Полный текст (134 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَعَن مُجَاهِد: تكون الأَرْض كالفضة وَالسَّمَاوَات كَذَلِك.
وَعَن ابْن مَسْعُود تبدل الأَرْض أَرضًا بَيْضَاء كَأَنَّهَا سبيكة بَيْضَاء لم يسفك فِيهَا دم حرَام وَلم يعْمل فِيهَا خَطِيئَة
وَجَاء فِي تَبْدِيل الأَرْض رِوَايَات أُخْرَى مَذْكُورَة فِي التَّفْسِير وَكَذَا السَّمَاوَات كل ذَلِك فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ مِمَّا يجب الْإِيمَان بِهِ على من آمن بالرسول وَأَن يَقُول الْمُؤمن
﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾
وَلَيْسَ هَذَا من مَوْضُوع فن الْهَيْئَة فَإِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ على مَا تصل إِلَيْهِ يَد دلائلهم وَالله ولي التَّوْفِيق
стр. 72
سُورَة الْحجر
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ١٤ - ٢١]
فِي هَذِه الْآيَات إِثْبَات بَاب للسماء وَأَنَّهَا جرم من الأجرام وَأثبت لَهَا بروجا وَأثبت الشهب وَأثبت للْأَرْض امتدادا وَألقى فِيهَا رواسي لِئَلَّا تميد بساكنيها
وَبَعض هَذِه الْأُمُور قد مر بَيَانهَا غير مرّة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك نتكلم فِي تَفْسِيرهَا إِجْمَالا
فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَو فتحنا عَلَيْهِم﴾ أَرَادَ بِهِ على هَؤُلَاءِ المقترحين المعاندين وَالْمرَاد بِالْبَابِ غير أَبْوَاب السَّمَاء الْمَعْهُودَة الَّتِي وَردت فِي حَدِيث الْمِعْرَاج
وَمعنى ﴿فظلوا فِيهِ يعرجون﴾ أَي يصعدون فِي ذَلِك الْبَاب بِحَسب مَا نيسره لَهُم فيرون مَا فِيهَا من الْمَلَائِكَة والعجائب طول نهارهم مستوضحين لما يرونه كَمَا يفِيدهُ ظلوا لِأَنَّهُ يُقَال ظلّ يعْمل كَذَا إِذا فعله فِي النَّهَار حَيْثُ يكون للشَّخْص ظلّ
وَمعنى قَوْله ﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا﴾ أَي سدت ومنعت من الإبصار حَقِيقَة وَمَا نرَاهُ تخيل لَا حَقِيقَة لَهُ وَذَلِكَ لفرط عنادهم وغلوهم فِي المكابرة وتفاديهم عَن قبُول الْحق
стр. 73
وَقَوْلهمْ ﴿بل نَحن قوم مسحورون﴾ أَي قد سحرنَا مُحَمَّد ﷺ عِنْد ظُهُور سَائِر الْآيَات الباهرة
ثمَّ إِنَّه تَعَالَى لما ذكر حَال منكري النُّبُوَّة وَكَانَت متفرعة على التَّوْحِيد ذكر دلائله السماوية والأرضية فَقَالَ عز قَائِلا ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا وزيناها للناظرين﴾ والبروج جمع برج وَهُوَ لُغَة الْقصر والحصن أَي جعلنَا فِي السَّمَاء قصورا فِيهَا الحرس أَو أَن المُرَاد بالبروج الْكَوَاكِب الْعِظَام أَو الْكَوَاكِب السيارة أَو أَنَّهَا مُطلق الْكَوَاكِب وَعَن ابْن عَبَّاس تَفْسِير ذَلِك بالبروج الاثْنَي عشر الْمَشْهُورَة وَهِي سِتَّة شمالية ثَلَاثَة ربيعية وَثَلَاثَة صيفية وأولها الْحمل وَسِتَّة جنوبية ثَلَاثَة خريفية وَثَلَاثَة شتائية وأولها الْمِيزَان
وَقد جمعهَا الشَّاعِر بقوله
(حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى اللَّيْث سنبلَ الْمِيزَانِ)
(وَرمى عقربٌ بقوس جديا ... وَمن الدَّلْو مشرب الْحيتَان)
وَطول كل برج عِنْدهم ثَلَاثُونَ دَرَجَة وَعرضه ثَمَانُون دَرَجَة ومئة وَتسْعُونَ مِنْهَا فِي جِهَة الشمَال وَمثلهَا فِي جِهَة الْجنُوب وَكَأَنَّهَا إِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا كالحصن أَو الْقصر للكوكب الْحَال فِيهَا
وَهِي فِي الْحَقِيقَة أَجزَاء الْفلك الْأَعْظَم وَهُوَ المحدد بزعمهم الْمُسَمّى بلسانهم الْفلك الأطلس وفلك الأفلاك وبلسان الشَّرْع بعكسه
стр. 74
وَلِهَذَا يُسَمِّي الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ الْفلك الأطلس بـ "فلك البروج" وَالْمَشْهُور تَسْمِيَة الْفلك الثَّامِن - وَهُوَ فلك الثوابت - بِهِ، لاعتبارهم الانقسام فِيهِ وَكَانَ ذَلِك لظُهُور مَا يتَعَيَّن بِهِ الْأَجْزَاء من الصُّور فِيهِ وَإِن كَانَ كل مِنْهَا منتقلا عَمَّا عينه إِلَى آخر مِنْهَا لثُبُوت الْحَرَكَة الذاتية للثوابت على اخْتِلَاف التوالي وَإِن لم يثبتها لَهُ لعدم الإحساس بهَا قدماء الفلاسفة كَمَا لم يثبت الْأَكْثَرُونَ حركتها على نَفسهَا وأثبتها الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَمن تبعه من الْمُحَقِّقين.
وَقد صَرَّحُوا بِأَن هَذِه الصُّور الْمُسَمَّاة بالأسماء الْمَعْلُومَة توهمت على المنطقة وَمَا يقرب مِنْهَا من الْجَانِبَيْنِ من كواكب ثَابِتَة ينظمها خطوط موهومة وَقعت وَقت الْقِسْمَة فِي تِلْكَ الْأَقْسَام وَإِنَّمَا توهموا لكل قسم صُورَة ليحصل التفهم والتعليم بِأَن يُقَال الدبران مثلا عين الْأسد
وَتعقب هَذَا القَوْل بَعضهم وَقَالَ هَذَا لَيْسَ بسديد عِنْدِي لِأَن تِلْكَ الصُّور لَو كَانَت وهمية لم يكن لَهَا أثر فِي أَمْثَالهَا من الْعَالم السفلي مَعَ أَن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك فقد قَالَ بطليموس فِي الثَّمَرَة الصُّور الَّتِي فِي عَالم التَّرْكِيب مطيعة للصور الفلكية إِذْ هِيَ فِي ذواتها على تِلْكَ الصُّور فأدركتها الأوهام على مَا هِيَ عَلَيْه. ِ انْتهى.
ثمَّ هَذِه البروج مُخْتَلفَة الْآثَار والخواص بل لكل جُزْء من كل مِنْهَا وَإِن كَانَ أقل من عاشرة بل أقل الْأَقَل آثَار تخَالف آثَار الْجُزْء الآخر وكل ذَلِك آثَار حِكْمَة الله تَعَالَى وَقدرته .
وَقد ذكر الشَّيْخ مُحي الدّين بن عَرَبِيّ فِي بعض كتبه أَن آثَار النُّجُوم وأحكامها مفاضة عَلَيْهَا من تِلْكَ البروج الْمُعْتَبرَة فِي المحدد.
стр. 75
وَفِي الْفَصْل الثَّالِث من الْبَاب الْحَادِي وَالسبْعين والثلاثمائة من «فتوحاته» أَن الله تَعَالَى قسم الْفلك الأطلس اثْنَي عشر قسما سَمَّاهَا بروجا وأسكن كل برج مِنْهَا ملكا وَهَؤُلَاء الْمَلَائِكَة أَئِمَّة الْعَالم وَجعل لكل مِنْهُم ثَلَاثِينَ خزانَة يحتوي كل مِنْهَا على عُلُوم شَتَّى يهبون مِنْهَا للنازل بهم قدر مَا تعطيه رتبته وَهِي الخزائن الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ وَتسَمى عِنْد أهل التعاليم ب دَرَجَات الْفلك
والنازلون بهَا هم الْجَوَارِي والمنازل وعيو قاتها من الثوابت والعلوم الْحَاصِلَة من تِلْكَ الخزائن الإلهية هِيَ مَا يظْهر فِي عَالم الْأَركان من التأثيرات بل مَا يظْهر فِي مقعر فلك الثوابت إِلَى الأَرْض
إِلَى آخر مَا قَالَ وَقد أَطَالَ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ بمعزل عَن اعْتِقَاد الْمُحدثين نقلة الدّين
ثمَّ إِن فِي اخْتِلَاف خَواص البروج بِحَسب مَا تشهد بِهِ التجربة مَعَ مَا اتّفق عَلَيْهِ الْجُمْهُور من بساطة السَّمَاء أدل دَلِيل على وجود الصَّانِع الْمُخْتَار ﷻ .
وتزيين السَّمَاء بِمَا فِيهَا الْكَوَاكِب السيارات وَنَحْوهَا وَهِي كَثِيرَة لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله تَعَالَى
وَقد أسلفنا أَن المرصود مِنْهَا ألف ونيف وَعِشْرُونَ كوكبا وَأَنَّهُمْ رتبوها على سِتّ مَرَاتِب وسموها أقدارا متزايدة سدسا سدسا حَتَّى كَانَ قطر مَا
стр. 76
فِي الْقدر الأول سِتَّة أَمْثَال مَا فِي الْقدر السَّادِس وَجعلُوا كل قدر على ثَلَاث مَرَاتِب وَمَا دون السَّادِس لم يثبتوه فِي الْمَرَاتِب بل إِن كَانَ كقطعة السَّحَاب يسمونه سحابيا وَإِلَّا فمظلما
وَذكر فِي «الْكِفَايَة» أَن مَا كَانَ مِنْهَا فِي الْقدر الأول فجرمه مئة وست وَخَمْسُونَ مرّة وَنصف عشر الأَرْض وَجَاء فِي بعض الْآثَار أَن أَصْغَر النُّجُوم كالجبل الْعَظِيم
وَيجوز أَن يُرَاد بالتزيين ترتيبها على نظام بديع مستتبعا للآثار الْحَسَنَة فيراد ب ﴿الناظرين﴾ المتفكرون المستدلون بذلك على قدرَة مقدرها وَحِكْمَة مدبرها جلّ شَأْنه
وَالْمرَاد بحفظها من الشَّيْطَان إِمَّا مَنعه من التَّعَرُّض لَهَا على الْإِطْلَاق وَالْوُقُوف على مَا فِيهَا فِي الْجُمْلَة وَإِمَّا الْمَنْع من دُخُولهَا والاختلاط مَعَ أَهلهَا على نَحْو الِاخْتِلَاط مَعَ أهل الأَرْض
وَالْمرَاد بِالسَّمْعِ المسترق المسموع
والشهاب الشعلة الساطعة من النَّار الموقدة وَمن الْعَارِض فِي الجو وَيُطلق على الْكَوَاكِب لبريقه كشعلة النَّار
وَالْمرَاد من مد الأَرْض بسطها وتوسعتها ليحصل بهَا الِانْتِفَاع لمن حلهَا وَلَا يلْزم وَمن ذَلِك نفي كريتها لما أَن الكرة الْعَظِيمَة لعظمها ترى كالسطح المستوي وَقد سبق بَيَان ذَلِك
وَالْمرَاد بالرواسي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وألقينا فِيهَا رواسي﴾ جبال ثوابت جمع راسية جمع راس وَقد بَينا حِكْمَة إِلْقَاء ذَلِك فِيهَا عِنْد الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾
стр. 77
وَالْمَوْزُون فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون﴾ أَي مُقَدّر بِمِقْدَار معِين تَقْتَضِيه الْحِكْمَة أَو من كل شَيْء مستحسن متناسب من قَوْلهم كَلَام مَوْزُون
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا لكم فِيهَا معايش﴾ إِلَى آخر الْآيَة لَيْسَ مَعْنَاهُ من مَوْضُوع كتَابنَا. وَالله أعلم
стр. 78
سُورَة النَّحْل
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٥، ١٦]
هَذِه الْآيَة شَبيهَة بِآيَة الرَّعْد الَّتِي سبق ذكرهَا قَرِيبا وَمَعَ ذَلِك نتكلم فِي تَفْسِيرهَا على وَجه الْإِجْمَال
معنى ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي﴾ ألْقى جبالا ثوابت وَمعنى ﴿أَن تميد بكم﴾ أَي كَرَاهَة أَن تميد أَو لِئَلَّا تميد والميد اضْطِرَاب الشَّيْء الْعَظِيم وَوجه كَون الْإِلْقَاء مَانِعا من اضْطِرَاب الأَرْض بِأَنَّهَا كسفينة على وَجه المَاء على مَا سبق
وللرازي هُنَا أسئلة غامضة ذكرت مَعَ أجوبتها فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة من «روح الْمعَانِي»
و ﴿الْأَنْهَار﴾ سبق بَيَانهَا.
وَمعنى قَوْله: ﴿وعلامات﴾ أَنَّهَا معالم يسْتَدلّ بهَا السابلة من نَحْو جبل ومنهل ورائحة تُرَاب فقد حُكيَ أَن من النَّاس من يشم التُّرَاب فَيعرف بشمه الطَّرِيق وَأَنَّهَا مسلوكة أَو غير مسلوكة وَلذَا سميت الْمسَافَة مَسَافَة أخذا لَهَا من السوف بِمَعْنى الشم وَعَلِيهِ قَول الْقَائِل إِذا الدَّلِيل استاف أخلاف الطّرق وَقد بيّنت ذَلِك فِي «كتاب بُلُوغ الأرب» عِنْد الْكَلَام على علومهم.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا معالم الطّرق بِالنَّهَارِ وَعَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا الْجبَال.
стр. 79
وَعَن قَتَادَة أَنَّهَا النُّجُوم وَقَالَ ابْن عِيسَى المُرَاد مِنْهَا الْأُمُور الَّتِي يعلم بهَا مَا يُرَاد من خطّ أَو لفظ أَو إِشَارَة أَو هَيْئَة وَالظَّاهِر مَا ذكر أَولا
وَقَوله تَعَالَى ﴿وبالنجم هم يَهْتَدُونَ﴾ أَي بِاللَّيْلِ فِي الْبر وَالْبَحْر وَالْمرَاد بِالنَّجْمِ الْجِنْس فَيشْمَل الخنس وَغَيرهَا مِمَّا يهتدى بِهِ وَعَن السّديّ تَخْصِيص ذَلِك بِالثُّرَيَّا والفرقدين وَبَنَات نعش والجدي وَعَن الْفراء تَخْصِيصه بالجدي والفرقدين وَعَن بَعضهم أَنه الثريا فَإِنَّهُ علم بالغلبة لَهَا فَفِي الحَدِيث: "إِذا طلع النَّجْم ارْتَفَعت العاهة" (٣)، وَقَالَ الشَّاعِر:
(حَتَّى إِذا مَا اسْتَقر النَّجْم فِي غلس ... وغودر البقل منوي ومحصود)
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك
فَقَالَ هُوَ الجدي وَلَو صَحَّ هَذَا لَا يعدل عَنهُ والجدي هُوَ جدي الفرقد وَهُوَ على مَا فِي الْمغرب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الدَّال والمنجمون يصغرونه فرقا بَينه وَبَين البرج وَلَعَلَّه كَذَلِك لُغَة
اسْتدلَّ على إِرَادَة مَا يعم ذَلِك بِمَا فِي اللوامح عَن الْحسن أَنه قَرَأَ ﴿وبالنجم﴾ بِضَمَّتَيْنِ وَزعم ابْن عُصْفُور أَن قَوْلهم النَّجْم من ضَرُورَة الشّعْر، وَأنْشد: стр. 80
(إِن الَّذِي قضى بذا قَاضِي الحكم ... أَن يرد المَاء إِذا غَابَ النَّجْم)
وَهُوَ نَظِير قَوْله: حَتَّى إِذا ابتلت حلاقيم الحُلُقْ.
وَجعل بَعضهم الْآيَة أصلا لمراعاة النُّجُوم لمعْرِفَة الْأَوْقَات والقبلة والطرق فَلَا بَأْس بتَعَلُّم مَا يُفِيد تِلْكَ الْمعرفَة لَكِن معرفَة عين الْقبْلَة على التَّحْقِيق بالنجوم متعسر بل مُتَعَذر كَمَا أَفَادَهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْبناء لِأَنَّهُ إِن اعْتبر ذَلِك بِمَا يسامت رُؤُوس أهل مَكَّة من النُّجُوم فَلَيْسَ مسْقط العمود مِنْهُ على بسيط مَكَّة هُوَ العمود الْوَاقِع مِنْهُ على بسيط غَيرهَا من المدن وَإِن اعْتبر بالجدي فَلَا يلْزم من أَن يكون فِي مَكَّة على الْكَتف أَو على الْمنْكب أَن يكون فِي غَيرهَا كَذَلِك إِلَّا لمن يكون فِي دَائِرَة السمت الْمَارَّة برؤوس أهل مَكَّة والبلد الآخر وَذَلِكَ مَجْهُول لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِمَعْرِِفَة مَا بَين الطولين والعرضين وَهُوَ شَيْء اخْتلف فِي مِقْدَاره وَلم يتَعَيَّن الصَّحِيح فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْوَاجِب على الْمُصَلِّي إِلَّا تحري الْجِهَة وَمَعْرِفَة الْجِهَة تحصل بالنجوم وَكَذَا بغَيْرهَا مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي مَحَله
وَفِي «كتاب الأنواء» لِابْنِ قُتَيْبَة كَلَام مُفِيد يتَعَلَّق بطرق الاهتداء بالنجوم وَبَيَان أشهر قبائل الْعَرَب معرفَة بِهِ.
وَالله الْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل، وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
стр. 81
سُورَة الْإِسْرَاء
قَالَ الله تَعَالَى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]
المُرَاد من التَّسْبِيح التَّسْبِيح المقالي على أصح الْأَقْوَال وللشيخ ابْن الْقيم رِسَالَة مُشْتَمِلَة على أَرْبَعِينَ دَلِيلا من الْكتاب وَالسّنة فِي إِثْبَات ذَلِك كَمَا ذكره فِي كِتَابه «مِفْتَاح دَار السَّعَادَة» وَفِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة من روح الْمعَانِي كَلَام مفصل فِي هَذَا التَّسْبِيح وَاخْتَارَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره سُورَة الْإِسْرَاء أَن الجمادات وَغير الْمُكَلف من الْبَهَائِم إِنَّمَا يسبح الله بِلِسَان الْحَال وَلَا تَسْبِيح لَهُ بِلِسَان الْمقَال وَهُوَ قَول كثير من الأشاعرة
قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي «طبقاته» فِي الْجُزْء الْخَامِس عِنْد تَرْجَمَة الرَّازِيّ:
(إِن الرَّازِيّ احْتج على ذَلِك بِمَا لم ينْهض عندنَا). ثمَّ ذكر كلَاما طَويلا أثبت التَّسْبِيح المقالي فَرَاجعه إِن شِئْت
وَالْمَقْصُود أَن فِي هَذِه الْآيَة دَلِيلا على أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض قد أودع الله فِيهَا إدراكا لَا نعقله وَهُوَ مدَار تسبيحها المقالي كَمَا أودع فِي سَائِر الموجودات مثل ذَلِك فعلى الْمُؤمن أَن يُؤمن بِمَا ورد
стр. 82
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يتَعَلَّق بفن علم السَّمَاء فَإِن الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة لَا تُدْرِكهُ.
وَفِي هَذِه السُّورَة قَرِيبا من الآخر قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وَفِيه دَلِيل على أَن السَّمَاء جرم والكسف جمع كسفة كقطعة وَقطع لفظا وَمعنى
стр. 83
سُورَة الْكَهْف
وفيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف: ١٧] وَقَوله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]
فقد أثبت للشمس حَرَكَة الطُّلُوع والغروب.
وَلَعَلَّ ذَلِك بِاعْتِبَار نظر النَّاظر كَمَا فِي رَاكب السَّفِينَة فَإِنَّهُ يرى مَا على السَّاحِل متحركا وَلَيْسَ بمتحرك وَكَذَلِكَ الْغُرُوب فِي عين حمئة فَإِن النَّاظر يَرَاهَا كَذَلِك إِذا وقف على سَاحل الْبَحْر.
وَلَعَلَّ (ذَا القرنين) بلغ سَاحل الْمُحِيط فرآها كَذَلِك إِذْ لم يكن فِي مطمح بَصَره غير المَاء وَلذَلِك قَالَ ﴿وجدهَا تغرب﴾ وَلم يقل "كَانَت تغرب".
стр. 84
سُورَة مَرْيَم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠]
هَذِه الْآيَة من أَدِلَّة كَون السَّمَاوَات أجراما
وَ (الْفطر): من عوارض الْجِسْم الصلب فَإِنَّهُ يُقَال إِنَاء مفطور وَلَا يُقَال ثوب مفطور بل مشقوق.
وَنسبَة التفطر إِلَى السَّمَاوَات والانشقاق إِلَى الأَرْض إِشَارَة إِلَى أَن السَّمَاء أَصْلَب من الأَرْض.
كَذَا أَفَادَهُ بعض اللغويين.
وَأهل الْفَنّ الْيَوْم لَا يعترفون بأجرام علوِيَّة غير الْكَوَاكِب فَإِن بصائرهم لَا تدركها
стр. 85
سُورَة طه
قَالَ الله تَعَالَى ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٤ - ٥]
فِي هَذِه الْآيَة إِثْبَات السَّمَاوَات وَإِثْبَات جرم أعظم مِنْهَا وَهُوَ ﴿الْعَرْش﴾ وَقد مر الْكَلَام على ذَلِك ونزيدك بَيَانا فِي ﴿الْعَرْش﴾ فِي هَذَا الْمقَام فَنَقُول:
الْعَرْش لُغَة: سَرِير الْملك وَفِي الشَّرْع سَرِير ذُو قَوَائِم لَهُ حَملَة من الْمَلَائِكَة فَوق السَّمَاوَات مثل الْقبَّة وَالدَّلِيل على أَن لَهُ قَوَائِم مَا ورد:
"لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء فَإِن النَّاس يصعقون وأكون أول من يصعق فَإِذا أَنا بمُوسَى آخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور؟ " (١).
وعَلى أَن لَهُ حَملَة من الْمَلَائِكَة قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ﴾.
وَذهب طَائِفَة من أهل الْكَلَام إِلَى أَنه مستدير من جَمِيع الجوانب مُحِيط بالعالم من كل جِهَة وَهُوَ محدد الْجِهَات وَرُبمَا سموهُ الْفلك الأطلس والفلك التَّاسِع
ورده بَعضهم بِمَا ثَبت فِي الشَّرْع من أَن لَهُ قَوَائِم تحمله الْمَلَائِكَة على مَا سَمِعت. وَقد أطنب الإِمَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية فِي الْمقَالة الأولى من «كتاب الْعَرْش» وَفِي الرَّد على من قَالَ إِنَّه الْفلك التَّاسِع وَنَصه:
"إِن لقَائِل أَن يَقُول لم يثبت بِدَلِيل يعْتَمد عَلَيْهِ أَن الْعَرْش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل لَا بِدَلِيل شَرْعِي وَلَا بِدَلِيل عَقْلِي وَإِنَّمَا ذكر هَذَا طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين الَّذين نظرُوا فِي علم الْهَيْئَة وَغَيره من الفلسفة، стр. 86
فَرَأَوْا أَن الأفلاك تِسْعَة وَأَن التَّاسِع وَهُوَ الأطلس مُحِيط بهَا مستدير كاستدارتها وَهُوَ الَّذِي يحركها الْحَرَكَة الشرقية وَإِن كَانَ لكل فلك حَرَكَة تخصه غير هَذِه الْحَرَكَة.
ثمَّ سمعُوا من أَخْبَار الْأَنْبِيَاء ﷺ ذكر عرس الله وكرسيه وَذكر السَّمَاوَات السَّبع فَقَالُوا بطرِيق الظَّن:
إِن الْعَرْش هُوَ الْفلك التَّاسِع لاعتقادهم أَنه لَيْسَ وَرَاء التَّاسِع شَيْء إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا أَنه لَيْسَ وَرَاءه مَخْلُوق
ثمَّ إِن مِنْهُم من رأى أَن التَّاسِع هُوَ الَّذِي يُحَرك الأفلاك كلهَا فجعلوه مبدأ الْحَوَادِث وَزَعَمُوا أَن الله يحدث فِيهِ مَا يقدره فِي الأَرْض أَو يحدثه فِي النَّفس الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا مُتَعَلقَة بِهِ أَو فِي الْعقل الَّذِي زَعَمُوا أَنه الَّذِي صدر عَنهُ هَذَا الْفلك وَرُبمَا سَمَّاهُ بَعضهم الرّوح وَرُبمَا جعل بَعضهم النَّفس هِيَ الرّوح وَرُبمَا جعل بَعضهم النَّفس هِيَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ كَمَا جعل الْعقل هُوَ الْقَلَم وَتارَة يجْعَلُونَ اللَّوْح الْعقل الفعال الْعَاشِر الَّذِي لفلك الْقَمَر أَو النَّفس الْمُتَعَلّقَة بِهِ وَرُبمَا جعلُوا ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحق كالدماغ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان يقدر فِيهِ مَا يَفْعَله قبل أَن يكون إِلَى غير ذَلِك من المقالات الَّتِي شرحناها وَبينا فَسَادهَا فِي غير هَذَا الْموضع
وَمِنْهُم من يَدعِي أَنه علم ذَلِك بطرِيق الْكَشْف والمشاهدة وَيكون كَاذِبًا فِيمَا يَدعِيهِ وَإِنَّمَا أَخذ ذَلِك من هَؤُلَاءِ المتفلسفة تقليدا لَهُم أَو مُوَافقَة لَهُم على طريقتهم الْفَاسِدَة كَمَا فعل أَصْحَاب «رسائل إخْوَان الصَّفَا» وأمثالهم.
стр. 87
وَقد يتخيل فِي نَفسه مَا تقلده عَن غَيره فيظنه كشفا كَمَا يتخيل النَّصْرَانِي التَّثْلِيث الَّذِي يَعْتَقِدهُ وَقد يرى ذَلِك فِي مَنَامه فيظنه كشفا وَإِنَّمَا هُوَ تخيل لما اعتقده
وَكثير من أَرْبَاب الاعتقادات الْفَاسِدَة إِذا ارتاضوا صقلت الرياضة نُفُوسهم فتتمثل لَهُم اعتقاداتهم فيظنونها كشفا وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي غير مَوضِع
وَالْمَقْصُود أَن مَا ذَكرُوهُ من أَن الْعَرْش هُوَ الْفلك التَّاسِع قد يُقَال إِنَّه لَيْسَ لَهُم عَلَيْهِ دَلِيل لَا عَقْلِي وَلَا شَرْعِي
أما الْعقل فَإِن أَئِمَّة الفلاسفة مصرحون بِأَنَّهُ لم يقم عِنْدهم دَلِيل على أَن الأفلاك هِيَ تِسْعَة فَقَط بل يجوز أَن تكون أَكثر من ذَلِك وَلَكِن دلتهم الحركات والكسوفات وَنَحْو ذَلِك على مَا ذَكرُوهُ وَمَا لم يكن لَهُم دَلِيل على ثُبُوته فهم لَا يعلمُونَ ثُبُوته وَلَا انتفاءه.
مِثَال ذَلِك: أَنهم علمُوا أَن هَذَا الْكَوْكَب تَحت هَذَا بِأَن السفلي يكسف الْعلوِي من غير عكس فاستدلوا بذلك على أَنه من فلك فَوْقه كَمَا استدلوا بالحركات الْمُخْتَلفَة على أفلاك مُخْتَلفَة حَتَّى جعلُوا فِي الْفلك الْوَاحِد عدَّة أفلاك كفلك التدوير وَغَيره
فَأَما مَا كَانَ مَوْجُودا فَوق هَذَا وَلم يكن لَهُم مَا يستدلون بِهِ على ثُبُوته فهم لَا يعلمُونَ نَفْيه وَلَا إثْبَاته بطريقهم وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل إِن حَرَكَة التَّاسِع مبدأ الْحَوَادِث خطأ وضلال على أصولهم فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الثَّامِن لَهُ حَرَكَة تخصه بِمَا فِيهِ من الثوابت ولتلك الْحَرَكَة قطبان غير قطبي التَّاسِع وَكَذَلِكَ السَّابِع وَالسَّادِس
وَإِذا كَانَ لكل فلك حَرَكَة تخصه والحركات الْمُخْتَلفَة هِيَ سَبَب الأشكال الْحَادِثَة الْمُخْتَلفَة الفلكية فَتلك الأشكال سَبَب الْحَوَادِث السفلية كَانَت
стр. 88
حَرَكَة التَّاسِع جُزْء السَّبَب كحركة غَيره والأشكال الْحَادِثَة فِي الْفلك كمقارنة الْكَوْكَب لكوكب فِي دَرَجَة وَاحِدَة ومقابلته لَهُ إِذا كَانَ بَينهمَا نصف الْفلك وَهُوَ مئة وَثَمَانُونَ دَرَجَة وتثليثه لَهُ إِذا كَانَ بَينهمَا ثلث الْفلك وَهُوَ مئة وَعِشْرُونَ دَرَجَة وتربيعه لَهُ إِذا كَانَ بَينهمَا ربعه وَهُوَ تسعون دَرَجَة وتسديسه لَهُ إِذا كَانَ بَينهمَا سدس الْفلك وَهُوَ سِتُّونَ دَرَجَة
وأمثال ذَلِك من الأشكال إِنَّمَا حدثت بحركات مُخْتَلفَة وكل حَرَكَة لَيست عَن الْأُخْرَى. إِذْ حَرَكَة الثَّامِن الَّتِي تخصه لَيست عَن حَرَكَة التَّاسِع وَإِن كَانَ تَابعا لَهُ فِي الْحَرَكَة الْكُلية كالإنسان المتحرك فِي السَّفِينَة إِلَى خلاف حركتها وَكَذَلِكَ حَرَكَة السَّابِع الَّتِي تخصه لَيست عَن التَّاسِع وَلَا عَن الثَّامِن وَكَذَلِكَ سَائِر الأفلاك فَإِن حَرَكَة كل وَاحِد الَّتِي تخصه لَيست عَمَّا فَوْقه من الأفلاك فَكيف يجوز أَن يَجْعَل مبدأ الْحَوَادِث كلهَا مُجَرّد حَرَكَة التَّاسِع كَمَا زَعمه من ظن أَنه الْعَرْش؟ كَيفَ والفلك التَّاسِع عِنْدهم بسيط متشابه الْأَجْزَاء لَا اخْتِلَاف فِيهِ أصلا؟ فَكيف يكون سَببا لأمور مُخْتَلفَة لَا بِاعْتِبَار القوابل وَأَسْبَاب أخر؟
وَلَكِن، هم قوم ضالون. يجعلونه مَعَ هَذَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ دَرَجَة ويجعلون لكل دَرَجَة من الْأَثر مَا يُخَالف الْأُخْرَى لَا باخْتلَاف القوابل كمن يَجِيء إِلَى مَاء وَاحِد فَيجْعَل لبَعض أَجْزَائِهِ من الْأَثر مَا يُخَالف الآخر لَا بِحَسب القوابل بل بِجعْل أحد أَجْزَائِهِ مسخنا وَالْآخر مبردا وَالْآخر مسعدا وَالْآخر مشقيا.
وَهَذَا مِمَّا يعلمُونَ هم وكل عَاقل أَنه بَاطِل وضلال.
وَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عِنْدهم مَا يَنْفِي وجود شَيْء آخر فَوق الأفلاك التِّسْعَة كَانَ الْجَزْم بِأَن مَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل من أَن الْعَرْش هُوَ الْفلك التَّاسِع رجما بِالْغَيْبِ وقولا بِلَا علم.
هَذَا كُله بِتَقْدِير ثُبُوت الأفلاك التِّسْعَة على الْمَشْهُور عِنْد أهل الْهَيْئَة إِذْ فِي ذَلِك من النزاع وَالِاضْطِرَاب وَفِي أَدِلَّة ذَلِك مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. وَإِنَّمَا
стр. 89
نتكلم على هَذَا التَّقْدِير فالأفلاك فِي أشكالها وإحاطة بَعْضهَا بِبَعْض من جنس وَاحِد فنسبة السَّابِع إِلَى السَّادِس كنسبة السَّادِس إِلَى الْخَامِس وَإِذا كَانَ هُنَاكَ فلك تَاسِع فنسبته إِلَى الثَّامِن كنسبة الثَّامِن إِلَى السَّابِع.
وَأما ﴿الْعَرْش﴾ فالأخبار تدل على مباينته لغيره من الْمَخْلُوق وَأَنه لَيْسَ نسبته إِلَى بَعْضهَا كنسبة بَعْضهَا إِلَى بعض قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ﴾ الْآيَة وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ فَأخْبر أَن للعرش حَملَة الْيَوْم وَيَوْم الْقِيَامَة وَأَن حَملته وَمن حوله يسبحون وَيَسْتَغْفِرُونَ للْمُؤْمِنين وَمَعْلُوم أَن قيام فلك من الأفلاك بقدرة الله تَعَالَى كقيام سَائِر الأفلاك لَا فرق فِي ذَلِك بَين كرة وكرة وَإِن قدر أَن لبعضها فِي نفس الْأَمر مَلَائِكَة تحملهَا فَحكمه حكم نَظِيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش يسبحون بِحَمْد رَبهم﴾.
فَذكر هُنَاكَ أَن الْمَلَائِكَة تحف من حوله وَذكر فِي مَوضِع آخر أَن لَهُ حَملَة وَجمع فِي مَوضِع ثَالِث بَين حَملته وَمن حوله فَقَالَ ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾
وَأَيْضًا فقد أخبر أَن عَرْشه كَانَ على المَاء قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾
وَقد ثَبت فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» وَغَيره عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ:
" كَانَ الله وَلم يكن شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض".
стр. 90
إِلَى آخر مَا ذكره فِي هَذَا الْمقَام من «كتاب الْعَرْش» فَرَاجعه.
وَالْعرش غير الْكُرْسِيّ لحَدِيث:
" مَا الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش إِلَّا كحلقة من حَدِيد ألقيت بَين ظَهْري فلاة من الأَرْض:. وَفِي حَدِيث آخر:
" الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَالْعرش لَا يقدر قدره إِلَّا الله تَعَالَى" (١). стр. 91
سُورَة الْأَنْبِيَاء
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٠ - ٣٣]
стр. 92
هَذِه الْآيَة فِيهَا من مهمات فن الْهَيْئَة أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ثمَّ فتقها وإلقاء الرواسِي فِي الأَرْض أَن تميد بهم وَأَن كلا من الشَّمْس وَالْقَمَر سابح فِي فلكه كل ذَلِك مَحل تدقيق النّظر وإعمال الْفِكر
أما مَسْأَلَة الرتق والفتق فَهِيَ طَوِيلَة الذيل لَدَى الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم والمتأخرين وَهَكَذَا لَدَى المتشرعين فَمنهمْ من يَقُول إِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا شَيْئا وَاحِدًا ملتزقتين ففصل الله تَعَالَى بَينهمَا وَرفع السَّمَاء إِلَى حَيْثُ هِيَ وَأقر الأَرْض.
وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض ملتصقتين ثمَّ خلق ريحًا فتوسطتهما ففتقهما وَعَن الْحسن خلق الله تَعَالَى الأَرْض فِي مَوضِع بَيت الْمُقَدّس كَهَيئَةِ الفهر عَلَيْهَا دُخان ملتصق بهَا ثمَّ أصعد الدُّخان وَخلق مِنْهُ السَّمَاوَات وَأمْسك الفهر فِي موضعهَا وَبسط مِنْهَا د وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كَانَتَا رتقا ففتقناهما﴾ فَجعل سبع سماوات وَكَذَلِكَ الأَرْض كَانَت مرتقة طبقَة وَاحِدَة ففتقها فَجَعلهَا سبع أَرضين.
وَرُوِيَ فِي معنى الفتق والرتق غير ذَلِك فقد أَتَى ابْن عمر رجل فَسَأَلَهُ عَن الْآيَة فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى ذَلِك الشَّيْخ فَاسْأَلْهُ ثمَّ تعال فَأَخْبرنِي.
وَكَانَ ابْن عَبَّاس فَذهب إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ نعم كَانَت السَّمَاوَات رتقا لَا تمطر وَكَانَت الأَرْض رتقا لَا تنْبت فَلَمَّا خلق الله تَعَالَى للْأَرْض أَهلاً، فتق
стр. 93
هَذِه بالمطر وفتق هَذِه بالنبات فَرجع الرجل إِلَى ابْن عمر فَأخْبرهُ فَقَالَ ابْن عمر الْآن علمت أَن ابْن عَبَّاس قد أُوتِيَ فِي الْقُرْآن علما صدق ابْن عَبَّاس هَكَذَا كَانَت
وَذهب الْمُتَأَخّرُونَ من الفلاسفة إِلَى أَن الْعَالم كُله كَانَ قِطْعَة وَاحِدَة فأصابته صدمة فَتفرق إِلَى مَا يرى من الأجرام وَكثر مِنْهُم فِي ذَلِك القيل والقال
وَالْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي﴾ الْآيَة تقدم مرَارًا عِنْد الْكَلَام على أَمْثَال هَذِه الْآيَة وَاعْترض بعض الزائغين مَعَ جَوَابه مَذْكُور فِي التَّفْسِير عِنْد الْكَلَام على هَذِه الْآيَة
وَمعنى قَوْله ﴿وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا﴾ أَنَّهَا مَحْفُوظَة من البلى والتغير على طول الدَّهْر وَالْمرَاد أَنَّهَا جعلت مَحْفُوظَة عَن ذَلِك الدَّهْر الطَّوِيل وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهَا تطوى يَوْم الْقِيَامَة طي السّجل للكتب
وَإِلَى تغيرها ودثورها ذهب جَمِيع الْمُسلمين ومعظم الفلاسفة وَمِنْهُم من خَالف فِي ذَلِك
وَأما قَوْله ﴿وكل فِي فلك يسبحون﴾ فالفلك فِي الأَصْل كل شَيْء دائر وَمِنْه فلكه المغزل وَالْمرَاد بِهِ هُنَا على قَول كثير هُوَ موج مكفوف تَحت السَّمَاء تجْرِي فِيهِ الشَّمْس وَالْقَمَر وَعَن الضَّحَّاك هُوَ لَيْسَ بجسم وَإِنَّمَا هُوَ مدَار هَذِه النُّجُوم وَفِيه القَوْل باستدارة السَّمَاء
стр. 94
وَفِي قَوْله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ رمز خَفِي إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيل بالانقلاب وَعَلِيهِ أَدِلَّة جمة وَفِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة كَلَام طَوِيل
وَغَايَة مَا نقُول إِن الفلاسفة الْيَوْم من الإفرنج وَأهل الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية خالفوا قَول بعض الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين الْمُخَالف لقَولهم وَأما السّلف الصَّالح فَلم يَصح عَنْهُم تَفْصِيل الْكَلَام فِي ذَلِك لما أَنه قَلِيل الجدوى ووقفوا حَيْثُ صَحَّ الْخَبَر وَقَالُوا إِن اخْتِلَاف الحركات وَنَحْوه بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وتشبثوا فِيمَا صَحَّ وخفي مِنْهُ بأذيال التَّسْلِيم وَالَّذِي يَنْبَغِي القَوْل بِهِ أَن السَّمَاوَات على طبق مَا صحت بِهِ الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة فِي أَمر الثخن وَمَا بَين كل سَمَاء وسماء
واستنبط بَعضهم من نِسْبَة السباحة للكوكب أَن لَيْسَ هُنَاكَ حَامِل لَهُ يَتَحَرَّك بحركته مُطلقًا بل هُوَ متحرك بِنَفسِهِ فِي الْفلك تحرّك السَّمَكَة فِي المَاء إِذْ لَا يُقَال للجالس فِي صندوق أَو على جذع يجْرِي فِي المَاء إِنَّه يسبح
وَمن الْآيَات فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
تَفْسِير الْآيَة:
(الطي): ضد النشر أَو الإفناء والإزالة من قَوْلك اطو عني هَذَا الحَدِيث.
وَأنكر ابْن الْقيم فِي «كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة» إفناء السَّمَاء وإعدامها إعداما صرفا وَادّعى أَن النُّصُوص إِنَّمَا تدل على تبديلها وتغيرها من حَال
стр. 95
إِلَى حَال وَيبعد القَوْل بالإفناء ظَاهر التَّشْبِيه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كطي السّجل للكتب﴾ فَإِن الَّذِي يطوي السّجل وَهُوَ الصَّحِيفَة أَو صحيفَة الْعَهْد أَو حجر يكْتب فِيهِ ثمَّ سمي بِهِ كل مَا يكْتب فِيهِ من قرطاس وَغَيره لَا يفنيه بالطي بل الْكتاب مَوْجُود بعده.
وَهَكَذَا السَّمَاء إِذا طويت لَا تفنى.
والكتب عبارَة عَن الصحائف وَمَا كتب فِيهَا فسجلها بعض أَجْزَائِهَا وَبِه يتَعَلَّق الطي حَقِيقَة.
ثمَّ إِن الطي لَا يخْتَص بسماء دون سَمَاء بل تطوى جَمِيعهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾
وَمعنى ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده﴾ أَي نعيد أول خلق إِعَادَة مثل بدئنا إِيَّاه أَي فِي السهولة وَعدم التَّعَذُّر.
أَو فِي كَونهَا إيجادا بعد الْعَدَم أَو جمعا من الْأَجْزَاء المتفرقة ﴿وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ ذَلِك بِالْفِعْلِ لَا محَالة وَالْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة الَّتِي علم الله تَعَالَى وُقُوعهَا كالماضية فِي التحقق أَو قَادِرين على أَن نَفْعل ذَلِك.
стр. 96
سُورَة الْحَج
قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨]
المُرَاد ب (السُّجُود) دُخُول الْأَشْيَاء تَحت تسخيره تَعَالَى وإرادته وقابليتها لما يحدث فِيهَا وَفِي مُفْرَدَات الرَّاغِب السُّجُود فِي الأَصْل التطامن والتذلل وَجعل ذَلِك عبارَة عَن التذلل لله تَعَالَى وعبادته وَهُوَ عَام فِي الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان والجماد وَذَلِكَ ضَرْبَان سُجُود بِاخْتِيَار يكون للْإنْسَان وَبِه يسْتَحق الثَّوَاب وَسُجُود بتسخير يكون للْإنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات والنباتات
وَخص بالشريعة من الرُّكْن الْمَعْرُوف من الصَّلَاة وَمَا جرى مجْرَاه من سُجُود التِّلَاوَة وَسُجُود الشُّكْر انْتهى
وأفرد الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَمَا بعْدهَا بِالذكر لشهرتها واستبعاد ذَلِك مِنْهَا بِحَسب الظَّاهِر فِي بادئ النّظر الْقَاصِر أَو لِأَنَّهَا قد عبدت من دون الله إِمَّا بِاعْتِبَار شخصها أَو جِنْسهَا فالشمس عبدتها حمير، وَالْقَمَر
стр. 97
عبدته كنَانَة وَعبد الدبران من النُّجُوم تَمِيم والشعرى لخم وقريش والثريا طي وَعُطَارِد أَسد والمرزم ربيعَة وَعبد أَكثر الْعَرَب الْأَصْنَام المنحوتة من الْجبَال وعبدت غطفان الْعُزَّى وَهِي سَمُرَة وَاحِد السمر وَمن النَّاس من عبد الْبَقر
فَهَذِهِ الْآيَة فِيهَا دَلِيل على أَن الأجرام العلوية والأجرام السفلية لَهَا عبَادَة مَخْصُوصَة لرب الْعَالمين جَارِيَة على حسب إِرَادَة مبدع السَّمَاوَات وَالْأَرضين.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]
المُرَاد بإمساكها حفظ تماسكها بقدرته تَعَالَى بعد أَن خلقهَا متماسكة آنا فآنا وَعدم تعلق إِرَادَته بوقوعها قطعا قطعا أَو بالجاذبية الَّتِي يَقُول بهَا متأخرو الفلاسفة وَهِي أَيْضا من آثَار قدرته وَالْمَعْرُوف من مَذْهَب سلف الْمُسلمين أَن السَّمَاء غير الْفلك وَأَنَّهَا ثَقيلَة مَحْفُوظَة عَن الْوُقُوع بمحض إِرَادَته وَقدرته الَّتِي لَا يتعاصاها شئ لاستمساكها بذاتها.
стр. 98
سُورَة الْمُؤمنِينَ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٧]
الطرائق جمع طَريقَة بِمَعْنى مطروقة وَهِي السَّمَاوَات السَّبع من طرق النَّعْل والخوافي إِذا وضع طاقاتها بَعْضهَا فَوق بعض فَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذِي خلق سبع سماوات طباقا﴾ وَلكُل من السَّبع نِسْبَة وَتعلق بالمطارقة فَلَا تَغْلِيب
أَو جمع طَريقَة بمعناها الْمَعْرُوف وَسميت السَّمَاوَات بذلك لِأَنَّهَا طرائق الْكَوَاكِب فِي مسيرها
وَهَذَا عين مَذْهَب الفلاسفة الْمُتَأَخِّرين الْقَائِلين بالجاذبية ودوران الْكَوَاكِب على الشَّمْس أَو طرائق الْمَلَائِكَة فِي هبوطهم وعروجهم لمصَالح الْعباد
أَو سميت طرائق لِأَن كل سَمَاء طَريقَة وهيئة غير هَيْئَة أُخْرَى لِأَن الله تَعَالَى أودع فِي كل سَمَاء مَا لم يودعه فِي الْأُخْرَى
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا عَن الْخلق غافلين﴾ يُرَاد مِنْهُ بالخلق الْمَخْلُوق وَهُوَ السَّمَاوَات السَّبع أَي وَمَا كُنَّا عَنْهَا غافلين بل نحفظها عَن الزَّوَال والاختلال وتدبير أمرهَا.
فَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل وَأيّ دَلِيل لأهل فن الْهَيْئَة الجديدة.
стр. 99
سُورَة النُّور
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤١ - ٤٤]
стр. 100
تَفْسِير هَذِه الْآيَة يحْتَاج إِلَى كَلَام طَوِيل ولسنا بصدده فَإِنَّهُ مَذْكُور فِي التَّفْسِير وَمَا يخصنا مِنْهُ تَسْبِيح الأجرام العلوية والأجسام السفلية والمخلوقات السماوية والأرضية وَبَيَان المُرَاد بصلواتهم
أما التَّسْبِيح فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ التَّسْبِيح الحالي وَهُوَ الدّلَالَة على الْخَالِق إِذْ لَا معنى حِينَئِذٍ لقَوْله ﴿كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ أَي دلَالَته بل المُرَاد بِهِ التَّسْبِيح المقالي
وَالْمرَاد بِالصَّلَاةِ الدُّعَاء والابتهال وتقديمها على التَّسْبِيح فِي الذّكر لتقدمها عَلَيْهِ فِي الرُّتْبَة أَو المُرَاد بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيح مَا ألهمه الله كل وَاحِد من تِلْكَ الْمَخْلُوقَات من الدُّعَاء وَالتَّسْبِيح المخصوصين بِهِ وَلَا بعد فِي هَذَا الإلهام فقد ألهم سُبْحَانَهُ كل نوع من أَنْوَاع الْحَيَوَانَات علوما دقيقة لَا يكَاد يَهْتَدِي إِلَيْهَا جهابزة الْعُقَلَاء وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى إِنْكَاره أصلا كَيفَ لَا وَإِن الْقُنْفُذ مَعَ كَونه أبعد الْحَيَوَانَات من الْإِدْرَاك قَالُوا إِنَّه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبهما فيغير الْمدْخل إِلَى جُحْره
وَقد تقدم أحسن كَلَام مِمَّا يُنَاسب الْمقَام فِي آيَة سُورَة الْإِسْرَاء.
وَأما قَوْله ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال فِيهَا من برد﴾ فالبرد مَعْرُوف سمي بردا لِأَنَّهُ يبرد وَجه الأَرْض أَي يقشره من بردت الشَّيْء بالمبرد
وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد من هَذِه الْجبَال فَعَن مُجَاهِد والكلبي وَأكْثر الْمُفَسّرين:
أَن المُرَاد بالسماء المظلة وبالجبال حَقِيقَتهَا قَالُوا:
إِن الله تَعَالَى خلق فِي السَّمَاء جبالا من برد كَمَا خلق فِي الأَرْض جبالا من حجر وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يَنْفِيه من قَاطع فَيجوز إبْقَاء الْآيَة على ظَاهرهَا.
стр. 101
والفلاسفة لَهُم غير هَذَا الرَّأْي فِي الْبرد ونزول الودق أَعنِي الْمَطَر وَهُوَ كَلَام وصلت إِلَيْهِ أَيدي أذهانهم لَا يعول عَلَيْهِ عِنْد أهل الشَّرِيعَة وَهُوَ مَذْكُور فِي «كتب التَّفْسِير» و «كتب علم الطبيعة».
غير أَن أهل الأرصاد الْيَوْم كشفوا فِي الْقَمَر جبالا ووهادا وأودية وَهَكَذَا
الشَّمْس وَسَائِر السيارات وظنوا أَن فِيهَا مخلوقات نَحْو سكنة الأَرْض وَزَعَمُوا أَن فِيهَا بحارا وأنهاراً.
فَلَعَلَّ جبال الْبرد الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة من تِلْكَ الْجبَال الَّتِي فِي هاتيك الأجرام فيوصله الله إِلَى الأَرْض بكيفية لَا ندركها وَهُوَ على كل شَيْء قدير.
стр. 102
سُورَة الْفرْقَان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥]
المُرَاد بالسماء المظلة لنا وبالغمام السَّحَاب الْمَعْرُوف أَي تشقق السَّمَاء بِسَبَب طُلُوع الْغَمَام مِنْهَا وَلَا مَانع من أَن تشقق بِهِ كَمَا يشق السنام بالشفرة وَالله تَعَالَى على كل شَيْء قدير وَعَن مُجَاهِد إِنَّه الْغَمَام الَّذِي يَأْتِي الله تَعَالَى فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾.
وَالْمرَاد بالسماء مَا يعم السَّمَاوَات كلهَا وتشقق سَمَاء سَمَاء. وَكَيْفِيَّة نزُول الْمَلَائِكَة مِنْهَا مَذْكُورَة فِي التَّفْسِير
وَمن آيَات هَذِه السُّورَة قَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٧]
دلّت هَذِه الْآيَة على أَن الشَّمْس متحركة لِأَن الظل تَابع لَهَا لِأَنَّهُ يكون من مُقَابلَة كثيف كجبل أَو مَاء أَو شجر للشمس عِنْد ابْتِدَاء طُلُوعهَا وَلَو شَاءَ لجعله سَاكِنا. وَذَلِكَ بِأَن لَا يَجْعَل سُبْحَانَهُ للشمس عَلَيْهِ
стр. 103
(أَي على نسخه) سَبِيلاً، بِأَن يطْلعهَا وَلَا يَدعهَا تنسخه أَو بِأَن لَا يَدعهَا تغيره باخْتلَاف أوضاعها بعد طُلُوعهَا.
وَقَوله ﴿ثمَّ جعلنَا الشَّمْس عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ مَعْنَاهُ جعلنَا طُلُوع الشَّمْس دَلِيلا على ظُهُوره للحس.
وَقَوله ﴿ثمَّ قبضناه إِلَيْنَا قبضا يَسِيرا﴾ أَي ثمَّ أزلناه بعد مَا أَنْشَأْنَاهُ ممتدا عِنْد إِيقَاع شُعَاع الشَّمْس موقعه أَو بإيقاعه كَذَلِك ومحوناه على مهل قَلِيلا قَلِيلا بِحَسب مسير الشَّمْس وَفِيه دَلِيل على كرية الأَرْض لِأَنَّهَا لَو لم تكن كرية لتساوت الأقطار فِي الأفياء والظلال مَعَ أَن كثيرا من الأقطار يكون فِيهِ ليل وَفِي أقطار أُخْرَى نَهَار
ولأرباب الْهَيْئَة الجديدة أَن يَقُولُوا إِن الظلال تَابع لحركة الشَّمْس على حسب مَا يرَاهُ الرَّائِي وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَة أَن الأَرْض هِيَ المتحركة على مركزها وَهِي الشَّمْس وَلَا بدع أَن تكون الشَّمْس دَلِيلا على الظل وَإِن كَانَت الْحَرَكَة للْأَرْض.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩]
سبق الْكَلَام على مثل هَذِه الْآيَة وَبينا المُرَاد من الْأَيَّام السِّتَّة والاستواء على الْعَرْش وَالْعرش بِمَا فِيهِ كِفَايَة
стр. 104
سُورَة الشُّعَرَاء
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء: ١٨٧]
(الكسف): الْقطع جمع كسفة كقطعة
وَالْمرَاد ب ﴿السَّمَاء﴾ إِمَّا المظلة وَهُوَ الظَّاهِر وَإِمَّا السَّحَاب
وَأهل الْهَيْئَة الْيَوْم يَقُولُونَ:
كثيرا مَا تقع أَحْجَار من السَّمَاء أَي من الأجرام العلوية وَهِي مَحْفُوظَة فِي متاحفهم وَلَهُم فِي ذَلِك كَلَام طَوِيل مَذْكُور فِي كتب الطبيعة
стр. 105
سُورَة النَّمْل
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٧ - ٨٨]
رُبمَا اسْتدلَّ عُلَمَاء الْهَيْئَة الْمُتَأَخّرُونَ على مَا ادعوهُ من حَرَكَة الأَرْض اليومية والسنوية فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الرأئي يرى الْجبَال سَاكِنة وَهِي متحركة أَشد الْحَرَكَة
والمفسرون يرَوْنَ غير هَذَا الرَّأْي وَيَقُولُونَ ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ أَي ثَابِتَة فِي أماكنها لَا تتحرك ﴿وَهِي تمر مر السَّحَاب﴾ أَي وَترى الْجبَال رَأْي الْعين سَاكِنة وَالْحَال أَنَّهَا تمر فِي الجو مر السَّحَاب الَّذِي تسيره الرِّيَاح سيرا حثيثا وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة وخراب الْعَالم لَا أَنَّهَا تمر مر السَّحَاب الْيَوْم وَإِلَّا لما كَانَ بتخصيص الْجبَال لذَلِك وَجه فَإِن الْجبَال والأنهار والفلوات والبراري كَذَلِك وَالله يحِق الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل
стр. 106
سُورَة العنكبوت
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]
المُرَاد بتسخير الشَّمْس وَالْقَمَر جريانهما على قانون وَاحِد لَا يتَغَيَّر فهما آيتان عظيمتان من آيَات الله خاضعتان لما يُرَاد بهما من مصَالح الْعَالم وَاخْتِلَاف الْأَزْمِنَة وتربية النَّبَات وإنضاج الثِّمَار والحبوب وإضاءة الْعَالم.
فسبحان من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون
стр. 107
سُورَة الرّوم
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ [الروم: ٢٤ - ٢٦]
تَفْسِير هَذِه الْآيَة قد مر مرَارًا فِي تَفْسِير مثلهَا فَقَوله ﴿وَينزل من السَّمَاء مَاء﴾ أَرَادَ بالسماء المظلة أَو السَّحَاب وَالله ينزل الْمَطَر من السَّحَاب المتكون من الأبخرة المتصاعدة كَمَا ذكر الطبيعيون وعَلى ذَلِك قَول الْهُذلِيّ
(شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... مَتى لجج خضر لَهُم تئيج)
وَمعنى ﴿أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ أَي بقوله تَعَالَى قوما وبإرادته .
وَالتَّعْبِير عَنْهَا الْأَمر للدلالة على كَمَال الْقُدْرَة والغنى عَن المبادئ والأسباب وَلَيْسَ المُرَاد فإقامتهما إنشاؤهما لِأَنَّهُ قد بَين حَاله بقوله تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَلَا إقامتهما بِغَيْر مُقيم محسوس.
فَإِن ذَلِك من متممات إنشائهما وَإِن لم يُصَرح بِهِ تعويلا على مَا ذكر فِي مَوضِع آخر من قَوْله تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات بِغَيْر عمد ترونها﴾.
стр. 108
وَلَا قيامهما وبقاؤهما على مَا هما عَلَيْهِ إِلَى أجلهما الَّذِي أُشير إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿مَا خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأجل مُسَمّى﴾
وَذهب الرَّازِيّ إِلَى:
أَن الْقيام بِمَعْنى الْوُقُوف وَعدم النُّزُول إِلَى آخر مَا قَالَ
وَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْهَيْئَة الْمُتَأَخّرُونَ من أَن قيام الْعَالم الْعلوِي والسفلي بالجاذبية لَا يُخَالف الْآيَة الْكَرِيمَة.
فَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي أودع تِلْكَ الجاذبية وبأمره كَانَت.
стр. 109
سُورَة لُقْمَان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ﴾ [لقمان: ١٠]
أَي خلقهَا بِغَيْر عمد مرئية على التَّقْيِيد للرمز إِلَى أَنه تَعَالَى عمدها بعمد لَا ترى وَهِي عمد الْقُدْرَة وعَلى قَول عُلَمَاء الْهَيْئَة فِي زَمَاننَا عمد الجاذبية وَلَا يخرج ذَلِك عَن قدرَة مودعها ﷻ .
وَقد مر مثل هَذَا فِيمَا سبق مرَارًا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾ [لقمان: ٢٩]
وَقد تقدم الْكَلَام على مثل هَذِه الْآيَة.
وَلَيْسَ فِي الْعقل الصَّرِيح وَالنَّقْل الصَّحِيح مَا يَأْبَى إِثْبَات الجريان لكل من النيرين ومنتهى هَذَا الجري الْعَام يَوْم الْقِيَامَة.
стр. 110
سُورَة السَّجْدَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٤ - ٥]
قد سبق المُرَاد بِالْأَيَّامِ السِّتَّة وَالْكَلَام على الْعَرْش وَبحث الاسْتوَاء
следующие страницы →