← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فأما النوع الأول فهي أموال غير محضة، وأما النوع الثاني فهو ليس بمال أصلا (١)؛ ولعل هذا هو السر في تعبير العلامة ابن رجب حيث قال: «وأما غير الأموال المحضة فنوعان ... » (٢)، ولم يقل: وأما الأموال غير المحضة. والله تعالى أعلم. المنقولة: يقسم الفقهاء المال إلى قسمين: الأول: المنقول، وهو: كل مال يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر, ويشمل النقود والعروض والحيوان ونحوها من القيميات والمثليات، ويدخل فيه السفن والطائرات والسيارات اليوم. الثاني: غير المنقول وهو: كل ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، كالأرض والدور (٣). واختلف الفقهاء في البناء والشجر هل يعدّان من المنقولات أو من غيرها؟ على قولين: القول الأول: إن البناء والشجر يعتبران من المنقولات، إلا إذا كانا تابعين للأرض، فيلحقان بالعقار حكماً على سبيل التبعية، وهذا قول الحنفية (٤).

стр. 247

القول الثاني: إن البناء والشجر القائمين يعدّان من العقار، وهو قول المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إذا انتقلت الأموال الخالصة الخالية من شائبة الحرية، التي يمكن نقلها من مكان إلى آخر، فإنها تضمن بسبَبَي العقد واليد. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة إن دراسة القاعدة تقتضي منا الكلام على ثلاثة فروع، هي كما يلي: الفرع الأول: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بالعقد واليد، وتحته مسألتان: المسألة الأولى: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بالعقد. المسألة الثانية: في حكم ضمان الأموال المحضة المنقولة باليد. الفرع الثاني: في ضمان الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد واليد. وتحته مسألتان: المسألة الأولى: متى تضمن الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد؟

стр. 248

المسألة الثانية: هل يتحقق ضمان اليد في الأموال المحضة غير المنقولة كالعقار؟. الفرع الثالث: في حكم ضمان الأموال غير المحضة. وتحته ثلاث مسائل: المسألة الأولى: هل يضمن الحر باليد؟. المسألة الثانية: في حكم ضمان منفعة الحر باليد. المسألة الثالثة: هل يضمن باليد ما فيه شائبة الحرية كأم الولد والمكاتب والمدبر. هذه عناوين الفروع والمسائل، وإليك تفصيلها على النحو الآتي: الفرع الأول: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بسببي العقد واليد: يمكن دراسة هذا الفرع في المسألتين التاليتين: المسألة الأولى: في اشتراط النقل في ضمان الأموال المحضة المنقولة بسبب العقد: اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن الأموال المحضة المنقولة تضمن بالعقد إذا وجد النقل (١). واختلفوا في اشتراط النقل لضمان الأموال المحضة المنقولة بسبب العقد إلى عدة مذاهب، أذكر أولاً رأي كل مذهب على حدة؛ لمعرفة التفصيلات والتفريعات في كل مذهب عن سواه، ثم ألخص هذه المذاهب إلى ثلاثة أقوال، وذلك حسب التفصيل الآتي:

стр. 249

أولاً: المذهب الحنفي: إن الضمان متعلق بالقبض، ويحصل القبض بمجرد التخلية (١) (٢). ثانياً: المذهب المالكي: إن الضمان يحصل بمجرد العقد، ولا يحتاج إلى قبض بنقل أو تخلية إلا إذا كان المبيع مما فيه حق توفية كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع، فلا بدّ لدخوله في الضمان من قبضه، ويحصل قبضه بكيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه (٣). ثالثاً: المذهب الشافعي: إن الضمان بالعقد لا يكون إلا بالقبض، وأما كيفية القبض في المنقول فإن المبيع فيه قسمان: القسم الأول: ما فيه حق توفية كالمكيل والموزون والمذروع والمعدود، فيحصل قبضه بكيله أو وزنه أو ذرعه أو عدّه مع نقله. القسم الثاني: ما ليس فيه حق توفية، ففي قبضه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا يكفي فيه التخلية، بل يشترط النقل والتحريك، وهو المذهب والمشهور. الوجه الثاني: يكفي فيه التخلية.

стр. 250

الوجه الثالث: تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري، ولا تكفي لجواز تصرفه (١). رابعاً: المذهب الحنبلي: ينقسم المنقول في الضمان بالعقد إلى قسمين: القسم الأول: ما فيه حق توفية كالمكيل والموزون، فلا يكون الضمان فيه إلا بالقبض. القسم الثاني: ما ليس فيه حق توفية، ففيه روايتان: الرواية الأولى: أنه يضمن فيه بمجرد العقد ولا يحتاج إلى قبض (٢)، وهي المذهب، وعليها جماهير الحنابلة. الرواية الثانية: أنه لا يضمن بالعقد إلا بالقبض. وأما كيفية القبض في المنقولات ففيها روايتان أيضا: الرواية الأولى: أن القبض في المكيل بكيله، وفي الموزون بوزنه، وفي المعدود بعدّه، وفي المذروع بذرعه، وفي الصبرة وما ينقل بنقله، وفيما يتناول بتناوله. الرواية الثانية: أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز (٣).

стр. 251

ملخص الأقوال في المسألة: يمكن تلخيص هذه المذاهب وإرجاعها إلى قولين: القول الأول: إن الضمان بالعقد لا يكون إلا بالقبض، ثم اختلف أصحاب هذا القول في كيفية القبض على رأيين: الرأي الأول: لا يحصل القبض إلا بالنقل، وهو المذهب المشهور عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة فيما ليس فيه حق توفية. الرأي الثاني: إن القبض يتحقق بمجرد التخلية ولا يلزم النقل، وهو قول الحنفية وقول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة. القول الثاني: إن الضمان يكون بمجرد العقد، ولا يحتاج إلى قبض بنقل أو تخلية، غير أن المبيع إذا كان مما فيه حق توفية - كالمكيل والموزون والمعدود والمذروع - فلا بدّ لدخوله في ضمان المشتري من كيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه، وهو قول المالكية والمذهب عند الحنابلة. أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة نقلية وعقلية، هي كما يلي: ١ - عن عبد الله بن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه)، وفي لفظ: (حتى يكتاله)، قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام (١).

стр. 252

٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله) (١). ٣ - عن عبد الله بن عمر (٢) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه). قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. وفي لفظ آخر: (حتى يستوفيه ويقبضه) (٣). ٤ - وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتا في السوق، فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع

стр. 253

حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (١). ٥ - عن جابر بن عبد الله (٢) ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه) (٣). ٦ - عن حكيم بن حزام (٤) ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: (يا ابن أخي! لا تبيعن شيئاً

стр. 254

حتى تقبضه) (١). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: دلّت هذه الأحاديث بمنطوقها على عدم جواز بيع السلع حتى تقبض، وعدم جواز بيع السلع قبل القبض يدلّ على أن السلع لا تكون مضمونة على المشتري إلا بالقبض؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن (٢)؛ لذا فإن المنع من البيع ولزوم الضمان للبائع متلازمان. ٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الثمر المبيع الذي أصابته جائحة قبل القبض من ضمان البائع، وهذا الحكم لا يختص بالثمار بل يشمل جميع السلع. ٨ - لأن التسليم واجب على البائع؛ لأنه في يده، فإذا تعذر - بتلفه - انفسخ العقد، المكيل والموزون والمعدود (٤). ٩ - لأنه قبض مستحق بالبيع، فإذا تعذر انفسخ البيع كما لو تفرقا في عقد الصرف قبل التقابض (٥).

стр. 255

أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من المنقول والمعقول، أذكرها كما يلي: ١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (الخراج بالضمان) (١). وجه الدلالة: دلّ الحديث أن من له غُنم شيء فعليه غرمه، فكما أن الملك للمشتري وله غنم المملوك، فعليه أيضا غرمه، فإذا تلف المبيع فهو من ضمان المشتري (٢). ٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ابتاع نخلا بعد أن تؤبّر (٣) فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع) (٤). وجه الدلالة: دلّ الحديث على أن الملك ينتقل بمجرد العقد، فإذا انتقل ملك المبيع إليه كان ضمانه عليه كسائر أمواله (٥). ٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا، أو يخير

стр. 256

أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع) (١). وجه الدلالة: «إن النبي ﷺ قد أخبرنا بأنه إذا حصل التفرق من مجلس العقد فقد وجب البيع، ومعلوم أن وجوب البيع يقتضي دخوله في ملك المشتري وخروجه من ملك البائع، وإذ قد دخل في ملك المشتري صار له غنمه وعليه غرمه كسائر أمواله، فيتلف من ماله» (٢). ٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) (٣). وجه الدلالة: «إن النبي ﷺ بيّن في هذا الحديث الصحيح أنه إذا باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً، ثم بين سبب ذلك وعلته، فقال: (بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)، وهذا دلالة على ما ذكره الله في كتابه من تحريم أكل المال بالباطل، وأنه إذا تلف المبيع قبل التمكن من قبضه كان أخذ شيء من الثمن أخذ ماله بغير حق، بل بالباطل، وقد حرم الله أكل المال بالباطل؛ لأنه من الظلم المخالف للقسط الذي تقوم به السماء والأرض. وهذا الحديث أصل في هذا الباب» (٤).

стр. 257

٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «ما أدركت الصفقة (١) حيّاً مجموعا (٢) فهو من مال المبتاع» (٣). وجه الدلالة: أن الأثر دلّ على أن المبيع الحي المجموع المتعين يكون ضمانه من مال المشتري، ومفهومه أن غير المجموع المتعيّن يكون ضمانه من مال البائع. ٦ - ولأنه مبيع متعين لا يتعلق به حق توفية، خراجه للمشتري، فكان تلفه منه، أصله إذا قبض (٤)، ولا يلزم عليه ما فيه حق توفية كالمكيل والموزون؛ لأنه غير متعين (٥). ٧ - لأن المبيع الذي يتعلق به حق توفية مضمون على المشتري بعد القبض، فكان من ضمانه قبل القبض كالميراث (٦). القول المختار: بعد التمعن في الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي أن أقرب القولين إلى الصواب القول الثاني، وهو قول المالكية والمذهب عند الحنابلة؛ وذلك للأسباب التالية:

стр. 258

أولاً: إنه لم يأت دليل يدل على أنه لا بدّ من القبض في دخول المبيع في ملك المشتري وضمانه، ولم ترد الأدلة إلا في نهي البائع عن أن يبيع ما لم يكن في قبضه وما ليس عنده (١). ثانياً: يمكن الإجابة عن أدلة أصحاب القول الأول - الحنفية والشافعية ورواية عند الحنابلة - بما يلي: (أ) أما الأدلة الستة الأولى فإنها لا تدل على أن هناك تلازما بين التصرف في المبيع والضمان، وإنما تدل على أنه لا يجوز للمشتري أن يبيع ما اشتراه حتى يقبضه؛ لذا «فإن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا مبنيا عليه، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع» (٢)، ومن أمثلته: * إن الثمار إذا تلفت قبل تمكن المشتري من جذاذها كانت من ضمان البائع، مع أنه يجوز للمشتري التصرف فيها بالبيع وغيره. وقد ثبت بالسنة أن الثمار من ضمان البائع، كما جاء عن جابر بن عبدالله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق) (٣) (٤). * «إن منافع الإجارة مضمونة على المؤجر قبل الاستيفاء، بمعنى أنها إن تلفت بآفة سماوية - كموت الدابة - وتعطلت المنافع كانت من ضمان المؤجر؛

стр. 259

لأنها تلفت قبل التمكن من استيفائها، مع أنه يجوز للمستأجر التصرف فيها حتى بالبيع» (١). كما أنه قد يمنع المشتري من التصرف في المبيع حيث يكون الضمان عليه، ومثاله: أن من اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها، مع أنها من ضمان المشتري (٢). وبهذا اتضح أنه قد يجوز التصرف حيث يكون الضمان على البائع، كما في الثمار ومنافع الإجارة، كما أنه قد يمنع التصرف حيث يكون الضمان على المشتري كالصبرة من الطعام، فثبت بهذا عدم التلازم بين التصرف والضمان (٣). (ب) أما الدليل السابع فقد ردّ عليه العالم محمد الشوكاني بقوله: «قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ما يدل على تقييد هذا الوضع بما إذا وقع قبل الصلاح»، ولفظه: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال: (تحمرّ)، وقال: (إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟)» (٤)، فهذا الوضع قد ترتب على بيع منهي عنه، وما كان منهيا عنه فهو غير صحيح، والكلام هنا في بيع صحيح وجب بالتفرق، وهذا فارق واضح لا يصح معه القياس.

стр. 260

ويؤيد هذا ما ثبت في صحيح مسلم (١) وغيره من حديث أبي سعيد قال: أصيب رجل في ثمار ابتاعها، فكثر دينه فقال النبي ﷺ : (تصدّقوا عليه)؛ فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) (٢)، ولم يوجب النبي ﷺ على البائع منه للثمار أن يردّ الثمن الذي قبضه منه. ولو سلمنا تنَزّلا لكان وضع الجوائح مختصا بما تلف بالآفات السماوية كما تقدم في حديث أنس بلفظ: (إذا منع الله الثمرة)، وأما إذا تلف المبيع بجناية فإن كانت من المشتري فقد جنى على ماله وأتلفه، وإن كان الجاني غيره كان ضمانه عليه بسبب الجناية، سواء كان الجاني هو البائع أو غيره (٣). (جـ) وأما الدليل الثامن: فيجاب عنه: بأن هناك فرقاً بين المكيل والموزون والمعدود والمذروع وما ليس كذلك. فإن المكيل ونحوه يحتاج إلى توفية؛ لأنه لم يتعين بعد ولم يتحدد؛ فكيف يضمن المشتري شيئاً غير محدّد له؟ بخلاف غير المكيل ونحوه، فإنه لا يتطلب إلى توفية؛ لأنه محدّد ومعين، وبهذا فإن المشتري يعرف ماذا يضمن (٤).

стр. 261

ويجاب أيضا: بأنه دليل عقلي لا يقاوم أدلة أصحاب القول الثاني النقلية. (د) وأما الدليل التاسع: فيجاب عنه بأن عقد الصرف يختلف عما نحن فيه. فعقد الصرف له شروطه وأحكامه الخاصة به. فلا يقاس عليها غيرها. ويجاب عنه أيضا: بأنه دليل عقلي لا يقاوم أدلة أصحاب القول الثاني النقلية. ثالثاً: صحة الاستدلال بأدلة القول الثاني. رابعاً: إن القول الأول «مع كونه مخالفا للدليل، فهو أيضا مخالف للرأي المستقيم الجاري على نمط الاجتهاد؛ لأن تلف ما قد صار في ملك لا يتلف إلا من ملكه، وتضمين غير المالك ظلم له» (١). المسألة الثانية: في حكم ضمان الأموال المحضة المنقولة بسبب اليد: اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أنه يضمن بسبب اليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النقل (٢). واختلفوا إذا لم يوجد النقل على قولين: القول الأول: إنه لا يثبت الضمان باليد المجردة إلا بإزالة اليد، ... ولا يتحقق إزالتها إلا بالنقل والتحويل، وهو مذهب الحنفية (٣) والشافعية (٤)

стр. 262

ووجه عند الحنابلة (١). القول الثاني: إن مجرد وضع اليد - وهو الاستيلاء - موجب للضمان، ولا يشترط فيه النقل، وهو مذهب المالكية (٢) والصحيح من مذهب الحنابلة، وعليه أكثرهم (٣). دليل القول الأول: لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيما ينقل ويحوّل دون غيره؛ لأن إزالة يد المالك لا يتحقق إلا بنقل المغصوب، والغصب بدون الإزالة لا يتحقق (٤). أدلة القول الثاني: ١ - الضمان باليد أحد أسباب الضمان. فلا يتوقف الضمان بها على النقل كالضمان بالعقد (٥). ٢ - الضمان باليد أحد موجبات الضمان. فلا يتوقف الضمان بها على النقل كالمودع يصير ضامنا بمجرد جحود الوديعة من غير نقل ولا إزالة يد (٦).

стр. 263

القول المختار: الذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن أقرب القولين إلى الصواب: القول الثاني؛ وذلك لما يلي: أولاً: لأن الغاصب إذا وضع يده على المال، ومنع صاحبه من أخذه. فقد اعتدى على المال وإن لم ينقله. ثانياً: إنه لا يوجد دليل صحيح يدل على اشتراط النقل في الغصب. الفرع الثاني: في ضمان الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد واليد: سوف تكون دراسة هذا الفرع من خلال المسألتين الآتيتين: المسألة الأولى: متى تضمن الأموال المحضة غير المنقولة بالعقد ؟ اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن الأموال المحضة غير المنقولة تضمن بالعقد إذا حصل القبض (١). واختلفوا في اشتراط القبض لضمانها على قولين: القول الأول: إن العقار يضمن بالعقد إذا وجد القبض، ويحصل القبض في العقار بمجرد التخلية. وهذا قول الحنفية (٢) والشافعية (٣) ورواية للحنابلة (٤).

стр. 264

القول الثاني: إن العقار يضمن بمجرد حصول العقد، ولو قبل القبض، وهذا قول المالكية (١) والمذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (٢). أدلة القولين و القول المختار: هذه المسألة يذكرها أغلب الفقهاء مع مسألة: ضمان الأموال المحضة المنقولة بالعقد، وقد سبق أن ذكرتها في المسألة الأولى من الفرع الأول (٣). لذا فليرجع إلى أدلة تلك المسألة والقول المختار فيها؛ لأن ما ذكرته هناك ينطبق على مسألتنا هذه؛ وذلك تجنبا للتكرار. المسألة الثانية: هل يتحقق ضمان اليد في الأموال المحضة غير المنقولة كالعقار ؟: اتفق الفقهاء على أن الأموال المحضة غير المنقولة - كالعقار - تضمن بالإتلاف (٤). واختلفوا في ضمانها باليد على قولين: القول الأول: إن الأموال غير المنقولة - كالعقار - لا يتحقق فيها الغصب ولا تضمن به. فإن هلك العقار في يده بآفة سماوية لم يضمنه، أما إن أتلفه بفعله ضمنه بالإتلاف، لا بالغصب.

стр. 265

وهذا قول أبي حنيفة (١)، والقول الثاني لأبي يوسف (٢)، ورواية عن أحمد (٣). القول الثاني: إن الأموال غير المنقولة - كالعقار - يتحقق فيها الغصب وتضمن به بمجرد الاستيلاء. وهذا قول المالكية (٤) والشافعية (٥) والمذهب عند الحنابلة (٦)، وهو قول محمد ابن الحسن (٧) والقول الأول لأبي يوسف (٨)، وقول الظاهرية (٩). دليل القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين المغصوبة، وهذا لا يتصور في العقار؛ لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراج

стр. 266

المالك عن العقار، وهذا الإخراج فعل في المالك لا في العقار، فانتفى إزالة اليد، كما إذا بَعُد المالك عن المواشي (١). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من المنقول والمعقول، هي كما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٢). وجه الدلالة: إن غاصب العقار ظالم؛ فعليه كل سبيل؛ لأن الألف واللام للعموم (٣). ٢ - عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ شبراً من الأرض ظلما فإنه يطوقه (٤) يوم القيامة من سبع أرضين). وفي لفظ آخر: (من ظلم من

стр. 267

الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين). وفي لفظ: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) (١). ٣ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسفت به يوم القيامة إلى سبع أرضين) (٢). وجه الدلالة من الحديثين السابقين: أن النبي ﷺ بيَّن أن الأرض تؤخذ بغير حق، فدل هذا على أنها تغصب؛ لأن الغصب هو أخذ الشيء بغير حقه ظلما (٣). ٤ - لأن غصب العقار قد تحقق فيه إثبات اليد، ومن ضرورته زوال يد المالك؛ لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد، فيتحقق الوصفان: إزالة يد المالك وإثبات يد الغاصب، وهو الغصب، فصار كالمنقول وجحود العارية (٤). ٥ - لأن كل معنى يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان، فإنه يضمن به ما لا ينقل ولا يحول، كالقبض في البيع (٥).

стр. 268

٦ - لأن الغصب سبب للضمان، فوجب أن يضمن به العقار والنخل كالإتلاف به (١). ٧ - لأنه يمكن الاستيلاء على العقار على وجه يحول بينه وبين مالكه، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع (٢). القول المختار: القول الراجح - والعلم عند الله - هو القول الثاني، وهو تحقق الغصب في العقار وأنه يضمن به؛ وذلك للأسباب التالية: ١ - صحة أدلة القول الثاني وسلامتها من الاعتراضات. ٢ - ضعف دليل القول الأول؛ وذلك لما يلي: (أ) إنه لا يوجد دليل صحيح يدل على أنه لا تزال يد المالك إلا بفعل في العين (٣). (ب) إن بُعد المالك عن المواشي لا يوجد فيه استيلاء على المال، فنظيره ههنا أن يحبس المالك ولا يستولي على داره (٤). الفرع الثالث: في حكم ضمان غير الأموال المحضة: يمكن دراسة هذا الفرع من خلال المسائل الثلاث الآتية: المسألة الأولى: هل يضمن الحر بسبب اليد ؟: اختلف الفقهاء في ضمان الحر باليد على ثلاثة أقوال:

стр. 269

القول الأول: إن الحر لا يضمن باليد، وهو قول الحنفية (١) وظاهر قول المالكية (٢) وقول الشافعية (٣) والمذهب عند الحنابلة (٤). القول الثاني: إن الحر يضمن باليد، وهو قول لبعض الشافعية (٥) ووجه عند الحنابلة (٦). القول الثالث: إن الحر الصغير يضمن باليد دون الكبير، وهو وجه عند الحنابلة (٧). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - لأن كون المغصوب مالا شرط تحقق الغصب، والحر ليس بمال (٨). ٢ - لأن اليد لا يثبت حكمها على الحر (٩).

стр. 270

أدلة القولين الثاني والثالث: لم أعثر لهم على دليل، ولكن يمكن أن يستدل لهم بأنهم يرون أن اليد تثبت على الحر عموما - سواء كان صغيرا أم كبيرا - كما عند أصحاب القول الثاني، أو أنها تثبت على الحر الصغير دون الكبير كما عند أصحاب القول الثالث. القول المختار: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن أقرب الأقوال إلى الصواب: القول الأول، وهو أن الحر لا يضمن باليد؛ وذلك لأن الحر ليس بمال حتى يضمن؛ ولعدم وجود أدلة صحيحة على ضمانه باليد. المسألة الثانية: في حكم ضمان منفعة الحر باليد: اختلف الفقهاء في ضمان منفعة الحر باليد على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تضمن منفعة الحر مطلقا باليد، وهو الظاهر من مذهب الحنفية (١). القول الثاني: تضمن منفعة الحر بالتفويت أي: باستعمال الحر، ولا تضمن بالفوات أي: بحبس الحر وتعطيل منافعه، وهو قول المالكية (٢) والأصحّ عند الشافعية (٣) ووجه عند الحنابلة (٤).

стр. 271

القول الثالث: تضمن منفعة الحر بالتفويت أي: باستعمال الحر، وبالفوات أي: بحبس الحر وتعطيل منافعه، وهو وجه عند الشافعية (١) ووجه عند الحنابلة (٢). أدلة القول الأول: لم أعثر لأصحاب هذا القول على دليل يخص منفعة الحر، وإنما ذكروا أدلة على عدم ضمان منافع الأموال المغصوبة (٣). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني على أن منفعة الحر تضمن بالتفويت بأن الغاصب استوفى منافعه، وهي متقومة، فلزمه ضمانها كمنافع العبد (٤). واستدلوا على أن منفعة الحر لا تضمن بالفوات بما يلي: ١ - لأن منفعة الحر تابعة لما لا يصح غصبه، فأشبهت ثيابه إذا بليت عليه وأطرافه (٥). ٢ - لأن الحر لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت تحت يده بخلاف المال (٦).

стр. 272

أدلة القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول على أن منفعة الحر تضمن بالتفويت بما استدل به أصحاب القول الثاني، واستدلوا على أن منفعة الحر تضمن بالفوات بما يلي: ١ - لأن منافع الحر تقوّم في الإجارة الفاسدة، فأشبهت منافع الأموال (١). ٢ - لأن الغاصب فوّت منفعته، وهي مال يجوز أخذ العوض عنها، فضمنت بالغصب كمنافع العبد (٢). القول المختار: أقرب الأقوال إلى الصواب - والله أعلم - هو القول الثالث، وهو أن منفعة الحر تضمن بالتفويت والفوات؛ وذلك لأنه ضيع عليه منفعة متقوّمة بغصبه - وهو محرم - فوجب عليه ضمانها. المسألة الثالثة: هل يضمن باليد ما فيه شائبة الحرية، كأم الولد والمكاتب والمدبّر ؟: اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أن المدبر يضمن بسبب اليد؛ لأنه مال متقوّم (٣). واختلفوا في ضمان أم الولد والمكاتب بسبب اليد على قولين: القول الأول: يضمن المكاتب وأم الولد باليد، وهو المشهور عند المالكية (٤) وقول

стр. 273

الشافعية (١) وقول الحنابلة (٢)، ووافقهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن في أم الولد (٣). القول الثاني: لا يضمن المكاتب وأم الولد باليد، وهو قول أبي حنيفة (٤)، ووافقه أبو يوسف ومحمد بن الحسن في المكاتب (٥)، ووافقه سحنون (٦) -من المالكية- في أم الولد (٧). أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يلي:

стр. 274

أولاً: دليل ضمان المكاتب باليد: ١ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم) (١). وجه الدلالة: بيّن النبي ﷺ أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فدل على أنه مال متقوّم، فضمن باليد كالعبد (٢). ثانياً: أدلة ضمان أم الولد باليد: ١ - لأن أم الولد مال متقوّم، والاستيلاد لا يوجب المالية والتقوم؛ لأنه لا يثبت به إلا حق الحرية، فإنه لا يبطل المالية والتقوم كما في المدبر (٣). ٢ - لأن أم الولد مملوكة فضمنت باليد كالمدبرة. ألا ترى أن سيدها يملك تزويجها وإجارتها ويأخذ قيمتها لو قتلت (٤). ٣ - لأن ما يضمن بالقيمة يضمن بالغصب كالقنّ (٥).

стр. 275

٤ - تضمن أم الولد باليد قياسا على تضمين الجنين بالغرة (١). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول على عدم ضمان المكاتب باليد بأن المكاتب له يد على نفسه فضمن بالغصب كالحر (٢). واستدلوا على عدم ضمان أم الولد باليد بما يلي: ١ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ذكرت أم إبراهيم (٣) عند رسول الله ﷺ فقال: (أعتقها ولدها) (٤). وجه الدلالة: بيّن النبي ﷺ أن الاستيلاد إعتاق، وظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام، إلا أنه تأخر في حق بعض الأحكام، فمن ادّعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم، فعليه الدليل (٥).

стр. 276

٢ - لأن أم الولد مالية غير متقومة فلا تضمن بالغصب (١). ٣ - لأن أم الولد تجرى مجرى المال. بدليل أنه لا يتعلق بها حق الغرماء فأشبهت الحر (٢). القول المختار: أقرب القولين إلى الصواب - والعلم عند الله تعالى - القول الأول، وهو أن المكاتب وأم الولد يضمنان باليد؛ وذلك لما يلي: ١ - أن أصحاب المذاهب الأربعة اتفقوا على ضمان المدبر باليد، وحالة المكاتب وأم الولد شبيهة بالمدبر أكثر من شبهها بالحر. ٢ - صحة الاستدلال بقول النبي ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» (٣). ٣ - أما الحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني فقد ضعّفه جماعة من أهل الحديث. المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، أذكر منها ما يلي: ١ - لو باع الغاصب العين المغصوبة، وخلّى بينها وبين المشتري، فتلفت قبل النقل، ثم جاء المالك، فله تضمين المشتري عند من لم ير شرطية النقل (٤).

стр. 277

٢ - إذا سلم الأجير الخاص نفسه إلى مستأجره فلم يستعمله: استقرت له الأجرة؛ لتلف منافعه تحت يده (١). ٣ - إذا حبس حرا، ولم يمنعه من الطعام حتى مات: لم يضمنه (٢). ٤ - إذا وطئ حرة بالشبهة، وماتت بالولادة: لم تجب الدية، ولو كانت أمة وجبت القيمة. والفرق أن ضمان الأمة أوسع، فإنها تضمن باليد والجناية، والحرة إنما تضمن بالجناية، ولا تضمن باليد (٣). ٥ - إذا نام عبد على بعير، فقاده وأخرجه عن القافلة: قطع، ولو كان حراً لم يقطع (٤). ٦ - إذا وضع صبيا حرا في مسبعة فأكله السبع فلا ضمان، بخلاف ما لو كان عبدا (٥). ٧ - إذا وجد رجلان، وأقام كل منهما بينة على امرأة أنها زوجته: لم تقدم بينة من هي تحته، بل هما كاثنين أقام كل منهما بينة على نكاح خَليّة (٦). ٨ - إذا اشترى سلعة منقولة كسيارة أو كتاب، فإن الضمان ينتقل بمجرد العقد إلى المشتري، سواء قبضه أم لم يقبضه، على الصحيح من أقوال أهل العلم (٧).

стр. 278

٩ - إذا وضع شخص يده على مال منقول - كالعروض والحيوانات - فإنه يضمنه بمجرد وضع يده وإن لم ينقله، في أصحّ قولي العلماء (١). ١٠ - إذا اشترى شخص أرضاً أو بيتاً فإن المشتري يضمنه بمجرد حصول العقد وإن لم يقبضه، في أصح قولي العلماء (٢). ١١ - إذا وضع شخص يده على أرض أو بيت مملوكين فإن الغصب يتحقق فيهما، ويضمنهما الغاصب بمجرد الاستيلاء عليهما على أصح القولين (٣). ١٢ - إذا استولى شخص على مدبر فإنه يضمنه باليد (٤). ١٣ - إذا استولى شخص على أم ولد أو مكاتب فإن عليه ضمانها، في أصح القولين (٥).

стр. 279

المبحث الخامس قاعدة: الزعيم غارم كان موضع هذه القاعدة - حين وضع الخطة المبدئية للموضوع - في المبحث الأول من الفصل الأول في الباب الثاني، ثم ظهر لي - أثناء دراسة القاعدة - أن الموضع الصحيح لها في هذا المكان؛ لأن الكفالة عقد مسبب للضمان. وقد يسر الله لي دراسة القاعدة في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة الفقهية الجليلة صاغها النبي ﷺ كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى- (١). ولم أقف على صيغ أخرى للقاعدة سوى ما قاله محيي السنة البغوي (٢) - أثناء شرحه لنص القاعدة من الحديث النبوي الشريف -: «كل من تكفل دينا عن الغير، عليه الغرم» (٣).

стр. 280

ونحواً منه قال مفتي دمشق - في وقته - محمود حمزة: «فائدة: كل موضع يرجع فيه المشتري على البائع بالثمن يرجع به على الكفيل بالدرك» (١). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة الزعيم: الكفيل. والزعامة: الكفالة. ومنه قيل لرئيس القوم: الزعيم؛ لأنه هو المتكفل بأمورهم (٢). أما الكفالة في اصطلاح الفقهاء: فإن هناك مصطلحات أخرى تشاركها في المعنى نفسه، كالضمان والحمالة والزعامة وغيرها (٣). غير أن فقهاء الحنفية يطلقون لفظ الكفالة على كفالة المال والنفس (٤). أما فقهاء المالكية فعندهم الكفالة والضمان والحمالة والزعامة بمعنى واحد (٥). ويفرّق فقهاء الشافعية والحنابلة بين مصطلحي الضمان والكفالة. فيطلقون لفظ الضمان على كفالة المال، ولفظ الكفالة على كفالة النفس (٦).

стр. 281

هذا وقد ذكر الفقهاء للكفالة تعاريف كثيرة، أكتفي منها بهذا التعريف، وهو: «التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة» (١). غارم: أي ضامن، وهو الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه (٢). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن كل من التزم تحمُّل شيء عن غيره وجب عليه ضمانه وأداؤه (٣). المطلب الرابع في دراسة القاعدة يمكن دراسة القاعدة من خلال الفروع التالية: الفرع الأول: في مشروعية الكفالة: اتفق الفقهاء على مشروعية الكفالة (٤)، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 282

أولاً: الكتاب: قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). وجه الدلالة: الشاهد من الآية: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، والزعيم هو الكفيل كما فسّره الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ وغيره (٢)؛ فيكون معنى الآية: أن المنادي تكفل بجائزة قدرها حمل بعير لمن أتى بصاع الملك المفقود، وقد أقر يوسف ﵇ هذه الكفالة ولم ينكرها، وهذا شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا ما ينسخه، فكان شرعا لنا. ثانياً: السنة: ١ - عن أبي أمامة الباهلي (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع: (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها)، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: (ذلك أفضل أموالنا)، ثم قال: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين

стр. 283

مقضي، والزعيم غارم) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى (٢). وجه الدلالة: إن الدائن طلب من المدين كفيلا، وهذا من شرع من قبلنا، لكن لم يرد في شرعنا ما ينسخه، فكان شرعا لنا، لا سيما أن النبي ﷺ قد ذكره مقررا له في سياق الثناء على فاعله. ٣ - عن عبدالله بن عباس ﵄ أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي شيء أعطيكه، قال: لا والله! لا فارقتك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، فجرّه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (كم تستنظره)؟ فقال: شهرا، فقال رسول الله ﷺ : (فأنا أحمل له)،

стр. 284

فجاءه في الوقت الذي قال النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (من أين أصبت هذا)؟ قال: من معدن، قال: (لا خير فيها). وقضاها عنه (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كفل هذا الرجل وتحمل عنه دينه، ولو لم تكن الكفالة جائزة لما فعلها رسول الله ﷺ . ٤ - عن سلمة بن الأكوع (٢) ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: (هل عليه من دين؟) قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة ... أخرى، فقال: (هل عليه من دين)؟ قالوا: نعم، قال: (فصلوا على صاحبكم)، قال أبو قتادة (٣): عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه. وفي لفظ:

стр. 285

فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ امتنع عن الصلاة على جنازة الميت لوجود دين عليه لم يترك له وفاء، فلما تكفل أبو قتادة بقضاء دينه أقرّه النبي ﷺ وصلى على الميت، فدل ذلك على مشروعية الكفالة. ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فيسأل: (هل ترك لدينه فضلا)؟ فإن حدّث أنه ترك لدينه وفاء صلّى، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم). فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته) (٢). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ كان في بداية الأمر لا يصلي على الميت إذا لم يترك وفاء لدينه إلا ذا كفله أحد، فلما فتح الله عليه الفتوح وفاء الله عليه من الغنائم والصدقات تكفل ﵊ بقضاء دين من مات من المسلمين إذا لم يخلف وفاء لدينه، وهذا يدل على مشروعية الكفالة. ٦ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي (٣) ﵁ قال: تحمّلت حمالة، فأتيت
следующие страницы →