← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هذا وقد ذكر الفقهاء للكفالة تعاريف كثيرة، أكتفي منها بهذا التعريف، وهو: «التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة» (١). غارم: أي ضامن، وهو الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه (٢). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن كل من التزم تحمُّل شيء عن غيره وجب عليه ضمانه وأداؤه (٣). المطلب الرابع في دراسة القاعدة يمكن دراسة القاعدة من خلال الفروع التالية: الفرع الأول: في مشروعية الكفالة: اتفق الفقهاء على مشروعية الكفالة (٤)، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 282

أولاً: الكتاب: قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). وجه الدلالة: الشاهد من الآية: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، والزعيم هو الكفيل كما فسّره الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ وغيره (٢)؛ فيكون معنى الآية: أن المنادي تكفل بجائزة قدرها حمل بعير لمن أتى بصاع الملك المفقود، وقد أقر يوسف ﵇ هذه الكفالة ولم ينكرها، وهذا شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا ما ينسخه، فكان شرعا لنا. ثانياً: السنة: ١ - عن أبي أمامة الباهلي (٣) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع: (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها)، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: (ذلك أفضل أموالنا)، ثم قال: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين

стр. 283

مقضي، والزعيم غارم) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى (٢). وجه الدلالة: إن الدائن طلب من المدين كفيلا، وهذا من شرع من قبلنا، لكن لم يرد في شرعنا ما ينسخه، فكان شرعا لنا، لا سيما أن النبي ﷺ قد ذكره مقررا له في سياق الثناء على فاعله. ٣ - عن عبدالله بن عباس ﵄ أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي شيء أعطيكه، قال: لا والله! لا فارقتك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، فجرّه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (كم تستنظره)؟ فقال: شهرا، فقال رسول الله ﷺ : (فأنا أحمل له)،

стр. 284

فجاءه في الوقت الذي قال النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (من أين أصبت هذا)؟ قال: من معدن، قال: (لا خير فيها). وقضاها عنه (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كفل هذا الرجل وتحمل عنه دينه، ولو لم تكن الكفالة جائزة لما فعلها رسول الله ﷺ . ٤ - عن سلمة بن الأكوع (٢) ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: (هل عليه من دين؟) قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة ... أخرى، فقال: (هل عليه من دين)؟ قالوا: نعم، قال: (فصلوا على صاحبكم)، قال أبو قتادة (٣): عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه. وفي لفظ:

стр. 285

فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ امتنع عن الصلاة على جنازة الميت لوجود دين عليه لم يترك له وفاء، فلما تكفل أبو قتادة بقضاء دينه أقرّه النبي ﷺ وصلى على الميت، فدل ذلك على مشروعية الكفالة. ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فيسأل: (هل ترك لدينه فضلا)؟ فإن حدّث أنه ترك لدينه وفاء صلّى، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم). فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته) (٢). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ كان في بداية الأمر لا يصلي على الميت إذا لم يترك وفاء لدينه إلا ذا كفله أحد، فلما فتح الله عليه الفتوح وفاء الله عليه من الغنائم والصدقات تكفل ﵊ بقضاء دين من مات من المسلمين إذا لم يخلف وفاء لدينه، وهذا يدل على مشروعية الكفالة. ٦ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي (٣) ﵁ قال: تحمّلت حمالة، فأتيت

стр. 286

رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها). قال: ثم قال: (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة (٢) حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواهن من المسألة - يا قبيصة - سحتا يأكلها صاحبها سحتا) (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر حمالة قبيصة، وأجاز له المسألة عليها، والحمالة بمعنى الكفالة؛ فدلّ ذلك على مشروعيتها. ثالثاً: الإجماع: أجمع المسلمون على مشروعية الكفالة من حيث الجملة، وإن اختلفوا في بعض الفروع المتعلقة بها (٤). الفرع الثاني: هل يبرأ المضمون عنه بالضمان ؟: اختلف الفقهاء في المضمون عنه، هل يبرأ بالضمان أم لا؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 287

القول الأول: لا يبرأ المضمون عنه بالضمان، بل يبقى الحق ثابتا عليه، ولا ينتقل إلى ذمة الضامن، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤). القول الثاني: يبرأ المضمون عنه بالضمان، وينتقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وعلى هذا فإنه لا يحق لصاحب الحق مطالبة المضمون عنه، وإنما يطالب الضامن وحده، وهذا قول ابن أبي ليلى (٥) وابن شبرمة (٦)

стр. 288

وأبي ثور (١) وداود وأصحابه (٢). القول الثالث: يبرأ المضمون عنه بالضمان إذا كان ميتا، أما إذا كان حيا فلا يبرأ به، وهذا القول رواية عن أحمد (٣). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن المؤمن لا يبرأ إلا بقضاء دينه، وهذا يدل على أن مجرد الضمان لا يبرأ به المؤمن حتى يقضى.

стр. 289

٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: توفي رجل فغسَّلناه وحنَّطناه (١) وكفنّاه ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه فقلنا: تصلي عليه، فخطا خطى، ثم قال: (أعليه دين)؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فقال رسول الله ﷺ : (أحق الغريم وبرئ منهما الميت)؟ قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيوم: (ما فعل الديناران)؟ فقال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : (الآن بردت عليه جلده) (٢). وجه الدلالة: إن «فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين وبراءة ذمته على الحقيقة ورفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه، لا بمجرد التحمل بالدين بلفظ الضمانة؛ ولهذا سارع النبي ﷺ إلى سؤال أبي قتادة - في اليوم الثاني - عن القضاء» (٣). نوقش هذا الدليل: بأن النبي ﷺ قال لأبي قتادة حين ضمن دين الميت عنه: (برئ منهما الميت).

стр. 290

أجيب عنه بجوابين: الأول: إن المراد أن الميت برئ من رجوع أبي قتادة عليه؛ لأن ضمانه كان بغير أمره (١). الثاني: إن المراد أن أبا قتادة صار هو «المطالب بها، وهذا على سبيل التأكيد لثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عليه، بدليل قوله في سياق الحديث - حين أخبره بالقضاء -: (الآن بردت عليه جلده)» (٢). ٣ - لأن الضمان مشتق من ضمّ ذمة إلى ذمة في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما، وهذا ينافي براءة المضمون عنه بمجرد الضمان (٣). ٤ - لأن الضمان وثيقة في ثبوت الحق فلم يجز أن ينتقل به الحق، كالشهادة والرهن (٤). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الزعيم غارم) (٥). وجه الدلالة: إن النبي ﷺ لما خصّ الضامن بالغرم، دلّ على أن المضمون عنه برئ من الغرم (٦).

стр. 291

٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه. فإن قيل: (عليه دين) كفّ عن الصلاة عليه، وإن قيل: (ليس عليه دين) صلى عليه. فأتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل رسول الله ﷺ أصحابه: (هل على صاحبكم دين)؟ قالوا: ديناران، فعدل رسول الله ﷺ عنه وقال: (صلوا على صاحبكم)، فقال علي ﵁: هما عليَّ يا رسول الله ﷺ ، برئ منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه، ثم قال لعلي بن أبي طالب: (جزاك الله خيرا. فكّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك. إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فكّ رهان ميت فكّ الله رهانه يوم القيامة)، فقال بعضهم: هذا لعليّ ﵇ خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: (بل للمسلمين عامة) (١). وجه الدلالة: يمكن أن يستدل بهذا الحديث من وجهين: أولاً: أن النبي ﷺ بعد أن امتنع من الصلاة عليه - صلى عليه، فدل على براءة ذمته، ولو كان الدين باقيا لكان الامتناع قائما (٢). ثانياً: قوله ﵊: (فكّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك)، فلما أخبر بفك رهانه دلّ على براءة ذمته (٣).

стр. 292

٣ - حديث جابر ﵁ السابق في أدلة القول الأول، حيث قال النبي ﷺ لأبي قتادة - بعد ما تكفل بقضاء دين الميت -: (برئ منهما الميت) (١). وجه الدلالة: إن قوله ﵊: (برئ منهما الميت) صريح في براءة المضمون عنه من الحق بضمان أبي قتادة له (٢). ٤ - لأن المال دين واحد، فإذا صار في ذمة ثانية برئت الأولى منه، كالمحال به؛ وذلك لأن الواحد لا يحل في محلين (٣). أدلة القول الثالث: استدل أصحاب هذا القول بالآتي: ١ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ السابق في أدلة القول الثاني (٤). ٢ - حديث جابر ﵁ السابق في أدلة القول الثاني (٥). وجه الدلالة منهما: سبق ذكره في أدلة القول الثاني، لا سيما وقد وردت في الميت. ٣ - لأن فائدة الضمان في حقه تبرئة ذمته. فينبغي أن تحصل هذه الفائدة بمجرد الضمان، بخلاف الحي، فإن المقصود من الضمان في حقه الاستيثاق بالحق، وثبوته في الذمتين آكد في الاستيثاق (٦).

стр. 293

القول المختار: الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن أقرب الأقوال إلى الصواب القول الأول؛ وذلك لما يلي: أولاً: صحة أدلة أصحاب القول الأول، وصراحتها في المسألة. ثانياً: وأما أدلة أصحاب القول الثاني فقد أجيب عنها بما يلي: ١ - أجيب عن استدلالهم بقول النبي ﷺ : (الزعيم غارم) (١) بأنه لا يمتنع أن يكون غيره غارما أيضا؛ لعدم وجود دليل على اختصاص الضامن بالغرم (٢). ٢ - وأما صلاة النبي ﷺ على المضمون عنه - كما في حديث علي بن أبي طالب ﵁ (٣) - فلأن الميت بالضمان صار له وفاء، وإنما كان النبي ﷺ يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء (٤). ٣ - وأما قول النبي ﷺ لعلي ﵁: (فكّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك) (٥) فلأن الميت كان في حالة لا يصلّي عليه النبي ﷺ ، فلما ضمنه عليّ ﵁ فكه من ذلك (٦). ٤ - وأما قول النبي ﷺ ﵊ لأبي قتادة ﵁ - بعد ما تكفل بقضاء دين الميت -: (برئ منهما الميت) (٧) فأجيب عنه من وجهين:

стр. 294

الأول: إن المراد أن الميت برئ من رجوع أبي قتادة عليه؛ لأن ضمانه كان بغير أمره (١). الثاني: إن المراد أن أبا قتادة ﵁ صار هو «المطالب بهما، وهذا على سبيل التأكيد لثبوت الحق في ذمته ووجوب الأداء عليه، بدليل قوله في سياق الحديث - حين أخبره بالقضاء -: (الآن بردت عليه جلده) (٢). ٥ - أجيب عن قولهم: (إن الدين لا يثبت في ذمتين) بجوابين: الأول: إنه يجوز تعلق الدين بذمتين على سبيل الاستيثاق كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن (٣). الثاني: إن قولهم غلط؛ «لأن معنى ثبوت الدين في الذمة إنما هو استحقاق المطالبة به، وليس يمتنع أن يكون الحق الواحد يستحق المطالبة به لشخصين، ألا ترى أن من غصب شيئاً ثم غصب منه غاصب آخر واستهلكه كان للمالك مطالبة كل واحد منهما به، ولم يكن ذلك مستحيلا، كذلك في الضمان» (٤). ثالثاً: وأما أدلة القول الثالث، فيمكن الإجابة عنها بما يلي: ١ - أما الدليلان الأول والثاني فقد تقدم الإجابة عنها عند الإجابة عن أدلة القول الثاني، وثمة جواب ثالث عن استدلالهم بقول النبي ﷺ في حديث جابر ﵁: (برئ منهما الميت): «بأن هذا ليس إخبارا منه ﷺ ببراءته، وإنما هو استفهام من أبي قتادة في أنه هل ضمن متبرئا لا ليرجع؛ ولهذا أجابه بنعم» (٥).

стр. 295

٢ - وأما الدليل الثالث فإنه دليل عقلي لا يعارض به النصوص النبوية التي استدل به أصحاب القول الأول. الفرع الثالث: هل الضمان تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن ؟: اختلف الفقهاء في عقد الضمان هل يخير المضمون له في المطالبة بالحق بين المضمون عنه والضامن، أم أنه يبدأ أولاً بمطالبة المضمون عنه، فإذا تعذر عليه استيفاء حقه منه انتقل إلى مطالبة الضامن؟ على قولين: القول الأول: إن المضمون له الخيار في المطالبة بالحق بين المضمون عنه والضامن، وهو مذهب الحنفية (١) ومالك (٢) في أول قوليه (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥).

стр. 296

القول الثاني: لا يطالب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه، وهو القول الثاني للإمام مالك (١)، وقواه العلامة ابن القيم (٢) واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي (٣). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحمّلت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها). قال: ثم قال: (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة .. ) الحديث (٤). وجه الدلالة: أن «في إحلاله المسألة لمن تحمل عن قوم بما ذكر دليل على فساد قول من قال: إن المكفول له ليس له مطالبة الكفيل إذا قدر على مطالبة المكفول عنه؛ لأنه أباح له المسألة بنفس الحمالة ولم يعتبر حال المحتمل عنه من كونه مليئا أو غير مليء» (٥). ٢ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الزعيم غارم) (٦).

стр. 297

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن الضامن ملزم بأداء الدين الذي تكفل بضمانه، سواء بدأ صاحب المال المطالبة له أم بالمضمون عنه؛ لأن الحديث عام ولم يفرق (١). ٣ - «إن الضامن أقام نفسه مقام الغريم في شغل ذمته بالحق على الوجه الذي كانت ذمة الغريم مشغولة به، فإذا كان له مطالبة الغريم فكذلك له مطالبة الكفيل» (٢). ٤ - «إن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما، كالضامنين إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه» (٣). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - «إن الضامن فرع والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول، كالتراب في الطهارة، والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل، وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرع مع أصله ولا يرث معه» (٤). ٢ - «إن الكفالة توثقة وفي ذلك حفظ للحق فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عين، وهي رهن ذمة أقامها الشارع مقام رهان الأعيان للحاجة إليها، واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من

стр. 298

الراهن، فكذا الضمين؛ ولهذا كثيرا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما» (١). ٣ - «إن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التوى (٢) والهلاك، ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته والتمكن من مطالبته، والناس يستقبحون هذا ويعدون فاعله متعديا ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونا له عليه، وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح» (٣). القول المختار: الذي يبدو - والله تعالى أعلم - أن أصحّ القولين هو القول الثاني، وهو أن الضامن لا يطالب بأداء الدين إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه، إلا إذا التزم الضامن وفاء الدين وإن لم تتعذر مطالبة المضمون عنه؛ وذلك للأسباب التالية: أولاً: صحة أدلة أصحاب القول الثاني. ثانياً: أما أدلة أصحاب القول الأول فيمكن الإجابة عنها بما يلي:

стр. 299

١ - استدلالهم بحديث قبيصة ﵁: يمكن أن يجاب عنه بأن الحمالة هي المال الذي يتحمله الإنسان للإصلاح بين المتنازعين، وذلك بأن تدعي إحدى القبيلتين مالا على الأخرى، والأخرى تنكره، فيقوم المصلح بتحمل ضمان هذا المال للإصلاح بينهما، وفي هذه الحالة يكون الحميل هو المطالَب وحده بالمال؛ لأن القبيلة الأخرى تنكر ثبوت المال عليها أصلا (١). ٢ - أما استدلالهم بعموم قول النبي ﷺ : (الزعيم غارم) فيجاب عنه «بأنه لا عموم له، ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال؛ ولهذا لو أدّى الأصيل لم يكن غارما؛ ولحديث أبي قتادة في ضمان دين الميت (٢) لتعذر مطالبة الأصيل» (٣). ٣ - وأما استدلالهم بقياس الضامن على المضمون عنه في المساواة بالمطالبة فيجاب عنه بأن بينهما فرقا، وهو أن الضامن فرع، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول، بخلاف المضمون عنه، فهو أصل بنفسه فهو أولى بالمطالبة من الفرع (٤). ٤ - وأما استدلالهم بقياس التخيير في المطالبة بين المضمون عنه والضامن على التخيير في المطالبة بين الضامنين: فيجاب عنه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن كلاً من الضامنين فرع؛ فلذا جاز التخيير في المطالبة بينهما، بخلاف مسألتنا، فإن المضمون عنه أصل والضامن فرع، وقاعدة الشريعة: أنه لا يصار إلى الفروع إلا إذا تعذرت الأصول (٥).

стр. 300

ثالثاً: وأما إذا التزم الضامن وفاء الدين - وإن لم تتعذر مطالبة المضمون عنه - فلقول النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم) (١) (٢). الفرع الرابع: في رجوع الضامن على المضمون عنه: اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - من حيث الجملة (٣) - على أن الضامن إذا غرم الدين الذي تكفل به، فإن له الحق في الرجوع على الأصيل - المضمون عنه - ومطالبته بما غرم. الفرع الخامس: في حكم أخذ الأجرة على الضمان: اتفق الفقهاء على عدم جواز أخذ الضامن أجرة أو جعلا على ضمانه، قال الإمام أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل ولا تجوز (٤). ثم إني وقفت على فتوى للشيخ عبد الرحمن السعدي مفادها: جواز أخذ الجعل على الكفالة إلا أن الأولى تركها، هذا نصها: «قول الأصحاب رحمهم

стр. 301

الله: (وله أخذ جعل على اقتراضه له بجاهه) فيه نظر، فإنه لو قيل: أخذ الجعل على الكفالة لا عن الاقتراض لكان أولى. فإن الاقتراض من جنس الشفاعة، وقد نهى الشارع عن أخذ الجعل فيها، وأما الكفالة فلا محذور في ذلك، ولكن الأولى عدم ذلك. والله أعلم» (١). والله تعالى أعلم بالصواب. المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت القاعدة، منها ما يلي: ١ - من كفل إنسانا بدين فلم يؤد الأصيل - المكفول عنه - الدين في موعده، فيجب على الكفيل الأداء وقضاء الدين (٢). ٢ - إذا تصالح اثنان على مال محدود، وكفل بمال الصلح أجنبي عنهما: جازت الكفالة، ويدفع الأجنبي المال للمصالح، فإذا تبين أن المال مستحق أو زيوف فيرجع المصالح على الأجنبي الذي دفع المال لا على صاحبه الذي صالحه؛ لأن الأجنبي قد التزم بالضمان، وبظهور الدراهم مستحقة أو زائفة انتقض القبض لا أصل العقد. فعلى الأجنبي الوفاء، وإن أبى أن يدفع انتقض الصلح وعادت الدعوى (٣). ٣ - خطاب الضمان، وهو: «تعهد نهائي يصدر من المصرف بناء على طلب عميله (ويسمى الآمر) بقبول دفع مبلغ نقدي معين، أو قابل للتعيين بمجرد أن يطلب المستفيد ذلك من المصرف خلال مدة محددة» (٤).

стр. 302

وخطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه: * فإن كان بدون غطاء فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالاًّ أو مآلا، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة. * وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي الوكالة، والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له) (١). «ولا يجوز أخذ الأجر على خطاب الضمان لقاء عملية الضمان، والتي يراعى فيها مبلغ الضمان ومدته، سواء أكان بغطاء أم بدونه، بخلاف المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه، فإنها جائزة شرعا مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل» (٢). والله تعالى أعلم. ٤ - الاعتماد المستندي، «وهو: تعهد كتابي صادر من مصرف بناء على طلب مستورد لصالح مورد، يتعهد فيه المصرف بدفع المبالغ التي يستحقها المورد ثمنا لسلع يصدرها للمستورد - (طالب فتح الاعتماد) - متى قدم المورد المستندات المتعلقة بالسلع والشحن، على أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد» (٣).

стр. 303

وقد خرَّج بعض الباحثين «الاعتماد المستندي المغطى غطاء كليا بأن المصرف يكون في هذه الحالة وكيلا عن فاتح الاعتماد، وإن كان كفيلا بالنسبة للمصدر الذي يعتبر مكفولا له، غير أن المصرف يأخذ عمولة تعد أجرا أو جعلا عن وكالته لا عن كفالته. أما الاعتماد غير المغطى كليا أو جزئيا فالمصرف كفيل، وفاتح الاعتماد غير المغطى مكفول عنه» (١). ٥ - البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشر من الرصيد (البطاقات الائتمانية). وقد جاء في تعريفها - ما يبين حقيقتها وأقسامها - بأنها: «أداة يصدرها بنك أو تاجر أو مؤسسة تخول حاملها الحصول على السلع والخدمات، سحبا لأثمانها من رصيده، أو قرضا مدفوعا من قبل مصدرها ضامنا لأصحاب الحقوق ما يتعلق بذمة حاملها، الذي يتعهد بالوفاء والتسديد للقرض خلال مدة معينة من دون زيادة على القرض إلا في حالة عدم الوفاء، أو بزيادة ربوية لدى اختياره الدفع على أقساط، مع حسم عمولة على التاجر من قيمة مبيعاته في جميع الحالات» (٢). هذا «وقد بادرت بعض المصارف الإسلامية إلى طرح تكييف شرعي لمسائل هذه البطاقات واستخداماتها، مع تبني بعضها إصدار بطاقة تُرَاعَى فيها الشروط الشرعية» (٣).

стр. 304

«ويشتمل نظام بطاقات المعاملات المالية - سواء منها بطاقات الإقراض بأنواعها أو السحب المباشر من الرصيد - على عدة عقود بحسب طبيعة العقد وأطرافه» (١)، أهم هذه العقود: عقد الوكالة، وعقد الضمان، وعقد القرض. والذي يهمنا منها هنا عقد الضمان المالي حيث «يلتزم به البنك المصدر للبطاقة للتاجر - الممول حاملي البطاقات بالبضائع والخدمات - دفع قيمة مبيعاته أو أجوره، يقوم بتسديدها لحسابه مباشرة إذا توافرت كافة الشروط المطلوبة في سندات البيع، حيث يصبح مصدر البطاقة ضامنا، والتاجر مضمونا له، وحامل البطاقة مضمونا عنه، وقيمة البيعات الدين المضمون به» (٢).

стр. 305

الباب الثاني القواعد والضوابط المتعلقة بالضامن وفيه فصلان: الفصل الأول: القواعد المتعلقة بأهلية الضامن. الفصل الثانيا: القواعد المتعلقة بالمباشر والمتسبب.

стр. 306

الفصل الأول: القواعد المتعلقة بأهلية الضامن . وفيه مبحثان: المبحث الأول: قاعدة: لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل. المبحث الثاني: قاعدة: العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء.

стр. 307

المبحث الأول قاعدة: لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل هذه إحدى القواعد المهمة المتعلقة بأهلية الضامن، وقد درستها في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة ثمة صيغ كثيرة ذكرها العلماء لهذه القاعدة، وقد جعلتها تحت قسمين: القسم الأول: الصيغ العامة: وهي التي تشمل الضمان وغيره، وهذه الصيغ كما يلي: أولاً: قال أبو الحسن الماوردي: «الجهل بالأحكام لا يسقطها» (١). ثانياً: قال أبو الخطاب الكلوذاني (٢): «الجهل عذر في رفع المعصية لا في إسقاط الواجب المأمور به» (٣).

стр. 308

ثالثاً: قال علي السبكي (١): «الجهل بالحكم الشرعي لا يدفع ثبوته» (٢). رابعاً: جاء في كتاب "المعيار" ما نصه: «كل ما يتعلق به حق لغيره فلا يعذر الجاهل فيه بجهله» (٣). القسم الثاني: الصيغ الخاصة: وهي التي تختص بالضمان دون غيره، وهذه الصيغ كما يلي: أولاً: جاء في "مختصر اختلاف العلماء" ما نصه: «أحكام المستهلكات لا تختلف فيما يتعلق بها من الضمان بالعلم ولا غيره» (٤). ثانياً: قال أبو الحسن الماوردي: «الضمان يختلف باختلاف التالف دون المتلف» (٥). ثالثاً: قال أبو بكر السرخسي: «جهل المتلف لا يكون مانعا من وجوب الضمان عليه مع تحقق الإتلاف» (٦).

стр. 309

رابعاً: قال قاضيخان: «جزاء الظلم لا يختلف بالعلم والجهل؛ فإن من أتلف مال الغير ضمن، علم بذلك أم لم يعلم» (١). خامساً: قال أبو محمد بن قدامة: «الجهل لا يمنع صحة الضمان» (٢). سادسا: قال أبو زكريا النووي: «الجهل ليس مسقطا للضمان» (٣). سابعا: قال عبد الوهاب السبكي: «لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل» (٤). ثامناً: قال برهان الدين بن مفلح: «الإتلاف الموجب للضمان لا فرق فيه بين العلم والجهل» (٥). تاسعاً: قال أبو العباس الونشريسي: «التعدي على مال الغير يستوي فيه الجهل والعمد» (٦). عاشراً: قال محمد الشربيني: «الجهل ليس مسقطا للضمان، بل للإثم» (٧). حادي عشر: قال منصور البهوتي: «الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره» (٨). ثاني عشر: قال عبدالرحمن السعدي: «الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي» (٩).

стр. 310

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة العلم: نقيض الجهل، وهو يدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره، ومنه: (العلامة)، يقال: (أعلم الفارس) إذا كانت له علامة في الحرب، ومنه: (العَلَم)، وجمعه (أعلام)، ويطلق على الراية والجبل وكل شيء يكون معلما خلاف المجهل، ويأتي العلم بمعنى اليقين والمعرفة (١). وفي الاصطلاح: إدراك الشيء على ما هو عليه (٢). الجهل: يمكن الكلام عليه في ثلاثة أمور: الأمر الأول: معنى الجهل في اللغة والاصطلاح: الجهل لغة: مصدر جهل جهلا وجهالة، وهو يدل على معنيين: ١ - نقيض العلم، ومنه (جهل الحق) إذا أضاعه، و (جهّله تجهيلا) أي: نسبه إلى الجهل، ويقال: (أرض مجهل) إذا كانت مفازة لا عَلَم بها ولا يهتدى إليها. ٢ - الخفة وخلاف الطمأنينة، يقال: (جهل على غيره) أي: سفه وأخطأ، ويقال: (استجهلت الريحُ الغصنَ) إذا حركته فاضطرب، ويقال للخشبة التي يحرك بها الجمر: (مِجْهَل) (٣). والجهل في الاصطلاح نوعان: النوع الأول: الجهل المركب، وهو: تصور الشيء على غير هيئته. النوع الثاني: الجهل البسيط، وهو: انتفاء إدراك الشيء بالكلية (٤).

стр. 311

الأمر الثاني: في أقسام الجهل: ينقسم الجهل إلى قسمين: ١ - الجهل بالحكم، وهو: أن لا يعلم الحكم الشرعي في هذه المسألة، مثل جهله بأن الجماع في نهار رمضان حرام على الصائم. ٢ - الجهل بالحال، وهو: أن لا يعلم أن هذا الشيء هو المحرم، أو أن هذا الزمن هو زمن التحريم، أو أن هذا المكان مكان التحريم. مثاله: إذا صلى في مكان ثم تبين أنه مقبرة، فهنا صلاته لا تصح، وهذا جهل بالحال باعتبار المكان (١). الأمر الثالث: في ضابط الجهل الذي يعذر فيه: الجهل نوعان: ١ - جهل لا يعذر فيه، وهو: ما كان ناشئا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، سواء كان في الكفر أم في المعاصي. ٢ - جهل يعذر فيه، وهو: ما لم ينشأ عن تفريط وإهمال، ولم يقم المقتضي للتعلم، بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام (٢).

стр. 312

المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة من أتلف نفسا أو مالا أو حقا بغير حق: وجب على المتلف ضمانه، سواء كان عالما أم جاهلا (١). المطلب الرابع في دراسة القاعدة يمكن دراسة القاعدة من خلال الفرعين التاليين: الفرع الأول: أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة: اتفق الفقهاء على صحة القاعدة، وهو أن من أتلف شيئاً من حقوق الآدميين عالما به، فإنه يجب عليه ضمان الشيء المتلف وعليه الإثم، أما إذا كان جاهلا به فيجب عليه الضمان وينتفي عنه الإثم (٢). واستدلوا على ذلك بمجموعة من الأدلة، جعلتُها في قسمين:

стр. 313

القسم الأول: الأدلة الدالة على أن المُتلِف إذا كان عالما فإن عليه الإثم والضمان، وإذا كان جاهلا فعليه الضمان فقط: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله نهى عن أكل أموال الناس بغير حق، وذلك يوجب على متلفها الإثم والضمان، ولم يفرق الشارع بين العالم وغيره في ضمان المتلفات (٢). ٢ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٣). وجه الدلالة: بيّن النبي ﷺ أن الأموال محترمة، وأن إتلافها بغير حق حرام. وهذا يقتضي وجوب الضمان وحلول الإثم على متلفها، مع عدم التفريق بين العالم وغيره في وجوب ضمان المتلفات (٤). ٣ - نقل الشيخ محمود العيني (٥) إجماع العلماء على ذلك (٦).

стр. 314

٤ - إن الضمان حق العبد، فلا يتوقف على قصده (١). ٥ - إن الضمان يجب جبرا لحق صاحب المال بتفويته، وحقه مراعى، وإن كان الآخذ معذورا لجهله وعدم قصده (٢). القسم الثاني: الأدلة على رفع الإثم عن المُتلِف الجاهل: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ¬٤). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥). ٤ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٦). ٥ - وقد جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ¬٧)، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء؛ فقال النبي ﷺ : (قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا)، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم،

стр. 315

فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: قد فعلت، ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال: قد فعلت، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، قال: قد فعلت (١). ٦ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢). ٧ - عن عمرو بن العاص (٣) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا حكم

стр. 316

الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١). وجه الدلالة من هذه الآيات والأحاديث: دلّت هذه الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة على رفع الإثم عن المخطئ والناسي والمكره (٢). والجاهل يأخذ حكم المخطئ والناسي والمكره؛ لوجود العذر في كل (٣). والله تعالى أعلم. الفرع الثاني: في تقييد القاعدة: ذكرت في الفرع الأول اتفاق العلماء على صحة القاعدة، وهو أن من أتلف شيئاً وهو عالم به وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، أما إذا كان جاهلا به فإن الضمان يجب عليه وينتفي عنه الإثم. غير أن بعض العلماء قيَّد هذه القاعدة - (لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل) - بحقوق الآدميين، أما حقوق الله فإن ثمة فرقاً بين العلم والجهل في ضمان المتلفات، فمن كان عالما وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، ومن كان جاهلا سقط عنه الضمان والإثم.

стр. 317

وممن ذهب إلى هذا التقييد العلامة عبد الرحمن السعدي حيث يقول: «وليس فيه - أي إتلاف المحرم للصيد - إتلاف مال آدمي حتى يستوي عمده وسهوه، وإنما الحق كله لله، وحقه تعالى بني على المسامحة والمساهلة» (١). وقال أيضا: «والفرق بينه وبين أموال الآدميين: أن الحق في قتل الصيد للمحرم لله، والإثم مترتب على القصد، فكذلك الجزاء» (٢). وقال أيضا: «وليس في ذلك إتلاف حق آدمي حتى يقال فيه: والإتلاف يستوي فيه المتعمد وغيره، وإنما ذلك في أموال الآدميين ونفوسهم، وأما في حقوق الله فإنه يترتب على الإثم. والله أعلم» (٣). وتبعه في ذلك تلميذه العلامة محمد العثيمين، حيث يقول في منظومته في القواعد الفقهية وأصوله: والإثم والضمان يسقطان ... بالجهل والإكراه والنسيان إن كان ذا في حق مولانا ولا ... تسقط ضمانا في حقوق للملا (٤) وقال أيضا: «إن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي» (٥). ومن أجل الكشف عن مدى صحة هذا التقييد، رأيت أن أبحث مسألة من فروع هذه القاعدة المتعلقة بحقوق الله جلّ وعلا؛ لنتعرف على أقوال الفقهاء في

стр. 318

هذا التقييد وأدلتهم والراجح من هذه الأقوال، من خلال دراسة هذه المسألة، وقد اخترت أن تكون هذه المسألة هي: مسألة: هل تسقط الفدية عن المحرم إذا قتل الصيد (١) جاهلا به أو مخطئا أو ناسيا ؟. اتفق الفقهاء على سقوط الإثم عن المحرم إذا قتل الصيد جاهلا به أو مخطئا أو ناسيا (٢). واختلفوا في سقوط الفدية عنه على قولين: القول الأول: لا تسقط الفدية، وهو قول الحنفية (٣) والمالكية (٤) والمذهب المنصوص عليه عند الشافعية (٥) والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 319

القول الثاني: تسقط الفدية، وهو وجه عند الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢) وقول الظاهرية (٣). أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤). وجه الدلالة: يحتمل أن يكون المراد: متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه، كما يحتمل أن يكون المراد متعمدا لقتله ذاكرا لإحرامه، فلما احتمل الأمرين وجب حمله عليهما؛ لأن ظواهر العموم يتناولهما (٥). ٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشا، وجعله من الصيد (٦).

стр. 320

٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في بيض النعام يصيبه المحرم: (ثمنه) (١). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أوجب على المحرم ضمان ما أتلفه من الصيد دون تفريق بين العالم والجاهل، ولا بين المتعمد والمخطئ ولا بين الذاكر والناسي (٢). ٤ - إن ضمان الصيد يعتمد وجوبه الإتلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فأشبه غرامات الأموال في وجوب الضمان مع العلم والجهل، والعمد والخطأ، والذكر والنسيان (٤). ٥ - إن المتلف في حال جهله أو خطئه أو نسيانه، قد أتلف الصيد في حال الإحرام أو الحرم، فأشبه المتلف العالم أو المتعمد أو الذاكر (٥). ٦ - إن الصيد حيوان مضمون بالكفارة، فلزم ذلك في إتلافه مع الجهل والخطأ والنسيان كالآدمي (٦).
следующие страницы →