← Тафсир

Тафсир · id 555

تفسير العثيمين: الشعراء

ابن عثيمين

Полный текст (309 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قالت ﵂: "وَمَا يَضُرُّ الشاةَ سَلْخُ جِلْدِها بعد موتِها؟ " (١)؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لا يؤثِّر. فكان جَوَابهم أن قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا ضَيرَ﴾ لا ضررَ علينا فِي ذلكَ]، ما شاء الله! يعني: لقوَّة إيمانهم قالوا: هَذَا لا يَضُرُّنا، ولا يؤثِّر، وفي هَذَا من التحدِّي وإظهار القوَّة والشجاعة ما هُوَ ظاهرٌ؛ لأنَّهم يخاطبون أعتَى أهل الأرضِ، وَهُوَ فِرْعَوْنُ، يقولون: لَا ضَيْرَ، افعلْ ما تريدُ، لا يُهِمُّنَا، وصَدَقُوا أَنَّهُ لا ضيرَ عليهم فِي ذلك ما دامَ تَعذِيبُهم هَذَا فِي ذاتِ اللهِ، فهم هنا إنَّما يعذَّبون فِي ذاتِ اللهِ فقطْ، وهذا لا يَضُرُّهُمْ أبدًا، بل يَزيدهم رفعةً، ولذلك كَانَ ذِكْرهم إِلَى يومِ القيامةِ، فأشادَ اللهُ تعالى بذِكْرِهِمْ فِي القُرآنِ، وسَيَبْقَى إِلَى يومِ القيامةِ، وهذا فيه أكبرُ منفعةٍ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ بعدَ مَوتِنا بأيِّ وجهٍ كَانَ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعونَ فِي الآخرةِ]، يعني: يقولون: مهما كَانَ حَتَّى لو بَلَغْنَا إِلَى الموتِ فإنَّ النهايةَ أننا سَنَرْجِعُ إِلَى رَبِّنا، ورُجُوعُنا إِلَى ربِّنا خيرٌ من الدنيا؛ لأنَّهم يَرْجِعُون إِلَى نَعيمٍ أَبَدِيٍّ لا يُمَاثِلُه شيْءٌ من نَعيم الدُّنيا، وفي سُورةِ طه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]، يعني: اقضِ ما تريدُ، غاية ما يكونُ أنْ يكونَ تَعْذِيبُكَ مُوصِلًا إِلَى الموتِ، وإذا أوصلَ إِلَى الموتِ فالنتيجةُ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ممَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُم صادقونَ فِي الإيمانِ، وأن إيمانَهم راسخٌ جِدًّا. وفي هَذَا من آياتِ اللهِ وبيانِ قُدْرَتِهِ ما هُوَ ظاهرٌ، ففي لحظةٍ واحدةٍ انقلبَ الكفرُ العظيمُ إِلَى إيمانٍ عَميقٍ، فبمجرَّد أنْ رَأَوْا ما تَفْعَلُه عَصَا مُوسَى انقلبوا

стр. 107

بعدَ الكفرِ مُؤمِنينَ، ولهذا قال بعضُ العلماءِ: أَصْبَحوا كفّارًا سَحَرَةً، وأَمْسَوْا شُهَدَاءَ بَرَرةً (١). وهدا صحيحٌ أَنَّهُم كانوا بَرَرَةً وأتقياءَ، وكانوا من أقوى النّاسِ إيمانًا وجِهادًا فِي سبيلِ اللهِ. قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، وفي هَذَا أيضًا دليلٌ عَلَى إيمانهم بالبَعْثِ؛ لِقَوْلهِم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، فهم مؤمنونَ بلِقاءِ اللهِ ، وَهُوَ من أصولِ الإيمانِ. فوائد الآيتينِ الكريمتينِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: شِدَّة تمَويهِ فِرْعَوْن حينَ قَالَ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ معَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بينَ مُوسَى وبينَ هَؤُلَاء السَّحَرَةِ شيْءٌ مِنْ الإتصالِ، ولكنَّه لقوَّةِ تمويهِهِ أرادَ أنْ يُمَوِّهَ بهذا الكَلامِ الَّذِي لَيْسَ بمعقولٍ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوَّة جَبَرُوته حِينَ هَدَّدَهُمْ بقطعِ الأيدي والأرجلِ مِن خِلاف ثم الصَّلب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوَّة إيمانِ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ الَّذين تَحَدَّوْا فِرْعَوْنَ بِجَبَرُوتِهِ، وقالوا: إنه لا ضررَ علينا فيما هَدَّدْتَنَا به؛ لأَنَّنا سَنَنْقَلِبُ إِلَى اللهِ وسيُعْطِينا منَ الأجرِ والثوابِ أكثرَ ممَّا فَقَدْنَا من هَذِهِ الحياةِ الدنيا، كما قال فِي سُورَةِ طه: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإيمان إذا صَدَقَ صَارَ أقوى من العاطفةِ، فَحُبُّ النَّفسِ أمرٌ فِطريٌّ، ولكن الإيمان يؤدِّي إِلَى أن ترخصَ النَّفسُ عند المرء بجانبِ دينِه.

стр. 108

الآية (٥١) * * * * قالَ اللهُ : ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ نَرْجُو ﴿يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ﴾ أي: بأنْ ﴿كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي زَماننا]. ﴿نَطْمَعُ﴾ يعني: نرجو ونؤمِّلُ، وهذا الطمعُ مما يُمْدَحُ عليه العبدُ، لكن إذا فعل أسْبابه، أمَّا إذا لم يفعلْ أسْبابَه فَإِنَّهُ منَ الأمانيّ الباطلةِ، كما جاء فِي الحديثِ: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ" (١). هم أكَّدوا أَنَّهُم يَطمعونَ فِي مَغْفِرَةِ اللهِ؛ لأنَّهم فعلوا السَّبَبَ، وَهُوَ الإيمانُ بعدَ الكفرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فهم طَمِعُوا هَذَا الطمعَ معَ وُجودِ سببِه، وَهُوَ مدحٌ، وقولهم ﵃: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ الغَفْر معناه: سَتْر الذَّنْب والعفو عنه، وقولهم: ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع: خطيئةٍ، وهلِ الخطايا والسيئاتُ واحدةً، أم بينهما فرقٌ، أم يفرق بينهما عند الإجتماع فقطْ؟

стр. 109

يُفَرَّق بينهما عندَ الإجتماعِ فقطْ، وأمَّا إذا أُفردت إحداهما فإنها تشملُ الأخرى، ففي سُورَة آلِ عِمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، إِلَى أن قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] , ففرّقوا بين الذُّنوبِ والسيئاتِ، فالذُّنوبُ طَلَبُوا مَغْفِرَتَها، والسيئاتُ طلبوا تَكفِيرَها؛ لأنها من الصغائرِ الَّتِي تكفّرها الأعمالُ الصَّالحةُ، والسيئاتُ المُرادُ بِهَا هنا الكبائرُ، الَّتِي لا تزولُ إلا بمغفرةٍ، لا بتكفيرٍ. قال تعالى: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذَا لَيْسَ من بابِ الإدلالِ عَلَى اللهِ والمِنَّة عليه بكونهم أولَ المُؤمِنينَ، ولكن من بابِ التحدُّثِ بنعمةِ اللهِ الَّذِي يَرَوْنَهُ سببًا ووسيلةً لمغفرةِ الذُّنوبِ؛ لِأَنَّ السبقَ إِلَى الإيمانِ وإلى العملِ الصَّالحِ مَنْقَبَةٌ، ومن أسْبابِ الرُّتَبِ العاليةِ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، فالسبقُ إِلَى الإيمانِ والعمل الصَّالح له مَزِيَّتُه، ولصاحبِهِ مرتبةٌ عاليةٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ هم الَّذين أَتعبوا مُوسَى ﵇ بعدُ؟ أم هَؤُلَاءِ قُتلوا؟ فالجَواب: لا، هَؤُلَاءِ إيمانهم صحيحٌ، وهَؤُلَاءِ إما أَنَّهُم قُتِلُوا مباشرةً، أو أَنَّهُم لم يحدثْ لهم شيْءٌ، أما الَّذين آذَوه فهم قومُه.

стр. 110

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل كَانَ بنو إِسْرَائِيل مُؤمِنينَ؟ فالجَواب: فِي هَذِهِ المعالجةِ الظَّاهرُ ما كانوا مُؤمِنينَ، أو كَانَ بعضُهم مؤمنًا، لا أدري؛ لِأَنَّ أصلَ إنزالِ التوراةِ بعدَ ذلكَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القَصَص: ٤٣]. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل قتل جميع السَّحَرَة؟ فالجَواب: الظَّاهرُ أَنَّهُم كلّهم؛ لِأَنَّ قولَ بعضِ العلماء: "شُهَدَاء بَرَرَة" يدلُّ عَلَى أَنَّهُم قُتِلُوا، وعلى كلِّ حالٍ نَحتاج إِلَى التثبُّتِ. وإنْ قال قائلٌ: هل آمنوا جميعُهم؟ فالجَواب: كلهم آمنوا، قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦]، فكلهم آمنوا إيمانًا كاملًا. فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: قوَّةُ رجاءِ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ باللهِ : ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيها دليلٌ عَلَى أن السبقَ إِلَى الإيمانِ من أسْبابِ المغفرةِ والرفعةِ؛ لِقَوْلِهِم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقد دلَّ عَلَى ذلكَ الكِتابُ فِي قولِهِ تعالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، ولما تخاصمَ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عوفٍ وخالدُ بنُ الوليدِ قال النبيُّ ﷺ لخالدٍ: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ

стр. 111

لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (١). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيها أيضًا أن الإطلاقَ تُقَيِّدُهُ قَرينةٌ؛ لقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لِأَنَّ المُراد أَوَّل المُؤْمِنِينَ فِي وَقْتِهِم، وإلَّا فقد آمن أحدٌ قبلَهم، أو أوَّل المُؤمِنينَ من آلِ فِرْعَوْن؛ لِأنَّهُ قد آمن أحدهم قبلَهم، فقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: من آل فِرْعَوْنَ، والمُفسِّر يقولُ: [في زَماننا]، ولكن هَذَا لَيْسَ بظاهرٍ، بل الظَّاهرُ أَنَّهُ من آلِ فِرْعَوْن؛ لِأَنَّ من بني إِسْرَائِيل مَنْ آمَنَ قبل ذلك. * * *

стр. 112

الآية (٥٢) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ بعدَ سِنينَ أقامها بينَهم يدعوهم بآياتِ اللهِ إِلَى الحقِّ، فلم يَزِيدُوا إلَّا عُتُوًّا]. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ والوحيُ فِي اللُّغةِ: الإعلامُ بسرعةٍ وخَفاءٍ، وأمَّا فِي الشرعِ: فهو إعلامُ اللهِ تعالى بالشرعِ لأحدِ أنبيائِهِ، ثم إنَّ الوحيَ قد يكونُ بواسطةٍ، وقد يكون بغيرِ واسطةٍ، وقد قسمَ اللهُ ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]، فقوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ هَذَا الإلهامُ (الوحي الإلهامي)، ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ مكالمة صريحة، لكن مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، والثالث: ﴿يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ (أَنْ) تفسيريةٌ؛ لأنَّهم يقولون: إذا سَبَقَها مَعْنى القولِ دونَ حُروفِهِ فهي تفسيريَّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القَصَص: ٧]، وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وهنا: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ لأنها تفسّر ما يوحَى به. وقوله: ﴿بِعِبَادِي﴾ المُراد بهم بنو إِسْرَائِيلَ، وهي عبوديَّة شرعيَّة.

стр. 113

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ بني إِسْرَائِيل، وفي قِراءَة (١) بكسرِ النونِ ووصلِ همزةِ ﴿أَسْرِ﴾ مِن سَرَى لغة فِي أسرَى، أي: سِرْ بهم ليلًا إِلَى البحرِ]، يعني: يُقال: أَسْرَى وسَرَى، فالأمر من أسرى الرباعي: أَسْرِ، والأمر مِن سَرَى: اسْرِ بهمزةِ وصلٍ، فعلى أَنَّهُ من الرباعي تكون ﴿أَنْ أَسْرِ﴾، تظهر (أنْ) وتبقى ساكنةً، وعلى أَنَّهَا من (سَرَى) تكسِر النونَ؛ لملاقاةِ الساكنِ، وتكون الهمزة همزةَ وصلٍ: (أنِ اسْرِ بعبادي). والمَعْنى: سِر بهم ليلًا، يقول المُفسِّر: [إلى البحرِ]، والدَّليلُ أَنَّهُ إِلَى البحرِ قولُه تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. وكذلك أيضًا ما جاء فِي سياقِ هَذِهِ الآيَاتِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يَتَّبِعُكُمْ فِرْعَوْنُ وجنودُه فيَلِجُونَ وراءكم البحرَ، فأُنْجِيكم وأُغْرِقهم]. أمَرَهمُ اللهُ أن يَسيروا ليلًا، وإنَّما أُمِرُوا أن يسيروا ليلًا؛ لئلَّا يَظْهَرَ أمرُهم، لأنَّهم لو أرادوا أن يَسيروا نهارًا وتجهّزوا، لشَعَرَ بهم آلُ فِرْعَوْن، وحينَئذٍ يَمْنَعُونَهم أو يُؤْذُونَهم، فلذلك أُمِرُوا أنْ يَسِيروا باللَّيلِ. قال: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أُكدتْ هَذِهِ الجُملةُ بـ (إنّ) معَ أَنَّهَا جملةٌ اسْميَّةٌ أيضًا، إشارة إِلَى أَنَّهُ لا بدَّ أن آل فِرْعَوْن يتبعونهم بدونِ تردُّد، فاتباعهم لهم أمرٌ مؤكَّدٌ، ولكنهم يَتَّبِعُونَهم طلبًا لهم؛ لأجلِ أن يَقْضُوا عليهم. * * *

стр. 114

الآية (٥٣) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣]. * * * بعدما سَرَوْا ليلًا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حينَ أُخْبِرَ بِسَيْرِهِم ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾ قيل: كَانَ له ألفُ مدينةٍ، واثنا عشرَ ألفَ قَرْيَةٍ ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعينَ الجيش]، فلمَّا علِم بهم فِرْعَوْنُ تَحَفّز وخاف أنْ يَخْرُجوا إِلَى مكانٍ آخرَ، فيكوّنوا أُمَّةً فيَغْزُوه، فأراد أنْ يَقْضِيَ عليهم، فأرسلَ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ، والمدائنُ مدائنُ مِصْرَ، وكَوْنُها بهذا العددِ الَّذِي قال المُفسِّرُ يحتاجُ إِلَى ثُبُوتٍ، ونحن ما علينا إلَّا أن نقولَ ما قاله الله، ولكنَّنا نَفْهَم أن هَذِهِ المدائنَ كثيرةٌ، ووجهها أن (فعائل) صيغةُ مُنْتَهَى الجُمُوع، فهي تدلُّ عَلَى الكثرةِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿حَاشِرِينَ﴾: جامعينَ الجيش]، وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أَنَّهُم لَيْسُوا يقولون: اخْرُجُوا، بل يُجْبِرُونَهم عَلَى أنْ يَخْرُجوا. * * *

стр. 115

الآية (٥٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿حَاشِرِينَ﴾: جامعينَ الجيش قائلًا: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ طائفةٌ ﴿قَلِيلُونَ﴾]، هَذَا من بابِ الإغراءِ عَلَى الخروجِ أنْ يُقَلِّلَ الْإِنْسَان عدوَّه فِي مسامع القومِ؛ لأجل أن يَتَشَجَّعُوا. فإذا قيلَ: أليسَ من الأَولى أنْ يُكَثِّرَهُمْ لأجلِ أنْ يَسْتَعِدُّوا؟ فالجَواب: الأَولى من حيثُ التجهيزُ العسكريُّ التقليلُ، هَذَا هُوَ الظَّاهرُ، وإن كَانَ البعضُ قد يَتَبَادَر إِلَى ذِهْنِه أن يقول: لماذا لم يُكَثَّروا لأجلِ أن يَسْتَعِدُّوا ويَخْرُجوا؟ فيُقال: إن المفاسدَ الَّتِي تَتَرَتَّب عَلَى التكثير أكثرُ من المفاسدِ الَّتِي تترتَّب عَلَى التقليلِ. فَإِنْ قِيلَ: من المقصود بقوله: (شِرذمة)؟ فالجَواب: المقصود مُوسَى وقومه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ طائفة ﴿قَلِيلُونَ﴾]، وكلمة: (شِرْذِمَة) ليستْ بمَعْنى طائفة فقط، كما قال المُفسِّر، بل بمَعْنى التحقِير، يعني: أبلغ مِن كَلِمة طائفة،

стр. 116

و ﴿قَلِيلُونَ﴾ تدلُّ عَلَى قِلَّة العدد، و (شِرذمة) تدلُّ عَلَى قلة القوَّة، ففيها هنا التقليلُ الكَمِّيّ والكيفيّ، فالكميّ بقوله: ﴿قَلِيلُونَ﴾، والكيفيّ بقوله: (شِرْذِمَة)؛ لِأَنَّ الشرذمةَ الشَّيْءُ الَّذِي لا يُعبَأ به؛ لضعفِهِ مثلًا أو عدمِ استعدادِهِ، وما أشبهَ هذا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قيل: كانوا سِتَّ مئةِ ألفٍ وسبعينَ ألفًا، ومُقَدِّمة جيشه سبع مئة ألفٍ]، هَذَا نقول: لا أصلَ له ولا صِحَّة له؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أن يكون بنو إِسْرَائِيل بهذا المبلغِ الكبيرِ الَّذِي ذكَر، بل كانوا قليلينَ مُسْتَضْعَفِينَ بِمِصْرَ، حَتَّى إن فِرْعَوْن كَانَ يقتّل أبناءَهُمْ ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، فليسوا إِلَى هَذَا الحدِّ بكثرةٍ، فنحنُ نقول: إن هَؤُلَاءِ وإنْ كانوا ليسوا كما وصفَ فِرْعَوْن بكونهم شِرْذِمَةً قليلينَ، لكن نعلم أَنَّهُم ليسوا بهذه الكثرةِ. ويقول: [فَقَلَّلَهُمْ بالنظرِ إِلَى كثرةِ جَيْشِهِ]، وليس كذلك أيضًا، وإنَّما قَلَّلَهُمْ بمسامعِ النَّاسِ من أجلِ ألَّا يَتَأَخَّرَ أحدٌ، ومن أجلِ أنْ يَتَشَجَّعُوا للخروجِ، فيقول: هَؤُلَاءِ شِرْذِمَةٌ قليلونَ، فهم لُقْمَةٌ سائغةٌ لا يحتاجونَ مِنَّا كثيرَ عَناءٍ. * * *

стр. 117

الآية (٥٥) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾: فاعلونَ ما يَغِيظُنا]، هَذَا أيضًا من بابِ الإغراءِ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا﴾ يعني: لنا آلَ فِرْعَوْن ﴿لَغَائِظُونَ﴾ فاعلونَ ما يغيظنا، وهذه نقطةٌ أُخرى للتيسير عَلَى الخروجِ إليهم؛ لِأَنَّ أحدًا من النَّاسِ لا يَرضى أنْ يَغِيظَه أحدٌ، فهو إغراءٌ لبني إِسْرَائِيل. فَإِنْ قِيلَ: قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ هَذَا الكَلامُ قائلُه فِرْعَوْن نفسه أو الله يَحْكِيه؟ فالجَواب: فِرْعَوْن الَّذِي قاله، ولكن لَيْسَ يقولُه أمامَ النَّاسِ، يقوله لرسلهِ الَّذين أرسلَهم إِلَى المدائنِ، يقول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ كل هَذَا مما أُرسل بِهِ الرُّسُلُ؛ لأجلِ أنْ يَنْشَطَ النَّاسُ عَلَى الإقبالِ. وإن قيل: القَصَصُ فِي القُرآنِ يكونُ من كَلام القاصِّ، يعني: من كَلامِ اللهِ أو من كَلام المتحدِّث؟ فالجَواب: من كَلام مَن أُخبر عنه، لكن لَيْسَ بلفظِه؛ لِأَنَّ فِرْعَوْن لُغته قِبْطِيّة ولكن الله ترجمَ كَلامَه إِلَى اللُّغةِ العربيَّة. * * *

стр. 118

الآية (٥٦) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ متيقِّظون، وفي قِراءَةٍ: "حَاذِرُونَ" (١) مُسْتَعِدُّون]، بدأ بنفسه، وأخبر أَنَّهُ هُوَ وقومه حَذِرون، أو "حَاذِرُونَ"، واجتماع القراءتينِ يفيد المعنيينِ جميعًا، أي: إننا متيقِّظون، ولِتَيَقُّظِنَا كنَّا مستعدينَ، فهاتان القراءتانِ تفيدانِ معنيينِ: المَعْنى الأول: التيقُّظ، وَهُوَ استعدادٌ نفسيٌّ، والمَعْنى الثَّاني: الإستعدادُ الحِسِّي؛ لقوله: (حَاذِرُونَ)؛ لِأَنَّ الحاذرَ اسْمُ فاعلٍ، وَهُوَ الَّذِي فعلَ ما يَحْذَرُ به، وَهُوَ الإستعداد فقط. فَإِنْ قِيلَ: ألا تشمل (حَاذِرُونَ) كلا المعنيينِ؟ فالجَواب: لا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قد يَسْتَعِدّ ويُحْسِن الإعدادَ والأجهزةَ لكن لا يكونُ مُتَيَقِّظًا، فقد يستعدّ ولا يَتَيَقَّظ. أليس أهل مِصْر فِي حربِ الأيَّام الستَّة كانوا مُسْتَعِدِّينَ، ولكنَّهم ليسوا مُتَيَقِّظِينَ، فالطائراتُ قد ملأتِ المطارَ والدعايات من الإذاعات كثيرةٌ جدًّا، ومع ذلكَ لعدمِ تَيَقُّظِهِمْ قُضِيَ عليهم، فلا بدَّ مِنِ استعدادٍ وتَيَقُّظٍ. * * *

стр. 119

الآيتان (٥٧، ٥٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قالَ اللهُ : ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ أي: فِرْعَوْن وقَوْمَه من مِصْرَ لِيَلْحَقُوا مُوسَى وقومَه ﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: بساتينَ كانتْ عَلَى جانبيِ النيلِ، ﴿وَعُيُونٍ﴾: أنهارٍ جاريةٍ فِي الدُّور منَ النيلِ، ﴿وَكُنُوزٍ﴾: أموالٍ ظاهرةٍ منَ الذهَب والفِضَّة، وسُمِّيَتْ كُنوزًا لِأَنَّهُ لم يُعط حقّ الله منها، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: مجلسٍ حَسَنٍ للأمراءِ والوُزراء، يَحُفُّه أتباعُهم]. يقول الله : ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ الضَّمير يعود عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ بصيغة العظمةِ لمناسبةِ المقامِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذين تعَاظَموا فِي أنفسهم وتكبَّروا قُوبلوا بما هُوَ أعظمُ، وَهُوَ قوّة الله . قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ يقول المُفسِّر: [بساتين كانت عَلَى جانبيِ النيلِ]، ولا يُقالُ للبساتين: (جَنَّات) إلَّا إذا كانت كثيرةَ الأشجارِ والزروعِ، بحيثُ تَسْتَتِر أرضها بِهَا ويستترُ مَن فيها بها، وأما ما فيه نخلات قليلة أو زرعٌ قليلٌ فلا يُسَمَّى جَنَّةً. وفي قولِهِ: ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ إشارة إِلَى كَثرتها، ولعلَّ الكثيرَ منهم كَانَ له بستانٌ.

стр. 120

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَعُيُونٍ﴾: أنهار جارية فِي الدورِ من النيلِ]، وينبغي أن يُقالَ: فِي الدورِ وغيرها، حَتَّى الجنات الَّتِي هِيَ البساتينُ إذا كانت فيها أنهارٌ مختلفةٌ؛ فإن ذلك لا شكّ ممّا يُبْهِجُ ويَسُرّ القلبَ، فهو أعمُّ من كونها فِي الدورِ، أو فِي هَذِهِ الجناتِ. وقوله: ﴿وَكُنُوزٍ﴾ يقول المُفسِّر: [أموال ظاهرة]، ولكن فِي هَذَا نظرٌ كونه يفسّرها بالأموالِ الظَّاهرةِ، ولو فَسَّرْنَاها بالأموالِ الَّتِي تُكنَز سواءً كانتْ مكنوزةً بالفعلِ؛ لكثرةِ المالِ ووفرتِه، فهم لا يحتاجون إِلَى إنفاقه، وإنَّما يكنزونه فِي الأرضِ لِيَرْصُدُوه لمِا يُستقبل؛ أقول: سواء كانت مكنوزةً بمَعْنى مدفونةٍ أو غير مدفونة؛ لِأَنَّ الذهب والفضة يُسمَّى كَنزًا إذا لم تؤدّ زكاته، وهذا كنزٌ شرعيٌّ، وإذا دُفن سُمِّيَ كنزًا؛ لُغويًّا. المهم أننا نقول: الكنوز هِيَ الأموالُ العظيمةُ الكثيرةُ من الذهبِ والفضّة، وسواء كانت هَذِهِ الكنوز نقودًا أو كانت حُليًّا يتحلَّون بها. يقول: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المقام نقول: المجلسُ، ويمكن أن يكونَ المُراد بِهِ مَحَلّ الإقامةِ، يعني: المُراد بالمقام المَسْكَن، فهو أعمُّ من أنْ يكونَ المجلس. والكريم: الحَسَن، ولهذا قال النبي ﷺ : "إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" (١) يعني: أَحَاسِنها، فصار هَؤُلَاءِ ممتَّعين من كلِّ وجهٍ: مقام كريم بأمنٍ وطمأنينةٍ، وراحة، وحسن، وباللون والكيفية، وكذلك أيضًا من حيثُ الأموالُ الوفيرةُ الَّتِي تَوَفَّرَتْ لهم حَتَّى صَاروا يَكْنِزُونَها.

стр. 121

فوائد الآيتين الكريمتينِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: بيانُ عُقوبةِ الله للطاغِينَ، وذلك بإزالةِ النِّعَم عنهم؛ إما بإخراجهم منها، وإما بإزالتها هي، وتُؤخَذ من قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ العُقوبةَ بعد التنعيمِ أشدُّ، ولذلك نصَّ عليه، فما قَالَ: فأخرجناهم من أماكنهم فقطْ، أو من دِيَارِهِمْ، ولكن بيَّن عَلَى سبيلِ التعيينِ ما هم فيه منَ النَّعيم؛ لِأَنَّ الأخذَ بالعُقوبةِ بعدَ النعيمِ يكونُ أشدَّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تحذير للطُّغاة من أنْ تزولَ نِعَمُهُم بسببِ طُغيانهم، ففي عَصْرِنا هَذَا فتحَ اللهُ عَلَى النَّاسِ من أنواعِ النعيمِ ما لم يكنْ مَوْهومًا من قبلُ، وبالأَولى لَيْسَ معلومًا، فيُخْشَى أنْ يخرجَ هَؤُلَاءِ من هَذَا النعيمِ إذا طَغَوْا وعَتَوْا عن أمرِ اللهِ . الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفي ذلك دليلٌ عَلَى أنَّ الْإِنْسَانَ قد يُؤْخَذ من حيثُ يَرَى أَنَّهُ عَلَا وظهرَ؛ فإن فِرْعَوْنَ بعثَ فِي المدائنِ حاشرينَ يَدْعُوهم إِلَى قتالِ مُوسَى وقومه، فخرجوا تابعينَ لهم عَلَى أَنَّهُم سيدركونهم، فصارَ فِي هَذَا الخروجِ حَتْفهم وهلاكهم، ونظيرُه فِي هَذِهِ الأمّة ما صنعتْ قُريش حينَ خَرَجَت إِلَى بَدْر، وكان أبو جهلٍ يقول: واللهِ لا نَرْجِع حَتَّى نَقْدَمَ بدرًا فنَسْقِي فيها الخُمُور، وتَعْزِف علينا القِيَان، ونشرب الخمور، حَتَّى تسمعَ بنا العربُ، فلا يزالون يهابوننا أبدًا (١). فأُخذوا من حيثُ أَتَوْا.

стр. 122

الآية (٥٩) * * * * قالَ اللهُ : ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: إِخْراجنا كما وَصَفْنا، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]، يعني أنّ ﴿كَذَلِكَ﴾ تكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، يعني: إخراجنا لهم كَانَ كذلك، أو يكون التَّقدير: الأمر كذلك. المهمُّ أن ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، فهي جملةٌ مستقلَّة عما قبلها وعما بعدها. ثم قَالَ: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ يعني هَذِهِ الجنَّات والعيون والكُنُوز والمقام الكريم، أورثناها [﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعد إغراق فِرْعَوْن وقومه]، فصارتْ لهم. وقوله: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إِسْرَائِيل: هُوَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ، ومعناه: عبدُ اللهِ، وإنَّما نُسبوا إليه لِأَنَّ بني إِسْرَائِيل تَفَرَّعُوا منه. وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيه من الإشكالِ أن النبيَّ ﷺ يقول: "أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي" (١)، وهنا أورثَ اللهُ دِيَارَ فِرْعَوْنَ وقومه وأموالهم بني إِسْرَائِيل؟

стр. 123

والجَواب: أن الله أهلك فِرْعَوْن فِي البحرِ بدونِ حربٍ، والغنيمةُ هِيَ ما أُخذَ من مالِ الكفّارِ بقتالٍ وما أُلحِق به، هَذَا تعريفها شرعًا، وهذا ما أخذَ بقتالٍ فهَؤُلَاءِ هَلَكُوا، فبَقِيَتْ دِيَارُهُم لبني إِسْرَائِيلَ، وحتى لو لم يَسْكُنْها بنو إِسْرَائِيل لَسَكَنَهَا آخرونَ غيرُهم، فالمسألة هَذِهِ ما غَنِمُوها بأيديهم، ولكنها من الله لهلاكِ هَؤُلَاءِ، يعني: كَانَ الأمر أَنَّهُم لَمَّا هَلَكُوا صارتْ إرثًا لبني إِسْرَائِيل: إرثًا قدريًّا؛ لِأَنَّهُ لا بد أن يكون كذلك. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأَنبياء: ١٠٥]، فهذا شيْء كتبه الله من بَدْءِ الخَليقة أن الأرضَ للمُؤمِنينَ، فهذه هِيَ القرينة الَّتِي تخرجها عن الغنائم فلا تكون غنيمةً. فالجَواب: لا، هِيَ ليست أرضًا فقطْ، بل جنَّات وعيون، وكنوز، ومقام كريم، وهذه الكنوز مما يُنْقَل. وإن قيل: هل كان بنو إِسْرَائِيلَ يسكنون معهم؟ فالجَواب: ساكنون فِي جانبٍ من مِصْرَ، من جانب المدينةِ، لكن اهم أخذوا كنوز فِرْعَوْن وآل فِرْعَوْن. المهم أن الجَواب الصَّحيح هُوَ الأول، وَهُوَ أن يُقال: إن الغنيمة هِيَ ما أُخِذَ بقتالٍ وما ألحقَ به، وما عدا ذلك لا يُسَمَّى غنيمةً شرعًا. إذن نقول: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ظاهرها مُشْكِل مع قوله: "أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ"، ونحن نقول: أصلًا ليس هناك غنيمة، يعني: كوننا نقول: هَذِهِ من الغنائم

стр. 124

لَيْسَ بصحيحٍ، فليستْ غنيمةً، لكن قد يَتَبادَر لِذِهْنِ أحدٍ عِندَما يقرأ الآية: كيف يؤتيها الله بني إِسْرَائِيل وقد قال النبي ﷺ : "إن الغنائم لم تَحِلّ لأحدٍ قبلي"؟ فجَوابه أن نقول: إن هَذِهِ ليستْ من بابِ الغنائمِ. فنقول: إن هَذَا التوريث لَيْسَ من بابِ الغنيمةِ؛ لِأَنَّ الغنيمةَ ما أُخِذَ من كفّارٍ بقتالٍ، وما أُلْحِقَ به. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل مُوسَى بعد إِبْرَاهِيم ﵉ مباشرة؟ فالجَواب: لا، بينهما مدة طويلة، هناك إسحاقُ ويعقوبُ، وجاء بعدهم يوسفُ بنُ يَعْقُوبَ إِلَى أهلِ مِصر رسولًا، ولهذا المؤمن قَالَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤]. وإن قيل: هل بنو إِسْرَائِيل خرجوا كلهم من مصر؟ فالجَواب: نعم، الظَّاهر أَنَّهُم خرجوا مع مُوسَى كلهم، قال تعالى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]، فهذا عامٌّ. وبعد ذلك عادوا ورجعوا إِلَى مصر وصاروا فيها.

стр. 125

الآية (٦٠) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لَحِقُوهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ]. والواوُ فِي قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ تعودُ إِلَى فِرْعَوْنَ، والهاءُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وعلى هَذَا فقولُهُ: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من حيثُ المَعْنى جملةٌ مُعْتَرِضة؛ لِأَنَّ توريثَ بني إِسْرَائِيلَ كَانَ بعدَ أنْ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وقومُه. فيصير ذِكْرُ ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مناسبةً تَقْدِيمُها فِي الترتيبِ عَلَى ما بعدها؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ كأنَّ قائلًا يقوُل: مَنِ الَّذِي حلَّ مَحَلَّهم؟ فقال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فلمناسبةِ الإخراجِ قُدِّمَتْ، وإلَّا كَانَ مُقْتَضَى الترتيبِ أنْ تكونَ بعد ذِكرِ إهلاكِ فِرْعَوْنَ وقومِهِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ لَحِقُوهم]، يُقال: تَبِعه واتَّبَعه وأَتْبَعَهُ بمعنًى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، (فأتْبَعَهُ) يعني: تَبِعه أوِ اتَّبَعَه، فكلُّ الثلاث بمعنًى واحدٍ، فقولُهُ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ يعني: اتَّبَعُوهم أو تَبِعُوهم، بمَعْنى: لَحِقُوهم. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ]، وإلى جهةِ المَشْرِقِ أيضًا، مِثْلَمَا نقولُ نحنُ: مشرّق، يعني: نحوَ المَشْرِقِ، فهم فِي الحَقِيقَةِ ﴿مُشْرِقِينَ﴾

стр. 126

إمَّا كما قال المُفسِّرُ: [وقتَ شروقِ الشَّمْسِ] أو مُتَّجِهِينَ نحوَ المشرقِ، وكِلَا المعنيينِ صحيحٌ، فمُشْرِقٌ: مُتَّجِهٌ نحوَ المشرقِ باعتبارِ المكانِ، ومُشْرِقٌ وقتَ الشُّرُوقِ باعتبارِ الزَّمانِ، والعادةُ أنَّ الخُرُوجَ أوَّلَ النَّهارِ أنشطُ للناسِ وأَولى، وكان الرسولُ ﵊ يخرج مبكِّرًا، ولكنَّه يَبْقَى حَتَّى تَفِيءَ الأفياءُ، وتزولَ الشَّمْسُ، وتَهُبَّ الرِّيَاحُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا مُوسَى ومَن مَعَه خَرَجُوا فِي اللَّيل وفِرْعَوْن ما خَرَجَ بعدَهم إلَّا بعدَ خُرُوجِ الشَّمس؟ فالجَوابُ: خرجَ مُوسَى وقومُه ليلًا اختفاءً؛ خوفًا عَلَى أنفسهم من فِرْعَوْنَ فخَرَجُوا باللَّيلِ، أمَّا هَذَا فما خرجَ خائفًا حَتَّى ينتظرَ قدومَ اللَّيلِ، فخرجَ مُعْلِنًا أنَّه ظاهرٌ منتصِرٌ لنفسه. * * *

стр. 127

الآيتان (٦١، ٦٢) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ رأى كلٌّ مِنهما الآخرَ]، والمُرادُ بهما جَمْعُ مُوسَى وجَمْعُ فِرْعَوْنَ [﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ يُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ، ولا طاقةَ لنا به]. قال: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أكَّدوا الإدراكَ بـ (إنّ) واللامِ، يعني: مُدْرَكُون يَقينًا؛ وذلك لِأَنَّ البحرَ أمامَهم وآلَ فِرْعَوْنَ خَلْفَهم، فلا بدَّ أنْ يُدْرِكُوهم، فأينَ يَذْهَبُون؟ فليسَ أمامَهم إلَّا البحر؛ إنْ خاضوا البحرَ غَرِقُوا، وهم لنْ يَخُوضُوه بِحَسَبِ اعتقادِهِمْ فِي تلكَ الساعةِ؛ لأنَّهم لا يَعْلَمُون بالأمرِ، فهم لنْ يَخُوضوا البحرَ، فما بَقِيَ إلَّا أنْ يُدْرِكَهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ. ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ بالجُملةِ الإسْميَّةِ المؤكَّدة بـ (إنّ) واللامِ، ولكن مُوسَى أجابَهُم بقولِهِ: ﴿كَلَّا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: لن يُدْرِكُونا]، قال ذلك مُوسَى إيمانًا باللهِ تعالى، وثِقَةً بوعدِهِ، وأنه ما أمرهم بالخروجِ إلّا لِيَحْمِيَهُمْ مِن فِرْعَوْن وآلِهِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بِنَصْرِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريقَ النَّجاةِ].

стр. 128

أولًا: ما قَالَ: كلَّا إنِّي سأُهدَى، بل قدّم مَعِيَّةَ اللهِ؛ لأنها أَقْوَى فِي تَثْبِيتِ قومِهِ، قَالَ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وكلُّ إِنْسانٍ يكونُ اللهُ معَه فلنْ يَضُرَّهُ شيْءٌ، ثم قال أيضًا مؤكدًا أثر هَذِهِ المعيَّة: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والسينُ تدلُّ عَلَى التَّحقيقِ والقُرْبِ، ومَعْنى ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي: سَيَدُلُّنِي عَلَى طريقٍ أَنْجُو به، ومُوسَى لم يكنْ عالمًا بهذا الطَّريقِ حينَ ذاكَ، ولكنَّه واثقٌ منَ النَّجاة، ولهذا أتَى بالسِّينِ الدالَّة عَلَى التَّحقيقِ وعلى القُرْبِ أيضًا؛ لِأَنَّ المَقامَ يَقْتَضِي ذلكَ. فهَؤُلَاءِ أكَّدوا أَنَّهُم مُدْرَكُون، فقُوبِلُوا بالتَّأكيدِ أَنَّهُم لنْ يُدْرَكُوا، وتأكيدُ ذلك أوَّلًا بذِكْرِ مَعِيَّةِ اللهِ : ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وتأكيدُه ثانيًا بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ لِأَنَّ السِّينَ كما هُوَ معروفٌ عند أهلِ النَّحْوِ تدلُّ عَلَى التَّحقيقِ والقُرْبِ، قَالَ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وفِعلًا حصلَ ما تَيَقَّنَهُ مُوسَى ﵊ من أنَّ اللهَ سُبْحَانَه سَيَهْدِيه طريقَ النجاةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما توجيهُ المَعِيَّة هنا فِي قول المُفَسِّر: [﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بنصرِه]؟ فالجَواب: المُرادُ بالمعيَّة هنا المعيَّةُ الخاصَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي النصرَ والتأييدَ؛ فإنْ قصَدَ المُفسِّرُ بنصرِهِ أَنَّهُ تفسيرٌ بالمعيَّة بالمَعْنى العام فهذا لَيْسَ بصحيحٍ، وإنْ أرادَ بِنَصْرِهِ أَنَّهٌ أثرٌ لذلكَ، فهذا صحيحٌ، فالمُفسِّر لا يُعْتَرَضُ عليه؛ لأَنَّ هناكَ احتمالًا أَنَّهُ يقولُ: معي بِنَصْرِهِ، بمَعْنى أن هَذِهِ المعيَّة سيكونُ أَثَرها النَّصْر. فوائدُ الآيتينِ الكريمتينِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فِي هَذَا دليلٌ عَلَى قوَّة إيمانِ مُوسَى ﵊ فِي قولِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ووجهُ قوَّةِ الإيمانِ أَنَّهُ فِي هَذَا المَقامِ المُحْرِجِ الَّذِي لا يرى الْإِنْسَان فيه إلا أَنَّهُ هالِكٌ، ولهذا قال أصحاُبه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.

стр. 129

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ الله كما يَهدي إِلَى الطَّريقِ المعنويّ يَهدي أيضًا إِلَى الطَّريقِ الحِسِّيّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وليس المُراد هنا هداية العلمِ والتوفيقِ للعملِ الصَّالحِ، وإنَّما المُرادُ بالهدايةِ لِطَرِيقِ النَّجَاةِ الَّتِي يَنْجُو بها، فهداه اللهُ . * * *

стр. 130

الآية (٦٣) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. * * * قال تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ﴾ وهذه لا يَصْلُحُ فيها: (أَنْ أَضرِب)؛ لِأَنَّ (ضَرَبَ) لا يأتي رُبَاعِيًّا، ولهذا يجب كسرُ النونِ: ﴿أَنِ اضْرِبْ﴾، و (أَنْ) هَذِهِ تفسيرية. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فَضَرَبَهُ ﴿فَانْفَلَقَ﴾]. تقديرُ المُفسِّرِ (فضربه) صحيحٌ؛ لِأَنَّ البحرَ لم يَنْفَلِقْ بمجرَّد الوحيِ، بل بالضَّرب، وفي قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ إشارة إِلَى أن مُوسَى ﷺ بادرَ بضربِ البحرِ، وأن البحرَ انفلقَ حالًا بدونِ تأخُّر. ومَعْنى ﴿فَانْفَلَقَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [فانشقَّ اثني عَشَرَ فِرقًا، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ الجبل الضخم، بينهما مسالِكُ سَلَكُوها، لم يبتلَّ منها سَرْجُ الراكبِ ولا لِبْده]. يقول: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ وهذه العصا الَّتِي كَانَ يَحْمِلُها دائمًا يَتَوَكَّأ عليها، ويَهُشّ بِهَا عَلَى غَنَمِه، وله فيها مآرِبُ، فتكون هَذِهِ العصا فيها مصالحُ عظيمةٌ، وفيها من آياتِ اللهِ ثلاثُ آياتٍ، هَذِهِ إحداها. والثَّانية: الثُّعبان، أَنَّهُ إذا ألقاها صارتْ ثعبانًا مُبينًا.

стр. 131

والثالثة: إذا ضَرَبَ بِهَا الحَجَرَ تفَجَّر عُيونًا. فهذه ثلاثُ آياتٍ، أما البقيَّة: فالإتِّكاء عليها، والهَشّ بِهَا عَلَى الغنم، ودفع الصَّائل، وما أشبهَ ذلك، فهذه ليستْ منَ الآيَاتِ، بل من الأمورِ المعتادَة. وقوله: ﴿الْبَحْرَ﴾ المُراد بِهِ البحرُ الأحمرُ، ويُسَمَّى بَحْرَ القُلْزُم، هَذَا البحرُ انفلقَ ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ كالجبلِ العظيمِ، يعني: لِكِبَرِه وارتفاعه؛ لِأَنَّ قاعَ البحرِ قويٌّ عميقٌ، فيكون كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ للكِبَر وللإرتفاعِ، وظاهرُه أَنَّهُ عريضٌ؛ لِأَنَّ الطودَ العظيمَ يتناولُ الكِبَر والإرتفاعَ والعَرْض، وَهُوَ كذلك، وهذا من آياتِ اللهِ؛ لِأَنَّ العصا إذا ضربت لا تَتَّسِع لمكانٍ واسعٍ، وهذه الأطوادُ - الإثنا عَشَرَ - مكانها بلا شكّ واسعٌ، والطرقُ أيضًا ستكونُ واسعةً. ثم إن فِي هَذِهِ الضربة من آياتِ اللهِ - غير انفلاق البحر - أَنَّهُ صارَ يَبَسًا، يَبِسَ فِي الحالِ، قال تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، وهذا أيضًا من آياتِ اللهِ، أن الله أزال عنهم الخوفَ وألقاه عنهم، وإلَّا فطبيعة البشرِ تَقتضي إذا كَانَ الماءُ عَلَى يمينِه ويسارِه كالأطوادِ أن يخافَ، ولكن الله ألقى عنهمُ الخوفَ، فلم يَخَافُوا أبدًا. وفي قوله: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ظاهرٌ أنَّ الماءَ لم يَتَغَيَّرْ، يعني: لم يتجمَّدْ بالمَعْنى المعروفِ، فيكون أبيضَ جامدًا، ولكنَّه بقِيَ جامدًا عَلَى طبيعته أسودَ، وهذا أعظمُ ممّا لو تَجَمَّد وَهُوَ عَلَى غيرِ طبيعتِه لصارتْ فيه آيةٌ واحدةٌ، وهي سرعةُ التجمُّد بهذه اللحظةِ، فكونه لا يَسيل وَهُوَ جامدٌ أمرٌ طبيعيٌّ عاديّ، لكن كونه يبقى مائعًا ولكن لا يَسيل، فهَذَا أبلغُ من ذلك. ففيه آيتان: أَنَّهُ لا يسيل، وأنه لا يسيل وَهُوَ عَلَى طبيعته، والله تعالى عَلَى كل شيْءٍ قديرٌ.

стр. 132

وفيه أيضًا دَليل عَلَى أنّ كلّ شيْءٍ يَمتثِل لأمرِ اللهِ، وأن الله تعالى قادرٌ عَلَى قلبِ الأمورِ عن طبائعها، فضلًا عن تغيّر صفاتها، فهذه النارُ الَّتِي من طبيعتها الإحراقُ والحرارةُ كانت بردًا وسلامًا عَلَى إِبْرَاهِيم فِي الحالِ، وهذا الماءُ الَّذِي من طَبيعته الإغراقُ والسَّيَلان صارَ أمْنًا وجامدًا لا يسيلُ بالنِّسبةِ لبني إِسْرَائِيلَ. قال أهل العلم: إنه ما من آيةٍ أُعْطِيَها أحدٌ من الأَنْبياءِ إلَّا وكانتْ للرسولِ ﵊، والآية المقابلةُ لهذا الأمرِ ما جَرَى لِسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ لَمَّا أرادَ الغزوَ حيث خاضَ الماء (١)، ولكن ما صار يَبَسًا، وهذا أبلغُ؛ أَنَّهُ يكونُ باقيًا عَلَى طبيعته يجري كما هو، وهذه الخيولُ والإبلُ والمُشاةُ يمشون عليها. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ ليست بعهدِ النبيِّ ﵊؟ فالجَواب: كرامةُ أتباعِهِ مُعْجِزَةٌ له. فالحاصلُ أن يُقالَ: إن ما جَرَى لبني إِسْرَائِيلَ جَرَى لهذه الأُمَّة مثله؛ وذلك لِأَنَّ كرامةَ أتباعِ النبيِّ مُعْجِزة له؛ إذ مَعنَى الكرامةِ الشهادةُ بأنَّ ما عليه هَذَا المكرَم حقٌّ، فإذا كَانَ أتباعُ النبي ﷺ جاء لهم شهادة بأنَّ ما هم عليه حقّ، كَانَ مَعْنى ذلك أنَّ ما جاء بِهِ الرسولُ ﷺ هُوَ حقٌّ. فَإِنْ قِيلَ: قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ اثني عَشَر فرقًا، الإثنا عشرَ هَذِهِ ضرب اثنتي عشرة مرةً أم ضربة واحدة فانفلقَ اثني عشرَ؟ فالجَوابُ: لا، ضَرْبَة واحدة، فانفلقَ اثني عشرَ.

стр. 133

وإنْ قيلَ: كل اثني عَشَر ألفًا يدخلونَ من طريقٍ؟ فالجَوابُ: لا نَدْرِي، كلّ اثني عشر ألفًا يدخلونَ من طريقٍ أو عشرة آلاف أو ألف. وإنْ قيلَ: كم عَدَدُهُمْ؟ فالجَواب: لا ندري، هم عَلَى كلِّ حالٍ اثنتا عشْرَةَ قبيلةً، فالأسباطُ فِي بني إِسْرَائِيلَ مثلُ القبائلِ فِي العربِ، وهم اثنتا عَشْرةَ، لا نَعْرِفُ كم عَدَدُ القبيلةِ؛ قد تَقِلُّ أو تَكْثُرُ، فيمكنُ كل قَبيلة مثلًا خَمْسُ مئةِ نفرٍ أو أكثرُ أو أقلُّ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ دَليلٌ عَلَى الكثرةِ، لِأَنَّهُ ينافي الحكمةَ لو أخبرَ اللهُ أنَّ الطَّريقَ عظيمٌ وهم قليلٌ؟ فالله جعلَ اثني عشرَ طريقًا لقبائلِ بني إِسْرَائِيل، وهم قليلونَ وينافي الحكمةَ، فلا بدَّ أَنَّهُم كثيرونَ، وكلُّ واحدٍ كالطَّوْدِ العظيمِ؟ فالجَواب: كلُّ فِرقٍ لَيْسَ معناهُ الطَّريق، فالماءُ الَّذِي بينها مثلُ الجبالِ وليسَ نفس الطَّريق، فـ ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: من الماء، فالماء الَّذِي بينها مثل الجبال. وذكر بعضُ الَّذينَ يَنْقُلُونَ الإِسْرَائِيليَّات أَنَّهُ صار بهذه الأطواد فُرَج ينظرُ بعضُهم إِلَى بعضٍ؛ زيادةً فِي الأمنِ، ولكن الله تعالى أعلمُ هل هَذَا صحيحٌ أو لا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فمَنِ المقصودونَ فِي قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]؟ فالجَواب: هم الَّذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النِّساء: ١٥٣]، هَؤُلَاءِ المختارون.

стр. 134

فَإِنْ قِيلَ: كيف يكونون المختارينَ ثم يقولون: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؟ ! فالجَواب: نعمْ، لا شكَّ أن هَذَا فِي الحَقِيقَةِ مما يدلُّ عَلَى أَنَّهُم مهما بَلَغُوا بالكمالِ أَنَّهُم ليسوا كهذه الأمَّة. فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهرُ أنَّ إيمانَهم ضعيفٌ؛ لأنَّهم وَصَلُوا إِلَى حدّ عبادةِ الصنمِ؟ قلنا: لا، هم طلبوا إلهًا، لكن مُنعوا، وقد عبَدوا العجلَ بعدَ أنْ غاب عنهم مُوسَى. وهم عَلَى كلِّ حالٍ حَتَّى لو كَانَ إيمانهم ضعيفًا فِي أوَّل الأمر، ونحن لا نعلم عن إيمانهم، لكن ظاهرُ الآياتِ أَنَّهُم مُنّ عليهم بهذا لكمالِ إيمانهم، والْإِنْسَان إذا توفرتْ لديه النعمةُ قد يَختلف حالُه، فهم خرجوا فِي الأوَّل وهم فِي قِلّة وفي ضعف وفي خوفٍ، وهم أقربُ إِلَى الإيمان مما إذا نُعِّمُوا هَذَا النعيم؛ لِأَنَّ العادة أن الْإِنْسَان إذا نُعّم فَإِنَّهُ يَحْصُلُ منه الأَشَرُ والبَطَر، هَذَا هِيَ العادة. فَإِنْ قِيلَ: هل يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إن هَؤُلَاءِ الَّذينَ حَصَلَ منهم هَذِهِ الأشياءُ أَنَّهُم ذُرِّيَّتُهُمْ؟ فالجَواب: الظَّاهر أَنَّهُم عَلَى حَسَبِ الأجيالِ المعروفةِ يَتَوَالَدُون، والَّذين صاروا فِي التِّيهِ وحُرِّمَتْ عليهم الأرضُ المقدَّسة أربعينَ سنةً فلأجلِ أنْ تَتَغَيَّر أوضاعهم وأحوالهم بإنشاءِ خلقٍ آخرَ. المهم نَجْزِم أن إيمانَهم فِي ذلك اليومِ كَانَ إيمانًا جيِّدًّا قويًّا حينما أغرقَ فِرْعَوْنَ، ولهذا نُصِروا هَذَا النصرَ العظيمَ عَلَى فِرْعَوْنَ؛ لِأَنَّ سياقَ الآيَاتِ يدلُّ عَلَى هذا. فَإِنْ قِيلَ: إن إيمانهم ضعيفٌ بقرينةِ ما حصلَ؟ قلنا: ما حصلَ بعدُ، والْإِنْسَان يَتَغَيَّر.

стр. 135

فَإِنْ قِيلَ: المهاجرونَ لَمَّا آمنوا إيمانًا قويًّا، والأنصار لما آمنوا إيمانًا قويًّا ما صار منهم شيْء مثلما حصلَ من بني إِسْرَائِيلَ؟ قلنا: لا نقارنُ بني إِسْرَائِيلَ بهذه الأمَّة، فمسألة المقارنةِ غيرُ واردةٍ؛ لِأَنَّهُ لا سواء، بنو إِسْرَائِيلَ ابْتُلُوا بالحِيتان فلم يَصْبِرُوا وتحيّلوا، وهذه الأمَّة ابتُلوا بالصَّيد وهم مُحْرِمون فصَبَروا، وغيره، وغيره، فلا تقارن إيمان هَذِهِ الأمة بإيمان مَن سبقَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أنا لا أقصدُ المقارنةَ، ولكن أقصدُ أن الإيمان إذا كَانَ جيِّدًا فِي البدايةِ فالغالبُ أَنَّهُ تصرف عنه مثل هَذِهِ الأشياء الخطيرةُ، وإلا فالصغائر أمرها أقل خطرًا. قلنا: عَلَى كل حالٍ هم حينَذاك لا شكّ أَنَّهُم مؤمنونَ؛ لأنَّهم شاهدوا الإيمان وورثوا الأرض، ولا مانع أن تطرأَ لهم أحوال يتغيَّرون بها. فَإِنْ قِيلَ: لو لم يكونوا مُؤمِنينَ لَمَا صَبَروا عَلَى أذى فِرْعَوْن حينما قطَّعَ أرجلَهم وأيديَهُمْ من خلافٍ، وهذا دَليلٌ عَلَى قوة إيمانهم العظيمِ. قلنا: لا، هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ لا شكّ فِي قوة إيمانهم، والسَّحَرَة من آلِ فِرْعَوْن. وهم غير الَّذين ذهبوا مع مُوسَى، فالكَلامُ عَن بني إِسْرَائِيلَ، وبنو إِسْرَائِيل غير السَّحَرَة، فالسَّحَرَة من القِبط من آلِ فِرْعَوْن. فنقول: الأَصْلُ أن إيمانهم فِي تلكَ الساعةِ قويٌّ، هَذَا هُوَ الأَصْلُ، وإنَّ النصرَ إنَّما يَسْتَحِقُّه المؤمنونَ، وإنَّما يَرِثُ الأرضَ عبادُ الله الصَّالحون، لكن لا مانعَ من أن تطرأَ أحوالٌ، وتَتَجَدَّد أعمالٌ، فيَنْصَرِفون هم أو بعضهم عن الحقِّ.

стр. 136

فهذا الجدلُ لا فائدةَ فيه، نحن نقولُ: إنّ مَنِ انتصرَ فهو مؤمنٌ حقًّا، ومَن نصرهُ اللهُ وأورثهُ الديارَ فهو من عبادِ اللهِ الصَّالحينَ، هَذَا الأَصْلُ. ثم إذا طرأتْ أحوالٌ نقول: الله أعلمُ كيف تطوَّرت هَذِهِ الأحوال، ففي الحَقِيقَةِ لَيْسَ فِي هَذَا فائدةٌ، وليست المسألة عَمَلِيَّة نُطَبِّقُها حَتَّى نُحَقِّق كيف نعملُ، فقد قصّ الله علينا فِي هَذِهِ المسألةِ أحوالًا لبني إِسْرَائِيلَ تدلُّ عَلَى أن هَؤُلَاءِ القوم آمنوا وطرأتْ عليهم أحوالٌ، وبالنظرِ إِلَى أحوالهم العامَّة نَعْرِف أن إيمانهم لَيْسَ كإيمان هَذِهِ الأمَّة، وأن هَذِهِ الأمَّة أكملُ فِي إيمانها، وأكملُ عملًا. فَإِنْ قِيلَ: هل نستنتج من هَذَا أَنَّهُ من الممكنِ أن يكونَ هناك إيمان كامل فِي البدايةِ ثم يَنْقُصُ نقصًا شديدًا إِلَى أن يصلَ إِلَى حدِّ ما وصلوا إليه؟ فالجَواب: هَذَا ممكنٌ، وليس هناك إشكال أن الإيمان حاصل، لكن الَّذِي أشكل أَنَّهُ كيف تطورتِ الأحوالُ إِلَى أن يقولوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وهذا لا يمنع أن بعضهم قال هذا، أو تقلَّبت بهم الأحوالُ، فالله أعلمُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما المقصود بالفِرق؟ فالجَواب: الفِرق: الطائفةُ من الماءِ، فصار كل فِرقٍ وقطعة منه مثل الطَّوْد العظيم. فَإِنْ قِيلَ: ما الغرضُ من ذِكْر عهدِ أسلافهم؟ فالجَوابُ: مِنَ المُمْكِنِ أنَّ اللهَ يُذَكّرهم بِعُيُوبِهِم السابقةِ لَعَلَّهم يَرْتَدِعوا، أو يُذَكِّرهم بهذا لبيانِ أن هَذَا من عادتهم وسَجِيَّتِهِم، فهو بين أمرينِ:

стр. 137

* إما أن يبيِّن عَيْبَهُم لعلَّه يُصْلِح من أحوالهم، ويكون ما صلحَ من أحوال باقيهم كالهادمِ لمَا سَبَقَ. * وإمَّا أن يُقالَ: إن هَذَا بيان؛ لِأَنَّ هَذِهِ طبيعتهم وسَجِيَّتهم مثلًا، فيكون فيه مع التوبيخ لهَؤُلَاءِ تسليةٌ للرسولِ ﷺ وأصحابه. فَإِنْ قِيلَ: وماذا عن أحوالهم الآن؟ فالجَواب: ما صاروا عليه أخبثَ؛ لأنَّهم صاروا كفّارًا؛ لِأَنَّهُ بعد بعثةِ الرسولِ ﷺ ، بل بعد بعثة عيسى ﵊ وكفرهم بِهِ صاروا كفّارًا وليس فيهم إيمان أبدًا. ولا شكَّ أن عندهم عُتُوًّا، ومَن أراد أن يعرِفَ عن أحوالهم شيئًا فليراجِعْ (إغاثة اللَّهْفان) لابن القَيِّم، لكن الكَلام عن الَّذين أُورِثُوا أرضَ فِرْعَوْن فِي ذلك الوقتِ، ما لنا فِي الحَقِيقَة حقٌّ أن نقولَ: إيمانهم كاملٌ، أو إيمانهم ناقصٌ، إنَّما نعرِف من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأَنْبياء: ١٠٥]، أَنَّهُم فِي ذلك الوقت صالحونَ فقطْ، وتغير الأحوال بعد ذلك الوقت واضحٌ. فَوَائِد الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: تمام قدرة الله بفَلْقِ البحرِ، وتَيْبِيسه فِي الحالِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيها دَليلٌ عَلَى أن لكلِّ شيْءٍ سببًا، حَتَّى الآيَات الَّتِي يجعلها اللهُ عَلَى يدِ الشخصِ لها سببٌ؛ فإن الله تعالى لم يَفْلِقِ البحرَ إلَّا بعد أن أَوحى إِلَى مُوسَى أنِ اضْرِبِ البحرَ بعصاكَ، فضربه فانفلقَ.

стр. 138

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيها أن الله جعل هَذَا الماء كالأطوادِ - كالجبالِ العظيمةِ- عَلَى إيمانهم وشَمَائِلِهم، ليكونَ فِي عُبُورِهِم؛ حَتَّى لا يأخذهم العُجْبُ والعُلُوُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأطواد هِيَ فِي الحَقِيقَةِ بمنزلةِ نواقيس الإنذار، يخافون ويرهبون إذا كَانَ الماءُ عَلَى إيمانهم وشمائلهم مثل الأطوادِ؛ فإنهم لا يَرَوْنَ فِي أنفسهم استغناءً عن الخوفِ، فيكونون بين الخوفِ وبين الرجاءِ؛ وذلك فِي قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فيها أيضًا مِن آياتِ الله - فوقَ تَفْلِيقِ الماءِ - إِثْباتُ الماءِ جامدًا حَتَّى لا يسيلَ، واللهُ تعالى عَلَى كلِّ شيْءٍ قديرٌ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. * * *

стр. 139

الآيات (٦٤ - ٦٦) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤ - ٦٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قرّبنا ﴿ثَمَّ﴾ هناكَ ﴿الْآخَرِينَ﴾ فِرْعَوْن وقومَه حَتَّى سَلكُوا مَسَالِكَهُم]، الإزلافُ: بمَعْنى الإقرابِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، أي: قُرِّبت. وقوله: ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناكَ عِندَ البَحْرِ. وقوله: ﴿الْآخَرِينَ﴾ يعني فِرْعَوْن وقومَهُ، قرّبهم اللهُ تعالى إِلَى البحرِ، فرَأَوْا هَذِهِ الطُّرُقَ مفتوحةً أمامهم، فما كَانَ منهم إلَّا أنْ دَخَلُوها؛ لِأَنَّها طُرُقٌ أمامَهم رَأَوْا مُوسَى وقومَه قد عَبَرُوا منها، فاتَّبَعُوهم، فلمَّا تكاملَ هَؤُلَاءِ داخلينَ وهَؤُلَاءِ خارجينَ، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ يقول المُفسِّرُ ﵀: [بإخراجِهِمْ منَ البحرِ عَلَى هَيْئَتِهِ المذكورةِ]، وهذا إنجاءٌ من أعظمِ المِنَنِ، ﴿ثُمَّ﴾ بعد ذلك ﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ يقول المُفسّرُ ﵀: [فِرْعَوْن وقَوْمَه بإطباقِ البحرِ عليهم لما تمّ دُخُولهُم فِي البحرِ وخروج بني إِسْرَائِيل منه]، فانتقم اللهُ تعالى من فِرْعَوْن وقومِهِ، وأَغْرَقَهُم بالماءِ الَّذِي كَانَ يَفْخَرُ بِهِ فِرْعَوْنُ من قبلُ، فَإِنَّهُ كَانَ يقولُ لقومِهِ مُفْتَخِرًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، فهو افتخر عَلَى قومه بأن الأنهارَ تَجْرِي من تحته، وهي ماءٌ، فأُغْرِقَ بما كَانَ يَفتخرُ به.

стр. 140

وهذا من آياتِ اللهِ بأن الله يُغْرِق المُعْجَبِين؛ إمَّا بما أُعجِبوا به، وإما بما هُوَ أهونُ شَيئًا. فعادٌ لما قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، أُهلِكوا بألطفِ الأشياءِ، وهي الرِّيحُ. * * *

стр. 141

الآية (٦٧) * * * * قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧]. * * * يقول المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إغراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿لَآيَةً﴾]، وتفسيرُ المُفسِّر لِلمشارِ إليه فيه قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ ليستِ الآيةُ بإغراقِ فِرْعَوْنَ وقومِه فَحَسْب، ولكن بِفَلْقِ البحرِ، وكونه يَبَسًا، وإنجاء مُوسَى وقَوْمِه، وإغراق فِرْعَوْن وقومِه، ولو قيل: إنّ الإشارةَ تعودُ إِلَى كلِّ ما ذكرَ، يعني: إن فِي ذلك المذكور من قِصَّة مُوسَى ﴿لَآيَةً﴾ عَلامَة عَلَى قدرة الله وعلى نَصْرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ، فيكون مُتَضَمِّنًا لتسليةِ النبيِّ ﷺ وتحذير المُخَالِفِينَ له؛ لكانَ أَولى. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ عِبرةً لِمَن بَعْدَهم]، واللامُ للتَّأكيدِ، ومَحَلُّها لام الإبتداء الَّتِي تكونُ فِي أوَّلِ الجُملةِ: (لئِنّ فِي ذلك)، لكن قال النَّحْوِيُّونَ فِي تَعليلهم لهذا: إنَّه لا يَنبغي أنْ يَجتمِعَ مؤكِّدان متواليانِ، فأخّروا اللامَ إِلَى ما تأخّر من خبر إنّ واسمها، والله أعلم هل هَذَا حقيقة أمْ أنَّ العربَ نَطَقُوا بِهَا هكذا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ، فلم يؤمنْ منهم غير آسِيَةَ امرأةِ فِرْعَوْنَ، وحِزقِيل مؤمن آل فِرْعَوْن، ومَرْيَم بنت ناموصى، الَّتِي دلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ ﵇]. يجوز أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: أكثر قومِ مُوسَى الَّذين أُرسل إليهم، ويجوزُ أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثر النَّاس

стр. 142

المخاطَبِينَ بهذا القُرآنِ، يعني: هَذَا فيه آيةٌ لكن ما كَانَ أكثر المخاطَبين بِهِ مُؤمِنينَ به. والأَولى أن يُقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَنَّهُ يعود عَلَى الَّذين نزلَ عليهم القُرآنُ، لا عَلَى بني إِسْرَائِيل، أو آل فِرْعَوْن. وأمَّا ما ذكرهُ المُفسِّر فنقول: أمَّا امرأةُ فِرْعَوْنَ، فصحيحٌ أَنَّهَا آمنتْ، وأمَّا مؤمنُ آل فِرْعَوْنَ فصحيحٌ أنَّهُ آمن، لكنْ تَسْمِيَتُه بحِزْقِيل يَحتاجُ إِلَى دَليلٍ، والثالثة مَرْيَمُ بنتُ ناموصى، هَذِهِ لا ندري بعدُ من أين جاءتْ؟ ! وما سَمِعنا بِهَا إِلَى الآنَ، وقوله: [التي دَلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ]، هُوَ ابنُ يَعقوبَ، ولا نَدري أين عِظَامُه، ثم إذا دلَّتْ عَلَى عِظامه فهي إِلَى الذمِّ أقربُ مِنَ المَدْحِ؛ لِأَنَّ العظامَ مُحْتَرَمَةٌ، والمفروضُ أَنَّهَا لا تُنبَشُ ولا يُسألُ عنها، ثم إن قولَه: [عِظَام يوسف]، هَذَا خطأ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أن اللهَ حرَّم عَلَى الأرضِ أن تأكلَ أجسادَ الأَنْبياءِ (١)، فكيفَ يُقالُ: ما بَقِي إلا عِظَامُه؟ ! الحاصلُ أنَّ مثل هَذِهِ الإِسْرَائِيليَّات يُؤسَفُ مِنَ المُفسِّر ومن غيرِه أنْ يَنْقُلُوها. فَإِنْ قِيلَ: بإمكان فِرْعَوْن أن يعومَ فِي الماء؟ فالجَواب: هَذَا لَيْسَ مَحَلّ العومِ؛ لِأَنَّهُ انطبقَ عليهم الماءُ فِي أعماقِ البحرِ، فلا يستطيعونَ، ثم إنّ العذابَ إذا نزلَ لا تَنْفَع فيه سباحةٌ ولا غيره، فأظنُّ قبل ثلاث سنوات نزل عَلَى مَحَطَّة الكهرباء فِي نيويورك صواعِقُ معَ أن عندهم مانعاتُ صواعقَ فقَلَعَتِ الأعمدةَ، فما نَفَعَها.

стр. 143

الآية (٦٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٨]. * * * قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذَا ممَّا يؤيِّد ما ذَهبنا إليه؛ أنَّ المُرادَ بأكثرهم: الَّذين نزلَ عليهم القُرآنُ، ولهذا أضافَ الربوبيَّة إِلَى النبيِّ ﷺ فِي قولِهِ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾؛ لأنها تَقْتَضِي العنايةَ الخاصَّة بالرسولِ ﵊. وفي قوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أتى باللامِ الدالَّة عَلَى التَّأكيدِ؛ لتكونَ الجُملةُ مؤكدةً بمؤكديْنِ. فإذا قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ وحاله لا يَقتضي التَّأكيدَ؛ لِأَنَّهُ مقرّ، ومن قواعدِ البلاغةِ أَنَّهُ لا يؤكَّد الكَلامُ إلَّا لِلْمُتَرَدِّد أو للمُنْكِر؛ فإن كَانَ للمتردِّد فهو استحسانٌ، وإنْ كَانَ للمنكِر فهو وجوبٌ، يعني التَّأكيد، وهنا أكَّد بمؤكدينِ معَ أن الخطابَ للنبيِّ ﷺ وَهُوَ مُقِرٌّ بذلك؟ فيُقال: إن هَذِهِ القاعدة الَّتِي ذكروها ليستْ عَلَى إطلاقها، بل فيها قُصُورٌ؛ فإنّ الشيْء يُؤَكَّد باعتبارِ حالِ المخاطَبِ، وحينَئذٍ نقولُ: إذا كَانَ مُتَرَدِّدًا فَيَحْسُنُ تأكيدُه، وإذا كَانَ مُنْكِرًا فيجبُ تأكيدُه، كذلك يؤكَّد الكَلامُ باعتبارِ أَهَمِّيَّتِهِ، فإذا كَانَ الكَلامُ موضعَ اهتمامٍ فَإِنَّهُ يؤكَّد حَتَّى وإنْ كَانَ المخاطَبُ مُقِرًّا به، لبيانِ اعتناءِ المتكلِّم به، فهنا هَذِهِ المسألةُ مُهِمَّة جدًّا.

стр. 144

ثم يُقال أيضًا: إن الآية ذكرتْ تسليةً للرسولِ ﵊ ومن جهةٍ أُخرى تهديدًا للكفّارِ، والكفّار قد يشكّون - أو يُنْكِرون- فِي عِزَّة اللهِ ورحمته، فلهذا جمعَ بينهما مؤكّدًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فانتقم من الكافرينَ بإغراقِهِمْ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمُؤمِنينَ، فأنجاهم مِنَ الغَرَقِ]، يَقْرِنُ الله ﵎ دائمًا بينَ العِزَّةِ والحِكْمَة، وأحيانًا فِي مثلِ هَذِهِ السُّورة بينَ العِزَّة والرَّحمة. وبينَ الوصفيْنِ أو الإسمينِ تناسبٌ ظاهرٌ، أمَّا العِزَّة والحِكمة فالتناسُبُ بينهما هُوَ أنَّ الْعَزِيز هُوَ الغالبُ القاهرُ، والغالبُ القاهرُ إنْ لم تكنْ فِي غَلَبَتِهِ حِكْمَةٌ صار تَصَرّفه غيرَ محمودٍ؛ لأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ مِن مصدرِ القوَّةِ، وإذا كَانَ يَتَصَرَّفُ من مصدرِ القوةِ ولا حِكْمَة عنده صار يَبْطِشُ بطشًا فِي غير مَحَلِّه، وربَّما يَتْرُكُ ما يَنبغي فيهِ البَطْشُ، فجاءتِ الحكمةُ مقترِنةً بالعزّةِ، وأمّا هنا فلمَّا كَانَ فِي سِياقِ الآيَاتِ يَتَضَمَّن ما تَقتضيه الرحمةُ ويَتَضَمَّن ما تَقتضيه العزَّةُ، فإهلاك فِرْعَوْن يَقتضي أن يُقابَل بالعزَّةِ، وإنجاء مُوسَى يَقتضي أن يُقابَل بالرَّحمةِ لِأَنَّهُ من مقتضاه؛ جمعَ اللهُ تعالى بينهما. * * *

стр. 145

الآيتان (٦٩، ٧٠) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كفّار مكَّةَ]، والصواب: أي: عَلَى النَّاسِ الَّذين أُرسِلتَ إليهم. والرسولُ ﵊ تلا عَلَى النَّاسِ، حَتَّى إننا نقول: هُوَ تلا عليهم، حَتَّى فِي هَذَا العصرِ وفيما بعدَه فقد تلا رسول الله ﷺ عَلَى النَّاس هَذَا النبأ. وقوله: [﴿نَبَأَ﴾: خبر]، ولكن لا يكون النبأُ إلَّا فِي الأمورِ الهامّة، والخبرُ يكونُ فيها وفي غيرِها، لكن النَّبَأ لا يكون إلا فِي الأُمُور الهامَّة، وهذا النبأُ هامٌّ جِدًّا؛ لِمَا يَتَضَمَّنه منَ التوحيدِ والمناظرةِ، وما يَتعلَّق بذلك مِنَ الثوابِ والعقابِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿نَبَأَ﴾ خبر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ويُبْدَل منه]، أي: من ﴿نَبَأَ﴾ [﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾]، فتكون (إِذْ) هنا فِي مَحَلّ نَصْب بدلًا من (نَبَأَ). وإِبْرَاهِيم هُوَ خليلُ الله وَهُوَ معروف. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أبوه اسمه: آزَرُ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، وأما قومُه فالَّذينَ بُعِث إليهم، وفي هَذَا دَليلٌ عَلَى أن إِبْرَاهِيمَ لم يُبْعَثْ إِلَى النَّاسِ عامَّةً، وإنَّما بُعِثَ إِلَى قومِه كسائرِ الأَنْبياءِ.
следующие страницы →