من غيره، وقبض أجرته: لا يلزم ردّ ذلك للبائع معه؛ لكونه في ضمان المشتري (١). كما تقدم الكلام عليه في أقسام الخراج.
٢ - إذا حصل للعين المرهونة زيادة فإنها تكون للراهن؛ لأن ضمان المرهون عليه (٢).
٣ - إذا زادت العين الملتقطة ثم جاء مالكها فإنه يأخذها بزيادتها (٣).
٤ - إذا اشترى رجل دارا فاستغلها ثم استحقت بعد ذلك بالشفعة فإن الغلة تكون للمشتري دون الشفيع (٤).
٥ - إذا حدث للعين الموصى بها زيادة بعد موت الموصي وقبول الموصى له فإن الزيادة تكون للموصى له (٥).
٦ - أجرة كتابة صكّ المبايعة على المشتري؛ لأنها توثيق لانتقال الملكية إليه (٦).
٧ - ليس لغريم المفلس - إذا فسخ البيع - أخذ نتاج ما باعه من الماشية والدواب ولا غلة ماله، وليس له إلا الرقاب بعينها إذا وجدها (٧)؛ لأنها لو تلفت لضمنها المفلس.
стр. 212
٨ - إذا اشترك اثنان في شركة الملك فإن ربح الشركة يقسم بينهما بنسبة حصصهم. فإذا كانت حصص الشريكين متساوية - أي مشتركة مناصفة - فتقسم بالتساوي، وإذا لم تكن متساوية - بأن يكون لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان - فيقسم الربح على هذه النسبة؛ لأن نفقات هذه الأموال هي بنسبة حصصها، وكذلك التلف أو الخسارة لو حصلت؛ لأن الضمان كذلك، والخراج بالضمان (١).
стр. 213
المبحث الثاني
قاعدة: فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه
هذه القاعدة من القواعد الفقهية التي يكون الضمان فيها بسبب العقد، وهي تدخل في أبواب فقهية كثيرة، وقد يسّر الله دراستها في المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
ذكر العلماء لهذه القاعدة صيغا كثيرة، جاءت في عبارات وقوالب مختلفة، يمكن تصنيفها إلى قسمين:
القسم الأول: صيغ عامة:
وهي التي نصّت على أن أحكام العقود الفاسدة ملحقة بالعقود الصحيحة دون أن تنص على الضمان، وهي كما يلي:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «العقد الفاسد معتبر في الجائز» (١).
٢ - وقال أيضا: «الفاسد في الحكم ملحق بالجائز» (٢).
٣ - قال القاضي عبدالوهاب المالكي: «كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه» (٣).
стр. 214
٤ - قال أبو الوليد الباجي (١): «كل عقد إنما يردّ فاسده إلى مقتضى صحيحه» (٢).
٥ - قال أبو الحسن الماوردي: «أحكام العقود الفاسدة معتبرة بأحكامها في الصحة» (٣).
٦ - قال أبو عبدالله بن قيم الجوزية: «يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها» (٤).
القسم الثاني: صيغ خاصة:
وهي التي نصت على أن الضمان في العقود الفاسدة معتبر بصحيحها، وهي كما يلي:
١ - قال ابن نجيم الحنفي: «فاسد العقود في الضمان كصحيحها» (٥).
٢ - قال أبو الحسن الماوردي: «العقد الفاسد يحمل في وجوب العوض على حكم الصحيح» (٦).
стр. 215
٣ - قال أبو زكريا النووي (١) وجلال الدين السيوطي: «كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه الضمان فكذا فاسده» (٢).
٤ - قال أبو عبد الله بن الوكيل (٣) وعبدالوهاب بن السبكي وبدر الدين الزركشي وأبو بكر الحصني (٤):
«فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه» (٥).
стр. 216
٥ - قال محمد البكري (١): «كل عقد يقتضي صحة الضمان ففاسده كذلك، وما لا فلا» (٢).
٦ - قال برهان الدين بن مفلح: «المقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في العقد الصحيح فيما يرجع إلى الضمان وعدمه» (٣).
٧ - قال أبو محمد بن قدامة: «كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده» (٤).
٨ - قال شيخ الإسلام بن تيمية: «ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد، وما لا يضمن في الصحيح لا يضمن في الفاسد» (٥).
٩ - وقال أيضا: «ما ضمن بالقبض في العقد الصحيح ضمن بالقبض في العقد الفاسد» (٦).
١٠ - قال أيضا: «العوض في العقود الفاسدة هو نظير ما يجب في الصحيح عرفا وعادة» (٧).
стр. 217
١١ - قال ابن رجب الحنبلي: «كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب في فاسده، وكل عقد لا يجب الضمان في صحيحه لا يجب الضمان في فاسده» (١).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
الصحيح: في اللغة: من الصحة، قال أبو الحسين بن فارس (٢): «الصاد والحاء: أصل يدل على البراءة من المرض والعيب، وعلى الاستواء، من ذلك (الصحة): ذهاب السقم والبراءة من كل عيب» (٣)، «والصحيح: الحق، وهو خلاف الباطل، وقد استعيرت الصحة للمعاني. فقيل: (صحت الصلاة) إذا أسقطت القضاء، و (صحّ العقد) إذا ترتب عليه أثره» (٤).
وفي اصطلاح الأصوليين: ترتب أثر مطلوب من فعلٍ عليه (٥).
الفاسد: في اللغة: من فسد الشيء فسادا وفسودا، والفساد: نقيض الصلاح وخروج الشيء عن الاعتدال والاستقامة، سواء كان الخروج عنهما قليلا أو كثيرا (٦).
стр. 218
والباطل في اللغة: من بطل، «والباء والطاء واللام أصل واحد، وهو ذهاب الشيء وقلة مكثه ولبثه» (١)، يقال: (بطل الشيء) إذا ذهب ضياعا وخسرا، والباطل: ضد الحق، وجمعه أباطيل (٢).
ومعنى الفاسد والباطل في اصطلاح الأصوليين: عدم ترتب الأثر المطلوب من فعلٍ عليه (٣).
ويتفق قول الأصوليين على الترادف بين الباطل والفاسد في أبواب العبادات (٤).
واختلفوا في أبواب المعاملات: فذهب الجمهور إلى الترادف بينهما (٥). وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما، فقالوا: الباطل: ما لم يكن مشروعا بأصله ووصفه، والفاسد: ما كان مشروعا بأصله دون وصفه (٦).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
ذكر بدر الدين الزركشي معنى القاعدة قائلا: «ومعنى ذلك أن ما اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم - كالبيع والقرض والعمل في القراض والإجارة والعارية - فيقتضي فاسده أيضا الضمان؛ لأنه أوْلى بذلك، وما لا يقتضي
стр. 219
صحيحه الضمان بعد التسليم - كالرهن والعين المستأجرة والأمانات كالوديعة، والتبرع كالهبة والصدقة - لا يقتضيه فاسده أيضاً» (١).
وكذلك زين الدين بن رجب وضّح معناها بقوله: «ونعني بذلك أنّ العقد الصحيح إذا كان موجبا للضمان فالفاسد كذلك، وإذا لم يكن الصحيح موجبا للضمان فالفاسد كذلك. فالبيع والإجارة والنكاح موجبة للضمان مع الصحة، فكذلك مع الفساد، والأمانات - كالمضاربة. والشركة والوكالة والوديعة وعقود التبرعات كالهبة - لا يجب الضمان فيها مع الصحة، فكذلك مع الفساد» (٢).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اتفق الفقهاء - من الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) والظاهرية (٧) - على صحة هذه القاعدة والعمل بها من حيث الجملة.
стр. 220
وإنما اختلفوا في آحاد العقود الصحيحة هل تفيد الأمانة أم الضمان؟
واختلافهم هذا أدّى إلى الخلاف في العقود الفاسدة؛ لأن هذه مبنية على تلك.
واستدلوا على صحة هذه القاعدة بما يلي:
١ - أما الشطر الأول: وهو أن كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده؛ فلأن الصحيح إذا أوجب الضمان فالفاسد أولى. وأما الشطر الثاني: وهو أن كل عقد لا يقتضي صحيحه الضمان فكذا فاسده؛ فلأن إثبات اليد عليه بإذن المالك، ولم يلتزم بالعقد ضمانا (١).
٢ - «ولأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا في معرفة حكمه، فإن الشرع لا يرد بالفاسد» (٢)؛ لذا أعطي الفاسد حكم الصحيح في الضمان وعدمه.
المطلب الخامس
في مسائل متعلقة بالقاعدة
المسألة الأولى: في أن استواء العقد الصحيح مع الفاسد في أصل الضمان، لا في الضامن ولا المقدار ولا الكيفية:
ذكر بعض العلماء: أن استواء العقد الصحيح مع الفاسد يكون في أصل الضمان، أما الضامن والمقدار والكيفية فإنها قد لا تستوي في جميع الأحوال.
стр. 221
* أما الضامن: فلأن الولي إذا استأجر على عمل للصبي إجارة فاسدة فإن الأجرة تكون على الولي وليس في مال الصبي، بخلاف الإجارة الصحيحة، فإنها تكون في مال الصبي (١).
* وأما المقدار: فيقول جلال الدين السيوطي: «فلأن صحيح البيع مضمون بالثمن، وفاسده بالقيمة أو المثل، وصحيح القرض مضمون بالمثل مطلقا، وفاسده بالمثل أو القيمة. وصحيح المساقاة والقراض والإجارة والمسابقة والجعالة مضمون بالمسمى، وفاسدها بأجرة المثل، والوطء في النكاح الصحيح مضمون بالمسمى، وفي الفاسد بمهر المثل» (٢).
والحقيقة أن هذه المسألة - مسألة: هل يُضمن في العقد الفاسد بما سُمِّىَ فيه أو بعوض المثل؟ - فيها خلاف كبير، بل إنّ كل عقدٍ فيه خلاف خاص به. ففي البيع الفاسد خلاف خاص به، وكذلك الإجارة وبقية العقود، لكن الذي عليه أهل التحقيق من أهل العلم أنه يضمن في العقد الفاسد بالمسمى لا عوض المثل؛ «وذلك لأن العين لو أمكن ردها أو رد مثلها لكان ذلك هو الواجب؛ لأن العقد لما انتفى وجب إعادة كل حق إلى مستحقه، والمثل يقوم مقام العين. أما إذا كان الحق قد فات مثل الوطء في النكاح الفاسد، والعمل في المؤاجرات والمضاربات، والغبن في المبيع: فالقيمة ليست مثلا له، وإنما تجب - أي القيمة -
стр. 222
في بعض المواضع كالمتلف والمغصوب الذي تعذّر مثله؛ للضرورة؛ إذ ليس هناك شيء يوجد أقرب إلى الحق من القيمة، فكان ذلك هو العدل الممكن، كما قلنا مثل ذلك في القصاص ودية وأرش الجراح، واعتبرنا القيمة بتقويم الناس؛ إذ ليس هناك متعاقدان تراضيا بشيء، وأما هنا فقد تراضيا بأن يكون المسمى بدلا عن العين أو المنفعة، والناس يرضون لها ببدل آخر فكان اعتبار تراضيهما أولى من اعتبار رضا الناس.
فإن قيل: هما إنما تراضيا بهذا البدل في ضمن صحة العقد، ووجوب موجباته، وذلك منتف هنا؟
قيل: والناس إنما يجعلون هذا قيمة في ضمن عقد صحيح له موجباته، فلما تعذّر العقد هنا قدرنا وجود عقد يعرف به البدل الواجب فيه، فتقدير عقدهما الذي عقداه أولى من تقدير ما لم يوجد بحال، ولا رضيا به، ولم يعقده غيرهما. فإذا كان لا بدّ من التقدير والتقريب فما كان أشبه بالواقع كان أولى بالتقدير وأقرب إلى الصواب» (١).
* وأما الكيفية: فيوضحها الشيخ محمد العثيمين بقوله: «فالبيع في العقد الفاسد يجب فيه ضمان العين والمنفعة، وأما في العقد الصحيح فيجب فيه ضمان العين فقط؛ لأن المنفعة في العقد الصحيح مملوكة تبعا للعين، أما في العقد الفاسد فليس هناك ملك حتى نقول: إن المنفعة تابعة للملك، وعلى هذا فإذا تلف المبيع في البيع الفاسد فإننا نضمن العين والمنفعة، أي: مدة أجرتها ما
стр. 223
دامت في يده، فهنا اشتركا في أصل الضمان، أي: العقد الصحيح والفاسد، ولكن اختلفا في كيفية الضمان» (١).
المسألة الثانية: في أن المراد بالفاسد في القاعدة خلاف الباطل:
سأذكر في هذه المسألة ما وقفت عليه من أقوال الفقهاء، وما فهمته منها، وقد بدا لي أن أجعل رأي كل مذهب على حِدَة، وذلك كما يأتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
يرى الحنفية أن العقد الباطل لا يدخل في حكم القاعدة؛ إذ إن العقد الباطل لا يفيد الملكية ولا يترتب عليه حكم مطلقا، سوى أن المقبوض بالعقد الباطل يكون أمانة عند قابضه، لا يضمنه إلا إذا تعدّى أو فرط.
وذلك «لأن الحكم للموجود، ولا وجود لهذا العقد الباطل إلا من حيث الصورة؛ لأن التصرف الشرعي لا وجود له بدون الأهلية والمحلية شرعا، كما لا وجود للتصرف الحقيقي إلا من الأهل في المحل حقيقة» (٢).
ثانياً: المذهب المالكي:
لم أقف على رأي للمالكية في هذه المسألة، ولا على تفريق لهم بين الفاسد والباطل، مما يدل على أنهم طردوا أصلهم في الترادف بين الفاسد والباطل، ولم يفرقوا بينهما في الأحكام. والله تعالى أعلم (٣).
стр. 224
ثالثاً: المذهب الشافعي:
تقدم معنا أن الأصل العام عند الشافعية أن الفساد والبطلان مترادفان (١)، بيد أنهم فرّقوا بينهما في بعض الأبواب (٢) والمسائل الفقهية، ولكن على غير أصول
الحنفية (٣)؛ إذ إن الباطل عندهم: ما اختلّت صحته باختلال ركن من أركانها. والفاسد: ما اختلّت صحته بوجود شرط فاسد فيه (٤).
ومن الأمور التي فرّقوا فيها بين الباطل والفاسد قاعدتنا هذه. فإن (الباطل) لا يدخل في مسمى (الفاسد) في هذه القاعدة عندهم، ولا يترتب عليه أحكام الصحيح، بخلاف الفاسد، فإنهم يرتبون عليه أحكام الصحيح (٥)، وقد عللوا ذلك بقريب مما علل به الحنفية، حيث قال الشيخ بدر الدين الزركشي: «إذ ليس هناك عقد حتى يقال: فاسد» (٦).
رابعاً: المذهب الحنبلي:
عرفنا - فيما سبق - أن الأصل العام عند الحنابلة هو أن الفساد والبطلان مترادفان (٧)، غير أنهم فرّقوا بينهما في بعض المسائل التي دلّ عليها
стр. 225
الدليل (١)؛ فكان الباطل عندهم: ما كان مجمعا على بطلانه، والفاسد: ما كان في بطلانه اختلاف بين العلماء (٢).
ومما فرّقوا فيه بين الباطل والفاسد هذه القاعدة، حيث إنهم لا يدخلون (الباطل) في مصطلح (الفاسد) في القاعدة؛ وذلك لأنهم لا يرتبون على العقد الباطل شيئاً من أحكام الصحيح، بخلاف الفاسد، فإنهم يثبتون له أحكام الصحيح (٣).
المطلب السادس
من فروع القاعدة
ثمة فروع كثيرة تندرج تحت القاعدة:
* من أهمّها أن كل عقد اقتضى صحيحه الضمان - كالبيع والإجارة والقرض والعمل في القراض والنكاح - فكذلك فاسده يقتضيه، وما لا يقتضي صحيحه الضمان - كالمضاربة والشركة والوكالة والوديعة والهبة والصدقة - فإن فاسده لا يقتضيه أيضا (٤).
* ومنها: «لو باع سيارة مطلقة دون تحديد بعشرة آلاف ريال، كان هذا البيع فاسدا لجهالة السيارة حيث لم يحدّد. فإن جاء البائع بسيارة وقبضها المشتري
стр. 226
- مع فساد البيع - ثم تلفت في يده، فعليه قيمتها يوم قبضها، لا الثمن الذي سمّيا» (١).
المطلب السابع
في المسائل المستثناة من القاعدة والأجوبة عنها
ذكر فقهاء الشافعية مسائل فقهية مستثناة من القاعدة، وقد أجاب بعضهم عنها بما يظهر عدم استثنائها؛ لذا رأيت أن أذكر أولاً المسائل التي استثنوها، ثم أتبع ذلك بذكر الأجوبة عليها، وذلك على النحو الآتي:
القسم الأول: المسائل الفقهية المستثناة من الشق الأول من القاعدة ، وهو أن كل عقد اقتضى صحيحه الضمان فكذلك فاسده:
١ - «إذا قال: قارضتك على أن الربح كله لي، فالصحيح أنه قراض فاسد، ومع ذلك لا يستحق العامل أجرة في الأصحّ» (٢).
٢ - «إذا ساقاه على أن الثمرة جميعها لرب المال فكالقراض» (٣).
٣ - «إذا ساقاه على وَدِيّ (٤) ليفرسه ويكون الشجر بينهما، أو ليغرسه ويتعهده مدة والثمرة بينهما: فسد، ولا أجر. وكذا إذا ساقاه على ودي مغروس وقدّر مدة لا يثمر فيها في العادة» (٥).
стр. 227
٤ - «إذا استأجر أبو الطفل أمه لإرضاعه، وقلنا: لا يجوز: لم تستحق أجرة المثل في الأصح» (١).
٥ - «إذا استؤجر المسلم للجهاد وقاتل، وقلنا بفساد الإجارة، فلا أجرة له» (٢).
٦ - «إذا قال الإمام لمسلم: إن دَلَلْتَنِي على قلعة كذا فلك منها جارية، ولم يعينها: فالصحيح الصحة، كما لو جرى مع كافر، فإن قلنا: لا تصح هذه الجعالة، فَدلَّ: لم يستحق أجرة» (٣).
٧ - «لو عرض العين المستأجرة على المستأجر، فامتنع من تسلمها إلى أن انقضت المدة: استقرت الأجرة، ولو كانت الإجارة فاسدة لم تستقر» (٤).
٨ - «النكاح الصحيح يوجب المهر، بخلاف الفاسد» (٥).
٩ - «إذا صدر عقد الذمة من غير الإمام: لا يصح في الأصحّ، ولا جزية على الذمي فيه في الأصحّ» (٦).
القسم الثاني: المسائل الفقهية المستثناة من الشق الثاني من القاعدة ، وهو أن ما لا يقتضي صحيحه الضمان فكذلك فاسده:
١ - «الشركة. فإنها إذا صحّت لا يكون عمل كل منهما في مال صاحبه مضمونا عليه، وإذا فسدت يكون مضمونا بأجرة المثل» (٧).
стр. 228
٢ - «لا ضمان في صحيح الهبة، وفي المقبوض بالهبة الفاسدة وجه: أنه يضمن كالبيع الفاسد» (١).
٣ - «إذا صدر الرهن والإجارة من الغاصب، فتلفت العين في يد المرتهن أو المستأجر، فللمالك تضمينه على الصحيح. وإن كان القرار على الغاصب، مع أنه لا ضمان في صحيح الرهن والإجارة» (٢).
٤ - «إذا نكح امرأة نكاحا صحيحا، وماتت من الولادة: لم يضمنها، بلا خلاف، ولعله إجماع. ولو كان النكاح فاسدا ففي ضمانها قولان» (٣).
٥ - ما صدر من السفيه والصبي مما لا يقتضي صحيحه الضمان - كالإجارة والهبة والوديعة - فإنه يكون مضمونا على قابضه منه إذا تلف مع فساده (٤).
هذا ما تمّ الوقوف عليه من المسائل المستثناة.
أما الأجوبة عليها فهي كما يلي:
أولاً: ذكر الفقيه بدر الدين الزركشي المسائل المستثناة من الشق الأول، فلما ذكر المسألة الأخيرة - وهي المسألة التاسعة من المسائل التي ذكرتها - قال: «قلت: وهذا من صور الباطلة لا الفاسدة؛ إذ ليس هناك عقد حتى يقال: فاسد» (٥)، ثم قال: «وهذا البحث يطرق غالب هذه الصور، ويظهر عدم استثنائها» (٦).
стр. 229
ويعني بقوله: «هذه الصور»: أي المسائل المستثناة من الشق الأول.
وبمثله قال عبد الوهاب بن السبكي في المسألة نفسها: «وهذه لا تستثنى أيضا؛ لأن القائل بعدم الوجوب لا يقول بفسادها، بل يجعل الصادر لغوا غير عقد صحيح ولا فاسد» (١).
ثانياً: قال الشيخ محمد الشربيني (٢) - بعد ذكره للمسألتين الأولى والثانية من القسم الأول حسب ترقيمي - ما نصه: «والأولى عدم استثناء هاتين الصورتين؛ لأنهما لم يدخلا في هذه القاعدة؛ لأن المراد بها ما يقتضي فساده ضمان العوض المقبوض، والمالك لم يقبض عوضا فاسدا، والعامل رضي بإتلاف منافعه وباشر إتلافها» (٣).
ثالثاً: قال الشيخ محمد الشربيني: «ولو قيل في هذه القاعدة: (كل عين لا تعدّي فيها، وكانت مضمونة بعقد صحيح، كانت مضمونة بفاسد ذلك العقد، وما لا فلا) لم يرد - كما قال شيخي (٤) وغيره - شيء من هذه المسائل المستثنيات» (٥).
стр. 230
المبحث الثالث
قاعدة: كلّ يَدٍ ترتبت على يَدِ الغاصب فهي يَدُ ضمان
تتعلق هذه القاعدة بالضمان بسبب اليد، وقد يسر الله دراستها في المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
لقد حظيت هذه القاعدة بعناية فائقة من قبل فقهاء المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، لذا كانت صيغ هذه القاعدة من نصيب فقهاء هذين المذهبين.
وقد وقفت على ثلاث صيغ للقاعدة، وهي كما يأتي:
الصيغة الأولى: «كل يد تبتنى على يد الغاصب فهي يد ضمان».
ذكر هذه الصيغة أبو حامد الغزالي في كتابه "الوجيز" (١).
الصيغة الثانية: «كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضمان».
ذكر هذه الصيغة - مع شيء من الاختلاف في اللفظ - أبو القاسم الرافعي (٢)؛
بلفظ: «كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضامن» (٣).
стр. 231
وذكرها بنصها أبو زكريا النووي (١)، وتابعه عليها عبد الوهاب السبكي (٢)، وأبو حفص بن الملقن (٣)(٤)، كما تابعه عليها محمد البكري، إلا أنه قال: «كل يد مترتبة على يد الغاصب يد ضمان» (٥).
الصيغة الثالثة: «الأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان».
ذكر هذه الصيغة أيضا أبو زكريا النووي (٦).
وتابعه عليها عبد الله البيضاوي (٧)، إلا أنه قال: «الأيدي المترتبة على ... يد الغاصب مضمنة» (٨)، كما تابعه عليها منصور البهوتي (٩)
وعثمان بن قائد
стр. 232
النجدي (١)، غير أنهما قالا: «الأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان» (٢).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
الغاصب: من الغصب.
وهو في اللغة: مصدر غصب الشيء يغصبه غصبا واغتصبه فهو غاصب، وهو بمعنى أخذ الشيء على وجه الظلم والقهر، ويتعدى الفعل (غصب) إلى مفعولين بنفسه، فيقال: غصبته ماله، والغاصب: اسم فاعل، وجمعه: غصاب (٣).
والغصب في اصطلاح الفقهاء: عرف بتعريفات كثيرة ومختلفة، ترجع إلى اختلافهم في مفهومه، إلا أن أحسن ما قيل في تعريفه هو: أنه «الاستيلاء على حق الغير عدوانا» (٤).
أو يقال: هو: «استيلاء على حق غيره قهرا بغير حق» (٥).
стр. 233
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
إن كل من انتقل إليه المغصوب من الغاصب - بغصب أو بيع أو وديعة أو غيرها من العقود، دون أن تستند إلى ولاية شرعية كيد الحاكم والقاضي، أو إذن من المالك كيد وكيل المالك وكفيل الغاصب في رد المغصوب، وسواء علم من انتقل إليه بأنه غصب أم لم يعلم - فإن يده يد ضمان.
والمراد بيد الضمان هنا هو أن مالك العين المغصوبة يملك تضمين من انتقل إليه المغصوب؛ لأنه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمَّن من انتقل إليه المغصوب، ولكن لا يلزم أن يستقر الضمان على من انتقل إليه المغصوب، فقد يكون لها الحق في الرجوع بالضمان على الغاصب، وقد لا يحق لها (١).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اختلف الفقهاء في صحة هذه القاعدة - كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضمان - على قولين:
القول الأول: إن هذه القاعدة صحيحة، فكل يد ترتبت على يد الغاصب فيصح للمالك أن يضمنها، سواء علمت اليد بالغصب أم لم تعلم. ولا يلزم أن يستقر الضمان عليها، فإن الأصل أن قرار الضمان على الغاصب إلا في بعض الحالات يكون على اليد القابضة.
стр. 234
هذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣)، وهو المذهب المشهور عند الحنابلة (٤).
وإليك تفصيل مذاهبهم على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
إذا قبض شخص المغصوب من غاصبه - ببيع أو إجارة أو هبة أو صدقة أو رهن أو وديعة أو إعارة أو غصب - فللمغصوب حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون باقياً بحاله. فهنا يخير المغصوب منه بين إمضاء العقد وأخذ بدل المغصوب أو فسخ العقد وأخذ عين المغصوب.
الحالة الثانية: أن يتلف المغصوب بيد القابض. فهنا يخير المالك بين تضمين الغاصب أو تضمين من قبضه من الغاصب (٥).
стр. 235
أما قرار الضمان فيكون على الغاصب، أي: أنه إذا ضمَّن المالك القابض فإن القابض يرجع بالضمان على الغاصب، وإذا ضمَّن المالك الغاصب لم يكن للغاصب الرجوع على القابض.
هذا هو الأصل، ويستثنى منه حالات يكون فيها قرار الضمان على القابض، وهذه الحالات كما يلي:
١ - أن يكون القابض عالما بالغصب.
٢ - أن يتلف المغصوب بتعدّ القابض أو تقصيره.
٣ - أن يكون القابض موهوبا له المغصوب، أو متصدقا عليه به، أو مستعيرا له؛ وذلك لأنه قبض المغصوب لمصلحة نفسه ومنفعتها.
٤ - أن يكون القابض غاصبا من الغاصب، فإن قرار الضمان عليه؛ لأنه ضمن بفعل نفسه، وهو تفويت يد الملك حيث هلك المغصوب عنده (١).
ثانياً: المذهب المالكي:
إن كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضمان.
فإذا تلفت العين المغصوبة عند المشتري من الغاصب. وكان عالما بالغصب. فإن المالك بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب وإن شاء ضمن المشتري، سواء تلفت العين المغصوبة بجناية عمداً أم خطأ أم بسماوي.
стр. 236
وأما إذا كان المشتري من الغاصب جاهلا بالغصب فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتلف المشتري المغصوب عمدا. فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن المشتري.
الحالة الثانية: أن يتلف المغصوب عند المشتري بآفة سماوية، فليس للمالك هنا تضمين المشتري، وإنما يرجع بالضمان على الغاصب.
الحالة الثالثة: أن يتلف المشتري المغصوب خطأ. ففيه قولان:
القول الأول: إنه كالعمد. فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن المشتري.
القول الثاني: إنه كالذي تلف بآفة سماوية. فإن المالك ليس له مطالبة المشتري بالضمان، وإنما يرجع على الغاصب.
وأما استقرار الضمان فيكون على الغاصب إلا إذا علم المشتري بالغصب، فيكون على المشتري (١)(٢).
هذا حكم المشتري من الغاصب.
ومثله الهبة والرهن والوديعة وسائر العقود (٣).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
إن كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضمان. فإن كانت العين المغصوبة باقية فإن المالك يطالب من عنده العين بالعين، ويطالب الغاصب بقيمة
стр. 237
الحيلولة، وإن كانت العين المغصوبة تالفة فيتخير المالك بين مطالبة الغاصب ومن ترتبت يده على يده، سواء علم المغصوب أم لا؛ لأنه أثبت يده على مال غيره بغير إذنه، والجهل ليس مسقطا للضمان، بل للإثم.
وأما قرار الضمان فيكون على الغاصب إلا في الحالات التالية:
١ - أن يعلم من ترتبت يده على يد الغاصب بالغصب فيكون قرار الضمان عليه.
٢ - أن يجهل من ترتبت يده على يد الغاصب بالغصب، وكانت يده في أصلها يد ضمان، كالعارية والبيع والقرض.
٣ - اختلفوا فيما إذا جهل من ترتبت يده على يد الغاصب بالغصب، وكانت يده في أصلها يد أمانة - كالوديعة والقراض - على ثلاثة أوجه: المذهب أن القرار علىلغاصب، والوجه الثاني: أن القرار على المودع، والوجه الثالث: لا يطالب المودع أصلا.
٤ - إذا وهب الغاصب المغصوب لشخص فهل القرار على الغاصب؛ لأنها ليست يد ضمان، أم على المتهب؛ لأنه أخذه للتملك؟ فيه قولان: أظهرهما أنه على المتهب (١).
رابعاً: المذهب الحنبلي:
إن الأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان. فمتى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب إلى غير المالك لها فللمالك أن يتخير بين مطالبة الغاصب أو من صار إليه الغصب؛ لأن من انتقل إليه الغصب إن كان عالما
стр. 238
صار غاصبا، وإن كان جاهلا فلعموم قوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق فملك المالك تضمينه كما يملك تضمين الغاصب.
لكن قرار الضمان يكون على الغاصب إلا في الحالتين التاليتين، فإنه يكون على من انتقل إليه الغصب، والحالتان هما:
١ - أن يكون من انتقل إليه الغصب عالما به (١).
٢ - أن يدخل من انتقل إليه الغصب على أن الضمان عليه (٢).
القول الثاني: إنه إذا تلف المغصوب عند من انتقل إليه من الغاصب ... - وكان جاهلا بالغصب - فليس للمالك مطالبته بالضمان؛ لأنه معذور بجهله بالغصب.
وهذا قول لبعض أهل العلم منهم أحمد في رواية عنه - ليست هي المشهورة (٣) -
стр. 239
اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وتلميذه ابن قيم الجوزية (٢) والشيخ عبد الرحمن السعدي (٣).
وقال به المالكية فيما إذا كان المشتري من الغاصب جاهلا بالغصب، وكان تلف المغصوب بآفة سماوية، وكذا فيما إذا أتلف المشتري من الغاصب المغصوب خطأً لا عمداً - مع جهله بالغصب - على أحد القولين عندهم (٤).
وعللوا بأن من انتقل إليه المغصوب «مغرور، ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها، وكيف يطالب المظلوم المغرور، ويترك الظالم الغار» (٥).
القول المختار:
وبعد هذا العرض لأقوال الفقهاء في هذه المسألة ظهر لي - والله تعالى أعلم - أن أقرب القولين إلى الصواب هو القول الثاني؛ وذلك لما يلي:
أولاً: أن الذي قبض العين المغصوبة من الغاصب جاهل بالغصب، فهو إذن معذور بجهله.
стр. 240
ثانياً: أن حق المغصوب منه لن يضيع على هذا القول؛ لأنه يستطيع أن يطالب بحقه من الغاصب.
المطلب الخامس
من فروع القاعدة
ذكر الفقهاء كثيرا من المسائل الفقهية المتفرعة على القاعدة، أذكر منها ما يلي:
١ - إذا غصب شخص من إنسان شيئاً، فجاء آخر وغصبه منه، فهلك في يده. فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. لكن الضمان يستقر على الغاصب الثاني (١).
٢ - إذا باع الغاصب المغصوب، فهلك في يد المشتري. فإن المالك يتخير فيضمن أيهما شاء، فإن ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له، وإن ضمن المشتري بطل البيع ولا يرجع بالضمان على البائع ولكن يرجع بالثمن عليه (٢).
٣ - إذا أجر الغاصب المغصوب: فإن تلفت العين في يد المستأجر فلمالكها تغريم من شاء منهما قيمتها، فإن غرّم المستأجر فله الرجوع بذلك على الغاصب، إلا أن يكون عالما بالغصب فليس له الرجوع عليه (٣).
٤ - إذا أودع الغاصب المغصوب أو وكل رجلا في بيعه، ودفعه إليه، فتلف في يده، فللمالك تضمين أيهما شاء: فإن شاء غرَّم الغاصب - وكانا غير عالمين
стр. 241
بالغصب - استقر الضمان عليه، ولم يرجع على أحد، وإن غرّمهما رجعا على الغاصب (١).
٥ - إذا وهب الغاصب المغصوب لآخر، وسلمه إياه. فإن تلف في يد الموهوب له كان المغصوب منه مخيرا: إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن الموهوب له، فإن ضمن الموهوب له فليس له الرجوع ببدل الضمان على الغاصب (٢).
٦ - إذا أعار الغاصب، فهلك في يد المستعير. فإن المالك بالخيار: إن شاء غرم الغاصب، وإن شاء غرم المستعير، وأيهما غرّم لا يرجع الضمان على صاحبه (٣).
٧ - إذا رهن الغاصب المغصوب، فتلف عند المرتهن، فإنه يجوز للمالك تضمين المرتهن، ثم يرجع المرتهن بما ضمن على الغاصب، إلا أن يكون عالماً بالغصب، فليس له الرجوع عليه (٤).
стр. 242
المبحث الرابع
قاعدة يضمن بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة
إذا وجد فيها النقل
هذه إحدى القواعد الفقهية المتعلقة بضمان الأموال بسبَبَي العقد واليد، وقد كانت دراستها في المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
ذكر الفقهاء بعض الصيغ والنصوص الفقهية المتضمنة لهذه القاعدة، أسوقها على النحو الآتي:
أولاً: «كل معنى يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان فإنه يضمن به ما لا ينقل منها ولا يحول».
هذه الصيغة ذكرها القاضي عبد الوهاب المالكي (١).
ثانياً: «الحر لا يدخل تحت اليد».
هذه الصيغة ذكرها كل من: عبد الوهاب السبكي (٢) وبدر الدين الزركشي (٣) وجلال الدين السيوطي (٤) وابن نجيم الحنفي (٥).
стр. 243
ثالثاً: «يضمن بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النقل».
ذكر هذه الصيغة ابن رجب الحنبلي (١).
رابعاً: «ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول».
ذكر هذه الصيغة الدكتور محمد الروكي (٢)، وقد اختصرها من صيغة القاضي عبد الوهاب المالكي السابقة (٣).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
الأموال: جمع مال، وقد سبق تعريفه (٤) بأنه «ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعا الانتفاع به في حال السعة والاختيار» (٥).
فعلى هذا يكون «من المال كل ما نملك من أرض ومتاع وحيوان ونقود ونحوها، وكذلك من المال ما لا نملكه بالفعل، ولكن يمكن أن يكون مملوكا ومنتفعا به انتفاعا عاديا، كالسمك في الماء والطير في الهواء والحيوان غير المستأنس، ومن ثم نفهم أن ضوء الشمس وحرارتها والهواء - ونحو هذا وذاك مما لا يمكن حيازته فعلا - لا يعد من الأموال وإن كانت فائدته جدا عظيمة» (٦).
стр. 244
وقد اختلف الفقهاء في منافع الأعيان - كسكنى المنزل وركوب السيارة ولبس الثياب - هل تعد مالا؟ فذهب الحنفية إلى أنها ليست بأموال (١)، بينما ذهب الجمهور إلى كونها مالا (٢).
ولعل: «اعتبار المنافع من الأموال هو أوجه الرأيين؛ لأنه المتفق مع عرف الناس والمنسق مع أغراضهم ومعاملاتهم، فهم لا يبتغون الأعيان إلا طلبا لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من أموالهم، وما لا منفعة له لا رغبة فيه ولا طلب له، وإذا طلب عدّ طالبه من الحمقى والسفهاء، وربما حجر عليه؛ ولذا كان في المنافع مجال واسع لمعاملتهم المالية، وليس أدلّ على ذلك من إقامة الخانات (٣) والفنادق والحوانيت (٤) والأسواق، وبناء دور السكنى، وإنشاء السكك الحديدية، وبناء البواخر، وما إلى ذلك مما هو معدّ للاستغلال بالاستعاضة عن منافعه؛ ولذا جاز أن يعتاض عن المنافع بالمال كما في الإجارة، وأن تكون مهرا، وقد جعله الله من الأموال لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٥)، أي: أحل الله لكم
стр. 245
أن تطلبوا بأموالكم زوجات لكم محصنين أنفسكم غير زانين ممن لم يحرمه عليكم من النساء في الآيات السابقة» (١).
المحضة: في اللغة: الخالصة، يقال: فضة محضة، أي: خالصة (٢).
والمراد بالأموال المحضة: الأموال الخالصة الخالية من شائبة الحرية (٣)؛ فالعبد والسيارات والأراضي والعقارات كلها أموال محضة، وأم الولد (٤)
والمكاتب (٥) والمدبر (٦) أموال ليست بمحضة؛ لوجود شائبة الحرية فيها.
وقد جعل العلامة ابن رجب غير الأموال المحضة في نوعين:
الأول: ما فيه شائبة الحرية؛ لثبوت بعض أحكامها دون حقيقتها، كأم الولد والمكاتب والمدبر.
الثاني: الحرّ المحض (٧).
стр. 246
فأما النوع الأول فهي أموال غير محضة، وأما النوع الثاني فهو ليس بمال أصلا (١)؛ ولعل هذا هو السر في تعبير العلامة ابن رجب حيث قال: «وأما غير الأموال المحضة فنوعان ... » (٢)، ولم يقل: وأما الأموال غير المحضة. والله تعالى أعلم.
المنقولة: يقسم الفقهاء المال إلى قسمين:
الأول: المنقول، وهو: كل مال يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر, ويشمل النقود والعروض والحيوان ونحوها من القيميات والمثليات، ويدخل فيه السفن والطائرات والسيارات اليوم.
الثاني: غير المنقول وهو: كل ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، كالأرض والدور (٣).
واختلف الفقهاء في البناء والشجر هل يعدّان من المنقولات أو من غيرها؟ على قولين:
القول الأول: إن البناء والشجر يعتبران من المنقولات، إلا إذا كانا تابعين للأرض، فيلحقان بالعقار حكماً على سبيل التبعية، وهذا قول الحنفية (٤).
стр. 247
القول الثاني: إن البناء والشجر القائمين يعدّان من العقار، وهو قول المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
إذا انتقلت الأموال الخالصة الخالية من شائبة الحرية، التي يمكن نقلها من مكان إلى آخر، فإنها تضمن بسبَبَي العقد واليد.
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
إن دراسة القاعدة تقتضي منا الكلام على ثلاثة فروع، هي كما يلي:
الفرع الأول: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بالعقد واليد، وتحته مسألتان:
المسألة الأولى: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بالعقد.
المسألة الثانية: في حكم ضمان الأموال المحضة المنقولة باليد.
الفرع الثاني: في ضمان الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد واليد. وتحته مسألتان:
المسألة الأولى: متى تضمن الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد؟
стр. 248
المسألة الثانية: هل يتحقق ضمان اليد في الأموال المحضة غير المنقولة كالعقار؟.
الفرع الثالث: في حكم ضمان الأموال غير المحضة. وتحته ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هل يضمن الحر باليد؟.
المسألة الثانية: في حكم ضمان منفعة الحر باليد.
المسألة الثالثة: هل يضمن باليد ما فيه شائبة الحرية كأم الولد والمكاتب والمدبر.
هذه عناوين الفروع والمسائل، وإليك تفصيلها على النحو الآتي:
الفرع الأول: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بسببي العقد واليد:
يمكن دراسة هذا الفرع في المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بسبب العقد:
اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن الأموال المحضة المنقولة تضمن بالعقد إذا وجد النقل (١).
واختلفوا في اشتراط النقل لضمان الأموال المحضة المنقولة بسبب العقد إلى عدة مذاهب، أذكر أولاً رأي كل مذهب على حدة؛ لمعرفة التفصيلات والتفريعات في كل مذهب عن سواه، ثم ألخص هذه المذاهب إلى ثلاثة أقوال، وذلك حسب التفصيل الآتي:
стр. 249
أولاً: المذهب الحنفي:
إن الضمان متعلق بالقبض، ويحصل القبض بمجرد التخلية (١)(٢).
ثانياً: المذهب المالكي:
إن الضمان يحصل بمجرد العقد، ولا يحتاج إلى قبض بنقل أو تخلية إلا إذا كان المبيع مما فيه حق توفية كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع، فلا بدّ لدخوله في الضمان من قبضه، ويحصل قبضه بكيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه (٣).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
إن الضمان بالعقد لا يكون إلا بالقبض، وأما كيفية القبض في المنقول فإن المبيع فيه قسمان:
القسم الأول: ما فيه حق توفية كالمكيل والموزون والمذروع والمعدود، فيحصل قبضه بكيله أو وزنه أو ذرعه أو عدّه مع نقله.
القسم الثاني: ما ليس فيه حق توفية، ففي قبضه ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: لا يكفي فيه التخلية، بل يشترط النقل والتحريك، وهو المذهب والمشهور.
الوجه الثاني: يكفي فيه التخلية.
стр. 250
الوجه الثالث: تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري، ولا تكفي لجواز تصرفه (١).
رابعاً: المذهب الحنبلي:
ينقسم المنقول في الضمان بالعقد إلى قسمين:
القسم الأول: ما فيه حق توفية كالمكيل والموزون، فلا يكون الضمان فيه إلا بالقبض.
القسم الثاني: ما ليس فيه حق توفية، ففيه روايتان:
الرواية الأولى: أنه يضمن فيه بمجرد العقد ولا يحتاج إلى قبض (٢)، وهي المذهب، وعليها جماهير الحنابلة.
الرواية الثانية: أنه لا يضمن بالعقد إلا بالقبض.
وأما كيفية القبض في المنقولات ففيها روايتان أيضا:
الرواية الأولى: أن القبض في المكيل بكيله، وفي الموزون بوزنه، وفي المعدود بعدّه، وفي المذروع بذرعه، وفي الصبرة وما ينقل بنقله، وفيما يتناول بتناوله.
الرواية الثانية: أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز (٣).