ علم بِهِ
وَقد تَأَول بعض من يَدعِي السّنة وَبَعض أهل الْبدع ذَلِك على الْحُدُوث
стр. 97
فَأَما من ادّعى السّنة ١٠٠ فَأَرَادَ إِثْبَات الْقدر فَقَالَ إِرَادَة الله جلّ وَعز أحدث من تَقْدِيره تَقْدِيره سَابق الْإِرَادَة
وَأما بعض أهل الْبدع فزعموا أَن الْإِرَادَة إِنَّمَا هِيَ خلق حَادث وَلَيْسَت بمخلوقة وَلَكِن الله جلّ وَعز بهَا كَون الْمَخْلُوق فَزَعَمت أَن الْخلق غير الْمَخْلُوق وَأَن الْخلق هُوَ الْإِرَادَة وَأَنَّهَا لَيست بِصفة الله من نَفسه وَجل الله أَن يكون شَيْء حدث لغير إِرَادَة مِنْهُ وَجل عَن البداءات وتقلب الإرادات
فَأَما قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ فَإِنَّهُ وعدهم الدُّخُول على علم أَنهم يدْخلُونَ
وَأما قَوْله ﴿إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
وَقَوله ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾
стр. 98
فَإِنَّهُ لم يزل يُرِيد قبل أَن يحدث الشَّيْء أَن يحدثه فِي وَقت إحداثه فَلم يزل يُرِيد إحداثه فِي الْوَقْت الْمُؤخر فَإِذا جَاءَ الْوَقْت فَهُوَ أَيْضا يُرِيد أَن يحدثه فِيهِ فبإرادته أحدثه فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي فِيهِ أحدثه
فإرادة الله جلّ وَعز دائمة لِأَنَّهُ مُرِيد قبل الْوَقْت الَّذِي يحدث فِيهِ الْمَخْلُوقَات وَفِي الْوَقْت الَّذِي أحدثه فِيهِ فَأَرَادَ بقوله جلّ وَعز ﴿إِذا أردناه﴾ إِذا جَاءَ الْوَقْت الَّذِي فِيهِ وَهُوَ لَهُ قبل الْوَقْت مُرِيد فأوقع إِذا على الْإِرَادَة وَإِنَّمَا أَرَادَ الْوَقْت وَهُوَ مُرِيد لَهُ أَيْضا فِي الْوَقْت وَالْعرب تفعل هَذَا فِي مخاطباتها يَقُول الرجل لآخر مَتى تُرِيدُ أَن آتِيك فَيَقُول غَدا فيسأله فِي ظَاهر الْمَسْأَلَة عَن وَقت إِرَادَته وَإِنَّمَا يُرِيد الْوَقْت الَّذِي فِيهِ الْمَجِيء ويجيبه بِالْوَقْتِ الَّذِي يَجِيء فِيهِ وَلَو أَجَابَهُ على ظَاهر مَسْأَلته إِذا قَالَ مَتى تُرِيدُ أجيئك لقَالَ السَّاعَة أُرِيد أَن تجيئني غَدا فَأَجَابَهُ عَن وَقت الْمَجِيء وَإِنَّمَا سَأَلَهُ فِي الظَّاهِر عَن وَقت الْإِرَادَة وَهُوَ يُرِيد وَقت الْمَجِيء فَأَجَابَهُ عَن معنى السُّؤَال وَلم يجبهُ عَن ظَاهر الْمَسْأَلَة
стр. 99
وَكَذَلِكَ إِذا أَرَادَ الله جلّ وَعز وَقت كَون الشَّيْء وَأنزل ظَاهر القَوْل على الْإِرَادَة فَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة﴾ يَعْنِي الْوَقْت الَّذِي أردنَا من قبل إِذا جَاءَ الْوَقْت أهلكناها فِيهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿وَإِذا أردنَا﴾ إِذا كَانَ الْوَقْت الَّذِي أردنَا أَن نهلكهم فِيهِ لَا على البدء مِنْهُ بِإِرَادَة أُخْرَى وَأَرَادَ تكوين الشَّيْء إِلَى وَقت مَعْلُوم لم يزل يُرِيد أَن يكونه فِيهِ فَلم يزل مرِيدا الْهَلَاك للقرى فِي الْأَوْقَات الَّتِي يهلكها فِيهَا فَإِذا أهلكها فبإرادة مُتَقَدّمَة مِنْهُ بهلاكها فِي تِلْكَ الْأَوْقَات الَّتِي أخر هلاكها إِلَيْهَا وبإرادة لم تزل أخر هَلَاك الْقرى إِلَى الْوَقْت الَّذِي لم يزل يُرِيد أَن يهلكها فِيهِ
السّمع وَالْبَصَر
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِحْدَاث سمع وَلَا تكلّف لسمع مَا يكون من الْمُتَكَلّم فِي وَقت كَلَامه وَإِنَّمَا معنى ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ ﴿وسيرى الله عَمَلكُمْ﴾ أَي المسموع والمبصر لن يخفى
стр. 100
على سَمْعِي وَلَا على بَصرِي أَن أدْركهُ سمعا وبصرا لَا بالحوادث فِي الله جلّ وَعز وَتَعَالَى عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ لَا يستحدث بصرا وَلَا لحظا مُحدثا فِي ذَاته تَعَالَى عَن ذَلِك
وَقد ذهب قوم أَن لله جلّ وَعز استماعا حَادِثا فِي ذَاته فَذهب إِلَى مَا يعقل من الْخلق أَنه يحدث فيهم عِلّة لسمع مَا يكون من قَول عِنْد سَمعه لِلْقَوْلِ لِأَن الْمَخْلُوق إِذا سمع الشَّيْء حدث لَهُ عَنهُ فهم عَمَّا أَدْرَكته أُذُنه من الصَّوْت وَكَذَلِكَ ذهب إِلَى أَن رُؤْيَة تحدث لَهُ
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَذَا خطأ وَإِنَّمَا معنى ﴿وسيرى﴾ و ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ أَن المسموع والمبصر لم يخف على عَيْني وَلَا على سَمْعِي أَن أدْركهُ سمعا وبصرا لَا بالحوادث فِي الله جلّ وَعز وَمن ذهب إِلَى أَنه يحدث لَهُ اسْتِمَاع مَعَ حُدُوث المسموع وإبصار مَعَ حُدُوث المبصر فقد ادّعى على الله مَا لم يقل وَإِنَّمَا على الْعباد التَّسْلِيم كَمَا قَالَ وَأَنه عَالم سميع بَصِير وَلَا
стр. 101
يُرِيد مَا لم يكن وَإِنَّمَا معنى ﴿حَتَّى نعلم﴾ حَتَّى يكون الْمَعْلُوم وَكَذَلِكَ حَتَّى يكون المبصر والمسموع وَلَا يخفى على الله أَن يُعلمهُ مَوْجُودا وَيَرَاهُ مَوْجُودا ويسمعه مَوْجُودا بِغَيْر ١٠١ حُدُوث علم فِي الله جلّ وَعز وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا يَعْنِي حدوثا فِي ذَات الله جلّ الله عَن الْحَوَادِث فِي نَفسه وَتَعَالَى عَن البداوات فِي علمه وإرادته علوا كَبِيرا
الْعُلُوّ
وَكَذَلِكَ قَوْله جلّ وَعز ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وَقَالَ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ الْآيَة وَقَالَ لعيسى
стр. 102
عَلَيْهِ السَّلَام ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ وَقَالَ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿فَالَّذِينَ عِنْد رَبك يسبحون لَهُ﴾
وَذكر آلِهَة لَو كَانُوا لابتغوا إِلَى طلبه سَبِيلا حَيْثُ هُوَ فَقَالَ ﴿قل لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ وَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَلَنْ ينْسَخ ذَلِك أبدا فَإِذا تَلَوت مَا يكون كَأَنَّهُ نسخ أَو خلاف الظَّاهِر فَاعْلَم أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ وَلَا بمضاد لهَذَا وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ الْآيَة فَلَيْسَ بناسخ وَلَا ذَلِك نَاسخ لهَذَا وَلَا هَذَا ضد ذَلِك وَلَكِن معنى ذَلِك غير معنى هَذَا
هَذِه الْآيَة مَعْنَاهَا أَن الله جلّ وَعز لم يرد الْكَوْن بِذَاتِهِ
стр. 103
فِي أَسْفَل الْأَشْيَاء وينتقل فِيهَا لانتقالها وينهض فِيهَا على أقدارها وَيَزُول عَنْهَا عِنْد فنائها جلّ مَوْلَانَا وَتَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
وَقد ادّعى بعض أهل الضلال فزعموا أَن الله جلّ وَعز فِي كل مَكَان بِنَفسِهِ كَائِنا كَمَا هُوَ على الْعَرْش لَا فرق بَين ذَلِك عِنْدهم ثمَّ أجابوا فِي النَّفْي بعد تثبيت مَا يجوز عَلَيْهِم فِي قَوْلهم مَا نفوا لِأَن كل من أثبت شَيْئا فِي الْمَعْنى ثمَّ نَفَاهُ بالْقَوْل لم يغن عَنهُ نَفْيه بِلِسَانِهِ وَقد تدين لما يلْزمه فِي الْمَعْنى بِمَا نفى كالنصارى زعمت أَنهم يعْبدُونَ ثَلَاثَة وَأَن ذَلِك لَيْسَ بشرك وَأَن معنى الثَّلَاثَة معنى وَاحِد فَلم يغن عَنْهُم نفيهم الشّرك بقَوْلهمْ وَقد دانوا بِهِ فِي الْمَعْنى وَكَذَلِكَ جَمِيع أهل الضلال ينفون الْكفْر ويتبرؤون مِنْهُ وهم كافرون
كَذَلِك جَمِيع أهل الْبدع ينفون الْبدع بقَوْلهمْ ويتبرؤون
стр. 104
مِنْهَا وَقد خالفوا مَا دانوا الله ﵎ بهَا وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فِي نفيهم بعد تثبيتهم معنى مَا نفوا فاحتجوا بِهَذِهِ الْآيَة أَن الله فِي كل شَيْء بِنَفسِهِ كَائِنا ثمَّ نفوا معنى مَا ثبتوا فَقَالُوا لَا كالشيء فِي الشَّيْء فأحالوا لِأَن مَا كَانَ فِي الْأَشْيَاء فَهُوَ كالشيء وَإِن نفوه بألسنتهم
قلت فَبين لي معن ذَلِك كُله قَالَ أما معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يعلم﴾ ﴿وسيرى الله﴾ ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ حَتَّى يكون الْمَوْجُود فنعلمه مَوْجُودا ونسمعه مسموعا وتبصره مبصرا لَا على استحداث علم وَلَا سمع وَلَا بصر وَأما قَوْله ﴿إِذا أردناه﴾ فَمَعْنَاه إِذا جَاءَ وَقت كَون المُرَاد فِيهِ
وَأما قَوْله ﴿على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ و ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ ﴿إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش﴾ فَهَذِهِ وَغَيرهَا مثل قَوْله ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم﴾ وَقَوله ﴿ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم﴾ فَهَذَا
стр. 105
مقطع يُوجب أَنه فَوق الْعَرْش فَوق الْأَشْيَاء منزه عَن الدُّخُول فِي خلقه لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُم خافية لِأَنَّهُ أبان فِي هَذِه الْآيَات أَن ذَاته بِنَفسِهِ فَوق عباده لِأَنَّهُ قَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ يَعْنِي فَوق الْعَرْش وَالْعرش على السَّمَاء لِأَن من كَانَ فَوق شَيْء على السَّمَاء فَهُوَ فِي السَّمَاء وَقد قَالَ مثل ذَلِك ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي على الأَرْض لَا يُرِيد الدُّخُول ١٠٢ فِي جوفها وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ يَعْنِي فَوْقهَا وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ ثمَّ فصل فَقَالَ ﴿أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ وَلم يصله بِمَعْنى فيشتبه ذَلِك فَلم يكن لذَلِك معنى إِذْ فصل بقوله ﴿فِي السَّمَاء﴾ ثمَّ اسْتَأْنف التخويف بالخسف إِلَّا أَنه على الْعَرْش فَوق السَّمَاء وَقَالَ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾
стр. 106
فَبين عروج الْأَمر وعروج الْمَلَائِكَة ثمَّ وصف صعودها بالارتفاع صاعدة إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾
وَقَالَ ﴿ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره﴾ مِقْدَار صعودها وفصله من قَوْله إِلَيْهِ كَقَوْل الْقَائِل صعدت إِلَى فلَان فِي يَوْم أَو فِي لَيْلَة وَإِن صعودك إِلَيْهِ فِي يَوْم فَإِذا صعدوا إِلَى الْعَرْش فقد صعدوا إِلَى الله جلّ وَعز وَإِن كَانُوا لم يروه وَلم يساووه فِي الِارْتفَاع فِي علوه فَإِنَّهُم قد صعدوا من الأَرْض وعرجوا بِالْأَمر إِلَى الْعُلُوّ الَّذِي لله فَوْقه
وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾
وَكَلَام الْمَلَائِكَة أَكثر وَأطيب من كَلَام الْآدَمِيّين فَلم يقل ينزل إِلَيْهِ الْكَلم الطّيب
وَقَالَ عَن عِيسَى ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ وَلم يقل عِنْده وَقَالَ عَن فِرْعَوْن ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾
стр. 107
ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ فِيمَا قَالَ لي إِنَّه فِي السَّمَاء فَطَلَبه حَيْثُ قَالَ لَهُ مُوسَى مَعَ الظَّن مِنْهُ بمُوسَى ﵇ انه كَاذِب وَلَو أَن مُوسَى ﵇ أخبرهُ أَنه فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ لطلبه فِي الأَرْض أَو فِي بَيته وبدنه وَلم يتعز ببنيان الصرح
وَأما الْآيَات الْأُخَر الَّتِي نزعوا بهَا فقد أبان الله جلّ وَعز فِي تلاوتها أَنه لَا يُرِيد أَنه كَائِن فِي الْأَشْيَاء بِنَفسِهِ إِذْ وَصلهَا وَلم يقطعهَا كَمَا قطع الْكَلَام الَّذِي أَرَادَ بِهِ كَونه فَوق عَرْشه فَقَالَ ﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ فَبَدَأَ بِالْعلمِ وَأخْبر أَنه مَعَ كل مناج حَيْثُ وجد وَختم الْآيَة بِالْعلمِ وَقَالَ ﴿أَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَبَدَأَ بِالْعلمِ وَختم بِالْعلمِ فَبين أَنه أَرَادَ أَنه يعلمهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا لَا يخفون عَلَيْهِ وَلَا يخفى عَلَيْهِ مناجاتهم تفردوا أَو اجْتَمعُوا
وَلَو اجْتمع قوم فِي السّفل وناظر إِلَيْهِم فِي الْعُلُوّ وَيسمع كَلَامهم فَقَالَ إِنِّي لم أزل مَعكُمْ أَرَاكُم وَأعلم
стр. 108
مناجاتكم كَانَ صَادِقا وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى عَن شبه الْخلق
وَقد روى ابْن مَسْعُود مَا يدل على ذَلِك فَقَالَ اجْتمع ثَلَاثَة نفر عِنْد الْكَعْبَة فَقَالَ أحدهم أَتَرَوْنَ أَن الله يسمع مَا نقُول فَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ يسمع إِذا جهرنا فَإِنَّهُ يسمع إِذا أخفينا فَأنْزل الله ﴿وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم﴾ الْآيَة فَإِن أَبَوا إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة وَقَالُوا هَذَا دَعْوَى خَرجُوا من قَوْلهم فِي ظَاهر التِّلَاوَة لِأَن مَوضِع الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل من ذَلِك الْوَاحِد فَهُوَ مَعَهم لَا فيهم وَمَا كَانَ مَعَ الشَّيْء فقد خلا جِسْمه مِنْهُ وَبَان كل وَاحِد مِنْهُمَا بِنَفسِهِ عَن الآخر وَهَذَا خُرُوج عَن قَوْلهم لِأَن عِنْدهم لَا يَخْلُو من الله سُبْحَانَهُ شَيْء أَن يكون فِيهِ بِنَفسِهِ فقد تركُوا قَوْلهم على ظَاهر التِّلَاوَة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿مَعَهم﴾ وَلم يقل ﴿فيهم﴾
стр. 109
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ فقد بَين مَا أَرَادَ بذلك فَقَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ أَي بِعِلْمِهِ فَتكون الْإِحَاطَة بِالْعلمِ أقرب من عرق قلبه الْمُتَّصِل بِقَلْبِه فَإِن أَبَوا إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة فَإِن مَا قرب من الشَّيْء لَيْسَ هُوَ فِي الشَّيْء وَأقرب مَا يكون مِنْهُ أَن يلازمه وَلم يقل إِنِّي فِيكُم وَلَا إِنِّي فِي حَبل الوريد وَلَا أَنِّي أقرب فِيكُم من حَبل الوريد لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي حَبل الوريد صَار حَبل الوريد أقرب إِلَيْنَا لِأَن مَا كَانَ فِيهِ شَيْء فقد ١٠٣ حواه وَآخر حواه وَهُوَ دونه كَالرّجلِ يكون فِي بَيت دَار فجدار الْبَيْت أقرب إِلَى الدَّار مِمَّن هُوَ فِي الْبَيْت وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لَكَانَ آخر حَبل الوريد أقرب إِلَى قُلُوبنَا مِنْهُ ومحال أَن يكون مَا فِي الوريد أقرب إِلَى الْجِسْم من حَبل الوريد وَإِنَّمَا يكون أقرب إِلَى الْجِسْم من حَبل الوريد إِذا لم يكن فِي حَبل الوريد وَكَانَ خَارِجا
стр. 110
مِنْهُ أَو كَانَ بعضه فِي حَبل الوريد وَبَعضه خَارِجا مِنْهُ إِلَى الْجِسْم فَذَلِك التَّبْعِيض فَفِي ظَاهر التِّلَاوَة على دَعوَاهُم مَا يدل أَنه لَيْسَ فِي حَبل الوريد كُله وَإِنَّمَا يدل على أَنه إِمَّا خَارج مِنْهُ أَو بعضه خَارج مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ فَلم يقل فِي السَّمَاء ثمَّ قطع كَمَا قَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ فَقَالَ ﴿فِي السَّمَاء إِلَه﴾ فَأخْبر أَنه إِلَه أهل السَّمَاء وإله أهل الأَرْض
وَذَلِكَ مَوْجُود فِي اللُّغَة إِذْ يَقُول الْقَائِل من بخراسان فَيُقَال ابْن طَاهِر وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع فجايز أَن يُقَال ابْن طَاهِر أَمِير فِي خُرَاسَان فَيكون أَمِيرا فِي بَلخ وسمرقند وكل مدنها هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع وَاحِد يخفى عَلَيْهِ مَا وَرَاء بَيته وَلَو كَانَ على ظَاهر اللَّفْظ وَفِي معنى الْكَوْن مَا جَازَ أَن يُقَال أَمِير فِي الْبَلَد
следующие страницы →