← Тафсир

Тафсир · id 555

تفسير العثيمين: الشعراء

ابن عثيمين

Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أن يكون الخالِقُ أعلى منَ المخلوقِ، وأنْ يكونَ المخلوقُ في قَبْضَتِه، وهذه هي الحكمةُ في قَوْلهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقلْ: إنَّ الله الَّذي خلق السماواتِ والأَرْضَ، مع أن ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، لكن لأجلِ أن يُخفِضَ رُءوسَهم أكثر ﴿خَلَقَهُمْ﴾، فهم بأنفسهم مخلوقون مَرْبُوبُونَ ذَلِيلُونَ. وكلٌّ منَ القومينِ كذَّبَ نبيَّه، كذب قومُ نوحٍ نوحًا ﵊، وكذَّب قومُ هودٍ هودًا ﵊، معَ أنَّه نَصَحَهُمْ هذه النصيحةَ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وهذا الإسْتِفهامُ إمَّا للتحضيضِ، أو أنه استفهامٌ بمَعْنى التوبيخ، يَعْنِي: يُوَبِّخُهُم على عدم التَّقْوَى. وقَوْلهُ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ أيِ اللهَ؛ لأن هذه الجُملة مُخْتَصَرَة، ومعروفٌ أنه كَان يَأْمُرُهُم ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ يؤيِّد أنَّ قولَه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ليسَ المقصود أنه أرسلَ للناسِ كافَّة. قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: مُرْسَلٌ من قِبل الله ، وتقديم ﴿لَكُمْ﴾ يدلُّ على الإختصاصِ، أي: مُرْسَلٌ لكم خاصَّة؛ لأنَّ كلَّ رَسُولٍ يُبْعَثُ إلى قومِهِ فقطْ. وقَوْلهُ: ﴿أَمِينٌ﴾ أي: ذو أمانة، ائتمنني الله على رسالته. فإذا قال قائل: هذان الوصفان: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مجرَّد دعوى، وهم ينكرونَ أنْ يكونَ رَسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذبٌ خائنٌ، فهل بمجرَّد الدعوَى تقومُ عليهم الحجَّةُ؟

стр. 212

فالجَوابُ: لا، لكن هذه الدَّعْوَى مؤيَّدة من آيات من الله ؛ لقولِ النَّبيّ ﷺ : "مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١)، فهي ليست مجرَّد دَعوى؛ لأنها لو كانتْ مجرَّد دعوى لكانَ سهلًا رفضُها، لكنها دَعوى مؤيَّدة ومدعَّمة منَ الله بآياتٍ بيِّنة، يُؤمِن على مِثلها البشرُ. وفي قوله لهم هذا القولَ، جازِمًا به، دليلٌ على قوَّة آياتِه، وأنَّ معه منَ الآيَاتِ ما جَعَلَه يعبِّر هذا التعبيرَ الجازِمَ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وفي هذا دليلٌ على أنّ الرِّسالَةَ أكبرُ دليلًا على أمانةِ الشخصِ؛ لأنه لولا أنه أمينٌ ما ائتمنه اللهُ على الوحيِ، الَّذي فيه الحُكْمُ على النَّاسِ بالسعادةِ والشقاءِ، بل الحكم عليهم باستباحةِ أموالِهم، واستباحة نِسائِهم، واستباحة دِمائهم. فلولا أنَّ الرُّسُل - عليهم الصلاةُ والسلامُ- هم أعظمُ النَّاسِ أمانةً ما ائتمنهمُ اللهُ على هذا الوحيِ العظيمِ. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ هذا عَودٌ في المَعْنى على قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤]، يَعْنِي: فلأني رَسُولٌ أمينٌ افْعَلُوا ما آمركم به منَ التَّقْوَى، وأَحُثُّكُم عليه. وإنَّما قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وما قال: (واتقوني)؛ لأنه لا يَمْلِك لنفسِهِ نفعًا ولا ضَرًّا، لا هو ولا غيرُه، فوظيفة النَّاس بالنِّسبةِ للرسلِ ليستْ تَقْوَى الرُّسُل، بل طاعة الرُّسُل، ولهذا ما جاء على لسانِ أيّ واحدٍ منَ الرُّسُلِ أنه قال لقومِه: (اتقوني)، بل يأمرونهم بالطَّاعةِ، وأما التَّقْوى والخشية والخوفُ فهي لله .

стр. 213

والتَّقْوى هي اتّخاذ وِقاية من عذابِ اللهِ بفعلِ أوامرهِ، واجتنابِ نواهيهِ، وهذا أجمعُ ما قيل في التَّقْوى، ولهم فيها عباراتٌ كَثِيرَة. أمَّا الطَّاعة فأصلُها الإنقيادُ، ومنه قولهم: هذه الناقةُ طَوْعُ صَاحِبِها، أي: مُنقادة له وذليلةٌ، وتفسّر بأنها موافقةُ الأمرِ تَذَلُّلًا للآمِرِ؛ لأن موافقةَ الأمر قد تكونُ تَذَلُّلًا للآمرِ، وقد تكون كالإكراهِ، والتي تكونُ كالإكراهِ لا تكونُ طاعةً. ويُستفاد من قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وجوبُ تقوى الله، ووجوبُ طاعةِ رسولِه؛ لأن طاعةَ رسولِه من طاعتِه؛ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النِّساء: ٨٠]. قَوْلهُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على ما أقولُه لكم، أو: على تبليغِ الرِّسالَةِ، والمَعْنى متقارِبٌ، يَعْنِي: أنا لستُ أقولُ: أَعْطوني شيئًا، وإنَّما آمُرُكم بما فيه خَيْرُكم، لو كنتُ أسالكم أجرًا على ذلك لكَانَ لكم الحُجَّة في أنْ تَرُدُّوا، لكنِّي لا أسألكم عليه أجرًا، يَعْنِي ثوابًا وعِوَضًا. قال المُفسِّر ﵀: ﴿إِنْ﴾ مَا ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، وفي هذا كمال الإخلاص، يَعْنِي: أنا لا أريدُ الأجرَ إلَّا منَ اللهِ . وقَوْلهُ: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول العلماءُ: إنَّ (عَلَى) تفيدُ الوجوبَ؛ لأنه ما قال: إن أَجْرِي إلَّا مِن ربِّ العالمينَ، بل قال: ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهلِ اللهُ يَجِبُ عليه شيْءٌ؟ الجَواب: أمَّا أنْ نُوجِب عليه فلا، وأما أنْ يُوجِب على نفسِه تَكَرُّمًا، فهذا لا مانعَ منه.

стр. 214

قال ابن القيِّم (١): مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ... هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ ... إِنْ كانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ، وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ قيّد بقَوْلِهِ: "إن كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ"، والإحسانُ هو المتابعةُ، أمَّا إذا لم يكنْ بالإخلاصِ والإحسانِ فيَضِيع: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ ﴿آيَةً﴾ بِنَاءً عَلَمًا لِلْمَارَّةِ ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بِمَنْ يَمُرّ بِكُمْ وَتَسْخَرُونَ مِنْهُمْ]، ففسَّر هنا الآيةَ بأنها العَلامَةُ، لكنها تَحتمل أن تكونَ عَلامَة على الطريقِ كما قال المُفَسِّر، معَ أن السياقَ لا يؤيِّده، لكنه كذلك لا يَمْنَعُه. وكذلك قد يكون المُراد آيَة أي: عَلامَة على قُوَّتِكُم ومَقْدِرَتِكُم، وهذا هو الأقربُ، ولهذا قال: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ يَعْنِي أنَّكم تريدون من هذه البِناياتِ أن تكونَ آيةً ودليلًا وبُرهانًا على قوتكمْ. وقَوْلهُ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَتَّخِذُونَ ذلك عَبَثًا؛ لأنه لا مصلحةَ لكم فيه إلا مجرَّد العَبَث، وإظهار العَظَمَة، وإظهار القُوَّة، وهذا بلا شَكّ كون الإِنْسان يُظْهِر قوَّتَه أنه عبَث وفسادٌ.

стр. 215

وعلى هذا يَتَبَيَّن لنا أن هؤُلاءِ الَّذينَ يحاوِلون أنْ يَصِلُوا إلى الكواكبِ، ويُطْلِقوا هذه الأقمارَ الَّتي لا يَستفيدون منها في الأَرْض مثل قوم عادٍ تمامًا، يَعْنِي: الطريقة هي الطَّريقة، وإنْ كَانَ الأسلوبُ مختلِفًا، يَعْنِي: يفعلون هذه الأشياءَ آيةً وعَبَثًا؛ إذ لا يَستفيدونَ منها فيما خُلِقَ لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وليس الَّذي في السماء، لكن الَّذي في الأَرْضِ هو الَّذي مخلوقٌ لنا، فانْتَفِعُوا به مباشرةً، أمّا الذي في السَّماء فمُسَخَّر لمِصالحنا، ولكنَّنا لا نَنْتَفِع به مباشرةً، فالَّذي يُنْتَفع به مباشرةً هو ما في الأَرْضِ. ولهذا يقول بعضُ النَّاسِ: لماذا تحاولونَ أنْ تَصِلُوا للسماءِ وأنتم عاجزونَ عن حلّ مشاكلكم في الأَرْضِ؟ وهذا صحِيحٌ، لكنَّهم يَعْمَلُونَ هذا لمجرَّدِ العَبَثِ والفَخْرِ، وأنَّهم أقوياءُ، معَ أنّ قومَ هُودٍ، وهؤُلاءِ القوم أيضًا المعاصرونَ يَخْسَرون على هذه الأمورِ خسائرَ باهظةً، فصارتْ عَبثًا؛ لأن كلَّ شَيْءٍ يُتْعِب الإِنْسان فيه جِسْمَه ومالَه وفِكْرَه بدون فائدةٍ، فهو عَبَثٌ، ولا فائدةَ منه. بل إنه إذا أرادَ ما وراءَه من إظهارِ العَظَمَةِ والكِبرياء على الخَلْق، صار أيضًا فَسادًا، فصار إيجابيًّا لا سلبيًّا فقطْ، إيجابيًّا لأنه فسادٌ، وهو ينكِر عليهم هذا الأمرَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾. وأمَّا ما سَلَكه المُفَسِّر ﵀ من أنَّهم يَجْعَلُون علاماتٍ للمارَّة لأجل إذا مَرُّوا بهم يَسْخَرُونَ منهم؛ فهذا بعيدٌ عن السِّياق، وإن كَان السياقُ لا يَمْنَعُه لكنَّه لا يؤيِّده، فالصَّوابُ في هذه الآيةِ أنَّهم يبنونَ بناياتٍ عظيمةً، تدلُّ على قُوَّتهم وقُدْرَتهم عَبَثًا؛ لأنَّهم لا يَستفيدون منها سِوَى إظهارِ العَظَمَةِ فقطْ، وهذا لا شكّ أنه عَبَثٌ.

стр. 216

وإذا تأمَّلتَ الإِنْسان الأوَّل هو الإِنْسان الأخير، أو الإِنْسان الأخير هو الإِنْسان الأوَّل، لكن يَختلف الأسلوبُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، وهذه الأمورُ إذا طبَّقْناها في الوقتِ الحاضرِ فهي موْجودةٌ. فقولهم: ﴿لَضَالُّونَ﴾ قديمًا، يُساويه قولهُمُ الآنَ: رَجْعِيُّونَ! أو مُحافِظُونَ! أو ما أشبهَ ذلك، وهو نفسُ الشيْءِ، فالفِكْر هو هو، لكن الأسلوب يَختلف مُسايرةً للزمَنِ. وهل صَحِيحٌ قولُ بعضِ النَّاسِ: إن الحيوانات في زَمَنِ نُوحٍ كانتْ أقلَّ أنواعًا من هذا الزمنِ، وسبب كثرتها بسببِ نزولِ بعضها على شكلِ آخرَ، فتولَّدَتْ منها أشكال؟ أمَّا الآيةُ فلا تُصَرِّح، لكن الذي وَرَدَ أنه حمل معه ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، يَعْنِي: من كلِّ الموْجوداتِ، لكن لا شكّ أنه ما وُجدَ أصلٌ جديدٌ أبدًا، لكن ربَّما صارتْ زيادة الأنواع بالتوالُد، أو بِنُزُولِ بعضها على بعضٍ فاختلفتْ، مع أنّ المعروفَ عنْدَهُم أنه ما حصلَ من توالدٍ من نَزْو بَعْضِها على بعضٍ أنه لا يتوالدُ، والحاصلُ بالتوالُدِ لا يتوالد، كل شَيْء نشأَ منَ التوالُد لا يتوالدُ، فهذا معروفٌ عندهم، ولهذا البَغْلُ لا يُمْكِن أنْ يَصِيرَ له ذُرِّيَّة أبدًا. فوائد الآيَات الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: ويُستفاد من هذه الآيةِ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ جوازُ وصفِ الإِنْسانِ بالثناءِ على نفسِه للمصلحةِ، وهذا أيضًا وردَ عنِ النَّبيِّ ﵊ أنه

стр. 217

قال: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ" (١)، ووردَ أيضًا عنِ الصَّحَابَةِ مثل هذا المَدْح في قول ابن مسعودٍ: "لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ، تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ" (٢)، لكنْ بِشَرْط أنْ يكونَ غَرَض الإِنْسان مِن ذلك المَصْلَحَة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وفي هذا دليلٌ على إخلاصِ الرُّسُل لله في قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفيها أيضًا الإحتسابُ؛ احتسابُ الإِنْسانِ عَمَلَهُ على اللهِ، فليس هذا للإدلالِ على اللهِ بهذا العملِ والمنّة عليه به، ولكن الإحتساب به عليه لرجاءِ ثوابِهِ؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفي هذا دليلٌ على جَبَروت عاد، ومَحَبَتَّهم للكِبرياء والعظمة فيما أنكره عليهم نبيُّهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وفيها دَليل على أنه يَنْبَغي للإِنْسانِ أنْ يكونَ غَرَضه من عمله، لا سِيَّما العمل الجبَّار العظيم، أن يكونَ غَرَضُه غَرَضًا صَحِيحًا، لا عَبَثًا ومُباهاةً؛ لقَوْلِهِ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وهذا هو مَحَطّ الإنتقادِ، ليسَ بأن يَبْنُوا ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾، ولكن كون ذلك عَبَثًا هو مَحَلُّ الإنتقادِ ومَحَطّ اللَّوْم. * * *

стр. 218

الآيتان (١٢٩، ١٣٠) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٩ - ١٣٠]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ لِلْمَاءِ تَحْت الْأَرْض ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ كَأنَّكَم ﴿تَخْلُدُونَ﴾ فِيهَا لَا تَمُوتُونَ، ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ بِضَرْبٍ أَوْ قَتْل ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ مِنْ غَيْر رَأْفَةٍ]. ثم قالَ اللهُ تَعالَى في سِيَاق ما قالَه هود لقومه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: جمع مَصْنَع، وهو مَحَلّ الماء، كما قال المُفَسِّر، فالمصانعُ عِبارة عن الخزَّانات الَّتي تحت الأَرْض يَتَّخِذُونها لعلَّهم يَخلُدُونَ، يَعْنِي: كَأنَّهم خالدون في هذه الدُّنيا غير مَيِّتِينَ. وقَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ذكر المُفسِّر ﵀ أنه أتى بها للتَّشْبِيه: [كَأنَّكم]، ولكن ما رَأَيْنَا أحدًا ذكرَ أنَّها تأتي للتَّشبيه، بل إنَّما قال: إنها تأتي للإشفاقِ والتعليل والترجِّي، هذا هو المعروف من معاني (لَعَلَّ). وأيُّ هذه المعاني الثلاثة هو أَولى بها؟ الأَولى أنها للتَّرَجِّي، يَعْنِي: يَتَرَجَّوْنَ أنْ يَخْلُدُوا في ذلكَ، وقد تُفيدُ التوقُّعَ، أيْ أنَّهم يَتَوَقَّعُونَ الخُلُودَ، لكنَّها للترجِّي أقربُ. يَعْنِي أنَّهم يتَّخِذون هذه المساكنَ لأجلِ أنْ يَبْقُوا فيها، كَأَنَّما يَخْلُدُونَ فيها.

стр. 219

وقَوْلُ المُفسِّر ﵀: [﴿مَصَانِعَ﴾ لِلْمَاءِ تَحْت الْأَرْض]، قد يُنازَع فيها أيضًا، بأن يُقالَ: إن المُراد بالمصانِعِ مكَانُ الصناعةِ، يَعْنِي أنَّهم أيضًا اتَّخَذوا مصانعَ كَثِيرَةً، كما تدلُّ عليه صِيغة مُنْتَهَى الجُمُوع (مَفَاعِل)، ثم إنها قويَّة؛ لقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾؛ لأنه لا أحدَ يَبني شيئًا للبقاءِ الكثير إلا ويُحكِمه ويُتْقِنُه. فيكون هودٌ ﵊ أنّبَهم في أمرينِ: الأمرُ الأوَّلُ: اتِّخاذ الآياتِ - الأبنية القويَّة العظيمة - عَبَثًا وإظهارًا للقوة والفخر. الأمر الثَّاني: هذه المصانع العَظِيمة الَّتي اتَّخَذُوها لأجْلِ أن يَخْلُدُوا ويَبْقُوا فيصنعوا فيها، وقد قالَ الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]، وهذه العماد العظيمةُ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ لا بُدَّ أنْ تكونَ ناتجةً عن مصانع قويَّة لِتُوَلِّدَ هذه الموادَّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. ثم قال: من جَبروتهم أيضًا العدوانيّ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾؛ لأن الأوَّل جَبَرُوت مِعْمَارِيّ، والثَّاني مَصْنَعِيّ، والثالث الجَبَرُوت العُدواني. وقِس هذه الأشياء على وَقْتِنا الحاضِرِ، فتَجِدها مُنْطَبِقَةً تمامًا، فهناك مَن يَتَّخِذُونَ من هذه القُوَّة آيةً للفَخْرِ والعَبَث، ثم هذه المصانع أيضًا الَّتي يَتَّخِذُونها - مصانع القنابل الذَّرِّيَّة والنَّوَوِيَّة وغيرها - لأجْلِ أن يَخْلُدُوا؛ حتى لا يَتَسَلَّط عليهم أحدٌ، وحتى تكون لديهم السيطرةُ في هذه المصانعِ. وكذلك الثالث، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ يَعْنِي: إنكم تَبْطِشُون، فهو موْجودٌ كذلك.

стр. 220

وإنَّما قلت: إنَّكم تبطِشون؛ لأن (إذَا) تُفِيد تحقُّق وُقُوعِ الشَّرط، بخِلاف (إِنْ)، فإذا قلت: (إنْ قام زيدٌ فَقُمْ)، لا تدلّ على تَحَقُّق وُقُوع الشَّرط، لكن إذا قلت: (إذا قام زيدٌ فقُمْ)، فهذا معناه كَأنَّه سيقومُ، ولكن لِيَكُنْ وقتُ قِيَامِك وقتَ قيامِه. فقَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ يَعْنِي: وأنتم تَبْطِشون، قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ بضربٍ أو قتلٍ ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ من غير رأفةٍ]، فهذا الوصفُ الثالثُ - والعياذُ باللهِ - العُدْوَان، والذي حَمَلَهُم على هذا العدوان - الإِنْسان بَشَر - لما رَأَوْا أنفسهم أقوياءَ في البناءِ والصناعةِ، قالُوا: ليس أَحَدٌ فَوْقَنا، فبَطَشُوا - والعياذُ باللهِ - بدونِ رأفةٍ؛ لأن الإِنْسانَ بطبيعتِهِ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. * * *

стр. 221

الآيات (١٣١ - ١٣٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣١ - ١٣٤]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِي ذَلِكَ، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بهِ، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ، ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ﴾ بَسَاتِينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ أَنْهَارٍ]. قَوْلهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذلك ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ كرَّره تأسيسًا، إذا كَان يعود على ما بعد قَوْله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وإذا كَان لا يعودُ عليه، وأنه قال ذلك إبلاغًا للرِّسالَةِ، فإِنَّه يكونُ معَ الأوَّل تأكيدًا. وفي الحَقِيقَةِ أنّ المَقام يَقتضي التَّأكيدَ، وأنَّ المَقَامَ أيضًا في الأمورِ الثلاثةِ الَّتي وَبّخهم عليها يَقتضي أنْ يُخَصَّصَ بزيادةِ العِنايةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ثم قال لهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾، هنا أتى بالوصفِ لأن ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ الإسم الموصول وَصِلَته بمنزلةِ الإسمِ المشتَقّ، يَعْنِي: واتَّقُوا المادَّ لَكُمْ، والإسم المُشْتَقّ أو اسم الفاعل وَصْف. وهنا انتقل من وَصْف الأُلُوهِيَّة إلى وصف الرُّبُوبِيَّة الخاصَّة، الذي نالَه منه، وهو: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ لأن إمداد الله بالنِّعَم من مُقْتَضَى الربوبيَّة.

стр. 222

وقَوْلهُ: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أتَى بهذا الوصفِ أيضًا إقامةً للحُجَّة عليهم؛ لأنَّ مَن أَمَدَّكَ بهذه النعم كَان أَولى بأن تَتَّقِيه. وقَوْلهُ: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مُبْهَم؛ لأن (ما) اسم موصولٌ، والإسمُ الموصولُ مُبْهَم وعامّ، ثم فصّله بقَوْلهِ: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾. والتفصيلُ بعدَ الإجمالِ، أو البيان بعد الإبهامِ، له فوائدُ، منها: ١ - تَنبيهُ السامِعِ أو القارئِ؛ فإذا كَان مثلًا يقرأ: ﴿الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يشعر براحةٍ ثم بِتَنْبِيهٍ؛ لأن السياقَ تَغَيّر، فمِن المُبْهَم إلى المخاطبينَ بَيِّن وواضح، فهذا فيه تنبيهٌ. ٢ - التشويقُ؛ لأن الإِنْسان يحبّ الإستطلاعَ، فإذا أُبهم إليه الأمرُ ووَضَحَ، اشتاقَ إليه ورَسَخَ في ذِهنه؛ ترسيخِ الكَلام في الذِّهن؛ لأنه إذا جاء مُبْهَمًا تَشَوَّق له الذِّهْنُ، فإذا بُيِّنَ له بعدَ ذلكَ تَرَسَّخَ فيه. ٣ - العِناية؛ لأن كونَه يُبْهِمُه ثم يُبَيِّنه أو يُجْمِلُه ثم يُفَصِّله؛ لأجل أن الإِنْسان يتشوَّق إليه ويَرتقي من معناه أنه أمر يُعتنَى به، كما أنَّ فيه أيضًا تأكيدًا؛ لأنه ذُكِر مرتينِ: مرَّةً مُبْهَمًا، ومرَّةً مُفَصَّلًا أو مُبَيَّنًا. ٤ - تأكيده؛ بذِكره مرتينِ: مَرَّةً مُجْمَلًا، ومَرَّة مفصَّلًا، أو مبهمًا ثم مُبَيَّنًا. قَوْلهُ: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ ما قال: (أمدَّكم بأنعامٍ وبَنينَ)، بالنِّسبة لهذه الآية يالذاتِ، فبيَّن لهم أن اللهَ أمدَّهم بأمرٍ لا يُمْكِنُهم إنكارُه؛ لأنَّهم يعلمونَ، فقدَّم: ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ على ذِكر المُنْعَم به بإقامةِ الحجَّة عليهم، حيثُ إنَّ هذه نِعَم مفهومة ومعلومة لهم، فلا يُمْكِنُهم إنكارُها.

стр. 223

قَوْلهُ: ﴿بِأَنْعَامٍ﴾ الأنعامُ: جمعُ نَعَم، يَعْنِي الإبل، وإذا قلتَ: إنَّ نِعْمَة جَمْعُها نِعَم، وجَمْع نِعم: أَنْعَام، صار المُراد بالأنعامِ ما هو أعمُّ منَ الإبلِ، يَعْنِي: كَأنَّه يقول: بنِعَمٍ كَثِيرَة، والمعروف أنها للإبلِ فقطْ، لكن إذا قيلَ: بَهِيمة الأنعامِ، فتَشْمَل الثلاثة، وفي الحديث: "خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ" (١). وقَوْلهُ: ﴿وَبَنِينَ﴾ الذكور منَ الأولاد، وخصّ البَنين؛ لأنَّهم أبلغُ في شَرَف الإِنْسانِ، ولأنَّ أولادَهم يُكَوِّنون قَبيلةً، لكن أولاد البنات من غيرِهم، فلا يكونونَ قبيلةً ولا يكونونَ أسرةً. وقَوْلهُ: [﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بَسَاتِينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهارٍ]، وهذا ممّا يَدُلُّ على أنّ هذا الرَّبْع الخالِي الآنَ منَ الماءِ أنه كَان فيه بساتينُ، وكَانَ فيه أنهارٌ، ولعلَّ هذا يُوحِي به أيضًا قولُ الرَّسُولِ ﵊: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا" (٢)، فإنَّ قَوْلَهُ: "حَتَّى تَعُودَ" العَوْد بعدَ البَدْء، فهذه الجنَّات ليستْ مجرَّد بساتينَ فقطْ؛ لأنه لا يُسَمَّى البستانُ جنَّةً إلا إذا كَان كَثِيرَ الأشجارِ والزُّرُوع، حيث يُجِنّ مَن فيه ويَسْتُرُه، والعيونُ جَمْعُ عَيْنٍ. وقول المُفسِّر ﵀: إنَّها أنهارٌ فباعتبارِ جَرَيَانِها، وإلَّا فالعُيُون هي الَّتي تَنْبُع من الأَرْض، والأنهار كما هو معروفٌ لا تَنْبُع منَ الأَرْض، وإنَّما تأتي منَ الأمطارِ والسيول وغيرها.

стр. 224

فوائد الآيَات الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أنَّ الداعِيَةَ يَنْبَغي له أن يذكِّر المدعوَّ بِنِعَمِ اللهِ عليه، وتُؤْخَذ من قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، والحكمةُ من تذكيرِه بالنعمِ أنَّ النعمَ تَستوجِب الشكرَ وطاعةَ الرَّحْمنِ، وتضمن ذلك عقلًا؛ لأنَّ مَن أحسنَ إليكَ؛ فإنّه مِنَ المُسْتَحْسَن عَقلًا أنْ تُطِيعَه بما يَأْمُرُكَ به. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذه النعم الَّتي يمدّ الله بها العبدَ تَستوجب أنْ يقومَ بتقوَى اللهِ؛ لأن قَوْلهُ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ في التعليلِ للأمرِ بالتَّقْوَى، فتكون النعمُ مُسْتَوْجِبَةً لِتَقْوَى العبدِ لِرَبِّه ﵎ لا للأشرِ والبَطَرِ والبُعْد عن اللهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ حيث عَدَل عن قَوْلهُ: (وَاتَّقُوا الله) إلى ما ذُكر؛ إشارةً إلى أن هذا السَّبَبَ كبيرٌ لِوُجُوبِ التَّقْوى. * * *

стр. 225

الآيات (١٣٥ - ١٣٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٥ - ١٣٨]. * * * قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إنْ عَصَيْتُمُوني، ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾ مُسْتَوٍ عِنْدنَا ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أَصْلًا، أَيْ لَا نَرْعَوِي لِوَعْظِك، ﴿إِنْ﴾ مَا ﴿هَذَا﴾ الَّذِي خَوَّفْتنَا بِهِ ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) اخْتِلَاقُهمْ وَكَذِبُهمْ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِضَمِّ الخَاء وَاللَّامِ، أَيْ مَا هَذَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ إنْكَارٍ لِلْبَعْثِ إلَّا خُلُق الْأَوَّلينَ، أَيْ طَبِيعتهم وَعَادَتهم، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾]. قول المُفسِّر ﵀: [﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إنْ عَصَيْتُمُونِي]، يَعْني: إنِ اسْتَمْرَرْتُم على ما أنتم عليه منَ الكُفْر بهذه النِّعَم العظيمة؛ فأخاف عليكم عذابَ هذا اليومِ. وقَوْلهُ: ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة لليوم، لكن يقول: [في الدنيا والآخرة]، ووَصْف هذا العذاب بالعِظم في الدنيا باعتبارِ ما عدَاهُ، وأمَّا وصْفه بالعِظَم في الآخرة فظاهرٌ؛

стр. 226

لأنه عظيمٌ أعظم ما يكون في الآخرةِ. وإن قيل: قولُه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ألا يدلُّ هذا على أنه يوم القيامة خاصة؟ قلنا: لا، فإنَّ اليومَ الَّذي يقع عليه العذابُ بالدنيا يُوصَف أيضًا بأنه يَوْم عَظِيم؛ وهو أيضًا لم يُعَيِّن يومًا. ﴿قَالُوا﴾ في الجَوابِ بعد هذا التذكيرِ بالنِّعم، وبعد هذا الوعظِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أعوذ بالله! فهذا كِبرياء عَظيم! و ﴿سَوَاءٌ﴾ بمَعْنى مستوٍ، وهي خبرٌ مُقَدَّم، و ﴿أَوَعَظْتَ﴾ الجُملةُ الإسْتِفهاميَّةُ هذه في تأويلِ مَصْدَر لمبتدأٍ مؤَخَّرٍ، يَعْنِي: وَعْظُك وَعَدَمُه سَوَاءٌ. وهذا من المواضعِ الَّتي تكون مؤوَّلة بالمصدرِ بدون حرفٍ مصدَرِيٍّ؛ مع أنَّ الَّذي دخلَ عليها أداة الإسْتِفهام، لكن بعد (سَوَاءٌ) هكذا تؤول وما بعدها بالمصدر، كقولِهِ تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، أي: استغفارُكَ وعدمُه، وكقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، أي: إنذارُك وعدمُه. فهم قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أي: لا نَرْعَوِي لِوَعْظِكَ، وهذا مِنَ الجَبَرُوتِ ﴿أَوَعَظْتَ﴾ بالفعلِ ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ لم يَكُنْ وَصْفك الوَعْظ، ﴿سَوَاءٌ﴾ تركتَ الوعظَ أم لم تَتْرُكْه؛ لأنَّهم ما قالُوا: سواء عَلينا أوعظتَ أم لم تَعِظْ بل ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾. فالمقصودُ من هذا أنه لا يُهِمُّهم أن يكونَ وَاعِظًا، أو غيرَ واعظٍ، ولا أن يَعِظهم

стр. 227

بالفعلِ أو لا يَعِظهم، كلّ الأمرِ عنْدَهُم سواءٌ، وإنَّما قالُوا ذلكَ لأنَّ الإِنْسانَ قد لا يَكْتَرِث بالواعظِ لكونِه غيرَ أهلِه، وقد لا يَكترث به عِنادًا، وهؤُلاءِ لما قالُوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ دلّ ذلك على أنَّهم مُعانِدُون، حتى وإنْ كان من غيرِ أهلِ الوعظِ، أو وعظت وأنتَ مِن أهلِ الوعظِ، وفي هذا من بلاغةِ القُرآنِ ما هو ظاهرٌ؛ لأنَّهم قالُوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ﴾ أم لم تعظْ، لكن ربَّما يقولون: إنه قد يَعِظ وليسَ أهلًا للوعظِ، ولكنهم قالُوا: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ يَعْنِي: لم تكن ممَّن يَسْتَحِقُّون أنْ يُوصَفوا بهذا الوصفِ. فيؤخَذ من هذا أنه حُذِف من كلّ واحدةٍ ما يُقابلها؛ اختصارًا للوضوحِ، فيصير التَّقدير على هذا: (أوعظتَ أم لم تَعِظْ، أو أكنتَ واعظًا تَسْتَحِقّ أنْ يَنْصَرِف النَّاس لك، ويأخذوا منك، أم لم تكنْ واعظًا)، وهذه غاية ما يكون من بلاغةِ القُرآنِ، وبالنِّسبة لهم غاية ما يكون منْ الإستكبارِ، وعدم الإكتراثِ بِوَعْظِهِمْ. قوله تعالى: ﴿إِنْ﴾ فسرها المفسِّر بـ[ما]، يَعْنِي نافية، قال المُفسِّر ﵀: [﴿هَذَا﴾ الَّذِي خَوَّفْتنَا بِهِ ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ اخْتِلَاقُهمْ وَكَذِبُهمْ]، يَعْنِي: إنَّك أنتَ يا هودُ ما جِئتنا إلَّا بأمرٍ اختلقه مَن قَبْلَكَ، فكذَّبوه هو ومَن قبله أيضًا، وقالُوا: هذا خَلْق الأوَّلين، خَلْقُهُم أي: اخْتِلَاقُهم وافْتِرَاؤُهم وكَذِبُهم، كما قال الله تَعالَى عن إبراهيمَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، يَعْنِي: تَخْتَلِقُونه وتُزَوِّرُونَه. قال: [وفي قِراءَةٍ بضمّ الخاءِ واللّام: ﴿خُلُقُ﴾]، وهذه القِراءَةُ سَبْعِيَّة بناءً على قاعدةِ المُفَسِّر، فإذا قال: "قُرِئَ" فهي ليستْ سبعيَّة، وإذا قال: "فيه قِراءَة" فيريد أنها سبعيَّة، قال: [أَيْ مَا هَذَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ إنْكَارٍ لِلْبَعْثِ إلَّا خُلُق الْأَوَّلِينَ، أَيْ طَبِيعتهم وَعَادَتهم].

стр. 228

والمُفَسِّر - على القِراءَة الثَّانية - يَرَى أنَّ اسمَ الإشارةِ يعودُ إلى ما كَانوا عليه، وعلى قِراءَة: (خَلْق) فهو عائد على قولِ هودٍ، وسياقُ الآيةِ يدلُّ على أنه راجعٌ إلى قولِ هودٍ، سواءٌ بضمّ الخاءِ أو بِفَتْحِها، أمَّا فتحها فظاهرٌ: (إن هذا إلا خَلْق الأولين)، وأما ضَمُّها فهو أيضًا ظاهر كَأنَّهم يقولونَ: إنَّ ما جئت به هو خُلُقُ الْأَوَّلِينَ من قَبْلِكَ - يَعْنِي بعضهم - الَّذي كَانوا عليه، يَعْنِي الأَنْبِياء السابقين، فعلى هذا يكون مَرْجِع الإشارةِ واحدًا. أمَّا على رأيِ المُفَسِّر: (إن هذا إلا خَلْق الأولين) فيُريد أنَّهم يحتجون به، كَأنَّهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وهذا ما عليه آباؤنا، فسنبقى عليه، والآيةُ محتمِلة، ولكنها في الأوَّل أظهرُ: أولًا: لأن القراءتينِ يفسِّر بعضهما بعضًا. ثانيًا: إنهم يريدونَ أن يَرُدُّوا على قوله هو، لا أن يُبَرِّروا فِعلَهم. قَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هذا إنكارٌ لقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كَأنَّهم يقولونَ: ما تَخَوَّفْتَ ليسَ له أصلٌ، فما نحنَ بمعذَّبِين. وتأمَّل هذا التعبيرَ الَّذي أتى مؤكَّدًا بالباء في قَوْلهِ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لم يقولوا: "وما نحن معذبون"، وكذلك أتوا بالوصفِ: ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الجُملة الإسميَّة؛ للدَّلَالَةِ على انتفاءِ هذا أبدًا؛ لأن الجُملةَ الإسميَّة تَدُلّ على ثُبُوت مَدْلُولهِا، فعليه يكونون قد أَنكَروا أنْ يُعَذَّبُوا، وادَّعَوْا أنَّهم لن يعذَّبوا أبدًا، ولكن هذا كما قال النَّبيّ ﵊: "العَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ" (١)، فهؤُلاءِ

стр. 229

- والعياذُ باللهِ - أَتبَعوا أنفسَهم هواها، وتَمَنَّوا على اللهِ الأمانيّ إن كَانوا مصدِّقين بالبعثِ، ولا ندري ربما يكونونَ مكذِّبين به، وأنه لا بعثَ ولا جزاءَ ولا عذابَ. فوائدُ الآيَاتِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: بيانُ أنَّه يَنْبَغي للداعيَةِ معَ القَرْن بذِكْر النِّعَم أن يَقْرِنَ الدعوةَ بالتخويفِ، وتُؤخَذ من قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنْبَغي إذا كَان المَقامُ أنسبَ أن يكون غير مُصَرَّح بذلك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ ولم يقل: إنكم ستُصابون بيومٍ عظيمٍ، فالمتوقَّع له غير الجازِم به؛ لأن المَقامَ يَقتضي ذلكَ، ولكلِّ مَقامٍ مَقالٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفي الآيَات دليلٌ على أنَّ الله قد يَطْبَع على قلبِ العبدِ فلا يَستفيد بموعظةٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾، هذا إذا لم يكنْ هذا القولُ منه كَذِبًا. فإن كَان كذبًا فلا شاهدَ فيه لذلكَ، يَعْنِي: إنْ كَان الأمر حقًّا كما يقولونَ أنَّهم سَواء وُعِظوا أم لم يُوعَظوا؛ فإِنَّه يدل على أن العبدَ - والعياذُ باللهِ - إذا رانَ على قَلْبِهِ ما يَعْمَل، لم يَسْتَفِدْ من موعظةٍ، أمّا إن كَان كذبًا فإِنَّه يدلُّ على عُتُوّ هؤُلاءِ القومِ، وشِدَّة استكبارهم عن الحقِّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وفي التعبيرِ بقَوْلِهِ: ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ دليلٌ على بلاغةِ القُرآنِ، حيث الجمع في جملةٍ واحدةٍ بين أربعةِ معانٍ: وَعَظْتَ أم لم تَعِظ .. كنتَ منَ الواعظينَ أم لم تكنْ. وذلك في كلمتينِ؛ لأنه حَذَف من كل كلمةٍ ما يقابلها في دلالة أُخْرَى عليها.

стр. 230

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وفي الآيَات دليلٌ على أنه لا حُجَّةَ للمُعاندِ للرسُل سوى التمسُّك بما كَان عليه أسلافُهم، تُؤْخَذُ من قولِه تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذا على حَسَب ما فَسَّره المُفَسِّر، وعلى حَسَب ما صارَ عليه. أما على القِراءَة الثَّانية: "إِلَّا خَلْق الأَوّلِينَ"؛ فإِنَّه يُستفاد منه أن هؤُلاءِ لم يَقتصروا على تكذيبِ نبيِّهم، بل تَعَدَّوْا إلى تكذيبِ غيرِهِ أيضًا، مع أنَّهم لم يُطالَبوا به، فلم تُطالِبهم الرُّسُل السابقونَ بذلك، إلا أنَّهم بعنادِهِمْ واستكبارِهِم كذّبوا حتى السابقينَ، ولأجلِ أن يقولوا: إن هذا ليس بالأمرِ المجرَّب، وإنَّما ذلك دَأْبُ مَن كَان من قبلهم. * * *

стр. 231

الآيتان (١٣٩، ١٤٠) * قالَ اللهُ : ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بِالْعَذَابِ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا بِالرِّيحِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾]. قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يَعْنِي: فبهذا القولِ الَّذي صَدَرَ منهم يَصْدُقُ عليهم هذا الوصفُ، أنَّهم كذَّبوا هُودًا، فيكونون مُسْتَحِقِّين للعذاب، ولهذا أتَى بالفاء ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. قال المُفَسِّر: [﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في الدنيا بالرِّيح]، أهلكهم اللهُ تَعالَى بالريحِ، ومنَ العجائبِ أن الله - سبحانه وبحمده - أهلكهم على حين تَشَوُّق منهم للرَّحمة؛ لأنَّهم أُصيبوا بالجدْبِ والقَحْط، وبَقُوا مدَّةً، وصاروا ينتظرونَ الفَرَجَ بالمطرِ، فلمَّا أَرسلَ اللهُ هذه الريح ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، استفرحوا بذلك وظَنُّوا أنَّ الفَرَج قريبٌ، ولكنه كَان فَرَجًا لهُودٍ ونِقمةً عليهم. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥]، وهذه الريحُ الَّتي بَعَثَها الله على عادٍ فيها من آياتِ اللهِ أنَّ هؤُلاءِ القوم الأشدَّاء الأقوياء

стр. 232

الفخورينَ بقُوَّتِهم على غيرِهم أُهلكوا بألطف الأشياءِ، وهي الرِّيح. ثم إنهم أُهلكوا في حالِ الرجاءِ؛ لأنَّ النِّقْمَة إذا أَتَتْ والإِنْسان يَتَوَقَّع النعمةَ، فتكون أشدّ، وكذلك إذا أتتِ النقمةُ والإِنْسانُ في نعمةٍ تكون أيضًا أشدَّ وأنكَى، والعياذُ باللهِ. وفي قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ إلى آخره موعظةٌ لنا لِمَا نَسْمَعُه أحيانًا من هذه الأعاصيرِ المدمِّرة الَّتي تُقْلِع الأشجارَ، وتَخْرِب الدِّيارَ، وتُهلِك الثِّمار، وتهلِك الإعمارَ أيضًا، ولكن - مع الأسفِ - فإنَّ الكثيرَ منّا يَصْدُقُ عليهم قولُ الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، فهذا أمرٌ طبيعيٌّ. والنَّاسُ الآنَ يَسمَعون بالزلازل، ويَسمعون بالأعاصيرِ، ويَسمعون بالفَيَضَانات العظيمةِ، ولكنَّهم لا يرونها أنها غَضَب من اللهِ ، ولكن يرون أنها أمرٌ طبيعيّ، ولهذا لا يتأثَّر الإِنْسان بها إطلاقًا، وكَأنَّها لا شيْء، بينَما ونحنُ صِغار كنَّا إذا سمِعنا أنَّ الأَرْضَ زُلزلت في أُحُدٍ نَرْتَجِف ونحن في بُيُوتنا آمنونَ؛ لأنه ما كَان أحد يقول لنا: إنه هذا أمر طبيعيّ، وهذا أمر لا يُهِمّ، وهذا أمرٌ كائن لا محالَةَ. ومثل ذلك الكسوفُ، كَان النَّاس في الماضي إذا كَسَفَ القمرُ تَحْصُل منهم رَهبةٌ عظيمةٌ، ويحصُل منهم خوفٌ، ويَحْضُرون بأعدادٍ كبيرةٍ إلى المساجدِ من رجالٍ ونساء، وتحصُل صلاةٌ، وبكاءٌ، وخوفٌ، وقد رأيتُ هذا، أما الآنَ فلا ترى شيئًا من هذا، بل تجد هذا يشاهَد في التِّلفاز أغنيةً، وهذا يسمع أغنيةً من الراديو! ويُستفاد من الآية أنَّهم قد عَصَوْا وكذَّبوا برسالةِ هودٍ، فهذه الآيةُ فيها العِنادُ،

стр. 233

وفي آياتٍ أُخْرَى ثَبَتَ أنَّهم لم يُصَدِّقوا بهود ﵇: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]، رسل الله، ولم يصدقوا عنادًا. وإن سأل سائل: ما الحِكمة في كونِ بعضِ الرُّسُلِ أو بعض الأُمَم تَكَرَّر ذِكرها في القُرآنِ كثيرًا، وبعض الرُّسُل لم يأتِ له ذِكْرٌ قطُّ؟ فالجَواب: ما ذكرَ إلا الرُّسُل المحيطينَ بالعرب، الَّذينَ كَانوا يَعرفون أنباءَهم، فيكون هذا أقوَى، لكن الَّذي يكون بعيدًا عنِ العربِ ما ذُكر، لكن نَعْلَم أنّ الله بعثَ إليهم رسلًا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، لكن ما ذكرَ الله من الرُّسُل إلَّا ما كَان حولَ الجزيرةِ. ولا يدلُّ هذا على أن الَّذينَ ذُكروا في القُرآن أفضلُ من غيرهم؛ لأن غيرَهم ما ذُكروا؛ فلا نعرِف عنهم شيئًا، إنَّما أُولو العزم الخمسة هؤُلاءِ لا شكّ أنَّهم أفضلُ من غيرِهم. حتى الأماكن والقرى التي ما اكتَشَفُوها إلّا حَديثًا، لكن هي موْجودةٌ من قبلُ، فهي موْجودةٌ من زمانٍ بلا شَكّ، وموْجود فيها أُناسٌ، ويُذكر أنّ شيخَ الإسلامِ تكلَّم عن هذا، وقال: لا بُدَّ أن هناك أحدًا في المقابلِ لوجهِ الكرةِ الأَرْضيَّة، فلا بُدَّ أن هناك أُناسًا، فلا يُمْكِن أن تُتْرَكَ الأَرْضُ بدون عِمارةٍ. وفي قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ دَليل على أن التَّكذيب سببٌ للإهلاكِ، فيَنبغي للمؤمنِ الَّذي يَعتبر بِقصصِ الأَنْبِياءِ السابقينَ أنْ يَحْذَرَ من هذا - أي: منَ التَّكذيبِ - لأنه إنْ فَعَلَ أُهلِك. * * *

стр. 234

الآيات (١٤١ - ١٤٥) * * * * قالَ اللهُ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٤٥]. * * * قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ﴾ مَا ﴿أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]. قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهذه هي القِصَّةُ الثالثةُ الَّتي يَذْكُرُها الله ﵎ دائمًا عندَ ذِكر قصَص الأَنْبياءِ، فهم يكونون في الترتيبِ بعد قومِ هودٍ: يكون هودٌ قبلَ صالحٍ، وصالِحٌ بعدَه. وثَمُودُ هي القبيلة المعروفة مَساكنهم في شَمالِ المَمْلَكَةِ العربية السُّعُودِيَّة، وتُسمَّى الآن (مَدَائِن صالِح)، وهي تُسَمَّى في الأَصْل (الحِجج)، هؤُلاءِ القومُ أعطاهم الله ﵎ قوَّةً وقُدرةً وإبداعًا في الصُّنْع، ولهذا أُوتوا بِآيَةٍ تُناسِبُ حالَهم، وهي الناقةُ؛ كما سيُذكر إن شاء للهُ. قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهم إنَّما كذّبوا رَسُولًا واحدًا لكن سَبَقَ أنْ قُلنا: إنَّ المُرْسَلِينَ جاءُوا بدعوةٍ واحدةٍ، وتكذيبُ الواحدِ مِنهم تكذيبٌ للجِنْسِ عُمومًا؛ لأن هؤُلاءِ الَّذينَ يكذّبون رسولًا لم يكذِّبوه لِعَيْنِهِ وشَخْصِهِ، ولكن كذّبوه

стр. 235

لدعوتِهِ، وهذه الدعوةُ الَّتي جاء بها هذا الرَّسُولُ المعيَّن هي دعوةٌ لجميعِ الرُّسُلِ، فكَأنَّهم كذَّبوا جِنْسَ هذه الرِّسالَةِ، فصَدَقَ عليهم أنَّهم مكذِّبون لجميعِ الرُّسُلِ. قَوْلهُ: ﴿إِذْ﴾ هذه إمّا للتعليلِ أو ظَرف للتكذيبِ، يَعْنِي: إنَّ التَّكذيبَ حَصَلَ بهذه القصَّة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، وسمَّاه أخًا لهم مع بُعد ما بين المؤمنِ والكافرِ؛ لِأُخُوَّة النَّسَب، لا لأُخُوَّة الدِّين. قَوْلهُ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، كلُّ هذه الجُمَل تَقَدَّمَ الكَلامُ عليها، وذِكْرُ الإيراداتِ على قَوْلهِ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ والجَوابُ عنها. * * *

стр. 236

الآيات (١٤٦ - ١٥٢) * * * * قال اللهُ : ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٥٢]. * * * قالَ المُفَسّر ﵀: [﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ مِنَ الخَيْرَات ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ لَطِيف لَيِّن، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ بَطِرِينَ، وَفِي قِرَاءَة: (فَارِهِينَ) (١) حَاذِقِينَ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بِالمَعَاصِي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بِطَاعَةِ اللهِ]. قَوْلهُ: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ (فِي مَا): أي في الَّذي (هَاهُنَا): الإشارة إلى مكَانِهم؛ لأنَّ مكَانَهم كما وَصَفَهُ صالحٌ ﵊: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والإسْتِفهام في قَوْلهِ: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتَّحذيرِ، يَعْنِي: أتظنُّون أن تُتْرَكُوا؟ لا، فلن تُتْرَكوا، فهو للنفيِ المُتَضَمِّن للتحذيرِ.

стр. 237

وقَوْلهُ: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبنيٌّ للمجهولِ للعلمِ بالفاعلِ، والفاعلُ هو اللهُ ، يَعْنِي: أَيَتْرُكُكُمُ اللهُ ﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾؟ وقَوْلهُ: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخرهِ، تذكيرٌ بنعمةِ اللهِ عليهم، وأنَّهم لا يُمْكِنُ أنْ يُترَكوا في هذا الحالِ بدونِ أمرٍ ولا نَهْيٍ، فهو كقولِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقَوْلِه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقَوْلهُ: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حالٌ منَ الواوِ في: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾، يَعْنِي حالَ كونِكم آمِنِينَ، والآمِنُ هو الَّذي أَمِن منَ الخوفِ، وفيه دليلٌ على استقرارِهِم في أوطانِهم، وأَمْنِهِم، والأمنُ معَ الرِّزق الواسعِ هما غايةُ النعمةِ في هذه الحياةِ. قَوْلهُ: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ والجنَّات جمع جنَّة، وهي البساتينُ الكَثِيرَةُ الأشجارِ؛ لأنها تَسْتُر مَن فيها، وقَوْلهُ: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمعُ عينٍ، وهي المياهُ الجاريةُ بدونِ دوالٍ ولا نواضِحَ. قَوْلهُ: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ عطفَ ما ذكرَ على الجنَّات من بابِ العطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ للعنايةِ به، وإلَّا فهو داخلٌ في الجنات؛ فإنَّ الزُّروع منها والنخيل كذلك. والطَّلْع يَعْنِي: ما تطلعه، وقَوْلهُ: ﴿هَضِيمٌ﴾: يقول: [لطيف لَيِّن]، والأمرُ كذلك؛ فإنَّ طَلْعَ النَّخيل من أَلين ما يكونُ وألطفه. وقيل: إنَّ الهضِيم بمَعْنى النَّضِيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ١٠ - ١١]، يَعْنِي أنه منضودٌ ليسَ متفرِّقًا لأجلِ أنْ يَسْهُلَ أخذُه وَجَنْيه.

стр. 238

وإنَّما نصَّ على الطَّلْع دونَ غيره من الفوائدِ معَ كثرةِ فوائدِ النخيلِ؛ لأنه غاية ما يُنْتَفَعُ به منها، وإلَّا ففيها منافِعُ كَثِيرَةٌ، ولهذا شبّه النَّبيُّ ﷺ المؤمِنَ بها؛ لكثرةِ خيراتِه وفوائدِهِ، هذا من حيثُ الزُّرُوعُ والتنميةُ. أما من حيثُ البناءُ والمساكنُ فقال: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾، قال المُفسِّر ﵀: [بَطِرين، وفي قِراءَة: (فَارِهِينَ) حاذقينَ]. قَوْلهُ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المُراد بالنَّحْت منَ الجبال أنَّهم يَجعلون البيتَ من الجبلِ، وليس معناه أنَّهم يَنحِتُون الحَصَى ثم يَبْنُونَها، ولكنهم يجعلون البيتَ نفسَه منَ الجبلِ، فيكيّفون الجبلَ كما يريدونَ، وهو دَليل على مَقْدِرَتِهِم، وعلى كمالِ مَعْرِفَتِهِم بالهندسةِ؛ لأن شيئًا ليسَ أمامك، بل هو في باطنِ الحصَى والجبال والصخور، فتحتاج إلى تفكيرٍ قويٍّ كيف تَصْنَعُه؟ وكيف تجعلُ مَدْخَلَه؟ وكيف تجعل منه استراحةً؟ ... إلى آخرِهِ. فهو دليلٌ على قُوّتِهِم، وعلى حَذْقِهم في الهَنْدَسَةِ. وكلمة: ﴿فَارِهِينَ﴾ يَعْنِي: بَطِرِينَ، فهي صفةٌ مُشَبَّهة، و (فَارِهِينَ) بالمَدّ اسمُ فاعلٍ، والمُرادُ به الحَذْقُ. واختلافُ القراءَتَيْنِ تكون فيه فائدةٌ، وهي اجتماعُ المعنيينِ من هذه الكلمةِ، فيكونون متَّصِفينَ بالأمرينِ: بالبَطَر بِناءً على قِراءَةِ القَصْرِ، وبالحَذْقِ بناءً على قِراءَةِ المدّ، وهذا من فوائدِ تنوُّعِ القِراءَةِ؛ لأن تنوُّعَ القِراءَةِ له فوائدُ كَثِيرَة؛ منها أن تكونَ الكلمةُ جامعةً لمعنيينِ. قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ هذه الجُملةُ مثلما تَقَدَّمَ في قِصَّة عادٍ؛ إما أنْ تكونَ مبنيةً على ما ذُكِر، وإما أن تكونَ مكرَّرةً لما سَبَقَ، فعلى الأوَّل تكون تأسيسًا، وعلى

стр. 239

الثَّاني تكون تأكيدًا، والمَقام مهمٌّ جدًّا، ويَحتاج إلى أن تُكرَّر فيه هذه الكلمةُ، وهي تقوى الله، وطاعة الرَّسُول ﷺ . وقَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ هذا أمرٌ ونهيٌ: أمرٌ بِتَقْوَى اللهِ وطاعته، ولكنَّه نهيٌ عن طاعةِ أَمْر المسْرِفِينَ، واحد الأوامر، يَعْنِي: لا تُطيعوا أمرَهم. ولماذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وما قال: وأَطِيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ولم يقلْ: لا تُطيعوا المسرفينَ في إفسادِهِمْ؟ والجَواب: أنَّه يَنهاهم عن طاعةِ أمرِ المسرفينَ، في أنَّهم كبار القومِ ووُجَهَاؤُهُمْ، وأنَّهم يأمرونَ، فهذا أبلغُ مِن لو قالَ: ولا تُطِيعُوهم. ولو قال: لا تطيعوا المسرفينَ أنفسَهم، ربما يُقالُ: إن هذا لِعَدَاوَةٍ بينه وبينهم، فهو لا يريدُ أن يُطاعوا، وأمرَ بطاعةِ نفسِه، لكن لما قال: ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ فكَأنَّه يقول: أنا لا يُهِمُّنِي أن يكونَ هذا من فلانٍ أو من فلانٍ، ولكن الكَلام على أنه أمرٌ من مُسْرِف؛ لأجلِ أنْ يُبعِد اتِّهامَه بأنَّه لا يريدُ المسرفينَ أنفسهم، حيث وجّه النهيَ عن طاعتهم لأنفسِهم، فجعلَ النهيَ عن طاعةِ أمرِهِمُ الَّذي هو أمرُ إسرافٍ وفسادٍ. وقَوْلهُ: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ يَعْنِي المُتَجاوِزِينَ للحَدّ، فالمسرِفُ: مَن جاوَزَ حدَّه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، أي لا تَتَجَاوَزُوا الحَدَّ كَمِّيَّةً ولا كيفِيَّة.

стр. 240

ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصِّفَةُ كاشفةٌ وليستْ قَيْدًا؛ لأن كلَّ مُسْرِفٍ في الأَرْض، فالصِّفَةُ كاشفةٌ، وقَوْلهُ: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يكونون سببًا في فسادِها، أو أنَّ المعاصيَ نفسَها فسادٌ. يَعْنِي: إما أنْ تكونَ هي الفسادَ فيفسدون، من بابِ إضافةِ الشيْءِ إلى سببِهِ، وإمّا أن تكونَ المعاصي سببًا للفسادِ، أو أنها هي نفسها فسادٌ. قَوْلهُ: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ في طاعةِ اللهِ، ولا بغيرِها أيضًا. وفي قَوْلهِ: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليلٌ على فسادِهِم، وأنه ليس فيها صلاحٌ، فالنفيُ هنا يُقْصَدُ به النفيُ للإصلاحِ معَ إِثْباتِ كمالِ ضِدِّه، وهو الفسادُ: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وقول المُفسِّر ﵀: [بطاعة اللهِ]، الطَّاعة نفسها إصلاحٌ بلا شَكّ، وهي أيضًا سببٌ للإصلاحِ؛ فإنَّ طاعةَ اللهِ تَعالَى سببٌ لِصَلاح كلِّ شيْءٍ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. * * *

стр. 241

الآيتان (١٥٣، ١٥٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤]. * * * قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ الَّذِينَ سَحَرُوا كَثِيرًا حَتَّى غَلَبَ عَلَى عَقْلِهمْ, ﴿مَا أَنْتَ﴾ أَيْضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فِي رِسَالَتك]. هذا جَوابُهُم، حيثُ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ اتَّهَمُوه بأنَّه مسحورٌ, ومُسَحّر أبلغُ من مَسْحُور أيضًا. وقَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعمّ الأحوالِ، يَعْنِي: ما حالُك أبدًا تَخْرُجُ عن هذا الوصفِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. وقال المُفَسِّر ﵀: [الَّذينَ سُحِروا كثيرًا حتى غلب على عقلهم]، هذا - والعياذُ بالله - جَوابُهم، مثلما أجابَ به كثيرٌ منَ النَّاس، بل إنَّما كلّ الأَنْبِياء يُقالُ لهم مثلُ هذا: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]؛ وذلك لأَنَّه لا حُجَّة لهم، وكلُّ إِنْسانٍ ليس عنده حُجَّة إنَّما يَذْهَب إلى السَّبِّ والشَّتْم، ويظنُّ أنه بذلك يُنَفِّر عَمَّن خَصَمَه وعَجَزَ عن مُقَابَلَتِه، وأمَّا الإِنْسان الَّذي عنده حُجَّة فإِنَّه لا يَلْجَأُ إلى الشَّتم، وإلى السبِّ، ولهذا يُعابُ على

стр. 242

بعضِ العُلَماء أن يكونَ دأبُهُ السَّبّ والشتم معَ خُصُومهم. وكان ابنُ حَزْمٍ ﵀، وعَفَا عنه - شديدًا في المناقشةِ، ولو كَان يُناقِشُ بهدوءٍ لكَان أحسنَ له، وأمّا السبُّ والشَّتم في قومٍ هم مثلُه أرادوا أنْ يَصِلُوا إلى الحقّ، فهذا لا يَنبغي، ولا يَليق به، ولا يَليق بالإِنْسانِ العامِّيِّ، فضلًا عن العالِمِ، فالمقصودُ ليسَ هو التهجُّم على الشخصِ، فالمقصودُ أن يردّ على المقالةِ وتَبطُل، لكن أعداء الرُّسُل ليس عنْدَهُم ما يُقاوِمُون به ما جاءتْ به الرُّسُل، فلهذا يلجئُون دائمًا إلى السبّ والشتمِ. ولا شكّ أنّ اتِّهامه بأنه مِن المسحَّرين كَذِب، بل هو من أعقلِ النَّاسِ ﵊، ولولا أنه أعقلُ قومِهِ ما جعلَ اللهُ الرِّسالَةَ فيه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فهو أعقلُهم، وأكثرُهم أمنًا، وأقواهم صَبرًا. أما قولهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فهذا صَحِيحٌ، لكن هذه العِلَّة غير مانعةٍ من أن يكونَ رسولًا، ولهذا قالتِ الرُّسُلُ لقومِهم الَّذينَ احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وهذا جَوابُ هذه الشُّبهة، فهي شُبهة جعلوها حُجّةً، فيُقال: وإذا كَان بشرًا مثلكم، فلا مانعَ من أنْ يَمُنَّ اللهُ عليه بالرِّسالَةِ. وأيضاً لا يُمْكِن أن يرسِلَ اللهُ أحدًا إلى البَشَرِ إلَّا مِنَ البَشَرِ، حتى ولو جُعِل مَلَكًا كما اقترحَ لجُعِل بسُورَةِ الرَّجُل، ثم عاد الأمرُ على هؤُلاءِ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا، فلم يَستفيدوا من ذلك شيئًا.

стр. 243

قَال المُفسِّر ﵀: [﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رِسالتك]، لو اقتَصَرُوا على قَوْلِهِم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ لكَانَ هذا كَلامًا سليمًا؛ لأنَّ كلَّ إِنْسانٍ يَأتيه بَشَرٌ مثله ويقول: إنني رَسُولُ ربِّ العالمينَ، فسيقول: هاتِ آيةً ودَليلًا، وإلَّا لأمكنَ كلَّ كذّابٍ أنْ يدَّعِيَ النبوَّةَ، وأنْ يَسْتَحِلّ دماءَ غيرِه وأموالهم بهذه الدعوَى الكاذبةِ. فقولُهم: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ صَحِيحٌ، لكن ما المُرادُ منه، هل يُرادُ به التحدِّي أم الإسترشادُ؟ يَظهَر من حالِهم أن المُرادَ به التحدِّي، يَعْنِي أنَّه لا يُمْكِن أنْ يأتيَ بآيةٍ، على حدِّ قولهم: إنه مُسَحّر، وقولهم: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ يدلّ على استبعادهمْ أنْ يكونَ كذلكَ، وعلى أنَّهم يُريدون بهذا التحديَ له. * * *

стр. 244

الآيات (١٥٥، ١٥٩) * * * * قالَ اللهُ : ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. [الشعراء: ١٥٥ - ١٥٩]. * * * قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ نَصِيبٌ مِنَ المَاءِ, ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بِعِظَمِ الْعَذَاب, ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ عَقَرَهَا بَعْضُهمْ بِرِضَاهُمْ ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ عَلَى عَقْرِهَا , ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الَمْوعُودُ بِهِ فَهَلَكُوا , ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾]. أجابَهُمْ ﵇ بقَوْلهِ: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾، فهذه الناقةُ آيَةٌ أعظمُ مِمَّا يَصْنَعُونه منَ الحِجَارة، وما يَزْرَعُونه مِنَ الزُّرُوع، ويَغْرِسُونه منَ الأشجارِ؛ لأنها خَرَجَتْ عنِ النُّوق الأُخرى، فلم تكنْ مثلَ النُّوقِ المعروفةِ المألوفةِ. ووجهُ كَوْنِها آيةً بَيِّنَهً في قَوْلهِ: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، هذا وجهُ الآيةِ في هذه الناقةِ. وأمّا ما جاءَ في الإسرائيليَّاتِ مِن أنَّها خَرَجَتْ من صخرةٍ، فهذا لا أصلَ له،

стр. 245

ولو كَانَتْ كذلك لذُكِرَ في القُرآنِ؛ لأن خُرُوجَها من صخرةٍ - وهي من الحيوانِ - أشدُّ وأظهرُ وأجلَى في الآيةِ مِن كونها لها شِرب ولهؤُلاءِ شِرب. والصَّوابُ أن يُقال: إن هذه الناقةَ ناقةٌ وُلدتْ من نُوق، ولكن لها مَزِيّة على غيرِها، وهي هذه المزيّة العظيمةُ: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، يَعْنِي أنها هي تَشْرَب منْ هذا البِئر، فتأتي وتَشرب، واليوم الثَّاني تَذهب وتَرعى، لكن في اليومِ الَّذي تَشرب قال أهلُ العِلْم: إنَّ كلَّ مَن أعطاها دَلوًا منَ الماءِ أَعْطَتْه دَلوًا منَ اللَّبَن، فصاروا هم يَشربون يومًا لَبنًا، ويومًا ماءً، وهذا اللَّبَن يأخذونه من هذه الناقةِ، وهذا بلا شَكّ من آياتِ اللهِ؛ إذ لا توجدُ ناقةٌ على هذه الصِّفَةِ. وقَوْلهُ: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ كَان هذا الشِّرب مُؤَقَّتًا بوقتٍ جَعَلُوه لأنفسهم، بحيثُ لا يَلْتَبِس على مَن ليسَ في البَلَد حتى لو كَان الإِنْسان في خارجِ البلدِ يعرف أن اليومَ يومُ الناقةِ، أو أنَّ اليومَ يومُ النَّاسِ، فيأتي وَيرِد هذه البئرَ ويَشرب منها، أو يَرد الناقة بيومها فيَشرب مِن لَبَنِها، وهذه هي الفائدةُ من قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. قَوْلهُ: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يقول المُفَسِّر: إنه عَظيمٌ في عِظَم العذابِ، يَعْنِي: وليسَ اليوم نفسه هو العظيم، ولكن لِوُقُوع العذابِ فيه صارَ عَظيمًا، و ﴿عَظِيمٍ﴾ وصفٌ لليومِ. وهل هو وصفُ مَدْح أم وصف ذمٍّ؟ هو في الحَقِيقَة وصفُ مَدْح، ودليلٌ على القُوَّة فيما وصف به، حتى إنْ كَان عذابًا فهو دليلٌ على قوّة العذاب، وإنْ كَان خيرًا فهو دليلٌ على قوَّة هذا الخيرِ،

стр. 246

فالعَظَمَةُ مِن حيثُ هي مَعْنى من المعاني تدلُّ على الكمالِ والمدحِ، سواء كَان هذا في عذابٍ أو في نعمةٍ. وقَوْلهُ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كثيرٌ منَ النَّاسِ يَتَحَاشَوْنَ أنْ يَصِفُوا المخلوقَ بـ (العظيم)، ولكن الحَقِيقَة لا وجهَ لهذا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]، فوصَفَ اللهُ تَعالَى بالعِظَم نفسَه وكَلامَه ووحيَه، ووصفَ به أيضًا بعضَ مخلوقاتِهِ، ممّا يدلّ على أنّه لا بأسَ به. وقد كَان النَّاسُ يَتَحاشَوْن أيضًا قَول (المُعَظَّم)، وهذا أيضًا لا يُتحاشى منه، والسَّبَبُ أنه معظَّم ليس عظيمًا، فـ (المعُظم) قد لا يكون عظيمًا، فقد يُعَظَّم مَن ليس بِعَظيمٍ، وهو أقلّ رُتبةً من العظيم؛ فإذا كَان (العَظيم) جائزًا إطلاقُه، فـ (المعظَّم) من باب أَولى. ثم قال الله : ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: عَقَرَها بعضُهم بِرِضاهم، ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ على عَقرها، ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود به، فهلكوا]، فهو ﵇ قال لهم: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾، ولكنَّهم مَسُّوها بأسوأ السُّوء - والعياذُ بالله - فعَقَروها، والظَّاهرُ أنّ المُرادَ بالعقرِ القتلُ، وليس قطعَ الأرجُل فقطْ، بل أنّهم أَهلكوها، فعُوقِبوا بمثلِ ما جَنَوْا. وهل أصبحوا نادمينَ على ما فَعَلُوا من ذنبٍ، أم أنَّهم نَدِموا على ما فَاتَهُمْ من مَصلحتها؟ الظَّاهر أنَّهم نَدِموا على المصلحةِ؛ لأنَّهم ما بعدُ أَتاهمُ العذابُ، فالظَّاهرُ أنَّهم نَدِموا على ما فاتَهُمْ منَ المصلحةِ الدنيويَّة؛ لأنّهم لو ندِموا على الذّنْب لكَانوا تائبينَ،

стр. 247

ولمَا استحقُّوا العذابَ، لكن نَدِموا على مَصْلَحَتِهِم فقد كانوا يَشربون مِن لَبَنِها، ثم فاتَهم هذا. وقد بَقُوا بعد ذلك ثلاثةَ أيامٍ، والحكمةُ من هذه الأيَّام الثلاثةِ - واللهُ أعلمُ - لعلَّهم يَتُوبُونَ، ولكنَّهم لم يَتُوبوا، وقد أُخِذ منْ هذا استتابة المرتَدّ ثلاثةَ أيَّام، فإنْ تابَ وإلا أُجري عليه الحدُّ، على خِلافٍ بينَ أهلِ العِلْم في هذه المسألةِ. والمهمُّ أن هؤُلاءِ لم يَنْدَمُوا على فِعل المعصيَةِ، ولو ندِموا لكَانَ توبة، ولكنهم ندِموا على ما فاتهم من حَظِّ الدنيا فقطْ. قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعودُ به، فهَلَكُوا]، إلَّا أنَّ اللهَ تَعالَى أنجَى صالحًا ومَن معَه. وقولُه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ معلومٌ أنّهم لم يكونوا كلّهم عَقَروها، ولكن لَمَّا كَان برِضا الجميعِ، ومِن زُعَمائِهِم، فنُسِب إليهم جَميعًا، ففِعل الطائفةِ منَ الأُمَّة يُعتبَر فعلًا للجميعِ إذا لم يُنكِروه، فإذا سَكَتُوا ولم يُنْكِروه فهو فِعْل الجَميع، ولهذا يذكِّر اللهُ تَعالَى الْيَهُودَ في عهد الرَّسُولِ ﷺ بما فعلَ أسلافُهم، ويُخاطِبُهم به مُخَاطَبَةَ الفاعلِ؛ لأنها أُمَّة واحدة، فإذا لم تُنْكِر ما كَان عليه أسلافُها، نُسب للجميعِ. وما هو العذابُ الَّذي أَخَذَهُم؟ الجَواب: صَيْحَة ورَجْفَة، يَعْنِي: رَجَفَ اللهُ بهم الأَرْضَ وصاحَ بهم جِبريلُ، فماتوا، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]، - والعياذُ باللهِ - صَرَعى كنفسٍ واحدةٍ. وفي هذا دليلٌ على كمالِ قُدرة اللهِ وأنّ الله تَعالَى قادرٌ على كلِّ شيْءٍ، ولا يُعْجِزُه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي

стр. 248

الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، ولو أَنَّنا عَقَلْنَا - نحن المسلمينَ - وآمنَّا حقيقةَ الإيمانِ، ما كنّا بهذه الحالِ الَّتي نحن عليها، يَعْنِي: ما كنّا نخاف النَّاس أكثر ممّا نخاف الله. فالإِنْسانُ لا بُدَّ أن يخافَ ويَرْجُو، لكن إمّا أن يخاف اللهَ أو يخاف غيرَه؛ فإن خافَ اللهَ خافَهُ النَّاس، وإنْ خاف غيرَ اللهِ استولَى عليه هذا الخوفُ، وهذا صَحِيحٌ وحقّ، فإنَّ مَن خافَ اللهَ خافَه كلّ شيْءٍ، ومَنِ اتَّقَى اللهَ اتَّقاه كلُّ شيْءٍ، والعكسُ بالعكسِ. فعلينا جميعًا أن نكونَ واثقينَ بوعدِ اللهِ غيرَ ناظرينَ إلى الأسْبابِ الحاضرةِ، ولو نَظرنا نظرةً مادِّيَّة مَحْضَةً، لكنّا لا يُمكِن أن نَتَكَلَّم معَ هؤُلاءِ، أو أنْ نَتَحَدَّاهم في تنفيذِ الشريعةِ ومُحاربتهم، لكن يجبُ أن لا نَنْظُر إلى هذه الأسْبابِ الحاضرةِ، ويجب أن ننظرَ إلى أسْبابٍ أُخْرَى فوق المادَّة. ولهذا مَن نَظَرَ إلى هذه الأسْبابِ - المشاهدة الطبيعيَّة - لا يَستقيمُ له أمرٌ، فالصَّحَابة ﵃ عِندَما جاءتِ الفُرْسُ والرُّوم لم يَنْظُروا إلى هذه الأسْبابِ، فقد كَانوا يحاصِرون المدينةَ العظيمةَ لمدَّةٍ، ثم يَخْرُجون في الصَّبَاح، فيكبّرون اللهَ، فإذا كبّروا تصدّعتِ الأسوارُ، وهذا شَيْءٌ مُتواتِرٌ في التاريخِ عنهم، أنَّهم يُحاصِرون المدينةَ مُدَّةً، ثم إذا كبَّروا اللهَ كَأنَّها صَوَارِيخ وقنابل تَصَدّع هذه الجُدران، ولكنه تكبيرٌ يَخْرُج منَ القلبِ. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقومُ صَالِحٍ بِغَضِّ النظَرِ عن عَقْرِ الناقةِ قدْ آمَنَ قليلٌ مِنهم باللهِ.

стр. 249

فإنْ قيلَ: كيف أخذت منهم أحكام المُرْتَدّ وهم أصلًا لم يُؤْمِنوا؟ قلنا: أخذ هذا من إمهالِ اللهِ لهم ثلاثةَ أيامٍ، فصار أننا نُمْهِل الكفّار ثلاثةَ أيامٍ، لكنّ الكفّارَ الأَصْليِّينَ في الشريعةِ الإسلاميَّة لهم أحكامٌ خاصَّة، كإقرارهم بالجِزْيَة مثلًا، وغيرهم ممَّن لا يقرّ على دينه وهو المرتدّ يُنْظَر ثلاثةَ أيَّام، والمسألةُ خِلافيَّة، ثم إنَّ الرِّدَّة أيضًا تَختلف: فمِن الرِّدَّة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يُمهَل. وهل كان قومُ صالحٍ كلّهم يَشربون من بِئرٍ واحدةٍ؟ نقول: لعلَّ هذه البِئر هي الصَّالحةُ في الشُّربِ، وغيرها لا تَصْلُحُ للشُّرب، المهمُّ أنَّ أصلَ شُربهم من هذهِ البئرِ، ولهذا قسّم وقتها: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ولا مانعَ أيضًا من أن تكونَ هذه البِئْر تَسقي كلَّما أمكن، لكن الأقرب - والله أعلم - أنَّ البساتينَ مُنْتَشِرة فيها العيونُ، وأنَّ هذه البِئر هي الَّتي يأخذون منها ماء الشُّرب. فإن سألَ سائلٌ: لماذا منع الرَّسُولُ ﷺ منَ الشُّرب من مائهم حين مَرَّ بدِيارهم؟ فالجَواب: لأنَّ استعمالَ هذا الماءِ يؤدِّي إلى النزولِ فيه والطُّمأنينة، والرَّسُول ﵊ لَمَّا مرّ بها مرَّ مقنِّعًا رأسَه وأسرَعَ، وقال: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ القَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (١)، فالمسألةُ ليستْ هيِّنَةً، والعجيبُ أنَّ كثيرًا منَ النَّاس اليومَ يذهبونَ

стр. 250

إليها مَذْهَبَ الفُرْجَة والنُّزْهَة، وهذا حَرامٌ، لا يجوزُ. ولا يُعارِضُ هذا قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥]؛ لأنَّهم كافرونَ؛ أي أنّ فِعْلَهم لا يدلُّ على الجواز. أو يُقال: إنَّ شَرِيعَتَنَا وردتْ بخلافِ ذلكَ في التحريمِ، وأمَّا قولُ بعض النَّاس: الأَرْض كلّها لا تَخلو من أممٍ مكذِّبة، فأنا أقول: نعم، الأَرْضُ كلُّها لا تخلو من أممٍ مكذِّبة، لكن مَن قال: إن هذا المكَان المعيَّن مكَان أُمَّة مكذِّبة. والأحقافُ في الأَصْلِ يجوزُ أن نَزُورَها؛ لأننا لا نَعْلَم مَساكِنَهم بعينها، لكن ثَمُود مساكنهم موْجودةٌ بعينها، فإذا دخلها الإِنْسانُ كَأنَّه داخلها بذلك الوقتِ، ولهذا منعَ الرَّسُولُ ﷺ منَ الدخولِ إلَّا والإِنْسان باكٍ، فقال ﵊: "فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ"، لكن عندنا اليومَ يدخلون ومعهم آلاتُ التصويرِ. فإن قيل: وهل شَدُّ الرَّحْل لِزِيَارةِ مساكنِ ثَمُودَ محرَّم؟ قلنا: شدُّ الرَّحْل لغيرِ التعبُّد ليسَ فيه مانعٌ، فكلُّ النَّاسِ يَشُدُّون الرِّحال للتِّجارة ولغيرِ التجارةِ، لكن شَدّها للنُّزهة فهذا حرامٌ. أمَّا أن يذهبَ للخُشُوع والتعبُّد بتذكُّر مآلِ هؤلاءِ الجبَّارين لَمَّا عَصَوْا أمرَ ربِّهم، فقد يُقال: إن هذا لا بأسَ به، على أنَّ المسألةَ فيها نظرٌ، فقد يُقال: إنّ الإعتبارَ بما في القُرآنِ أبلغُ بما في البُنيان، لكنَّه أهونُ منَ الَّذي يذهب للنُّزهة والفُرجة، فزيارةُ هذه المساكنِ مَشروطةٌ بأنْ يَعْتَبِرَ الإِنْسانُ.
следующие страницы →