الآية (١٠٥)
* * *
* قال اللهُ : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥].
* * *
قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي المجِيءِ بِالتَّوْحِيدِ، أَوْ لِأَنَّهُ لِطُولِ لُبْثه فِيهِمْ كَأَنَّهُ رُسُل، وَتَأْنِيث (قَوْم) بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ وَتَذْكِيرُه بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ].
قَوْلهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّر جَوابًا على تأنيثِ الفعلِ معَ أنَّ الفاعلَ مذكَّر.
قَوْلُهُ: ﴿نُوحٍ﴾ نوحٌ ﵊ هو أوَّل رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهلِ الأَرْضِ، يُؤْخَذُ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النِّساء: ١٦٣]، أما آدمُ فهو أوَّل نَبِيٍّ نُبِّئَ؛ فإِنَّه كَان نبيًّا بلا شَكّ، ونوح كَان أوَّل رَسُولٍ، وإنَّما كَان آدمُ نبيًّا للضَّرورَةِ؛ لأنه لا بُدَّ أنْ يَتَعَبَّد لله، ولا عِبادَة للهِ إلَّا بما شَرَعَ، ولا شَرْعَ إلا بوحيٍ، لكنَّه لم يرسَلْ؛ لعدمِ دعاءِ الحاجَةِ إلى ذلكَ؛ إذِ النَّاسُ كَانوا مُتَّفِقِينَ، فلمَّا اختلفوا بعثَ اللهُ الرُّسُلَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، في قِراءَة ابن عباس: "كَانَ النّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا" (١)، وهذه الجُملة لا داعيَ لها؛ لأنها مأخوذةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
стр. 177
فعلى كُلِّ حالٍ، في عَهْد آدمَ لم يكنْ حاجةٌ إلى الرِّسَالَةِ، إنَّما النبوَّة فقطْ، وهو يَتَعَبَّد لله وأبناؤُه، بل أولاده يَتَّبِعُونَه في ذلك على وجهِ الإتِّفاقِ بينَهم.
ولمَّا كَثُرَتِ الأُمَّةُ وانتشرتْ في الأَرْض اختلفوا، فصارتِ الحاجةُ والضَّرورَةُ داعيةً إلى إرسالِ الرُّسُلِ، فبعث اللهُ تَعالَى نوحًا، وهو أوَّلُ رَسُولٍ أرسلَهُ اللهُ إلى الأَرْضِ، كما يُشيرُ إلى ذلك قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النِّساء: ١٦٣]، وكما هو صَحِيحٌ صريحٌ في حديثِ الشَّفاعَةِ: "وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (١).
وإذا قلنا: إنَّه أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَه الله إلى أهلِ الأَرْضِ، فهل نقولُ: إنه أُرسِلَ إلى النَّاسِ كافَّةً، فيُحتاج حينئذٍ أنْ نجمعَ بينَه وبينَ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كافَّةً" (٢)؟
قلنا: هو أوَّلُ رَسُولٍ؛ لأنه لو شارَكَهُ غيرُه ما كَان هو الأوَّلَ، لكَانَ هو وغيره هو الأوَّل. وقد يقول قائلٌ: لعلَّ أحدًا بُعِثَ في حياة نُوحٍ، لكن في غيرِ مكانِه، وقد نقولُ بظاهرِ الأوَّل، وإنه إنَّما بُعِثَ إلى النَّاسِ لأن النَّاس كَانوا في ذلكَ الوقتِ أُمَّةً واحدةً قليلينَ، لم يَنتشروا كثيرًا في الأَرْض، فكَان هؤُلاءِ النَّاس بمنزلةِ القومِ في الرُّسُلِ الَّذينَ بعدَهم، وعلى هذا الطريق نَسْلَمُ منَ الإشكالِ الآخَرِ، وهو أنَّ الله تَعالَى أغرقَ جميعَ أهلِ الأَرْضِ في عهدِ نوحٍ، إلا مَن آمَنَ معه، إذ يُقالُ: كيف يُغْرَقُون ولم يَبْعَثْ إليهم رسولًا؟ فلولا أنَّ نوحًا كَان رسولًا إليهم ما أُغرقوا
стр. 178
جميعًا، وإنْ كَان منَ الجائزِ أنْ يُقال: لعلهم أيضًا - الَّذين بُعِث إليهم في زَمَنِه - كذّبوا رُسُلَه، لكنْ ظاهرُ الآيَاتِ أنَّ الَّذينَ غَرِقوا إنَّما غَرِقوا بسؤالِ نوحٍ.
وعلى كُلِّ حالٍ، هذا إشكالٌ دائرٌ بين العُلَماءِ من قَدِيم، وقد أجابوا عنْ ذلكَ بأنَّ نوحًا ﵊ كَانت رسالتُه إلى النَّاسِ كافَّةً في ذلكَ الوقتِ؛ عرَضًا لا أصلًا.
وفرْقٌ بينَ ما يأتي إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ أُرْسِل إلى كلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، ثم يُقال لهؤُلاءِ الأمم كلِّهم: يجب أن تَتَّبِعوا هذا الرَّسُولَ، لتكونَ الأُمَّةُ واحدةً، وبينَ مَن لم يُبْعَثْ إلَّا في قومِه فقطْ؛ في أُمَّة واحدةٍ فقطْ، فإنَّ كونَه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيلِ الإتِّفاقِ والعُرْف لا على سبيلِ القصدِ، وبهذا تَظْهَرُ المَيْزَةُ بينَ محُمَّدٍ ﷺ وبين نوحٍ ﵊ ونَسْلَمُ منَ الإشكالِ.
فنقول: نوح أُرْسِل إلى قومِهِ وليس هناك أُمَمٌ مختلفةٌ يجبُ أنْ يَتوحَّدُوا على رَسُولٍ كما كَان في عهدِ النَّبيِّ محُمَّد ﷺ ، وكونه مُرْسَلًا إلى جميعِ النَّاسِ في ذلك الوقتِ ليسَ من بابِ القَصْدِ، بل هو من بابِ الإتِّفاقِ والعَرَض، أي أنَّه اتَّفَقَ أن النَّاسَ كلَّهم انْحَصَرُوا في قومِ نوحٍ، فهنا ما قصدَ من رسالتِهِ أن تكونَ شاملةً لجميعِ الأُمَمِ، بخلاف رسالةِ النَّبيِّ ﷺ فإِنَّه قصدَ أن تكونَ شامِلَةً، وأن يتوحَّد الْيَهُودُ والنَّصارَى والمَجُوسُ والوَثَنِيُّونَ، كلهم يَتَوَحَّدُون في أُمَّةٍ واحدةٍ، بفرق بين الْعُمومَيْن: الْعُموم القَصْدي والْعُموم الإتفاقي.
فهذا نوحٌ ﵊ يقول لهم: إن قومَه كذبوا المُرْسَلِينَ، ونحن نعلمُ أنَّهم ما كذَّبوا إلا رَسولًا واحدًا، فليسَ قبلَ نوحٍ أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا.
стр. 179
وكيف نَجْمَعُ بينَ ما جاء في حديثِ الشَّفاعَةِ: "فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (١)، وبين قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه أوَّل الرُّسُلِ؟
يقول المُفسِّرُ في الجَوابِ عن هذا: [بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ لِاشْتِرَاكِهِمْ - أي: المرسلين - فِي المَجِيءِ بِالتَّوْحِيدِ]؛ إذِ اشتركوا كلُّهم في المجيءِ بتوحيدِ الله والقيام بطاعتِه، فصاروا جنسًا واحدًا، وتكذيبُ واحدٍ منَ الجنسِ تكذيبٌ للجميعِ؛ إذ إنهم لم يُكَذِّبوا نوحًا لأنه نوحٌ، لكن كذَّبُوه لأنه جاء بالتوحيدِ، فلو جاءَ كلُّ نبيٍّ بالتوحيدِ لَكَذَّبُوه، وعلى هذا فإذا جاءهم هُودٌ كذّبوه، إذ لا فرق، وإذا جاءهم صالحٌ كَذَّبُوه، وإذا جاءهم مُوسَى كذَّبوه، وإذا جاءهم محُمَّدٌ كذَّبوه؛ لأنَّهم كذَّبوا الجِنْسَ لا الشخصَ؛ لأنه أَتَى بما يُخالِفُ ما هم عليه فكذَّبوه، لذلك يكونونَ مكذِّبين لِجَمِيعِ الرُّسُلِ.
ولهذا نقولُ للنَّصارى الَّذينَ يَدَّعُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِعِيسَى ﵊: إنكم كافرونَ به، مكذّبون له؛ لأنَّهم كذَّبوا محُمَّدًا ﷺ ، لا سِيَّما وأن رسولهم عِيسى ﵊ بشَّرَهُم به كما حَكَى عنه في قَوْلهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ولا شكَّ أنه لن يُبَشِّرَهُمْ بمَن ليسَ لهم.
أرأيتَ لو أنَّ مَولودًا لِفلانٍ وُلِد فهل آتي إليك وأقول: أَبْشِرْ بمولودِ فلانٍ وليس بينك وبينه ارتباطٌ؟ !
стр. 180
ولو أن إِنْسانًا قدِمَ لِيُوَزِّعَ جوائزَ على آلِ فلانٍ، فهل أُبَشِّرُكَ بقُدُومِهِ؟ ! ولو حدثَ هذا لكان سَفَهًا.
إذن لم يُبَشِّرْهُمْ عِيسى إلَّا لأنه رَسُولٌ إليهم، ولهذا قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، يَعْنِي: عَيّنه بالإسمِ حتى لا يَبْقَى فيه إشكالٌ فيما بعدُ، ولكن - والعياذُ باللهِ - هم كَفَرُوا، وكفروا بالنَّبيّ ﵊، فيكونونَ كافرينَ بعِيسى بنِ مَرْيَمَ.
وكذلكَ الْيَهُودُ كُفْرُهم بمُحمَّدٍ ﵊ كفرٌ بِمُوسى وبالتَّوراة الَّتي وُجِد فيها رَسُولُ الله مكتوبًا عندَهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] , مثلما أنَّ الإِنْسان يَعْرِف ابنَه فهم يَعرِفونَ محُمَّدًا ﷺ بوصفه، ولكنه الإستكبارُ والعياذُ باللهِ.
فإن سألَ سائلٌ: إن كانَ نوحٌ نُبِّئَ ولم يُرْسَلْ برسالةٍ، فكيف اتَّبَعَهُ أولادُه؟
فالجَوابُ: رَأَوْا ما يفعل ففعلوا؛ لأنَّه عادةً أنَّ الإِنْسانَ يُقَلِّدُ مَن هو أكبرُ منه، وليسَ هناك موانِعُ وفوارقُ تَمْنَعُهُم وتَصرِفُهُمْ عن تقليدِهِ.
فإن كانَ في عِبادته أشياءُ قَوْلِيَّة تَحتاج إلى تفسير، فإِنَّه سَيُفَهِّمُهُمْ مِن فِعْلِهِ ومن قولِهِ، لكن هذا لا يَعْنِي أنه صارَ رسولًا؛ لأن المرسَلَ هو المبلِّغُ المكلَّفُ، أمَّا هذا فليسَ بمكلَّفٍ، ولهذا نقول مثلًا: إن الجنَّ لم يَنتفعوا برسالةِ نوحٍ؛ إذِ المعروفُ عند أهلِ العِلْمِ أنه لم يُرسَلْ إليهم، وأنه ما أُرْسِلَ إلى أحدٍ من الجنِّ إلا محُمَّدٌ ﷺ ، مع أنَّهم يقولونَ: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وهذا يدلُّ على أنَّهم كَانوا مُنْتَفِعِينَ بكتابِ موسى.
стр. 181
فإنْ قيلَ: وما دَليلُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ الرُّسُلَ السَّابقينَ لم يُرْسَلُوا إلى الجنِّ ما دامَ أن الله يقولُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؟
قلنا: هم يقولونَ: إنَّ النَّبيّ يُبعَث إلى قومِه، وقومُه قبيلتُه وما يَتَّصِل بهم، والجنُّ ليسوا من جِنْسِهِ حتى يكونوا من قومه.
لكن رسالة النبي ﷺ إلى الجنِّ لا تدلُّ على عُمومِ رسالتِهِ إلى الجنّ؛ لأن الجنَّ لَيسوا منَ النَّاسِ، لكن في كونِ الرَّسُولِ ﵊ يَجتمِع بهم ويُواعِدُهُمْ، ويَقْرَأُ عليهم القُرآنَ، ويُخْبِرُهم بما فيه يدلُّ على أنه مُرْسَلٌ إليهم.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، هل يَعْنِي أنَّ الجنّ يَعْبُدُونَ بِشَرْعٍ؟
قلنا: الأَصْلُ أنَّ مَن يعبدونَ اللهَ أنَّهم يَعبدون بالشرعِ، فهم يَتَعَبَّدُونَ بالشرعِ بلا شَكّ.
وهل منهم رُسُلٌ أو ليسَ منهم رسلٌ؟
هذه المسألة موضع نزاع بين العلماء؛ فمنهم من قال: منهم رُسُلٌ؛ لقَوْلِهِ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فقال: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، والرَّسُول لا بُدَّ أنْ يكونَ من جِنس مَن أُرْسِلَ إليه؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ولا يمكن أن يرسل إلى الجِنّ بشرٌ.
ومنهم من قال: إن قَوْلهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى المخاطَبينَ باعتبارِ المجموعِ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يخاطب اثنينِ، والضَّميرُ في: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعود إلى أحد الإثنين،
стр. 182
مثلما قالُوا - على زعمهم-: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرَّحْمن: ١٩ - ٢٢]، وزَعَمُوا أنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرجان لا يخرجانِ إلَّا مِنَ المالِحِ.
وعلى كلِّ حالٍ فإن عَوْد الضَّميرِ على واحدٍ من المجموعِ إذا خُوطِبَ الجميعُ شائعٌ في اللُّغة.
وبعضهم يقول: إن المُرادَ بالرُّسُلِ هنا النُّذُر، فقلنا: رُسُل؛ لمُشَابَهَتِهِم له، والنُّذُر لا شكَّ أنَّهم يأتونَ إلى الجنِّ كما يأتونَ إلى الإنسِ.
والراجحُ أنه ليسَ منهم رَسُولٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، والجنُّ ليسوا من (رِجَالًا).
والنَّبيُّ غيرُ الرَّسُولِ، فالنَّبيُّ مَن أُوحِيَ إليه؛ لأنَّ الوحيَ الَّذي يُشَبَّه بوحيِ محُمَّدٍ ﵊ هو مِن نوحٍ فأقلَّ فما دُونَه، فالوحيُ المشبَّه بوحيِ اللهِ إلى رسولِه محُمَّد ﷺ هو ما كَانَ إلى نوحٍ ومَن بَعْدَه؛ لأنه وحيٌ مَقرونٌ بالإرسالِ.
ونقول: إنَّ اللهَ تَعالَى بَشَّرَ النَّصارَى على لسانِ عِيسَى نَبِيِّكم بمُحمَّدٍ، فالذي لا يَعتقِد إلَّا أنه مُخْبِر بأنه سوفَ يُبْعَثُ رَسولًا؛ فإن هذا من ضلالِ قومِه الَّذينَ أَضَلُّوه، وإلَّا ما عندنا شك أن عيسى بشَّر قومه بمُحمَّد ﵊ حتى يَتَّبِعُوه، وإلَّا ما الفائدةُ من البشارةِ؟ !
ومَن كذّب أيَّ رَسُولٍ فهو منكِرٌ لله، أو واصفٌ اللهَ بما لا يَسْتَحِق؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى يؤيِّد الرَّسُولَ بالآيَاتِ، فإذا كَان كاذبًا لزِمَ أنْ يكونَ اللهُ تَعالَى غيرَ موْجودٍ، أو أنه تَعالَى - والعياذ بالله - خائن أو ما أشبهَ ذلك.
стр. 183
فوائدُ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أنَّ التَكذيبَ بالحقِّ من شخصٍ تكذيبٌ به من جميعِ الأشخاصِ، لقولِهِ تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، معَ أَنَّهم ما كَذَّبُوا إلَّا واحدًا، لكن في الحَقِيقَةِ هم كَذَّبُوا الحقَّ، سواء جاءَ به نوحٌ أو غيرُه، ولهذا صاروا مُكَذِّبِينَ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيها دَليلٌ على أنَّ نوحًا أُرسلَ إلى جميعِ النَّاسِ في وقتِه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وجه الدلالة أنَّهم قد كَذَّبوا عامَّة المُرْسَلِينَ، ونوح هو أوَّل الرُّسُلِ، وليس من رسولٍ قبله.
وقد تَقَدَّمَ أنَّ هذا لا يُنافي عُمومَ رسالةِ الرَّسُول ﵊؛ لأن في ذلك الوقت لم يَكُنْ في الأرضِ إلَّا قومه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وهذا أمرٌ ليس قصدًا، وإنَّما هو وَقَعَ اتِّفَاقًا، ومَعْنى وقعَ اتِّفاقًا أنَّ اللهَ تَعالَى لَمَّا أرسله لم يكنْ في الأَرْضِ سِوَى قومِه. أمَّا الرَّسُول ﷺ فإن الأقوام كثيرونَ: بنو إسرائيلَ، والعرب، والأجناس الأخرى، ومع ذلك فإِنَّه مبعوثٌ إليهم جميعًا.
стр. 184
الآيات (١٠٦ - ١١٠)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١١٠].
* * *
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ نَسَبًا ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللهَ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عَلَى تَبْلِيغ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فِيمَا آمُركُمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيد اللهِ وَطَاعَته، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ عَلَى تَبْلِيغه ﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ مَا ﴿أَجْرِيَ﴾ أَيْ ثَوَابِي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا].
قَوْلهُ: ﴿أَلَا﴾: في الأَصْلِ تكونُ للعرضِ، وهو الطلبُ برِفْقٍ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٧]، ولكنِ المُرادُ به هنا التَّحْضِيضُ، وهو الطَّلَبُ بحثٍّ.
قَوْلهُ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: ألا تَتَّقُونَ اللهَ، يَعْنِي أنه يَحُثُّهم على أنْ يَتَّقُوا اللهَ ويَتَّخِذُوا وِقايةً مِن عذابِهِ بفعلِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ.
ثم بَيَّن لهم أنَّه إنَّما قامَ بهذه الموعظةِ لأنه رَسُولٌ أمين: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، فقَوْلهُ: ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يَعْنِي: لا لِغَيْرِكُم، والخطابُ لِقَوْمِهِ، وفي قَوْلهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ولم يقل: إني رَسُولٌ، حَضٌّ لهم على قَبولِهِ؛ لأنه إذا كَان رسولًا مُطْلَقًا قد يقولونَ: إنَّكَ لم
стр. 185
تُرْسَلْ إلينا، فإذا قال: ﴿لَكُمْ﴾ تَعَيَّن.
ثمَّ إنَّه إذا قال: ﴿لَكُمْ﴾ يُشْعِرُهم بأنَّ الله تَعالَى قد اعْتنَى بهم، حيثُ بَعَثَ إليهم هذا الرَّسُول، فيكون فيه هنا حَمْلٌ على أن يَقْبَلُوا رِسالته.
وقول: ﴿رَسُولٌ﴾ أي: من الله، وهذا معروفٌ مِن سِيَاق هذه الآيَاتِ، ومن غيرِها منَ الآياتِ الأُخرى.
وقَوْلُهُ: ﴿أَمِينٌ﴾ الأمين: هو مَن كَانَ مَحَلّ أمانةٍ، والرُّسُلُ - عليهم الصلاة والسلامُ- كلُّهم مَحَلُّ أمانةٍ لِرِسَالَتِهِم، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقول المُفَسِّر ﵀: [على تَبليغِ ما أُرْسِلْتُ به]، واضحٌ، فالذي ائْتَمَنَهُ على ذلكَ هو اللهُ .
وفي قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إظهارٌ لِوَصْفِهِ الخاصِّ المناسِبِ لِلْمَقَامِ، وهي الرِّسالَةُ، بأمانةٍ لا خِيَانةَ فيها، لا بزيادةٍ ولا بنقصٍ.
وقد يقولُ قائلٌ: أيُّ فائدةٍ لِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بأنه: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ وهو يُخاطِبُ قومًا قد أَنْكَرُوه، فإذا كَانوا قد أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ فبالأَولى يُنكِرون أمانَتَهُ؟
والجَواب: أنَّه لم يَدَّعِ أنه رَسُول أَمِينٌ فقط، ولكنه جاءهمْ بآياتٍ، فـ "مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١)؛ لأن الله
стр. 186
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليمٌ حكيمٌ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرْسِلَ أحدًا إلى أقوامٍ فيُسَفِّه أحلامَهم، ويُفْسِد أديانَهم، إلَّا ومعَه منَ الآيَاتِ ما يُؤْمِنُونَ على مِثْلِهِ لو لم يَسْتَكْبِرُوا.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا في المَعْنى مُكَرَّر مع ما قبلَه، لكنَّه في الأسلوب أشدُّ منَ الأوَّل، فالأوَّل حضٌّ بصفةِ العَرْض: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وهنا أمر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وفي هذا دليلٌ على قوَّة جانبِ الأَنْبِياءِ - عليهم الصلاةُ والسلامُ - بحيثُ تَوَصَّلُوا إلى أنْ يَأْمُرُوا أقوامَهُم، معَ أنَّهم في الواقعِ يَتَحَدَّثُونَ من مصدرِ المُلْتَمِسِ، لكن هم بأنفسِهِمْ أَعِزَّاء، وقد يكونُ أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ من مصدرِ القُوَّةِ، أمّا هم بالنِّسبةِ لإخوانهم فإنَّ أقوامَهم مُسْتَكْبِرُونَ عنهم، ليسوا مُبالِينَ بِهِم.
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وهم إذا اتَّقوا اللهَ وأطاعوا رسولَه، فقد حَقَّقُوا شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ هذا رَسُولُ اللهِ، وهو أمرهم بهذا، ولا يَتِمُّ الإسلامُ في أيِّ زمانٍ أو مكَانٍ إلَّا بذلكَ - شهادة أن لا إله إلا الله، وأن هذا رَسُولُ الله - أمَّا بعدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﵊ فتَعَيَّنَ: وأنَّ محُمَّدًا رَسُولُ الله.
قال المفسِّر: [فيما آمُرُكُمْ به]، أي: من توحيدِ اللهِ وطاعتِهِ. وفي أَمْرهم بهذا إشارةٌ إلى أنه أُرسِلَ بذلكَ، أي: أُرْسِلَ بأنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ؛ لأنَّه قال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بعدَها على ما قَبْلَها، يَعْنِي: هذه الرِّسالَةُ الَّتي أُرْسِلْتُ بها تَتَضَمَّنُ التَّقْوَى، وطاعةَ الرَّسُولِ؛ لأن طاعةَ الرَّسُولِ طاعةٌ لِلْمُرْسِلِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
قَوْلهُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على ما قلتُ، أي: على تبليغِ الرِّسالَةِ، و (مِنْ): زائدةٌ، و (أَجْرٍ): اسمٌ منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ (أَسْأَلُكُمْ)، وهو منصوبٌ بفتحةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخِرِهِ، منعَ مِن ظُهُورِهَا اشتغالُ المَحَلّ بحركةِ حرفِ الجرِّ الزائدِ.
стр. 187
وأتت (مِنْ) هنا في سياق النفيِ داخلة على نكرة؛ للتنصيصِ على الْعُمومِ، يَعْنِي: من أجرٍ قليلٍ أو كثيرٍ، والمُرادُ بالأجرِ هنا أجرُ الدنيا، وهو المعاوَضَةُ، يَعْنِي: ما قلتُ لكم: أَعْطوني أَجْرًا، ولو أَمَرْتُكُمْ بهذا لقِيلَ: هذا رجلٌ يريدُ أنْ يَسْتَجْدِيَ بما يَدَّعِيهِ منَ الرِّسالَةِ.
وهناك أُناسٌ يَتَكَلَّمُونَ في المساجدِ، وَيعِظُون النَّاسَ ويُوَجِّهُونَهُم؛ فإذا انْتَهَوْا مَدُّوا أَيْدِيَهُم يسألونَ النَّاسَ، وهؤلاء حالهُم خلافُ حالِ الرُّسُلِ، ولهذا تجدونَ النَّاسَ لو كَانوا قد تَأَثَّروا بِمَوْعِظَتِهِمُ الأُولى، فإذْا مَدُّوا أَيْدِيَهم بعدَ أنْ وُعِظوا ذهبَ كلُّ ما كَان في نُفُوسهم من هذا التأثُّر؛ لأنَّ الإِنْسانَ إذا طلبَ الدنيا بما يُرَاد به الآخرةُ، فسَدَ أَمْرُه، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
ويُسْتَفَادُ من هذا: أنَّ مَن طَلَبَ العِلْمَ الَّذي جاءتْ به الرُّسُلُ لِيَنَالَ به أمرًا منَ الدُّنيا، فليسَ طريقُه طريقَ الرُّسُل؛ لأن الرُّسُلَ إنَّما يَأْمُرُونَ النَّاسَ ويَنْهَوْنَهُم؛ لِمَا يرجونه منْ ثوابِ اللهِ لا لما ينالونه من الأجرِ، ففي هذا دليلٌ على وُجُوبِ تصليحِ النيَّة لمِنْ قامَ مَقَامَ الرُّسُلِ بالدعوةِ إلى الله .
يقول المُفَسِّر: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَجْرِيَ﴾]، ففَسَّرَ (إنْ) بـ (ما)، فهي نافيةٌ، وفسَّرَ ﴿أَجْرِيَ﴾ بقَوْلِهِ: [ثَوَابِي]، فالمَعْنى: ليسَ أَجْرِي عليكم ولا على غَيْرِكُم منَ الخلقِ، وإنَّما هو: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو اللهُ ، وفي هذا إخلاصُ المرءِ للهِ وأنه لا يُرِيدُ ثوابًا منْ أحدٍ ولا مَنالًا إلَّا منَ اللهِ، وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ عملَ الإِنْسانِ لِيَنَالَ الثَّوابَ ليسَ أَمرًا مَمْقُوتًا، بل هو طريقُ الرُّسُلِ - عليهم الصلاةُ والسلامُ - وأَتْبَاعهم.
стр. 188
وقَوْلهُ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: مالِكِهِم المدبِّرِ لهم بما يشاءُ، وأصلُ المالِكِ: المتصرِّفُ في الشيْءِ، ومنه سُمِّيَ ربُّ البيتِ، وربُّ البهيمة، وربُّ كذا، ويُطلَق بمَعْنى (صاحب) كقولِهِ تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] , ورَبّ الْعِزَّةِ يَعْنِي: صاحب العِزَّة، ولا يُمْكِن أنْ تكونَ الربُّ هنا مثلَ الربِّ في قولِ: ربّكم، لأنَّ العزَّة من صفاتِ اللهِ، ولا تكونُ مخلوقةً.
فهنا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبِّر أَمْرِهِمْ بما شاءَ، و (الْعَالمينَ) معناها: كلُّ ما سِوَى الله.
وقَوْلهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كُرِّر تأسيسًا؛ لأنه بناهُ على قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي: فإذا انتفى ذلك فأنتم اتَّقُوا اللهَ وأطيعوني، فيكون هذا تأسيسًا، ولا يُستفاد المَعْنى المقصود منه لو حُذِفَ.
والفرقُ بينَ التَّأْكيدِ والتأسيسِ: أن التَّأكيدَ لو حُذِفَ لاستُفِيدَ المَعْنى منه ممَّا بَقِيَ دونَ التَّأكيدِ، أي أن المؤكِّد لا يُستفاد منه سِوَى التَّأكيدِ، فلا يَحْمِلُ معنًى جديدًا، أمَّا التأسيسُ فيحملُ معنًى جديدًا، وهو: وعلى أنني لا أريدُ الأجرَ، وإنَّما ألتمسُ الثَّوابَ منَ اللهِ، فيَجب عليكم أنْ تتَّقُوا اللهَ وتُطِيعُوني.
ويُستفاد من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أنَّ التَّقوَى لا تُضافُ إلى المخلوقِ، بِخِلاف الطَّاعةِ، فلا بأس أن أقولَ: أنا أطعتُ فلانًا، لكن لا يجوزُ أنْ تقولَ: اتقِ فلانًا، بمَعْنى التَّقْوى المُسْتَلْزِمَة للتَّذَلُّل.
* * *
لا يُمْكِن أنْ نُؤْمِنَ لكَ.
قوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ أي الأنقصون من الخلق، وقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فيها قراءتان: (وأتباعك) جمع: تابع، مبتدأ، و (الْأَرْذَلُونَ) خبرُه، أمَّا على قِراءَة ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فـ (الأرذلونَ) فاعلٌ.
والمَعْنى: أنَّهم قالُوا: لو كَان أتباعُكَ المَلَأ والأشراف لاتَّبَعْنَاكَ، لكن أَتْبَاعك أراذلُ النَّاسِ، مِنَ الفُقَرَاءِ والسُّوقة، والَّذينَ لا يُقَدِّرُونَ الأمورَ ولا يَعْرِفُونها؛ فهم أراذلهم من حيثُ المالُ - على زَعْمِهِم - ويُمْكِنُ أنْ نقولَ: إنَّهم أراذلهُم من حيثُ الثقافةُ أيضًا والجاهُ والشرفُ، فهم أرذلُ الأراذلِ عندهم.
وهل هذا مانعٌ، فهو يوجه الخطابَ إليكم أيها الأكملونَ، فكيف تقولونَ: لا نؤمن وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟ فالخطابُ موجَّه لكم؛ لأنكم لو آمنتم ما احتيجَ إلى توجيهِ الخطابِ والأمر لكم بتقوى اللهِ، وطاعته، ولكنَّكم مُعانِدونَ.
وهنا قالُوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ على سبيلِ الإطلاقِ بدونِ إضافةٍ إلى أحدٍ، وفي سُورةِ هُود قالُوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، فكَانت العبارةُ هناك أهونَ من هذه من جهتينِ:
أوَّلًا: لأنَّهم أَضافوا الأمرَ إليهم، وهنا أَطلقوا.
ثانيًا: أنَّهم هناكَ قالُوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يَعْنِي: ولعلَّه عند التأمُّل لا يكونُ الأراذلُ همُ الأتباعَ، وهنا أَطلقوا فما قالُوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ولا آخر الرأيِ، فإمَّا أن تكونَ هذه الآيةُ قبلَ تلكَ أو تلكَ قبلَ هذهِ.
ويَحتمِل أنَّ هذا قولُ طائفةٍ، وهذا قالَتْهُ طائفةٌ أُخرى، لكن حمْله على حالينِ
стр. 191
أحسنُ من حملِهِ على طائفتينِ، فأوَّلُ التبليغِ يكونُ الإنكار أَشَدّ، و ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ على الْعُموم، ثم قالُوا: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ للتخصيص.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أيّ عِلْم لي ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، فقد يُقال في بادئ الأمر: إن اعتذارهم منه يَعْنِي: كَوْنهم آمنوا وهم على زَعْمِكم ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ أنا لا أدري أنَّهم الأرذلون؟ يَعْنِي: فأنا ما قَصَدتهم حتَّى آمنوا لعلمٍ بهم، ولكن هكذا جَرَتِ الدعوةُ، فاتَّبعها هؤُلاءِ، فهذا ما يَتَبَادَرُ إلى الذِّهن في أوَّل الأمرِ.
ولكن الظَّاهر - واللهُ أعلمُ - أن نفيَه العِلْم هنا نفيٌ للتَّبَعِيَّةِ، يَعْنِي: أيّ شَيْء يكون عليَّ وأيّ شَيْء يلحقني بعملهم؟ فلو كانوا هم الأراذلَ على زَعْمِكُم، فأنا لا يَضُرُّنِي ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أي: ما حسابي، وما التَّبِعَةُ الَّتي تُلحِقوني بها فيما كَانوا يَعْمَلُونَ؟
وقال المفسِّر: [﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أيّ علم لي ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، أي أنَّهم يَدَّعُونَ أنَّهم إنَّما تابَعُوه لِيَنَالُوا بذلك جاهًا ومالًا، فيكونون غيرَ مخلصينَ في إيمانهم، فالمَعْنى: بما كَانوا يَعْمَلُونه من أعمالِ القلوبِ، على أنَّ هذا ليسَ بظاهرٍ، ولكن هذا خلاف الظَّاهرِ فيما يَبْدُو.
بل إن المَعْنى: إن عَمَلَهُم هذا ليس عليَّ فيه تَبِعة مهما عَمِلوا، ولو كَانوا في زَعْمِكُمُ الأراذلَ؛ فإن ذلك لا يلحقني بشيْءٍ ما دامتْ رِسالتي قائمةً، وآياتي بيِّنة، فالحُجَّة عليكم قائمةٌ، أمَّا هم حتى وإن كَانوا الأراذلَ عندكم، فحِسابُهم على رَبِّي.
стр. 192
و ﴿إِنْ﴾ بمَعْنى (ما): فما حِسَابُهُمْ - كما قال المُفَسِّر- ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ فيُجَازِيَهم، وأمَّا أنا فما عليَّ مِن حِسابهم مِن شَيْءٍ، كما أنه ليْسَ عليَّ أيضًا من حسابِكم مِن شَيْءٍ.
أمَّا كونُ عَمَلِ هؤلاءِ بالقلوبِ فليس بظاهرٍ؛ يَعْنِي: حِسَابهم على ربِّي حتى لو عَمِلُوا هذه الأعمالَ؛ لأنَّ أعمالَ البواطنِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقدَحوا بها، ولو قُدِحُوا بهم ما قُبلَ، فيقول: حسابُهم على اللهِ ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تَبْلِيغ الرِّسالة.
وقَوْلهُ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ الشُّعورُ هنا بِمَعْنى: العِلْم، قال المُفسِّر ﵀: [ما عِبتموهم]، يَعْنِي: ما قَدَحْتُم فيهم، يَعْنِي: لو أنَّكم تَشْعُرُونَ بالأمرِ وتَعْلَمُونه ما عِبْتُمُوهم بِقَوْلِكُمْ: أَرَاذِلُنَا، ولكن عَيبهم إيَّاهم في الواقعِ لأنَهم آمَنُوا بِنُوحٍ، فهم أراذلُ عنْدَهُم لأنَّهم آمَنُوا بمَن يَرَوْن أنَّه ليسَ على حقٍّ، ومعلومٌ أنَّ مَنِ اتَّبعَ مَن ليسَ بحقٍّ فهو مِن أراذلِ النَّاسِ معنًى، وإنْ لم يكنْ من أراذلهم حِسًّا، فالذي يَتَّبعُ مَن لم تَقُمْ عليه البَيِّنَةُ، فهو من أراذلِ النَّاسِ معنًى، وإنْ كَان فيما بينَ النَّاسِ قد يكونُ له جاهٌ، ويكون عزيزًا.
فالمَعْنى: لو تَشْعُرون بالأمرِ على حقيقتِهِ لَعَرَفْتُم أنَّهم ليسوا بأراذلَ، وأن حِسَابَهم ليسَ عليَّ، وأنَّ عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا يُشْعِر بأنَّه عَلِم إِخلاصَهُم، وأنَّهم إنَّما قالُوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ تَلميحًا لِطَرْدِهِمْ بلا شكّ، فهذا الَّذي قالُوه كَأنَّهم يقولون: نحنُ نَأْنَفُ أن نكونَ معَكَ ومعك هؤُلاءِ الأرذلونَ، فنكون نحنُ على اليمينِ وهم على اليَسارِ، أو على اليسارِ وهم على اليمينِ، فلا بُدَّ أنْ تَطْرُدَهُمْ لِنُؤْمِنَ،
стр. 193
فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأكَّد قولَه بالباءِ، يَعْنِي: لا يُمْكِن أنْ أَطْرُدَهُمْ أبدًا؛ لأنني أنا دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ فآمَنُوا، فكَانَ حَقّهم عليَّ الإكرام.
وهذا الَّذي قالَه قومُ نوحٍ، وهو أوَّل الرُّسُل، قالَه قومُ محُمَّدٍ ﷺ وهو آخِر الرُّسُلِ، فقال الله تَعالَى له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، فهذا دَأْبُ المُكَذِّبينَ للرُّسُلِ، ما عنْدَهُم شَيْءٌ يَعْتَمِدُونَ عليه سِوَى التَّمْوِيهِ والتضليلِ وزخارِفِ القولِ، الَّتي لا تَنْطِلي إلَّا على العُميانِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾]. والنَّذيرُ هو المُخْبِرُ بما يخوِّف، يَعْنِي الإعلامَ المَقْرُون بالتَّخْوِيف.
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَيِّن الْإِنْذَار]، فجعلَهُ المُفَسِّر مِن (أبَانَ) اللازِمِ، معَ أنه يَحْتَمِل أنه مِن (أبانَ) المتعدِّي، فتكون بمَعْنى: مُظْهِرٍ، يَعْنِي: إني مُظْهِرٌ لِمَا جِئتُ به، فأنا نَذير مبيّن للناسِ.
فوائدُ الآيَاتِ الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أنه يَنْبَغي للإِنْسانِ أنْ يقرّبَ منه كلَّ مؤمنٍ، وأنْ يختارَ لنفسِه أصلحَ الأصحابِ، كما جاء في السنَّة في الحثِّ عليه، فهذا اختيارُ الجَليسِ الصَّالحِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفيه أيضًا دليلٌ على أنه يَنْبَغي موالاةُ المُؤمِنينَ، والقُرب منهم، وأن هذا دأبُ الأَنْبياءِ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 194
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيه أيضًا الصبرُ على ما يَجِدُ من المؤمنِ من الجفاءِ، ومن دَناءة المهنةِ، وغير ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ..
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفيه أيضًا التواضُعُ للمُؤمِنينَ، وعدمُ إبعادِهِمْ ولو كَانوا مَن كَانوا فيما بينَ النَّاسِ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فالرَّسُولُ ﵊ أشرفُ الخلقِ جاهًا عندَ اللهِ، وأعظمُهم منزلةً، عاتبه الله في رجل أعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ١ - ٤].
* * *
стр. 195
الآيات (١١٦ - ١١٨)
* * *
* قال الله : ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١١٨].
* * *
قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾ عَمَّا تَقُول لَنَا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ بِالحِجَارَةِ أَوْ بِالشَّتْمِ، ﴿قَالَ﴾ نُوحٌ: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أَيِ احْكُمْ، ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: لمَّا رَأَوْا تَصْمِيمه ﵊ وأنه لنْ يَطْرُدَ المُؤمِنينَ لِقَوْلهِم، وأنَّ هؤُلاءِ الأراذل ليس عليهم من حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ، وإنَّما حِسَابُهم على اللهِ وهم مؤمنونَ، فلجَئُوا إلى القُوَّةِ، فقالُوا: ﴿لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [عمَّا تقولُ لنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ بالحجارةِ أو بالشَّتم].
وقَوْلهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ في الآية إشكالٌ من حيثُ الإعرابِ؛ لأنَّ فيها قَسَمًا وشَرْطًا، وكلاهما يَحتاجُ إلى جَوابٍ، فأين جَوابُ الشَّرطِ؟ وأين جَوابُ القسمِ؟
والجَواب: أن ﴿لَتَكُونَنَّ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وابنُ مالِكٍ يقولُ (١):
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
стр. 196
وأيضًا: ﴿لَتَكُونَنَّ﴾ لا تَصْلُح جَوابَ شرطٍ؛ لأن اللامَ لا يُمْكِن أنْ تَقْتَرِنَ بجَواب الشَّرطِ، إنَّما تَقترن بجَوابِ القَسَم.
والقاعدةُ عند أهلِ العِلْم في النحوِ يقولون: إنه إذا اجتمعَ شَرْطٌ وقَسَمٌ، فاحذِفْ جَوابَ المتأخِّر، فإذا قلت: "إنْ قمتَ واللهِ ضَرَبْتُكَ"، جاز أن تقول: "لَأَضْرِبَنَّكَ"؛ لأن الشَّرطَ متقدِّم، ولكن لو قلتَ: "واللهِ إنْ قمتَ ضَرَبْتُكَ" فلا يجوزُ أن تقولَ: "لَأَضْرِبَنَّكَ".
وقولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أكدوا فيه - والعياذُ باللهِ - ما أرادوا من رَجْمِهِ بثلاثةِ مُؤَكِّدات: القَسَم، واللام، ونون التَّوكيد، ثم أَوْغَلُوا في الوَعِيد والتهديدِ، حيث قالُوا: ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ولم يقولوا: لَنَرْجُمَنَّك، كَأنَّهم يقولون: هناك مَن سَبَقَكَ فرُجِم، فنحنُ نَرْجُمُكَ معَهم، فهذا أبلغُ مِن لو أنَّهم قالوا: (لَنَرْجُمَنَّكَ)؛ لأن فيه تَخويفًا؛ حيثُ إنه ليس أوَّلَ مَن يُرْجَم، بل هناك مَن رُجِمَ قبلَه.
وهل يَقصِدون أنَّهم يَرْجُمُونه بالحجارةِ أو بالقولِ؟
الظَّاهرُ والأقربُ أنَّهم يَقْصِدون رَجْمَه بالحجارةِ؛ لأنَّ الرجمَ بالقولِ قليلُ الإستعمالِ، ثم إنَّ التهديدَ به من هؤُلاءِ الَّذينَ يَرَوْنَ أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ من مصدرِ القُوَّة ليس بلائقٍ في المَقامِ، فالصَّوابُ أنَّهم يُهَدِّدُونَه بالرَّجْم بالحجارةِ، واللهُ أعلمُ.
حينئذٍ لجأَ إلى اللهِ فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾، وهذا الدُّعاءُ جمَعَ بين أسْبابِ الإجابةِ الثلاثةِ، وهي:
الأوّل: دُعاء الله تَعالَى باسمِ الربوبيَّة: ﴿رَبِّ﴾.
стр. 197
الثَّاني: ذِكْر الحالِ الداعيَةِ المُقْتَضيَةِ في الدُّعاءِ: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.
الثالثُ: الطَّلَب، ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أولًا: قَوْلهُ: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾، والربوبيَّة تَنقسِم إلى قِسمينِ: عامّة وخاصّة، وهذه من الربوبيّة الخاصّة، بل هي من أخصِّ الرُّبُوبيَّات؛ لأنّها رُبوبيّة اللهِ تَعالَى في رُسُلِه.
ثانيًّا: قَوْلهُ: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إظهارٌ للأضعفِ، يَعْنِي: لما هو أضعفُ؛ لأن قَوْلهُ: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ كَان مُقتضى الحالِ أن يكونوا مُصدِّقين له؛ لأنَّهم قومه، ولكنهم - والعياذُ باللهِ - صاروا مُكذِّبين له، فصارتْ حالُه تَقتضِي رأفةً أكثرَ، حيثُ إنَّ قومَه هم الَّذينَ كَذَّبوه، ثم إنه يَقتضي أن تكونَ النِّكاية فيهم أعظمَ أيضًا؛ لأنَّهم قومُه.
وهذه الإضافةُ فيها فائدتانِ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: بيان أنه مُسْتَحِق للرأفةِ أكثر؛ لأنَّ قومَه هم الَّذينَ كذَّبوه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ قَومَه مستحِقّون للتنكيلِ بهم أكثر؛ لأنَّهم قومُه، وكَان عليهم أنْ يُصدِّقوه ويَمنعوه، يَعْنِي: من أنْ يُؤْذَى، فكيف يكونون هم الَّذينَ يُؤْذُونه؟ !
وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]، ولم يقلْ: "ما ضلَّ النَّبيّ أو الرَّسُول"، بل قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾، يَعْنِي: الَّذي تَعرِفونه، وتعرِفون رَجَاحَةَ عقلِهِ، وتعرفون أمانتَه، فكيف تُنكِرون ما جاءكم به منَ المِعراج؟ !
стр. 198
قال ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ يَعْنِي: نَسَبُوني إلى الكَذِب، وقالُوا: كذّبه، وكذَبه، والفرق بينهما أن (كذَبه) أخبره بخلافِ الواقعِ، و (كذّبه) أنه لم يُصَدِّقْ ما جاء به.
ثالثًا: الفاءُ للسببيَّة في قَوْلهِ: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾، وهذا القولُ ظاهرُهُ الأمرُ، لكنَّه في جانبٍ له يُسمَّى دُعاءً؛ إذِ الأمرُ لا يكونُ إلَّا ممَّن يَستعلي على المأمورِ، وليس الطالبُ بمُسْتَعْلٍ على مطلوبِه، ثم إن الله جَلَّ وَعَلَا فوقَ كلِّ شيْءٍ.
وقَوْلهُ: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أي: احْكُمْ، وسُمِّيَ الحُكْمُ فَتحًا؛ لأنه يَنْفَتِحُ به الأمرُ ويَتَبَيَّن، فينفصِل هذا عن هذا، وهذا الفتحُ بأنْ يُنْجِيَه ومَن معَه من المُؤمِنينَ، ويُهْلِكهم، أمَّا نجاتُه ومَن معه من المُؤمِنينَ فمصرَّح بها، وأمّا إهلاكُهم فلا نجاةَ إلَّا مِن هَلَكة، هذا هو الفتحُ الَّذي سأله نوحٌ أن يُهْلِكَ الله تَعالَى قومَه وأن يُنْجِيَه هو ومن معَه منَ المُؤمِنينَ.
وقد قال تَعالَى عنه في سُورَة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
وقد يقول قائلٌ: هل يُخْبِرُ نوحٌ اللهَ تَعالَى بالواقِع؟ أليس الله تَعالَى عالمًا به؟
فالجَوابُ: بلى، هو عالمٌ به، لكن قَصْده ﵊ بيانُ الحاملِ له على هذا الدُّعاءِ أنه يَعتقِد أنه إذا أبقاهم لا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا، وإلَّا فاللهُ تَعالَى عليمٌ به، فيكون هذا كالإعتذارِ عن هذا السُّؤالِ العامّ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
قَوْلهُ: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه المَعِيَّةُ لَيْسَتْ مَعِيَّةَ اختلاطٍ كما هو معروفٌ، بل هي مَعِيَّةُ اشتراكٍ في عملٍ وعقيدةٍ؛ فإنَّ الَّذي معَ نوحٍ من المُؤمِنينَ
стр. 199
كَانوا مشارِكينَ له في العقيدةِ والعملِ، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ المعيَّة ليستْ كما فَهِمَه المحرِّفون في معيَّة اللهِ وأنها تَقتضي المشاركةَ في المكَانِ، أو الإختلاط، فهذا ليسَ بلازمٍ.
وقَوْلهُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِبيانِ المُبْهَمِ فيمَن معي؛ لأن (مَن) اسمٌ موصولٌ، والإسمُ الموصولُ يَحتاجُ إلى بيانٍ، وبيانُه إمَّا من صِلَته وإمَّا من غيرها.
ويُستفادُ منه أنه عندَ اليأسِ يجوزُ أنْ يدعوَ الإِنْسانُ على المكذِّبين والمعانِدِينَ.
وهل أقرَّ شَرْعُنا هذا أم خالَفَه؟
الجَواب: إنَّ شرعنَا أقرَّه، لكنَّه فضّلَ عدمَ الدُّعاءِ، إلَّا إذا كَان ثَبَتَ أنَّهم لا يَستقيمون، ولا يُؤمِنون، فيُشْرَع الدُّعاء، والدَّليلُ على ذلك أنَّ الله رأى النَّبيّ ﷺ عِندَما نادى عليه جِبريلُ وقال له مَلَكُ الجبالِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. فقال: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١). لكنه لم يمنعْ أحدًا.
ودليلٌ أصرحُ منه أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا دعا عليهم في الصلاة قال: "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ... اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" لأحياءٍ منَ العَرَب؛ نزل عليه قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٢) فكفَّ عن هذا، فشَرْعُنا أمرَ بالصبرِ، وعدمِ الدُّعاءِ عليهم.
стр. 200
ولكن قد يُقال: إنَّ نوحًا ﵊ شَريعته تخالِف شَريعَتَنَا، ولا مانعَ منْ أنْ تختلفَ الشرائعُ بمثلِ هذا، وأيضًا فإن نوحًا ﵊ مكَثَ في قومِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وكلَّما دَعَاهُم ازدادوا إصرارًا واستكبارًا، فما كانَ للصبرِ عليهم فائدةٌ، لكنَّه لم يهاجرْ منهم كما فعل يونسُ، بل بَقِيَ فيهم، حتى عَذَّبَهُمُ اللهُ.
وهل كون الرَّسُولِ ﷺ دعا على المَلَأِ من قُريشٍ، يدلُّ هذا على جوازِ الدُّعاءِ؟
نقول: نعم، لكنَّه مُنِع منه في آخِرِ الأمرِ، وهو دعا على الملأِ من قريشٍ في مكَّة قبلَ أن يُهاجِرَ، ففي الأخيرِ مُنِع ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
* * *
стр. 201
الآيات (١١٩ - ١٢٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٢].
* * *
قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المَمْلُوء مِنَ النَّاس وَالحَيَوَان وَالطَّيْر، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ بَعْد إنْجَائِهِم ﴿الْبَاقِينَ﴾ مِنْ قَوْمِه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾].
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاءُ للسببيَّة، أي: فبسبب دعائِهِ أنجيناهُ، وهي معَ إفادتها السَّبَبيَّة تفيد أيضًا التَّعْقِيبَ، ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ معَ أنَّ دعاءه: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]، فكلمة: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ أعمُّ.
فما هي الحكمة في ذلك؟
ذلك لأنَّه صَحِبَ معه بعض الحيواناتِ والمخلوقات، وأخذَ من كلٍّ زوجينِ، فهذه لا تلصقُ في الإيمانِ أو عَدَمه.
وقد نقول: لعلَّه ما قَصَدَها أيضًا من نوحٍ ﵊ في دُعائه، فما كَان - فيما يظهر - يَدُور في ذِهْنِهِ أن الله يُنجي هذه المخلوقاتِ الأخرَى، بل قال: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 202
وقد نقول: إن قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من بابِ التَّغْليب؛ لأنه هو أيضًا إنَّما دعا مَن معَه، فكَأنّ الله غلَّب جانبَ العُقَلاء؛ لأنه هو إنَّما دعا بإنجائهم، فصار هذا أنسبَ لمطابقةِ الإجابةِ للطلَبِ.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، الفُلْك الَّذي بناه أو صنعه نوحٌ بأمرِ اللهِ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، وهنا قال: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾.
وأيُّهما أخطر؛ قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، أم قَوْلُهُ: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾؟
الفُلك بلا شك أخطر من: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، لكن في السُّورة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، كما هو معروف في تَوَاصُل آياتها ومَقاطعها وجُمَل الآيَات المناسِبة لها: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾.
كما أنَّ فيه فائدةً معنويةً، وهي بيان موادّ هذه السَّفينة، أنَّها منَ الألواحِ والمَسَامِير، ليكونَ في ذلك دليلٌ على أنَّها مُحْكَمة، ولأجلِ أنْ يَتَعَلَّم صناعةَ السُّفُن مَن لم يَعْرِف، والصناعةُ في ذلكَ الوقتِ ما تَطَوَّرَتْ إلى هذا التطوُّرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [المملوء منَ النَّاسِ والحيوانِ والطَّير]، فهو مشحونٌ مملوءٌ منَ الحيوانِ، ومِن النَّاس، والطير، والطيرُ مِن الحيوانِ، لكن عطْفُه عليه من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ، وكَأنَّه يريدُ أنَّ الحيوانَ هو ما يَمشي على رِجْلَيْهِ، والطير ما يَطِير بِجَنَاحَيْهِ، وإلَّا لو قالَ: الحيوان لَكَفَى.
وقَوْلهُ: ﴿الْفُلْكِ﴾ اسمُ جِنسٍ يَشمَل بلفظِه الواحدَ والجمعَ، يَعْنِي هذا اللفظ صَالِحٌ للجمعِ والمُفرد، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ
стр. 203
طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فقال: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ هنا أراد بالفُلْكِ الجمعَ، وقال في موضعٍ آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [لقمان: ٣١]، فهنا أرادَ المفردَ، ولو كَان بالجَمْع لقالَ: تَجْرِين.
فإنْ قيلَ: وهل هذا الفُلْك يَشْمَل الطائراتِ والسياراتِ؛ لِقوله تعالى: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]، ولم يقلْ: أنّا حَمَلْنَاهُم؟
قلنا: الَّذي يَمْنَع من هذا هو قَوْلهُ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، والذُّرِّيَّة تأتي بعدُ، فكيف تكونُ آيةً لهم وهم سابقونَ عليها، ولذلك أكثر المُفَسِّرين على خلافِ هذا الرأي، يقول: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يَعْنِي ذُرِّيَّةَ أبيهم، أي نوح ﵊، وبعضُهم قال: إنَّ الذُّرِّيَّة هنا بِمَعْنى الآباءِ، لكن استعمال الذريَّة بمَعْنى الآباءِ بعيدٌ في اللُّغة العربيَّة، لكن استعمالها بمَعْنى الذُّرِّيَّة الَّتي نَشئوا منها، ليس في الإضافة للذرية الَّتي نشأتْ منهم، وهي ذُرِّيَّة أبيهم نُوح، وهذا أنسب؛ لأن الحَقِيقَة أننا لو جعلنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لِذُرِّيَّةٍ ما بعدُ جاءَت تكون آيةً لمَن قد ماتَ، فهذا بعيدٌ.
لكنَّها ربما تُطْلَق على الطائراتِ وغيرها من وسائلِ النقلِ الحديثةِ؛ لأن الفُلْكَ هو كلُّ مركوبٍ مخلوقٍ، ولهذا حصرَ اللهُ المركوباتِ في هذا: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، فالْفُلْك ما نَصْنَعُه نحنُ، وَالْأَنْعَامُ ما يَخْلُقُه الله.
لكن الكَلام هُنا على كونِ هذه الوسائلِ آيةً لهم، وهم موْجودونَ، والذُّرِّيَّة ما بعدُ أتتْ، فنفسُ الآيَاتِ الموْجودةِ في عهدِه إذا حَمَلْنَاها نحن على الطائراتِ والسياراتِ وسائرِ المراكبِ، لا يكون آيةً لهؤُلاءِ.
стр. 204
ثم إن كلمة: ﴿حَمَلْنَا﴾ يُحتاج إلى تَأْوِيلها إلى: سَنَحْمِل، وحينئذٍ إذا كَانتْ سَنَحْمِلُ لا تَصيرُ آيةً لهم إلا باعتبارها وعدًا منَ اللهِ ليس مشاهدًا، والله لا يخاطب هؤُلاءِ المعاندين بما يقتضيه وعده فقطْ، وإنَّما يُخاطِبُهُم بآياتٍ يُشاهِدونها، أو تكون معلومةً لديهم، بحيثُ لا يُتمكَّن مِنَ الإنكارِ.
فالقولُ بأنَّ الفُلْكَ المشحونَ هنا يُراد به الطائراتُ وغيره ليسَ له وجهٌ، والصَّوابُ أن نقول: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، يَعْنِي الذُّرِّيَّة الَّتي كَانوا منها، فالإضافةُ - كما يقولُ النحْويُّون - لِأَدْنَى مُلابسةٍ، فآباؤهم بالنِّسبةِ لنوحٍ ذُرِّيَّة، وأمَّا عادةُ الإطلاقِ أنَّ الذريَّة تأتي بالمَعْنى الحقيقيِّ للآباءِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ أي: بعد إِنجائِهِم ﴿الْبَاقِينَ﴾ من قومه]، والَّذينَ هم نَجَوْا كما قال الله تَعالَى في سُورَةِ هودٍ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، وابنُه - أحد أبنائه - ما نَجَا؛ لأنه كَان كافرًا، وهو قد سألَ: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨].
وفي الآيَات الأُخْرَى أنَّ اللهَ تعالَى قال له: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ ثم استثنى ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ولكنه ﵊ دَعَا الله تَعالَى مُشْفِقًا وراجيًا رحمتَه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥]، فقال اللهُ تَعالَى له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، والجَوابُ هنا فيه إشكالٌ، إنَّما قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنه كَان مُقْتَضَى ما سبق أن يقولَ: إنه ليس من أهلِكَ؛ لأنّه استثنى قبلًا: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
لكن لو قيل كذلك - لأنه سبق عليه القول - لقالُوا: ولماذا سبقَ عليه القولُ؟
стр. 205
فذكر النتيجةَ الأخيرةَ، وهو أنه: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخره، ولها توجيهانِ:
التوجيهُ الأوَّل: أنه، أي: سؤالك ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنك سألتَ ما لا يجوزُ في عِلْمِ اللهِ.
التوجيه الثَّاني: أنه، أي: الولد ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ من بابِ المُبالغةِ، يَعْنِي: عاملٌ غيرُ صالحٍ، فأطلق عليه المصدر كما يُقال: فلانٌ عدْل، وفلانٌ رِضًا، بمَعْنى ذي عدلٍ ورِضًا، فالمَعْنى أنه ذو عَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ، ويؤيِّد هذا الإحتمالَ قِراءَةُ: ﴿إنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (١).
فإنْ قيلَ: هؤُلاءِ الَّذينَ نَجَوْا هل هُمُ الَّذينَ بَقُوا منْ أهلِ الأَرْضِ؟
قلنا: لا، ليسوا هم، بل ذُرِّيَّة نوح هم الَّذينَ بَقُوا، وأمَّا مَن كَانَ معَه منَ المُؤمِنينَ فإِنَّهم فَنُوا، وما بَقِيَ لهم نسلٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧].
ولهذا يُقال: إنَّ نُوحًا ﵊ هو الأبُ الثَّاني للإِنْسانِ؛ فالأبُ الأوَّلُ آدمُ، ونوحٌ هو الأبُ الثَّاني؛ لأن جميعَ بني الإِنْسانِ ماتُوا، وما بَقِيَت إلَّا ذُرِّيَّتُه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، و ﴿هُمُ﴾ ضميرُ فصلٍ يفيد الحصرَ والإختصارَ، فهم الَّذينَ بَقُوا.
ويقول المؤرِّخون: إنهم ثلاثة: سامٌ، وحامٌ، ويَافِثُ، واللهُ أعلمُ إنْ كانتْ هذه أسماءَهم أم لا؟ وهل هم ثلاثة أم أكثرُ أو أقلُّ؟ إنَّما هذا كَلام المؤرِّخِينَ.
стр. 206
والمهمُّ أنَّ المتيقَّنَ أنه ما بَقِيَ أحدٌ منْ أهلِ الأَرْضِ إلَّا ذُرِّيَّة نُوحٍ ﵇، فيكون هو الأبَ الثَّانيَ.
قَوْلهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي أنَّ إغراقَهم آيةٌ عظيمةٌ، قال الله ﵎: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وفيها ﴿فَفَتَحْنَا﴾، و"فَفَتَّحْنَا" (١): قراءتانِ سبعيَّتانِ، و (فَفَتَّحْنَا) أبلغُ من ﴿فَفَتَحْنَا﴾. ففتحَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، يَعْنِي: نازِلٍ بقوَّة وشدَّة وكثرةٍ.
قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]، المعرِبون يقولون: إن الأَصْل: (فجرنا عيونَ الأَرْض)، وإنها تمييزٌ مُحَوَّلة عن مفعولٍ، وفي الحَقِيقَةِ أن ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ أبلغ وأعظم، يَعْنِي: كَأنَّ الأَرْضَ كلها صارتْ عُيُونًا، فهو أبلغُ من: (فجّرنا عيونَ الأَرْضِ)، فعيونُ الأَرْضِ نَفْرِضُ أنَّها عشْرُ عُيُونٍ، فلا تفيدُ لو كَانت: (فجَّرنا عيونَ الأَرْضِ)، لكن ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ كلها، حتى إن التَّنُّور بدأَ يفورُ منَ الماءِ، والتنورُ أبعدُ ما يكون عن الماءِ؛ لأنه مَحَلُّ تفجيرِ النارِ، ومحلُّ تفجيرِ النارِ يكونُ يابسًا يُبُوسًا بالِغًا، ولكن مع ذلك صارَ بإذنِ اللهِ يفورُ.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، حتى بلغ قِمَمَ الجبالِ، وغَرِقَ النَّاسُ كلُّهم إلَّا مَن في هذه السَّفينة، وحينئذٍ صَدَقَ قولُ نوحٍ لقومِه: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩]، فصارتِ السُّخْرِيَةُ السخريةَ الحقيقيَّةَ لهؤُلاءِ
стр. 207
الَّذينَ على السَّفِينَةِ، وكَأنِّي بهم يَطَّلِعُونَ إليهم من نوافذها، وهم يَعُومُونَ في هذا الماءِ ويَغْرَقُون، وهؤُلاءِ في مَنجاةٍ منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ على رأي المُفَسِّر المُراد أكثر قوم نوح ﵇، ولكن الأصح: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الَّذينَ بُعِثَ فيهم الرَّسُول ﵊.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، (ما) نافية، و (كَان) أصليَّة، فالعملُ لـ (كَان)؛ لأن الأَصْلَ عدمُ الزيادةِ، وإذا جعلتَ العمل لـ (مَا) لزِم أنْ تجعلَ (كَان) زائدةً، وإذا جعلتَ العملَ لـ (كَان) بقِيت (ما) نافيةً على ما هي عليه.
قَوْلهُ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الجامع بين العزَّة الغالبة القاهِرة والرَّحمة البالغة، لكنه لجِمعِهِ بينَ العزّ والرحمة صارتِ الرحمةُ تكون في مواضعها، والعزّ يكون في مواضعِهِ.
وأقسامُ العِزَّةِ الَّتي يَتَّصِفُ الله بها ثلاثةٌ: عِزَّة قَدْر، وعِزَّة قهْر، وعزة امتناعٍ.
وعزة القَدْر: هي أن الله له القَدْر العالي، وهو الَّذي لا يُشْبِهُهُ أحدٌ منَ المخلوقاتِ؛ لأنه إذا صار عزيزَ القَدْر يَعْنِي أنَّ قَدْرَه لا نظيرَ له، مثل أن تقولَ: هذا عَزيزٌ، يَعْنِي: لا يوجدُ له مَثيلٌ.
وعِزَّة القَهْر: هي أنَّ اللهَ قاهرٌ لمِن سواهُ منَ المخلوقاتِ، وغالبٌ له.
وعزةُ الإمتناعِ: هي أنه لا يُمْكِن لأحدِ المخلوقاتِ أن يَتوصَّل إليه، يَعْنِي: يَمْتَنِع عليه دون سوء أو نقص.
стр. 208
وقالُوا في المَعْنى الأخير: منه قولُهم: أرضٌ عَزَازٌ، يَعْنِي: صُلبة قويَّة مُمْتَنِعة، ليستْ رِخْوَةً ليِّنة.
وأمَّا الرَّحِيمُ فمعناهُ: ذو الرحمةِ الواصلة إلى خَلْقِه؛ لأن: (الرَّحِيم) غيرُ (الرَّحْمن)، وأهل السنَّة والجماعة يُثْبِتُون الرحمةَ للهِ حقيقةً، وغيرُهم يُؤَوِّلُها بأنَّ المُرادَ بها الإحسانُ، أو إرادة الإحسانِ، يَعْنِي أنَّهم يُثْبِتُونها إلى لازِمِها؛ لأن الرحمةَ هي الرِّقَّة، والله منزّه عن الرِّقَّة! فيُقال: مَن قال لكم: إن اللهَ منزَّه عن رِقَّة الرحمةِ؛ لأن الله يَرْحَمُ عبدَه، بمَعْنى أنَّه يَعْطِف عليه، وأيّ مانعٍ يَمْنَع اللهَ منَ العطفِ؟ ! فالقاسي ليس بمحمودٍ، أمَّا اللَّيِّن فهو المحمودُ لا شكّ.
ثم إننا نقول: إنَّ لِينَ الإِنْسانِ غيرُ لينِ اللهِ ؛ لأنَّ لِينَ الإِنْسانِ سَبَبُه الضعفُ أحيانًا، وعدمُ القُدْرَةِ، ولهذا يَرْحَمُ الإِنْسانُ أحيانًا مَن لا يَسْتَحِقّ الرحمةَ؛ لأنه ما عنده إلا مجرَّد العاطفة؛ عاطفة اللِّين، الَّتي سببها الضعفُ، أمَّا الله فإنّ رحمته رحمةُ قوّةٍ، ورحمة حِكْمة، ولهذا يُعذِّبُ أهلَ النارِ ذلك العذابَ العظيم، وهو أرحمُ الراحمينَ.
فإن الأدلَّة على رحمة الخالِقِ ليستْ كرحمةِ المخلوقِ.
فوائدُ الآيَات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أن الله أنجَى مَن معَه منَ المُؤمِنينَ بناءً على دعائِه، وأنجى غيرَهم أيضًا ممَّا يحتاجونَ إلى وُجودِهِ ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإشادة بهذا الفُلك، فقال : ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، وهذا من وجوهٍ:
стр. 209
أولًا: وَصْفْه بالمشْحُون، وكونه مَشحونًا يدلُّ أيضًا على قوَّته؛ لأنَّ ما ليس بقويّ لو شُحِنَ لَغَرَقَ.
ثانيًا: تعريفُ (الفُلك) بـ (أل) التعريف الدالَّة على الكمالِ.
ثالثًا: وفي قَوْلهِ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ يَعْنِي: كان من على مَتْنِهِ كثيرينَ، ومع ذلك استقامَ، وأنجى اللهُ فيه مَن معَه.
* * *
أن يكون الخالِقُ أعلى منَ المخلوقِ، وأنْ يكونَ المخلوقُ في قَبْضَتِه، وهذه هي الحكمةُ في قَوْلهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقلْ: إنَّ الله الَّذي خلق السماواتِ والأَرْضَ، مع أن ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، لكن لأجلِ أن يُخفِضَ رُءوسَهم أكثر ﴿خَلَقَهُمْ﴾، فهم بأنفسهم مخلوقون مَرْبُوبُونَ ذَلِيلُونَ.
وكلٌّ منَ القومينِ كذَّبَ نبيَّه، كذب قومُ نوحٍ نوحًا ﵊، وكذَّب قومُ هودٍ هودًا ﵊، معَ أنَّه نَصَحَهُمْ هذه النصيحةَ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وهذا الإسْتِفهامُ إمَّا للتحضيضِ، أو أنه استفهامٌ بمَعْنى التوبيخ، يَعْنِي: يُوَبِّخُهُم على عدم التَّقْوَى.
وقَوْلهُ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ أيِ اللهَ؛ لأن هذه الجُملة مُخْتَصَرَة، ومعروفٌ أنه كَان يَأْمُرُهُم ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ يؤيِّد أنَّ قولَه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ليسَ المقصود أنه أرسلَ للناسِ كافَّة.
قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: مُرْسَلٌ من قِبل الله ، وتقديم ﴿لَكُمْ﴾ يدلُّ على الإختصاصِ، أي: مُرْسَلٌ لكم خاصَّة؛ لأنَّ كلَّ رَسُولٍ يُبْعَثُ إلى قومِهِ فقطْ.
وقَوْلهُ: ﴿أَمِينٌ﴾ أي: ذو أمانة، ائتمنني الله على رسالته.
فإذا قال قائل: هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرَّد دعوى، وهم ينكرونَ أنْ يكونَ رَسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذبٌ خائنٌ، فهل بمجرَّد الدعوَى تقومُ عليهم الحجَّةُ؟
стр. 212
فالجَوابُ: لا، لكن هذه الدَّعْوَى مؤيَّدة من آيات من الله ؛ لقولِ النَّبيّ ﷺ : "مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١)، فهي ليست مجرَّد دَعوى؛ لأنها لو كانتْ مجرَّد دعوى لكانَ سهلًا رفضُها، لكنها دَعوى مؤيَّدة ومدعَّمة منَ الله بآياتٍ بيِّنة، يُؤمِن على مِثلها البشرُ.
وفي قوله لهم هذا القولَ، جازِمًا به، دليلٌ على قوَّة آياتِه، وأنَّ معه منَ الآيَاتِ ما جَعَلَه يعبِّر هذا التعبيرَ الجازِمَ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وفي هذا دليلٌ على أنّ الرِّسالَةَ أكبرُ دليلًا على أمانةِ الشخصِ؛ لأنه لولا أنه أمينٌ ما ائتمنه اللهُ على الوحيِ، الَّذي فيه الحُكْمُ على النَّاسِ بالسعادةِ والشقاءِ، بل الحكم عليهم باستباحةِ أموالِهم، واستباحة نِسائِهم، واستباحة دِمائهم.
فلولا أنَّ الرُّسُل - عليهم الصلاةُ والسلامُ- هم أعظمُ النَّاسِ أمانةً ما ائتمنهمُ اللهُ على هذا الوحيِ العظيمِ.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ هذا عَودٌ في المَعْنى على قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤]، يَعْنِي: فلأني رَسُولٌ أمينٌ افْعَلُوا ما آمركم به منَ التَّقْوَى، وأَحُثُّكُم عليه.
وإنَّما قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وما قال: (واتقوني)؛ لأنه لا يَمْلِك لنفسِهِ نفعًا ولا ضَرًّا، لا هو ولا غيرُه، فوظيفة النَّاس بالنِّسبةِ للرسلِ ليستْ تَقْوَى الرُّسُل، بل طاعة الرُّسُل، ولهذا ما جاء على لسانِ أيّ واحدٍ منَ الرُّسُلِ أنه قال لقومِه: (اتقوني)، بل يأمرونهم بالطَّاعةِ، وأما التَّقْوى والخشية والخوفُ فهي لله .
стр. 213
والتَّقْوى هي اتّخاذ وِقاية من عذابِ اللهِ بفعلِ أوامرهِ، واجتنابِ نواهيهِ، وهذا أجمعُ ما قيل في التَّقْوى، ولهم فيها عباراتٌ كَثِيرَة.
أمَّا الطَّاعة فأصلُها الإنقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقةُ طَوْعُ صَاحِبِها، أي: مُنقادة له وذليلةٌ، وتفسّر بأنها موافقةُ الأمرِ تَذَلُّلًا للآمِرِ؛ لأن موافقةَ الأمر قد تكونُ تَذَلُّلًا للآمرِ، وقد تكون كالإكراهِ، والتي تكونُ كالإكراهِ لا تكونُ طاعةً.
ويُستفاد من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وجوبُ تقوى الله، ووجوبُ طاعةِ رسولِه؛ لأن طاعةَ رسولِه من طاعتِه؛ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّساء: ٨٠].
قَوْلهُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على ما أقولُه لكم، أو: على تبليغِ الرِّسالَةِ، والمَعْنى متقارِبٌ، يَعْنِي: أنا لستُ أقولُ: أَعْطوني شيئًا، وإنَّما آمُرُكم بما فيه خَيْرُكم، لو كنتُ أسالكم أجرًا على ذلك لكَانَ لكم الحُجَّة في أنْ تَرُدُّوا، لكنِّي لا أسألكم عليه أجرًا، يَعْنِي ثوابًا وعِوَضًا.
قال المُفسِّر ﵀: ﴿إِنْ﴾ مَا ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، وفي هذا كمال الإخلاص، يَعْنِي: أنا لا أريدُ الأجرَ إلَّا منَ اللهِ .
وقَوْلهُ: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول العلماءُ: إنَّ (عَلَى) تفيدُ الوجوبَ؛ لأنه ما قال: إن أَجْرِي إلَّا مِن ربِّ العالمينَ، بل قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وهلِ اللهُ يَجِبُ عليه شيْءٌ؟
الجَواب: أمَّا أنْ نُوجِب عليه فلا، وأما أنْ يُوجِب على نفسِه تَكَرُّمًا، فهذا لا مانعَ منه.
стр. 214
قال ابن القيِّم (١):
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ... هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ
كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ ... إِنْ كانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ، وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ
قيّد بقَوْلِهِ: "إن كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ"، والإحسانُ هو المتابعةُ، أمَّا إذا لم يكنْ بالإخلاصِ والإحسانِ فيَضِيع: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ ﴿آيَةً﴾ بِنَاءً عَلَمًا لِلْمَارَّةِ ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بِمَنْ يَمُرّ بِكُمْ وَتَسْخَرُونَ مِنْهُمْ]، ففسَّر هنا الآيةَ بأنها العَلامَةُ، لكنها تَحتمل أن تكونَ عَلامَة على الطريقِ كما قال المُفَسِّر، معَ أن السياقَ لا يؤيِّده، لكنه كذلك لا يَمْنَعُه.
وكذلك قد يكون المُراد آيَة أي: عَلامَة على قُوَّتِكُم ومَقْدِرَتِكُم، وهذا هو الأقربُ، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ يَعْنِي أنَّكم تريدون من هذه البِناياتِ أن تكونَ آيةً ودليلًا وبُرهانًا على قوتكمْ.
وقَوْلهُ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَتَّخِذُونَ ذلك عَبَثًا؛ لأنه لا مصلحةَ لكم فيه إلا مجرَّد العَبَث، وإظهار العَظَمَة، وإظهار القُوَّة، وهذا بلا شَكّ كون الإِنْسان يُظْهِر قوَّتَه أنه عبَث وفسادٌ.
стр. 215
وعلى هذا يَتَبَيَّن لنا أن هؤُلاءِ الَّذينَ يحاوِلون أنْ يَصِلُوا إلى الكواكبِ، ويُطْلِقوا هذه الأقمارَ الَّتي لا يَستفيدون منها في الأَرْض مثل قوم عادٍ تمامًا، يَعْنِي: الطريقة هي الطَّريقة، وإنْ كَانَ الأسلوبُ مختلِفًا، يَعْنِي: يفعلون هذه الأشياءَ آيةً وعَبَثًا؛ إذ لا يَستفيدونَ منها فيما خُلِقَ لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وليس الَّذي في السماء، لكن الَّذي في الأَرْضِ هو الَّذي مخلوقٌ لنا، فانْتَفِعُوا به مباشرةً، أمّا الذي في السَّماء فمُسَخَّر لمِصالحنا، ولكنَّنا لا نَنْتَفِع به مباشرةً، فالَّذي يُنْتَفع به مباشرةً هو ما في الأَرْضِ.
ولهذا يقول بعضُ النَّاسِ: لماذا تحاولونَ أنْ تَصِلُوا للسماءِ وأنتم عاجزونَ عن حلّ مشاكلكم في الأَرْضِ؟ وهذا صحِيحٌ، لكنَّهم يَعْمَلُونَ هذا لمجرَّدِ العَبَثِ والفَخْرِ، وأنَّهم أقوياءُ، معَ أنّ قومَ هُودٍ، وهؤُلاءِ القوم أيضًا المعاصرونَ يَخْسَرون على هذه الأمورِ خسائرَ باهظةً، فصارتْ عَبثًا؛ لأن كلَّ شَيْءٍ يُتْعِب الإِنْسان فيه جِسْمَه ومالَه وفِكْرَه بدون فائدةٍ، فهو عَبَثٌ، ولا فائدةَ منه.
بل إنه إذا أرادَ ما وراءَه من إظهارِ العَظَمَةِ والكِبرياء على الخَلْق، صار أيضًا فَسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقطْ، إيجابيًّا لأنه فسادٌ، وهو ينكِر عليهم هذا الأمرَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
وأمَّا ما سَلَكه المُفَسِّر ﵀ من أنَّهم يَجْعَلُون علاماتٍ للمارَّة لأجل إذا مَرُّوا بهم يَسْخَرُونَ منهم؛ فهذا بعيدٌ عن السِّياق، وإن كَان السياقُ لا يَمْنَعُه لكنَّه لا يؤيِّده، فالصَّوابُ في هذه الآيةِ أنَّهم يبنونَ بناياتٍ عظيمةً، تدلُّ على قُوَّتهم وقُدْرَتهم عَبَثًا؛ لأنَّهم لا يَستفيدون منها سِوَى إظهارِ العَظَمَةِ فقطْ، وهذا لا شكّ أنه عَبَثٌ.