Полный текст (553 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فلَان. وَأَن يَقُول: إِن جلس فأصيب: لَو كنت خرجت كَمَا خرج آل فلَان عوفيت كَمَا عوفي آل فلَان؛ فَإِنِّي سأحدثكم فِي الطَّاعُون:
إِن عمر كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة فِي الطَّاعُون الَّذِي وَقع بِالشَّام أَنه عرضت لي حَاجَة لَا غنى بِي عَنْك فِيهَا؛ فَإِذا أَتَاك كتابي، فَإِنِّي أعزم عَلَيْك إِن أَتَاك لَيْلًا أَلا تصبح حَتَّى ترد، وَإِن أَتَاك نَهَارا أَلا تمسي حَتَّى ترد إِلَيّ. فَلَمَّا قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَة الْكتاب قَالَ: قد عرفت حَاجَة أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَرَادَ أَن يستبقي من لَيْسَ بباق ﴿ثمَّ كتب: إِنِّي قد عرفت حَاجَتك الَّتِي عرضت لَك فحللني من عزمتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ فَإِنِّي فِي جند الْمُسلمين وَلنْ أَرغب بنفسي عَنْهُم. قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ عمر الْكتاب بَكَى ﴿قَالَ: فَقيل لَهُ: توفّي أَبُو عُبَيْدَة؟ قَالَ: لَا وَكَانَ قد قَالَ. فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِن الْأُرْدُن أَرض عمقة، وَإِن الْجَابِيَة أَرض نزهة، فاظهر بِالْمُسْلِمين إِلَى الْجَابِيَة.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَة الْكتاب قَالَ: هَذَا نسْمع فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ، ونطيعه.
قَالَ: فَأمرنِي أَن أركب فأبوئ النَّاس مَنَازِلهمْ. قَالَ: فَقلت إِنِّي لَا أَسْتَطِيع﴾ قَالَ: فَقَالَ لي: لَعَلَّ الْمَرْأَة طعنت؟ قَالَ: قلت: أجل. قَالَ: فَذهب ليركب فَوجدَ وخزة فطعن، وَتُوفِّي أَبُو عُبَيْدَة، وانكشف الطَّاعُون ".
١١٤ - وحَدثني إِسْحَاق بن شاهين الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن عبد الله، عَن أبي سِنَان، عَن عبد الله بن أبي الْهُذيْل قَالَ: " وَقع الطَّاعُون بِالشَّام، وَبِه جَيش من الْمُسلمين. قَالَ: فجَاء رجل مِنْهُم
стр. 72
حَتَّى دخل على عمر فَأخْبرهُ. فَقَالَ: مَا جئتني بِكِتَاب؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي قد أَخْبَرتك الْخَبَر. قَالَ: فَدخل عمر، ثمَّ خرج إِلَى الرجل فَوَجَدَهُ نَائِما، قَالَ: فَضَربهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: نمت لَا أَنَام الله عَيْنك؟ قُم فَانْطَلق. قَالَ: فَحَمله على بعير لَهُ، يُقَال لَهُ: محسر. قَالَ: اكْتُبْ معي. قَالَ: لَا أكتب إِلَى من لم يكْتب إِلَيّ، وَلَكِن انْطلق، فاعزم على من اسْتَطَاعَ الْخُرُوج أَن يخرج ".
١١٥ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن الْأَشْعَث قَالَ: شُعْبَة: " سَأَلته: هَل كَانَ أَبوك يفر من الطَّاعُون؟ قَالَ: كَانَ إِذا اشْتَدَّ الطَّاعُون فر هُوَ وَالْأسود بن هِلَال وَرجل آخر من أَصْحَاب عبد الله ".
١١٦ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، قَالَ: حَدثنَا الحكم، " أَن مسروقا كَانَ يفر من الطَّاعُون ".
١١٧ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، عَن شُعْبَة، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر قَالَ: سَمِعت أبي يسْأَل: " كَانَ مَسْرُوق يفر من الطَّاعُون؟ قَالَ: فَقَالَ: مَا كَانَ يفر مِنْهُ. قَالَ
стр. 73
شُعْبَة: فَلَقِيت مولى لمسروق فَسَأَلته؟ فَقَالَ: كَانَ مَسْرُوق بداء "؟
قيل: قد خَالف هَؤُلَاءِ من أهل الْقدْوَة مثلهم ﴿وَإِذا اخْتلف فِي أَمر من الْأُمُور كَانَ أولى ذَلِك بِالْحَقِّ مَا كَانَ مُوَافقا أَمر رَسُول الله ﷺ َ -؟ فَإِن قَالَ: فاذكر لنا من خالفهم ؟
١١٨ - قيل: حَدثنَا ابْن الْمثنى؛ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة، عَن يزِيد بن خمير، عَن شُرَحْبِيل بن شُفْعَة قَالَ: " وَقع الطَّاعُون. فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: إِنَّه رجز فَتَفَرَّقُوا عَنهُ. فَبلغ ذَلِك شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، فَقَالَ: لقد صَحِبت رَسُول الله ﷺ َ - وَعَمْرو أضلّ من بعير أَهله﴾
إِنَّه دَعْوَة نَبِيكُم ﷺ َ - وَرَحْمَة ربكُم، وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ. فَاجْتمعُوا لَهُ، وَلَا تفَرقُوا عَنهُ. فَبلغ ذَلِك عَمْرو بن الْعَاصِ، فَقَالَ: صدق ".
١١٩ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى قَالَ: حَدثنَا دَاوُد، عَن شهر بن حَوْشَب " أَن عمر بن الْخطاب اسْتعْمل معَاذ بن جبل على دمشق وحمص، وَاسْتعْمل عَمْرو بن الْعَاصِ على الْأُرْدُن وفلسطين. فَوَقع الطَّاعُون بِالشَّام، فَقَامَ معَاذ بن جبل خَطِيبًا فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس! هَذَا رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ - وَمَوْت
стр. 74
الصَّالِحين قبلكُمْ. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أعْط آل معَاذ النَّصِيب الأوفى. قَالَ ثمَّ نزل فَجَاءَهُ الرَّسُول فَقَالَ: إِن عبد الرَّحْمَن قد طعن. قَالَ: فَانْطَلق حَتَّى دخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: كَيفَ تجدك؟ قَالَ: ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين﴾ قَالَ: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ . قَالَ: ثمَّ تتَابع أَهله فِيهِ. قَالَ: ثمَّ إِن معَاذًا طعن. قَالَ: ثمَّ قَامَ عَمْرو بن الْعَاصِ فِي حزبه أَو فِي جنده فَقَالَ: إِن هَذَا الرجز قد وَقع، فَتَفَرَّقُوا عَنهُ فِي هَذِه الشعاب والأودية. فَقَامَ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة فَقَالَ: لقد أسلمت وأميركم هَذَا أضلّ من جمل أَهله. فَقَالَ عَمْرو: صدق ﴿لقد أسلم وَأَنا أضلّ من جمل أَهلِي، فانظروا مَا يَقُول لكم فَاتَّبعُوهُ ".
١٢٠ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب، قَالَ: حَدثنَا أَيُّوب، وحَدثني يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا ابْن علية قَالَ: حَدثنَا أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة: " أَن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: تفَرقُوا عَن هَذَا الرجز فِي الشعاب والأودية، ورؤوس الْجبَال. فَبلغ ذَلِك معَاذ بن جبل فَقَالَ: بل هُوَ شَهَادَة وَرَحْمَة ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ -. اللَّهُمَّ﴾ أعْط معَاذًا وَأَهله نصِيبهم من رحمتك، فطعن فِي كَفه. قَالَ: أَبُو قلَابَة فَكنت أَقُول: لقد عرفت الشَّهَادَة، وَالرَّحْمَة، وَكنت لَا أَدْرِي مَا دَعْوَة نَبِيكُم ﷺ َ - حَتَّى سَأَلت عَنْهَا، فَأخْبرت
стр. 75
أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يَقُول فِي صلَاته ذَات لَيْلَة: فحمى إِذا وطاعونا، فحمى إِذا وطاعونا. قَالَهَا مرَّتَيْنِ. فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله ﴿لقد سَمِعتك البارحة تَدْعُو بِدُعَاء مَا سمعته مِنْك قطّ؟ فَقَالَ: أوسمعته؟
قَالَ: إِنِّي استجرت الله لأمتي أَلا يُهْلِكهُمْ بِسنة بعامة، فَأَعْطَانِيهَا . وَسَأَلته أَن لَا يُسَلط عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فيستحييهم، فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلته أَن لَا يلْبِسهُمْ شيعًا وَلَا يُذِيق بَعضهم بَأْس بعض فَمَنَعَنِي أَو قَالَ: فَأبى عَليّ. فَقلت: فحمى إِذا وطاعونا ".
١٢١ - وحَدثني عبد الحميد بن بَيَان الوَاسِطِيّ، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن يزِيد، عَن إِسْمَاعِيل، عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن: " أَن الوباء وَقع بِالشَّام واستعر حَتَّى قَالَ النَّاس: مَا هَذَا إِلَّا الطوفان غير أَنه لَيْسَ مَاء﴾ فَبلغ ذَلِك معَاذ بن جبل، فَقَالَ: اجْمَعُوا النَّاس. فَجمعُوا. قَالَ: أَيهَا النَّاس قد بَلغنِي الَّذِي خِفْتُمْ من هَذَا الوباء. زعمتم أَنه الطوفان،
стр. 76
وَلَيْسَ كَالَّذي تخافون ﴿وَلكنه رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ -، وَقبض الصَّالِحين قبلكُمْ، وَلَكِن أَخَاف عَلَيْكُم سوى ذَلِك: أَخَاف أَن يَغْدُو الرجل مِنْكُم من بَيته لَا يدْرِي أمؤمن هُوَ أَو مُنَافِق ".
١٢٢ - حَدثنِي سلم بن جُنَادَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، قَالَ: سَمِعت دَاوُد بن أبي هِنْد يذكر عَن شهر بن حَوْشَب قَالَ: " لما وَقع الطَّاعُون بِالشَّام قَامَ معَاذ بن جبل فِي أَصْحَابه خَطِيبًا فَقَالَ: أَيهَا النَّاس﴾ هَذَا الطَّاعُون - أرَاهُ قَالَ - رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ - وميتة الصَّالِحين قبلكُمْ. اللَّهُمَّ ﴿اقْسمْ لآل معَاذ نصِيبهم الأوفى قَالَ: فَلَمَّا نزل أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: إِن عبد الرَّحْمَن قد أُصِيب. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا بني﴾ ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين﴾ . فَقَالَ: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ . فَمَاتَ عبد الرَّحْمَن، وَمَات أَهله، حَتَّى كَانَ آخِرهم معَاذ. وَقَامَ عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أَصْحَابه، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس ﴿إِن هَذَا الطَّاعُون رجز فَتَفَرَّقُوا فِي الشعاب والأودية.
فَقَامَ شُرَحْبِيل بن حَسَنَة فَقَالَ: أَيهَا النَّاس﴾ وَالله لقد أسلمت وأميركم هَذَا أضلّ من جمل أَهله. إِن هَذَا الطَّاعُون رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم، وميتة الصَّالِحين قبلكُمْ.
فَقَالَ: عَمْرو: صدق، فَاسْمَعُوا، وَأَطيعُوا، فَإِنَّهُ أعلم مني ".
стр. 77
١٢٣ - وَحدثنَا أَبُو كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن شهر بن حَوْشَب، عَن الْحَارِث بن عميرَة الزبيدِيّ، قَالَ: " وَقع الطَّاعُون فِي الشَّام، وَمُعَاوِيَة يَوْمئِذٍ بحمص، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: إِن هَذَا الطَّاعُون رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ - وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ. اللَّهُمَّ اقْسمْ لآل معَاذ نصِيبهم الأوفى مِنْهُ ". ثمَّ ذكر نَحوه .
١٢٤ - حَدثنَا ابْن وَكِيع، قَالَ: حَدثنَا أبي، عَن جَعْفَر بن كيسَان، عَن عمْرَة ابْنة قيس قَالَت: سَأَلت عَائِشَة عَن الْفِرَار من الطَّاعُون؟ فَقَالَت: " الْفِرَار من الطَّاعُون كالفرار من الزَّحْف ".
стр. 78
١٢٥ - حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن الْحَارِث، عَن عمر بن عبد الله، عَن صَفْوَان بن سليم، عَن كثير بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن الصنَابحِي أَنه قَالَ: " من فر من الطَّاعُون، فَكَأَنَّمَا فر من الزَّحْف ".
١٢٦ - وَحدثنَا ابْن حميد، قَالَ: حَدثنَا جرير، عَن عَاصِم، عَن أبي منيب الجرشِي قَالَ: " خَطَبنَا معَاذ حِين وَقع الطَّاعُون فَقَالَ: إِن هَذَا رَحْمَة ربكُم، ودعوة نَبِيكُم ﷺ َ - وَقبض الصَّالِحين قبلكُمْ. اللَّهُمَّ ﴿أعْط آل معَاذ حظهم من هَذَا الْأَمر. فَنزل فَوجدَ ابْنه بِالْمَوْتِ. فَقَالَ: يَا أَبَت﴾ ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين﴾ . فَقَالَ معَاذ: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ .
١٢٧ - حَدثنِي عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ، قَالَ: حَدثنَا زيد بن أبي الزَّرْقَاء، قَالَ: " سُئِلَ سُفْيَان عَن الرجل يخرج أَيَّام الوباء على غير تِجَارَة مَعْرُوفَة؟ قَالَ: لم يَكُونُوا ليفعلوا ذَلِك. أَو قَالَ: مَا أحب ذَلِك ".
وكالذي ذكرنَا من اخْتِلَاف من ذكرنَا اختلافه من الصَّحَابَة وَغَيرهم فِي الْفِرَار من الطَّاعُون، كَانَ اخْتلَافهمْ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ أَرضًا هُوَ بهَا.
стр. 79
(" ذكر مَا حَضَرنَا ذكره من الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَنْهُم بذلك ")
١٢٨ - حَدثنِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس وَمَالك، عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب، أَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل أخبرهُ، أَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ، " أَنه كَانَ مَعَ عمر بن الْخطاب حِين خرج إِلَى الشَّام، فَرجع بِالنَّاسِ من سرغ، فَلَقِيَهُ أمراؤه على الأجناد، ولقيه أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَأَصْحَابه، وَقد وَقع الوجع بِالشَّام، فأخبروه أَن الوباء قد وَقع بِالشَّام، فَقَالَ عمر: أدع لي من كَانَ هَا هُنَا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. قَالَ: فدعوتهم، فاستشارهم، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا هُوَ قدر الله، وَقد خرجت لأمر، فَلَا نرى أَن ترجع عَنهُ. وَقَالَ بَعضهم: مَعَك بَقِيَّة النَّاس، وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ َ - ﴿ارْجع بِالنَّاسِ، وَلَا تقدمهم على هَذَا الوباء. فَأَمرهمْ أَن يرتفعوا. ثمَّ قَالَ: ادْع لي الْأَنْصَار، فدعوتهم. فاستشارهم، فسلكوا سَبِيل الْمُهَاجِرين، وَاخْتلفُوا كاختلافهم، فَأَمرهمْ أَن يرتفعوا ثمَّ قَالَ: ادْع لي من كَانَ هَا هُنَا من مشيخة مهاجرة الْفَتْح. فدعوتهم ، فاستشارهم، فَمَا اخْتلف عَلَيْهِ رجلَانِ مِنْهُم، وَأجْمع رَأْيهمْ على أَن يرجع بِالنَّاسِ، فَأذن عمر فِي النَّاس: إِنِّي مصبح على ظهر فَأَصْبحُوا عَلَيْهِ، فَإِنِّي مَاض لما أرى. فانظروا مَا أَمرتكُم بِهِ، فامضوا لَهُ. قَالَ: فَأصْبح على ظهر، فَركب عمر ثمَّ قَالَ للنَّاس: إِنِّي رَاجع. فجَاء أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فَقَالَ: أفرارا من قدر الله؟ وَكَانَ عمر يكره أَن يُخَالِفهُ أَبُو عُبَيْدَة. فَغَضب عمر ثمَّ قَالَ: لَو كَانَ غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة﴾ وَقَالَ عمر: نعم أفر من قدر الله إِلَى قدر الله! أَرَأَيْت لَو كَانَت لَك إبل فَهَبَطت وَاديا لَهُ عدوتان: إِحْدَاهمَا خصبة، وَالْأُخْرَى جدبة. أَلَيْسَ إِن رعيت الخصبة رعيتها بِقدر الله؟ وَإِن رعيت الجدبة رعيتها بِقدر الله؟ ثمَّ
стр. 80
خلا بِأبي عُبَيْدَة فتراجعا سَاعَة، قَالَ: فَبينا هم على ذَلِك جَاءَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَكَانَ متغيبا فِي بعض حَاجته، فجَاء وَالْقَوْم مُخْتَلفُونَ. فَقَالَ: عِنْدِي من هَذَا علم. فَقَالَ عمر: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرض فَلَا تقدمُوا عَلَيْهِ، وَإِذا وَقع بِأَرْض وَأَنْتُم فِيهَا فَلَا يخرجكم مِنْهَا فرار مِنْهُ ". قَالَ: فَكبر عمر، وَحمد الله وَانْصَرف. - أَحدهمَا يزِيد الْكَلِمَة -.
١٢٩ - وحَدثني يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس، عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي سَالم، أَن عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة قَالَا: " إِن عمر بن الْخطاب إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ من سرغ، عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ".
١٣٠ - حَدثنِي يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: حَدثنِي هِشَام بن سعد، عَن ابْن شهَاب، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن: " أَن عمر بن الْخطاب حِين أَرَادَ الرُّجُوع من سرغ وَاسْتَشَارَ النَّاس، فَقَالَت طَائِفَة - مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح - أَمن الْمَوْت نفر؟ إِنَّمَا نَحن بِقدر، وَلنْ يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا. فَقَالَ عمر: يَا أَبَا عُبَيْدَة! أَرَأَيْت لَو كَانَ بواد إِحْدَى عدوتيه مخصبة، وَالْأُخْرَى مُجْدِبَة أَيَّتهمَا كنت ترعى؟ قَالَ:
стр. 81
المخصبة. قَالَ: فَإنَّا إِن تقدمنا فبقدر، وَإِن تأخرنا فبقدر، وَفِي قدر نَحن ".
١٣١ - وَحدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عبيد الله بن عبد الله، عَن عَليّ بن زيد بن جدعَان قَالَ: " انْطلق عمر إِلَى الشَّام، وَمَعَهُ أنَاس من أَصْحَابه، حَتَّى إِذا دنا من الشَّام استقبله أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿جِئْت بأصحاب رَسُول الله ﷺ َ - تدخلهم أَرضًا بهَا الطَّاعُون - الَّذين هم أَئِمَّة يقْتَدى بهم؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عمر: يَا أَبَا عُبَيْدَة شَككت؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ أشاكا كَانَ يَعْقُوب صلوَات الله عَلَيْهِ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ: ﴿لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد، وادخلوا من أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة﴾ . قَالَ: فَقَالَ عمر: وَالله لأدخلنها. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالله لَا ندْخلهَا. قَالَ: فَرده ".
فَإِن قَالَ: فَهَل أحد ميت إِلَّا بعد اسْتِيفَائه مُدَّة الْأَجَل الَّذِي كتب لَهُ؟ قيل: لَا. فَإِن قَالَ: فَإِن كَانَ كَذَلِك، فَمَا وَجه النَّهْي عَن دُخُول أَرض بهَا الطَّاعُون أَو عَن الْخُرُوج من أَرض هُوَ بهَا؟ وَقد علمت أَن الله - جلّ وَعز - عَابَ أَقْوَامًا جَلَسُوا عَن مشْهد شهده رَسُول الله ﷺ َ - فَقتل مَعَه جمَاعَة مِمَّن شهده مَعَه؟ فَقَالَ الَّذين جَلَسُوا عَنهُ للَّذين قتلوا مَعَه؛ وَكَانُوا قد نهوهم أَن يشْهدُوا ذَلِك المشهد مَعَه: لَو أطاعونا مَا قتلوا مَعَه. فَقَالَ لنَبيه ﷺ َ - موبخهم
стр. 82
بقيلهم مَا قَالُوا من ذَلِك قل: يَا مُحَمَّد لقائلي ذَلِك: ﴿فادرؤوا عَن أَنفسكُم الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ معلمهم ﷻ بذلك أَن الْمَوْت والحياة بِيَدِهِ.
قيل: إِن الْأَمر - وَإِن كَانَ - كَذَلِك، فَإِنَّهُ لم ينْه المريد دُخُول أَرض بهَا الطَّاعُون عَن دُخُولهَا، وَلَا الْخَارِج من أَرض هُوَ بهَا عَن الْخُرُوج مِنْهَا، حذارا على الدَّاخِل عَلَيْهِ من أَن يُصِيبهُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ غير مَا كتب عَلَيْهِ، وَغير مَا قد مضى بِهِ حكم الله فِيهِ. أَو أَن يهْلك بهبوطه عَلَيْهِ قبل الْأَجَل الَّذِي مضى فِي سَابق علم الله أَن إِذا جَاءَ لم يسْتَأْخر عَنهُ سَاعَة، وَلم يَسْتَقْدِم. وَلَكِن حذار الْفِتْنَة على الْحَيّ من أَن يظنّ بِأَن من هَبَط أَرضًا هُوَ بِهِ، فَهَلَك أَنه إِنَّمَا كَانَ هَلَاكه من أجل هُبُوطه عَلَيْهِ، وَأَن من خرج من أَرض هُوَ بهَا، فنجا من الْمَوْت أَن نجأه مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ من أجل خُرُوجه عَنهُ؟ فَنَقُول كَمَا قَالَ الَّذين عَابَ الله تَعَالَى ذكره قَوْلهم فِي الَّذين قتلوا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذْ قَالُوا: لَو أطاعونا فِي الْجُلُوس عَن الْقِتَال، مَا قتلوا، فكره رَسُول الله ﷺ َ - لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ الَّذين ذكرت فِي أَمر الطَّاعُون مَا كره، لما وصفت.
وَنَهْيه ذَلِك ﷺ َ - نَظِير نَهْيه عَن الدنو من المجذوم. وَقَوله: " فر من المجذوم فرارك من الْأسد ". مَعَ إِعْلَامه
стр. 83
- ﷺ َ - أمته " أَلا عدوى وَلَا صفر ". وَقد تقدم بَيَان ذَلِك كُله قبل فِيمَا مضى من كتَابنَا هَذَا .
(" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذِه الْأَخْبَار من الْغَرِيب ")
فَمن ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ َ -: " إِن هَذَا الوجع: رجز عذب بِهِ من قبلكُمْ ". يَعْنِي بقوله ﷺ َ -: " رجز ": عَذَاب. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ذكره: ﴿أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب من رجز أَلِيم﴾ .
يُقَال: هُوَ رجز، ورجس - بالزاي وَالسِّين - وَمِنْه قَول رؤبة بن العجاج:
(كم رامنا من ذِي عديد مبز ... حَتَّى وقمنا كَيده بالرجز)
يَعْنِي بقوله: " وقمنا كَيده بالرجز ": رددنا مكره بِالْعَذَابِ.
وَأما قَول أبي مُوسَى: " إِن هَذَا الوجع قد وَقع فِي أهلنا، فَمن شَاءَ أَن يتنزه فليتنزه ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: فَمن شَاءَ أَن يتنزه: فَمن شَاءَ أَن يتَنَحَّى عَنهُ، فيبعد مِنْهُ، فليتنح وليبعد مِنْهُ. وَمِنْه؛ قيل: خرج فلَان متنزها إِذا خرج إِلَى بُسْتَان أَو صحراء. يُرَاد بذلك: أَنه خرج متنحيا عَن مجمع النَّاس، ومتباعدا عَن منزله، وَأَهله. وَمِنْه قَوْلهم للموضع المتنحي عَن النَّاس: مَكَان نزه. وَمِنْه قَول رؤبة بن العجاج:
стр. 84
(سبحن واسترجعن من تألهي ... أَن كَاد أخلاقي من التَّنَزُّه)
يَعْنِي بقوله: " أَن كَاد - أخلاقي من التَّنَزُّه ": أَن تقترب أخلاقي من الترفع عَمَّا يكره من الْأُمُور. يُقَال مِنْهُ: تنزه فلَان عَن هَذَا الْأَمر: إِذا تنحى عَنهُ وارتفع.
وَأما قَول أبي مُوسَى: " فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن الْأُرْدُن أَرض غمقة، وَأَن الْجَابِيَة أَرض نزهة ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: إِن الْأُرْدُن أَرض غمقة: أَنَّهَا أَرض ندية كَثِيرَة الندى والطل. يُقَال: قد غمقت هَذِه الأَرْض، فَهِيَ تغمق غمقا، وَهِي أَرض غمقة.
وَمِنْه قَول رؤبة فِي صفة حمر:
(جوازيا يخبطن أنداء الغمق ... من باكر الوسمي نصاح البوق)
وَأما قَوْله: " وَإِن الْجَابِيَة أَرض نزهة " فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهَا بعيدَة من الغمق. وَإِنَّمَا وصفهَا بذلك؛ لِأَنَّهَا عَن الْبَحْر أَشد تنحيا من الْأُرْدُن. وَمَا قرب من الْبَحْر من الْبِلَاد فَهِيَ أندى وأطل وَأكْثر بلة مِمَّا بعد مِنْهَا مِنْهُ.
وَأما قَول أبي مُوسَى: " فَأمرنِي أَن أركب فأبوئ النَّاس مَنَازِلهمْ " فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: " فأبوئ النَّاس مَنَازِلهمْ ": فأتخذ لَهُم منَازِل ينزلونها، وأرتاد ذَلِك لَهُم. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ذكره: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوئ الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ . يَعْنِي: تتَّخذ لَهُم مقاعد، وترتادها لَهُم، يُقَال: مِنْهُ بوأت الْقَوْم مَنَازِلهمْ، وبوأت لَهُم مَنَازِلهمْ كَمَا يُقَال: ردفتك، وردفت لَك. ونقدت لَهَا صَدَاقهَا، ونقدتها، فَأَنا أبوئهم تبوئة. ومسموع من الْعَرَب: أبأت الْقَوْم منزلا، فَأَنا أبيئها إباءة. وَيُقَال مِنْهُ: أبأت الْإِبِل: إِذا رَددتهَا إِلَى المباءة. والمباءة: المراح
стр. 85
الَّذِي تبيت فِيهِ.
وَمِنْه قَول الطرماح بن حَكِيم:
(طرف التأنف مَا يبن مباءة ... حَوْلَيْنِ طيب بنة الأبعار)
وَأما قَول أبي مُوسَى قَالَ: فَذهب ليركب، فَوجدَ وخزة، فَإِنَّهُ يَعْنِي بالوخزة: النخسة. وَقيل: الوخزة: أَن يجمع الرجل أَطْرَاف أَصَابِع يَده، ثمَّ يدْفع بهَا فِي صدر الرجل أَو غَيره من جسده. وَهِي الفعلة من قَوْلهم: وخزت فلَانا، فَأَنا أخزه وخزا: إِذا نخسته بمنخسة. وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ َ - إِذْ قَالَ: " فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون. فَقيل: أما الطعْن فقد عَرفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُون؟ فَقَالَ: وخز أعدائكم من الْجِنّ ".
وَمِنْه قَول: رؤبة بن العجاج:
(وَالْحَرب عسراء اللقَاح المغزي ... بالمشرفيات وَطعن وخز)
وَأما قَول عَمْرو بن الْعَاصِ: " فَتَفَرَّقُوا فِي هَذِه الشعاب والأدوية ". فَإِن: الشعاب: الْأَنْهَار الصغار الَّتِي تَأْخُذ من الأودية الْعِظَام. وَإِنَّمَا أَرَادَ عَمْرو بذلك: جدوا فِي هَذِه الطّرق الَّتِي تتشعب من الطَّرِيق الْأَعْظَم، هرابا من الطَّاعُون فتنحوا عَنهُ. وَأما قَول طَارق بن عبد
стр. 86
الرَّحْمَن: " إِن الوباء وَقع بِالشَّام، واستعر " فَإِنَّهُ يَعْنِي بقوله: " استعر ": اتقد وحمي. وَهُوَ افتعل من السعير. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ذكره: ﴿وَإِذا الْجَحِيم سعرت﴾ .
وَأما قَول النَّبِي ﷺ َ -: " وَسَأَلته أَلا يلْبِسهُمْ شيعًا ". فَإِنَّهُ عَنى بقوله: شيعًا: فرقا. يَقُول: سَأَلته أَلا يجعلهم متفرقي الْأَهْوَاء. وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ذكره: ﴿إِن الَّذين فارقوا دينهم، وَكَانُوا شيعًا﴾ . يَعْنِي: فرقا. وَمِنْه قَول رؤبة.
(لَو أَن يَأْجُوج وَمَأْجُوج مَعًا ... وَالنَّاس أخلافا علينا شيعًا)
وَأما قَول عمر لأبي عُبَيْدَة: " أَرَأَيْت لَو كَانَت لَك إبل، فَهَبَطت وَاديا لَهُ عدوتان ". فَإِنَّهُ يَعْنِي بالعدوتين: شفيري الْوَادي، وجانبيه. وفيهَا لُغَتَانِ: عدوتان - بِكَسْر الْعين - وعدوتان: بضَمهَا - وينشد فِي كسرهَا بَيت الرَّاعِي:
(وعينان حم مآقيهما ... كَمَا نظر العدوة الجؤذر)
بِكَسْر الْعين. وينشد فِي ضمهَا بَيت أَوْس بن حجر:
стр. 87
(وَفَارِس لَا يحل الْحَيّ عدوته ... ولوا سرَاعًا وَمَا هموا بإقبال)
وَيُقَال للرجل إِذا أَمر بِلُزُوم نَاحيَة الطَّرِيق: الزم أَعدَاء الطَّرِيق.
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٣٢ - حَدثنَا أَحْمد بن الْحُسَيْن التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن كثير بن عفير، قَالَ: حَدثنَا مفضل بن فضَالة، عَن يُونُس بن يزِيد، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنِي أخي الْمسور بن إِبْرَاهِيم، عَن أَبِيه، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أقيم على السَّارِق الْحَد فَلَا غرم عَلَيْهِ ".
стр. 88
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر عندنَا صَحِيح سَنَده وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل:
إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج يَصح عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ عِنْدهم مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ ﴿
وَالثَّانيَِة: أَن الْمَعْرُوف من هَذَا الْخَبَر عَن رُوَاته: عَن مفضل بن فضَالة، عَن يُونُس بن يزِيد، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن أَخِيه: الْمسور بن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن النَّبِي ﷺ َ - من غير إِدْخَال أَبِيه فِيهِ بَينه وَبَين عبد الرَّحْمَن﴾ قَالُوا: وَإِذ كَانَ ذَلِك الْمَعْرُوف من نقل رُوَاته، والمسور بن إِبْرَاهِيم لَا يعلم لَهُ سَماع من جده، لم يكن جَائِزا الِاحْتِجَاج بِهِ فِي الدّين!
قَالُوا: وَالثَّالِثَة: أَنه قد حدث بِهِ عَن ابْن عفير غير أَحْمد بن الْحسن فَوَافَقَ فِي رِوَايَته عَنهُ سَائِر من حدث بِهِ عَن مفضل بن فضَالة. فَذَلِك دَلِيل
стр. 89
على وهائه عِنْدهم!
(" ذكر من حدث هَذَا الحَدِيث عَن مفضل، فَلم يَجْعَل فِيهِ بَين الْمسور بن إِبْرَاهِيم، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف أحدا ")
١٣٣ - حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن زنجوية، قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح الْحَرَّانِي عبد الْغفار بن دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا الْمفضل بن فضَالة، عَن يُونُس بن يزِيد، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن أَخِيه، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " لَا يغرم السَّارِق إِذا أقيم عَلَيْهِ الْحَد ".
١٣٤ - وَحدثنَا أَبُو همام السكونِي: الْوَلِيد بن شُجَاع، قَالَ: حَدثنِي أَبُو نعيم إِسْحَاق بن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنَا الْمفضل بن فضَالة العتباني، عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن أَخِيه الْمسور بن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن النَّبِي ﷺ َ - أَنه قَالَ: " لَا يغرم صَاحب السّرقَة إِذا أقيم عَلَيْهِ الْحَد ".
стр. 90
(" ذكر من روى هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عفير فَوَافَقَ فِي رِوَايَته إِيَّاه عَنهُ سَائِر من ذكرنَا مِمَّن حدث بِهِ عَن مفضل بن فضَالة ")
١٣٥ - حَدثنِي زَكَرِيَّا بن يحيى بن أبان الْمصْرِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن عفير، قَالَ: حَدثنَا الْمفضل بن فضَالة، عَن يُونُس بن يزِيد، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن أَخِيه الْمسور بن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أقيم على السَّارِق الْحَد فَلَا غرم عَلَيْهِ ".
(" القَوْل فِي الْبَيَان عَمَّا فِي هَذَا الْخَبَر من الْفِقْه ")
وَالَّذِي فِيهِ من ذَلِك: الْبَيَان الْبَين عَن صِحَة قَول الْقَائِلين: إِن السَّارِق إِذا أَخذ وَقد اسْتهْلك مَا سرق، فَقطعت يَده، أَنه لَا سَبِيل للمسروق مِنْهُ عَلَيْهِ بِسَبَب السّرقَة الَّتِي سَرَقهَا مِنْهُ فِي اتِّبَاعه بغرم قيمَة ذَلِك، وَفَسَاد قَول من زعم أَن عَلَيْهِ مَعَ الْقطع ضَمَان قيمَة مَا اسْتهْلك من السّرقَة لصَاحبه وَبِذَلِك من القَوْل قَالَ جمَاعَة من سلف عُلَمَاء الْأمة وخلفهم. وَإِن كَانَ قد خالفهم فِي ذَلِك مخالفون، نذْكر اخْتلَافهمْ فِي ذَلِك، ثمَّ نتبع جَمِيعه الْبَيَان عَن الْمُجْتَبى من القَوْل فِيهِ عندنَا، وَالدّلَالَة على صِحَّته إِن شَاءَ الله.
стр. 91
(" ذكر من قَالَ القَوْل الَّذِي روينَاهُ عَن رَسُول الله ﷺ َ - ")
١٣٦ - حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: سَمِعت عَامِرًا يَقُول: " السَّارِق يقطع، وَلَا يتبع بِشَيْء أهلكه ".
١٣٧ - حَدثنَا أَبُو همام الْوَلِيد بن شُجَاع، قَالَ: حَدثنَا حَفْص، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: " إِذا قطع السَّارِق، لم يتبع بِشَيْء، هُوَ ثمن يَده ".
١٣٨ - حَدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، قَالَ: حَدثنَا الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ قَالَ: " إِذا قطع فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء ".
١٣٩ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: أخبرنَا الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: " إِن كَانَ استهلكها، فَقطعت يَده، وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ ".
١٤٠ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا الْمحَاربي، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ، أَنه قَالَ ذَلِك.
стр. 92
١٤١ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: أخبرنَا عَن ابْن سِيرِين: مثل قَول الشّعبِيّ.
١٤٢ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا هشيم، عَن مُغيرَة، عَن إِبْرَاهِيم، أَنه قَالَ مثل قَول الشّعبِيّ.
١٤٣ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ قَالَ: " لَا يغرم السَّارِق إِلَّا أَن يُوجد شَيْء بِعَيْنِه ".
١٤٤ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ قَالَ: " إِذا قطع السَّارِق فَلَيْسَ عَلَيْهِ تبعة سوى قطع يَمِينه، إِلَّا أَن يُوجد شَيْء بِعَيْنِه ".
١٤٥ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، عَن شُعْبَة، عَن سُفْيَان، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ قَالَ: أَنْتُم الَّذين تضمنون السَّارِق! ؟ يَعْنِي لَا ضَمَان عَلَيْهِ ".
١٤٦ - وَحدثنَا حميد بن مسْعدَة الشامري، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن حبيب الْجرْمِي، عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ عَطاء: " لَيْسَ على السَّارِق غرم إِلَّا أَن يُوجد بِعَيْنِه ".
١٤٧ - حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنَا
стр. 93
سُفْيَان، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء؛ قَالَ: " لَا يغرم السَّارِق ".
١٤٨ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْمُبَارك، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء قَالَ: " إِذا قطع لم يتبع فِي السّرقَة، وَإِن كَانَ مُوسِرًا ".
١٤٩ - وَحدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن الْحَارِث الهُجَيْمِي، قَالَ: حَدثنَا الْأَشْعَث، عَن الْحسن، أَنه " كَانَ لَا يضمن السَّارِق ".
١٥٠ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء، عَن سعيد، عَن قَتَادَة قَالَ: " لَا يغرم إِلَّا أَن تُوجد بِعَينهَا أَو قَالَ: لَا يتبع ". وَعلة قائلي هَذِه الْمقَالة مَعَ الْأَثر الَّذِي ذكرنَا الْقيَاس على إِجْمَاع الْجَمِيع على أَن المحكمة إِذا حَاربُوا أهل الْعدْل بعد نصب إِمَام لَهُم، فَأَصَابُوا من أَمْوَالهم، ثمَّ ظهر عَلَيْهِم أهل الْعدْل، أَنهم لَا يتبعُون بغرم مَا كَانُوا قد استهلكوا من أَمْوَالهم، وهم لَا شكّ أَنهم فِيمَا أَصَابُوا من أَمْوَالهم فاستهلكوها عَلَيْهِم لَهُم ظلمَة!
قَالُوا: فَكَذَلِك حكم كل مستهلك مَالا لغيره على وَجه الْحَرْب لَهُ مثل جمَاعَة اجْتمعت من قطاع الطَّرِيق، وَغَيرهم مِمَّن يجب لله عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ذَلِك حد من الْحُدُود.
قَالُوا: فالسارق المستخفي بِسَرِقَة حكمه فِي ذَلِك حكم قطاع الطَّرِيق الَّذين يسْقط عَنْهُم الْحَد الَّذِي يُقَام عَلَيْهِم غرم مَا استهلكوا من أَمْوَال النَّاس إِذا قطع.
стр. 94
وَقَالَ آخَرُونَ: على السَّارِق غرم قيمَة مَا اسْتهْلك: قطعت يَده أولم تقطع.
(" ذكر من قَالَ ذَلِك ")
١٥١ - حَدثنَا ابْن أبي الشَّوَارِب، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد، قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد، أَن إِبْرَاهِيم قَالَ: " يتبع بهَا - يَعْنِي فِي السَّارِق تقطع يَده، وَقد اسْتهْلك مَا سرق ".
١٥٢ - حَدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، عَن شُعْبَة، عَن سُفْيَان، عَن حَمَّاد " أَنه قَالَ فِي السَّارِق يضمن مَا سرق "
١٥٣ - وَحدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن حَمَّاد فِي السَّارِق تقطع يمنيه، وَقد اسْتهْلك مَا سرق؟ قَالَ: " يتبعهُ كَمَا يتبع بِالدّينِ ".
١٥٤ - وَحدثنَا أَبُو همام الْوَلِيد بن شُجَاع، قَالَ: حَدثنَا الْمحَاربي، عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن حَمَّاد قَالَ: " يتبع كإتباع الدّين ".
١٥٥ - وَحدثنَا ابْن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا الْأَشْعَث، عَن الْحسن " أَنه كَانَ يضمن السَّارِق ".
١٥٦ - حَدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْمُبَارك، عَن خَالِد، عَن الْحسن قَالَ: سمعته يَقُول: " يتبع بِهِ ".
стр. 95
١٥٧ - حَدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْمُبَارك، عَن يُونُس، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: " يتبع بِهِ ".
وَعلة قائلي هَذِه الْمقَالة الْقيَاس على إِجْمَاع الْجَمِيع على أَن رجلا لَو غصب مَالا لرجل فاستهلكه، ثمَّ قَامَت لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة مِمَّا أتلف عَلَيْهِ من مَاله أَنه مقضي عَلَيْهِ بِهِ.
قَالُوا: فالسارق فِي سَرقته مَال من سرق مَاله لن يعدو أَن يكون فِي استهلاكه مَا سرق من مَال من سرق مَاله فِي معنى الْغَاصِب الْمُسْتَهْلك مَال من غصب مَاله فِي أَنه لَهُ ضَامِن.
قَالُوا: وحدود الله تَعَالَى ذكره لن تضع عَمَّن لَزِمته حُقُوق بني آدم.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِذا قطع السَّارِق نظر فِيمَا اسْتهْلك من السّرقَة، فَإِن كَانَ مَلِيًّا بِقِيمَتِه غرمها، وَإِن كَانَ معدما لم يتبع بهَا.
(" ذكر من قَالَ ذَلِك ")
١٥٨ - حَدثنِي يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: قَالَ مَالك: " الْأَمر عندنَا أَن السَّارِق إِذا سرق الْمَتَاع أَنه إِن وجد صَاحب الْمَتَاع مَتَاعه بِعَيْنِه أَخذه، وَإِن اسْتَهْلكهُ أَخذ مِنْهُ قيمَة ذَلِك الْمَتَاع يَوْمئِذٍ إِن وجد لَهُ مَال يُؤْخَذ مِنْهُ، ويقام عَلَيْهِ الْحَد، وَإِن لم يُوجد لَهُ مَال، لم يكن عَلَيْهِ دينا يتبع بِهِ. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يغرم، وَيقطع! فَإِنَّهُ إِذا وجد الْمَتَاع عِنْده بِعَيْنِه أَخذ مِنْهُ، وأقيم عَلَيْهِ الْحَد ".
وَالصَّوَاب من القَوْل فِي ذَلِك عندنَا قَول من قَالَ: إِذا قطع السَّارِق لم يتبع بِضَمَان قيمَة السّرقَة إِن كَانَ قد استهلكها مُوسِرًا كَانَ بِقِيمَتِهَا أَو مُعسرا؛ لقَوْل الله تَعَالَى ذكره: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ .
стр. 96
فَأوجب - جلّ ثَنَاؤُهُ - على الْمُسلمين قطع يَده، وَلم يَأْمُرهُم بتغريمه قيمَة مَا سرق مِمَّا قد اسْتهْلك مِنْهُ، وَلَو كَانَ ذَلِك لَهُ لَازِما لَكَانَ قد عرف عباده لُزُومه ذَلِك، كَمَا عرفهم وجوب الْقطع عَلَيْهِ: إِمَّا بِنَصّ التَّنْزِيل أَو بِحكم الرَّسُول ﷺ َ - وَفِي تَركه تعريفهم وجوب ذَلِك عَلَيْهِ بِبَعْض مَا ذكرنَا الدّلَالَة الْوَاضِحَة على أَن ذَلِك عَلَيْهِ غير وَاجِب.
فَإِن ظن ظان أَن فِي بَيَان الله - تَعَالَى ذكره - على لِسَان رَسُوله ﷺ َ - حكم الْغَاصِب مَال أَخِيه الْمُسلم المستهلكه عَلَيْهِ الْكِفَايَة من بَيَان الحكم فِي السَّارِق الْمُسْتَهْلك مَا سرق، إِذا قطعت يَده، إِذْ كَانَ الله - جلّ ثَنَاؤُهُ - قد جعل مَا أوضح بَيَانه بِالنَّصِّ الْمُحكم دَلِيلا على نَظَائِره مِمَّا خَفِي فقد أغفل. وَذَلِكَ أَن ذَلِك لَو كَانَ كَمَا ظن لوَجَبَ أَن يكون حكم المحكمة من أهل الْإِسْلَام إِذا غلبوا على مَال العدلى فاستهلكوه، ثمَّ ظهر عَلَيْهِم أهل الْعدْل مَضْمُونا على مستهلكه مِنْهُم؛ لِأَن أَخذهم مَا أخذُوا من ذَلِك واستهلاكهم مَا استهلكوا مِنْهُ بِغَيْر حق أوجب ذَلِك لَهُم، بل كَانَ ذَلِك مِنْهُم على وَجه التَّعَدِّي وَالظُّلم.
وَفِي إِجْمَاع الْجَمِيع على أَنهم بذلك غير متبعين وَلَا مظلومين بِهِ فِي عَاجل الدُّنْيَا، الدَّلِيل الْوَاضِح على أَن الْأَمر فِيمَا ظن من أَن حكم السَّارِق فِي لُزُومه ضَمَان قيمَة مَا اسْتهْلك من سَرقته بعد قطع يَده حكم الْغَاصِب الْمُسْتَهْلك مَال غَيره، إِلْحَاقًا مِنْهُ حكمه بِحكمِهِ.
وَيُقَال للمعتل بِمَا ذكرنَا فِي تضمين السَّارِق بعد قطع يَده قيمَة مَا اسْتهْلك من السّرقَة من حكم الْغَاصِب الْمُسْتَهْلك مَال غَيره مَا قلت فِي حَرْبِيّ غلب مُسلما على مَال لَهُ فِي حَال حربه ثمَّ أسلم، وَفِي يَده مِمَّا غلب الْمُسلم عَلَيْهِ بعض، وَبَعض قد اسْتَهْلكهُ، أيتبع مِمَّا كَانَ قد اسْتهْلك مِنْهُ قبل حَال إِسْلَامه أم لإتباعه للْمُسلمِ قبله فِي ذَلِك؟ ".
وَقد علمت أَنه لَا ظَالِم وَلَا غَاصِب أظلم مِمَّن جمع مَعَ غصبه
стр. 97
مَا غصب الْكفْر، وَالْحَرب لله، وَلِرَسُولِهِ، وللمسلمين.
فَإِن زعم أَنه يتبعهُ مَا اسْتهْلك من مَاله ذَلِك فِي حَال حربه، فاد قَوْله، وَخرج من قَول أهل الْإِسْلَام.
وَإِن زعم أَنه بذلك غير مُتبع، وَلكنه يُؤْخَذ مِنْهُ مَا وجد قَائِما فِي يَده مِنْهُ؟
قيل لَهُ: فقد تركت الِاسْتِدْلَال بِمَا زعمت أَن فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ من حكم الله فِي الْغَاصِب الْكِفَايَة على حكم السَّارِق الْمُسْتَهْلك مَا سرق فِي تَضْمِينه قِيمَته مَعَ قطعه؟
فَهَلا إِن كَانَ الحكم فِي الْغَاصِب دَلِيلا على الحكم فِي السَّارِق الَّذِي وَصفنَا أمره، استدللت بِحكم الْغَاصِب فِيمَا ألزمته من ضَمَان قيمَة مَا اسْتهْلك مِمَّا غصب على حكم الْحَرْبِيّ الَّذِي وَصفنَا أمره؟ .
أم إِن قلت: إِن الحكم فِي الْحَرْبِيّ الْمُسْتَهْلك مَال من غلب على مَاله من الْمُسلمين، فاستهلكه، ثمَّ أسلم أصل فِي أَنه لَا يتبع بِقِيمَتِه مُخَالف حكم الْغَاصِب جعلت حكم السَّارِق الْمُسْتَهْلك مَا سرق، إِذا قطع لَهُ نظيرا فِي أَنه غير مُتبع دون إِلْحَاق حكم السَّارِق الَّذِي وَصفنَا أمره بِحكم الْغَاصِب الَّذِي قلت أولى من إِلْحَاق حكمه بِحكم الْحَرْبِيّ الَّذِي وَصفنَا حَاله.
فَإِن اعتل بِأَن الْجَمِيع لما كَانُوا مُجْمِعِينَ على أَنه إِذا قطعت يَده وَالسَّرِقَة الَّتِي سَرَقهَا قَائِمَة فِي يَده، أَنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْهُ، كَانَ فِي ذَلِك دَلِيل على أَنه غَارِم، وَإِن كَانَ قد استهلكها.
قيل: لَهُ: فَمَا قلت فِي حَرْبِيّ أسلم، وَفِي يَده مَال لمُسلم غَلبه عَلَيْهِ فِي حَال الشّرك وَالْحَرب: أتحكم عَلَيْهِ برده على الْمُسلم أم لَا؟ فَإِن قَالَ: لَا أحكم بذلك عَلَيْهِ، ترك قَوْله فِيهِ، وَإِن قَالَ: بل أحكم عَلَيْهِ برده عَلَيْهِ. قيل لَهُ: أفتحكم عَلَيْهِ بِمَا كَانَ اسْتَهْلكهُ لَهُ فِي حَال كفره وحربه للْمُسلمين؟ .
стр. 98
فَإِن قَالَ: نعم. خَالف بذلك من قَوْله قَول جَمِيع عُلَمَاء الْأمة. وَإِن قَالَ: لَا. قيل لَهُ: فقد فرقت بَين حكم مَا كَانَ مَوْجُودا من ذَلِك فِي يَده بعد إِسْلَامه، وَمَا كَانَ مُسْتَهْلكا مِنْهُ! فَمَا أنْكرت أَن يكون كَذَلِك حكم مَا كَانَ من السّرقَة مَوْجُودا فِي يَد السَّارِق بعد قطع يَده مُخَالفا حكم مَا كَانَ مِنْهُ مُسْتَهْلكا بِأَن يكون مَا كَانَ مِنْهُ مَوْجُودا فِي يَده مأخوذا مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مُسْتَهْلكا فَلَا غرم عَلَيْهِ فِيهِ. ثمَّ سُئِلت الْفرق بَين ذَلِك من أصل أَو قِيَاس؟ فَمَا يَقُول فِي شَيْء من ذَلِك قولا إِلَّا ألزم فِي غَيره مثله. وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا الدّلَالَة الْوَاضِحَة على أَن الْقَائِم من السّرقَة فِي يَد السَّارِق مَأْخُوذ مِنْهُ، وَإِن قطع؛ وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أقيم على السَّارِق الْحَد فَلَا غرم عَلَيْهِ ". وَالْغُرْم إِنَّمَا هُوَ غرم مَا اسْتَهْلكهُ أَو قِيمَته؛ وَذَلِكَ أَنه لَا يُقَال: غرم فلَان لفُلَان شَيْئا. بِمَعْنى: رد عَلَيْهِ مَا أَخذه مِنْهُ بِعَيْنِه. وَإِنَّمَا يُقَال: غرم لَهُ مَا اسْتَهْلكهُ عَلَيْهِ. فَإذْ كَانَ ﷺ َ - إِنَّمَا أَزَال عَنهُ بِالْقطعِ الْغرم فمعلوم أَن مَا لَا يسْتَحق أَن يُقَال: إِذا أَخذ مِنْهُ من مَال الْمَسْرُوق مِنْهُ الْمَوْجُود قَائِما فِي يَده غرمه أَنه مَأْخُوذ مِنْهُ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا من ذَلِك قَالَ السّلف من أهل الْعلم، وَأجْمع عَلَيْهِ مِنْهُم الْخلف.
(" ذكر بعض من حَضَرنَا ذكره مِمَّن قَالَ ذَلِك من السّلف ")
١٥٩ - حَدثنَا ابْن أبي الشَّوَارِب، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: سَمِعت عَامِرًا يَقُول: " السَّارِق يقطع، وَيُؤْخَذ مَا وجد عِنْده من الْمَتَاع بِعَيْنِه ".
١٦٠ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: أخبرنَا
стр. 99
الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ أَنه كَانَ يَقُول فِي السَّارِق: " إِن وجدت السّرقَة عِنْده بِعَينهَا أخذت مِنْهُ، وَقطعت يَده ".
١٦١ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن إِدْرِيس، والمحاربي عَن الشَّيْبَانِيّ، عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ ذَلِك.
١٦٢ - حَدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْمُبَارك، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء أَنه قَالَ ذَلِك.
١٦٣ - وَحدثنَا أَبُو همام، قَالَ: حَدثنَا هشيم، قَالَ: قَالَ مُغيرَة، عَن إِبْرَاهِيم أَنه قَالَ ذَلِك.
وَفِي هَذَا الْخَبَر - أَيْضا - الدّلَالَة الْوَاضِحَة على أَن السَّارِق إِذا سرق مَالا يجب عَلَيْهِ فِيهِ قطع أَو مَا يجب فِي مثله الْقطع إِلَّا أَنه زَالَ عَنهُ الْقطع بِسَبَب شُبْهَة أَو غَيرهَا، أَنه يلْزمه غرم مَا كَانَ قد اسْتهْلك من السّرقَة لصَاحبه الْمَسْرُوق مِنْهُ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَا وجد مِنْهَا قَائِما فِي يَده، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أقيم على السَّارِق الْحَد فَلَا غرم عَلَيْهِ ". فأزال عَنهُ غرم مَا اسْتَهْلكهُ بِالْحَدِّ الَّذِي يُقَام عَلَيْهِ.
فَإِذا لم يقم عَلَيْهِ الْحَد، وَلم يكن عَلَيْهِ وَاجِبا، فَلَا شكّ أَن عَلَيْهِ الْغرم.
وَبِذَلِك من القَوْل قَالَ الْجَمِيع من سلف عُلَمَاء هَذِه الْأمة وَخَلفهَا. وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا: الدّلَالَة على أَن قَول الله - تَعَالَى ذكره - ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ : مُرَاد بِهِ بعض السراق دون بعض؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِذا أقيم على السَّارِق الْحَد " أَن من السراق من لَا يُقَام عَلَيْهِ الْحَد؛ وَإِنَّمَا لَا يُقَام ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ عَلَيْهِ لأقيم عَلَيْهِ.
стр. 100
وَفِيه - أَيْضا - الدّلَالَة الْبَيِّنَة على أَن السَّارِق إِذا سرق من جمَاعَة شَتَّى سرقات مفترقة أَو من وَاحِد مَرَّات، فاستهلك بعض ذَلِك، أدْرك بعضه قَائِما فِي يَده ثمَّ قطعت يَده فِي آخر ذَلِك، أَنه لَا يتبع بغرم شَيْء كَانَ اسْتهْلك قبل؛ ذَلِك لإِجْمَاع الْجَمِيع على أَنه إِذا أَخذ وَقد سرق مَرَّات كَثِيرَة فِي كل مرّة من ذَلِك مَا يجب فِي مثله الْقطع، ثمَّ أَخذ بعد ذَلِك أَنه لَا يجب إِلَّا قطع يَده الْيُمْنَى إِن كَانَت مَوْجُودَة، فمعلوم بذلك أَن ذَلِك الْقطع قطع للمرات الْكَثِيرَة الَّتِي سلفت مِنْهُ قبل ذَلِك الَّتِي سرق فِي كل مرّة مِنْهَا مَا يجب فِي مثله الْقطع، فَسقط عَنهُ بذلك غرم كل مَا اسْتَهْلكهُ من السرق قبل الْقطع.
وَلَو كَانَ ذَلِك قطعا لسرقته مَا سرق مَا يجب فِي مثله الْقطع لمرة وَاحِدَة، لوَجَبَ عَلَيْهِ الْقطع لسَائِر المر الَّتِي سرق فِيهَا مثل ذَلِك، لقطع حَتَّى يُؤْتى على الْأَعْضَاء الَّتِي يجب قطعهَا فِي السرق يعودهُ فِيهَا مرّة بعد مرّة، وظفر الإِمَام بِهِ فِي كل مرّة من ذَلِك. وَفِي إِجْمَاع الْجَمِيع على أَنه غير وَاجِب ذَلِك عَلَيْهِ، وَأَن الَّذِي يقطع مِنْهُ إِذا ظفر بِهِ، وَقد سرق مائَة مرّة أَو أقل أَو أَكثر فِي كل ذَلِك مَا يجب فِي مثله الْقطع عُضْو وَاحِد من الْأَعْضَاء الَّتِي أَمر الله - جلّ ثَنَاؤُهُ - بقطعها من السَّارِق الدَّلِيل الْوَاضِح على أَن ذَلِك قطع لجَمِيع المر الَّتِي سرق فِيهَا قبل ذَلِك.
فَكَانَ بِكَوْنِهِ كَذَلِك زائلا عَنهُ غرم كل مَا اسْتهْلك مِمَّا كَانَ سرق قبل ذَلِك الْقطع، بِالْقطعِ الَّذِي قطعه؛ إِذْ كَانَ ذَلِك قطعا لجَمِيع المر الَّتِي تقدّمت قبل ذَلِك وَيُقَال لمن أنكر مَا قُلْنَا فِي ذَلِك فَزعم أَن السَّارِق إِذا قطعت يَده بعد سرق مَرَّات كَثِيرَة تقدّمت، فَإِنَّمَا هُوَ قطع للسرق رفع فِيهِ.
فَإِن كَانَ مَا سرق فِي تِلْكَ الْمرة قَائِما فِي يَده مَوْجُودا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ وتقطع يَده، وَيغرم كل مَا كَانَ اسْتهْلك من سَرقَة سَرَقهَا قبل ذَلِك مِمَّا لم يكن قطع فِيهِ.
стр. 101
وَإِن كَانَ مَا قطع فِيهِ من السّرقَة قد اسْتَهْلكهُ مَعَ سَائِر مَا سرق قبل ذَلِك؛ فَإِنَّهُ لَا يتبع بغرم مَا قطع فِيهِ، وَيغرم سَائِر مَا سرق قبل ذَلِك مِمَّا لم يقطع فِيهِ، وَإِن كَانَ قد اسْتَهْلكهُ.
مَا الْبُرْهَان على صِحَة مَا قلت من أَن الْقطع الَّذِي قطعه السَّارِق الَّذِي وَصفنَا أمره قطع لما رفع فِيهِ إِلَى السُّلْطَان من الْمرة الْوَاحِدَة، دون أَن يكون قطعا لجَمِيع المر الَّتِي سرق قبل الْقطع؟ وَمَا قلت فِي شَارِب من الْمُسلمين وجد يشرب خمرًا، فَشهد عَلَيْهِ عَدْلَانِ من الْمُسلمين أَنهم رَأَوْهُ شرب عشرَة أقداح مِنْهَا فِي مجْلِس وَاحِد، وَاحِدًا بعد وَاحِد؟ أَو شَهدا عَلَيْهِ أَنَّهُمَا رأياه شرب قدحا وَاحِدًا فِي أنفاس متقطعة: عشرَة يتحساها فِي كل مرّة، ثمَّ يقطع، ثمَّ يعود، فتحساها حَتَّى فعل ذَلِك مَرَّات عشرا: أحد وَاحِد عَلَيْهِ أم عشرَة حُدُود؟
فَإِن قَالُوا: حد وَاحِد. قيل لَهُم: فأخبرونا عَن ذَلِك الْحَد الْوَاحِد: أحد لجَمِيع الشّرْب فِي الأنفاس والأقداح الْعشْرَة أم ذَلِك حد لأوّل جرعة تجرع مِنْهَا؟
فقد علمْتُم أَن الْحَد قد وَجب عَلَيْهِ بِأول جرعة مِنْهَا؛ فَإِن زَعَمُوا أَن ذَلِك حد لشربه مَا شرب من ذَلِك فِي أول نفس، وَأول قدح ﴿قيل لَهُم: فَمَا شَأْن شربه فِي الأنفاس والأقداح الْأُخَر؟ أموضوع عَنهُ فِيهِ الْحَد، فَلَا حد عَلَيْهِ فِيهِ، أم عَلَيْهِ لكل جرعة تجرع من ذَلِك حد غير الْحَد فِي الجرعة الْأُخْرَى؟ فَإِن زعم أَن عَلَيْهِ لكل جرعة تجرع من ذَلِك حدا غير الْحَد فِي الجرعة الْأُخْرَى غَيرهَا﴾ خرج من قَول جَمِيع الْأمة، وناقض فِي قَوْله فِي السَّارِق: أَن عَلَيْهِ إِذا رفع، وَقد سرق مَرَّات كَثِيرَة، فِي كل مرّة من ذَلِك مَا يجب فِي مثله الْقطع، قطع يَد وَاحِدَة! وَقيل: فَهَلا أوجبت - أَيْضا - على السَّارِق لكل مرّة سرق قبل الرّفْع إِلَى الإِمَام مَا يجب فِي مثله الْقطع، قطعا غير الْقطع الَّذِي أوجبته لغَيْرهَا؟
стр. 102
ثمَّ نعكس عَلَيْهِ القَوْل فِي ذَلِك، فَلَنْ يَقُول فِي أَحدهمَا قولا إِلَّا ألزم فِي الآخر مثله!
وَإِن قَالَ: بل الْحَد عَنهُ لكل جرعة تجرعها، وَلكُل شربة شربهَا فِي الأنفاس والأقداح الْعشْرَة مَوْضُوع إِذا هُوَ حد فِي جرعة من ذَلِك، زعم أَلا حد على شَارِب جابية من خمر بعد تجرعه مِنْهَا جرعة وَاحِدَة فِي أول حَال شربه مِنْهَا تِلْكَ الجرعة، فَيُقَال لَهُ حِينَئِذٍ: فَمَا جعل الْحَد إِذا أقيم عَلَيْهِ بِأَن يكون حدا لأوّل جرعة من ذَلِك بِأولى من أَن يكون حدا للجرعة الْخَامِسَة أَو الْعَاشِرَة أَو لآخر شربة مِنْهَا.
وَسُئِلَ الْفرق بَين ذَلِك؟
وَسُئِلَ - أَيْضا - كَذَلِك فِي السَّارِق الَّذِي رفع، وَقد سرق مَرَّات عشرا إِذا قطع فِي آخر ذَلِك، فَيُقَال لَهُ: مَا جعل ذَلِك الْقطع بِأَن يكون قطعا فِيمَا رفع فِيهِ من السرق بِأولى مِنْهُ بِأَن يكون قطعا فِيمَا سرق قبل ذَلِك.
وَيُقَال لَهُ: أَرَأَيْت الْمَسْرُوق مِنْهُم - الْعشْرَة - لَو حَضَرُوا جَمِيعًا وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُم الْبَيِّنَة العادلة على سَرقَة، مِنْهُ مَا يجب فِيهِ الْقطع، أَلَسْت تقطعه قطعا وَاحِدًا، وَتبين مِنْهُ عضوا وَاحِدًا؟ فَإِن قَالَ: نعم. قيل لَهُ: أفلبعضهم تقطعه أم لجميعهم؟ .
فَإِن قَالَ: لبَعْضهِم. قيل لَهُ: لأيهم تقطعه؟ الأول من سرق مِنْهُ أَو لأوسطهم أَو لآخرهم؟ فَإِن قَالَ: لأولهم أَو لأوسطهم؟ قيل لَهُ: فَمَا جعله أَحَق بِأَن يقطع لَهُ من الآخرين غَيره، وَقد سرق من كل وَاحِد مِنْهُم مَا يجب فِي مثله الْقطع، وكل قد اسْتهْلك مَا سرق مِنْهُ؟ وكل يَقُول: أُرِيد الْغرم وَقِيمَة مَا سرق مني، وَلَا أُرِيد قطعه؟
مَا أَنْت صانع أتضمنه قيم جَمِيع مَا سرق مِنْهُم، وتدرأ عَنهُ الْقطع؟ أم تقطعه، وتضمنه قيمَة كل مَا سرق من كل وَاحِد مِنْهُم.
стр. 103
فَإِن قَالَ: لَا أقطعه، وأضمنه قيمَة كل مَا سرق من كل إِنْسَان مِنْهُم؟ خرج من قَول جَمِيع الْأمة، وَخَالف نَص كتاب ربه فِي دراءة الْقطع عَن السَّارِق الَّذِي لَا خلاف بَين الْأمة فِي وجوب الْقطع عَلَيْهِ.
وَإِن قَالَ: أقطعه، وأضمنه قيمَة كل مَا سرق لكل إِنْسَان مِنْهُم مِمَّا هُوَ مستهلك؟ نَاقض فِي ذَلِك من قَوْله؛ لِأَن من قَوْله: إِن السَّارِق إِذا قطع لم يلْزمه غرم مَا قد اسْتَهْلكهُ مِمَّا سرق، فَقطع فِيهِ. وَهُوَ لَا شكّ إِنَّمَا قطع فِي بعض السرقات الَّتِي رفع فِيهَا أَو فِي جَمِيعهَا، وَفِي غَيرهَا؟
وَأي ذَلِك كَانَ فِيهِ الْقطع، فقد وَجب على قَوْله سُقُوط غرم مَا قطع فِيهِ من ذَلِك، وَفِي تَضْمِينه قيمَة جَمِيعه الْبَيَان الْبَين أَنه قد نَاقض وَترك قَوْله بإلزامه غرم قيمَة مَا قد استهكله، مَعَ قطعه إِيَّاه فِيهِ.
وَفِي خُرُوج قَوْله من الصِّحَّة بِمَا ذكرنَا الدَّلِيل الْوَاضِح على أَن قطعه لجَمِيع السرقات الَّتِي سرق قبل الْقطع، وَألا ضَمَان عَلَيْهِ لشَيْء اسْتَهْلكهُ من سرقاته الَّتِي سَرَقهَا قبل ذَلِك.
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي شرب الْخمر، وَسَائِر مَا يجب فِيهِ الْحَد الَّذِي هُوَ من حُدُود الله تَعَالَى ذكره الَّتِي لَا حق فِيهَا لآدَمِيّ.
وَفِي هَذَا الْخَبَر - أَيْضا - الدّلَالَة الْبَيِّنَة على صِحَة قَول الْقَائِلين: إِن الْمُحَارب من أهل الْإِسْلَام إِذا أقيم عَلَيْهِ حد الله الَّذِي أوجب على الْأَئِمَّة إِقَامَته عَلَيْهِ فِي نَفسه، أَنه لَا يتبع بِشَيْء مِمَّا اسْتهْلك فِي حَال حرابته وتلصصه من مَال من قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق؛ فَأخذ مَاله، وَذَلِكَ أَن الْمُحَارب الَّذِي وَصفنَا أمره لص، كَمَا السَّارِق مَال غَيره مستخفيا بسرقته لص سَارِق.
وَفِي عُمُوم قَول النَّبِي ﷺ َ -: " السَّارِق إِذا أقيم عَلَيْهِ الْحَد فَلَا غرم عَلَيْهِ "؛ كل سَارِق: الْبَيَان الْبَين أَن ذَلِك حكم الْمُحَارب، وَغَيره من السراق .
стр. 104
فَإِن قَالَ لنا قَائِل: فَإِن كَانَ الْأَمر فِي السَّارِق كَالَّذي وصفت من أَنه إِذا قطع فِيمَا سرق، لم يُكَلف غرم مَا اسْتهْلك من السّرقَة؟ فَمَا وَجه إلزامك الْغَاصِب امْرَأَة نَفسهَا حَتَّى يَزْنِي بهَا؛ مهر مثلهَا مَعَ الْحَد الَّذِي توجبه عَلَيْهِ فتجمع عَلَيْهِ - مَعَ الْحَد - الْغرم؟
قيل لَهُ: إِن الْجَانِي عَلَيْهِ لَهَا صدَاق مثلهَا مَعَ الْحَد الَّذِي ألزمهُ، غير مشبه الْجَانِي على السَّارِق مَعَ الْحَد غرم مَا اسْتهْلك من قيمَة السّرقَة لَو كنت بِهِ قَائِلا.
وَذَلِكَ أَنِّي إِذا تركت تغريم السَّارِق قيمَة مَا اسْتَهْلكهُ بقطعي إِيَّاه فِي سَرقَة لم أوجب على الْمَسْرُوق بِهِ شَيْئا فِي حَال من الْأَحْوَال.
وَأَنا إِذا تركت تغريم الزَّانِي للَّتِي زنى بهَا مهر مثلهَا، أَقمت عَلَيْهَا الْحَد فِي بعض الْأَحْوَال - بِإِجْمَاع الْأمة جَمِيعهَا - وَتلك حَال مطاوعتها إِيَّاه حَتَّى تكون زَانِيَة كَمَا هُوَ زَان.
فَلَمَّا كَانَت الْمَرْأَة إِذا نكحت لَا تَخْلُو من إِحْدَى حالتين:
من أَن تكون زَانِيَة عَلَيْهَا الْحَد، وَإِذا كَانَت كَذَلِك لم يكن لَهَا مهر مثلهَا فِي قَول الْجَمِيع.
أَو غير زَانِيَة، لَا حد عَلَيْهَا، وَإِذا لم يكن عَلَيْهَا الْحَد، كَانَ لَهَا مهر مثلهَا، كالموطوءة بِالنِّكَاحِ الْفَاسِد، وعَلى وَجه الشُّبْهَة، ثمَّ كَانَت الْمَغْصُوبَة نَفسهَا مَوْطُوءَة لَا حد عَلَيْهَا، كَانَ لَهَا مهر مثلهَا، وَإِن حددت الزَّانِي بهَا فَلم يبطل حَقّهَا الَّذِي باستحقاقها إِيَّاه أدرأ عَنْهَا الْحَد بإقامتي الْحَد على واطئها فجورا.
وَهُوَ بعد ذَلِك غير مستهلك لَهَا ملكا، فَيُقَال لنا إِذا فعلنَا ذَلِك: قد جمعت عَلَيْهِ مَعَ الْحَد فِي الْفِعْل الَّذِي فعله غرم قيمَة مَا اسْتهْلك على الْمَرْأَة بِفِعْلِهِ الَّذِي اسْتوْجبَ بِهِ الْحَد فَبين بذلك افْتِرَاق حكمهمَا، وَبعد اشْتِبَاه أَمرهمَا، وَأَنه غير جَائِز تَمْثِيل حكم أَحدهمَا بِحكم الآخر.
стр. 105
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٦٤ - حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم الْمصْرِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي فديك قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي ذِئْب، عَن مُسلم بن جُنْدُب، عَن نَوْفَل بن إِيَاس الْهُذلِيّ، أَنه قَالَ: " كَانَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لنا جَلِيسا، وَكَانَ نعم الجليس. وَإنَّهُ انْقَلب بِنَا ذَات يَوْم حَتَّى إِذا دَخَلنَا بَيته دخل بَيته، فاغتسل ثمَّ خرج، فَجَلَسَ مَعنا، وأتانا بِصَحِيفَة فِيهَا خبز وَلحم فَلَمَّا وضعت بَكَى عبد الرَّحْمَن فَقلت: يَا أَبَا مُحَمَّد ﴿مَا يبكيك؟
فَقَالَ: هلك رَسُول الله ﷺ َ - وَلم يشْبع هُوَ وَأهل بَيته من خبز الشّعير، فَلَا أرانا أخرنا لهَذَا لما هُوَ خير لنا﴾ ".
стр. 106
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل:
إِحْدَاهَا: أَن نَوْفَل بن إِيَاس غير مَعْرُوف عِنْدهم فِي نقلة الْعلم والْآثَار ﴿
وَالثَّانيَِة: أَن ابْن أبي فديك عِنْدهم غير مرضِي فِي نَقله﴾
وَالثَّالِثَة: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ عِنْدهم مخرج عَن عبد الرَّحْمَن، عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم - مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ ﴿وَهَذَا خبر قد مضى قبل فِي كتَابنَا هَذَا نَظَائِره، وَبَيَان مَا فِي ذَلِك كُله من الْفِقْه والمعاني، فكرهنا إِعَادَته﴾
(" ذكر خبر آخر من أَخْبَار عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٦٥ - حَدثنِي مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي الْحِمصِي، قَالَ: حَدثنَا بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عَن أَبِيه، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، أَنا أَبَا رداد اللَّيْثِيّ، أخبرهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن
стр. 107
عَوْف، أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " قَالَ الله ﵎: أَنا الرَّحْمَن، وَأَنا خلقت الرَّحِم، واشتققت لَهَا من اسْمِي، فَمن وَصلهَا وصلته، وَمن قطعهَا بتته ".
стр. 108
(" القَوْل فِي علل هَذَا الْخَبَر ")
وَهَذَا خبر - عندنَا - صَحِيح سَنَده، وَقد يجب أَن يكون على مَذْهَب الآخرين سقيما غير صَحِيح لعلل:
إِحْدَاهَا: أَنه خبر لَا يعرف لَهُ مخرج يَصح عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَالْخَبَر إِذا انْفَرد بِهِ - عِنْدهم - مُنْفَرد، وَجب التثبت فِيهِ.
وَالثَّانيَِة: أَنه خبر قد حدث بِهِ - عَن الزُّهْرِيّ -، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن - جمَاعَة، فَلم يدخلُوا بَينه وَبَين أَبِيه - أَبَا الرداد، وَجعلُوا الْخَبَر مُرْسلا عَنهُ، عَن أَبِيه !
وَالثَّالِثَة: أَنهم قَالُوا: لَا يعرف أَبُو الرداد فِي حَملَة الْعلم، وَلَا تثبت بِمَجْهُول حجَّة.
وَالرَّابِعَة: أَنه خبر قد حدث - عَن أبي سَلمَة - غير الزُّهْرِيّ، فَقَالَ فِيهِ: عَنهُ، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ َ - وَذَلِكَ دَلِيل - عِنْدهم - على وهائه.
стр. 109
(" ذكر من روى هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، فَأرْسلهُ عَنهُ، عَن أَبِيه، وَلم يَجْعَل بَينه وَبَين أَبِيه أَبَا الرداد ")
١٦٦ - حَدثنَا عَمْرو بن عبد الحميد الإملي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، أَن أَبَا رداد اشْتَكَى، فعاده عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فَقَالَ: خَيرهمْ وأوصلهم - مَا علمت - أَبُو مُحَمَّد. فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " قَالَ الله ﵎: أَنا الله، وَأَنا الرَّحْمَن، خلقت الرَّحِم، وشققت لَهَا من اسْمِي، فَمن وَصلهَا وصلته، وَمن قطعهَا قطعته ".
١٦٧ - وحَدثني جَابر بن الْكرْدِي الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو سُفْيَان الْحميدِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن حُسَيْن، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَن أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَاد أَبَا الرداد اللَّيْثِيّ، فَقَالَ أَبُو الرداد: خَيرهمْ، مَا علمت أَبُو مُحَمَّد! فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: أما إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: " قَالَ الله : إِنِّي أَنا الله الَّذِي خلقت الرَّحِم، وشققت لَهَا شُعْبَة أَو شقة - قَالَ أَبُو جَعْفَر: أَنا أَشك - من اسْمِي، وَأَنا الرَّحْمَن، وَهِي
стр. 110
الرَّحِم، فَمن وَصلهَا وصلته، وَمن قطعهَا بتته ".
(" ذكر من روى هَذَا الْخَبَر عَن أبي سَلمَة فَقَالَ فِيهِ: عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ َ - ")
١٦٨ - حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو، قَالَ: حَدثنَا أَبُو سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " قَالَ الله ﵎: أَنا الرَّحْمَن، وَهِي الرَّحِم، شققت لَهَا من اسْمِي، فَمن يصلها أَصله، وَمن يقطعهَا أقطعه فأبته ".
следующие страницы →