Полный текст (257 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قد بَين قد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر
وأبى أَكثر الْعلمَاء وَقَالُوا إِنَّمَا أَرَادَ مَا يفعل بِي وَلَا بكم مَا أَدْرِي مَا أومر بِهِ أَنا وَأَنْتُم
وَكَذَلِكَ ﴿إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾
حَدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ نزلت على النَّبِي ﵇ ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ بَين مَكَّة وَالْحُدَيْبِيَة
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا عَنى بذلك مَا أَدْرِي أَن يحدث من أَمر أَو حكم فِي وَفِيكُمْ
وَالْعُلَمَاء على أَنَّهَا مَنْسُوخَة
وَنسخ قَوْله ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ وَقَوله ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ بقوله عز وَجل
стр. 212
﴿إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول﴾ نسخ الله ذَلِك بقوله ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم﴾ فقسم الله لَهُنَّ الْمِيرَاث وَنسخ الْوَصِيَّة لَهُنَّ وَقَالَ بعض الْعلمَاء نسخه الله بقول النَّبِي ﵇ لَا وَصِيَّة لوَارث وَنسخ مَا كَانَ عَلَيْهَا من الْعدة إِلَى الْحول بقوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾
وَقَالَ بَعضهم لم يُوجب الله الْعدة فِي الْحول إِنَّمَا كَانَ أَبَاحَ لَهَا الْوَصِيَّة إِذا كَانَت من الزَّوْج على أَن تسكن إِلَى الْحول فنسخها بِالْمِيرَاثِ
وَكَذَلِكَ قَوْله عز من قَائِل ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ فَقَامَ النَّبِي ﵇ وَأَصْحَابه حولا
стр. 213
كَامِلا حَتَّى تورمت أَقْدَامهم فنسخها الله جلّ ثَنَاؤُهُ بقوله ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِذا نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ فنسخها بقوله ﴿فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين﴾ نسخهَا الله فَاخْتَلَفُوا
فَمنهمْ من قَالَ بآيَات الْمَوَارِيث وَمِنْهُم من قَالَ بقول النَّبِي ﵇ ﴿لَا وَصِيَّة لوَارث﴾ وَقَالَ بعض من يتفقه لم تجب قطّ فتنسخ إِنَّمَا عَنى الله جلّ ذكره بقوله ﴿للْوَالِدين والأقربين﴾ العبيد وَالْكفَّار
стр. 214
من الأخوان ١٢٤ الَّذين لَا يَرِثُونَ فَالْوَصِيَّة لَهُم جَائِزَة على حَالهَا لم تنسخ وَلم يقل هَذَا القَوْل أحد مِمَّن مضى
وَقَالَ بعض التَّابِعين نسخ مِنْهَا كل من يَرث وَبَقِي مِنْهَا الْقَرَابَة الَّذين لَا يَرِثُونَ فَالْوَصِيَّة لَهُم وَاجِبَة إِلَّا أَنهم مجمعون أَن الْوَصِيَّة لَا تجوز إِلَّا للأقربين الَّذين لَا يَرِثُونَ وَلَا تجوز لمن يَرث
وَكَذَلِكَ الْخمر نسخ قَوْله ﴿فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ وَلم يحرمها وَنسخ من قَوْله ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فنسخ ذَلِك بقوله ﴿فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
стр. 215
نسخ الله بهَا صلَاته إِلَى بَيت الْمُقَدّس
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿لَا يفقهُونَ﴾ فَكتب عَلَيْهِم بِهَذِهِ الْآيَة أَلا يفر وَاحِد من عشرَة وَلَا قوم من عشرَة أمثالهم ووعد النَّصْر أَن ينصر الْوَاحِد على الْعشْرَة وَالْقَوْم على عشرَة أمثالهم إِن صَبَرُوا فجبنوا عَن ذَلِك وضعفوا عَنهُ فنسخ الله ذَلِك وخفف عَنْهُم وَرفع عَنْهُم من ضَمَانه لنصرهم على قدر مَا خفف عَلَيْهِم فِي الْآيَة الناسخة فَأنْزل الله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾ إِلَى قَوْله ﴿بِإِذن الله﴾ فَوَجَبَ عَلَيْهِم أَلا يفر الرجل من الرجلَيْن وَلَا الْقَوْم من مثلهم ووعدوا أَن ينصر الْوَاحِد على الِاثْنَيْنِ وَالْقَوْم على مثليهم إِذا صَبَرُوا
وَنسخ قَوْله ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا﴾ بقوله عز من قَائِل ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ إِلَى قَوْله ﴿صاغرون﴾
стр. 216
وَنسخ قَوْله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ بقوله ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ فَلم تزل الْأمة مجمعة أَن نِكَاح نسَاء أهل الْكتاب حَلَال إِلَّا ابْن عمر فَإِنَّهُ كرهه وَكَرِهَهُ عمر وَغَيره بِغَيْر التَّحْرِيم خوفًا أَن تكون الذِّمِّيَّة لَيست بعفيفة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تحلوا شَعَائِر الله وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام يَبْتَغُونَ فضلا من رَبهم﴾ فنسخه بقوله ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾
стр. 217
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ نسخه بقوله ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ فأجلهم أَرْبَعَة أشهر يسيحون فِي الأَرْض بَقِيَّة عَهدهم وآذنهم بِالْحَرْبِ بعد انْقِضَاء الْأَرْبَعَة أشهر
وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَأجل الَّذين لَيْسَ لَهُم عهد خمسين لَيْلَة انسلاخ الْأَشْهر الْحرم يسيحون فِيهِ حَيْثُ شاؤا
وَقَالَ ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم﴾ قَالَ فَأَمرهمْ الله إِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم أَن يضع السَّيْف فِيمَن عَاهَدَ إِن لم يدخلُوا فِي الْإِسْلَام وَنقض مَا سمى لَهُم من الْعَهْد والميثاق أذهب الشَّرْط الأول ثمَّ قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ يَعْنِي أهل مَكَّة ﴿فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ فَأرْسل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 218
أَبَا بكر وعليا ﵄ فأذنوا لأَصْحَاب الْعَهْد أَن يأمنوا أَرْبَعَة أشهر وَهِي الْأَشْهر الْحرم وَلَا عهد لَهُم
قَالَ وَهِي الْحرم من أجل أَنهم أمنُوا فِيهَا حَتَّى يَسِيحُوا فِيهَا فَأذن للنَّاس كلهم إِن لم يُؤمنُوا فنسخ الله جلّ ذكره بِبَرَاءَة فِي قَوْله ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَمَا جعل الله لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ وَنسخت قَوْله ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين وَلم يخرجوكم من دِيَاركُمْ أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم﴾ فنسخ ذَلِك كُله بِبَرَاءَة
وَقَالَ الله ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ فأوجبت هَذِه الْآيَة على الْأمة الْجِهَاد وَقَالَ ابْن عَبَّاس فنسخها قَوْله ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فتنفر طَائِفَة وتمكث طَائِفَة مَعَ النَّبِي ﵇ والماكثون
стр. 219
يتفقهون فِي الدّين وينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم من الْغَزْو وَبِمَا أنزل الله وَكتابه وحدوده ١٢٥ وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَن السَّرَايَا هِيَ الَّتِي ترجع فيتعلمون من القاعدين مَعَ النَّبِي ﵇
وَأمر الْأَنْفَال إِذا جمعت الْغَنَائِم بِغَيْر مبادرة وَلَا نفل بِشَرْط قبل الْخُرُوج وَلَكِن الْغَنَائِم الَّتِي كَانَت لرَسُول الله ﷺ خَاصَّة قَالَ ابْن عَبَّاس فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول﴾ وَكَانَت لرَسُول الله ﷺ لَيْسَ لأحد فِيهَا شَيْء ثمَّ أنزل الله بعد ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه﴾ الْآيَة فقسم الله الْخمس الَّذِي كَانَ للنَّبِي ﵇ خَاصَّة ينفل مِنْهُ على خَمْسَة أَخْمَاس وَجعل الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس الْبَاقِيَة لمن شهد الْوَقْعَة
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ كَانَ الرجل يحالف الرجل بقول ترثني وأرثك ويرضيان بذلك ويتعاقدان وعَلى ذَلِك
стр. 220
ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن الْمسيب نزلت فِي الأدعياء كَانُوا رجَالًا يتبنون رجَالًا يرثونهم
وأجمعت الْأمة أَن الله نسخ مِيرَاث الحلفاء والأدعياء بقوله ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله من الْمُؤمنِينَ والمهاجرين إِلَّا أَن تَفعلُوا إِلَى أوليائكم مَعْرُوفا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَّا أَن يصلوا أولياؤهم الَّذين عاقدوهم وَصِيَّة لَهُم
قَالَ ابْن الْمسيب فَجعل للأدعياء الْوَصِيَّة وَنسخ مِيرَاث الأدعياء
وَحدثنَا شُرَيْح قَالَ حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ ثمَّ نسخ ذَلِك بِالْمِيرَاثِ
وَأنزل ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيرا﴾ فتحرج قوم من مُخَالطَة الْيَتَامَى وَشَكوا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالُوا إِنَّا نخلط طعامهم بِطَعَامِنَا فَأنْزل الله ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾
стр. 221
فَقَالَت الْعلمَاء إِن الله نسخ التَّشْدِيد عَلَيْهِم بِالرُّخْصَةِ فِي المخالطة على غير تعمد لظلم كَمَا يصنع الْمُسلمُونَ فِي أسفارهم وَقد يُصِيب بَعضهم من الْغذَاء أَكثر من بعض وَرخّص الله لَهُم فِي ذَلِك على المخالطة من غير تعمد لظلم شَيْء من مَاله بِعَيْنِه
الْبَاب الرَّابِع عشر اخْتلفُوا فِيهِ أمنسوخ هُوَ أم اسْتثِْنَاء خُصُوص من عُمُوم كَقَوْلِه ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ فَأَجْمعُوا أَنه أسقط الْفسق بِالتَّوْبَةِ فَقَالَ بَعضهم نسخه وَقَالَ بَعضهم لم يردهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ من لم يتب
فَقَالَ بَعضهم لم يرد للتائب فِي ترك قبُول الشَّهَادَة ثمَّ اخْتلفُوا فِي الشَّهَادَة
وَقَالَ بَعضهم نسخ الشَّهَادَة وَالْفِسْق بِالتَّوْبَةِ
فَقَالَ مَالك ﵀ ومتبعوه إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته
وَقَالَ أهل الْعرَاق لَا تقبل شَهَادَته أبدا تَابَ أم لم يتب
стр. 222
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يستأذنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَقَالَ قوم نزلت فِي الْمُنَافِقين وعفور الْمُؤمنِينَ وَقَالَ ابْن عَبَّاس نسختها ﴿وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر جَامع لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم واستغفر لَهُم الله﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَو صديقكم﴾
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لما نزلت ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قَالُوا لَا يحل لنا أَن نَأْكُل عِنْد أحد فَأنْزل الله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ الْآيَة وَقَالَ مُجَاهِد نَحْو ذَلِك
وَقَالَ عبد الله بن عبيد الله تحرجوا بعد الْإِذْن وَقَالُوا لم تحد لنا
стр. 223
وَقَالَ عِكْرِمَة نَحْو ذَلِك حدث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن عتبَة وَابْن الْمسيب أَنه كَانَ رجال من أهل الْعلم يحدثُونَ أَنما نزلت هَذِه الْآيَة بقول الله ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ الْآيَة كلهَا أَن الْمُسلمين كَانُوا يرغبون ١٢٦ فِي النفير مَعَ رَسُول الله ﷺ فيعطون مفاتيحهم ضمناءهم وَيَقُولُونَ لَهُم قد أَحللنَا لكم أَن تَأْكُلُوا مِمَّا فِي بُيُوتنَا فَيَقُول الَّذين استودعوهم وَالله مَا يحل لنا مَا فِي بُيُوتهم وَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَة أَو ثمن حَتَّى أنزل الله هَذِه الْآيَة فطابت أنفسهم بِمَا أحل الله وَنسخت قَوْله ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس
وَذهب قوم أَن الله جلّ ذكره أحل لَهُم طَعَام من
стр. 224
ذكر فِي الْآيَة بِغَيْر إذْنهمْ وَقَالُوا لَو كَانَ من بعد إِذْنه لهَؤُلَاء مَا كَانَ معنى خُصُوص إِذْ كَانَ يحل الطَّعَام لكل الْخلق عَن إِذْنه قَالَه قَتَادَة وَالْحسن
حَدثنَا يُونُس بن بشر عَن شَيبَان عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿أَو صديقكم﴾ قَالَ أحل لغير مواريثهم أَن يَأْكُلُوا من طعامهم
وَرَأى الْحسن من كَانَ لَا يَرث بِغَيْر إِذْنه فَقيل لَهُ فَقَالَ يَا لكع إقرأ ﴿أَو صديقكم﴾ وَالصديق من استراح إِلَيْهِ الْقلب
وَقَالَ قوم لم يرد الله أَن يحل لَهُم أَن يَأْكُلُوا بِإِذن وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَكِن الْأَعْرَج وَالْأَعْمَى وَالْمَرِيض لَا يُمكنهُم أَن يسْأَلُوا من الطَّعَام مَسْأَلَة الصَّحِيح فتحرج الْمُسلمُونَ لما نزلت هَذِه الْآيَة ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾
стр. 225
كَمَا توعد فِي أكل مَال الْيَتِيم فَقَالَ ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما﴾ فسألوا النَّبِي ﷺ فَأنْزل الله ﴿وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ الْآيَة وَقَالَ لُغَة الْعَرَب فِي ذَلِك جَائِزَة يُرِيد الْمَفْعُول بِهِ فيسمي الْفَاعِل وَأَرَادَ جلّ ذكره الْإِذْن فِي مخالطتهم فِي المواكلة فَسمى الْأَعْرَج وَالْأَعْمَى وَالْمَرِيض وَهُوَ يُرِيد من يخالطهم فَرخص لَهُم كَمَا رخص للنَّاس فِي أسفارهم إِذا سافروا وَبَعْضهمْ يُصِيب من الطَّعَام أَكثر من بعض
وَكَذَلِكَ قَوْله من قَائِل ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ نسخت قَوْله ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾
حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ نسخت قَوْله ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لم تنسخها وَلَكِن ﴿حق تُقَاته﴾ أَن يجاهدوا فِي الله حق جهاده وَلَا تأخذهم فِي الله لومة لائم ثمَّ أمروا أَن يقومُوا بِالْقِسْطِ وَلَو على أنفسهم وآبائهم
стр. 226
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﴿حق تُقَاته﴾ أَن يذكر فَلَا ينسى وَأَن يطاع فَلَا يعْصى وَأَن يشْكر فَلَا يكفر
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ الْآيَة
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن الله ﵎ أنزل بعد ذَلِك ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَحرم الْمَغْفِرَة على من تَابَ عِنْد الْمَوْت وَهُوَ كَافِر وأرجأ التَّوْبَة لأهل التَّوْحِيد إِلَى مَشِيئَته فَلم يوئسهم من الْمَغْفِرَة
وَقَالَ بَعضهم حرم التَّوْبَة على الْكَافِر والموحد الْمصر عِنْد الْمَوْت أَن يقبلهَا مِنْهُم ثمَّ نسخ من ذَلِك تَوْبَة الموحد فأطلقها لَهُ بقوله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾
وَقَالَ آخَرُونَ لم تنسخ وَلم يرد الله بهَا إِلَّا وَقت الغرغرة وَهُوَ وَقت مُعَاينَة الرُّسُل فَلَا تَوْبَة مَقْبُولَة بِإِيجَاب الْمَغْفِرَة لِأَنَّهُ قد عاين وآمن الْكَافِر
стр. 227
وَتَابَ الموحد الْمصر ضَرُورَة بِمَا عاين من أَعْلَام الْآخِرَة فارتفعت المحنة وَزَالَ الْبلوى والاختبار وَالتَّوْبَة مبسوطة لضمان الْمَغْفِرَة لكل مذنب كَافِر أَو مُؤمن مَا لم يُغَرْغر
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ قَالَ التَّوْبَة مَقْبُولَة مَا لم يُغَرْغر فَإِذا غرغر لم تقبل مغْفرَة وَرُوِيَ إِن تَابَ قبل مَوته بفواق نَاقَة يَعْنِي مَا بَين الحلبتين
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم مَا لم يُؤْخَذ بكظمه فالتوبة مَقْبُولَة مَا لم يُغَرْغر فَإِذا غرغر لم يغْفر للْكَافِرِ ذنُوبه إِذا تَابَ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلم تقبل التَّوْبَة من الموحد لضمان الْمَغْفِرَة وَكَانَ كمن مَاتَ من الْمُوَحِّدين وَلم يتب فأرجاه الله للمغفرة إِن شَاءَ الله رَحمَه بفضله أَو يعذبه بِمَا اسْتحق وَوَجَب لَهُ بعدله
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ﴾ فَقَالَ بَعضهم نسخ ذَلِك فِي آخر الزَّمَان إِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا فَقَالَ ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا﴾ الْآيَة
стр. 228
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا أَرَادَ الْكَافرين لَا الْمُؤمنِينَ
الْبَاب الْخَامِس عشر وَمِمَّا اخْتلفُوا أَنه مَنْسُوخ وَلَا يجوز عِنْد أهل النّظر أَن يكون الْكتاب وَالسّنة مَنْسُوخا من ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾
شُرَيْح عَن الْكَلْبِيّ أَنه قَالَ نسختها ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَهَذَا لَا يحل لأحد أَن يَظُنّهُ دون أَن يقطع بِهِ أَن الله جلّ ذكره إِنَّمَا عَنى فِي الْآيَة الأولى عَذَاب الْمَلَائِكَة وَعِيسَى وَغَيره من وليائه فَأخْبر عباده أَن يعذبهم ثمَّ نسخ من ذَلِك خَصْلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَن الله جلّ ذكره لم يرد عَذَاب أوليائه قطّ بذلك لِأَنَّهُ مَا زَالَ يُرِيد أَن لَا يعذبهم
وَالثَّانيَِة أَنه كَانَ تقدم من الله فِي الْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة وَفِي عُزَيْر أَخْبَار أَنهم من أهل الْجنَّة قبل نزُول هَذِه الْآيَة وَلَا جَائِز أَن يكذب الله خَبره
стр. 229
الأول وَإِنَّمَا حَاج النَّبِي ﷺ ابْن الزبعري لما علم أَن النَّبِي ﷺ قد أنزل عَلَيْهِ قبل ذَلِك فِي الْمَلَائِكَة والمسيح وعزير أَنهم أولياؤه فَأَرَادَ أَن يكذب النَّبِي ﵇ وَلم يتَقَدَّم من الله جلّ ذكره فِي الْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة أَخْبَار فِي أوليائه مَا كَانَ الله ليخبر بعذابهم ثمَّ نسخه بقوله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾
فَمن زعم أَن الله جلّ ذكره نسخ خَبره فقد وصف الله سُبْحَانَهُ بِالْكَذِبِ
وَقَوله فِي الْمَلَائِكَة قَول الله جلّ وَعز ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض﴾ ثمَّ نسخهَا ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك﴾ فَزعم أَن الْمَلَائِكَة استغفرت أَولا للْمُشْرِكين وَهَذَا كذب لِأَن الله جلّ وَعز يَقُول ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾
стр. 230
وَلم يكن الْمَلَائِكَة يشفعون لمن فِي الأَرْض مِمَّن قد علمُوا أَن الله لَا يغْفر لَهُ أبدا
وَقَوله ﴿لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ الْآيَة و ﴿قل مَا سألتكم من أجر﴾ نسختها ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ الْآيَة قد أجد الله اسْتثْنى لَهُم الْمَوَدَّة وَأَعُوذ بِاللَّه أَن يكون الله جلّ ذكره أَرَادَ أَن الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى أجر لَهُ على دُعَائِهِ إِلَيْهِ وَلَكِن قَوْله ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا﴾ مُنْقَطع ثمَّ اسْتَأْنف هَذَا تسميه الْعَرَب اسْتثِْنَاء الْخلف وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِئْنَاف
وَمن ذهب إِلَى مَوَدَّة الْقَرَابَة فَأَرَادَ أَن يذكرهم حق الرَّحِم فَلَا يُؤْذى
وَمن ذهب إِلَى الْمَوَدَّة فِي الدّين فَأَرَادَ أَن يودوا الله بِطَاعَتِهِ
стр. 231
الْقسم السَّابِع
فِي أساليب الْقُرْآن ﷺ َ - بَاب التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
وَمِمَّا كلم الله جلّ ذكره بِهِ عباده مقدم ومؤخر لِأَن الْعَرَب قد كَانَت تفعل ذَلِك فِي تراجعها بَينهَا ومخاطبتها قبل أَن ينزل الْكتاب على نبيه ﵇
فَمن ذَلِك قَوْله ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ فَبَدَأَ بِالْعَذَابِ قبل النّذر وَكَانَ قبل الْعَذَاب لِأَن الله جلّ اسْمه يَقُول ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون ذكرى﴾
وَقَالَ فِي عِقَاب الْأُمَم ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذرين﴾ فَأخْبر أَنهم أنذروا فَلَمَّا كذبُوا كَانَ آخر أَمرهم الْعَذَاب وَقَالَ تَعَالَى ﴿فسَاء صباح الْمُنْذرين﴾ غير أَن الْعَذَاب صبحهمْ بِمَا نقمهم إِذْ أنذروا فَلم يُؤمنُوا وَإِن كَانَت قد قدم فِي التَّنْزِيل الْعَذَاب قبل النّذر فَإِنَّهُ بَدَأَ فَأخْبر أَنه أَنْذرهُمْ قبل أَن يعذبهم ثمَّ قَالَ فِي عقب
стр. 232
ذَلِك ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ فَقَالَ ﴿كذبت قوم لوط بِالنذرِ﴾ ﴿كذبت ثَمُود﴾ ﴿كذبت قوم لوط الْمُرْسلين﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾ وَقَالَ ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ فَبَدَأَ فِي التَّنْزِيل بِالْوَصِيَّةِ قبل الدّين وَقضى النَّبِي ﵇ بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة
وَالْأمة مجمعة أَلا وَصِيَّة إِلَّا فِيمَا فضل من بعد قَضَاء الدّين وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ إِنَّكُم تقرءون ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ ١٢٨ وَإِن النَّبِي ﵇ قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة وَلَوْلَا سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 233
لَكَانَ على الْعباد أَن يبدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ الْوَصِيَّة قبل الدّين كَمَا قَالَ ﴿ارْكَعُوا واسجدوا﴾
وَقَالَ ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ فَقَالَ النَّبِي ﷺ نبدأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ ثمَّ قَامَ على الصَّفَا
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ فقرئ فِي ظَاهر التَّنْزِيل أَن الله حَسبه وَالْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا حَسبك الله وَحسب من اتبعك من الْمُؤمنِينَ الله
وَكَذَلِكَ ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ معنى يرْضوا رَسُوله
وَكَذَلِكَ ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا وأخرجت الأَرْض أثقالها وَقَالَ الْإِنْسَان مَا لَهَا﴾ وَلم يبن مَا أَرَادَ بقوله ﴿مَا لَهَا﴾ وَلَا أبان مَا أُصِيب بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي ظَاهر التِّلَاوَة وَقَالَ الْإِنْسَان يَوْمئِذٍ مَالهَا تحدث
стр. 234
أَخْبَارهَا قيل لَهُ إِن رَبك أوحى لَهَا وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل قَالَ فلَان مَالك يَوْمئِذٍ وَإِنَّمَا يُرِيد قَالَ فلَان يَوْمئِذٍ مَالك وَهُوَ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَفِي بعضه إِضْمَار وَهُوَ قيل ﴿بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾
وَقَوله ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾
وَمن ذَلِك قَوْله ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان﴾ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا فقاتل فِي سَبِيل الله لَا تكلّف إِلَّا نَفسك﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِن مِنْكُم لمن ليبطئن فَإِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قَالَ قد أنعم الله عَليّ إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله ليَقُولن كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾
стр. 235
فَهَذَا مقدم ومؤخر وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَلَئِن أَصَابَتْكُم مُصِيبَة ليَقُولن قد أنعم الله عَليّ إِذْ لم أكن مَعَهم شَهِيدا كَأَن لم تكن بَيْنكُم وَبَينه مَوَدَّة حِين قَالَ هَذَا القَوْل وَلَئِن أَصَابَكُم فضل من الله ليَقُولن يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ هُوَ أعلم بِاللَّه من أَن يبْدَأ باسم سُلَيْمَان قبل اسْم الله وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْكتاب جَاءَنِي من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَأخْبرت مِمَّن الْكتاب وَأَن أول صدر الْكتاب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بَدَأَ باسم الله قبل اسْمه وَقد كَانَ النَّبِي ﵇ أَولا يكْتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَلَمَّا نزلت ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَكتب النَّبِي ﵇ بعد ذَلِك فَبَدَأَ باسم الله فَدلَّ بذلك أَنه اتبع مَا أخبر الله عَن سُلَيْمَان فَهَذَا دَلِيل قَوْله
стр. 236
﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ وَإنَّهُ مقدم ومؤخر لِأَن الله يَقُول لنَبيه ﵇ ﴿فبهداهم اقتده﴾
وَلم تزل كتب الْأَئِمَّة الْعُدُول وعلماء الْأمة إِلَى عصرنا هَذَا يبْدَأ باسم الله أول كتبهمْ
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَهُم غرف من فَوْقهَا غرف مَبْنِيَّة﴾ مقدم ومؤخر وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَهُم غرف مَبْنِيَّة من فَوْقهَا غرف وَكَذَلِكَ فَسرهَا أهل التَّفْسِير
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ألم تَرَ أَن الله يزجي سحابا ثمَّ يؤلف بَينه ثمَّ يَجعله ركاما﴾ مقدما ومؤخرا إِنَّمَا هُوَ ﴿ألم تَرَ أَن الله يزجي سحابا ثمَّ يؤلف بَينه ثمَّ يَجعله ركاما﴾ لِأَن الأركام لَا تؤلف بالاستواء إِنَّمَا يَجْعَل بعضه فَوق بعض ثمَّ يبسطه مؤلفا
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿قل هَل أنبئكم بشر من ذَلِك مثوبة عِنْد الله من لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت﴾ الْآيَة
стр. 237
وَكَذَلِكَ ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ وخروا لَهُ سجدا وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش إِنَّمَا الْعَرْش سَرِير يُوسُف ﵇ فَلم يرفعهم على السرير ثمَّ سجدوا لَهُ إِنَّمَا سجدوا لَهُ تَحِيَّة وإكراما لَا عبَادَة لَهُ ثمَّ رفعهما على سَرِيره بَعْدَمَا سجدوا لَهُ وأجلسهم مَعَه على فرَاشه كَذَلِك فَسرهَا الْمُفَسِّرُونَ
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ الْآيَة إِنَّمَا مَعْنَاهُ وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم كَمَا أنزلنَا على المقتسمين الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعلمُونَ لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم وَلَا تحزن عَلَيْهِم وأخفض جناحك للْمُؤْمِنين وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر وَأعْرض عَن الْمُشْركين
وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وبرزوا لله الْوَاحِد القهار وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد﴾
стр. 238
إِنَّمَا مَعْنَاهُ ﴿وبرزوا لله الْوَاحِد القهار وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وُجُوههم النَّار ليجزي الله كل نفس مَا كسبت إِن الله سريع الْحساب﴾ الْآيَة
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ سيؤتينا الله من فَضله ويؤتينا رَسُوله من فَضله فالفضل لله وَحده
وَكَقَوْلِه ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن يغسلوا وُجُوههم قبل أَن يقومُوا إِلَى الصَّلَاة ثمَّ يقومُوا إِلَيْهَا فَقَالَ بَعضهم يَعْنِي إِذا قُمْتُم من النّوم
وَقَالَ ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ وقفوهم إِنَّهُم مسئولون ثمَّ اهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم
وَكَذَلِكَ ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ مقدم ومؤخر إِنَّمَا هُوَ فاستعذ بِاللَّه واقرإ
стр. 239
الْقُرْآن فَكَانَ مَعْنَاهُ فَإِذا استعذت بِاللَّه فاقرأ الْقُرْآن الْمَعْنى من الله جلّ ثَنَاؤُهُ إِذا أردْت أَن تقْرَأ فاستعذ قبل أَن تقْرَأ فَقدم الْقِرَاءَة قبل الِاسْتِعَاذَة
وَقَوله ﴿قل لَو أَنْتُم تَمْلِكُونَ خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي﴾ مقدم ومؤخر وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنى وَلَو تَمْلِكُونَ أَنْتُم خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي
وَقَوله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ مقدم نأت مِنْهَا بِخَير
وَقَوله ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ مَعْنَاهُ اذْهَبْ أَنْت فقاتل ويعينك رَبك وَلم يعنوا أَن يذهب الله فَيُقَاتل وَلَو كَانَ ذَلِك مَعْنَاهُ كفرُوا
وَقَوله ﴿من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ بِغَيْر فَسَاد
وَقَوله ﴿فريقا كذبُوا وفريقا يقتلُون﴾ مَعْنَاهُ
стр. 240
وفريقا يقتلُون فريقا كلا الْكَلِمَتَيْنِ مُقَدّمَة مؤخرة ﴿ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ﴾ مَعْنَاهُ يعدلُونَ برَبهمْ
﴿وَأجل مُسَمّى عِنْده﴾ مؤخرة وَعِنْده أجل مُسَمّى
وَقَوله تَعَالَى ﴿وعظهم وَقل لَهُم فِي أنفسهم قولا بليغا﴾ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وعظهم فِي أنفسهم وَقل لَهُم قولا بليغا
وَقَوله ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ مَعْنَاهُ خلق الْعجل من الْإِنْسَان وَهِي العجلة لِأَن آدم ﵇ أَرَادَ أَن يقوم قبل أَن تصير الرّوح إِلَى رجلَيْهِ فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ لِأَن الْعجل فعل الْإِنْسَان بَعْدَمَا خلق وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا﴾
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ إِنَّمَا هُوَ أَن الْعصبَة لتنوء بمفاتحه
стр. 241
وَقَوله ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ مَعْنَاهُ فَمَا الَّذِي صبرهم على النَّار
وَقَوله ﴿يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ مَعْنَاهُ ونقول ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ناكسو رؤوسهم عِنْد رَبهم رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا﴾ مَعْنَاهُ يَقُولُونَ رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا
وَقَالَ ﴿واسأل من أرسلنَا﴾ إِنَّمَا هُوَ واسأل من أرسلنَا إِلَيْهِم من قبلك
وَقَوله ﴿إِلَّا من شَاءَ أَن يتَّخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ مُضْمر مَعْنَاهُ إِلَّا أَنه من شَاءَ أَن يتَّخذ
وَقَوله ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ لَا عَدو لي ١٣٠
стр. 242
وَقَوله ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لنا﴾ مقدم مُؤخر مَا كَانَ لنا يَنْبَغِي
وَقَوله ﴿وغرابيب سود﴾ مقدم ومؤخر سود غرابيب لِأَنَّهُ يُقَال أسود غربيب ﷺ َ - بَاب الْإِضْمَار
وَقَالَ أَبُو عبد الله وَمن كَلَام الله ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم﴾ وَإِنَّمَا هُوَ حب الْعجل
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم﴾ إِنَّمَا هُوَ فَيَقُول لَهُم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ
وَقَوله ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أهل الْقرْيَة واسأل ﴿العير﴾ أَصْحَاب العير ﴿وَكم من قَرْيَة﴾
стр. 243
وَمن كَلَام الله الشَّيْء مُسَمّى باسم يُشبههُ لَا باسمه وَالْعرب تفعل ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء﴾ فَأَرَادَ المنعوق وَهِي الْغنم فَسمى الناعق وَهُوَ الصائح بالغنم
الْحُرُوف الزَّوَائِد
وَمن الْحُرُوف زَوَائِد فَمن ذَلِك ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ غير المغضوب عَلَيْهِم والضالين وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ﴾ من زَائِدَة إِنَّمَا هُوَ وَالَّذين قبلكُمْ
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ مَعْنَاهُ مَا مَنعك أَن تسْجد لَا من الزَّوَائِد تَأْكِيد لَا نفي
وَكَذَلِكَ ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا﴾ مَعْنَاهُ إِلَّا كَرَاهِيَة أَن تَقول الْعَرَب مَا عنْدك نفع وَلَا دفع
стр. 244
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا﴾ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن يضْرب مثلا بعوضة فَزَاد قَوْله مَا توكيدا
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فبمَا نقضهم﴾ مَا زَائِدَة مَعْنَاهُ فبنقضهم ميثاقهم
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ إِنَّمَا هُوَ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ إِنَّمَا هُوَ يغضوا أَبْصَارهم
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا وجدنَا لأكثرهم من عهد﴾ مَعْنَاهُ مَا وجدنَا لأكثرهم عهدا ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة﴾ مَعْنَاهُ وَقُلْنَا للْمَلَائكَة
стр. 245
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ مَعْنَاهُ وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
وَقَوله ﴿أَن ينزل عَلَيْكُم من خير من ربكُم﴾ مَعْنَاهُ خير ربكُم
وَقَوله ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين﴾ وَقَوله ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ ﴿وَإِذ علمتك﴾ ﴿وَإِذ أوحيت﴾ وَقَوله وَقَوله ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس﴾ تَقْرِير لَا اسْتِفْهَام على جهل ليعلمه كَقَوْل الرجل لعَبْدِهِ أفعلت كَذَا وَكَذَا يُرِيد تحذيره وَقَالَ جرير
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندي الْعَالمين بطُون رَاح
وَلَو كَانَ استفهاما مَا أعطَاهُ عبد الْملك على ذَلِك ماية نَاقَة برعاتها
стр. 246
﴿إِلَهَيْنِ﴾ اثْنَيْنِ إِذا أشرك فعل الذّكر مَعَ فعل الْأُنْثَى غلب فعل الذّكر وَقَالَ جلّ ذكره ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ مجرور بِالْبَاء وَهِي مُشْتَركَة بالْكلَام الأول من المغسول وَالْعرب تفعل ذَلِك هَذَا بالجوار للمعنى على الأول فَكَانَ مَوْضِعه واغسلوا أَرْجُلكُم
وَكَقَوْلِه ﴿يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين﴾ على مَوضِع الْمَنْصُوب الَّذِي قبله والظالمين لَا يدخلهم فِي رَحمته
قَوْله ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ وَاللَّفْظ الْوَاحِد والجميع عَنهُ هُوَ جنب وهم جنب وَأمر بِالْقِسْطِ والمعدلة
وَقَوله ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ لَا حرف زَائِد إِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا مَنعك أَن تسْجد
﴿وَكم من قَرْيَة أهلكناها﴾ ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾
стр. 247
﴿وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها﴾ يَعْنِي وَإِن من قَرْيَة نَحن مهلكوها
الْمفصل والموصول
وَأما الْمفصل والموصول فَإِن الله يَقُول ﴿وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل لَعَلَّهُم يتذكرون﴾
ففصل الْكَلِمَة من الْكَلِمَة إِذا انْفَرَدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِمَعْنى هُوَ الْمَعْنى الَّذِي فِي الْأُخْرَى وَكَانَ لَا يتم الْمَعْنى إِلَّا بتواصلهما جَمِيعًا
فَهُوَ موصل ومفصل من هَذِه الْجِهَة
وَهُوَ كُله مفصل من معنى آخر إِن الله جلّ ذكره بَينه كُله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فصلناه تَفْصِيلًا﴾
وَقَالَ عز من قَائِل ﴿أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير﴾
وَقَالَ ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾ ﴿وكل شَيْء فصلناه تَفْصِيلًا﴾ وَقَالَ ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون﴾
стр. 248
﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يفقهُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين﴾
فَأنْزل الله جلّ ثَنَاؤُهُ كِتَابه بِلِسَان الْعَرَب ليفهموا مَعَاني مَا أَرَادَ فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَوصف بِهِ نَفسه ووعده ووعيده وَجَمِيع مَا نزله فَقَالَ عز من قَائِل ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ وَكَلَام الْعَرَب لَهُ فُصُول ووصول ليبين بِهِ الْمعَانِي ويفصح بِهِ عَن المُرَاد فيصل الْكَلِمَة بِالْكَلِمَةِ إِذا كَانَت الْكَلِمَة الأولى لَا تبين عَن الْمَعْنى وَحدهَا ١٣١ حَتَّى تصل بهَا الْكَلِمَة الْأُخْرَى
لَو قَالَ قَائِل من لم يدر سامعه مَا يُرِيد حَتَّى يصلها من أَيْن جِئْت وَلَو قَالَ قلت لم يدر مَا قَالَ حَتَّى يَقُول كَذَا وَكَذَا وَلَو قَالَ أَحْمد لم يدر من
стр. 249
يُرِيد حَتَّى يَقُول النَّبِي ﵇ وَإِنِّي فلَان وَلَو قَالَ سَمِعت مَا درى سامعه مَا سمع حَتَّى يَقُول كَذَا وَكَذَا
وَمِنْه مفصل يتم الْمَعْنى بِالْكَلِمَةِ والكلمتين وَالثَّلَاث فَصَاعِدا فَيتم الْمَعْنى ثمَّ يُرِيد الْمُتَكَلّم أَن يسْتَأْنف كلَاما آخر يبين عَن معنى ثَان فَيقطع الْكَلَام الأول عِنْد تَمام الْمَعْنى ثمَّ يسْتَأْنف كلَاما آخر ثَانِيًا يتَبَيَّن عَن معنى ثَان لَا على الأول
لَو قَالَ قَائِل أَحْمد كريم ثمَّ أَرَادَ أَن يذم إِسْحَاق وَلَا يدْخلهُ فِي الْمَدْح بِالْكَرمِ فَقَالَ أَحْمد كريم وَإِسْحَاق لم يَدعه حَتَّى يصله
وَلَو قَالَ لي على فلَان ألف دِرْهَم ثمَّ أَرَادَ أَن يخبر أَن فلاما قد أوفاه فَقَالَ لي على فلَان ألف دِرْهَم وَفُلَان فَلَو سكت على قَوْله وَفُلَان كَانَ ادِّعَاء عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ألف دِرْهَم فَإِن قَالَ وَفُلَان قد أوفاني كَانَ فصل مَا بَينهمَا
وان ادّعى على الأول وَفصل الآخر مِنْهُ بِالْبَرَاءَةِ
стр. 250
لَهُ مِمَّا كَانَ لَهُ وَإِنَّمَا يفصل الثَّانِي من الأول بِأَن فصل الْكَلَام بِكَلَام ثَان تبين بِهِ معنى الثَّانِي من الأول كَقَوْلِه ذهبت أَنا وَفُلَان فَلَو سكت عَلَيْهِ كَانَ قد أخبر أَنَّهُمَا ذَهَبا جَمِيعًا فَإِن فَصله بِكَلَام مُسْتَقْبل أبان أَنه قد فصل الأول
ذهبت أَنا وَفُلَان لم يذهب معي فَلم يقف على فلَان فَيكون قد أخبر أَنه قد ذهب مَعَه ولكي يبين أَنه عطف اسْمه ليبين مَا قطعه عَن الذّهاب بِكَلَام يدْخلهُ بقوله وَفُلَان يخبر أَنه لم يذهب مَعَه وَأَنه هُوَ ذهب وَحده
وَكَذَلِكَ قَول الله جلّ ذكره يبين الْمَعْنى بِالْوَاو فَقَالَ ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى﴾ ففصل بَينهم
وَلَو قَالَ قَائِل إِن الَّذين آمنُوا وهادوا كَانَ قد فصل بَينهمَا
وَكَذَلِكَ قَوْله السَّمَاء وَالْأَرْض وَالذكر وَالْأُنْثَى
следующие страницы →