الآية (٢٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧].
* * *
(إنّ) للتَّوكيد، و (لمَجْنُونٌ) اللام أيضًا للتَّوكيدِ، فأكّد جنون مُوسَى بأمرينِ؛ بـ (إنّ) واللام، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ منَ التهكُّم ما هُوَ غيرُ خفيٍّ، يَتَهَكَّم بِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِر رسالتَه وينكر ربوبيَّة ما أرسله، فهذا من بابِ التهكُّم به، ثم إنه لم يُضِفْهُ إِلَى نفسِهِ تكبُّرًا، فما قَالَ: إن الرسول الَّذِي أرسلَ إلينا أو إن رسولنا، قَالَ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾، وهذا عُلُوٌّ منه وتكبُّر وتهكُّم بمُوسَى.
فالعلوُّ والتكبُّرُ والترفُّعُ حيث أضافه إليهم، فكأنَّه هُوَ فِي شأنٍ أعلَى مِن أنْ يُرسَل إليه ولا عَلَى سبيلِ التهكُّم، ثم إنَّ إضافةَ الرِّسالَةِ إليهم وَهُوَ ينكِر ذلك تهكُّمٌ بمُوسَى ظاهرٌ، فقوله: ﴿الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ولم يقلْ: أرسله ربُّ العالمينَ، مع أن مُوسَى قَالَ: إنِّي رسول ربِّ العالمينَ؛ لِأَنَّهُ ما سَمَحَ لنفسِه أن يصفَ اللهَ تعالى بالربوبيَّة ولا عَلَى سبيلِ التهكُّم.
وقوله: ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ المجنونُ: فاقدُ العقلِ، وهذا دَأْبُ جَميعِ الَّذين كذّبوا الرُّسُلَ، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، يقولون: ساحر أو مجنون، و (أو) هَذهِ مانعةُ خُلُوّ وليستْ مانعةَ جمعٍ؛ لأنَّهم قد يقولون: ساحرٌ فقط، أو مجنونٌ فقطْ، أو ساحرٌ ومجنونٌ، وهذا ما وَقَعَ لِمُوسَى ﵊ كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
стр. 72
الآية (٢٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾]، يعني: هُوَ ربُّ المشرِق والمغربِ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ لَيْسَ المُراد منْه الجِهة فقط، ولكن المُراد الجِهَة وما يَحْدُثُ فيها مِن شُروقِ الشَّمْسِ والقمرِ والنجومِ، وما إليها.
قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا كقولِ إِبْرَاهِيم للذي حَاجّه، قال إِبْرَاهِيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فكأنَّ مُوسَى ﵊ عَدَلَ إِلَى أمرٍ ظاهرٍ بيِّن لا يُمْكِن المماراةُ فيه أبدًا؟ قَالَ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ والذي بينهما وما يحدُث مِنَ السَّحاب والرِّياح وغيرِ ذلك، فهذا أمرٌ لا أحدَ يُنْكِره، ولهذا قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا الأمرَ ظاهرٌ للعقلاءِ.
ثم فِي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تَعريضٌ لهم كَرَدٍّ عَلَى قولهم: إنَّ رَسولَكم لمجنونٌ، كأنه يقول: المجنونُ مَن يُنْكِر هَذهِ الأشياءَ.
ولهذا قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ من ظهورِ القوَّة مِن مُوسَى ﵇ وأنه لم يَكْتَرِثْ بهم، فهو رجلٌ وحدَه أمامَ جَبّار عَنيد، وهذا
стр. 73
كَلامٌ مُزْعِج فِي الواقعِ أنْ يقوله الْإِنْسَانُ لِمَن كَانَ نِدًّا له، ولكن مُوسَى ﵇ لَمّا قالَ اللهُ له فِي الأوَّل: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، كَانَ واثقًا بالله وموقنًا بأنَّه لن يَضُرَّهُ فِرْعَوْن، والأمرُ كذلك.
الشَّاهدُ أن المشرقَ والمغربَ وما بينهما لظهورِ الآيَاتِ فيهما؛ قال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فهذا من وجهٍ.
ثانيًا: أراد أن يقابل قول فِرْعَوْن: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، فكأنه يقول: المجنون مَن لم يستدلَّ بهذه الآيَات عَلَى الربِّ .
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إن كُنتُم تَعقِلُونَ﴾ أَنَّهُ كذلك فآمنوا بِهِ وحده]، مثلما قال المُفسِّر فيما سبق: [﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤]، بِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقه فَآمِنُوا بِهِ وَحْده].
* * *
стр. 74
الآية (٢٩)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْنُ لمُوسَى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾]، بعد أنِ انقطعَ بِهِ سُلطانُ الحُجَّة والبُرهان عدَلَ إِلَى سلطانِ القوَّةِ والتهديدِ؛ فهكذا العاجزُ عن ردِّ الحجةِ بالحجةِ يَعْمِد إِلَى القوةِ إذا كَانَ له سلطانٌ، وهذا له سلطانٌ عَلَى مُوسَى، ولهذا هَدَّدَهُ بقولِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ لم يقلْ: لَئِنْ دَعَوْتَ إِلَى اللهِ فقطْ، يعني: يريد منه أن يَمْتَنِع عنِ الدعوةِ إِلَى اللهِ بالأولى، وأن لا يَتَّخِذَ إلهًا سواه، وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ فِرْعَوْن كَانَ ينكرُ أن يكون هناك ربّ سواه، وأن قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، صفة كاشفةٌ وليستْ صفةً مُقَيِّدَةً؛ لِأَنَّهُ لا يَعْتَقِد أن هناك ربًّا سِواهُ.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ فيه شيئانِ يَحتاجانِ إِلَى جَوابٍ: الشَّرطُ والقَسَم، والموْجودُ هنا جَوابُ القسمِ وليسَ جَوابَ الشَّرطِ؛ فكلمة ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ ليستْ جَوابَ شرطٍ، بل جَواب قَسَمٍ، ولهذا أُكِّدَتْ بالنونِ واللامِ، فهي جَوابُ قَسَمٍ، وهذه هِيَ القاعدة؛ يقول مالك (١):
стр. 75
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
وهنا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ: الشَّرط (إنْ)، والقسم (والله) المحذوف، يقول: "احذِف لَدَى اجتماعِ شرطٍ وقسمٍ جَوابَ ما أخرت" والمؤخَّر هُوَ الشَّرط، فيكون الجواب الموْجود للقسمِ، وَهُوَ كذلك.
وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ (إِلَهًا) بمَعْنى: مألوهٍ، أي: معبود، والمُراد بالمعبودِ هنا المعبودُ الَّذِي يَستحِقّ أن يُعْبَد، وذلك لربوبيَّتِهِ، فهو يعتقد أَنَّهُ الرب، فيجب أن يكون هُوَ الإله الَّذِي يُعْبَد.
قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ انظر: ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ولم يقلْ: لَأَسجنَّنك، كما قال الله تعالى فِي قصة يُوسُف: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، بل قَالَ: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ زيادة فِي تهديدِ مُوسَى، كأنه يقول: إن هناك سُجَنَاء، وأنا قادرٌ عَلَى سجنِ النَّاسِ، فإذا لم تَتَّخِذْنِي إلهًا واتخذتَ إلهًا غَيري، جعلتُكَ فِي جملةِ هَؤُلَاءِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ كَانَ سِجْنُه شديدًا؛ يَحْبِسُ الشخصَ فِي مكانٍ تحتَ الأرضِ وحدَه، لا يُبْصِر ولا يَسْمَع فيه أحدًا]. وهذا لَيْسَ شديدًا بما نَعْرِفُ من السجونِ، فهي أشدُّ من هَذَا بكثيرٍ، وفِرْعَوْن إنَّما قَالَ: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أما كيف يَسْجُنُهُ فالآيةُ لم تَتَعَرَّضْ له، وأيضًا إذا كَانَ معروفًا أنَّ سَجْنَهُ بهذه الكيفيَّة فهذا السِّجْنُ لَيْسَ شديدًا، بل فِي السُّجُون مِنَ التعذيبِ ما هُوَ أشدُّ، فنسمع أَنَّهُ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - يُؤْتَى بالشخصِ ويُجْعَل فِي مِثل برميل، وفيه مساميرُ وتحته نارٌ، فهذا الرَّجُلُ لا يستطيع أنْ يَجْلِس؛ إن جلسَ خَرَقَتْهُ المساميرُ، وإنِ اتَّكَأَ عَلَى أحدِ الجُدران كذلك، فهذا - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - من الأساليب الَّتِي يَفْعَلُونها.
стр. 76
ونسمع أيضًا أَنَّهُ من الأساليب أَنَّهُم يجوّعون السِّبَاع الضارِيَةَ ثم يرسلونها عَلَى السجناءِ تَنْهَشُهُم، ولا يستطيعون الدفاعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عندهم القُدْرَة، مثلما فعل الحَجَّاج بِجَحْدَرِ بنِ مالِكٍ، فَإِنَّهُ كَانَ منَ الخوارِجِ، فقَبَضَه، وكان شُجاعًا جِدًّا، فلمّا قَبَضَه حَبَسَه وأتى به، وقال: إنّا مُلْقُوك إِلَى الأسدِ، وإنّا سنقيِّد يَدَكَ، وأنت وشأنك، فأتى بأسدٍ فأجاعه ثلاثة أيامٍ، ثم قال له جَحْدَر: أَعطِني سيفًا، وشُدَّ إِحدى يَدَيَّ، فأعطاه السيفَ وشدّ إحدى يديه، ثم ألقاه إِلَى الأسد والأسد جائعٌ ثلاثةَ أيامٍ لم يأكلْ، يقولون فِي ترجمته: فلمّا وثبَ عليه الأسدُ ضَرَبَه فِي نَحْرِهِ بالسيفِ بيدٍ واحدةٍ، فخرَّ الأسدُ صَريعًا، فأطلقه الحجاجُ؛ لقوتِه وشجاعته (١). فهذه الأساليبُ أيضًا ممَّا يَعْمِدُ إليه أهلُ الظلمِ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ - بالسجناءِ.
والمهمُّ أنَّ الآيةَ الكريمةَ لَيْسَ فيها ذِكْر ما يُفعل بمُوسَى، إنَّما فيها أَنَّهُ سيكونُ مِنَ المسجونينَ؛ أي من جملةِ مَن يُسْجَن.
* * *
стр. 77
الآيات (٣٠ - ٣٥)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ له مُوسَى: ﴿أَوَلَوْ﴾ أي: أَتَفْعَل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ﴾]، إذا اقترنتْ همزةُ الإستِفهامِ بالعاطِفِ فإمَّا أن تقدّر بعدها جملةً يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو تقدَّر الهمزة متأخرةً بعد حرفِ العطفِ، وجهانِ لأهلِ العلمِ، والوجهُ الأخير أسهلُ؛ لِأَنَّ الأول - كما يمر بك - قد لا يمكنُ فيه التَّقديرُ، وأما هَذَا فتقول: الهمزة للإستفهامِ، وهي مقدَّمة، والواو حرفُ عطفٍ، وَهُوَ مقدَّم حُكمًا، مؤخَّرٌ لَفظًا، والجُملة معطوفةٌ.
أمَّا عَلَى ما ذهبَ إليه المُفسِّرُ هنا فَإِنَّهُ جعل الهمزةَ داخلةً عَلَى شيْءٍ محذوفٍ: [أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾]، كأن مُوسَى ﵊ قال له: عَلَى رِسلكَ، لا تَسْجُنَنِي، فأنا ما جئتُ بباطلٍ وسأُقيم البرهانَ عَلَى ما أتيتُ به: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾.
ومن لُطْفِ الله أنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾، وكان مُقْتَضَى جَبَرُوتِهِ وطُغْيَانِهِ
стр. 78
أن يقولَ: ولو جِئْتَنِي بشيْءٍ مُبِينٍ إنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ولكن القلوب بيدِ اللهِ ، فأَلان اللهُ قلبَ هَذَا الرَّجُلِ المتكبِّر الجبَّار لِمُوسَى حين قَالَ: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، وهذا اللِّين قد يكون له سبب حِسِّيٌّ، فهو لِئَلَّا يَنْقَطِعَ أمامَ المَلَأِ الَّذين عنده؛ لِأَنَّ مُوسَى إذا عرضَ عليهم خطَّة الرُّشْد ثم تَعَسّف، وقال: ولو جِئْتَنِي بهذا، فربَّما حينئذٍ يَظْهَرُ أمامَ مَلَئِهِ أَنَّهُ مُعانِدٌ وأنه منقطِع، فقال: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾.
ثم إنه أيضًا قد يكونُ ممَّا حَمَلَه عَلَى ذلك أَنَّهُ أرادَ أن يأتيَ بِهِ ليكونَ إبطالُه أو دَعْوَى بُطْلانِهِ عَلَى يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ ربَّما يأتي بِهِ مُوسَى فِي مكانٍ آخرَ فيغترّ بِهِ النَّاس - على زَعْمِه - فأراد أن يأتيَ بِهِ أمامَه؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن دَعْوَى بُطلانِهِ.
نقول: ووجهُ التليين - أو أن الله ألانَه له - أَنَّهُ ما قَالَ: لا تأتِ بشيْءٍ وسَأَسْجُنك ولو لم تأتِ؛ فقد عَرَضَ عليه أَنَّهُ يأتِي بشيْءٍ مُحْتَمَلٌ أنْ يأتيَ به، ولكن فِرْعَوْن لَانَ بعضَ الشَّيْءِ للأسْبابِ الَّتِي ذكرناها:
أولًا: أن الله ألانَه، والله عَلَى كل شيْء قديرٌ.
ثانيًا: الأسْباب الحِسّيّة لأجلِ ألّا يُقال: إن حُجَّته انقطعتْ، وإنّ الرَّجُل عرَض عليه خطّة رُشْد فأَبَاها.
ثالثًا: لأجلِ أنْ يكونَ إبطالُ ما يأتي بِهِ مُوسَى عَلَى يدِهِ حَتَّى يُبينَ، وأنه أراد أن يتحدّاه، وإنْ كَانَ هَذَا ما يَمْنَع أن يقول: لا تأتِ به؛ لِأَنَّهُ هُوَ قادرٌ عَلَى أن يقولَ: لا تأتِ بِهِ بدون أن يتحدّاه؛ لِأَنَّ تحديَه له فيه احتمالٌ أنْ يأتيَ به، وحينئذ تَنْقَطِع حُجَّة فِرْعَوْن.
стр. 79
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ بُرهان بيِّن عَلَى رِسالتي]، شيْء: فَسَّرَهُ المُفسِّرُ بِبُرْهانٍ، (مُبِينٍ): بِـ (بَيِّن)، إذنْ فهي من (أبان) اللازِمِ؛ لأننا نقول: أبانَ بمَعْنى أظهرَ مُتَعَدٍّ، وأبانَ بمَعْنى بانَ.
وقوله: [بيِّن عَلَى رِسالتي]، المُفسِّر قيَّدها بقولِهِ: (على رِسالتي) والأَوْلى أن يُقالَ: إنها أعمُّ مِن ذلكَ؛ عَلَى كلِّ ما قلتَ من الرِّسالَةِ، ومن وصفِ اللهِ ﵎ بأنه ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، و ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، و ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، ولكن كَلام المُفسِّر لا يأباهُ إذا قلنا: إن المُرادَ بالرِّسالَةِ كلّ ما جاء بِهِ مُوسَى.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ فِرْعَوْن له: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾]، أي: بهذا الشَّيْءِ المُبِين [﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه].
والجُملةُ الشَّرطيَّة موصولةٌ فيما قبلها وليستْ منقطِعةً، يعني: إن كنتَ منَ الصادقينَ فأتِ به، وفي مثلِ هَذَا التركيبِ يقول بعضُ النَّحْويين: إنه لا حاجةَ إِلَى جَوابِ الشَّرطِ؛ لِدَلالةِ ما قبلَه عليه، وبعضهم يقول: إن جَوابَ الشَّرطِ محذوفٌ، ودلّ عليه ما قبلَه، ولا أعلمُ أن أحدًا قَالَ: إن جَوابَ الشَّرطِ ما سبقَ؛ وذلك لِأَنَّ جَوابَ الشَّرطِ لا يَتَقَدَّم عَلَى العاملِ، ولكن الصَّحيح الأَوَّل: أنَّ التركيبَ فِي مثلِ هَذَا لا يحتاجُ إِلَى جَوابٍ، والفرقُ بينَ هَذَا وبينَ الَّذِي بعدَه أن الَّذِي بعده يقول: يجبُ أنْ يقدَّر الجَواب، ولكنه حُذِف للعلمِ به، ونحن نقول: إنَّ ما عُلِم فلا يحتاجُ إِلَى جَوابٍ إطلاقًا، فهذا هُوَ الصَّحيحُ، ومثلُ هَذَا يقعُ أيضًا فِي القَسَمِ.
وقوله: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ذَكَرْنا أنَّ هَذَا الخُضُوعَ من فِرْعَوْن يَتَضَمَّنُ ثلاثةَ أمورٍ، ومنها أن الله ألانَ قلبَه، فقد تَحَدَّاه بقولِهِ: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ
стр. 80
كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، مع أَنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ هَذَا التحدي لولا أنَّ الله ألانَه لكانَ ما تَحَدَّاه به؛ إذ مِنَ الجائزِ أن يقولَ له: لا تأتِ به، ومنَ الجائزِ بعدَ أنْ تَحَدَّاهُ أنْ يأتيَ بِهِ مُوسَى، فيكون كذلك حُجَّة عَلَى فِرْعَوْنَ.
فأتى بالآيتينِ العظيمتينِ، وهما آيةُ العصا، وآية اليَدِ، وقابَلَهُما فِرْعَوْن بمثلِ ما قابلَ بِهِ أوَّلًا، وَهُوَ التمويهُ، وادّعاءُ السِّحْر، وأنه ساحرٌ عَليمٌ جيِّدٌ فِي سِحْرِهِ. ثم قَالَ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]، ما قَالَ: أنْ يُخْرِجَنِي مثلًا، أو أنْ يُخْرِجَنا؛ تَرَفُّعًا وتعظُّمًا أن يبدوَ أمامَ مُوسَى بِمَظْهَرِ الضعفِ الَّذِي يهدِّد، ولكنه خاطبَ بِهِ قومَه.
ثم قَالَ: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾؛ تهييجًا لهم؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لا شكّ أَنَّهُ لا يمكّن أحدًا لِيُخْرِجَهُ مِن أرضِهِ، ولهذا قَالَ: ﴿يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ولم يقلْ: من أرضِ مِصْرَ، ولا: منَ الأرضِ؛ تهييجًا لهم عَلَى مقابلةِ مُوسَى بما يقابلونه به، ولأجلِ أن يَكْرَهوا مُوسَى ﵊ ويَرَوْا أَنَّهُ عدوٌّ مُسْتَعْمِرٌ.
وقوله: ﴿بِسِحْرِهِ﴾ الباء للسببيَّة، أي: بسببِ سِحره، وفِرْعَوْن هنا قَالَ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾، والمَلَأُ ما قالوا: (بِسِحْرِه)، أما هُوَ فقال: (بِسِحْرِهِ)؛ لأجل أن يُشَدَّهُمْ إلَى طلبِ السَّحَرَة الَّذين يقابلون فِرْعَوْن، قال فِي سُورَة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠] ولم يقل: (بسحره)، والفرق أن فِرْعَوْن أراد أن يشدّهم، وأن يُغريَهم بما يقابلون بِهِ مُوسَى ﵊.
وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ لَيْسَ المُراد بالأمرِ هنا هُوَ طلب الفعلِ عَلَى وجهِ الإستعلاءِ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْن لنْ يَخْضَعَ لقومِهِ حَتَّى يطلبَ منهم أمرًا، ولكن المُراد بالأمرِ
стр. 81
المَشُورَة، يعني: فبماذا تشيرونَ عليّ؟ وسُمي المُشيرُ آمِرًا لِأَنَّهُ مُوجِّه؛ فإنَّ مَنِ استشاره لا شك أَنَّهُ يطلبُ توجيهه، فتكون مشورتُهُ بالأمرِ أمرًا به.
والإشارة هنا لمصلحتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذا استشارهم فَإِنَّهُ يريد أن يَخْتَبِرَهُمْ ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا أن لهم وزنًا لأجلِ أن يَتَشَجَّعوا عَلَى هَذَا الأمر.
فائدة: قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢]، وقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ لِأَنَّهُ - والله أعلم - أن الجيبَ فِي مقدِّمة الجسم، ويمكن لو أَنَّهُ ألقاها خَلْفَ ظَهْرِهِ ثم أَخرجها أن يقول قائل: إنه عمِل فيها عملًا لم نشاهدْه، لكن هَذَا أمامهم وظهرَ.
وكنت أتصوَّر بالأوَّل أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي العادةِ أنّ اليدَ إذا أُدخلتْ وتغيبتْ عن الشَّمْسِ والهواء ابيضتْ، فالظَّاهر أن الجِلْد كلَّه المسْتُور من الْإِنْسَان أبيض، والبارز للشَّمْس والهواء أسمر، ولكن أنْ يتغيَّر بهذه السُّرعةِ فهذا خلافُ العادةِ، ففي العادةِ لا يتغيَّر إلا بعدَ مدَّة طويلةٍ، وهذه السُّرعة تدلُّ عَلَى أَنَّهَا ليستْ أمرًا عاديًّا، بل هُوَ أمرٌ خلافُ العادةِ، وهذه من آياتِ اللهِ.
* * *
стр. 82
الآيتان (٣٦، ٣٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٦ - ٣٧].
* * *
إذا أرادَ الله أمرًا هَيَّأَ أسْبابَه، لو سُلِّطَ فِرْعَوْن عَلَى مُوسَى وأخِيه لَقَضَى عليهما، ولكن الله تعالى جعلَ لكلِّ شيْءٍ سببًا.
أشار المَلَأُ عَلَى فِرْعَوْنَ أنْ يُؤَخِّرَ أمرَ مُوسَى وهارونَ، وأنْ يَبعثَ فِي ﴿الْمَدَائِنِ﴾ جمع مَدِينة ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعينَ، يعني: يُرسل إِلَى مَدَائِن مِصْرَ مَن يَجْمَع السَّحَرَة.
ولهذا جاء الجواب: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾، وكان من المتوقَّع أن يقولَ: (يأتونك)، فما هُوَ الفرقُ بينَ (يَأْتُوكَ) وبين (يأتونك) من حيثُ المَعْنى؟
لو قَالَ: (يأتونك) لكانتْ صفةً لـ (حَاشِرِينَ)، أي: حاشرينَ يأتونك بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ، لكن المُراد خِلاف ذلك؛ لأن: (يَأْتُوكَ) أبلغُ من: يأتونك، حيثُ كانتْ جَوابًا للأمرِ، الَّذِي هُوَ لِلْمَشُورة، إذن (ابعث) أيضًا ليستْ أمرًا حقيقيًّا، فهي أمرٌ للمشورةٍ: (ابعث يأتوك)؛ لِأَنَّهُ بمجرَّد بعْثك يأتونك به.
لكن لو كانتْ صفةً لـ (حَاشِرِينَ): (حاشرين يأتونك) لكان من الجائزِ ألَّا يأتوا، فصفةُ الحاشرِ مَن يَجْمَعُ ويأتي بالسَّحَرَة، لكن قد يَتَهَيَّأ له ذلك وقد لا يتهيَّأ،
стр. 83
أمّا إذا قَالَ: ابْعَثْ يأتوك، صار هَذَا مثلَ الشَّرطِ والجزاءِ، يعني: إنه إذا حصلَ بَعْثُكَ لَزِمَ منه النتيجةُ، وَهُوَ أنْ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ.
و(سَحَّار) هِيَ من بابِ المُبالَغةِ، أو هِيَ من بابِ النِّسبة، كما يُقال: بنّاء ونجّار وصنّاع، يعني: لِأَنَّ صنعتَه السِّحرُ، ولا يكون ذلك ولا يُنْسَبُ الْإِنْسَان إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا إذا كَانَ مجُيدًا فيها، فلا يُقال لمِن بَنَى مرَّةً واحدةً: إنه بنّاء، ولا لمِنْ نجَر مرةً واحدةً: إنه نجّار، وإنَّما يُقالُ ذلك فيمَن أتقنَ المِهْنَةَ والصَّنعة.
إذن فالسحّارُ إمّا صيغةُ مبالغةٍ أو صيغةُ نِسبةٍ، والفرقُ بينهما ظاهرٌ؛ لِأَنَّ (سَحَّار) على مَعْنى المُبالَغة بمَعْنى كَثير السِّحر، ولكن (سَحَّار) على مَعْنى النِّسبة بمَعْنى أَنَّهُ مُتْقِن لهذه الصنعة؛ لِأَنَّهُ نُسب إليها.
والظَّاهرُ أنّ النِّسبةَ أَولى، يعني: بذي سحر قد أتقنَ هَذِهِ المهنةَ، فتكون للنسبةِ، ويُغْنِي عن المُبالَغةِ قولهم: (عَلِيم) يعني فائِق السِّحر، وقد يُقال: إن هَذَا يُغْنِي عن النِّسبةِ وإن (سَحَّار) صيغة مبالغة لكثرة سِحْرِه وإتقانه.
قال: ﴿سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أي سَحَّار وعليم، ولهذا قد يَتَرَجَّح أَنَّهَا للْمُبالَغةِ وتكونُ النِّسبةُ مفهومةً من قولِه: ﴿عَلِيمٍ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ يَفضُل مُوسَى فِي عِلْم السِّحر]، يعني: يَزِيد عليه، فعلى هَذَا طَلَبُوا أنْ يأتوا بسَحرةٍ يفوقون مُوسَى فِي الكمّ وفي الكيفِ، وفعلًا حصلَ هذا، وأتوا بِمَهَرَةٍ سَحَرَةٍ وبعددٍ كبيرٍ، ولكن لَيْسَ الأمر الَّذِي من آيات الله مثل السِّحر الَّذِي هُوَ خَيال لا حقيقةَ له.
* * *
стр. 84
الآية (٣٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وَهُوَ وقتُ الضُّحى من يَوْمِ الزِّينَةِ].
﴿السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعُمومِ، والجامعُ إما فِرْعَوْن وإما الحاشرونَ الَّذين ذهبوا إِلَى المدائنِ يَحشُرون النَّاس.
وقوله: ﴿لِمِيقَاتِ﴾ اللامُ للتوقيتِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: لوقتِ عِدَّتِهِنَّ.
جُمِعوا لهذا اليوم ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لدى النَّاس، والذي فَرَضَ هَذَا اليوم - سبحان الله - مُوسَى والذي اقترحه مُوسَى، انظر كيف التَّفصيل! فمُوسَى هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ الزَّمانَ والمكانَ، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]؛ لِأَنَّهُ واثقٌ بنصرِ اللهِ، ولهذا وَعَدَهُمْ يومًا يُسَمُّونه (يوم الزِّينة) بمنزلة عيدِ المسلمينَ، وأَمَرَهم أيضًا أن يكونَ فِي واضحةِ النَّهارِ ضُحًى؛ لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ من الرؤيةِ والمشاهدةِ عَلَى وجهِ التأنِّي والطُّمأنينة.
* * *
وقال: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، (لَعَلَّنَا) يعني مَعْشَر الأقباط جميعًا ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ دون مُوسَى، لكن بشرط: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾، وهذا الشَّرطُ فِي ظَنِّهم أَنَّهُ مُتَحَقِّق، وأن السَّحَرَة سوفَ يَغلبون.
وفي قولهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ من إظهار التعصُّب ما لا يَخفَى؛ لِأَنَّ الواجبَ عليهم أن يقولوا: لعلَّنا نَتَّبع الغالبَ، لا أن يقولوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾، فقد يكونُ الحَقّ مع مُوسَى وقد يكون الحَقّ مع السَّحَرَة، فلو وُفِّقوا لقالوا: لعلَّنا نَتَّبعُ الغالبَ أو الحَقَّ، ولكنهم قالوا: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾.
ثم استدركوا فقالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وهذا ما يُسَمَّى بـ (التحفُّظ) - في لُغَة العصر- يعني: كأنَّهم حَكَمُوا بأنَّ الغلبةَ للسحرةِ، لكن معَ تحفُّظ لِقَوْلهِم: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
وفي قولهِم: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ إشكال من الناحيةِ الإعرابيَّة؛ لأن: (هُمْ) ضمير، والخبر يكون مرفوعًا، فلماذا نُصب؟
نقول: (هُمْ) هنا ضميرُ فَصْلٍ لَيْسَ لها مَحَلّ منَ الإعرابِ، و (الْغَالِبِينَ) خبر (كانَ)، ومعلوم أنَّ خبر (كَانَ) يكون منصوبًا. وضميرُ الفَصْلِ له فوائدُ:
أولًا: تمييزُ الصِّفَةِ عنِ الخبرِ، مثل أن تقولَ: زيدٌ الفاضلُ، وزيدٌ هُوَ الفاضلُ، فإذا قلتَ: زيدٌ الفاضلُ، قد يكون (الفاضل) نعتًا والخبرُ لم يأتِ، أمَّا إذا قلتَ: هُوَ الفاضلُ فقد حَدَّدنا أن (الفاضِل) خبرٌ.
ثانيًا: وكذلك من فَوائده حَصْرُ المبتدأِ بالخبرِ، (زيدٌ هُوَ الفاضل) يعني: لا غَيْرُه.
стр. 87
ثالثًا: التَّأكيد، يعني أَنَّك إذا قلتَ: زيد هُوَ الفاضلُ، كأنك تؤكِّد ذلك: أَنَّهُ الفاضلُ دون غيره.
قال: [﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ الإسْتِفهام للحَثِّ عَلَى الإجتماعِ]، قوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ يعني: اجتمعوا كترغيب وحَثٍّ [والترجي عَلَى تقدير غلبتهم]، الترجي فِي قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [ليستمِرُّوا عَلَى دِينهم فلا يَتَّبِعُوا مُوسَى].
وهل هَؤُلَاءِ الَّذين ذهبوا يجمعون النَّاسَ هل فيهم نوعٌ مِنَ الإنصافِ؟
قالوا: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ فيه نوعٌ من الإنصافِ؛ لِأَنَّهُ ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ اتَّبَعْنَاهُم، وإلَّا فلا. لكن تقديم اتِّباع السَّحَرَةِ وترجّي اتباعهم هَذَا هُوَ الَّذِي فيه نوعٌ من التعصُّب، وكان عليهم ألَّا يذكروا السَّحَرَةَ إطلاقًا، وأن يقولوا: لَعَلَّنا نَتَّبعُ الغالِبَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فِي قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ هل يمكنُ أن تكون للتعليلِ؟
فالجَواب: يُمْكِن، لكِن للترجِّي أَبْيَنُ.
* * *
стр. 88
الآية (٤١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١].
* * *
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ يعني: لفِرْعَوْن ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿أَئِنَّ﴾ قَالَ: [بتحقيقِ الهمزتينِ، وتسهيلِ الثَّانيةِ، وإدخالِ ألفٍ بينهما عَلَى الوجهينِ، ، التَّحقيق والتسهيل، ﴿أَئِنَّ﴾ هَذَا تحقيقٌ، وتسهيل الثَّانية (أَيِنَّ)، وإدخال الألف بينهما على الوجهين: (آئِنَّا)، (آيِنَّا)، فتكون القِراءَة عَلَى هَذَا أربعًا (١).
قال: ﴿لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ هَذِهِ اللامُ للتَّوكيدِ: ﴿لَأَجْرًا﴾، والمُراد بالأجرِ هنا المَثُوبَة الدُّنْيَوِيَّة والقُربى والزُّلْفَى منه، أو نقول: المثوبة الدنيويَّة فقط، لكن هُوَ زادَهُمُ القُربى والزُّلْفَى منه: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، وهنا يقول: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ وقد يُقال: كيف دخلتْ لامُ التَّوكيدِ عَلَى الإسْتِفهامِ والإسْتِفهامُ إِلَى الآنَ ما وقع بعدُ، فكيف يؤكد؟
ولهذا نظائر فِي القُرآن، مثل قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، فكيف يَصِحُّ التَّوكيدُ معَ الإسْتِفهامِ والمستفهِم يسأل فإلى الآن ما تَبَيَّن له الأمرُ أَنَّهُ واقع، فكيف يؤكَّد؟
стр. 89
فيُقال: إن التَّأكيد هنا يُراد بِهِ تأكيدُ الجَوابِ، كأنه يقول: أتؤكّد لنا الأجرَ؟ أتؤكد لنا أنك أنت يوسف؟ أمَّا بالنِّسبة للسائل فلا يمكِن التَّوكيد؛ لِأَنَّهُ سائل مُسْتَفْهِم، ولا جمع بين الإسْتِفهامِ الَّذِي هُوَ جَهْل وبين التَّوكيدِ الَّذِي هُوَ عِلم مُحَقَّق.
فعليه نقول: الإسْتِفهام هنا عَلَى تقدير: أتؤكِّد لنا أنَّ لنا لأجرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ؟ الجَواب: قَالَ: نَعَمْ.
فهَؤُلَاءِ يُريدون الراكبَ قبلَ المَرْكَبَةِ، يَبْغُونَ الأجرَ، مثلما يقول بعض النَّاسِ إذا طُلب منه أن يكون إمامًا فِي مسجد: هل هناك شيْء؟ أو مؤذنًا، أو ما أشبه ذلك، فكذلك هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ المقام مَقام انتصار حقّ عَلَى زَعْمِهِم، ومع ذلك قالوا: إنِ انتصرنا عَلَى الباطلِ - كما يَزْعُمُون - بالحقِّ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا؟ فقال لهم: نَعَمْ؛ يعني: لكم أجر.
و(نَعَمْ) حرف جَوابٍ، ويُقال: إن الجَواب سؤالٌ مُعادٌ، فالحرف نائبٌ عن السُّؤالِ، يعني: نعم لكم أجرٌ، ولهذا فِي هَذِهِ القاعدةِ، وَهُوَ أن حرف الجَواب إعادة لسؤال، لو قيل للرجل: أطلّقتَ امرأتك؟ فقال: نعم، وما قَالَ: هِيَ طالق، قَالَ: نعم، فهل تطلق؟
نقول: تطلق، لِأَنَّ حرف الجَوابِ إعادةٌ للسُّؤالِ، كذلك أيضًا لو قيل له: أقَبِلْتَ النِّكاح؟ فقال: نعم، انعقدَ النِّكاحُ. ولو قيل له: أعتقتَ عبدَكَ؟ فقال: نعم، عَتَقَ، أوقفتَ بيتَكَ؟ قَالَ: نعم. فلو أراد الكذِبَ فِي مثلِ هَذِهِ الأحوالِ، إنْ قلنا: أوقفتَ بيتَكَ؟ قَالَ: نعم، وَهُوَ يكذب، أطلقتَ امرأتك؟ قَالَ: نعم، وَهُوَ يكذب، فهل يقع الطلاقُ والوقفُ والعِتقُ، وما أشبهَ ذلك، أم لا يقع؟
стр. 90
نقول: أمّا الطلاق ففيه تفصيلٌ، وحقُّ الغيرِ يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذ بالظَّاهرِ، فيُقال: هَذَا يدين، حُكْمًا لا يُقبل، وأمَّا فيما بينه وبينَ اللهِ إذا لم يُحاكَم فَإِنَّهُ يُقْبَل، يعني: لو أنَّ زَوْجَتَه وَثِقَتْ بِهِ وقالتْ: إن الرَّجُلَ لَمّا قيل له: أطلقتَ امرأتَكَ؟ قَالَ: نعم، أراد أنْ يَكذِب عَلَى صاحبِهِ، فإنها تَبقَى معه؛ لِأَنَّ ما ادّعاه مُحْتَمَلٌ، وإذا كَانَ محتملًا ولم ينازع فيه مَن له الحَقّ وصدَّقه؛ فَإِنَّهُ يُقبل منه.
فـ (نعم) حرفُ جَوابٍ لُغةً وعُرفًا، ولا تأتي فِي اللُّغة ولا فِي العُرف استفهاميَّة، إلا إذا قُرِنت بشيْءٍ، مثل: نعم ماذا تقول؟ يعني: كأنه يقول: نعم هاتِ ما عِندَكَ، يعني: يستجيب.
فَإِنْ قِيلَ: هم يُسَمُّونَ العالِمَ عندهم ساحرًا؛ استدلالًا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، أو أَنَّهُ اتِّهام لِمُوسَى بأنه ساحرٌ؟
فالجَواب: لا، هَذَا غير صحيحٍ، فهم مُعْتَقِدُونَ أَنَّهُ ساحرٌ، وقولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ من بابِ التهكُّم.
* * *
الآية (٤٣)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ - بعدما قالوا له: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥]-: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾، فالأمر فيه للإذنِ بتقديمِ إلقائِهِمْ تَوَصُّلًا بِهِ إِلَى إظهارِ الحقِّ].
قوله: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مِثْلَمَا قال المُفسِّر: بعدَ أن قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥]، قَالَ: ﴿أَلْقُوا﴾، هَذَا الأمر يقول المُفسِّر: إنه للإذنِ.
ويَحتمل أن يكون للتحدِّي، ولهذا قَالَ: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾. و (ما) لصلة الْعُمومِ، يعني: ألقوا ما تريدون ممَّا تُلْقُونه، فأنا لا أَكْتَرِث بِهِ ولا أَهْتَمّ به، ويدلُّ عَلَى ذلك أَنَّهُ طَلَبَ أن يكونوا هم المُلْقِين؛ لأجلِ أن يكونَ هُوَ الغالبَ بعدهم؛ لِأَنَّهُ لو أَلقى عصاهُ فصارتْ ثعبانًا مُبِينًا فماذا تَصْنَع وليسَ أمامها شيْء؟
فأمرهم أن يُلْقُوا هم أولًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ واثقٌ بوعدِ اللهِ، فهو يَنْطِق من مَنْطِقِ القوّة، يقول: أنا لا أَكْتَرِث بكم، أَلْقُوا ما تريدون: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾، والإبهامُ هنا للْمُبالَغة، يعني: ألقوا الَّذِي تريدون ممّا تُلْقُونه، وفي قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ بالجُملةِ الإسْميةِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُ مهما كانوا متَّصِفين بِهِ من الإلقاء؛ فَإِنَّهُ لا يهتمّ به.
стр. 93
الآية (٤٤)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤].
* * *
يقول: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أعوذُ باللهِ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. ﴿حِبَالَهُمْ﴾ يعني: الَّتِي يَسْحَرُون النَّاس بها، ﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾ الَّتِي يسحرون النَّاس بِهَا، وهم يُلْقُون هَذِهِ الحبالَ وهذه العِصِيّ فتكون فِي أَعْيُن النَّاسِ ثَعابينَ وحيَّاتٍ، وأيضًا تَظْهَر بِمَظْهَر الكثرة وتملأ الواديَ، وهي حقيقةً ليستْ ثعابينَ وحيَّاتٍ، إذن السِّحرُ هُوَ حقيقة، وليس خيالًا.
والحِبال: جمعُ حبلٍ، والعِصِيّ: جمعُ عَصًا، وتلك الحبال والعِصِيّ يُلْقُونها لِيُوهِمُوا النَّاسَ بِسِحْرِهِم أَنَّهَا حيَّات وثعابِين، حَتَّى مُوسَى ﵊ خاف وأوجسَ من هَذَا خِيفةً لَمّا رأى هَذِهِ الحيَّات والثعابين تُقبِل إليه، ولكن الله قال له فِي تلك الساعة: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٨ - ٦٩]، وقالوا لَمّا أَلْقَوْها: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ والباء للسببيَّة، وعِزَّة فِرْعَوْن: غَلَبَتُه وقَهْرُه، وفي تقديمهم هنا للعزةِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُم لا يَعْتَزُّون بغيرِه، وأنَّهم لا يَرَوْنَ أنَّهم يَنْتَصِرون بِسِوَى عِزته.
والسِّحر حقيقةٌ، لكن باعتبارِ ما سُحِر بِهِ خيالٌ، حقيقةٌ لِأَنَّهُ أثّر فِي الرؤيةِ،
стр. 94
وأثّر بدلًا مِن أن يَرَى الْإِنْسَان هَذِهِ الحبالَ حِبَالًا وعِصِيًّا صار يراها ثعابينَ وحيَّاتٍ.
إذن فهذه حقيقةٌ، لكن بالنِّسبةِ لمِن يراهُ فليسَ مُتَغَيِّرًا عن حقيقتِه، فالحبالُ حبالٌ، والعِصِيّ عِصِيّ، ولو رآها مَن لم يَصِلْ إليه السِّحرُ لرآها حقيقةً: حِبَالًا وعِصِيًّا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل يُقْتُلُ العائنُ؟
فالجَواب: لا، الصَّحيحُ أَنَّهُ لا يقتلُ إلَّا إذا تَعَمَّدَ القتلَ، إذا قَالَ: أنا أقتلُ فلانًا.
فإذا أكّد يُحْبَس، وَهُوَ يجب حبسه عَلَى كل حالٍ، مثلما قال أهل العلم، ولكن الغريب أن هَذَا مشهورٌ فِي الزمنِ السابقِ بينَ النَّاسِ، والوُلاة أقوياءُ والأمراءُ أَقوى مركزًا من اليومِ، حَتَّى أمراء البُلدان، والقضاةُ موْجودونَ وكَلامُ الفقهاءِ أيضًا الحنابلة، فالمذهب أَنَّهُ يجب أن يُحْبَس هَؤُلَاءِ، ولكن مع ذلك ما فِي عُمُرنا سمِعنا أَنَّهُم حُبِسوا، وإلَّا لو حُبسوا لقلَّ الشرُّ.
وأمَّا إذا كَانَ ما قَصَدَ قَتْلَه ولكن ماتَ، فهذا خطأٌ، يَرْمُونَه بالدِّيَة، عَلَى أن بعض العلماء يقولون: لا يُقتل حَتَّى وإنْ كَانَ تعمَّد قتلَه؛ لِأَنَّ هَذَا السلاح سلاح خَفِيّ باطنٌ، وبعضهم قَالَ: يقتل بمثله بإيجاد واحد يحسده قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] لكن نخاف أن يُشَجِّع هَذَا الَّذينَ يصيبون الناس بالعين.
فإن قال قائل: فبِمَ يعالَج الْإِنْسَان إذا أُصيب بعينٍ؟
فالجَواب: بالقِراءَة، ويعالج بالحِسّ معالجةً حِسِّيَّة، فيُؤتَى بالعائنِ ويتوضأ، ويُؤخذ ما يتناثر منه، ويسقى عَلَى هذا، ويُرشّ بِهِ رأسُه من فوق عَلَى جهةِ ظَهره،
стр. 95
وبإذن الله يَبْرَأُ. وعند النَّاسِ شيْء لَيْسَ معروفًا فِي السنّةِ لكنَّه مُجَرَّب، أَنَّهُ يأخذ من ثِيابه التي تحمل من عرقه إن كانت طاقية أو غُترة أو (فنيلة) أو سروالًا، ويغسل، ويُؤخذ غُسالته ويشربه المصابُ، ويَنْتَفِعُ.
والعَيْنُ لا تأتي إلَّا عَلَى غَفْلَةٍ، وأكثر ما تأتي أيضًا مَن يخافُ منها.
إذن فالعلاج أَنَّهُ يتوضأ ويرش عَلَى بدنه؛ عَلَى الأعضاءِ زِيَادَةً عَلَى الوضوء.
ويَزْعُمُونَ أن الْإِنْسَانَ العائِنَ إذا صُلِّيَ عليه صلاةَ الجنازةِ أَنَّهُ يكفِّر، ولكن هَذَا لَيْسَ بصحيح.
والعَيْن مَنْشَؤُها الحسدُ، ولهذا قيل فِي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]: العائن إذا عان.
الله يرحمه شيخنا، كَانَ يدرسنا باللَّيلِ بينَ العشاءينِ، ومرَّت الطيورُ هَذِهِ الَّتِي تَصِيح باللَّيل، وأظنُّها يسمونها البطّ، ورفعت رأسي، فقال هو: إن صَيدَ العلمِ أفضلُ - أو خيرٌ - من صيدِ الطيورِ! وَهُوَ صحيحٌ ما فيه شكّ، وأنا أَجزِم جَزمًا أن الْإِنْسَان الَّذِي يَلْتَفِت يقينًا (بيروح)، وَهُوَ ما يَلْتَفِت إلا مُؤْتَمِرًا بأمرِ قلبِه، لا يمكن أنْ يلتفتَ إلا بهذا.
وقولهم: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أكَّدوها بـ (إنّ) واللامِ؛ لأنَّهم يَعْتَقِدُون تلكَ الساعةَ أَنَّهُ لا أحدَ أقوَى مِن فِرْعَوْنَ، وأنَّهم بِعِزَّتِهِ سَيَغْلِبُون لا مَحَالةَ، ولهذا أكَّدوها بقولهم: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾، وأتَوْا بالجُملةِ الإسْميَّة إشارةً إِلَى أن هَذِهِ الغَلَبَة ستدومُ وتستمِرُّ؛ لِأَنَّ الجُملةَ الإسْميَّةَ تَدُلُّ عَلَى الثبوتِ والإستقرارِ والدوامِ.
وفي قولهم: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ﴾ إذا أَعْرَبْنَا (نحن) ضميرَ فصلٍ ففيه ما يُستفادُ من
стр. 96
ضميرِ الفصلِ، وَهُوَ التَّأكيدُ والحصرُ والفصلُ، يعني: إنا لنحنُ الغالبونَ دونَ غيرنا بهذه العزةِ العظيمةِ، الَّتِي كانوا يَعْتَقِدُونَهَا حينذاكَ.
ومن فوائد الآيةِ:
أن مُوسَى ﵊ لما قَالَ: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أَلْقَوْا حِبَالهم وعِصِيَّهم، واستعانوا بغيرِ مُعِين؛ فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.
* * *
стр. 97
الآية (٤٥)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥].
* * *
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ ألقى مُوسَى عصاه بوحيٍ خاصٍّ منَ اللهِ، كما فِي سُورَةِ طه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٨ - ٦٩]، فألقى مُوسَى عصاهُ، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بحذفِ إحدى التاءينِ من الأَصْلِ، تَبْتَلِع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾]: (تَلَقَّف) (١) ولم يُشِرْ المُفسِّر إِلَى القِراءَة الثَّانيةِ، وهي (تَلْقَف)، أمَّا قِراءَة: (تَلْقَفُ) فليس فيها حذف إحدى التاءينِ، وأما (تلَقَّف) ففيها حذف إحدى التاءين، وأصله: (تَتَلَقَّف)، ومعناهما واحد، يعني: تَبْتَلِع، لكن (تلقّف) تفيد معنًى زائدًا عَلَى (تلْقَف)، فهي تفيد التَّتَبُّعَ، يعني: كأنها جَعَلَتْ تتبع حَتَّى أَفْنَتْهَا كلَّها؛ لِأَنَّهُ إذا كانتِ الحبالُ أمامَها كثيرةً فلا تتبعها، فأيُّ جهةٍ تأخذُ تلقفُ، لكن لَمَّا فَنِيَتْ وقلّتْ صارتْ حَبلًا هنا وحبلًا هنا، فهي تَتَلَقَّفُهُ: تتبعه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يَقْلِبُونه بِتَمْوِيهِهِمْ، فيُخَيِّلُون حِبَالَهم وعِصِيَّهم أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى]، ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفكُ: الكَذِب، وهذا كَذِب بالفعلِ وليسَ بالقولِ، فهذا كذب فعليٌّ؛ لِأَنَّ الكذبَ القوليَّ يكون باللسانِ، وَهُوَ إخبارُ
стр. 98
الْإِنْسَانِ بما لا يُوافِق الواقعَ، والكذبُ الفعليُّ يكون بالفعلِ، وَهُوَ إظهارُ الْإِنْسَانِ الفعلَ بخلاف الحَقِيقَةِ، فهَؤُلَاءِ أظهروا الحبالَ والعِصِيَّ حَيَّاتٍ، لكنها ليستْ كذلك، ليستْ حياتٍ، وإنَّما هِيَ حبال وعصيٌّ.
وقد زعم بعضُ العلماءِ أن السِّحرَ لا حقيقةَ له، واستدلُّوا بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، والصَّوابُ أن له حقيقة، وحقيقتُه هَذَا التخييلُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل يؤثِّر السِّحرُ؟
فالجَواب: نعم، يؤثِّر فِي التصوُّر، وفي الإحساسِ، وما أشبهَ ذلك، أمَّا أن يؤثِّر بقلب الحقائق، فلا؛ لِأَنَّ هَذَا من صفاتِ الخالِقِ.
* * *
стр. 99
الآيات (٤٦ - ٤٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].
* * *
لَمَّا رأى السَّحَرَة، وهم أعلمُ النَّاسِ بالسِّحرِ وآثارِه وتأثيرِه، لَمَّا رَأَوْا ما تَفْعَلُه هَذِهِ العصَا الَّتِي وَضَعَها مِن يَدِهِ وهم يُشاهِدون، عرَفوا أن الأمر لَيْسَ بسحرٍ؛ لِأَنَّ سِحْرَهم أقوى ما يكونُ من السِّحرِ وأكثره.
وكان السِّحرُ فِي ذلك الوقتِ أيضًا شائعًا، ولهذا جاءتْ آيةُ مُوسَى بشيْءٍ يُشْبِهُه؛ بنوعٍ منه، ولكن هم عرَفوا أن هَذَا لَيْسَ بسحرٍ، وأنه فوقَ طاقةِ السَّحَرَةِ، فماذا حصل؟ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
قال: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولم يقلْ: فسجدَ السَّحَرَةُ، كأن هَذَا السُّجود أمر اضطراريّ؛ لقوّة ما دَفَعَهم إليه، يعني: لا كأنه أمر اختياريّ، لكن لقوة الدافعِ صار كأنَّهم أُلْقُوا إلقاءً بدونِ اختيارٍ.
و﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعُمومِ، يعني: جميع السَّحَرَة مع مَهَارَتِهِم ومَعْرِفَتِهِم أُلْقُوا سَاجِدِينَ لله، بدليل قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وليسوا ساجدينَ تعظيمًا لعصا مُوسَى؛ لِأَنَّ تصرَيحهم بالإيمانِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُم ساجدونَ لله : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هَذَا البدلُ من أحسن ما يكون بعد الْعُمومِ
стр. 100
﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ يقول: إنه رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فقالوا: ربّ العالمينَ، وكان فِرْعَوْن أيضًا يقول: إنه ربُّ العالمينَ، فأَخرجوا ربوبيَّة فِرْعَوْن بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كَانَ يدّعي أَنَّهُ ربّ العالمينَ، لكنّه لَيْسَ ربَّ مُوسَى وهارونَ؛ لِأَنَّ مُوسَى وهارون يُنكرانِ رُبُوبِيَّتَه، فلذلك كَانَ هَذَا البدلُ من أحسن ما يكون فِي بيانِ المُرادِ.
وإتيانهم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ دون أن يأتوا مباشرةً بربّ مُوسَى وهارونَ، إشارة إِلَى أَنَّهُم آمَنُوا برسالةِ مُوسَى؛ لِأَنَّ مُوسَى قَالَ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ما قَالَ: أنا رسولُ ربي، قَالَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هَذِهِ هِيَ فائدةُ البدلِ بقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، والترتيب هنا بين مُوسَى وهارون ترتيبٌ يطابقُ الواقعَ؛ فإنَّ مَرْتَبَةَ مُوسَى أعلى من مرتبةِ هارونَ؛ لِأَنَّ مُوسَى من أُولي العزمِ.
ولكن الترتيب اختلفَ فِي سُورَة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، من أجل مراعاةِ الفواصلِ، وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ القُرآنَ الكريمَ وكل كَلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصلُ والنغماتُ، لكن فِي الأمرِ المعلومِ، فمن المعلوم أن مُوسَى أفضلُ من هارونَ، وترتيبه فِي الذكرِ لا أحدَ يَتَوَهَّمُ منه أن هارونَ أعلى منه مرتبة، فالتقديمُ له غايةٌ، ولهذا قال الرسولُ ﵊: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (١).
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لِعِلْمِهم بأنّ ما شَاهَدوه منَ العَصا لا يتأتّى بالسِّحرِ]، فلما آمنوا هَذَا الإيمانَ أَعْلَنُوه إعلانًا غيرَ مُبالينَ بما يَنْتُجُ وراءَ ذلك؛ لِأَنَّ الإيمانَ الصادقَ يَقضي عَلَى كلِّ عاطفةٍ، فعاطفةُ حبِّ النَّفسِ أمرٌ جِبِلِّيٌّ فِطْرِيّ، لكن الإيمان يَقضي عليها، ولهذا الْإِنْسَان يُعَرِّض نفسَه للهلاكِ حينما
стр. 101
يخرجُ مجاهدًا فِي سبيلِ اللهِ وَهُوَ يعرِف أن سيوفَ القومِ قد تَبْتُرُ رَقَبَتَهُ، لكنه لا يبالي، وكذلك الْإِنْسَان يَنسَى العاطفةَ بينه وبين أقاربِه، حَتَّى إن الرَّجُل لَيَقْتُلُ أباهُ إذا كَانَ من الكفّار.
فهنا قالوا معلنينَ هَذَا الإعلانَ غيرَ مُبالينَ بما يَنْتُجُ، وفي ظنِّي أَنَّهُم سَيَعْلَمُون أَنَّهُ سَيَنْتُجُ عن ذلك أمرٌ عظيمٌ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ جاء بهم كسلاحٍ له، فإذا خَانُوه فِي هَذَا المجتمعِ العظيمِ، وَهُوَ يومُ الزِّينة، فسَيَنْتُجُ عن هَذَا العُقوبات، إلا أَنَّهُم غيرُ مبالينَ بهذا؛ لِمَا أشرنا إليه قبلُ.
فائدة: فِي سُورَة طه قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٤]، قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ تَبَعٌ مِن كَلامهم هم، لكن: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قد يَحْتَمِل أن يكونَ من كَلامهم أو من كَلام اللهِ.
فوائد الآيَات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أن الحَقّ إذا تَبَيَّنَ كَانَ أعلم النَّاس بِهِ مَن يَعْرِف هَذَا الحقَّ؛ فإن مُوسَى ﵊ أوَّل مَن تَبَيَّنَ له أن ما جاء بِهِ الحقّ، وأنه لَيْسَ بسحرٍ؛ هم السَّحَرَةُ الَّذين عَرَفُوا السِّحرَ وباطلَه، فالذي يعرِف الحَقّ هُوَ الَّذِي يعرِف الباطلَ، أما مَن لا يعرف الباطلَ فَإِنَّهُ قد تَلْتَبِس عليه الأمورُ، ولهذا قيل: "بِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشياءُ" (١).
стр. 102
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مُبادَرَةُ السَّحَرَة إِلَى الإيمانِ، حَتَّى إن الإيمانَ كَانَ كأنَّه أمر اضطراريّ؛ لقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾؛ لقوَّةِ ما شاهدوا من الآيَاتِ الَّتِي لم يَتَمَكَّنُوا معها أن يتأخَّروا، فلمَّا رَأَوُا الآيَاتِ ما أَمْكَنَهُمْ أن يتأخَّروا عنِ الإيمانِ، فكأنَّهم أُلقوا اضطرارًا.
* * *
стр. 103
الآيتان (٤٩، ٥٠)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩ - ٥٠].
* * *
﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ هَذَا قول فِرْعَوْن، وكلمة ﴿قَالَ﴾ أتتْ بالفصلِ وليسَ بالوصلِ؛ لِأَنَّ الوصلَ هُوَ العطفُ بالواوِ، ومعَ ذلك فهي مفصولةٌ لكن تدلُّ عَلَى وقوعِ هَذَا الشَّيْءِ مباشرةً كأنه جَوابٌ عن فِعلهم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ بتحقيق الهمزتينِ، وإبدال الثَّانيةِ ألفًا ﴿لَهُ﴾ لمُوسَى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ﴾]، هَذَا أمرٌ لا يكونُ عادةً من هَؤُلَاءِ ولا من غيرهم أن يؤمنَ أحدٌ لعدوِّ فِرْعَوْن بدونِ إذنِه، وفي قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إشارة إِلَى أن الرَّجُلَ قد سيطرَ عليهم سَيطرةً تامَّةً، وأنَّهم لا يَتَصَرَّفون بشيْءٍ إلا بإذنِهِ. والإسْتِفهامُ فِي قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ للإنكارِ والتوبيخِ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي سُورَة الأعراف: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، وهنا: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾؟
فالجَواب: فِي الأَصْل بينهما فرقٌ: آمَن به: أقرَّ بِهِ واعترفَ الإيمان الكامل، وآمن له: مُضَمَّنة مَعْنى انقاد. فإذا جمعتَ بين الآيتينِ هنا صارتْ أبلغَ، يعني:
стр. 104
كأنَّهم آمَنُوا إيمانًا به، ثم آمنوا له فانقادوا له.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ انظر التمويه، هَذَا غريبٌ، فهذا فِي الحَقِيقَةِ مظهرُ ضعفٍ منه، كيف يكون كَبيرَهم الَّذِي عَلَّمَهُمُ السِّحرَ وهم قد حُشِروا من المدائنِ وليسوا مع مُوسَى فِي مدينتِه، وكيف يُقال: إنه علَّمَهُم، بل إنهم فِي مدائنَ متباعدةٍ، وكيف يمكن أن يُقال: إنه كبيرهم الَّذِي علّمهم السِّحرَ وهم قد وضعوا حبالَهم وعِصِيَّهم لِيَقْضُوا عليه؟ ! فإن مَن عَلّمهم السِّحرَ لا بدَّ أن يخافوا منه، وكيف يُقال: إنه علّمهم السِّحرَ وهم قد استعزُّوا بعِزَّة فِرْعَوْنَ ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾، وهم يعلمون أن فِرْعَوْن خَصمٌ لِمُوسَى، لكن هَذَا من باب التمويهِ عَلَى قومه، كما قال الله فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، يعني: عقولهم بالنِّسبة لفِرْعَوْن لا شيْء، فهم خَفِيفُو العقولِ والتفكيرِ، ولا يعرفون شيئًا سوى فِرْعوْن، أَنَّهُ إِلَهُهم!
قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وقلنا: إن هَذَا باطلٌ من الأوجهِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنه لا يُمْكِن، لكن هَذَا مَظْهَر ضعفٍ من فِرْعَوْنَ بلا شكّ، يعني: كأَنَّه يقول الآن: أنتمُ اجْتَمَعْتُمْ عليّ، وتحاشدتُمْ عليّ، أنتم ومُعَلِّمُكُمْ، ثم لجأَ إِلَى التهديدِ كعادته قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم مني ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾].
قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هَذَا تهديدٌ بأمرٍ مُبْهَمٍ، والإجمالُ ثم التفصيلُ من فوائدِهِ تشوّقُ المخاطَب إِلَى تَبَيُّنِ هَذَا المُجْمَل، وإذا كَانَ وَعيدًا فَإِنَّهُ يَتَشَوَّقُ ذلك لكنه يكون خائفًا جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لا يَدْرِي ما هَذَا المبهَمُ الَّذِي وُعِدَ به، بَيَّنَهُ بقوله: ﴿لَأُقَطعَنَّ﴾ واللامُ واقعةٌ فِي جَوابِ القَسَمِ، بدليل أَنَّهُ مؤكّد ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾.
стр. 105
وقوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: مُتَخَالِفَةً؛ إذا قطعَ اليدَ اليُمنى قطعَ الرجلَ اليسرَى، وإذا قطعَ اليدَ اليسرَى قطعَ الرجلَ اليمنَى، وليس مَعْنى: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ أني أُخالِفُ بينكم فمِنكم مَن أُقطّع يديه ومنكم من أُقطع رِجليه، بل هَذَا واقعٌ عَلَى مَحَلٍّ واحدٍ، فالخلافُ فِي محلٍّ واحدٍ، يعني: كل واحدٍ مِنكم أُقَطِّعُ يَدَهُ ورجلَه متخالفتينِ، وهذا فِي شَريعتنا حدّ قطَّاع الطَّريقِ، يعني: أحدُّ ما يُحَدّ بِهِ قُطّاع الطَّريقِ هُوَ هذا؛ أنْ تُقَطَّع أَيْدِيهم وأَرْجُلُهُمْ مِن خِلافٍ.
قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: بعد أنْ أفعلَ هَذَا لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أجمعينَ، يعني: كما قال فِي آيةٍ أُخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهنا يشيرُ إِلَى أنَّ فِي مِصْر نَخْلًا، فهو وَعَدَهُمْ بذلكَ. والصَّلْبُ: الرَّبْطُ، وهل يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المصلوبُ ممدودَ اليدِ أو لا؟ لَيْسَ بشرطٍ، فالمهمُّ أن يُرْبَطَ رَبطًا محكمًا عَلَى خشبةِ الصَّلِيب.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الصَّلْبُ بعدَ الموتِ أم قبله؟
فالجَواب: قبلَ الموتِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾.
وإنْ قالَ قائلٌ: الصَّلْبُ فِي آياتِ قُطَّاع الطَّريقِ قبلَ الموتِ أم بعدَه؟
فالجَواب: الصلبُ فِي آياتِ قُطَّاع الطَّريقِ اختلفَ فيه العلماءُ: هل يكونُ قبلَ الموتِ أم بعدَهُ، والمشهورُ فِي مَذْهَبِنا أَنَّهُ بعد الموتِ، ولكن الصَّحيح أَنَّهُ قبلُ؛ لأنَّهم إذا صُلبوا قبلُ نالُوا الأَلمَيْن: الحِسِّيّ والنَّفسيّ، أو القلبيّ، لكن إذا صُلِبوا بعد الموتِ فلا يُؤْلِمُهُم شيْءٌ أبدًا.
ثم إن تَصْلِيبِهِمْ بعدَ الموتِ لا فائدة منه، لهذا لَمَّا قيل لأسماء بنتِ أبي بكرٍ ﵁ وعنها-: إن الحَجَّاج فعلَ كَذَا وكذا بعبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ بعدَ موتِهِ،
стр. 106
قالت ﵂: "وَمَا يَضُرُّ الشاةَ سَلْخُ جِلْدِها بعد موتِها؟ " (١)؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لا يؤثِّر.
فكان جَوَابهم أن قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا ضَيرَ﴾ لا ضررَ علينا فِي ذلكَ]، ما شاء الله! يعني: لقوَّة إيمانهم قالوا: هَذَا لا يَضُرُّنا، ولا يؤثِّر، وفي هَذَا من التحدِّي وإظهار القوَّة والشجاعة ما هُوَ ظاهرٌ؛ لأنَّهم يخاطبون أعتَى أهل الأرضِ، وَهُوَ فِرْعَوْنُ، يقولون: لَا ضَيْرَ، افعلْ ما تريدُ، لا يُهِمُّنَا، وصَدَقُوا أَنَّهُ لا ضيرَ عليهم فِي ذلك ما دامَ تَعذِيبُهم هَذَا فِي ذاتِ اللهِ، فهم هنا إنَّما يعذَّبون فِي ذاتِ اللهِ فقطْ، وهذا لا يَضُرُّهُمْ أبدًا، بل يَزيدهم رفعةً، ولذلك كَانَ ذِكْرهم إِلَى يومِ القيامةِ، فأشادَ اللهُ تعالى بذِكْرِهِمْ فِي القُرآنِ، وسَيَبْقَى إِلَى يومِ القيامةِ، وهذا فيه أكبرُ منفعةٍ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ بعدَ مَوتِنا بأيِّ وجهٍ كَانَ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعونَ فِي الآخرةِ]، يعني: يقولون: مهما كَانَ حَتَّى لو بَلَغْنَا إِلَى الموتِ فإنَّ النهايةَ أننا سَنَرْجِعُ إِلَى رَبِّنا، ورُجُوعُنا إِلَى ربِّنا خيرٌ من الدنيا؛ لأنَّهم يَرْجِعُون إِلَى نَعيمٍ أَبَدِيٍّ لا يُمَاثِلُه شيْءٌ من نَعيم الدُّنيا، وفي سُورةِ طه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]، يعني: اقضِ ما تريدُ، غاية ما يكونُ أنْ يكونَ تَعْذِيبُكَ مُوصِلًا إِلَى الموتِ، وإذا أوصلَ إِلَى الموتِ فالنتيجةُ ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ممَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُم صادقونَ فِي الإيمانِ، وأن إيمانَهم راسخٌ جِدًّا.
وفي هَذَا من آياتِ اللهِ وبيانِ قُدْرَتِهِ ما هُوَ ظاهرٌ، ففي لحظةٍ واحدةٍ انقلبَ الكفرُ العظيمُ إِلَى إيمانٍ عَميقٍ، فبمجرَّد أنْ رَأَوْا ما تَفْعَلُه عَصَا مُوسَى انقلبوا
стр. 107
بعدَ الكفرِ مُؤمِنينَ، ولهذا قال بعضُ العلماءِ: أَصْبَحوا كفّارًا سَحَرَةً، وأَمْسَوْا شُهَدَاءَ بَرَرةً (١). وهدا صحيحٌ أَنَّهُم كانوا بَرَرَةً وأتقياءَ، وكانوا من أقوى النّاسِ إيمانًا وجِهادًا فِي سبيلِ اللهِ.
قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، وفي هَذَا أيضًا دليلٌ عَلَى إيمانهم بالبَعْثِ؛ لِقَوْلهِم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، فهم مؤمنونَ بلِقاءِ اللهِ ، وَهُوَ من أصولِ الإيمانِ.
فوائد الآيتينِ الكريمتينِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: شِدَّة تمَويهِ فِرْعَوْن حينَ قَالَ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ معَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بينَ مُوسَى وبينَ هَؤُلَاء السَّحَرَةِ شيْءٌ مِنْ الإتصالِ، ولكنَّه لقوَّةِ تمويهِهِ أرادَ أنْ يُمَوِّهَ بهذا الكَلامِ الَّذِي لَيْسَ بمعقولٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوَّة جَبَرُوته حِينَ هَدَّدَهُمْ بقطعِ الأيدي والأرجلِ مِن خِلاف ثم الصَّلب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوَّة إيمانِ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ الَّذين تَحَدَّوْا فِرْعَوْنَ بِجَبَرُوتِهِ، وقالوا: إنه لا ضررَ علينا فيما هَدَّدْتَنَا به؛ لأَنَّنا سَنَنْقَلِبُ إِلَى اللهِ وسيُعْطِينا منَ الأجرِ والثوابِ أكثرَ ممَّا فَقَدْنَا من هَذِهِ الحياةِ الدنيا، كما قال فِي سُورَةِ طه: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإيمان إذا صَدَقَ صَارَ أقوى من العاطفةِ، فَحُبُّ النَّفسِ أمرٌ فِطريٌّ، ولكن الإيمان يؤدِّي إِلَى أن ترخصَ النَّفسُ عند المرء بجانبِ دينِه.
стр. 108
الآية (٥١)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ نَرْجُو ﴿يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ﴾ أي: بأنْ ﴿كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي زَماننا].
﴿نَطْمَعُ﴾ يعني: نرجو ونؤمِّلُ، وهذا الطمعُ مما يُمْدَحُ عليه العبدُ، لكن إذا فعل أسْبابه، أمَّا إذا لم يفعلْ أسْبابَه فَإِنَّهُ منَ الأمانيّ الباطلةِ، كما جاء فِي الحديثِ: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ" (١).
هم أكَّدوا أَنَّهُم يَطمعونَ فِي مَغْفِرَةِ اللهِ؛ لأنَّهم فعلوا السَّبَبَ، وَهُوَ الإيمانُ بعدَ الكفرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فهم طَمِعُوا هَذَا الطمعَ معَ وُجودِ سببِه، وَهُوَ مدحٌ، وقولهم ﵃: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ الغَفْر معناه: سَتْر الذَّنْب والعفو عنه، وقولهم: ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع: خطيئةٍ، وهلِ الخطايا والسيئاتُ واحدةً، أم بينهما فرقٌ، أم يفرق بينهما عند الإجتماع فقطْ؟
стр. 109
يُفَرَّق بينهما عندَ الإجتماعِ فقطْ، وأمَّا إذا أُفردت إحداهما فإنها تشملُ الأخرى، ففي سُورَة آلِ عِمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، إِلَى أن قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] , ففرّقوا بين الذُّنوبِ والسيئاتِ، فالذُّنوبُ طَلَبُوا مَغْفِرَتَها، والسيئاتُ طلبوا تَكفِيرَها؛ لأنها من الصغائرِ الَّتِي تكفّرها الأعمالُ الصَّالحةُ، والسيئاتُ المُرادُ بِهَا هنا الكبائرُ، الَّتِي لا تزولُ إلا بمغفرةٍ، لا بتكفيرٍ.
قال تعالى: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذَا لَيْسَ من بابِ الإدلالِ عَلَى اللهِ والمِنَّة عليه بكونهم أولَ المُؤمِنينَ، ولكن من بابِ التحدُّثِ بنعمةِ اللهِ الَّذِي يَرَوْنَهُ سببًا ووسيلةً لمغفرةِ الذُّنوبِ؛ لِأَنَّ السبقَ إِلَى الإيمانِ وإلى العملِ الصَّالحِ مَنْقَبَةٌ، ومن أسْبابِ الرُّتَبِ العاليةِ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، فالسبقُ إِلَى الإيمانِ والعمل الصَّالح له مَزِيَّتُه، ولصاحبِهِ مرتبةٌ عاليةٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ هم الَّذين أَتعبوا مُوسَى ﵇ بعدُ؟ أم هَؤُلَاءِ قُتلوا؟
فالجَواب: لا، هَؤُلَاءِ إيمانهم صحيحٌ، وهَؤُلَاءِ إما أَنَّهُم قُتِلُوا مباشرةً، أو أَنَّهُم لم يحدثْ لهم شيْءٌ، أما الَّذين آذَوه فهم قومُه.
стр. 110
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل كَانَ بنو إِسْرَائِيل مُؤمِنينَ؟
فالجَواب: فِي هَذِهِ المعالجةِ الظَّاهرُ ما كانوا مُؤمِنينَ، أو كَانَ بعضُهم مؤمنًا، لا أدري؛ لِأَنَّ أصلَ إنزالِ التوراةِ بعدَ ذلكَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القَصَص: ٤٣].
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هل قتل جميع السَّحَرَة؟
فالجَواب: الظَّاهرُ أَنَّهُم كلّهم؛ لِأَنَّ قولَ بعضِ العلماء: "شُهَدَاء بَرَرَة" يدلُّ عَلَى أَنَّهُم قُتِلُوا، وعلى كلِّ حالٍ نَحتاج إِلَى التثبُّتِ.
وإنْ قال قائلٌ: هل آمنوا جميعُهم؟
فالجَواب: كلهم آمنوا، قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦]، فكلهم آمنوا إيمانًا كاملًا.
فَوَائِدُ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: قوَّةُ رجاءِ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ باللهِ : ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيها دليلٌ عَلَى أن السبقَ إِلَى الإيمانِ من أسْبابِ المغفرةِ والرفعةِ؛ لِقَوْلِهِم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقد دلَّ عَلَى ذلكَ الكِتابُ فِي قولِهِ تعالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، ولما تخاصمَ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عوفٍ وخالدُ بنُ الوليدِ قال النبيُّ ﷺ لخالدٍ: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ