← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأجيب: بأن افتراقهما من هذا الوجه لما لم يمنع من استوائهما في إباحة القتل لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان (١). ١٠ - إن البهيمة المملوكة الصائلة إذا قتلها المصول عليه فإنها لا تضمن قياسا على قتل الصيد إذا صال على محرم، فإنه لا يضمن الجزاء. نوقش: بأن قتل الصيد في الإحرام مضمون في حق الله تعالى، فكان أخف حكما من المضمون في حقوق الآدميين. وأجيب: بأنه لما لم يمنع هذا من استوائهما في وجوب الضمان إذا اضطر إلى إتلافهما لشدة جوعه، لم يمنع من استوائهما في سقوط الضمان إذا قتلهما للدفع عن نفسه (٢). ١١ - إن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة؛ لضمان نفسه بالكفارة والدية، وانفراد ضمان البهيمة بالقيمة. فلما سقط بالدفع ضمان الأغلظ كان أولى أن يسقط به ضمان الأخف (٣). ١٢ - إنه قتل مباح بسبب كان من المقتول، فوجب أن يكون هدرا كالقتل بالردة والزنا (٤). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بأدلة من المنقول والمعقول، وهي كما يلي:

стр. 107

١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء (١) جرحها جبار (٢)) (٣). وجه الدلالة: دلّ الحديث أن البهيمة لو أتلفت شيئاً وليس معها صاحبها كان هدرا؛ لأن البهيمة لا قصد لها، فإذا بطل قصدها سقط حكم الصول فيها، فصار كالقاتل لها بغير صول، فوجب عليه الضمان (٤). نوقش هذا الاستدلال من وجهين (٥): (أ) إنه ينتقض بصول الصيد على المحرم؛ لأنه يسقط به الجزاء، ولا يسقط عنه لو لم يَصُل. (ب) إنه لما حلّ قتله بصول ولم يحل إذا لم يصل دلّ على سقوط الضمان بصوله ووجوبه إذا لم يصل.

стр. 108

٢ - إن النبي ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (١). وجه الدلالة: إن هذا الحيوان الصائل الذي قُتِل مالٌ مستهلَك على صاحبه بغير طيب نفس منه، فاقتضى أن يكون مضمونا على مستهلِكه (٢). نوقش هذا الاستدلال من وجهين: (أ) إن هذا المال وإن استهلك على صاحبه بغير طيب نفس منه إلا أنه مأذون به شرعا، وفي الإذن بالقتال والضمان منافاة (٣). (ب) إننا نقلب هذا الدليل عليكم فنقول: تضمين المصول عليه دية الصائل أو قيمته هو مال لم تطب نفس المصول عليه به، فاقتضى أن لا يؤخذ منه (٤). ٣ - إنه أتلف مال غيره بغير إذنه لإحياء نفسه، فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله (٥). نوقش: بأنه فارق المضطر. فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولم يصدر منه ... ما يزيل عصمته، ولهذا لو قتل المحرم صيدا لصياله لم يضمنه، ولو قتله

стр. 109

لاضطراره إليه ضمنه، ولو قتل المكلف لصياله لم يضمنه، ولو قتله ليأكله في المخمصمة وجب القصاص، وغير المكلف كالمكلف في هذا (١). ٤ - إن غير المكلف لا يملك إباحة نفسه؛ ولذلك لو ارتدّ لم يقتل. نوقش: بأن المكلف كذلك لا يملك إباحة دمه، ولو قال: (أبحت دمي) لم يبح، ولكنه إذا صال فقد أبيح دمه بفعله، فيجب أن يسقط ضمانه كالمكلف (٢). ٥ - إن المصول عليه أتلف مال غيره بغير إذن مالكه، فيكون مضمونا عليه كما لو أتلفه قبل الصول (٣). نوقش: بأن هناك فرقا كبيرا بين الحيوان قبل صوله وبعده: فالحيوان قبل الصول معصوم الدم بخلاف الحيوان بعد الصول، فإنه مباح الدم. فلما اختلفا في إباحة الدم اختلفا أيضا في سقوط الضمان. دليل القول الثالث: إن فعل الدابة غير معتبر أصلا حتى لو تحقق الفعل فإنه لا يوجب الضمان؛ لقول النبي ﷺ : (العجماء جرحها جبار) (٤)، أما فعل الصبي والمجنون فإنه معتبر في الجملة بحيث لو حققا الفعل فإنه يجب عليهما الضمان. وكذلك عصمة الصبي والمجنون لحقّ أنفسهما لا لحق الغير، وعصمة الدابة لحقّ مالكها، فكان فعل الصبي والمجنون مسقطا للعصمة لأن المصول عليه في

стр. 110

حالة دفاع، وأما فعل الدابة فغير مسقط للعصمة لأن المصول عليه في حالة ضرورة ملجئة. نوقش: بأن هذا تفريق بغير دليل. وقد سبق الرد عليه في الدليل الأول والأخير من أدلة القول الثاني. القول المختار: بعد عرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة بأدلتها والاعتراضات الواردة عليها، يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - اختيار القول الأول، وهو أنه لا يجب على المصول عليه ضمان الصائل غير المكلف؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - قوة أدلة القول الأول، وسلامتها من الاعتراضات. ٢ - ضعف أدلة القولين الآخرين. المسألة الثانية: إذا صال صائل على إنسان فقتله شخص آخر غير المصول عليه، فهل يضمن هذا الشخص ذلك الصائل؟: القول الأول: لا يلزمه الضمان، وهو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢) وقول لبعض الحنابلة (٣)، وهو قول الظاهرية (٤). القول الثاني: يجب عليه الضمان، وهو مذهب الحنابلة (٥).

стр. 111

القول الثالث: لا يلزمه الضمان إذا كان الصائل مكلفا، ويجب الضمان إذا كان الصائل غير مكلف، وهو مذهب الحنفية (١). القول الرابع: إنه إن قتله دفعا عن ولده ونسائه لم يضمن، وإن قتله دفعا عن غير ولده ونسائه ضمن، وهو قول لبعض الحنابلة (٢). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بالكتاب والسنة، وذلك كما يأتي: ١ - قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن من قتل الصائل دفاعا عن نفس أخيه أو ماله أو عرضه فقد عمل عملاً مأموراً به، وهو نصرة المظلوم، ومن فعل ما أمر به فهو محسن في ذلك، فوجب أن لا يكون عليه سبيل في غرم (٤). ٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالما أو مظلوماً)، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال: (تأخذ فوق يديه)، وفي لفظ قال: (تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره) (٥).

стр. 112

٣ - عن سهل بن حنيف (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة) (٢). ٤ - عن أبي سعيد الخدري (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (٤). وجه الدلالة: من هذه الأحاديث الثلاثة: أن النبي ﷺ أمر بنصرة المظلوم، ولو أدى ذلك إلى قتل الظالم، كما أمر بإنكار المنكر على المستطيع باليد، وهذا

стр. 113

يقتضي عدم الضمان على المنكر وعلى من نصر المظلوم؛ وذلك لوجود المنافاة بين الأمر بنصرة المظلوم ودفع الظالم وإنكار المنكر مع وجوب الضمان (١). دليل القول الثاني: لم أجد - حسب بحثي - من ذكر لهم دليلا، إلا أنه يمكن أن يستدل لهم بالقياس على المسألة الأولى، وذلك فيما لو كان الصائل غير مكلف كالصبي والمجنون والدابة؛ فقتله المصول عليه فإنه يجب عليه الضمان عند الحنفية سوى أبي يوسف، وهو قول مخرج للحنابلة. ويمكن مناقشته: بأنه قد تبين ضعف هذا القول وأدلته كما في المسألة الأولى. دليل القول الثالث: لم أجد - حسب ما وقفت عليه - دليلا لهم على هذا التفريق. دليل القول الرابع: لم أجد - حسب ما وقفت عليه - من ذكر لهم دليلا. القول المختار: القول المختار في هذه المسألة - والعلم عند الله تعالى - هو القول الأول، وهو أنه لا يجب عليه الضمان؛ لصحة أدلته وسلامتها من الاعتراضات؛ ولعدم وجود أدلة للأقوال الأخرى. وبعد الانتهاء من دراسة هاتين المسألتين يتبين لنا أن الشق الأول من القاعدة صحيح بخلاف الشق الثاني منها، فإنه غير صحيح. والله تعالى أعلم.

стр. 114

المطلب الخامس في نقد القاعدة انتقد الشيخ محمد العثيمين (١) ﵀ هذه القاعدة بقوله: «وهذه القاعدة في معظم فروعها خلاف، وهي مع هذا فيها نظر؛ لأن قوله: (من أتلف نفسا لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه) غير صحيح لو أخذناه بظاهره، وقد مضى في القاعدة السابقة أنه من جاع فأتلف نفسا ضمنها، وهذا يتنافى مع إطلاقها، فلو قيدت (من أتلف نفسا يجوز إتلافها) صار قوله (لنفع يعود إلى نفسه أو إلى غيره) لا محلّ له. ومثاله في الصائل إذا صال على نفسه فإنه لا يضمنه، فإن صال على غيره ضمنه على ما في كلام المؤلف، والقول بضمانه فيه نظر؛ لقول الرسول ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يده (٢)» (٣).

стр. 115

وبعد إمعان النظر في كلام الشيخ وجدته يحتوي على نقدين: أحدهما: نقد لصياغة العلامة ابن رجب في شقها الأول. والثاني: نقد لترجيح العلامة ابن رجب في فرع من فروع القاعدة، ويترتب عليه نقد الشق الثاني للقاعدة. فأما النقد الأول فإنه ينصب على صياغة ابن رجب في قوله (لنفع يعود إلى نفسه) حيث يرى الشيخ أنها عبارة غير صحيحة لو أخذناها على ظاهرها؛ لأن العبارة مطلقة مما يترتب على ذلك مخالفة فروع كثيرة للقاعدة كما في المثال الذي ذكره الشيخ العثيمين وهو «أنه من جاع فأتلف نفسا ضمنها»، وهو مذهب جمهور الفقهاء (١)؛ لقول النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (٢). وهذا نقد وجيه وصحيح؛ ولذلك نجد أن الشيخ عبد الرحمن السعدي أحسن حينما لجأ إلى تغيير صياغة القاعدة بقوله: «من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، ومن أتلفه دفعا لمضرته فلا ضمان عليه» (٣). فإن الشق الأول من صياغة السعدي للقاعدة - وهو قوله: (من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه) - يندرج تحته الفرع الفقهي الذي ذكر الشيخ العثيمين أنه مخالف لصياغة ابن رجب للقاعدة، وهو «أنه من جاع فأتلف نفسا ضمنها»،

стр. 116

وأما الشق الثاني من صياغة السعدي للقاعدة - وهو قوله: «ومن أتلفه دفعا لمضرته فلا ضمان عليه» - فإنه يشمل الإتلاف لمصلحة نفس المُتلِف أو غيره، وهو الذي يتوافق مع ما تقدم ترجيحه في المسألتين السابقتين في المطلب الرابع. وأما النقد الثاني للشيخ العثيمين فإنه متوجه للمثال الذي ذكره العلامة ابن رجب تفريعا على القاعدة، وهو أنه لو دفع صائلا عن غيره ضمنه. وهذه المسألة قد تقدمت دراستها وذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم فيها، واتضح لي من خلال دراستها ترجيح القول القائل بعدم وجوب الضمان. وبهذا يتبين صحة انتقاد الشيخ العثيمين لهذا الفرع الذي يترتب عليه ضعف الشطر الثاني من صياغة ابن رجب للقاعدة. ولهذا فإني أختار صياغة الشيخ السعدي للقاعدة؛ لأن قوله: «من أتلفه دفعا لمضرته فلا ضمان عليه» يشمل الإتلاف دفعا عن نفسه أو غيره. والله تعالى الموفق للصواب. المطلب السادس في شروط دفع الصائل تبين لنا من خلال دراسة القاعدة أنها تتعلق بمسائل الصيال بصفة أولية؛ لذا كان من المناسب جدا أن أشير إلى ما ذكره الفقهاء من شروط يجب توفرها حتى يعتبر المصول عليه في حالة دفاع، وهي على النحو الآتي: الشرط الأول: أن يكون الفعل الواقع على المصول عليه اعتداء، فإن لم يكن اعتداء فلا يجوز دفعه كالأب إذا ضرب ولده أو زوجته للتأديب، ومستوفي القصاص حين يقتل القاتل أو يقطع يده قصاصا، فإن هؤلاء لا يعتبر فعلهم اعتداء، وإنما هو استعمال لحق أو أداء لواجب.

стр. 117

ولا يشترط أن يقع الاعتداء فعلاً. فمن حق المصول عليه أن يبادر الصائل بالمنع ما دامت حالته تدل على أنه سيعتدي (١). الشرط الثاني: أن يكون الاعتداء من الصائل حالا، فإن لم يكن حالا فعمل المصول عليه اعتداء وليس دفاعا؛ لأن الدفاع لا يوجد إلا إذا تحقق الاعتداء في الفعل أو الظن، ومن ثم فإن الاعتداء المؤجل والتهديد بالاعتداء ليسا بمحل للدفاع (٢). الشرط الثالث: أن لا يكون للمصول عليه مفر من مواجهة الصائل، فإن استطاع أن يتخلص منه بالاستعانة بالناس أو الاستغاثة فليس له الدفاع حينئذ (٣). الشرط الرابع: أن يكون الدفاع بالقدر اللازم وبأيسر ما يندفع به، فإذا اندفع الصائل بالضرب فلا يجوز جرحه، وإذا اندفع بجرحه أو شل حركته فلا يجوز قتله (٤).

стр. 118

الشرط الخامس: أن يكون الصائل قادرا على ما يريده من الاعتداء، فأما إن كان عاجزا عنه فليس للمصول عليه أن يدفعه؛ لأنه لا تأثير لهذا الفعل (١). الشرط السادس: أن يقيم الدافع بينة على أنه صال عليه، فإن لم يقم بينة فإنه يضمن (٢) (٣). المطلب السابع من فروع القاعدة ذكر الفقهاء فروعا كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، منها ما يلي: ١ - إذا قتل رجل آخر، وادّعى أنه وجده مع امرأته أو أنه قتله دفعا عن نفسه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله، فلم يقدر على دفعه إلا بقتله فإنه لا يلزمه الضمان إذا أقام البينة على دعواه (٤). ٢ - إذا صالت عليه بهيمة غيره فدفعها عن نفسه فأتلفها لم يضمنها، وإن اضطر إلى طعام فاضطر إلى ذبحها ضمنها؛ لأنه لنفع نفسه (٥).

стр. 119

٣ - من كان محرما بحج أو عمرة فنزل الشعر في عينه فقلعه فلا ضمان؛ لأنه كالصائل عليه، وإن احتاج إلى أخذ شعره لقروح في رأسه أو لحكة أو نحو ذلك فعليه فدية أذى (١). ٤ - إذا دفع صائلا عن نفس غيره أو عرضه أو ماله فإنه لا يضمن (٢). ٥ - لو أكره على الحلف بيمين لحق نفسه فحلف دفعا للظلم عنه لم تنعقد يمينه، وكذلك لو أكره على الحلف لدفع الظلم عن غيره (٣). ٦ - لو حالت بهيمة بينه وبين ماله أو طعامه ولم يصل إليه إلا بقتلها فالصحيح أنه لا يضمنها (٤). ٧ - إذا انفرش الجراد في طريق المحرم بحيث إنه لا يقدر على المرور إلا بقتله فإنه لا يضمنه (٥). ٨ - إذا أتلف المحرم بيض الطير لحاجة كالمشي عليه فإنه لا يضمنه (٦). ٩ - إذا تدحرج إناء من علو على رأس إنسان فكسره دفعا عن نفسه بشيء تلقاه به فهل يضمنه؟ على وجهين (٧).

стр. 120

١٠ - إذا اضطر إنسان إلى طعام غيره وصاحبه مستغن عنه، فامتنع صاحب الطعام أن يعطيه، فضربه المضطر لأجل الطعام حتى مات فإنه لا يضمنه، وأما إذا قتل صاحبُ الطعام المضطرَّ دفاعا عن طعامه فإن عليه القود؛ لأن صاحب الطعام ليس في حالة دفاع، فالمضطر طالب لحقه وليس بمعتد (١). ١١ - إذا عض رجل يد آخر، فله جذبها من فيه، فإن جذبها فوقعت ثنايا العاض فلا ضمان عليه؛ لما جاء في حديث يعلى بن أمية ﵁ قال: غزوت مع النبي ﷺ جيش العسرة فكان من أوثق أعمالي في نفسي، فكان لي أجير فقاتل إنسانا فعضّ أحدهما إصبع صاحبه فانتزع إصبعه فأندر ثنيته فسقطت، فانطلق إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: (أفيدع إصبعه في فيك تقضمها؟) - قال: أحسبه قال: - (كما يقضم الفحل) (٢) (٣). ١٢ - لو اطلع رجل في بيت إنسان من ثقب أو شَقِّ باب أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود فقلعه عينه لم يضمنها؛ لحديث أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (٤) (٥).

стр. 121

المبحث الثاني قاعدة: لا يجب الضمان بإتلاف ملكه إلا إذا تعلق به حق لغيره هذه القاعدة من القواعد الفقهية المتعلقة بالإتلاف الذي هو أحد أسباب الضمان. وإليك دراستها في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة من القواعد التي ذكرها بدر الدين الزركشي بالصياغة المذكورة آنفا، وهي: «لا يجب الضمان بإتلاف ملكه إلا إذا تعلق به حق لغيره» (١). وقد جاء في تعليلات الفقهاء ما يشير إلى القاعدة ويشهد لها بالاعتبار، ومن ذلك ما ذكره أبو الحسن المرغيناني (٢) حيث صاغها - في معرض التعليل - بقوله: «الإنسان لا يضمن ملكه» (٣). ومما يشهد للقاعدة أيضا ما ذكره أبو بكر السرخسي (٤) في معرض التعليل:

стр. 122

«المتصرف في ملكه لا يكون متعديا، ولا يلزمه الضمان» (١). وهي قريبة من صيغة أبي الحسن المرغيناني. ويلاحظ عليهما أنهما لم ينصّا إلا على الشطر الأول من صيغة الزركشي. وقد ذكر ابن غانم البغدادي (٢) ضابطاً فقهيّاً يندرج تحت القاعدة، وهو: «جناية الراهن على الرهن مضمونة» (٣). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية الواردة في القاعدة لا يجب: من الواجب، وهو لغة: الثابت واللازم والمُسْتَحَقّ والساقط (٤). واصطلاحا: ما طلب الشرع فعله طلبا جازما (٥). ملكه: الملك لغة: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به (٦). واصطلاحاً: علاقة شرعية بين الإنسان والشيء المملوك تخول صاحبها الانتفاع والتصرف وحده ابتداء إلا لمانع (٧).

стр. 123

تعلق: من التَّعَلُّق، وهو ربط شيء بشيء آخر (١). حق: الحق لغة: ضد الباطل، ويطلق على الثبوت والوجوب والنصيب المحدّد والعدل (٢). واصطلاحاً: اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفا (٣). هذا، ومن خلال نص القاعدة يتبين لنا أن الملك أو المال ينقسم بالنظر إلى تعلق حق الغير به إلى قسمين: القسم الأول: الملك أو المال الذي خلص لمالكه ولم يتعلق به حق لغيره، فهذا يحوز لمالكه أن يتصرف فيه بجميع أنواع التصرف، حتى لو أتلفه لم يجب عليه ضمانه. القسم الثاني: الملك أو المال الذي لم يخلص لمالكه، بل تعلق به حق لغيره، فهذا لا يجوز لمالكه أن يتصرف فيه بما يخل بحقوق غيره، وهو نوعان: النوع الأول: أن يكون الحق الذي تعلق به لله ، كالزكاة والصيد في حق المحرم وكفارة العبد الذي قتله سيده وغيرها. النوع الثاني: أن يكون الحق الذي تعلق به لآدمي، كالرهن والعبد الجاني والأمة المزوجة من غير سيدها والأضحية المعينة والنذر المعين والعين المملوكة المؤجرة ومال المفلس وغيرها (٤).

стр. 124

المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة الأصل أن الإنسان إذا أتلف شيئاً يملكه أنه لا يضمنه لا بمثل ولا بقيمة، بخلاف ما إذا تعلق بملكه حق لغيره، سواء كان هذا الحق متعلقا بالله - جلّ وعلا - أم بآدمي، فإنه يجب عليه الضمان (١). المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة يمكن بيان ذلك في الفرعين التاليين: الفرع الأول: حكم إتلاف المرء ماله: حرمت الشريعة الإسلامية إتلاف المرء ماله من غير مصلحة دينية أو دنيوية (٢)، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٣)، وقال جل ... وعزّ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ¬٤)، وقال سبحانه في ذكر صفات عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٥).

стр. 125

ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال (١). فهذه نصوص صريحة تدل على تحريم الإسراف والتبذير وإضاعة المال، ومن ذلك إتلاف المرء ماله بغير منفعة دينية أو دنيوية. الفرع الثاني: في ضمان الإنسان ما أتلف من ماله: لم أجد - حسب ما وقفت عليه - من استوفى الكلام على القاعدة بذكر أقوال الفقهاء فيها وأدلتهم، إلا أنه من خلال تتبعي لبعض فروع القاعدة تبين لي أن فقهاء المذاهب الأربعة - الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) - اتفقوا على قبولها والعمل بها، واستدلوا على ذلك بأدلة يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: أدلة الشطر الأول من القاعدة، وهو أنه لا يجب الضمان بإتلاف ملكه إذا لم يتعلق به حق لغيره:

стр. 126

١ - لأن الضمان لا يستحقه إلا المالك، ولا يكون الإنسان مدينا لنفسه؛ لأنه لا يطالب نفسه (١). ٢ - «لأنه لا فائدة من هذا الضمان؛ إذ إنه إن ضمن يضمن لنفسه، فكأنّ يده اليمنى تعطي يده اليسرى، وذلك لا معنى له؛ لأنه لا يقع في هذه الحال غرم ولا غارم. وليس معنى ذلك أنه يُعفى من كل تبعة لإتلافه، بل إنه مسئول دينا عما أضاع، وقد يستحق التعزيز على عمله، وقد يؤدي عمله إلى إثبات سفهه أو نقصان عقله، فيمنع من التصرف في ماله، ويتولاه عنه غيره» (٢). القسم الثاني: أدلة الشطر الثاني من القاعدة، وهو أنه يجب على الإنسان الضمان إذا أتلف ملكه الذي تعلق به حق لغيره: ١ - قال النبي ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) (٣). وجه الدلالة: أن في إتلاف ملكه الذي تعلق به حق لغيره إضراراً بصاحب هذا الحق، وقد نهينا عن الإضرار بالآخرين. ٢ - لأن المُتْلَف وإن كان مملوكا له إلا أنه قد فوت حقا قويا محترما لغيره لا ينفرد بإسقاطه، فيكون كالأجنبي في حق وجوب الضمان (٤).

стр. 127

المطلب الخامس من فروع القاعدة يندرج تحت القاعدة فروع كثيرة منها ما يلي: ١ - إذا جنى الراهن على العين المرهونة فأتلفها، فإنه يجب على الراهن ضمانها، ويكون الضمان رهنا بدلها (١). ٢ - إذا ملك الصيد في الحل ودخل به في الحرم، ولم يرسله حتى أتلفه، فإنه يضمنه (٢). ٣ - من أراد أن يضحّي فعيّن شاة ثم أتلفها، فإنه يلزمه ضمانها (٣). ٤ - إذا أتلف الإنسان دابته أو متاعه أو طعامه، فإنه لا يضمنه وإن كان قد يأثم بذلك (٤). ٥ - إذا قتل السيد عبده الجاني، وجب عليه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته (٥). ٦ - إذا قتل السيد أمته المزوجة قبل الدخول غرم مهر مثلها لزوجها على قول (٦).

стр. 128

٧ - إذا قطع المحرم شعره أو حلَقه وجبت عليه الفدية (١). ٨ - إذا قتل السيد عبده وجبت عليه كفارة القتل (٢). ٩ - إذا أتلف الرجل زكاته بعد وجوبها عليه وجب عليه ضمان الزكاة (٣). ١٠ - إذا نذر السيد عتق عبد معين ثم قتله قبل أن يعتقه، فهل يلزم السيد ضمان العبد؟ على وجهي: أحدهما: لا يلزمه. والثاني: يلزمه (٤).

стр. 129

المبحث الثالث قاعدة إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه وجب الضمان كاملا تبين لنا هذه القاعدة مقدار الضمان فيما إذا حدث التلف من فعلين: أحدهما مأذون فيه، والآخر لم يؤذن فيه، وسوف تكون دراستها من خلال المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت خمس صيغ لهذه القاعدة، هي كما يأتي مرتبة زمنيا: ١ - قال قاضي خان (١): «الأجنبي إذا شارك المالك في إتلاف المال بغير إذنه يضمن نصف القيمة» (٢). ٢ - قال أبو عبدالله بن قيم الجوزية: «الجناية إذا حصلت من فعل مضمون ومهدر سقط ما يقابل المهدر واعتبر ما يقابل المضمون» (٣).

стр. 130

٣ - قال عبد الوهاب بن السبكي: «إذا تولد الشيء بين مضمون وغير مضمون، فهل يعطى جميعه حكم الضمان؟» (١). ٤ - قال بدر الدين الزركشي: «المتولد من مضمون وغير مضمون فيه خلاف، والأصح أن لكل حكمه غالباً» (٢). ٥ - قال عبد الرحمن بن رجب الحنبلي: «إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه وجب الضمان كاملا على الصحيح» (٣). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة التلف: تقدم معنا (٤) أن التلف في اللغة: بمعنى الهلاك والعطب والفناء (٥). وأن الإتلاف في اصطلاح الفقهاء: هو إخراج الشيء من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه عادة (٦). مأذون فيه: أي أذن فيه الشارع أو المالك (٧).

стр. 131

المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إذا هلك آدمي أو جزء منه، أو تلف مال بسبب فعلين: أحدهما أذن بفعله الشارع أو مالك المال، والآخر لم يأذن في فعله الشارع أو المالك، فإن الضمان يجب كاملا، ولا يسقط نصفه مقابل الفعل المأذون فيه. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة يندرج تحت هذه القاعدة فروع كثيرة لا حصر لها، ولم تسِر المذاهب الفقهية على قاعدة واحدة في جميع الفروع، وإنما كان لها في كل فرع فقهي حكم وخلاف ودليل يخصه عن بقية الفروع. وهذا ما دفع ابن رجب الحنبلي بأن يقيد القاعدة بقوله: «على الصحيح»، وذلك في صياغته للقاعدة حيث يقول: «إذا حصل التلف من فعلين أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه وجب الضمان كاملا على الصحيح» (١). ولذلك أيضا صاغ عبد الوهاب بن السبكي القاعدة بصيغة استفهامية حيث يقول: «إذا تولد الشيء بين مضمون وغير مضمون، فهل يعطى جميعه حكم الضمان؟» (٢). وهذا - أيضا - هو الذي دعا بدر الدين الزركشي أن ينص على وجود الخلاف في القاعدة، ثم يرجح أن لكل فرع حكمه الخاص به، وذلك في

стр. 132

صياغته للقاعدة، حيث يقول: «المتولد من مضمون وغير مضمون فيه خلاف، والأصح أن لكل حكمه غالباً» (١). لذا فإنه من الصعب جدا الجزم بذكر أقوال الفقهاء في القاعدة، على أنهم ساروا فيها على وتيرة واحدة في جميع فروع القاعدة. ومن هنا رأيت أن أدرس فرعا واحدا من فروع القاعدة، وذلك بذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم؛ لنتعرف على صورة واحدة - من عدة صور - لخلاف العلماء في القاعدة. وقد رأيت أن أدرس الفرع الأول الذي ذكره ابن رجب الحنبلي تحت هذه القاعدة وهو: مسألة: إذا زاد الإمام سَوْطاً أو أكثر في الحد، فمات المحدود، فكم يجب من الضمان ؟: اتفق الفقهاء على أنه إذا زاد ولي الأمر على الحد فتلف المجني عليه، فإن الضمان يجب؛ لأنه تلف بعدوان، فأشبه ما لو ضربه في غير الحد (٢). واختلفوا في قدر الضمان على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب جميع الضمان، وهو كمال الدية. وهو وجه عند الشافعية (٣) والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 133

القول الثاني: يجب نصف الضمان، وهو نصف الدية. وهو قول الحنفية (١) ووجه عند الشافعية (٢) ووجه عند الحنابلة (٣) (٤). القول الثالث: يجب الضمان بقسط الزيادة، فتقسط الدية على الأسواط كلها، ثم يعطى منها قسط الزيادة. وهو أظهر الأوجه عند الشافعية (٥) ووجه عند الحنابلة (٦). أدلة القول الأول: علل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - إن تلف المحدود حصل من جهة الله وعدوان الضارب، فكان الضمان على العادي، كما لو ضرب مريضا سوطا فمات به (٧).

стр. 134

٢ - إن تلف المحدود حصل بعدوان غيره، فأشبه ما لو ألقى على سفينة موقرة حجرا فأغرقها (١). ٣ - إن تلف المحدود حصل بفعلين: أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه. فالمأذون فيه لا أثر له في الضمان، وإنما الجناية ما زاد عليه، فأسند بالضمان إليها (٢). ٤ - إن القتل حصل من فعلين: أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه، فغلب جانب الحظر الذي هو المنهي عنه، فجعل الحكم له (٣). أدلة القول الثاني: علل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - إن التلف حصل بفعل مضمون وغير مضمون، فكان الواجب نصف الدية، كما لو جرح نفسه وجرحه غيره، فمات (٤). ٢ - إن القتل حصل من فعل واجب وغير واجب، ولم يعتبر العدد كما لا يعتبر في الجراح (٥). أدلة القول الثالث: علل أصحاب هذا القول بأن الضمان تعلق بالأسواط الزائدة؛ لأن لكل واحد من العدد تأثيراً في تلفه، والضرب متشابه، فتقسط الدية على عدد الأسواط (٦).

стр. 135

القول المختار: لم يظهر لي في هذه المسألة اختيار لأحد الأقوال الثلاثة، لكن يمكن الاستئناس برأي الشيخ محمد بن عثيمين، حيث يقول في هذه المسألة: «ولو قال قائل: إنه يلزمه بقسطه - فإذا كان مثلا ثمانين، وزاد ثمان جلدات، ومات، يجب عليه واحد من إحدى عشرة؛ لأنه مات من ثمان وثمانين، وثمان من ثمان وثمانين نسبتها واحدة من إحدى عشرة - لكان له وجه، ولعله أجود الأقوال الثلاثة، أجود من القول بأنه يضمن الجميع، وأجود من القول بأنه يضمن النصف» (١). المطلب الخامس من فروع القاعدة هذه بعض الفروع الفقهية المندرجة تحت القاعدة، أسوقها على النحو الآتي: ١ - إذا زاد الإمام سوطاً أو أكثر في الحد، فمات المحدود من ذلك، فقد اختلف في قدر الضمان، فقيل: يضمن كمال الدية، وقيل: يضمن نصف الدية، وقيل: يضمن قسط الزيادة (٢). ٢ - «إذا أوجبنا الضمان بالختان - كما في الحر والبرد المفرطين - فالواجب جميع الضمان؛ للتعدي، أو نصفه؛ لأن أصل الختان واجب، والهلاك حصل من مستحق وغير مستحق؟ فيه وجهان، أظهرهما الثاني» (٣).

стр. 136

٣ - إذا أقيم حد الجلد في الحر أو البرد المفرطين، فهلك المحدود، فقيل: تجب الدية كاملة، وقيل: يجب نصف الدية (١). ٤ - إذا ضربه في الجلد، فأنهر دمه، فلا ضمان عليه؛ لأنه قد يكون ذلك من رقة الجلد، فإن عاد فضربه في موضع انهار الدم، فمات، وقلنا: إن الضمان يجب، فقيل: تجب الدية كاملة، وقيل: تجب نصف الدية (٢). ٥ - إذا اشترك محل ومحرم في قتل صيد، فقد قيل: يلزم المحرم ضمانه كاملا، وقيل: يلزم المحرم نصف الجزاء (٣). ٦ - «لو اقتص من الجاني ثم جرحه هو أو غيره عدواناً، فمات: وجب كمال الدية. وفيه وجه آخر: أنه يجب نصفها» (٤). ٧ - «لو استأجر دابة لمسافة معلومة فزاد عليها، أو لحمل مقدار معلوم فزاد عليه، فتلفت الدابة، فإنه يضمنها بكمال القيمة، وقيل: يضمن نصف قيمتها» (٥). ٨ - إذا اشترك في جرح آدمي مقتص وغيره، فقيل: يجب على شريك المقتص كمال الدية، وقيل: يجب عليه نصفها (٦).

стр. 137

٩ - لو تزوج امرأة ثم دفعها هو وأجنبي فأذهب عذرتها، ثم طلقها قبل الدخول، فقيل: يجب على الأجنبي نصف أرش البكارة، وعلى الزوج نصف المهر فقط، وقيل: يجب على الزوج نصف أرش البكارة مع نصف المهر (١). ١٠ - «لو قتل رجل عبدا مشتركا بينه وبين غيره، أو أتلف مالاً مشتركا أو حيواناً: سقط ما يقابل حقه، ووجب عليه ما يقابل حق شريكه» (٢). ١١ - «لو اشترك اثنان في إتلاف مال أحدهما أو قتل عبده أو حيوانه: سقط عن المشارك ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقسطه» (٣). ١٢ - «لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان» (٤). ١٣ - «لو رمى ثلاثة بالمنجنيق (٥)، فأصاب الحجرُ أحدَهم، فقتله: فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط، ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين» (٦).

стр. 138

الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بالتعدي والتفريط وفيه أربعة مباحث: المبحث الألأول: قاعدة: الضمان منوط بالتعدي. المبحث الثاني: قاعدة: الملمفرط ضامن. المبحث الثالث: قاعدة: من ترك واجبًاً في الصون ضمن. المبحث الرابع: قاعدة: متى فرط العامل في المال أو اعتدى فعليه ضمانه.

стр. 139

المبحث الأول قاعدة الضمان منوط بالتعدي هذه القاعدة الفقهية تبين لنا اشتراط التعدي في ضمان المتلفات، وقد كانت دراستها على النحو الآتي: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت صيغ كثيرة حول هذه القاعدة مما يدل على أهميتها وعمل الفقهاء بها، وقد جاءت بعض هذه الصيغ مصدرة بالأصل أو الضابط مما يشعر بأنها قاعدة فقهية. بينما جاءت الصيغ الأخرى في مناسبات التعليل وذكر الأحكام الشرعية. وأسوق إليك ما وقفت عليه من هذه الصيغ مرتبة على النحو الآتي: أولاً: الصيغة التي وردت على لسان بعض التابعين: ١ - «الضمان على من تعدى»: هذه الصيغة وردت على لسان بعض التابعين كطاووس (١) وأبي قلابة (٢)

стр. 140

وحماد (١) ﵏ (٢). ثانياً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب الحنفي: ١ - قال أبو زيد الدبوسي (٣): «الأصل عندنا أن كل من تعدى على غيره بأخذ مال إذا هلك في يده يضمن» (٤). ٢ - قال أبو بكر الكاساني (٥): «لا ضمان إلا على المتعدي» (٦). ٣ - جاء في كتاب مجموعة الأصول ما نصه: «التعدي مضمون» (٧).

стр. 141

٤ - قال أحمد الزرقا (١): «الضمان يستدعي سبق التعدي» (٢). ثالثاً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب المالكي: ١ - قال أبو الوليد بن رشد الحفيد (٣): «الأصول على أن على المتعدي الضمان» (٤). ٢ - قال أبو إسحاق الشاطبي (٥): «التعدي يترتب عليه الضمان والعقوبة» (٦).

стр. 142

٣ - قال أحمد المنجور (١): «كل من خالف ما أمر به أو نهي عنه أو تعدى على مال غيره أو غر بالفعل فإنه يضمن» (٢). رابعاً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب الشافعي: ١ - قال الإمام الشافعي (٣): «إنما يضمن من تعدى» (٤). ٢ - قال أبو الحسن الماوردي (٥): «لا ضمان إلا بالعدوان» (٦).

стр. 143

٣ - قال بدر الدين الزركشي: «الضابط أن التعدي مضمون أبدا إلا ما قام دليله» (١). خامساً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب الحنبلي: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «متى فرط العامل في المال أو اعتدى فعليه ضمانه» (٢). ٢ - قال شمس الدين الزركشي الحنبلي (٣): «الضمان منوط بالتعدي» (٤). وذكرها أيضا برهان الدين بن مفلح (٥). ٣ - قال برهان الدين بن مفلح (٦): «الضمان على المتعدي» (٧).

стр. 144

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة منوط أي: معلق (١). بالتعدي: التعدي لغة: الظلم ومجاوزة الحد (٢). وفي الاصطلاح: يطلق ويراد به أحد معنيين: الأول: المجاوزة الفعلية إلى حق غيره أو ملكه المعصوم، وهذا المعنى هو المراد في القاعدة، وهو شرط أساسي في الضمان. والثاني: العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود غيره أم لا. وهذا المعنى ليس مراداً في القاعدة، وليس بشرط في وجوب الضمان (٣). وقد سبق التوسع في تعريف التعدي في مطلب أركان الضمان، فليرجع إليه (٤). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة الأصل أن الضمان لا يجب إلا إذا وجد الإتلاف المسبوق بتعدّ، سواء قصد الفاعل الفعل أو الضرر أم لم يقصد. فأما إذا لم يسبق الإتلاف بتعد فإنه لا يجب الضمان (٥).

стр. 145

المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) (٦) على اشتراط التعدي في الإتلاف الموجب للضمان. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧). وجه الدلالة: أن الله تعالى أجاز للمتعدَّى عليه أن يأخذ حقه من المعتدي، ومن ذلك أن يأخذ ضمان أمواله من المعتدي. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي عند هذه الآية: «ومن أخذ مال غيره المحترم أخذ منه بدله» (٨).
следующие страницы →