الآية (٦٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧].
* * *
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إغراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿لَآيَةً﴾]، وتفسيرُ المُفسِّر لِلمشارِ إليه فيه قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ ليستِ الآيةُ بإغراقِ فِرْعَوْنَ وقومِه فَحَسْب، ولكن بِفَلْقِ البحرِ، وكونه يَبَسًا، وإنجاء مُوسَى وقَوْمِه، وإغراق فِرْعَوْن وقومِه، ولو قيل: إنّ الإشارةَ تعودُ إِلَى كلِّ ما ذكرَ، يعني: إن فِي ذلك المذكور من قِصَّة مُوسَى ﴿لَآيَةً﴾ عَلامَة عَلَى قدرة الله وعلى نَصْرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ، فيكون مُتَضَمِّنًا لتسليةِ النبيِّ ﷺ وتحذير المُخَالِفِينَ له؛ لكانَ أَولى.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ عِبرةً لِمَن بَعْدَهم]، واللامُ للتَّأكيدِ، ومَحَلُّها لام الإبتداء الَّتِي تكونُ فِي أوَّلِ الجُملةِ: (لئِنّ فِي ذلك)، لكن قال النَّحْوِيُّونَ فِي تَعليلهم لهذا: إنَّه لا يَنبغي أنْ يَجتمِعَ مؤكِّدان متواليانِ، فأخّروا اللامَ إِلَى ما تأخّر من خبر إنّ واسمها، والله أعلم هل هَذَا حقيقة أمْ أنَّ العربَ نَطَقُوا بِهَا هكذا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ، فلم يؤمنْ منهم غير آسِيَةَ امرأةِ فِرْعَوْنَ، وحِزقِيل مؤمن آل فِرْعَوْن، ومَرْيَم بنت ناموصى، الَّتِي دلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ ﵇]. يجوز أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: أكثر قومِ مُوسَى الَّذين أُرسل إليهم، ويجوزُ أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثر النَّاس
стр. 142
المخاطَبِينَ بهذا القُرآنِ، يعني: هَذَا فيه آيةٌ لكن ما كَانَ أكثر المخاطَبين بِهِ مُؤمِنينَ به.
والأَولى أن يُقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَنَّهُ يعود عَلَى الَّذين نزلَ عليهم القُرآنُ، لا عَلَى بني إِسْرَائِيل، أو آل فِرْعَوْن.
وأمَّا ما ذكرهُ المُفسِّر فنقول: أمَّا امرأةُ فِرْعَوْنَ، فصحيحٌ أَنَّهَا آمنتْ، وأمَّا مؤمنُ آل فِرْعَوْنَ فصحيحٌ أنَّهُ آمن، لكنْ تَسْمِيَتُه بحِزْقِيل يَحتاجُ إِلَى دَليلٍ، والثالثة مَرْيَمُ بنتُ ناموصى، هَذِهِ لا ندري بعدُ من أين جاءتْ؟ ! وما سَمِعنا بِهَا إِلَى الآنَ، وقوله: [التي دَلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ]، هُوَ ابنُ يَعقوبَ، ولا نَدري أين عِظَامُه، ثم إذا دلَّتْ عَلَى عِظامه فهي إِلَى الذمِّ أقربُ مِنَ المَدْحِ؛ لِأَنَّ العظامَ مُحْتَرَمَةٌ، والمفروضُ أَنَّهَا لا تُنبَشُ ولا يُسألُ عنها، ثم إن قولَه: [عِظَام يوسف]، هَذَا خطأ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أن اللهَ حرَّم عَلَى الأرضِ أن تأكلَ أجسادَ الأَنْبياءِ (١)، فكيفَ يُقالُ: ما بَقِي إلا عِظَامُه؟ !
الحاصلُ أنَّ مثل هَذِهِ الإِسْرَائِيليَّات يُؤسَفُ مِنَ المُفسِّر ومن غيرِه أنْ يَنْقُلُوها.
فَإِنْ قِيلَ: بإمكان فِرْعَوْن أن يعومَ فِي الماء؟
فالجَواب: هَذَا لَيْسَ مَحَلّ العومِ؛ لِأَنَّهُ انطبقَ عليهم الماءُ فِي أعماقِ البحرِ، فلا يستطيعونَ، ثم إنّ العذابَ إذا نزلَ لا تَنْفَع فيه سباحةٌ ولا غيره، فأظنُّ قبل ثلاث سنوات نزل عَلَى مَحَطَّة الكهرباء فِي نيويورك صواعِقُ معَ أن عندهم مانعاتُ صواعقَ فقَلَعَتِ الأعمدةَ، فما نَفَعَها.
стр. 143
الآية (٦٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦٨].
* * *
قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذَا ممَّا يؤيِّد ما ذَهبنا إليه؛ أنَّ المُرادَ
بأكثرهم: الَّذين نزلَ عليهم القُرآنُ، ولهذا أضافَ الربوبيَّة إِلَى النبيِّ ﷺ فِي قولِهِ:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾؛ لأنها تَقْتَضِي العنايةَ الخاصَّة بالرسولِ ﵊.
وفي قوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أتى باللامِ الدالَّة عَلَى التَّأكيدِ؛ لتكونَ الجُملةُ مؤكدةً بمؤكديْنِ.
فإذا قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ وحاله لا يَقتضي التَّأكيدَ؛ لِأَنَّهُ مقرّ، ومن قواعدِ البلاغةِ أَنَّهُ لا يؤكَّد الكَلامُ إلَّا لِلْمُتَرَدِّد أو للمُنْكِر؛ فإن كَانَ للمتردِّد فهو استحسانٌ، وإنْ كَانَ للمنكِر فهو وجوبٌ، يعني التَّأكيد، وهنا أكَّد بمؤكدينِ معَ أن الخطابَ للنبيِّ ﷺ وَهُوَ مُقِرٌّ بذلك؟
فيُقال: إن هَذِهِ القاعدة الَّتِي ذكروها ليستْ عَلَى إطلاقها، بل فيها قُصُورٌ؛ فإنّ الشيْء يُؤَكَّد باعتبارِ حالِ المخاطَبِ، وحينَئذٍ نقولُ: إذا كَانَ مُتَرَدِّدًا فَيَحْسُنُ تأكيدُه، وإذا كَانَ مُنْكِرًا فيجبُ تأكيدُه، كذلك يؤكَّد الكَلامُ باعتبارِ أَهَمِّيَّتِهِ، فإذا كَانَ الكَلامُ موضعَ اهتمامٍ فَإِنَّهُ يؤكَّد حَتَّى وإنْ كَانَ المخاطَبُ مُقِرًّا به، لبيانِ اعتناءِ المتكلِّم به، فهنا هَذِهِ المسألةُ مُهِمَّة جدًّا.
стр. 144
ثم يُقال أيضًا: إن الآية ذكرتْ تسليةً للرسولِ ﵊ ومن جهةٍ أُخرى تهديدًا للكفّارِ، والكفّار قد يشكّون - أو يُنْكِرون- فِي عِزَّة اللهِ ورحمته، فلهذا جمعَ بينهما مؤكّدًا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فانتقم من الكافرينَ بإغراقِهِمْ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمُؤمِنينَ، فأنجاهم مِنَ الغَرَقِ]، يَقْرِنُ الله ﵎ دائمًا بينَ العِزَّةِ والحِكْمَة، وأحيانًا فِي مثلِ هَذِهِ السُّورة بينَ العِزَّة والرَّحمة.
وبينَ الوصفيْنِ أو الإسمينِ تناسبٌ ظاهرٌ، أمَّا العِزَّة والحِكمة فالتناسُبُ بينهما هُوَ أنَّ الْعَزِيز هُوَ الغالبُ القاهرُ، والغالبُ القاهرُ إنْ لم تكنْ فِي غَلَبَتِهِ حِكْمَةٌ صار تَصَرّفه غيرَ محمودٍ؛ لأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ مِن مصدرِ القوَّةِ، وإذا كَانَ يَتَصَرَّفُ من مصدرِ القوةِ ولا حِكْمَة عنده صار يَبْطِشُ بطشًا فِي غير مَحَلِّه، وربَّما يَتْرُكُ ما يَنبغي فيهِ البَطْشُ، فجاءتِ الحكمةُ مقترِنةً بالعزّةِ، وأمّا هنا فلمَّا كَانَ فِي سِياقِ الآيَاتِ يَتَضَمَّن ما تَقتضيه الرحمةُ ويَتَضَمَّن ما تَقتضيه العزَّةُ، فإهلاك فِرْعَوْن يَقتضي أن يُقابَل بالعزَّةِ، وإنجاء مُوسَى يَقتضي أن يُقابَل بالرَّحمةِ لِأَنَّهُ من مقتضاه؛ جمعَ اللهُ تعالى بينهما.
* * *
стр. 145
الآيتان (٦٩، ٧٠)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كفّار مكَّةَ]، والصواب: أي: عَلَى النَّاسِ الَّذين أُرسِلتَ إليهم. والرسولُ ﵊ تلا عَلَى النَّاسِ، حَتَّى إننا نقول: هُوَ تلا عليهم، حَتَّى فِي هَذَا العصرِ وفيما بعدَه فقد تلا رسول الله ﷺ عَلَى النَّاس هَذَا النبأ.
وقوله: [﴿نَبَأَ﴾: خبر]، ولكن لا يكون النبأُ إلَّا فِي الأمورِ الهامّة، والخبرُ يكونُ فيها وفي غيرِها، لكن النَّبَأ لا يكون إلا فِي الأُمُور الهامَّة، وهذا النبأُ هامٌّ جِدًّا؛ لِمَا يَتَضَمَّنه منَ التوحيدِ والمناظرةِ، وما يَتعلَّق بذلك مِنَ الثوابِ والعقابِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿نَبَأَ﴾ خبر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ويُبْدَل منه]، أي: من ﴿نَبَأَ﴾ [﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾]، فتكون (إِذْ) هنا فِي مَحَلّ نَصْب بدلًا من (نَبَأَ). وإِبْرَاهِيم هُوَ خليلُ الله وَهُوَ معروف.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أبوه اسمه: آزَرُ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، وأما قومُه فالَّذينَ بُعِث إليهم، وفي هَذَا دَليلٌ عَلَى أن إِبْرَاهِيمَ لم يُبْعَثْ إِلَى النَّاسِ عامَّةً، وإنَّما بُعِثَ إِلَى قومِه كسائرِ الأَنْبياءِ.
стр. 146
فَإِنْ قِيلَ: ورد فِي بعض التفاسير أنَّ (آزَر) لَقَب (١)؟
فالجَواب: لَيْسَ بصحيح.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ (ما) للإستفهامِ، والمُراد بِهِ الإنكارُ والتعجُّب أيضًا، أي أَنَّهُ ينكر متعجبًا.
* * *
стр. 147
الآية (٧١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ صَرَّحُوا بالفعلِ؛ لِيَعْطِفُوا عليه: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾]، (أَصْنَامًا) جمع صنمٍ، والمُرادُ بالصنمِ كلُّ ما اتُّخِذَ إلهًا معَ اللهِ، سواءً كَانَ شجرًا أو حَجَرًا، أم غيرَهما، ولكن هل يُشْتَرَطُ أن يكونَ منصوبًا؟
الظَّاهرُ عدمُ اشتراطِهِ وأنه لَيْسَ شرطًا، وأنه قد لا يكونُ منصوبًا، فقد يكون مَبْطُوحًا ومُضْجَعًا، وغيرَ قائمٍ.
وقول المُفسِّر: [صرَّحوا بالفعل لِيَعْطِفُوا عليه ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾]. هَذِهِ مناسَبَةٌ لَفْظِيَّةٌ قد تكونُ مقصودةً وقد لا تكون مقصودةً. قد يقول قائل: لو قالوا: (أصنامًا فنظل)، لكان المَعْنى مُستقيمًا، ولا حاجة إِلَى ذِكر الجُملةِ ليعطفَ عليها؛ لأننا نرى أَنَّهُ تأتي أحيانًا جُملٌ عُطِفَ عليها جُمل وهي محذوفةٌ، مثل: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩]، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦]، عَلَى أحد الوجهينِ.
ولكن الصَّحيح أَنَّهُم صَرَّحُوا بالفعل؛ إظهارًا لِفِعْلِهِمْ كأنَّهم يَفْتَخِرون به، يعني: يُحَقِّقون العبادة ويفخَرون بعبادتهم؛ لِأَنَّ التصريحَ بالعبادةِ للمعبودِ تدلُّ عَلَى أن الْإِنْسَان فخورٌ بها: قالوا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾، يعني: فهم أظهروها تأكيدًا وافتخارًا بها، هَذَا الَّذِي لا شكَّ فيه، وأمَّا لأجلِ العطفِ فهذا العطفُ نقول:
стр. 148
يَصِحُّ بدون ذِكْرِه، وهذا لَيْسَ بمقصودِهِ فيما يبدو، وإنَّما المقصود هُوَ تأكيدُ هذا، والإفتخارُ به، مثلما يقول لك القائل: "أنت تفعل كذا؟ "، فتقول: "نعم أفعله"، لو قلت: "نعم" لَكَفَى، لكن: "أَفْعَلُه" من بابِ تأكيدِهِ والإفتخارِ به، فهم كذلك يقولون: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ مؤكِّدين لعبادتها مفتخرينَ بها.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ نقيم نهارًا عَلَى عِبادتها، زادوه فِي الجَوابِ افتخارًا به]، صحيح، قالوا: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ وَهُوَ ما سَأَلَهُمْ: هل أَنْتُم تَدُومُونَ عَلَى عِبَادَتِها أم لا؟ لكنهم زادوا عَلَى هَذَا وقالوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾ يعني: نَسْتَمِرّ ﴿لَهَا عَاكِفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَهَا﴾ مُتَعَلِّق بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾ وتقديمُه عليه يفيد الحصرَ، يعني: إننا نَعْكُفُ لها لا لغيرها. ويقول المُفسِّر: [زادوه فِي الجَوابِ افتخارًا به]، وَهُوَ كذلك، ثم إصرارًا وعنادًا، يعني: لسنا نعبدها وقتًا دونَ وقتٍ، بل نعبدها ونستمرُّ عَلَى عِبادتها.
وقول المُفسِّر: [نهارًا]، أخذها من قولهم: إنَّ (ظلَّ) فعلٌ يدلُّ عَلَى وقوع الشيْء نهارًا، وهذا هُوَ المعروفُ عندَ النَّحْوِيِّينَ، والذي يَظْهَر أَنَّهَا تدلُّ عَلَى وقوعِ الفعلِ باستمرارٍ، نحو قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، أيّ وقتَ يُبَشَّر بِها يَسْتَمِرُّ وجهُه مُسْوَدًّا ليلًا ونهارًا، فالصوابُ أن هَذَا الفعلَ يُشعِر بالإستمرارِ، ولا يَخْتَصّ بالنَّهارِ كما قاله المُفسِّر وغيرُه.
* * *
أَجسامِهِم، ثم يَجِدونه، وخروجُ الرُّوحِ منَ الجَسَدِ لَيْسَ بِبَعيدٍ، فقد يكونُ قَريبًا جِدًّا، وكما قال أبو بكرٍ (١):
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكونُ غير قَريب جدًّا، ولكنَّه مؤخَّر لِأَجَلٍ مَعدودٍ، فإذا كَانَ اللهُ تعالى يقولُ فِي يوم القيامةِ: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]، فكيفَ إذن بِأَجَلِ الْإِنْسَانِ نفسِهِ فيكون من باب أَولى!
قال: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ (تَاللهِ) هَذَا قَسَمٌ بحرفِ التاءِ. وحروفُ القَسَمِ ثلاثةٌ: الباءُ والواوُ والتاءُ، والأَصْلُ الباءُ، فهذه الحروفُ لَيْسَتْ كُلُّها أُصُولًا، فكلُّها يُقْسَمُ بها، لكن بعضها أَصْلٌ وبعضها غيرُ أصلٍ، مثل أنْ يُقال: كَانَ وأَخَوَاتُها مثلًا.
والدَّليلُ عَلَى أنَّ الباءَ الأَصْلُ أنَّ الباءَ تأتي معَ القَسَمِ وبدونِهِ، وتكون فِي الضَّمير والظَّاهر: (أُقْسِمُ باللهِ) و (أُقْسِمُ به) و (أُقْسِمُ بكَ يا ربِّ).
فلهذا نقولُ: هِيَ الأَصْلُ، حَتَّى ما تأتي إلا مَعَ الظَّاهرِ وبدونِ فِعْلِ القَسَمِ، وأيضًا ليستْ معَ كلِّ ظاهرٍ، وإنَّما تكونُ باللهِ فقطْ، وقد يُقْسَمُ بالرَّحْمنِ، فيُقال: (تَالرَّحْمنِ) وقد يُقْسَمُ بربِّ الكَعْبَةِ، لكن عَلَى قِلَّةٍ، والواوُ تدخُلُ عَلَى كلِّ ظاهِرٍ، فيُقْسَم بِهَا بكلِّ اسمٍ ظاهرٍ، سواء الله أو الرَّحْمن أو العَزِيز، وما أشبهَ ذلكَ، ولكنْ لا يُقْسَمُ بِهَا فِي المُضْمَرِ، ولا يأتي مَعَها غير القَسَم، وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الأُمَّ من هَذِهِ الثلاثةِ: الباءُ، ثُمَّ الواوُ، ثُمَّ التاءُ.
стр. 161
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إِنْ) يقولُ المُفسِّرُ: [مُخَفَّفة مِنَ الثَّقيلة، واسمها محذوفٌ، أي: إنه]، أي: الفعل [﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ]، كلها بفعلٍ ماضٍ، ولم يُسْلَبْ منها الدلالة عَلَى الزمنِ؛ لِأَنَّ المُرادَ: كنَّا فِي الدنيا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بيِّنٍ ﴿إِذْ﴾ حَيْثُ ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي العِبَادَةِ]، وهذا صحيحٌ، فهذه غاية ما يَكُونُ مِنَ الضَّلالِ أنْ يُسَوِّيَ الْإِنْسَانُ المخلوقَ بالخالِق فِي العِبَادَةِ، وليستِ العبادةُ هِيَ الركوعَ والسجودَ فقطْ، بل حَتَّى مَن أطاعَ أحدًا فِي تَحريمِ ما أحلَّ اللهُ، أو تحليلِ ما حَرَّمَ اللهُ؛ فَإِنَّهُ عابدٌ له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ للنبيِّ ﷺ : إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ - يعني: ما نعبدُ أَحبارنا ورُهْبَانَنا، يعني: عُلماءنا وعُبَّادنا - فقال النبي ﷺ : "أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ". قال عَدِيٌّ: بلى. قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (١).
فهَؤُلَاءِ الَّذينَ يُطَبِّقُونَ أَنْظِمَة وضعيَّة معَ مُخَالَفَتِها للشَّرع، فيكون مآلهم يومَ القيامةِ كهَؤُلَاءِ، يعني: يَتَبَرَّءُونَ منهم ويُخاصِمُونهم، ويقولون مُقِرِّينَ عَلَى أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا: الْإِنْسَان يقولُ له اللهُ فِي كِتَابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ ﵊: هَذَا حلالٌ، فيقول له الحاكِمُ: هَذَا حرامٌ مَمْنُوعٌ، فيَمْنَعُه، ويَرَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ معَ تحليلِ اللهِ له، فلا شكّ أَنَّهُ اتَّخَذَ هَذَا الحاكِمَ إلهًا معَ اللهِ مُشَرِّعًا، كذلك يقولُ له مثلًا ربُّه:
стр. 162
هَذَا حرامٌ، فيأتي هَذَا الحاكِمُ ويقولُ: النِّظَامُ أو الدُّسْتُورُ يَقْتَضِي الحِلَّ، فيُحِلّه، فلا شكّ أيضًا أَنَّهُ اتَّخَذَ هَذَا الحاكِمَ إلهًا معَ اللهِ، وسيكونُ مآلُهُ مآلَ هَؤُلَاءِ القومِ، سَيُخَاصِمُهُ يومَ القيامةِ ويقولُ له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ولهذا جاء فِي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ النبيَّ ﵊ قَالَ: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ" (١)، يعني طاعة وَلِيِّ الأمرِ فِي المعروفِ، الَّذِي عَرَّفَهُ الشرعُ.
فَإِنْ قِيلَ: كيف يتصوَّر أن أصحاب النارِ يَتجادلون حالَ العذابِ؟
فالجَواب: أحوالُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأحوالِ الدنيا، أليستِ الشَّمْسُ تَدْنُو مِنَ الخَلائقِ يومَ القيامةِ بِمِقْدَارِ مِيلٍ؟ ! لو قُرِّبَتِ الشَّمْسُ مِقْدَار أُنْمُلَة عن مَكانها، لَأَحْرَقَتِ الدنيا إِحراقًا، وتكون يومَ القيامةِ بمقدارِ مِيلٍ ولا تُحْرِق النَّاسَ! فلا يُمْكِن أنْ تُقاسَ أحوالُ الآخِرَةِ بأحوالِ الدنيا أبدًا، كما أنَّ أحوالَ البَرْزَخِ إذا ماتَ الْإِنْسَانُ وأُقعِدَ وسُئِلَ وعُذّب، فلا تُقاسُ بأحوالِ الدنيا.
الحاصلُ أنَّ اللهَ تعالَى يقولُ لِهَؤُلَاءِ الَّذينَ اتَّخَذُوا معبودينَ سِواه، سواء كانتْ عبادةَ التذلُّل، أم عبادة الحُكْم، يقول لهم: إنهم يُكَبْكَبُونَ فِي نارِ جَهَنَّم، ويَخْتَصِمون فيها، ويقول التابعونَ للمتبوعينَ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 163
فوائدُ الآيَاتِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فيها دَليلٌ عَلَى نَدَمِ أهل النارِ نَدَمًا عَظيمًا، حين قالوا وهم يَختصِمون - يُخاصِم بعضُهم بعضًا -: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ﴾، وهنا أَقسموا وأكَّدوا: ﴿تَاللَّهِ﴾ قسَم، ﴿إِنْ كُنَّا﴾ إنْ مُخَفَّفة منَ الثقيلة، وتفيد التَّوكيدَ، واللام، و ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كذلك، وإن كَانَ بعض النَّحْويين يُسمِّي اللامَ هنا الفارِقَةَ، ولكنها معَ كَونها فارقةً هِيَ أيضًا مؤكِّدة، ومَعْنى فارقةٍ أَنَّهَا تُفَرِّق بين (إنِ) النافيةِ و (إنِ) المخفَّفة؛ لِأَنَّ الصورةَ واحدةٌ، ولا يَتَبَيَّن أنَّ المُرادَ هَذِهِ أو هَذِهِ إلَّا بوُجودِ اللامِ؛ فإن عُدِمَتِ اللامُ امتنعَ الكَلامُ إلَّا إذا دلَّتِ القرينةُ عَلَى خلافِ ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ اعترافٌ ضِمْنِيٌّ بأنَّ اللهَ ﵎ لا شَبيهَ له؛ لأنَّهم أَنكروا وبَيَّنوا أَنَّهُم فِي ضلالٍ مُبينٍ حينَ سَوَّوْا هَذِهِ الأصنامَ بالربِّ ﵎ الَّذِي لا يُماثِلُه أحدٌ فِي هَذَا الوصفِ؛ ربِّ العالمينَ، هَذِهِ الأصنام الَّذين يَعْبُدونها يَعْتَقِدون أنَّ رُبُوبِيَّتَها، أو أُلُوهِيَّتَها بالأصحّ، أَنَّهَا محصورةٌ فِي عَابديها، أمَّا ربُّ العالمينَ فهو ربٌّ لكلِّ أحدٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قولِهِ: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إِلَى بيانِ الضَّلالِ؛ إذ لا يمكِن التسويةُ بينَ مَن هَذَا وصفه - ربّ العالمين- بِمَن لم يَسْتَحِقّ من هَذَا الوصفِ شيئًا، وهذه الأصنام لا تَسْتَحِق وَصْفًا منَ الربوبيَّة إِطلاقًا، فضلًا عن الربوبيَّة العامَّة لجميعِ العالمَينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي ذلكَ أيضًا اعترافُهم البالِغ بضلالهِم: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يعني: بيِّن ظاهِر، حيثُ نُسَوِّيكُم، ولكن هَذَا الإغترار وهذا الإقرارُ بالربِّ،
стр. 164
وهذا التنزيهُ له عن المساواةِ فِي ذلكَ المكانِ لا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ فاتَ الأوانُ - وقت العمل فِي الدنيا - أمَّا الآن فهو وَقْتُ الجزاءِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: انتفاءُ التَّشْبِيهِ عنِ اللهِ؛ يُؤْخَذُ من قَوْلهِم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ففي هذا نفيُ تشبيهِ المخلوقِ بالخالِقِ.
* * *
стр. 165
الآية (٩٩)
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾ عنِ الهُدَى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: الشياطين]، يعني: شياطين الإنس والجِنِّ، هكذا يَجِبُ، والمُجْرِمُ: فاعلُ الإجرامِ، ويُطْلَقُ كثيرًا فِي القُرآنِ عَلَى الكافرِ، والمَعْنى: ما أَضَلَّنَا إلَّا أهل الكُفْر والإجرام، الَّذين اعْتَدَوْا علينا بهذا الإضلالِ، ولكن حقيقةً هم ما اعْتَدَوْا عليهم؛ لأنَّهم هم الَّذين انقادوا لهذا الكُفْرِ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] , وفي سُور سَبَأ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣].
فالكفَّار الَّذينَ تَبِعُوا المُسْتَكْبِرِينَ لا عُذْرَ لهم عندَ اللهِ حَتَّى وإنْ سبُّوهم، وقالوا: إنهم مُجْرِمُونَ؛ فإن ذلكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ، فإنهم قد أعطاهم اللهُ تعالى العقولَ والإدراكَ، وأرسلَ إليهم الرُّسُلَ، وأنزلَ عليهم الكتبَ، فما بَقِيَتْ لهم حُجَّة فِي أنْ يَحْتَجُّوا بأن هَؤُلَاءِ أضلُّوهم.
стр. 166
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: الشياطين، أو الأَوَّلون الَّذين اقْتَدَيْنَا بهم]، فهذا إذا كَانَ المُراد بالمجرِمِ الضالّ، سَوَاء اعتدى أو لم يَعْتَدِ؛ لِأَنَّهُ إذا كانوا آباءهم الَّذين اقتدوا بهم فإنَّهم لم يُضِلُّوهم، ولم يُجْرِمُوا عليهم، فهَؤُلَاءِ هم الَّذين أَجرموا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بالآيَاتِ المعنيانِ جَميعًا؛ فإنهم ضَلُّوا بأمرينِ:
الأوَّل: بِمَن يدعونهم وهم أحياءٌ إِلَى الضَّلالِ.
والثَّاني: بِمَن يُقَلِّدُونهم وهَؤُلَاءِ من الأموات.
لكن فِي المسألةِ الأُولى يكون الجُرمُ عليهم وعلى مَن أضلَّهم، وفي الثَّانية عليهم وَحْدَهم؛ لِأَنَّ أولئكَ الأموات فِي الحَقِيقَةِ ما جَنَوْا عليهم؛ إذ إن الرُّسُل جاءتهم وبيَّنَتْ لهم.
ويستفاد من الآية:
سبُّ هؤُلاءِ بعضهم بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾، فهذا قَدْحٌ فيهم من جهةِ أنَّهم أَضَلُّوهم، ومن جهةِ أنَّهم مُجْرِمُون.
* * *
стр. 167
الآية (١٠٠)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما للمُؤمِنينَ منَ الملائكة والنبيِّين والمُؤمِنينَ].
كلمة (ما) نافية وليستِ استفهاميَّة، والدَّليلُ إتيانُ (مِن) المؤكِّدة: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وأصلها: فما لنا شافعونَ، ولكن أُتِي بـ (مِنْ) للتَّوكيدِ.
والشَّافع: هُوَ المتوسِّطُ للغَيْر بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أو دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فشفاعةُ النبيِّ ﷺ لأهلِ المَوْقِفِ أنْ يُقضَى بينهم من بابِ الشَّفاعةِ؛ لدفعِ المضرَّةِ والمشقَّة، وشفاعته لأهلِ الجنَّة أن يَدْخُلوا الجنَّة من باب جَلْبِ المنافِعِ، فالشَّفاعةُ هِيَ التوسُّطُ للغَيْرِ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أو دَفع مَضَرَّة، وإنْ شئتَ فَقُلْ: لِدَفْعِ الضَّيْر أو جَلْب الخَير، فهذه هِيَ الشَّفاعةُ.
فهم لَيْسَ لهم شافعونَ؛ لِأَنَّ من شَرط الشَّفاعةِ أنْ يكونَ المشفوعُ له مؤمنًا، والدَّليلُ ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأَنْبياء: ٢٨]. وهَؤُلَاءِ لا يَرْتَضِيهِمُ اللهُ، فهم يقولونَ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ يعني: ما لنا أحدٌ يَشْفَعُ إطلاقًا لا منَ الأَنْبياءِ ولا من غيرهم؛ لِأَنَّ من شرطِ الشَّفاعةِ أنْ يرضى اللهُ ﵎ عنِ المشفوعِ له، وعنِ الشافِعِ من باب أَولى، فإذا كَانَ لا بدَّ مِن رِضَا الله عن المشفوعِ له، فعن الشافِعِ من باب أَولى.
стр. 168
وأمَّا الإذنُ فهو شَرْطٌ أيضًا حَتَّى معَ رضا اللهِ عن هَذَا وهذا، فلا بدَّ أيضًا منَ الإذنِ، والله ﵎ لا يَأْذَنُ بالشَّفاعةِ إِلَّا لِمَن يَرضاه، فصارَ لا بدَّ منَ الشَّرطينِ، فلا يُقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا فَإِنَّهُ لا بدَّ أن يأذنَ له، فقد يأذَنُ وقد لا يأذنُ، ولكن نَعْلَم أَنَّهُ لن يأذنَ إلَّا لمِنِ ارْتَضَى، وهَؤُلَاءِ لا يَرْتَضِيهم اللهُ.
فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: انْتِفَاءُ الشَّفاعَةِ عن المكذِّبين للرُّسل وأنَّه لا يُشفع لهم، وتُؤْخَذ من قَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبات الشَّفاعَة للمُؤمِنينَ، ويُؤْخَذ من قولِهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، فنَفَوْا أن يكونوا منَ الشافعينَ، ومفهومُ هذا أن المُؤمِنينَ لهم شفاعة، كَأنَّهم لَمَّا رَأَوْا أن المُؤمِنينَ يَشفعونَ بعضهم لبعضٍ، قالُوا: نحن ما لنا مِن شافعينَ ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١].
* * *
стр. 169
الآية (١٠١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١].
* * *
قوله: ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ معطوف على: ﴿شَافِعِينَ﴾ باعتبارِ اللفظِ، ولو عَطَفْتَ الآيةَ هنا باعتبارِ المَحَلّ لكانتْ: (وَلَا صَدِيقٌ)؛ لأن: (شَافِعِينَ) فِي مَحَلّ مبتدأٍ.
قال: ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الصَّديق: مَن صَدَقَكَ الوُدَّ، يعني: الصَّاحب الصَّادق فِي وُدِّه يُسَمَّى صَديقًا، وَهُوَ أخصُّ مِنَ الصَّاحِبِ، فكلُّ صديقٍ صاحبٌ، وليسَ كلُّ صاحبٍ صَديقًا، وأمَّا الحَمِيم فَإِنَّهُ القَريب، أو أَنَّهُ البالِغُ فِي الصَّداقةِ، بحيث يَحْنُو عليكَ كما يحنو القريبُ.
والمُفسِّر يقولُ: [﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ يُهِمُّهُ أَمْرُنا]؛ لِأَنَّ الصَّديقَ الحميمَ الحانيَ العاطفَ أوِ القريبَ يُهِمُّهُ أمرُ صَاحِبِهِ وصَدِيقِهِ، وهل هَذِهِ الصِّفَةُ - حميم - صِفَة كاشفةٌ أمْ صفة مقيِّدة؟
هي صفة كاشفةٌ، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وَهُوَ حميمٌ، فهي صفةٌ كاشفةٌ، وإذا قلنا: قد يكون صَديقًا لكنه لَيْسَ بِحَمِيمٍ، فهذه تكونُ صفة مقيِّدة، بشرطِ أنْ نجعلَ الحميمَ هنا بمَعْنى القريبِ؛ لِأَنَّهُ قد يكونُ صَديقًا وليسَ قريبًا، فإذا جعلنا الحَمِيم بمَعْنى الحانِي الَّذِي يكونُ كالقَريبِ بِحُنُوِّهِ وعَطْفِهِ، فهي صفةٌ كاشفةٌ، لكن إذا قلنا: حَميم قَريب، صارَتْ مقيِّدةً؛ لِأَنَّهُ ما كلُّ صَدِيقٍ يكون قَريبًا.
стр. 170
الآية (١٠٢)
* * *
* قالَ اللهُ ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رَجْعَة إِلَى الدُّنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (لو) هنا للتمنِّي، و (نكون) جَوَابُه]، يعني: ليتَ لنا كَرَّة، أي رَجْعَة إِلَى الدنيا، (فَنَكُونَ) الفاء للسببيَّة، و (نكون) مَنْصُوبةً بأنْ مُضْمَرَةً بعدَ فاءِ السَّبَبيَّة بتقدُّمِ التمنِّي، ولهذا يقول: [(لو) هنا للتمنِّي و (نكون) جَوابه].
قال: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ يعني: ليتَ أنَّ لنا كَرَّة ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقولوا: (ليتَ)؛ لِأَنَّ المَقامَ مَقَامُ تَذَلُّلٍ وخُضُوعٍ، و (لو) للتمنِّي أقلّ مِن (ليت)؛ لِأَنَّ (ليتَ) صَريحةُ الطَّلَب، و (لو) فيها نوعٌ منَ اللِّين والعرْض، مثلما تقول للإِنْسانِ الَّذِي تَتَمَنَّى أنْ يَزُورَكَ: (لو أنَّك تَزُورنا)؛ فإن (لو) هَذِهِ للتمنِّي بلا شكّ، لكنها تَمَنٍّ بلِينٍ وعَرْض ولُطفٍ، والمَقامُ هنا يَقتضيه؛ لِأَنَّهُم فِي مَقامِ ذُلٍّ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - وخُضُوع، فلم يَقُولوا: لَيْتَنا نَرْجِع، ولكنهم يقولون: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
عَلَى أَنَّهُ فِي سُورةِ الأنعام يقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]، فيُقال: الجمعُ بينهما أن لهم حالاتٍ، فأحيانًا يقولون بهذا وأحيانًا يقولون بهذا، لكن أيُّهنُّ أوَّل؟ ليت أم لو؟
стр. 171
الظَّاهر (ليت) هِيَ الأُولى، يعني: كأنه يكونُ بالأوَّل بِعَزْمٍ عَلَى التمنِّي، ثم إذا لم يَحْصُلْ لهم رَجَعُوا إِلَى الخُضُوعِ والخُنُوعِ والعَرْض.
ولو أَنَّهُم رُدُّوا هل يَرجعون؟
يقول الله تعالى فِي سُورَة الأنعام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، هَذَا الخبرُ الصادقُ، يعني: لَيْسَ قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، فهذا خبرٌ كاذبٌ، والخبرُ الصادقُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي قولهم: ﴿نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].
فَإِنْ قِيلَ: فِي نَفْسِ المَقامِ يَسْتَشْعِرُونَ أَنَّهُم كاذبونَ أم فِي عِلم اللهِ أَنَّهُم لو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه؟
فالجَواب: الظَّاهرُ أَنَّهُ فِي عِلم اللهِ، فيمكِن أَنَّهُم حِينما يقولونه فِي تلك الساعة يقولونه صِدقًا، ولكن الله أخبر بأنَّهم إذا رَجَعوا فسيعودون إِلَى الكفرِ.
قال: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أى: من المصدِّقين المُقِرِّينَ المُلْتَزِمِينَ بالعملِ؛ لِأَنَّ الإيمانَ وَحْدَهُ لا يَنفَعُ، فإذا لم يَسْتَلْزِمِ العملَ فليسَ بإيمانٍ، ولهذا نقول: إن الكفّار الَّذين أتتهم آيات الله كان بها مؤمنين ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، ولكن لكونهم لا يَنقادون لم يَنْتَفِعوا بإيمانهم، فإبليسُ بمَعْنى التصديقِ مؤمنٌ، لكنه مستكبِر، فلم يَنْفَعْهُ إيمانه.
وأذكر أَنَّهُ حينما صَعِدَ أوَّلُ رَجُلٍ إِلَى الفضاءِ مِنَ الرُّوس وشاهَدَ الكونَ أعلنَ أن هَذَا الكونَ له مدبِّر، فجاء أصحابُه الروس وقالوا: ما تقول؟ !
стр. 172
فإذا لم يَنْقَدِ الإِنْسانُ فليسَ بمؤمنٍ، ولهذا نقولُ: إنَّ الإيمانَ هو التصديقُ المستلزِمُ لِلْقَبُولِ وللإنقيادِ: قَبُول الخَبَرِ والإنقياد للأَمْرِ والنَّهْيِ، هذا هو الإيمانُ. وأمَّا مُجَرَّد أنَّ الإِنْسانَ يقول: أنا مُؤْمِن بالله، وأنا أَعْتَرِف بأنَّ اللهَ موْجودٌ، وأن له رُسُلًا، لكنَّه لا يَعْمَل، فلا يَنْفَعُهُ هذا الإيمانُ.
فالإيمان الَّذي يَنْفَعُ هو ما ذكرتُ، وقد يُطْلَقُ الإيمانُ لغةً على مجرَّد التصديقِ، ويُقال: هذا مؤمنٌ بشيْءٍ، لكنَّه كافرٌ بأشياءَ، فهذا ليسَ الإيمانَ الشرعيَّ.
وكلُّ مَن كَانَ مُسْتَكْبِرًا فهو أشدُّ؛ لأنَّ الَّذي يَتَبَيَّن له الحقُّ ويَسْتَكْبِر عنه، يكون كُفْرُه كفرَ عِنادٍ، والذي لا يَعْرِف الحقَّ وهو الآن يَعْمَل بعملِ أهلِ الكُفْرِ، هذا كُفْرُه كُفْرُ جَهْلٍ.
فالنَّصارَى في عهدِ الرَّسُولِ ﵊ قبلَ بَعْثَتِهِ يُعْتَبَرُونَ ضالِّينَ، وبعد أنْ بُعِثَ وتَبَيَّنَ لهمُ الحقُّ يكونونَ مَغْضُوبًا عليهم؛ إذ لا فرقَ بينهم وبينَ الْيَهُودِ، فكلٌّ مِنهم بُشِّر بمُحمَّدٍ ﷺ ، واللهُ تَعالَى يقولُ في وَصْفِ الرَّسُولِ ﵊: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، معروفٌ، وكُفْرُهم على حدٍّ سواءٍ، ولهذا لا يَصْلُحُ أنْ نقولَ: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، فهذه لا تَنْطَبِق على زَماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنةٍ؛ لأنَّ اللهَ بَيَّنَ هذه العِلَّة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]، الآن منهم قِسِّيسُونَ ورُهبان مُسْتَكْبِرون عنِ الحقِّ، داعونَ إلى الضَّلال - والعياذُ باللهِ - فلا يُمْكِن
стр. 173
أن يَنْطَبِقَ عليهم هذا الوصفُ، وعداوتُهُمُ الآنَ لِلمسلمينَ والَّذينَ آمنوا أيضًا، خاصَّةً للذين آمنوا لا للمسلمينَ فقطْ، ظاهِرَةٌ، وهم لا يَنْسَوْنَ أبدًا غَزَوَاتِ المسلمينَ لهم في عُقْرِ دارهم، ولا يَنْسَوْنَ أبدًا الحروبَ الصليبيَّة، ولا يَنسونَ الإفتتاحَ العظيمَ الَّذي حَصَلَ في دارهم؛ فإنَّ بلاد الرُّوم كلّها أُخِذَتْ، والروم كُلّهم نَصَارَى، فأخذت على أيدي المسلمينَ.
وفي الآية الكريمة دَليلٌ على النَّدَمِ البالغِ الَّذي يُصيبُ هؤُلاءِ في ذلكَ اليومِ، وتَمَنِّيهم لو أَنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنيا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا التمنِّي ليسَ بصَحِيحٍ؛ فإِنَّهم لو رَجَعُوا لما كَانوا مُؤمِنينَ؛ والدَّليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
* * *
стр. 174
الآيتان (١٠٣، ١٠٤)
* * *
* قال الله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٠٣ - ١٠٤].
* * *
قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذْكُور مِنْ قِصَّة إبْرَاهِيم وَقَوْمه].
يقول اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه هو المذكورُ مِن قِصَّة إبراهيمَ ﵇ وقومه ﴿لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وقد سبق الكَلام عليها.
لكن يجبُ علينا أنْ نَعْرِفَ أنَّ اللهَ تَعالَى إذا قالَ عن شَيْءٍ: إنَّ فيه آيةً، يَجِب ألَّا نَأْخُذَه مَأْخَذَ الظَّاهرِ فقطْ، بل يَجب أنْ نَتَأَمَّل ما هذه الآيَات.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ هل المُرادُ بذلكَ جُملةُ القِصَّة، أم في كلِّ جزءٍ مِنَ القِصَّة؟
فنقول: إنَّ الإشارةَ إلى المجموعِ بلا شَكّ، ففي كلِّ قطعةٍ منها آيةٌ، وفي اجتماعِ هذه القِطَعِ بَعْضها إلى بعضٍ أيضًا آيةٌ، فتكون الآيةُ مُوَزَّعَةً على كلِّ قطعةٍ، ويكون أيضًا اجتماعُ هذه الأشياءِ جميعًا فيه آيةٌ.
وإنَّما المهمُّ أن الله تَعالَى إذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يجبُ عليك أنْ تَتَأَمَّلَ وتَتَفَكَّرَ وتَعْتَبِر؛ لِتَظْهَرَ لكَ هذه الآيةُ.
стр. 175
وقَوْلهُ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الضَّميرُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الراجِح أنَّه يعودُ إلى مَن كَانوا في عَهْدِ النَّبيّ ﷺ .
و(ما) فيها قولانِ:
الأوَّل: أنها حِجَازِيَّة على الصَّوابِ، وليستْ هي العاملةَ، بلِ الصَّوابُ أنَّ الَّذي عَمِلَ (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة صارت (كان) زائدةً، والأَصْلُ عَدَمُ الزيادةِ.
والثَّاني: أنها نافيةٌ، فيكون قَوْلهُ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: لم يكنْ أكثرُهُمْ مُؤْمِنًا.
* * *
стр. 176
الآية (١٠٥)
* * *
* قال اللهُ : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥].
* * *
قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي المجِيءِ بِالتَّوْحِيدِ، أَوْ لِأَنَّهُ لِطُولِ لُبْثه فِيهِمْ كَأَنَّهُ رُسُل، وَتَأْنِيث (قَوْم) بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ وَتَذْكِيرُه بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ].
قَوْلهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّر جَوابًا على تأنيثِ الفعلِ معَ أنَّ الفاعلَ مذكَّر.
قَوْلُهُ: ﴿نُوحٍ﴾ نوحٌ ﵊ هو أوَّل رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهلِ الأَرْضِ، يُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النِّساء: ١٦٣]، أما آدمُ فهو أوَّل نَبِيٍّ نُبِّئَ؛ فإِنَّه كَان نبيًّا بلا شَكّ، ونوح كَان أوَّل رَسُولٍ، وإنَّما كَان آدمُ نبيًّا للضَّرورَةِ؛ لأنه لا بُدَّ أنْ يَتَعَبَّد لله، ولا عِبادَة للهِ إلَّا بما شَرَعَ، ولا شَرْعَ إلا بوحيٍ، لكنَّه لم يرسَلْ؛ لعدمِ دعاءِ الحاجَةِ إلى ذلكَ؛ إذِ النَّاسُ كَانوا مُتَّفِقِينَ، فلمَّا اختلفوا بعثَ اللهُ الرُّسُلَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، في قِراءَة ابن عباس: "كَانَ النّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا" (١)، وهذه الجُملة لا داعيَ لها؛ لأنها مأخوذةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
стр. 177
فعلى كُلِّ حالٍ، في عَهْد آدمَ لم يكنْ حاجةٌ إلى الرِّسَالَةِ، إنَّما النبوَّة فقطْ، وهو يَتَعَبَّد لله وأبناؤُه، بل أولاده يَتَّبِعُونَه في ذلك على وجهِ الإتِّفاقِ بينَهم.
ولمَّا كَثُرَتِ الأُمَّةُ وانتشرتْ في الأَرْض اختلفوا، فصارتِ الحاجةُ والضَّرورَةُ داعيةً إلى إرسالِ الرُّسُلِ، فبعث اللهُ تَعالَى نوحًا، وهو أوَّلُ رَسُولٍ أرسلَهُ اللهُ إلى الأَرْضِ، كما يُشيرُ إلى ذلك قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النِّساء: ١٦٣]، وكما هو صَحِيحٌ صريحٌ في حديثِ الشَّفاعَةِ: "وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (١).
وإذا قلنا: إنَّه أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَه الله إلى أهلِ الأَرْضِ، فهل نقولُ: إنه أُرسِلَ إلى النَّاسِ كافَّةً، فيُحتاج حينئذٍ أنْ نجمعَ بينَه وبينَ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كافَّةً" (٢)؟
قلنا: هو أوَّلُ رَسُولٍ؛ لأنه لو شارَكَهُ غيرُه ما كَان هو الأوَّلَ، لكَانَ هو وغيره هو الأوَّل. وقد يقول قائلٌ: لعلَّ أحدًا بُعِثَ في حياة نُوحٍ، لكن في غيرِ مكانِه، وقد نقولُ بظاهرِ الأوَّل، وإنه إنَّما بُعِثَ إلى النَّاسِ لأن النَّاس كَانوا في ذلكَ الوقتِ أُمَّةً واحدةً قليلينَ، لم يَنتشروا كثيرًا في الأَرْض، فكَان هؤُلاءِ النَّاس بمنزلةِ القومِ في الرُّسُلِ الَّذينَ بعدَهم، وعلى هذا الطريق نَسْلَمُ منَ الإشكالِ الآخَرِ، وهو أنَّ الله تَعالَى أغرقَ جميعَ أهلِ الأَرْضِ في عهدِ نوحٍ، إلا مَن آمَنَ معه، إذ يُقالُ: كيف يُغْرَقُون ولم يَبْعَثْ إليهم رسولًا؟ فلولا أنَّ نوحًا كَان رسولًا إليهم ما أُغرقوا
стр. 178
جميعًا، وإنْ كَان منَ الجائزِ أنْ يُقال: لعلهم أيضًا - الَّذين بُعِث إليهم في زَمَنِه - كذّبوا رُسُلَه، لكنْ ظاهرُ الآيَاتِ أنَّ الَّذينَ غَرِقوا إنَّما غَرِقوا بسؤالِ نوحٍ.
وعلى كُلِّ حالٍ، هذا إشكالٌ دائرٌ بين العُلَماءِ من قَدِيم، وقد أجابوا عنْ ذلكَ بأنَّ نوحًا ﵊ كَانت رسالتُه إلى النَّاسِ كافَّةً في ذلكَ الوقتِ؛ عرَضًا لا أصلًا.
وفرْقٌ بينَ ما يأتي إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ أُرْسِل إلى كلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، ثم يُقال لهؤُلاءِ الأمم كلِّهم: يجب أن تَتَّبِعوا هذا الرَّسُولَ، لتكونَ الأُمَّةُ واحدةً، وبينَ مَن لم يُبْعَثْ إلَّا في قومِه فقطْ؛ في أُمَّة واحدةٍ فقطْ، فإنَّ كونَه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيلِ الإتِّفاقِ والعُرْف لا على سبيلِ القصدِ، وبهذا تَظْهَرُ المَيْزَةُ بينَ محُمَّدٍ ﷺ وبين نوحٍ ﵊ ونَسْلَمُ منَ الإشكالِ.
فنقول: نوح أُرْسِل إلى قومِهِ وليس هناك أُمَمٌ مختلفةٌ يجبُ أنْ يَتوحَّدُوا على رَسُولٍ كما كَان في عهدِ النَّبيِّ محُمَّد ﷺ ، وكونه مُرْسَلًا إلى جميعِ النَّاسِ في ذلك الوقتِ ليسَ من بابِ القَصْدِ، بل هو من بابِ الإتِّفاقِ والعَرَض، أي أنَّه اتَّفَقَ أن النَّاسَ كلَّهم انْحَصَرُوا في قومِ نوحٍ، فهنا ما قصدَ من رسالتِهِ أن تكونَ شاملةً لجميعِ الأُمَمِ، بخلاف رسالةِ النَّبيِّ ﷺ فإِنَّه قصدَ أن تكونَ شامِلَةً، وأن يتوحَّد الْيَهُودُ والنَّصارَى والمَجُوسُ والوَثَنِيُّونَ، كلهم يَتَوَحَّدُون في أُمَّةٍ واحدةٍ، بفرق بين الْعُمومَيْن: الْعُموم القَصْدي والْعُموم الإتفاقي.
فهذا نوحٌ ﵊ يقول لهم: إن قومَه كذبوا المُرْسَلِينَ، ونحن نعلمُ أنَّهم ما كذَّبوا إلا رَسولًا واحدًا، فليسَ قبلَ نوحٍ أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا.
стр. 179
وكيف نَجْمَعُ بينَ ما جاء في حديثِ الشَّفاعَةِ: "فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (١)، وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه أوَّل الرُّسُلِ؟
يقول المُفسِّرُ في الجَوابِ عن هذا: [بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ لِاشْتِرَاكِهِمْ - أي: المرسلين - فِي المَجِيءِ بِالتَّوْحِيدِ]؛ إذِ اشتركوا كلُّهم في المجيءِ بتوحيدِ الله والقيام بطاعتِه، فصاروا جنسًا واحدًا، وتكذيبُ واحدٍ منَ الجنسِ تكذيبٌ للجميعِ؛ إذ إنهم لم يُكَذِّبوا نوحًا لأنه نوحٌ، لكن كذَّبُوه لأنه جاء بالتوحيدِ، فلو جاءَ كلُّ نبيٍّ بالتوحيدِ لَكَذَّبُوه، وعلى هذا فإذا جاءهم هُودٌ كذّبوه، إذ لا فرق، وإذا جاءهم صالحٌ كَذَّبُوه، وإذا جاءهم مُوسَى كذَّبوه، وإذا جاءهم محُمَّدٌ كذَّبوه؛ لأنَّهم كذَّبوا الجِنْسَ لا الشخصَ؛ لأنه أَتَى بما يُخالِفُ ما هم عليه فكذَّبوه، لذلك يكونونَ مكذِّبين لِجَمِيعِ الرُّسُلِ.
ولهذا نقولُ للنَّصارى الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِعِيسَى ﵊: إنكم كافرونَ به، مكذّبون له؛ لأنَّهم كذَّبوا محُمَّدًا ﷺ ، لا سِيَّما وأن رسولهم عِيسى ﵊ بشَّرَهُم به كما حَكَى عنه في قَوْلهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ولا شكَّ أنه لن يُبَشِّرَهُمْ بمَن ليسَ لهم.
أرأيتَ لو أنَّ مَولودًا لِفلانٍ وُلِد فهل آتي إليك وأقول: أَبْشِرْ بمولودِ فلانٍ وليس بينك وبينه ارتباطٌ؟ !
стр. 180
ولو أن إِنْسانًا قدِمَ لِيُوَزِّعَ جوائزَ على آلِ فلانٍ، فهل أُبَشِّرُكَ بقُدُومِهِ؟ ! ولو حدثَ هذا لكان سَفَهًا.
إذن لم يُبَشِّرْهُمْ عِيسى إلَّا لأنه رَسُولٌ إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، يَعْنِي: عَيّنه بالإسمِ حتى لا يَبْقَى فيه إشكالٌ فيما بعدُ، ولكن - والعياذُ باللهِ - هم كَفَرُوا، وكفروا بالنَّبيّ ﵊، فيكونونَ كافرينَ بعِيسى بنِ مَرْيَمَ.
وكذلكَ الْيَهُودُ كُفْرُهم بمُحمَّدٍ ﵊ كفرٌ بِمُوسى وبالتَّوراة الَّتي وُجِد فيها رَسُولُ الله مكتوبًا عندَهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] , مثلما أنَّ الإِنْسان يَعْرِف ابنَه فهم يَعرِفونَ محُمَّدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الإستكبارُ والعياذُ باللهِ.
فإن سألَ سائلٌ: إن كانَ نوحٌ نُبِّئَ ولم يُرْسَلْ برسالةٍ، فكيف اتَّبَعَهُ أولادُه؟
فالجَوابُ: رَأَوْا ما يفعل ففعلوا؛ لأنَّه عادةً أنَّ الإِنْسانَ يُقَلِّدُ مَن هو أكبرُ منه، وليسَ هناك موانِعُ وفوارقُ تَمْنَعُهُم وتَصرِفُهُمْ عن تقليدِهِ.
فإن كانَ في عِبادته أشياءُ قَوْلِيَّة تَحتاج إلى تفسير، فإِنَّه سَيُفَهِّمُهُمْ مِن فِعْلِهِ ومن قولِهِ، لكن هذا لا يَعْنِي أنه صارَ رسولًا؛ لأن المرسَلَ هو المبلِّغُ المكلَّفُ، أمَّا هذا فليسَ بمكلَّفٍ، ولهذا نقول مثلًا: إن الجنَّ لم يَنتفعوا برسالةِ نوحٍ؛ إذِ المعروفُ عند أهلِ العِلْمِ أنه لم يُرسَلْ إليهم، وأنه ما أُرْسِلَ إلى أحدٍ من الجنِّ إلا محُمَّدٌ ﷺ ، مع أنَّهم يقولونَ: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وهذا يدلُّ على أنَّهم كَانوا مُنْتَفِعِينَ بكتابِ موسى.