← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤ - قال أحمد الزرقا (١): «الضمان يستدعي سبق التعدي» (٢). ثالثاً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب المالكي: ١ - قال أبو الوليد بن رشد الحفيد (٣): «الأصول على أن على المتعدي الضمان» (٤). ٢ - قال أبو إسحاق الشاطبي (٥): «التعدي يترتب عليه الضمان والعقوبة» (٦).

стр. 142

٣ - قال أحمد المنجور (١): «كل من خالف ما أمر به أو نهي عنه أو تعدى على مال غيره أو غر بالفعل فإنه يضمن» (٢). رابعاً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب الشافعي: ١ - قال الإمام الشافعي (٣): «إنما يضمن من تعدى» (٤). ٢ - قال أبو الحسن الماوردي (٥): «لا ضمان إلا بالعدوان» (٦).

стр. 143

٣ - قال بدر الدين الزركشي: «الضابط أن التعدي مضمون أبدا إلا ما قام دليله» (١). خامساً: الصيغ التي وردت عن فقهاء المذهب الحنبلي: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «متى فرط العامل في المال أو اعتدى فعليه ضمانه» (٢). ٢ - قال شمس الدين الزركشي الحنبلي (٣): «الضمان منوط بالتعدي» (٤). وذكرها أيضا برهان الدين بن مفلح (٥). ٣ - قال برهان الدين بن مفلح (٦): «الضمان على المتعدي» (٧).

стр. 144

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة منوط أي: معلق (١). بالتعدي: التعدي لغة: الظلم ومجاوزة الحد (٢). وفي الاصطلاح: يطلق ويراد به أحد معنيين: الأول: المجاوزة الفعلية إلى حق غيره أو ملكه المعصوم، وهذا المعنى هو المراد في القاعدة، وهو شرط أساسي في الضمان. والثاني: العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود غيره أم لا. وهذا المعنى ليس مراداً في القاعدة، وليس بشرط في وجوب الضمان (٣). وقد سبق التوسع في تعريف التعدي في مطلب أركان الضمان، فليرجع إليه (٤). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة الأصل أن الضمان لا يجب إلا إذا وجد الإتلاف المسبوق بتعدّ، سواء قصد الفاعل الفعل أو الضرر أم لم يقصد. فأما إذا لم يسبق الإتلاف بتعد فإنه لا يجب الضمان (٥).

стр. 145

المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) (٦) على اشتراط التعدي في الإتلاف الموجب للضمان. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧). وجه الدلالة: أن الله تعالى أجاز للمتعدَّى عليه أن يأخذ حقه من المعتدي، ومن ذلك أن يأخذ ضمان أمواله من المعتدي. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي عند هذه الآية: «ومن أخذ مال غيره المحترم أخذ منه بدله» (٨).

стр. 146

٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن وقعت عليه العقوبة بغير وجه حق أن يستوفي بدلها، وقد فسرها طائفة من التابعين بقولهم: «إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله بيّن أن جزاء عمل السوء أن يفعل به مثل ما فعل، ومن ذلك التعدي على الأموال، فإن جزاءه ضمانها. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «جزاء السيئة سيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله» (٤). ٤ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ آخر أنه قال: (طعام بطعام وإناء بإناء) (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ألزم زوجته التي كسرت الإناء ضمانه؛ وذلك لوجود التعدي.

стр. 147

٥ - عن سمرة بن جندب (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (٢). وجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على أن من اعتدى على أحد بأخذ شيء من ممتلكاته فإنه يجب عليه أن يردها إليه. ٦ - عن يزيد بن السائب (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعباً، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليرددها عليه) (٤).

стр. 148

وجه الدلالة: يدل هذا الحديث على أنه لا يجوز للمسلم الاعتداء على مال أخيه المسلم، فإن اعتدى على ماله فإنه يجب عليه أن يرجعه إليه. المطلب الخامس في القواعد والضوابط الفقهية المندرجة تحت القاعدة ثمة قواعد وضوابط فقهية تندرج تحت القاعدة، منها ما أفردت له مبحثاً خاصا لدراستها، ومنها - وهي واحدة - ما سأتكلم على معناها هنا. وفيما يلي ذكر ما وقفت عليه مما يندرج تحت القاعدة من القواعد والضوابط الفقهية: أولاً: قاعدة (الأمانات تضمن بالتعدي) (١). ثانياً: قاعدة (التعدي على مال الغير يستوي فيه الجهل والعمد) (٢). ثالثاً: ضابط (الضمان لا يجب على الوديع إلا بالتعدي) (٣). رابعاً: قاعدة (المباشر ضامن وإن لم يتعمد ولم يتعد، والمتسبب لا يضمن إلا أن يتعدى) (٤). خامساً: قاعدة (المتولد من التعدي في حكم التعدي) (٥).

стр. 149

والمراد بهذه القاعدة أن كل ما ترتب على التعدي من آثار - كسراية (١) ونحوها - فإنه مضمون على المتعدي كما هو الحال في أصل التعدي، وهي في معنى قاعدة (سراية الجناية مضمونة) (٢)، إلا أن قاعدة السراية تستعمل في التعدي على الأنفس، وقاعدتنا تستعمل في التعدي على الأموال. ومن أمثلتها: أن من تعدى على حيوان غيره بجرح فمات الحيوان بسببه، فإن المتعدي لا يضمن الجرح فحسب، بل يضمن النفس؛ لأن هلاكها تولّد من تعديّه (٣). المطلب السادس من فروع القاعدة يتفرع على القاعدة مسائل كثيرة، منها ما يلي: ١ - إذا هلكت العارية بتعدّ من المستعير فإنه يضمنها (٤). ٢ - إذا حفر رجل حفرة في الطريق ثم سقط فيها إنسان فمات، فإن الضمان على حافر البئر؛ لتعديه في الحفر (٥).

стр. 150

٣ - إذا أودعت رجلا بقرا أو نوقا فأنزى عليهن بغير إذنك فمتن من الولادة فإنه ضامن (١). ٤ - لو اكترى زورقا فزواه مع زورق آخر فغرقا ضمن؛ لأنها مخاطرة لاحتياجهما إلى المساواة ككفة الميزان (٢). ٥ - إذا استأجرت رجلا ليخيط لك ثوبا فتلف الثوب، فإن الأجير لا يضمن إلا بالتعدي (٣). ٦ - الفصاد والحجام والختان لا يضمنون بسراية فعلهم إلى الهلاك إذا لم يجاوزوا الموضع المعتاد المعهود المأذون فيه (٤). ٧ - من أودع وديعة فتعدى فيها، بأن ركب الدابة لغير نفعها أو لبس الثوب أو أخرج الدراهم لينفقها، ثم ردّها: ضمنها؛ لتصرّفه في مال غيره بغير إذنه (٥). ٨ - لا يضمن الملتقط اللقطة إلا بالتعدي عليها أو بالمنع عند الطلب (٦). ٩ - إذا تلف الثمر والزرع بعد وجوب الزكاة فيه، ففي ذلك تفصيل: ... إن كان بتعدٍّ منه أو تفريط ضمن الزكاة، وإن كان بلا تعدٍّ ولا تفريط ... لم يضمن (٧).

стр. 151

١٠ - العامل أمين، لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعدٍّ ولا تفريط (١). ١١ - الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يضمنه إذا تلف بغير تعدٍّ منه ولا تفريط (٢). ١٢ - إذا استأجر سيارة، فأسرع السير بها في الأماكن المزدحمة أو الطرق الوعرة، ما أدّى إلى اصطدامه بسيارة أخرى؛ فهنا يضمن المستأجر تلف السيارة؛ لأنه تعدَّى. ١٣ - لا يضمن الوكيل ما تلف بيده إلا إذا تعدى أو فرّط (٣). ١٤ - إذا فتح إنسان قفصا عن طائر مملوك محترم فطار، أو فتح اصطبل حيوان محترم فضاع، أو حلّ رباط فرس ففات: وجب على الفاتح والحالّ الضمان بسبب تعديه (٤). ١٥ - إذا حلّ إنسان رباط سفينة فغرقت بعصوف ريح، فإنه يضمنه لتعديه (٥). ١٦ - إذا أتلف وثيقة لا يثبت المال إلا بها وتعذر ثبوته، فعلى متلفها الضمان لتعديه (٦).

стр. 152

المبحث الثاني قاعدة: المفرط ضامن هذه القاعدة الفقهية متعلقة بالتفريط في الأمانات، وقد يسر الله لي دراستها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة يسَّر الله لي - بعد البحث والتنقيب - الوقوف على ست صيغ للقاعدة، وقد جاء التنصيص على بعض هذه الصيغ بما يشعر بكونها قاعدة فقهية. بينما جاء البعض الآخر منها في مساق التدليل والتعليل عند توجيه رأي أو اختياره. وفيما يلي أذكر هذه الصيغ مرتبة حسب سنة وفاة قائليها: ١ - قال الفقيه أبو بكر السرخسي في سياق التعليل ما نصه: «الأمين فيما يرجع إلى الحفظ يكون ضامنا» (١). ٢ - وقال أيضا: «هلاك الأمانة في يد الأمين كهلاكها في يد صاحبها» (٢). ٣ - قال الفقيه أبو محمد بن قدامة (٣) في معرض التعليل ما نصه: «الأمين لا

стр. 153

يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان» (١). ٤ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الاستدلال: «التفريط يناسب الضمان» (٢). ٥ - جاء ذكر القاعدة في مجلة الأحكام العدلية بصيغة: «الأمانة غير مضمونة، فإذا هلكت أو ضاعت بلا صنع الأمين ولا تقصير منه لا يلزمه الضمان» (٣). ٦ - قال مفتي دمشق في وقته - محمود حمزة (٤) -: «لا ضمان على المبالغ في الحفظ» (٥). ٧ - صاغ الشيخ عبد الرحمن السعدي القاعدة بقوله: «القاعدة الرابعة عشرة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقاً» (٦).

стр. 154

٨ - ذكر الدكتور محمد الروكي القاعدة ضمن مبحث خصصه للقواعد الفقهية الكلية في نظرية الضمان، وصاغها بقوله: «المفرط ضامن» (١)، وقد استنبطها من كلام للقاضي عبد الوهاب المالكي (٢) حيث يقول: «وتحريره أن يقال: إنها بهيمة أتلفت زرعاً، فكان الضمان ممن كان التفريط منه، أصله إذا كان يد صاحبها عليها» (٣). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة المُفرِّط: لغة: من التفريط، والتفريط في الشيء هو التقصير فيه وتضييعه وإهماله والتهاون فيه حتى يفوت أو يتلف، يقال: فرّط في الأمر يفرط تفريطا فهو مفرط (٤). و «الفرق بين الإفراط والتفريط أن الإفراط يستعمل في تجاوز الحد من جانب الزيادة والكمال، والتفريط يستعمل في تجاوز الحد من جانب النقصان والتقصير» (٥).

стр. 155

وفي الاصطلاح: وقفت على ثلاثة تعاريف، وهي كما يلي: أولاً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتفريط: هو ترك ما يجب عليه من غير عذر» (١). ثانياً: قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: «التفريط: ترك ما يجب من الحفظ» (٢). ثالثاً: قال الدكتور محمد سراج: «الإهمال أو التقصير الموجب للضمان هو: مخالفة ما أوجبه الشارع من رعاية وتبصير لحقوق الغير وسلامتهم في أموالهم وأنفسهم وسائر حقوقهم الأخرى» (٣). والذي يظهر لي أن هذه التعاريف لا تخرج عن المعنى اللغوي للتفريط؛ ولذلك فإنه «على الرغم من شيوع استخدام مصطلح التفريط باعتباره سببا لإيجاب الضمان، فإن الفقهاء لم يعنوا أنفسهم بتعريفه تعريفا جامعا مانعا فيما اطلعت عليه؛ اكتفاء بوضوح مفهومه» (٤) عندهم. ومن الجدير بالملاحظة أن التعدي إذا أطلق فإنه قد يشمل معنى التفريط؛ لأن التعدي - الذي يشترط لإيجاب الضمان - قد يكون أمراً إيجابياً كالإحراق والإغراق والإتلاف، وقد يكون أمراً سلبياً كترك الحفظ والإهمال والامتناع عن تقديم المساعدة للمضطر (٥).

стр. 156

ومن هنا قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: «والفرق بين التعدي والتفريط: أن التفريط: ترك ما يجب من الحفظ، والتعدي: فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات» (١). المطلب الثالث في مسائل متعلقة بالتفريط أولاً: إن التفريط في أموال الناس يدخل ضمن التسبب في الإتلاف؛ لأن المفرط في الشيء متسبب في إتلافه (٢)، والتسبب قد يكون بالفعل أو بعدم الفعل أو بالتفريط (٣). وبذلك فإنه يمكن إدراج هذه القاعدة «المفرط ضامن» تحت القاعدة الكلية المشهورة: «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي» (٤). ثانياً: إن الشرع واللغة لم يأتيا بتحديد التفريط الموجب للضمان، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فمرجع تحديده إلى العرف والعادة (٥)، وعلى هذا فإن كل ما عدّه الناس تفريطا أنيط به الحكم ولزم به الضمان (٦).

стр. 157

ثالثاً: سبق وأن ذكرت أن اليد تنقسم إلى قسمين: الأول: يد الأمانة، وهي - كما سبق (١) -: «اليد التي حصل المال في حوزتها بإذن من الشارع أو بإذن من المالك» (٢)، وحكم هذه اليد أنها لا تضمن ما تلف تحتها من الأموال إلا إذا تعدت على المال أو فرطت في حفظه (٣). الثاني: يد الضمان، وهي - كما سبق (٤) -: «كل يد لم تستند في حوزتها للمال إلى إذن من الشارع أو إذن من المالك» (٥)، وحكم هذه اليد أنها تضمن ما يتلف تحتها من الأموال، سواء كان التلف بتعدّ أو تفريط منها أم لم يكن (٦). رابعاً: ذكر العلماء للتفريط في الأمانات صوراً ومظاهر (٧)، أذكر منها ما يلي:

стр. 158

١ - التقصير في حفظ الأمانة أو تركه (١). ٢ - حبس المال عن صاحبه ومنعه إياه عند طلبه مع قدرة الحائز على تسليمه (٢). ٣ - خلط الأمانة بغيرها بحيث لا تتميز (٣). ٤ - استعمال الأمانة والانتفاع بها دون إذن المالك (٤). ٥ - مخالفة مالك الأمانة في حفظها (٥). ٦ - تضييع الأمانة وإهمالها (٦). ٧ - جحود الأمانة (٧). ٨ - ترك الإيصاء بالأمانة، فإذا مرض الأمين مرضا مخوفا فمات قبل أن يوصي بها، فإنه يضمنها مِن تركته؛ وذلك لتفريطه بترك الإيصاء بها (٨). المطلب الرابع في المعنى الإجمالي للقاعدة إن الأمين إذا فرط في الأمانات فأدى ذلك إلى تلفها كلها أو شيء منها: وجب عليه ضمان ما تلف بسبب تفريطه.

стр. 159

المطلب الخامس في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق فقهاء الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) على أن الأيدي الأمينة لا تضمن ما تلف في أيديها من الأمانات إلا إذا حصل التعدي أو التفريط من قبل الأمين، فإنه حينئذ يضمن. لكنهم اختلفوا في تحديد الأيدي الأمينة. وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٦)، وقال : ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٧). وجه الدلالة: إن الله تعالى نهى عباده عن أكل أموال الناس بغير حق، ومن ذلك عدم ضمانهم لما تلف من الأموال بلا تعدٍّ منهم أو تفريط.

стр. 160

وفي هذا يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة» (١). وقال الشوكاني في حق الأجير -وهو أحد الأيدي الأمينة-: «ولا يضمن إلا إذا حصلت منه جناية أو تفريط. فإن التضمين حكم شرعي يستلزم أخذ مال مسلم معصوم بعصمة الإسلام، فلا يجوز إلا بحجة شرعية، وإلا كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل» (٢). ٢ - وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣). وجه الدلالة: إن الأمين إذا حفظ الوديعة ولم يتعد عليها أو يفرط فإنه محسن، فوجب أن لا يكون عليه سبيل في الضمان (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٥). ٤ - عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (٦). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من

стр. 161

ائتمنك ولا تخن من خانك) (١). وجه الدلالة من الآية والحديثين السابقين: أن الشارع الحكيم أمر بأداء الأمانة إلى أهلها، ومن لازم الأداء «أن يحفظ ما بيده ولا يفرط فيه ولا يتعدى، فإن فعل ذلك زال ائتمانه وتحتم عليه ضمانه» (٢) (٣). ٦ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (٤).

стр. 162

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن لنا حرمة الأموال وأنها معصومة بعصمة الإسلام، فلا يحل منها شيء إلا بأمر الشرع، وهذا أمر مجمع عليه (١)، ومن ذلك مال الأمين، فإنه لا يحل أخذ شيء من ماله إلا بدليل شرعي، ولا يوجد دليل شرعي يدل على تضمينه ما تلف في يده بدون تعدٍّ منه أو تفريط، فيبقى على البراءة الأصلية، وهي حرمة ماله وعصمته (٢). ٧ - قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن الإضرار بالآخرين، ومن ذلك الأمين. فإن تضمينه ما تلف في يده من المال - بدون تعدٍّ منه أو تفريط - إضرار به. ٨ - إن الأمين متبرع بحفظ الأمانة من غير نفع يرجع إليه، فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضرّ بالناس، ويؤدي إلى قطع المعروف (٤). ٩ - إن الأمين نائب عن المالك في حفظ الأمانة، فكانت يد الأمين كيد المالك في عدم الضمان (٥) المطلب السادس في القواعد والضوابط المندرجة تحت القاعدة يسّر الله لي الوقوف على قواعد وضوابط فقهية تندرج تحت قاعدة: (المفرط ضامن)، أسوقها على النحو التالي:

стр. 163

١ - قاعدة: من ترك واجبا في الصون ضمن (١). ٢ - قاعدة: متى فرط العامل في المال أو اعتدى فعليه ضمانه (٢). ٣ - ضابط: العارية مضمونة (٣). ٤ - ضابط: الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون (٤). ٥ - ضابط: الضمان لا يجب على الوديع (٥). ٦ - قاعدة: الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل. ٧ - قاعدة: كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه. وقد أفردت مباحث خاصة لدراسة هذه القواعد والضوابط - كما سيأتي - ما عدا القاعدتين الأخيرتين، فإن دراستهما ستكون على النحو الآتي: القاعدة الأولى: الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل ويمكن دراستها على النحو الآتي: أولاً: في صيغ القاعدة: لم أجد من نصّ على هذه القاعدة سوى فقهاء المذهب الحنفي، مع أن العمل بها - كما سيأتي - لا يقتصر على هذا المذهب فحسب.

стр. 164

فقد ذكر القاعدة الفقهية أبو بكر السرخسي حيث قال: «التجهيل موجب للضمان» (١)، وقال أيضا: «الأمين بالتجهيل يصير ضامنا» (٢). كما ذكر ابن نجيم الحنفي القاعدة قائلا: «الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل» (٣). ثانياً: في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة: تنقلب: أي تتحوّل (٤). تجهيل: لغة: من الجهل وهو نقيض العلم، ويقال: جهل الحق إذا أضاعه، والتجهيل: أن تنسبه إلى الجهل، يقال: (جهَّله تجهيلا) إذا نسبه إليه (٥). واصطلاحاً: عدم تبيين الأمين حال الأمانة والسكوت عليها حتى الموت، مع علمه بعدم علم الوارث بها (٦). هذا ما يستفاد من كلام علماء المذهب الحنفي، حيث إن هذا المصطلح لم يستعمل في غير مذهبهم. ثالثاً: في المعنى الإجمالي للقاعدة: إن الأمانات كالودائع ومال المضاربة وغيرهما - مما لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط - تتحول يد قابضها من الأمانة إلى الضمان إذا مات ولم يبين حال

стр. 165

الأمانة، وكان يعلم أن وارثه لا يعلمها؛ لأن تصرفه هذا يُعَدّ تفريطا في حفظ الأمانة، والتفريط موجب للضمان. رابعاً: في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة: اتفق الفقهاء من - الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - على أن الأمين إذا مات مجهّلا للأمانة يصير ضامنا لها (٥). ويستدل لهم بأدلة القاعدة الكبرى - السابق ذكرها (٦) - التي تندرج تحتها هذه القاعدة؛ لأنها متفرعة عنها. وقد استدلوا أيضا بأدلة أخرى خاصة بهذه القاعدة هي كما يلي: ١ - إن الأمين صار بالتجهيل متملكا لها؛ لأن اليد المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك؛ ولهذا لو شهد الشهود بها كان ذلك بمنزلة الشهادة بالملك حتى يقضي القاضي للوارث والمودع بالتمليك، فيصير ضامنا (٧).

стр. 166

٢ - إن الأمين بالتجهيل يصير مسلّطا غرماءه وورثته على أخذها، والمودع بمثل هذا التسليط يصير ضامنا، كما لو دل سارقا على سرقتها (١). ٣ - إن الأمين التزم أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة بيانها عند موته وردّها على المالك إذا طلب. فكما يضمن بترك الردّ بعد الطلب يضمن أيضا بترك البيان عند الموت (٢)؛ لأن الكل تفريط، والتفريط موجب للضمان. ٤ - إن الأمين لما مات مجهّلا للوديعة فقد أتلفها معنى لخروجها من أن تكون منتفعا بها في حق المالك بالتجهيل، وهو تفسير الإتلاف (٣). خامساً: من فروع القاعدة: ١ - إذا مرض المودع ولم يبين حال الوديعة فإنه يضمنها (٤). ٢ - إذا مات عامل المضاربة ولم يعين مال المضاربة فإنه يكون دينا في تركته (٥). ٣ - إذا مات المرتهن مجهّلا للرهن فإنه يضمن قيمة الرهن في تركته (٦). القاعدة الثانية: كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه: ويمكن بيانها على النحو الآتي:

стр. 167

أولاً: في صيغ القاعدة: ذكر العلماء نصوصا فقهية هي بمثابة صيغ لهذه القاعدة، وفيما يلي ذكر ما وقفت عليه من هذه النصوص مرتبة على المذاهب الأربعة حسب الأقدمية: (أ) المذهب الحنفي: ١ - «اشتراط الضمان على الأمين باطل» (١). ٢ - «شرط الضمان في الأمانة باطل» (٢). (ب) المذهب المالكي: ١ - «التزام ما يخالف سنة العقود شرعا من ضمان أو عدمه ساقط على المشهور» (٣). (جـ) المذهب الشافعي: ١ - «الشيء إذا كان حكمه في الأصل على الأمانة فإن الشرط لا يغيره عن حكم أصله» (٤). ٢ - «ما كان أمانة لا يصير بالشرط مضمونا» (٥). ٣ - «شرط الأمانة لا يوجب الضمان» (٦).

стр. 168

(د) المذهب الحنبلي: ١ - «كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط» (١). ٢ - «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٢). ٣ - «كل ما كان أمانة أو مضمونا لا يزول عن حكمه بالشرط» (٣). ٤ - «كل ما كان أمانة لا يزول عن حكمه بشرط ضمانه، أو كان مضمونا لا يزول عن حكمه بالشرط» (٤). ثانياً: في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة: بشرطه: من الشرط، وهو في اللغة: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، وجمعه: شروط، والشرَط - بفتح الراء-: العلامة، وجمعه: أشراط (٥). وفي اصطلاح الأصوليين: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (٦). والشرط قد يكون مشترطا من الشارع، وقد يشترطه أحد العاقدين على الآخر. والمراد به هنا: ما يشترطه أحد العاقدين على الآخر.

стр. 169

ثالثاً: في المعنى الإجمالي للقاعدة: إنه إذا كان الأصل في العقد أو الشيء الأمانة فإنه لا ينتقل من حكم الأمانة إلى الضمان باشتراط الضمان فيه، وكذلك إذا كان الأصل في العقد أو الشيء الضمان فإنه لا ينتقل إلى حكم الأمانة باشتراط الأمانة فيه. رابعاً: في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة: اختلف الفقهاء في صحة القاعدة، وهو أنه هل يصحّ اشتراط الضمان على الأمين، واشتراط نفي الضمان عن الضامن أم لا؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا الشرط باطل. وهو قول الحنفية في المعتمد عندهم (١)، والمالكية على المشهور من مذهبهم (٢)، والشافعية (٣) والحنابلة في رواية هي المذهب (٤)، وهو قول سفيان الثوري (٥) (٦)،

стр. 170

وإسحاق بن راهويه (١) (٢)، وأبو بكر بن المنذر (٣) (٤). ثم اختلف هؤلاء فيما بينهم هل يفسد العقد لبطلان الشرط أم لا؟ على قولين: الأول: إن الشرط باطل والعقد صحيح، وهو قول الحنفية (٥)، والشافعية في العارية (٦)، والحنابلة (٧). والثاني: إن الشرط باطل والعقد فاسد، وهو قول المالكية (٨) والشافعية في الرهن (٩).

стр. 171

القول الثاني: إن هذا الشرط صحيح. وهذا قول الحنفية في رواية (١)، والمالكية في قول (٢)، وأحمد (٣) في رواية (٤)، وهو قول قتادة (٥) (٦) وداود الظاهري (٧) (٨)، واختاره الشوكاني (٩)، وعبدالرحمن السعدي (١٠) ومحمد العثيمين (١١).

стр. 172

القول الثالث: إذا اشترط على الأمين الضمان لأمر خافه المالك من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص - أو ما أشبه ذلك - فيلزمه الشرط إن تلف في الأمر الذي خافه واشترط الضمان من أجله، وإن تلف في غيره لم يلزمه الشرط، وهذا قول مطرف (١) (٢) من المالكية. أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عن عائشة (٣) ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله! من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، شرط الله أحق وأوثق) (٤).

стр. 173

وجه الدلالة: إن الله شرع العقود على صفة معينة. واشتراط شروط تخالف مقتضى العقود - كإيجاب الضمان وسقوطه - يعتبر تغييرا للمشروع، فهي شروط ليست في كتاب الله، فتكون باطلة. نوقش هذا الدليل: بأنه لم يثبت دليل من الكتاب والسنة على تحريم اشتراط إيجاب الضمان في الأمانات أو إسقاطه عن المضمونات. ٢ - إن للعقود أصولا مقدرة وأحكاما معتبرة لا تغيرها الشروط عن أحكامها في شرط سقوط الضمان وإيجابه كالودائع والشركة، لما كانت غير مضمونة بالعقود لا تعتبر مضمونة بالشرط، والقروض والعواري لما كانت مضمونة بالعقد لم يسقط الضمان بالشرط (١). ٣ - إن هذا اشتراط لإيجاب الضمان أو سقوطه بدون وجود سببه، فلا يلزم كما لو اشترط ضمان ما يتلف في يد مالكه (٢). ٤ - إن العقد إذا اقتضى شيئاً فَشُرِط غيره فإنه يكون شرطا لشيء ينافي مقتضى العقد، فلا يصح، كما لو شرط في المبيع أن لا يبيعه (٣). نوقشت هذه الأدلة الثلاثة: بأننا نوافقكم بأن الأصل في عقود الأمانات عدم الضمان، وفي المضمونات إيجاب الضمان، لكن إذا رضي الشخص بإيجاب الضمان على نفسه أو إسقاطه عن غيره فهذا خالص حقه، ولا يوجد ما يدل على تحريمه، فيبقى الأمر على الأصل في الشروط وهو الجواز والصحة.

стр. 174

أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرّم حلالا أو أحل حراما) (١) (٢). وجه الدلالة: إنه لم يأت دليل على تحريم اشتراط الضمان أو عدمه فيجب الوفاء بهذا الشرط؛ لأن المسلمين على شروطهم. ٢ - عن صفوان بن أمية ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: (بل عارية مضمونة) (٣) (٤). وجه الدلالة: إن النبي ﷺ وصف العارية بصفة مخصصة وهي أنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان (٥) كما هو الأصل فيها، وهذا يدل على صحة اشتراط ضمان العارية على المستعير. نوقش هذا الدليل: أن هذا «ليس على سبيل الشرط» (٦)، و «إنما كان ذكر الضمان في حديث صفوان؛ لأنه كان حديث العهد بالإسلام وجاهلاً بأحكام الدين، فأعلمه رسول الله ﷺ أن من حكم الإسلام أن العواري مضمونة؛ ليقع له الوثيقة بأنها مردودة عليه غير ممنوعة منه في حال» (٧).

стр. 175

ويجاب عنه: أن هذه المناقشة ترد على التسليم بأن حكم الإسلام في العارية أنها مضمونة، ولكن الصحيح - كما سيأتي (١) - من أقوال أهل العلم أن العارية أمانة لا تضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط أو شرط؛ لذا فإن هذه المناقشة لا ترد على القول الصحيح. ٣ - إن المالك لو أذن في إتلاف ملكه لم يجب على المُتلف ضمانها، فكذلك إذا أسقط الضمان عن الأمين (٢). نوقش هذا الدليل: بأنه «فارق إذا أذن في الإتلاف، فإن الإتلاف فعل يصح الإذن فيه ويسقط حكمه؛ إذ لا ينعقد موجبا للضمان مع الإذن فيه، وإسقاط الضمان ههنا نفي للحكم مع وجود سببه، وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه» (٣). ويجاب عنه: بأنه لا يوجد دليل صحيح صريح يدل على منع المالك من خالص حقه في إسقاط الضمان. ٤ - إن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وموجبها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥) (٦)، فإذا

стр. 176

رضي الشخص باشتراط إيجاب الضمان على نفسه أو إسقاط ضمان ملكه عن غيره كان مجرد هذا الرضا مسوغا لهذا الشرط (١). أدلة القول الثالث: لم أقف على دليل لهذا القول، ولعل قائله يرى أن وجود السبب للاشتراط مسوغ له، بخلاف ما إذا لم يوجد سبب للاشتراط. القول المختار: يظهر لي - بعد ذكر الأقوال في المسألة وأدلتها ومناقشتها - صحة ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني: من اعتبار اشتراط الضمان على الأمين أو نفيه عن الضامن شرطا لازما صحيحاً؛ وذلك للأمور التالية: ١ - صحة أدلة أصحاب القول الثاني، وقوتها وسلامتها من الاعتراضات. ٢ - ضعف أدلة أصحاب القول الأول، ووجود الاعتراضات والأجوبة الصحيحة عليها. ٣ - عدم وجود أدلة للقول الثالث. وبهذا يتبين لنا ضعف هذه القاعدة المندرجة. والله تعالى أعلم. خامساً: من فروع القاعدة: يتفرع على هذه القاعدة مسائل كثيرة، أذكر شيئاً منها على النحو التالي: ١ - إذا اشترط المؤجر على المستأجر ضمان العين فالشرط فاسد (٢). ٢ - إذا اشترط الصانع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه شرط، وكان عليه الضمان (٣).

стр. 177

٣ - إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله أو قال: أنا ضامن لها: لم يضمن (١). ٤ - لو رهن بشرط كونه مضمونا على المرتهن فسد الشرط والرهن، ولا يكون مضمونا عليه (٢). ٥ - إذا شرط المستعير على المعير عدم ضمان العارية لم يصح الشرط (٣). ٦ - إذا شرط رب المال على العامل ضمان الخسران كان العقد فاسدا (٤). ٧ - لا يجوز في سندات المقارضة المعمول بها في البنوك أن تشتمل نشرة الإصدار أو الصكوك على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال، أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال. فإن وقع النص على ذلك صراحة ... أو ضمناً بطل شرط الضمان، واستحق المضارب ربح مضاربة المثل (٥). المطلب السابع من فروع القاعدة يندرج تحت القاعدة فروع كثيرة، أذكر منها ما يلي: ١ - إذا استأجر رجل حمارين فاشتغل بحمل أحدهما، فضاع الآخر ثم هلك، فإن المستأجر يضمن (٦).

стр. 178

٢ - اللقطة أمانة في يد الملتقط لا يضمنها إلا بالتعدي عليها أو بالمنع عند الطلب (١). ٣ - إذا طلب الوديعة صاحبها فامتنع المودع وحبس الوديعة عنده مع قدرته على تسليمها ثم تلفت الوديعة، فإن المودع يضمنها (٢). ٤ - سبيل البضاعة سبيل الوديعة، لا ضمان على قابضها إلا أن يتعدى أو يخالف ما أمر به، فيضمن، والمُبْضَع معه وكيل (٣). ٥ - لا يضمن العامل في القراض ولا الأجير فيما استؤجر عليه إلا إذا حصل التعدي أو التفريط (٤). ٦ - الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يضمنها إلا بتعدٍّ أو تفريط (٥). ٧ - إذا اصطدمت سفينتان فغرقتا: ضمن كلٌّ سفينة الآخر وما فيها إن فرط، وإن كانت إحداهما واقفة ضمنها قَيّم السائرة إن فرَّط (٦). ٨ - إذا تسببت البهائم في حوادث السير في الطرقات؛ فإن أرباب البهائم يضمنون الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء (٧).

стр. 179

٩ - إذا استأجر سيارة فأوقفها في مكان غير مأمون فتلفت أو سرقت: وجب عليه ضمانها بسبب تفريطه. ١٠ - إذا استعار كتابا من شخص فوضعه على مائدة الطعام فسقط عليه الإناء المملوء بالطعام فتلف به: كان على المستعير ضمانه لتفريطه.

стр. 180

المبحث الثالث قاعدة: من ترك واجباً في الصون ضمن هذه القاعدة - كما سبق - إحدى القواعد المندرجة تحت قاعدة (المفرط ضامن)، وقد كانت دراستها على النحو الآتي: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت بعض النصوص الفقهية الناطقة بهذه القاعدة، والتي هي بمثابة صيغ لها. وإليك ما تمّ الوقوف عليه من هذه النصوص مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها: أولاً: ما ذكره أبو العباس القرافي حيث يقول: «من ترك واجبا في الصون ضمن» (١). ثانياً: ما جاء في كتاب الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية: «ترك الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات» (٢). ثالثاً: ما ذكره بدر الدين الزركشي حيث يقول: «الترك فعل إذا قصد» (٣). رابعاً: ما نقله ابن حجر العسقلاني (٤) عن بعض العلماء بأن «الترك كالفعل
следующие страницы →