← Фикх общий

Фикх общий · id 5597

تهذيب الآثار - الجزء المفقود

ابن جرير الطبري

Полный текст (553 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٧٣٦ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَن إِسْمَاعِيل، عَن أبي رَجَاء العطاردي، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: " نَادَى رجل رجلا -، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم ﴿فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: مَا تشَاء؟ فَقَالَ: لَيْسَ إياك أردْت﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " تسموا باسمي، وَلَا تكتنوا بكنيتي ". ٧٣٧ - وحَدثني يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الوَاسِطِيّ، قَالَ: أخبرنَا يزِيد، قَالَ: أخبرنَا حميد الطَّوِيل، عَن أنس، قَالَ: " نَادَى رجل: يَا أَبَا الْقَاسِم ﴿فَالْتَفت النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ لم أعنك! فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " تسموا باسمي، وَلَا تكتنوا بكنيتي ".

стр. 387

٧٣٨ - وحَدثني زَكَرِيَّا بن يحيى بن أبي زَائِدَة، قَالَ: حَدثنَا عمر بن حبيب، عَن حميد، عَن أنس، عَن النَّبِي ﷺ َ - بِنَحْوِهِ. ٧٣٩ - وحَدثني يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يحيى بن أَيُّوب، عَن حميد الطَّوِيل، عَن أنس بن مَالك، أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ رجل: يَا أَبَا الْقَاسِم ﴿فَالْتَفت رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ الرجل: إِنِّي لم أعنك، إِنَّمَا عنيت فلَانا﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " تسموا باسمي، وَلَا تكنوا بكنيتي ". ٧٤٠ - وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد الْهِلَالِي وَإِسْحَاق بن زِيَاد الْعَطَّار، قَالَا: حَدثنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن أنس بن فضَالة بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا جدي، عَن أَبِيه، قَالَ: " قدم رَسُول الله ﷺ َ - الْمَدِينَة، وَأَنا ابْن أسبوعين، فَأتي بِي إِلَيْهِ فَمسح على رَأْسِي، وَقَالَ: " سموهُ باسمي ،

стр. 388

وَلَا تكنوه بكنيتي ". قَالُوا: فَأذن النَّبِي ﷺ َ - فِي التسمي باسمه، وَنهى عَن التكني بكنيته. قَالُوا: فَغير جَائِز لأحد صَحَّ عِنْده الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ َ - بذلك أَن يتكنى بكنيته أَو يكني ولدا بِأبي الْقَاسِم. فَأَما التسمي باسمه أَو تَسْمِيَة ابْنه باسمه فَجَائِز. وَقَالَ آخَرُونَ: غير جَائِز لأحد أَن يتسمى باسم النَّبِي ﷺ َ - أَو أَن يُسَمِّي ابْنا لَهُ باسمه ! (" ذكر بعض من رُوِيَ ذَلِك عَنهُ ") ٧٤١ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن هِشَام، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن قَتَادَة، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، قَالَ: " كتب عمر

стр. 389

إِلَى أهل الْكُوفَة: أَلا يسموا أحدا باسم نَبِي ". وَعلة قائلي ذَلِك من الْأَثر مَا: ٧٤٢ - حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنَا هِشَام أَبُو الْوَلِيد، قَالَ: حَدثنَا الحكم بن عَطِيَّة، عَن ثَابت، عَن أنس قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ َ -: " تسمون مُحَمَّدًا ثمَّ تسبونه ". ٧٤٣ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا الحكم بن عَطِيَّة، عَن ثَابت، عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " تسمون أَوْلَادكُم مُحَمَّدًا ثمَّ تلعنونهم! ". وَالصَّوَاب من القَوْل فِي ذَلِك - عندنَا - أَن يُقَال: كل هَذِه الْأَخْبَار

стр. 390

الَّتِي وَردت عَن رَسُول الله ﷺ َ - بِمَا ذكرت صَحِيحَة ( ﴿) وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك مدافعا غَيره، وَلَا نَاسخ فِيهِ، وَلَا مَنْسُوخ. وَلَو كَانَ فِي ذَلِك نَاسخ أَو مَنْسُوخ، لقد كَانَت الْأمة نقلت بَيَان ذَلِك كَمَا نقلت مَا رَوَت مِمَّا ذكرنَا، وَإِنَّمَا كَانَ نهي النَّبِي ﷺ َ - عَن التكني بكنيته تكرها لَا تَحْرِيمًا وحظرا. وَكَانَ إِطْلَاقه لعَلي فِي تَسْمِيَة ابْنه باسمه، وتكنيته بكنيته إعلاما مِنْهُ أمته أَن نَهْيه عَن الْجمع بَين اسْمه وكنيته أَو التكني بكنيته كَانَ على مَا ذكرنَا من التكره، لَا على الْحَظْر وَالتَّحْرِيم. وَذَلِكَ أَن ذَلِك لَو كَانَ على الْحَظْر وَالتَّحْرِيم، لم تجْهَل الْأمة ذَلِك، وَلم يُطلق الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار التسمي باسم النَّبِي ﷺ َ - والتكني بكنيته لمن فعل ذَلِك، وَلَا نكروه﴾ وَقد سمى جمَاعَة مِنْهُم وَلَده مُحَمَّدًا، وكناه أَبَا الْقَاسِم، فَلم يُنكر ذَلِك على من فعله مِنْهُم مُنكر ﴿وَفِي تَركهم النكير على من فعل ذَلِك، ورضاهم بِمَا فعل من ذَلِك: الدَّلِيل الْوَاضِح على أَن نهي النَّبِي ﷺ َ - عَمَّا نهى من الْجمع بَين اسْمه وكنيته أَو التكني بكنيته، كَانَ على مَا وصفت من الْكَرَاهَة، لَا على وَجه الْحَظْر وَالتَّحْرِيم، وَأَن إِطْلَاقه لمن أطلق ذَلِك كَانَ على مَا بيّنت عَاما لجَمِيع أمته، وعَلى مَا قلت من قَصده إِلَى الْبَيَان لأمته من أَن نَهْيه كَانَ على وَجه الْكَرَاهَة، لَا على التَّحْرِيم﴾ فَإذْ كَانَ الْأَمر فِي ذَلِك كَالَّذي وَصفنَا، فَأحب الْأُمُور إِلَيّ أَلا يتكنى أحد بِأبي الْقَاسِم تكرها لَا تَحْرِيمًا. فَإِن تكنى بذلك فَأحب إِلَيّ أَلا يتكنى بِهِ من كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا؛ لِئَلَّا يكون جَامعا بَين اسْم النَّبِي ﷺ َ - وكنيته. فَإِن تكنى بعض من كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا لم أره تقدم على مَعْصِيّة لله، وَلَا أَنه لزمَه بِفِعْلِهِ ذَلِك إِثْم، وَإِن كرهته لما قد بيّنت قبل !

стр. 391

(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ َ - ") ٧٤٤ - حَدثنَا الْحسن بن أبي يحيى بن السكن الْمَقْدِسِي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الشَّاذكُونِي، عَن أبي أُميَّة بن يعلى، عَن نَافِع، عَن أسلم مولى عمر، عَن طَلْحَة بن عبيد الله، أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". (" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ") وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده، وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح، لعلل: إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج عَن طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم، مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ. وَالثَّانيَِة: أَن رَاوِيه: أَبُو أُميَّة بن يعلى، وَأَبُو أُميَّة - عِنْدهم - مِمَّن لَا يجب بنقله حجَّة. وَالثَّالِثَة: أَن ناقله عَنهُ: سُلَيْمَان الشَّاذكُونِي، وَهُوَ - عِنْدهم - غير مرضِي فِي نَقله.

стр. 392

وَقد وَافق طَلْحَة فِي رِوَايَة هَذَا الْخَبَر، عَن رَسُول الله ﷺ َ - جمَاعَة نذْكر مَا صَحَّ - عندنَا - من ذَلِك بِسَنَدِهِ، ثمَّ نتبع جَمِيعه: الْبَيَان إِن شَاءَ الله . (" ذكر ذَلِك ") ٧٤٥ - حَدثنَا أَبُو كريب وَمُحَمّد بن عبيد الْمحَاربي قَالَا: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش، عَن أبي حُصَيْن، عَن سَالم، عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". ٧٤٦ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن مَنْصُور، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تصلح الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ".

стр. 393

٧٤٧ - وَحدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا جرير، عَن مَنْصُور، عَن سَالم، قَالَ: " لَا تصلح الْمَسْأَلَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". ٧٤٨ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: أخبرنَا حُصَيْن، عَمَّن حَدثهُ، عَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". ٧٤٩ - حَدثنَا صَالح بن مِسْمَار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: أَظُنهُ منصورا، عَن أبي حَازِم، عَن أبي هُرَيْرَة، يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " لَا تصلح الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". ٧٥٠ - وحَدثني عبد الرَّحْمَن بن الْأسود الطفَاوِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن ربيعَة الْكلابِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن ريحَان بن يزِيد، عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ".

стр. 394

٧٥١ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن ريحَان بن يزِيد، عَن عبد الله بن عَمْرو، عَن النَّبِي ﷺ َ - بِمثلِهِ. ٧٥٢ - وَحدثنَا تَمِيم بن الْمُنْتَصر الوَاسِطِيّ، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق، عَن سُفْيَان، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن ريحَان بن يزِيد، عَن عبد الله بن

стр. 395

عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - فَذكر مثله . ٧٥٣ - وَحدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن ابْن يزِيد العامري، عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". ٧٥٤ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا مُعَاوِيَة، عَن سُفْيَان، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن ريحَان بن يزِيد العامري، عَن عبد الله بن عَمْرو، عَن رَسُول الله ﷺ َ - مثله. ٧٥٥ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: سَمِعت ريحَان بن يزِيد، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو يَقُول: " لَا تصلح الْمَسْأَلَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة قوي ". ٧٥٦ - وحَدثني عَليّ بن سعد الْكِنْدِيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان، عَن مجَالد، عَن عَامر، عَن حبشِي بن جُنَادَة السَّلُولي، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - فِي حجَّة الْوَدَاع، وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة، إِذْ أَتَاهُ أَعْرَابِي، فَأخذ بِطرف رِدَائه، فَسَأَلَهُ إِيَّاه، فَأعْطَاهُ وَذهب! فَعِنْدَ ذَلِك حرمت الْمَسْأَلَة، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي، إِلَّا لذِي فقر مدقع أَو غرم مفظع. وَمن سَأَلَ ليثري بِهِ مَاله، كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، ورضفا يَأْكُلهُ فِي جَهَنَّم، فَمن شَاءَ فَلْيقل وَمن شَاءَ فليكثر ".

стр. 396

٧٥٧ - حَدثنِي عَمْرو بن مَالك، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث، أَن بكير بن الْأَشَج حَدثهُ، أَن أَبَا ثَوْر حَدثهُ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ".

стр. 397

(" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذَا الْخَبَر من الْفِقْه ") وَالَّذِي فِيهِ من ذَلِك: إبانة النَّبِي ﷺ َ - عَن تَحْرِيم الصَّدَقَة للغني عَنْهَا، وللصحيح الْجِسْم، الْقوي على الاحتراف، المستغني بحرفته وَكَسبه عَن الصَّدَقَة. فَإِن قَالَ قَائِل: أفكل الصَّدَقَة حرَام على الْغَنِيّ، وَذي الْمرة السوي؟ أم بَعْضهَا؟ قيل لَهُ: بل بَعْضهَا دون جَمِيعهَا. فَإِن قَالَ: فَمَا الدَّلِيل على ذَلِك، وَلَا بَيَان فِي الْخَبَر أَنه معني بِهِ، الْبَعْض من ذَلِك دون الْكل؟ وَمن قَوْلك: إِن الْخَبَر إِذا ورد بِتَحْرِيم شَيْء أَو تَحْلِيله؛ أَنه على مَا ورد بِهِ من الْعُمُوم إِلَّا أَن تخصه حجَّة يجب التسلم لَهَا! فَهَل من حجَّة يجب علينا بهَا التَّسْلِيم لما قلت من أَن الْخَبَر الَّذِي رويت لنا فِي ذَلِك معني بِهِ بعض الصَّدقَات دون بعض؟ قيل: نعم. فَإِن قَالَ: فاذكر لنا ذَلِك لنعرفه. قيل: لَا خلاف بَين الْجَمِيع من عُلَمَاء الْأمة: أَن الصَّدَقَة الْمُحرمَة الَّتِي يكون أَصْلهَا مَحْبُوسًا، وَعَلَيْهَا صَدَقَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير من جنس من النَّاس، وخاص مِنْهُم: أَنَّهَا جَائِزَة، وَأَن للمجعول ذَلِك لَهُ من الاغتناء: أَخذه وتملكه كَمَا يتَمَلَّك سَائِر مَا رزقه الله - تَعَالَى ذكره - من مَال تميزات أَو كسب وَهبة، وَغير ذَلِك، فمعلوم بذلك أَن التَّطَوُّع من الصَّدقَات لم يدْخل فِي معنى قَول النَّبِي ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". وَأَن ذَلِك إِنَّمَا عني بِهِ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة الَّتِي فَرضهَا الله فِي أَمْوَال الْأَغْنِيَاء لأهل سهمات الصَّدَقَة فِي بعض الْأَحْوَال. وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَن غَنِيا فِي بَلَده، لَو كَانَ فِي سفر فَذَهَبت

стр. 398

نَفَقَته، فَلم يجد مَا يتَحَمَّل بِهِ إِلَى مَوضِع مَاله، أَن لَهُ أَن يَأْخُذ من الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة مَا يتَحَمَّل بِهِ إِلَى مَوضِع مَاله. فمعلوم بذلك أَن قَول النَّبِي ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ " على الْخُصُوص، وَأَنه معني بِهِ من الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة بَعْضهَا لما وَصفنَا؛ وَلِأَن الله - تَعَالَى ذكره - قد جعل فِي الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة حَقًا لصنوف من الْأَغْنِيَاء، وهم: المجاهدون فِي سَبِيل الله، والعاملون عَلَيْهَا، وَأَبْنَاء السَّبِيل الَّذين لَهُم ببلدهم غنى، وهم مُنْقَطع بهم فِي سفرهم. وَقد رُوِيَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ َ - من جِهَة نقل الْوَاحِد خبر، وَإِن كَانَ فِي إِسْنَاده نظر، وَذَلِكَ مَا: ٧٥٨ - حَدثنِي بِهِ: مُحَمَّد بن خلف الْعَسْقَلَانِي، قَالَ: حَدثنَا الْفرْيَابِيّ، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن عمرَان الْبَارِقي، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ، عَن أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا فِي سَبِيل الله، أَو ابْن السَّبِيل، أَو جَار فَقير يتَصَدَّق عَلَيْهِ فيهدي لَك أَو يَدْعُوك ". ٧٥٩ - وَحدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع،

стр. 399

عَن ابْن أبي ليلى، عَن عَطِيَّة، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، ٧٦٠ - وَحدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن عَمْرو بن قيس، عَن عَطِيَّة، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا لثَلَاثَة: فِي سَبِيل الله، وَابْن السَّبِيل، وَرجل كَانَ لَهُ جَار فَتصدق عَلَيْهِ، فأهدى لَهُ ". ٧٦١ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبيد الله، قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي ليلى، عَن عَطِيَّة، عَن أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا فِي سَبِيل الله أَو ابْن السَّبِيل أَو يكون لَهُ جَار مِسْكين فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ، فيهدي لَهُ ". ٧٦٢ - حَدثنَا سلم بن جُنَادَة، قَالَ: حَدثنَا حَفْص، عَن أبي ليلى، عَن عَطِيَّة، عَن أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا لثَلَاثَة: فِي سَبِيل الله، أَو ابْن السَّبِيل، أَو رجل تصدق عَلَيْهِ، فأهدى لِجَار لَهُ، وَهُوَ غَنِي ". ٧٦٣ - حَدثنِي يَعْقُوب، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أُميَّة، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا لخمسة: لعامل عَلَيْهَا، أَو لغارم، أَو لغاز فِي سَبِيل الله أَو لرجل كَانَ لَهُ جَار من أهل الصَّدَقَة، فقسم لَهُ مِنْهَا شَيْء، فأهدى لَهُ، أَو لرجل ابْتَاعَ بِمَالِه ".

стр. 400

وَأما ذُو الْمرة السوي، فَإِنَّهُ ﷺ َ - قد بَين فِي الْخَبَر الَّذِي روينَا عَنهُ، الَّذِي رَوَاهُ: حبشِي بن جُنَادَة الْحَال الَّتِي يحل لَهُ فِيهَا الصَّدَقَة، وَذَلِكَ قَوْله ﷺ َ -: " وَلَا لذِي مرّة سوي، إِلَّا لذِي فقر مدقع أَو غرم مفظع ". فقد تبين بِمَا وَصفنَا وروينا من الْأَخْبَار عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَن قَوْله ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي " الْخُصُوص، وَأَن ذَلِك معني بِهِ بعض الْأَغْنِيَاء، وَبَعض ذَوي المرر السوية، ومقصود بِهِ بعض الصَّدقَات دون الْجَمِيع مِنْهَا. فَإِن قَالَ: فَهَذَا الْغَنِيّ الَّذِي وصفت أمره قد علمنَا بِمَا يثبت أَنه مَخْصُوص فِيهِ الْخَبَر الَّذِي ذكرت فِي بعض الْأَحْوَال: بعض الصَّدقَات، وَفِي جَمِيع الْأَحْوَال بَعْضهَا، فَمَا الَّذِي خص ذَا الْمرة السوي؟ قيل: نقل الْحجَّة عَن رَسُول الله ﷺ َ - وراثة

стр. 401

فِي الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة إباحتها لَهُ غير حَاجته إِلَيْهَا، فَأَما التَّطَوُّع مِنْهَا: فَفِي كل الْأَحْوَال ﴿ فَإِن قَالَ: فَهَل بذلك خبر مَنْقُول من رِوَايَة الْآحَاد تذكره لنا؟ قيل: إِن نقل الْحجَّة ورأيه أثبت فِي الْحجَّة وَأَصَح من نقل الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة الَّتِي لَا يقطع الْعدَد نقلهَا، وَلَا يُوجب الْحجَّة مجيئها. وَقد رُوِيَ من الْوَجْه الَّذِي سَأَلت خبر غير مرضِي السَّنَد، غير أَن الَّذِي ذكرنَا من نقل الْحجَّة ورأيه يُؤَيّدهُ ويصححه﴾ فَإِن قَالَ: فاذكره لنا نعرفه ﴿ قيل: ٧٦٤ - حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو وَاللَّيْث بن سعد، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن عُرْوَة، عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار، أَنه حَدثهُ رجلَانِ، قَالَا: " جِئْنَا رَسُول الله ﷺ َ - فِي حجَّة الْوَدَاع، وَالنَّاس يزدحمون عَلَيْهِ يسألونه من الصَّدَقَة. قَالَا: فزاحمنا النَّاس حَتَّى خلصنا إِلَيْهِ، فَسَأَلْنَاهُ مِنْهَا؟ قَالَ: فَرفع الْبَصَر فِينَا وخفضه﴾ فرآهما رجلَيْنِ جلدين، فَقَالَ: " إِن شئتما فعلت وَلَا حق فِيهَا لَغَنِيّ، وَلَا لقوي مكتسب ". ٧٦٥ - وحَدثني عَليّ بن سعيد الْكِنْدِيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد

стр. 402

الرَّحِيم بن سُلَيْمَان، عَن هِشَام، عَن أَبِيه، عَن عبيد الله بن عدي، أَن رجلَيْنِ حَدَّثَاهُ قَالَا: " جِئْنَا رَسُول الله ﷺ َ - فِي حجَّة الْوَدَاع وَالنَّاس يسألونه من الصَّدَقَة، فزحمنا النَّاس حَتَّى خلصنا إِلَيْهِ، فَسَأَلْنَاهُ من الصَّدَقَة، فَرفع فِينَا بَصَره، وخفضه فرآنا رجلَيْنِ جلدين، فَقَالَ: " إِن شئتما فعلت وَلَا حَظّ فِيهَا لَغَنِيّ، وَلَا لقوي مكتسب ". فَأخْبر ﷺ َ - اللَّذين سألاه أَنه لَا حَظّ فِي الصَّدَقَة لقوي مكتسب. وَفِي قَوْله: لَا حَظّ فِيهَا لقوي مكتسب: الدّلَالَة الْبَيِّنَة على أَن غير المكتسب لَهُ فِيهَا الْحَظ. فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن الْقوي الْقَادِر على الْكسْب مكتسب، وَلَيْسَ تَركه الْكسْب بمبيح لَهُ مَا حرم عَلَيْهِ من الصَّدَقَة ﴿ قيل: أَرَأَيْت إِن طلب الْكسْب فَلم يصبهُ، أَيكُون مكتسبا فِي حَال تعذر الْكسْب عَلَيْهِ؟ فَإِن قَالَ: نعم؛ لِأَن صفته أَنه مكتسب بقدرته على الْكسْب إِذا وجده﴾ قيل: فقد يجب على هَذَا القَوْل أَن يكون الْغَنِيّ الَّذِي هُوَ فِي سفر مُنْقَطع بِهِ، وَله فِي بَلَده المَال الْعَظِيم الَّذِي يسْتَحق بِبَعْضِه اسْم غَنِي، غير جَائِز لَهُ أَخذ الصَّدَقَة، وحراما عَلَيْهِ أَخذهَا، وَإِن هلك جوعا ﴿ فَإِن قَالَ: ذَلِك كَذَلِك﴾ خَالف فِي ذَلِك مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَفَارق الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَن رَسُول الله ﷺ َ - ﴿ وَإِن قَالَ: حَلَال لَهُ الصَّدَقَة؛ لِأَن غناهُ غير كَائِن مَعَه فِي سَفَره﴾ قيل: فَكَذَلِك المكتسب المتعذر عَلَيْهِ الْكسْب: حَلَال لَهُ الصَّدَقَة، إِذا تعذر عَلَيْهِ الْكسْب، وَإِن كَانَ من صفته أَنه قَادر على الْكسْب، إِذا وجده !

стр. 403

(" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذِه الْأَخْبَار من الْغَرِيب ") فَمن ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ َ -: " لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي ". يَعْنِي ﷺ َ - بقوله: " وَلَا لذِي مرّة سوي ": وَلَا لذِي بَرَاءَة من العاهات المزمنة، الْقوي على الْكسْب، وكل صَحِيح الْجِسْم بريئه من العاهات والآفات فالعرب تَدعُوهُ: ذَا مرّة سوي. وَمِنْه قَول الله - تَعَالَى ذكره -: ﴿علمه شَدِيد القوى، ذُو مرّة فَاسْتَوَى﴾ : ففسر قَوْله: ﴿ذُو مرّة﴾ بعض الْمُفَسّرين بِمَعْنى ذِي قُوَّة، وَبَعْضهمْ بِمَعْنى ذِي منظر حسن. وَالصَّحِيح من معنى ذَلِك - عِنْدِي - مَا يثبت. وَأما قَوْله ﷺ َ -: " إِلَّا لذِي فقر مدقع ": فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: " مدقع ": مفض إِلَى الدقعاء لاصق بهَا. والدقع: الْغُبَار اللين، يُقَال للرجل إِذا وصف بِسوء الْحَال، وشظف الْمَعيشَة. قد أدقع فلَان فَهُوَ يدقع إدقاعا، وَهُوَ رجل مدقع. وَأما قَوْله: " كَانَ خموشا فِي وَجهه "، فَإِن الْبَيَان عَن الخموش قد مضى قبل، فكرهنا إِعَادَته. آخر حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله.

стр. 404

(مُسْند الزبير بَين الْعَوام ﵁

стр. 405

(" ذكر مَا لم يمض ذكره من أَخْبَار الزبير بن الْعَوام عَن رَسُول الله ﷺ َ - ") ذكر مَا روى من ذَلِك عَنهُ ابْنه: عبد الله: - ٧٦٦ - حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس وَاللَّيْث بن سعد، عَن ابْن شهَاب، أَن عُرْوَة بن الزبير، حَدثهُ، أَن عبد الله بن الزبير، حَدثهُ عَن الزبير بن الْعَوام: " أَنه خَاصم رجلا من الْأَنْصَار قد شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي شراج من الْحرَّة، كَانَا يسقيان بِهِ - كِلَاهُمَا - النّخل. فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: سرح المَاء يمر ﴿فَأبى عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: إسق يَا زبير﴾ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك. فَغَضب الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿أَن كَانَ ابْن عَمَّتك﴾ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله ﷺ َ -، ثمَّ قَالَ: يَا زبير! إسق، ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر. واستوعى رَسُول الله ﷺ َ - للزبير حَقه، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - قبل ذَلِك أَشَارَ على الزبير، أَي أَرَادَ فِيهِ السعَة لَهُ، وللأنصاري، فَلَمَّا أحفظ رَسُول الله ﷺ َ - الْأنْصَارِيّ، استوعى للزبير حَقه فِي صَرِيح الحكم. قَالَ: فَقَالَ الزبير: مَا أَحسب هَذِه الْآيَة أنزلت إِلَّا فِي

стр. 406

ذَلِك ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم، ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . ٧٦٧ - وَحدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا أصبغ بن الْفرج، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، عَن يُونُس بن يزِيد، عَن ابْن شهَاب، أَن عُرْوَة بن الزبير، حَدثهُ أَن عبد الله بن الزبير حَدثهُ، عَن الزبير بن الْعَوام، أَنه خَاصم رجلا من الْأَنْصَار قد شهد بَدْرًا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ -، ذكر نَحوه .

стр. 407

٧٦٨ - قَالَ أَحْمد بن مَنْصُور: قَالَ أصبغ: قَالَ لي ابْن وهب: عَن اللَّيْث مثله سَوَاء. (" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ") وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده. وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل:

стр. 408

إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج عَن الزبير بن الْعَوام، عَن رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم - مُنْفَرد وَجب التثبت فِيهِ ﴿ وَالثَّانيَِة: أَنه خبر قد رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ غير من ذكرت فَأرْسلهُ عَنهُ، عَن عُرْوَة، وَلم يرفعهُ إِلَى غَيره، وَلم يَجْعَل بَينه وَبَين رَسُول الله ﷺ َ - أحدا﴾ وَالثَّالِثَة: أَن أهل التَّأْوِيل إِنَّمَا وجهوا تَأْوِيل هَذِه الْآيَة إِلَى أَنه عَنى بهَا الْمُنَافِق الَّذِي خَاصم الْيَهُودِيّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَدعَاهُ الْمُنَافِق إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف أَو إِلَى الكاهن من جُهَيْنَة: اللَّذين أنزل الله ﵎ فيهمَا: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت، وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ﴾ . قَالُوا: وَقَوْلهمْ ذَلِك أقرب إِلَى الصِّحَّة؛ لِأَن ذَلِك فِي سِيَاق ذكرهمَا، وَلم يعْتَرض من قصتهما شَيْء يُوجب صرف الْخَبَر عَنْهُمَا إِلَى غَيرهمَا. (" ذكر من روى هَذَا الْخَبَر عَن الزُّهْرِيّ فَجعله عَنهُ عَن عُرْوَة فَأرْسلهُ وَلم يَجْعَل بَين عُرْوَة وَبَين النَّبِي ﷺ َ - أحدا ") ٧٦٩ - حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، قَالَ: " خَاصم الزبير رجلا من الْأَنْصَار فِي شراج من شراج الْحرَّة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " يَا زبير ﴿اشرب ثمَّ خل سَبِيل المَاء ". فَقَالَ الَّذِي من الْأَنْصَار من بني أُميَّة: اعْدِلْ يَا رَسُول الله﴾ وَإِن كَانَ ابْن

стр. 409

عَمَّتك ﴿قَالَ: فَتغير وَجه رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى عرف أَن قد سَاءَهُ مَا قَالَ. ثمَّ قَالَ: " يَا زبير﴾ إحبس المَاء إِلَى الْجدر أَو إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ خل سَبِيل المَاء ". قَالَ: وَنزلت: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ الْآيَة . (" ذكر من قَالَ: إِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْمُنَافِق واليهودي اللَّذين ذكرنَا أَمرهمَا ") ٧٧٠ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي عبد الْوَهَّاب، قَالَ: حَدثنَا دَاوُد، عَن عَامر فِي هَذِه الْآيَة: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى

стр. 410

الطاغوت﴾ . قَالَ: كَانَ بَين رجل من الْيَهُود وَرجل من الْمُنَافِقين خُصُومَة، فَكَانَ الْمُنَافِق يَدْعُو إِلَى الْيَهُود؛ لِأَنَّهُ يعلم أَنهم يقبلُونَ الرِّشْوَة ﴿وَكَانَ الْيَهُودِيّ يَدْعُو إِلَى الْمُسلمين؛ لِأَنَّهُ يعلم أَنهم لَا يقبلُونَ الرِّشْوَة. فاصطلحا أَن يتحاكما إِلَى كَاهِن من جُهَيْنَة﴾ فَأنْزل الله فِيهِ هَذِه الْآيَة: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك﴾ حَتَّى بلغ: ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . ٧٧١ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدثنَا دَاوُد، عَن عَامر فِي هَذِه الْآيَة: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ . فَذكر نَحوه، وَزَاد فِيهِ: " فَأنْزل الله ﵎ ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك - يَعْنِي الْمُنَافِق - وَمَا أنزل من قبلك - يَعْنِي الْيَهُودِيّ - يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت - يَقُول: إِلَى الكاهن - وَقد وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ ": أَمر هَذَا فِي كِتَابه، وَأمر هَذَا فِي كِتَابه: أَن يكفروا بالكاهن. ٧٧٢ - حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا ابْن علية، عَن دَاوُد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: " كَانَت بَين رجل مِمَّن يزْعم أَنه مُسلم، وَبَين رجل من الْيَهُود خُصُومَة، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: أحاكمك إِلَى أهل دينك أَو قَالَ: إِلَى النَّبِي ﷺ َ - لِأَنَّهُ قد علم أَن رَسُول الله ﷺ َ - لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي الحكم، فاختلفا، فاتفقا

стр. 411

على أَن يأتيا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَة. قَالَ: فَنزلت: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك - يَعْنِي الَّذِي من الْأَنْصَار - وَمَا أنزل من قبلك - يَعْنِي الْيَهُودِيّ - يريديون أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت - إِلَى الكاهن - وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ - أَمر هَذَا فِي كِتَابه، وَأمر هَذَا فِي كِتَابه - وتلا: وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا﴾ . وَقَرَأَ: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ إِلَى: ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . ٧٧٣ - حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، عَن عِيسَى، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . قَالَ: " هَذَا الرجل الْيَهُودِيّ، وَالرجل الْمُسلم اللَّذَان تحاكما إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف ". ٧٧٤ - حَدثنِي الْمثنى بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة، قَالَ: حَدثنَا شبْل، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد: مثله.

стр. 412

وَقد وَافق الزبير فِي رِوَايَة هَذَا الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ َ - غَيره من أَصْحَابه. (" ذكر بعض من حَضَرنَا ذكره مِنْهُم ") ٧٧٥ - حَدثنِي عبد الله بن عُمَيْر الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الزبير، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار، عَن سَلمَة - رجل من ولد أم سَلمَة -: " أَن الزبير خَاصم رجلا إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَقضى النَّبِي ﷺ َ - للزبير. فَقَالَ الرجل لما قضي للزبير: وَأَن كَانَ ابْن عَمَّتك! فَأنْزل الله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك﴾ إِلَى: ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . (" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذَا الْخَبَر من الْفِقْه ") وَالَّذِي فِيهِ من ذَلِك: الْبَيَان من النَّبِي ﷺ َ - بِأَن كل مَا أحدث الله ﵎ خلقه مِمَّا لَا مَالك لَهُ من: غيث

стр. 413

أنزلهُ من السَّمَاء أَو مَاء فجره من حجر أَو جبل كَذَلِك أَو أَرض لَا مَالك لَهُ سوى الله فأحق النَّاس بِهِ السَّابِق إِلَيْهِ دون غَيره إِذا لم يُمكن جَمِيع من ورد عَلَيْهِ أَخذ حَاجته مِنْهُ فِي حَال وَاحِدَة، حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنهُ السَّابِق إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ اسْتغنى عَنهُ بِأخذ حَاجته مِنْهُ، لم يكن لَهُ منع غَيره مِنْهُ؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ َ - قضى للزبير فِي شراج الْحرَّة، أَن لَهُ أَن يحبس المَاء حَتَّى تروى أرضه بقوله لَهُ: يَا زبير احْبِسْ المَاء، حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر، وَإِنَّمَا يرى أَنه ﷺ َ - حد للزبير مَا حد لَهُ من قدر حبس ذَلِك؛ لِأَنَّهُ إِذا جلس قدر ذَلِك رويت أرضه ثمَّ أمره بإرسال المَاء بعد ذَلِك إِلَى جَاره، فَكَذَلِك الْوَاجِب من الْعَمَل على كل وَارِد ورد على مَاء أَو مَعْدن أَو ذهب أَو فضَّة أَو قار أَو نفط أَو ملح أَو غير ذَلِك من الْمَعَادِن الطاهرة المعمولة الَّتِي لَا مَالك لَهَا غير الله - تَعَالَى ذكره - الَّذِي خلقهَا فَسبق إِلَيْهَا غَيره، فَأَرَادَ الْعَمَل فِيهَا وَأخذ حَاجته مِنْهَا، وَلم يكن مُمكنا الْعَمَل فِيهَا إِلَّا بعض وَارِد بهَا دون الْجَمِيع: أَن يعْمل السَّابِق فِيهَا حَتَّى يَأْخُذ حَاجته مِنْهَا، فَإِذا هُوَ ترك الْعَمَل فِيهَا، وَأخذ حَاجته مِنْهَا فاستغنى عَنْهَا، أَلا يمْنَع غَيره الْعَمَل فِيهَا، وَلَكِن يخليها وَمن أَرَادَ الْعَمَل فِيهَا، وَأخذ حَاجته مِنْهَا، كَمَا أَمر النَّبِي ﷺ َ - الزبير بإرسال المَاء الَّذِي أذن لَهُ فِي حَبسه حَتَّى تروى أرضه إِذا هُوَ اسْتغنى عَنهُ بري أرضه: إِلَى أَرض جَاره ليستقي مِنْهَا نَخْلَة، وتروى أرضه. فَإِن قَالَ قَائِل: وَمَا دليلك على أَن المَاء الَّذِي قضى فِيهِ رَسُول الله ﷺ َ - بِمَا قضى فِيهِ بَين الزبير والأنصاري كَانَ من الْمِيَاه الَّتِي لَا مَالك لَهَا إِلَّا الله - جلّ ذكره - دون أَن يكون ذَلِك كَانَ عينا استنبطها الزبير والأنصاري، فَكَانَ الزبير أولى بهَا حَتَّى يروي أرضه، إِذْ كَانَت أرضه تلقاها مَاء تِلْكَ الْعين، قبل أَن تلقى أَرض الْأنْصَارِيّ كَمَا قَالَ بعض من أغفل معنى حكم رَسُول الله ﷺ َ - فِي

стр. 414

ذَلِك بَين الزبير والأنصاري، فَيكون ذَلِك حكما من رَسُول الله ﷺ َ - فِي كل جمَاعَة بَينهم نهر يلقى مَاؤُهُ أَرض بَعضهم قبل أَن تلقى غَيرهَا من أرضي شركائه، أَن يكون أَحَق بمائه حَتَّى تروى أرضه، ثمَّ كَذَلِك الَّتِي تَلِيهَا من الْأَرْضين حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى آخرهَا، فَيكون أهل كل أَرض هِيَ فَوق أُخْرَى مِمَّن لَهُ شرك فِي ذَلِك النَّهر أَحَق بمائه مِمَّن أرضه أَسْفَل مِنْهَا؟ قيل: دليلنا على أَن ذَلِك المَاء كَانَ من عُيُون السَّمَاء، وَمن السهول الَّتِي لَا مَالك لَهَا غير محدثها، وَأَنه لم يكن من عين استنبطها نفر بنفقاتهم، فَذَلِك بَينهم على قدر حُقُوقهم فِيهِ، لَيْسَ لأحد مِنْهُم منع أحد من شركائه فِيهِ حَقه مِنْهُ فِي وَقت من الْأَوْقَات، وَلَا سَاعَة من السَّاعَات، وَلَا لَهُ الاستئثار بمائه دون شركائه فِيهِ، وَلَا دون أحد مِنْهُم بِغَيْر رضاهم بِإِجْمَاع من الْجَمِيع. وَفِي حكم النَّبِي ﷺ َ - للزبير بِحَبْس المَاء الَّذِي لَقِي أرضه قبل أَرض الْأنْصَارِيّ مَعَ مُنَازعَة الْأنْصَارِيّ إِيَّاه ذَلِك ومخاصمته إِيَّاه فِيهِ، حَتَّى يبلغ الْجدر أَو الْكَعْبَيْنِ: الْبَيَان الْبَين أَن ذَلِك كَانَ من مياه السُّيُول والأودية الَّتِي لَا مَالك لَهَا غير الله ﵎ الَّتِي تحدث عَن الْعُيُون الَّتِي ينزلها الله - تَعَالَى ذكره - من سمائه أَو من دون الثلوج، لَا من الْعُيُون الَّتِي استنبطها أهل الْأَرْضين الَّتِي كَانَت مِنْهَا شربهَا؛ لِأَن ذَلِك لَو كَانَ من عين استخرجها الزبير والأنصاري أَو أَرْبَاب الْأَرْضين الَّتِي كَانَت تشرب من ذَلِك المَاء: لم يكن النَّبِي ﷺ َ - ليقضي للزبير بِحَبْس حق شَرِيكه فِيهِ لنَفسِهِ، وَمنع شَرِيكه فِيهِ حَقه مِنْهُ؛ لِأَن الله - تَعَالَى ذكره - كَانَ بَعثه بالإنصاف فِي الْأَخْذ للمظلوم من الظَّالِم، هُوَ الْقَائِل ﷺ َ -: " لَا قدست أمة لَا يَأْخُذ ضعيفها من قويها حَقه، وَهُوَ غير متعتع ".

стр. 415

وَغير جَائِز أَن يُضَاف إِلَيْهِ ﷺ َ - إِلَّا الْعدْل والإنصاف. وَلَكِن ذَلِك كَانَ من الْمِيَاه الَّتِي وصفت صفتهَا، الَّتِي السَّابِق إِلَيْهَا يكون أَحَق بهَا من الْمَسْبُوق إِلَيْهَا، حَتَّى يقْضِي مِنْهَا حَاجته، فَإِذا خلى عَنْهَا أَو اسْتغنى: أطلقها لغيره، وَلم يكن لَهُ منع غَيره مِنْهَا بعد استغنائه عَنْهَا. وَقد ورد بِبَيَان صِحَة مَا قلت من أَن قَضَاءَهُ الَّذِي قضى بِهِ بَين الزبير والأنصاري، كَانَ فِي مياه السُّيُول: خبر يُؤَيّد مَا بَينا من الدّلَالَة على صِحَّته، وَإِن كَانَ فِي إِسْنَاده بعض النّظر وَذَلِكَ مَا: ٧٧٦ - حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ، قَالَ: أخبرنَا الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قضى فِي سيل المهزور أَن يمسك حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل ".

стр. 416

٧٧٧ - وحَدثني يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنِي مَالك، عَن عبد الله بن أبي بكر، أَنه بلغه أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ فِي سيل مهزور ومذينب: " يمسك حَتَّى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل الْأَعْلَى على الْأَسْفَل ".

стр. 417

فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن من قَوْلك أَن من سبق إِلَى مَاء سيل فحازه فِي حَوْض لَهُ أوجباه فِي وعَاء أَو بِئْر لَهُ، فَهُوَ أولى وأحق بِهِ من غَيره، وَلَيْسَ لأحد من النَّاس غلبته عَلَيْهِ، وَلَا غصبه إِيَّاه، إِذْ كَانَ تحوزه إِيَّاه فِي حَوْضه أَو وعائه قد صَار لَهُ ملكا، كَمَا يصير ملكا لَهُ مَا استخرج من الْمَعَادِن: من الْجَوَاهِر باستخراجه إِيَّاه، فَكيف أَمر النَّبِي ﷺ َ - الزبير بإرسال المَاء إِلَى جَاره بعد بُلُوغه الْجدر، وَإِن كَانَ الْأَمر فِي ذَلِك كَالَّذي وَصفته من أَنه كَانَ من مياه السُّيُول والأودية ﴿قيل: كَانَ أمره ﷺ َ - الزبير بذلك أَن الزبير لم يكن يجبي ذَلِك فِي حَوْض، وَلَا يقرنه فِي وعَاء لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يسْقِي مِنْهُ نخله، ويروي أرضه، فَلم يكن بِهِ إِلَيْهِ إِذا استغنت عَنهُ أرضه، وَرُوِيَ مِنْهُ نخله: حَاجَة، فَلم يكن لَهُ - وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ - مَنعه جَاره - وَبِه إِلَيْهِ حَاجَة - وَهُوَ لَهُ غير مَالك؛ بل كَانَ مَنعه إِيَّاه ذَلِك - لَو كَانَ مَنعه - فَاسِدا على أرضه وَأَرْض جَاره، وضررا عَلَيْهِمَا، وتحجرا مِنْهُ مَا قد أَبَاحَهُ الله - تَعَالَى ذكره - لخلقه، فَلذَلِك أمره ﷺ َ - بِإِطْلَاقِهِ بعد استغنائه عَنهُ لجاره﴾ (" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذَا الْخَبَر - أَعنِي خبر الزبير عَن النَّبِي ﷺ َ - من الْغَرِيب ") فَمن ذَلِك: قَول الزبير أَنه خَاصم رجلا من الْأَنْصَار فِي شراج من شراج الْحرَّة ": يَعْنِي الزبير بقوله: فِي شراج من الْحرَّة: فِي مجاري

стр. 418

المَاء من الْحرَّة إِلَى السهل. وَوَاحِد الشراج: شرج. وَأما التلاع: فَإِنَّهَا مجاري المَاء من أعالي الأَرْض إِلَى بطُون الأودية؛ واحدتها: تلعة. وَقد قيل: إِن التلعة تكون: مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَمَا انحدر مِنْهَا، وَكَانَ بَعضهم يَجْعَل ذَلِك من الأضداد. وَمن التلاع قَول نَابِغَة ذبيان: (عَفا حسم من فرتنى فالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع) وَأما الشواجن: فَإِنَّهَا بطُون الأودية، واحدتها: شاجنة. وَمن ذَلِك قَول الطرماح بن حَكِيم: (أَمن دمن بشاجنة الْحجُون ... عفت مِنْهَا الْمنَازل مُنْذُ حِين) وَأما قَول رَسُول الله ﷺ َ - للزبير: " اسْقِ ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بالجدر الْجِدَار. وَأما الْحرَّة: فَإِنَّهَا كل أَرض ملبس وَجههَا الْحِجَارَة. وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا مضى قبل بشواهده. وَأما قَول الزبير: فأحفظ رَسُول الله ﷺ َ - قَول الْأنْصَارِيّ؛ فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: فأحفظ: فأغضب. وَمِنْه يُقَال: عِنْد الحفائظ تهتز الكتائف، يَعْنِي بِهِ: عِنْد الْأُمُور الَّتِي تورث الْغَضَب تهتز الكتائف من ذَوي الْأَرْحَام.

стр. 419

(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ َ - ") ٧٧٨ - حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الحكم الْمصْرِيّ، قَالَ: حَدثنَا أبوزرعة وهب الله بن رَاشد، قَالَ: حَدثنَا حَيْوَة بن شُرَيْح، عَن أبي صَخْر، أَن عبد الله بن عَطاء بن مسافع - مولى آل الزبير - أخبرهُ أَن عُرْوَة بن الزبير، أخبرهُ، أَنه طَاف بِالْبَيْتِ، هُوَ وَأَخُوهُ، فَإِذا رجال يطوفون بَين أَيْدِينَا، وهم يَقُولُونَ: بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لي عبد الله بن الزبير: أَلا تسمع مَا يَقُول هَؤُلَاءِ يَا أخي؟ لقد أَخْبرنِي الزبير بن الْعَوام: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يَقُول القَوْل فيمكث الزَّمَان، ثمَّ يَقُول قولا آخر ينْسَخ قَوْله الأول كَمَا ينْسَخ الْقُرْآن بعضه بَعْضهَا، وَإِن هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ جَمِيعًا ". (" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ") وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده ( ﴿) وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين، سقيما غير صَحِيح لعلل: إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - مخرج يَصح إِلَّا من هَذَا الْوَجْه﴾

стр. 420

وَالثَّانيَِة: أَنه من رِوَايَة عبد الله بن عَطاء، عَن عُرْوَة. وَعبد الله بن عَطاء - عِنْدهم - غير مَعْرُوف فِي نقلة الْآثَار ﴿ وَالثَّالِثَة: أَن أَبَا صَخْر - عِنْدهم - مِمَّن لَا يجوز الِاحْتِجَاج بنقله﴾ (" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذَا الْخَبَر من الْفِقْه ") وَالَّذِي فِيهِ من ذَلِك: الْبَيَان الْبَين لمن غفل أَن الْوَارِد عَن رَسُول الله ﷺ َ - من الْآثَار فِي الْحَلَال وَالْحرَام والأقضية وَالْأَحْكَام غير جَائِز لمن لم يعلم ناسخه من منسوخه: الْعَمَل بِهِ إِلَّا بعد الْعلم بِهِ ﴿ كَمَا غير جَائِز لمن قَرَأَ الْقُرْآن: الْعَمَل بِمَا فِيهِ من الْأُمُور وَالنَّهْي والحلال وَالْحرَام والأقضية وَالْأَحْكَام إِلَّا بعد علمه بناسخه ومنسوخه ، إِذْ كَانَ الْمَنْسُوخ من ذَلِك محرما الْعَمَل بِهِ، والناسخ مِنْهُ فرضا الْعَمَل بِهِ. وَكَانَ من جهل نَاسخ ذَلِك من منسوخه مَتى عمل بِشَيْء مِنْهُ على جهل مِنْهُ بِالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ ترك الْعَمَل بِهِ: كَانَ غير مَأْمُون مِنْهُ التَّقَدُّم على مَا الْعَمَل بِهِ لله: مَعْصِيّة، وَترك الْعَمَل بِهِ لَهُ رضَا، وَعَلِيهِ فرض﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَذَا كتاب الله - جلّ وَعز - قد عرفنَا ناسخه من منسوخه بِبَيَان رَسُول الله ﷺ َ - لنا ذَلِك، فَأنى لنا بِمَعْرِِفَة نَاسخ أَحْكَام رَسُول الله ﷺ َ - من منسوخه، وَذَلِكَ غير مَوْصُول إِلَى علمه إِلَّا بِنَقْل الروَاة: اخْتِلَاف أَوْقَات ذَلِك مُبينًا وَقت الْمَنْسُوخ من وَقت النَّاسِخ حَتَّى لَا يشكل على من ورد

стр. 421

ذَلِك عَلَيْهِ أمره ﴿وَقد علمت أَن ذَلِك كَذَلِك قَلِيل فِيمَا ورد عَن رَسُول الله ﷺ َ - من الْآثَار مَعَ كَثْرَة الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَنهُ باخْتلَاف الْمعَانِي الَّتِي سَبِيلهَا سَبِيل النَّاسِخ والمنسوخ؟ قيل: إِنَّه لَا نَاسخ من سنته لمنسوخ مِنْهَا فِي شَيْء من الْحَلَال وَالْحرَام والأقضية وَالْأَحْكَام إِلَّا وَهُوَ مُبين - وَإِن أشكل على كثير مِمَّن ضعفت قوى أَسبَاب علمه بِأَحْكَام رَسُول الله ﷺ َ - وسننه وَجه مطلبه، وعزبت عَنهُ الْمعرفَة بِهِ - كَمَا إِنَّه لَا نَاسخ فِي الْقُرْآن لشَيْء من أَحْكَام الله - جلّ وَعز - فِيهِ وَلَا مَنْسُوخ إِلَّا وَهُوَ مُبين، وَإِن جهل علم ذَلِك كثير مِمَّن يتلوه ويقرأه﴾ فَإِن قَالَ: فَبين لنا الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يُوصل إِلَى علم ذَلِك؟ قيل: الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يُوصل إِلَى علمه هُوَ الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يُوصل إِلَى علم نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه: وَذَلِكَ هُوَ بَيَان رَسُول الله ﷺ َ - ذَلِك لأمته، غير أَن الْأمة تنقل بَيَانه ذَلِك على سَبِيل مَا ينْقل بَيَانه: نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه؟ ﴿ فَمِنْهُ: مَا يَنْقُلهُ الْوَاحِد الْعدْل أَو الْجَمَاعَة الَّتِي لَا يُوجب مجيئها الْعلم، وَلَا يقطع وُرُودهَا الْعذر، وَإِن لزم الْوَارِد ذَلِك عَلَيْهِ بوروده التَّصْدِيق بِهِ. وَمِنْه: مَا يَنْقُلهُ من يُوجب وُرُوده - لمن ورد عَلَيْهِ - الْعلم بِمَا ورد بِهِ، وَيقطع مَجِيئه الْعذر: وَذَلِكَ نقل الْجَمَاعَة الَّتِي يَنْتَفِي عَنْهَا السَّهْو وَالْخَطَأ، وَيمْنَع من نقلهَا - فِيمَا نقلت - الْكَذِب﴾ فَإِن قَالَ: فَهَل من قَائِل من السّلف بِمثل قَوْلك فِي أَن من أَحْكَام رَسُول الله ﷺ َ - نَاسِخا ومنسوخا تذكره لنا؟ قيل: نعم! ٧٧٩ - حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، عَن أَبِيه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَلَاء بن الشخير:

стр. 422

" بِأَن حَدِيث نَبِي الله ﷺ َ - كَانَ ينْسَخ بعضه بَعْضًا، كَمَا ينْسَخ الْقُرْآن بعضه بَعْضًا ". ٧٨٠ - وَحدثنَا عَليّ بن مُسلم الطوسي، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي فديك، عَن هِشَام بن سعد، عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عمر: " أَن رَسُول الله ﷺ َ - خرج إِلَى فنَاء، فجَاء الْأَنْصَار يسلمُونَ عَلَيْهِ، فَقلت لِبلَال: كَيفَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يرد حِين سلمُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: كَانَ يُشِير بِيَدِهِ ".

стр. 423

٧٨١ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سَلام بن أبي مُطِيع، قَالَ: سَمِعت قَتَادَة يَقُول: " حَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - ينْسَخ بعضه بَعْضًا، كَمَا أَن الْقُرْآن ينْسَخ بعضه بَعْضًا ". ٧٨٢ - حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا نعيم بن حَمَّاد، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب، عَن ابْن لَهِيعَة، عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن سَلمَة بن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يَأْمر بِالْأَمر فنعمل بِهِ، ثمَّ يَأْتِيهِ الْوَحْي بِغَيْر ذَلِك، وَقد مضى الأول، وَكَانَ يَأْمر بِالْأَمر فِيهِ الشدَّة، ثمَّ يكون من رَسُول الله ﷺ َ - فِيهِ رخصَة بعد ذَلِك ". ٧٨٣ - حَدثنِي يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن الحريث، عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن رجل، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، أَنه قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - يسْأَل عَن الشَّيْء فيخبر بِرَأْيهِ، ثمَّ ينزل الْوَحْي بِنَقْض ذَلِك أَو بِغَيْرِهِ، فيخبر بِهِ، وَقد انْطلق الأول ".

стр. 424

(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار أَسمَاء ابْنة أبي بكر عَن الزبير بن الْعَوام عَن رَسُول الله ﷺ َ - ") ٧٨٤ - حَدثنَا الزبير بن بكار الزبيرِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو غزيَّة مُحَمَّد بن مُوسَى، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُصعب، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، عَن جدَّتهَا أَسمَاء ابْنة أبي بكر الصّديق: " أَن الزبير بن الْعَوام مر بِمَجْلِس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - وَحسان بن ثَابت ينشدهم من شعره، وهم غير نشاط لما يسمعُونَ مِنْهُ، فَجَلَسَ الزبير مَعَهم، ثمَّ قَالَ لَهُم: مَالِي أَرَاكُم غير آذنين لما تَسْمَعُونَ من شعر ابْن الفريعة؟ فَلَقَد كَانَ يعرض بِهِ لرَسُول الله ﷺ َ - فيعجبه، وَيحسن إسماعه، ويجزل عَلَيْهِ ثَوَابه، وَلَا يشغل عَنهُ بِشَيْء. فَقَالَ حسان فِي ذَلِك: (أَقَامَ على عهد النَّبِي وهديه ... حواريه وَالْقَوْل بِالْفِعْلِ يعدل) (أَقَامَ على منهاجه وَطَرِيقه ... يوالي ولي الْحق وَالْحق أعدل)

стр. 425

(هُوَ الْفَارِس الْمَشْهُور والبطل الَّذِي ... يصول إِذا مَا كَانَ يَوْم محجل) (إِذا كشفت عَن سَاقهَا الْحَرْب حشها ... بأبيض سباق إِلَى الْمَوْت يرقل) (وَإِن امْرأ كَانَت صَفِيَّة أمه ... وَمن أَسد فِي بَيتهَا لمرفل) (لَهُ من رَسُول الله قربى قريبَة ... وَمن نصْرَة الْإِسْلَام مجد مؤثل) (فكم كربَة ذب الزبير بِسَيْفِهِ ... عَن الْمُصْطَفى وَالله يُعْطي فيجزل) (فَمَا مثله فيهم وَلَا كَانَ قبله ... وَلَيْسَ يكون الدَّهْر مَا دَامَ يذبل) (ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يَابْنَ الهاشمية أفضل) (" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ") وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده (!) وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل: إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج يَصح عَن الزبير، عَن رَسُول الله ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم - مُنْفَرد وَجب التثبت فِيهِ. وَالثَّانيَِة: أَن الْمَعْرُوف من هَذَا الْخَبَر، عَن هِشَام بن عُرْوَة، إِنَّمَا هُوَ عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، وَبِغير هَذِه الْأَلْفَاظ؟ وَالثَّالِثَة: أَن عبد الله بن مُصعب - عِنْدهم - مِمَّن لَا يعْتَمد على نَقله.
следующие страницы →