← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١). وجه الدلالة من هذه الآيات والأحاديث: دلّت هذه الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة على رفع الإثم عن المخطئ والناسي والمكره (٢). والجاهل يأخذ حكم المخطئ والناسي والمكره؛ لوجود العذر في كل (٣). والله تعالى أعلم. الفرع الثاني: في تقييد القاعدة: ذكرت في الفرع الأول اتفاق العلماء على صحة القاعدة، وهو أن من أتلف شيئاً وهو عالم به وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، أما إذا كان جاهلا به فإن الضمان يجب عليه وينتفي عنه الإثم. غير أن بعض العلماء قيَّد هذه القاعدة - (لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل) - بحقوق الآدميين، أما حقوق الله فإن ثمة فرقاً بين العلم والجهل في ضمان المتلفات، فمن كان عالما وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، ومن كان جاهلا سقط عنه الضمان والإثم.

стр. 317

وممن ذهب إلى هذا التقييد العلامة عبد الرحمن السعدي حيث يقول: «وليس فيه - أي إتلاف المحرم للصيد - إتلاف مال آدمي حتى يستوي عمده وسهوه، وإنما الحق كله لله، وحقه تعالى بني على المسامحة والمساهلة» (١). وقال أيضا: «والفرق بينه وبين أموال الآدميين: أن الحق في قتل الصيد للمحرم لله، والإثم مترتب على القصد، فكذلك الجزاء» (٢). وقال أيضا: «وليس في ذلك إتلاف حق آدمي حتى يقال فيه: والإتلاف يستوي فيه المتعمد وغيره، وإنما ذلك في أموال الآدميين ونفوسهم، وأما في حقوق الله فإنه يترتب على الإثم. والله أعلم» (٣). وتبعه في ذلك تلميذه العلامة محمد العثيمين، حيث يقول في منظومته في القواعد الفقهية وأصوله: والإثم والضمان يسقطان ... بالجهل والإكراه والنسيان إن كان ذا في حق مولانا ولا ... تسقط ضمانا في حقوق للملا (٤) وقال أيضا: «إن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي» (٥). ومن أجل الكشف عن مدى صحة هذا التقييد، رأيت أن أبحث مسألة من فروع هذه القاعدة المتعلقة بحقوق الله جلّ وعلا؛ لنتعرف على أقوال الفقهاء في

стр. 318

هذا التقييد وأدلتهم والراجح من هذه الأقوال، من خلال دراسة هذه المسألة، وقد اخترت أن تكون هذه المسألة هي: مسألة: هل تسقط الفدية عن المحرم إذا قتل الصيد (١) جاهلا به أو مخطئا أو ناسيا ؟. اتفق الفقهاء على سقوط الإثم عن المحرم إذا قتل الصيد جاهلا به أو مخطئا أو ناسيا (٢). واختلفوا في سقوط الفدية عنه على قولين: القول الأول: لا تسقط الفدية، وهو قول الحنفية (٣) والمالكية (٤) والمذهب المنصوص عليه عند الشافعية (٥) والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 319

القول الثاني: تسقط الفدية، وهو وجه عند الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢) وقول الظاهرية (٣). أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤). وجه الدلالة: يحتمل أن يكون المراد: متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه، كما يحتمل أن يكون المراد متعمدا لقتله ذاكرا لإحرامه، فلما احتمل الأمرين وجب حمله عليهما؛ لأن ظواهر العموم يتناولهما (٥). ٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشا، وجعله من الصيد (٦).

стр. 320

٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في بيض النعام يصيبه المحرم: (ثمنه) (١). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أوجب على المحرم ضمان ما أتلفه من الصيد دون تفريق بين العالم والجاهل، ولا بين المتعمد والمخطئ ولا بين الذاكر والناسي (٢). ٤ - إن ضمان الصيد يعتمد وجوبه الإتلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فأشبه غرامات الأموال في وجوب الضمان مع العلم والجهل، والعمد والخطأ، والذكر والنسيان (٤). ٥ - إن المتلف في حال جهله أو خطئه أو نسيانه، قد أتلف الصيد في حال الإحرام أو الحرم، فأشبه المتلف العالم أو المتعمد أو الذاكر (٥). ٦ - إن الصيد حيوان مضمون بالكفارة، فلزم ذلك في إتلافه مع الجهل والخطأ والنسيان كالآدمي (٦).

стр. 321

أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). وجه الدلالة: دل منطوق الآية على اشتراط التعمد في وجوب الجزاء على المحرم القاتل للصيد، ودل مفهومها على أنه لا جزاء على الخاطئ (٢)، والجاهل والناسي يأخذ حكم الخاطئ؛ لوجود العذر فيهما (٣). ٢ - عموم الأدلة الدالة على العفو عن الخطأ والنسيان والإكراه - ويدخل في ذلك الجهل - كقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤)، وقوله جلّ وعلا: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٦)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله تعالى قد استجاب هذا الدعاء وقال: قد فعلت (٧).

стр. 322

ومن الأدلة العامة أيضا ما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (١) (٢). ٣ - إن الأصل براءة الذمة عن لزوم شيء في المال حتى يأتي الدليل الدال عليه. ولا يوجد دليل يدل على إيجاب الفدية على المحرم إذا قتل الصيد وهو جاهل أو مخطئ أو ناسٍ (٣). ٤ - إن قتل الصيد محظور في الإحرام، فوجب مع العلم والعمد والذكر دون الجهل والخطأ والنسيان كالطيب واللباس (٤). القول المختار: بعد عرض قَوْلَي العلماء في هذه المسألة، وما استدل به أصحاب كل قول، يظهر لي - والعلم عند الله - أن أقرب القولين إلى الصواب هو القول الثاني القاضي بسقوط الفدية بالجهل والخطأ والنسيان؛ وذلك للأسباب التالية: أولاً: قوة أدلة هذا القول، لا سيما صريح قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٥). ثانياً: يمكن الإجابة عن أدلة القول الأول بما يلي:

стр. 323

١ - إن قولهم في وجه الاستدلال من الآية: (يحتمل أن يكون المراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه) «غير صحيح ولا ظاهر؛ لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل. ولأن قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور، والناسي للإحرام غير المتعمد لم يرتكب محظوراً» (١)، وعلى هذا يكون الصحيح أن المراد متعمد قتله ذاكر إحرامه. ٢ - أما الحديثان فيمكن أن يجاب عنهما من وجهين: الوجه الأول: إن حديث أبي هريرة ﵁ ضعيف كما سبق في تخريجه (٢). الوجه الثاني: إن حديث جابر بن عبد الله ﵄ عام خصّ بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣)، وبهذا ينتفي التعارض بينهما. ٣ - أما الأدلة العقلية الأخرى فهي أقيسة فاسدة الاعتبار لمعارضتها للنص. وبهذا يتبين صحة تقييد القاعدة (لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل) بحقوق الآدميين، أما حقوق الله فإنه إن كان المُتلِف عالما وجب عليه الضمان وحلّ عليه الإثم، وإن كان جاهلا سقط عنه الضمان والإثم. غير أنه يستثنى من حقوق الله إيجاب الكفارة على قاتل المؤمن خطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤) (٥).

стр. 324

المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت القاعدة، أذكر منها ما يلي: ١ - إذا قدم الغاصب للضيف طعاما مغصوبا ضيافة، فأكله الضيف جاهلاً: فقرار الضمان عليه (١). ٢ - إذا أتلف المشتري المبيع قبل القبض جاهلا فإنه يعتبر قابضا له (٢). ٣ - إذا خاطب زوجته بالطلاق جاهلا بأنها زوجته، بأن كان في ظلمة، أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم: وقع الطلاق (٣). ٤ - إذا خاطب أمته بالعتق جاهلا بأنها أمته: وقع العتق (٤). ٥ - إذا حلف على شيء بالله أن يفعله، فتركه جاهلاً: لم يحنث على الصحيح (٥). ٦ - إذا جامع الصائم امرأته في نهار رمضان جاهلا بالحكم، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة على الصحيح من أقوال العلماء (٦). ٧ - إذا قتل المحرم الصيد جاهلا بتحريمه لم تجب عليه الفدية على الصحيح (٧).

стр. 325

٨ - إذا اشترى عامل المضاربة عبدا يعتق على رب المال، فإن البيع يصح ويعتق العبد، ويضمن العامل ثمنه لرب المال، سواء علم به أم جهل (١). ٩ - اتفق الفقهاء على تضمين المتطبب الجاهل، إذا عالج إنسانا أو حيوانا فأتلفه كله أو عضوا منه؛ وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من تطبّب ولا يعلم منه طبّ فهو ضامن) (٢) (٣). ١٠ - إذا وضع شخص سيارته عند رجل ادّعى أنه يعرف كيفية إصلاحها، فأفسدها لجهله بإصلاحها: وجب عليه ضمان إفساده لها.

стр. 326

المبحث الثاني قاعدة: العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء هذه القاعدة إحدى القواعد المهمة المتعلقة بأهلية الضامن، وقد يسر الله لي دراستها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة ذكر الفقهاء لهذه القاعدة صيغا كثيرة في مواطن ومناسبات عديدة، وفيما يلي ذكر ما وقفت عليه منها مرتبة على المذاهب الفقهية. أولا: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو الحسن المرغيناني: «الخطأ في حق العباد غير موضوع» (١). ثانيا: المذهب المالكي: ١ - قال أبو عمر بن عبدالبر (٢): «الأموال تضمن بالخطأ كما تضمن بالعمد» (٣).

стр. 327

٢ - قال أبو الوليد بن رشد الجد: «أموال الناس تضمن بالعمد والخطأ» (١). ٣ - قال أبو العباس القرافي: «العمد والخطأ في أموال الناس سواء» (٢). ٤ - قال أبو عبد الله المقري: «العمد والخطأ في ضمان المتلفات سواء» (٣). ٥ - جاء في كتاب "المعيار" ما نصه: «تضمن الأموال في العمد والخطأ» (٤). ٦ - قال أبو العباس الونشريسي: «التعدي على مال الغير يستوي فيه الجهل والعمد» (٥). ثالثا: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو الحسن الماوردي: «العمد والخطأ في الأموال سواء» (٦). ٢ - وقال أيضاً: «حكم العمد والخطأ في الأموال سواء» (٧). ٣ - وقال أيضاً: «ضمان الأموال يستوي فيه العمد والخطأ» (٨). ٤ - وقال أيضاً: «الخطأ في حقوق الأموال كالعمد» (٩). ٥ - وقال أيضاً: «العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء» (١٠).

стр. 328

٦ - وقال أيضا: «الضمان يختلف باختلاف التالف دون المتلف» (١). ٧ - قال العز بن عبد السلام (٢): «من وضع يده خطأ على مال غيره لزمه ضمانه إلا الحكام وأمناء الحكام» (٣). ٨ - وقال أيضا: «الجوابر لا تتوقف على المآثم» (٤). رابعا: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو علي بن البنا (٥): «كل حق ضمن بالعمد ضمن بالخطأ» (٦). ٢ - قال أبو محمد بن قدامة: «ما ضمن في العمد ضمن في الخطأ» (٧).

стр. 329

٣ - وقال أيضا: «ما وجب ضمانه في العمد وجب في الخطأ» (١). ٤ - وقال أيضا: «الضمان يجب في الخطأ والعمد» (٢). ٥ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الضمان من باب العدل الواجب في حقوق الآدميين، وهو يجب في العمد والخطأ» (٣). ٦ - قال برهان الدين بن مفلح: «الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ» (٤). ٧ - قال منصور البهوتي: «الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره» (٥). ٨ - قال أحمد القاري: «الإتلاف يستوي فيه الخطأ والعمد» (٦) ٩ - قال عبدالرحمن السعدي: «الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي» (٧). خامسا: المذهب الظاهري: ١ - قال ابن حزم الظاهري (٨): «أموال الناس تضمن بالعمد والنسيان» (٩).

стр. 330

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة العمد في اللغة: نقيض الخطأ في القتل وغيره، يقال: (عمدت للشيء عمدا وعمدت إليه وتعمدته) أي: قصدت (١). وفي اصطلاح الفقهاء: هو أن يقصد المتلف الفعل المحظور ونتيجته (٢). الخطأ في اللغة: له معنيان: الأول: من قولهم: (أخطأ يخطئ إخطاء وخطأ فهو مخطئ) إذا لم يتعمد أو لم يصب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٣). الثاني: من قولهم: (خطأ يخطأ خَطْئا وخِطْئا فهو خاطئ) إذا أذنب أو تعمد الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٤) (٥). وفي الاصطلاح: هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده (٦).

стр. 331

المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة من أتلف مالا بغير حق وجب عليه ضمانه، سواء أتلفه عمدا أم خطأ (١). المطلب الرابع في دراسة القاعدة يمكن دراسة هذه القاعدة من خلال الفروع الأربعة الآتية. الفرع الأول: أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة: اتفق الفقهاء على صحة القاعدة، وهو أن من أتلف مالا من حقوق الآدميين بغير حق، وجب عليه ضمانه، سواء كان عامدا أم مخطئا، وإنما فرقوا بينهما من جهة الإثم، فيأثم العامد دون المخطئ (٢).

стр. 332

يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي: «ولم أعلم بين المسلمين اختلافا أن ما كان ممنوعا أن يتلف من نفس إنسان أو طائر أو دابة أو غير ذلك مما يجوز ملكه، فأصابه إنسان عمدا، فكان على من أصابه فيه ثمن يؤدى لصاحبه، وكذلك فيما أصاب من ذلك خطأ، لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد» (١). ويقول الإمام أبو بكر بن المنذر: «وكل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: الخطأ والعمد في الجنايات على أموال الناس واحد، يغرمه من أصاب من ذلك شيئا إلا في المأثم، فإن من أخطأ فأتلف شيئا لا مأثم عليه، وعليه الغرم، وإنما يلزم المأثم من علم الشيء فتعمده وأصابه فأتلفه، ولا يفارق أحدا من الجانبين الغرم» (٢). ويقول العلامة أبو العباس القرافي: «فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه، وأن العمد والخطأ في ذلك سواء» (٣). وهناك أدلة - غير ما ذكرت من الإجماع - من الكتاب والسنة، جعلتها في القسمين التاليين: القسم الأول: الأدلة الدالة على أن المتلف إذا كان عامدا فإن عليه الإثم والضمان، وإذا كان مخطئا فعليه الضمان فقط: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).

стр. 333

وجه الدلالة: أن الله نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وهذا يوجب على متلفها بغير وجه حق الإثم والضمان، دون تفريق بين العامد والمخطئ في ضمان الأموال (١). ٢ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن الأموال محترمة، وأن إتلافها بغير حق حرام، وهذا يقتضي وجوب الضمان وحلول الإثم على متلفها، مع عدم التفريق بين العامد والمخطئ في وجوب ضمان المتلفات (٣). القسم الثاني: الأدلة الدالة على رفع الإثم عن المتلف المخطئ: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٥). ٣ - وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله تعالى قد استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلت (٦).

стр. 334

٤ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (١). ٥ - عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (٢). وجه الدلالة من هذه الآيات والأحاديث: دلت هذه الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة صراحة على رفع الإثم عن المخطئ. الفرع الثاني: في تقييد القاعدة: هذه القاعدة مقيدة بحقوق الآدميين، أما حقوق الله جل وعلا فهناك فرق بين العامد والمخطئ في ضمان المتلفات؛ فمن كان عامدا وجب عليه الضمان وحلّ عليه الإثم، ومن كان مخطئا سقط عنه الضمان والإثم (٣). وقد سبق أن فصّلت القول في هذا التقييد من حيث أقوال العلماء فيه وأدلتهم والراجح منها في القاعدة التي قبل هذه (٤)؛ فليرجع إليها تلافيا للتكرار.

стр. 335

الفرع الثالث: في ضمان الناسي (١): يأخذ الناسي حكم المخطئ، كما يأخذ الذاكر حكم العامد في الفرعين السابقين (٢)، وقد وجد التنصيص على الناسي في بعض الأدلة السابقة في الفرع الأول؛ فليرجع إليها. الفرع الرابع: في ضمان الصبي الصغير والمجنون: اختلف الفقهاء في ضمان المجنون أو الصبي الصغير ما أتلفاه من أموال الناس على قولين: القول الأول: يجب عليهما ضمان ما أتلفاه من أموال الناس، وهو قول الحنفية (٣)

стр. 336

والمذهب عند المالكية (١) وقول الشافعية (٢) والحنابلة (٣). القول الثاني: لا يجب عليهما ضمان ما أتلفه من الأموال، وهو قول عند المالكية (٤). ثم اختلف أصحاب هذا القول في حد السن الذي يضمن فيه إذا كان صغيرا، فقيل: سنة، وقيل: سنتان، وقيل: سنة ونصف، وقيل: شهران، وقيل غير ذلك، إلا أنهم لم يذكروا الخلاف في سقوط الضمان عن ابن شهر (٥). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

стр. 337

١ - إن إيجاب الضمان على الصبي الصغير والمجنون مبني على وقوع سبب الضمان منهما، وهو الإتلاف، والإتلاف لا يتوقف على القصد، كالذي يتلف بانقلاب النائم عليه أو بسقوط الحائط المائل (١). قال الشيخ علي الخفيف: «ذلك لأن الشريعة الإسلامية تجعل الضرر علةً وسبباً للتضمين؛ فإذا وجدت العلة وجد المعلول، والإلزام في ذلك إنما هو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف، ولذا لزم ضمان من لا إدراك له في ماله» (٢). ٢ - إن الضمان جابر، والغرض من الجوابر جبر ما فات من المصالح، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثما، ولذلك شرع الجبر مع الخطأ والعمد والجهل والعلم والذكر والنسيان وعلى المجانين والصبيان (٣). وفي هذا يقول الشيخ علي الخفيف: «لأن أساس الضمان هو الجبر، لا الجزاء والعقوبة، وأريد بالجبر رفع الضرر، لعموم قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار)، ولا شك أن في إتلاف من لا تمييز له مالا لآخر إضرارا به يجب رفعه، ولا سبيل إلى رفعه إلا بإحلال مال مكافئ له محله بدلا عنه، وليس ذلك إلا بأخذه من مال من تسبب فيه، حتى تكون تبعة فعله عليه لا على غيره، ولهذا لم يفرقوا في هذا بين الخاطئ والعامد، والجاد واللاعب، والعاقل والمجنون، والبالغ والصبي» (٤).

стр. 338

أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأن المجنون والصبي الصغير ليسا بمكلفين بتوجيه الخطاب إليهما؛ فكانا كالعجماء جرحها هدر (١). القول المختار: الذي يظهر - والعلم عند الله جلّ وعلا - أن أقرب القولين إلى الصواب هو القول الأول، وذلك لما يلي: ١ - صحة ما استدل به أصحاب القول الأول. ٢ - أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بأن ضمان المتلفات من قبيل خطاب الوضع، وكلامكم في خطاب التكليف، فلا ينسحب إلى ضمان المتلفات (٢). المطلب الخامس من فروع القاعدة ذكر الفقهاء فروعا كثيرة تندرج تحت القاعدة، من أهمها ما يلي: أولا: الفروع المتعلقة بحقوق الآدميين: ١ - من قتل حيوانا غير صائل، وجب عليه ضمانه لمالكه، سواء كان عامدا أو مخطئا (٣).

стр. 339

٢ - من حرَّق ثوبا أو قطعه، وجب عليه الضمان لمالك الثوب، سواء كان عامدا أم مخطئا (١). ٣ - من أتلف شجرا لإنسان أو طعاما أو إناء، وجب عليه الضمان لمالكه، سواء كان عمدا أم خطأ (٢). ٤ - إذا أوقد نارا في يوم ريح، فأحرقت شيئا، وجب عليه ضمانه لمالكه وإن كان مخطئا (٣). ٥ - من قطع وثيقة، فضاع ما فيها من الحقوق؛ وجب عليه ضمانها، سواء فعل ذلك عمداً أم خطأ (٤). ٦ - «من ذبح مال غيره بأمره، فنسي أن يسمي الله تعالى، أو تعمد، فهو ضامن مثل الحيوان الذي أفسد لأنه ميتة» (٥). ثانيا: الفروع المتعلقة بحقوق الله: ١ - إذا اجتهد الرجل فدفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا، ثم بان له أنه غني، فالصحيح أن ذمته تبرأ ولا يلزمه ضمان تلك الزكاة (٦).

стр. 340

٢ - إذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان ناسيا أو جاهلاً أو مكرهاً، فالصحيح أنه ليس عليه قضاء ولا كفارة (١). ٣ - إذا قتل المحرم الصيد جاهلاً به أو مخطئا أو ناسيا؛ فالصحيح أن الفدية تسقط عنه (٢).

стр. 341

الفصل الثاني القواعد المتعلقة بالمباشر والمتسبب وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: المباشر ضامن وإن لم يتعمد. المبحث الثاني: قاعدة: المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد. المبحث الثالث: قاعدة المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب. المبحث الرابع: قاعدة يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبراً.

стр. 342

المبحث الأول قاعدة: المباشر ضامن وإن لم يتعمد الإتلافات التي يجب فيها الضمان إما أن تكون على سبيل المباشرة، وإما أن تكون على سبيل التسبب، وهذه القاعدة تختص بالمتلف المباشر، وسيكون الحديث عنها من خلال المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة لم أعثر - بعد البحث والتنقيب - إلا على ثلاث صيغ للقاعدة، هي من نصيب فقهاء المذهب الحنفي، وهي على النحو الآتي: أولاً: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد». ذكر هذه الصيغة العلامة ابن نجيم الحنفي (١)، ثم تبعه عليها الفقيه ابن غانم البغدادي (٢) وواضعو مجلة الأحكام العدلية (٣). ثانياً: «يضمن المباشر وإن لم يكن متعدياً». ذكر هذه الصيغة العلامة ابن نجيم الحنفي (٤). ثالثاً: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد ولم يتعدّ». ذكر هذه الصيغة الفقيه ابن غانم البغدادي (٥)، ويظهر من هذه الصيغة أنها جمعت بين الصيغتين السابقتين.

стр. 343

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة المباشر في اللغة: اسم فاعل من المباشرة، وهي مأخوذة من البشرة، والبشرة ظاهر الجلد، يقال: (باشر الرجل زوجته) إذا تمتع ببشرتها، و (باشر الرجل الأمر) إذا تولاه بنفسه (١). التعريف الاصطلاحي: ثمة تعاريف كثيرة للمباشر والمباشرة، ذكرها أهل العلم في مؤلفاتهم، وهذه التعاريف تنقسم إلى قسمين، قسم ذكر التعريف على وجه العموم دون أن يقيدها بالإتلاف، والقسم الثاني: قيد التعريف بالإتلاف، فعرّف إتلاف المباشرة، وهذا هو الأكثر، وتفصيل ذلك على النحو الآتي: القسم الأول: التعاريف التي عرّفت المباشر أو المباشرة دون أن تقيّده بالإتلاف: ١ - تعريف الشريف علي الجرجاني (٢) حيث قال: «المباشرة: كون الحركة بدون توسط فعل آخر» (٣).

стр. 344

٢ - تعريف سليم رستم باز (١) حيث قال: «المباشر: هو الذي يلي الأمر بنفسه» (٢). ٣ - تعريف الأستاذ مصطفى الزرقا حيث قال: «المباشر: هو الذي يحصل الأثر بفعله» (٣). القسم الثاني: التعاريف التي عرّفت إتلاف المباشرة، مرتبة على الترتيب المذهبي: ١ - تعريف العلامة أبو بكر الكاساني، حيث قال: «الإتلاف مباشرة: إيصال الآلة بمحل التلف» (٤). ٢ - تعريف أبي العباس الحموي، حيث قال: «المباشر: أن يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار» (٥). ٣ - تعريف مجلة الأحكام العدلية، حيث جاء في المادة (٨٨٧): «الإتلاف مباشرة: هو إتلاف الشيء بالذات» (٦).

стр. 345

٤ - تعريف سليم رستم باز، حيث قال - موضحا المادة السابقة من مجلة الأحكام العدلية -: «الإتلاف مباشرة: هو إتلاف الشيء بالذات من غير أن يتخلل بين فعل المباشر والتلف فعل آخر» (١). ٥ - تعريف علي حيدر (٢)، حيث قال: «الإتلاف مباشرة: أي الإتلاف الذي لا يتخلل بين فعل المباشر وبين تلف المال فعل آخر» (٣)، وقال في موضع آخر: «المباشر: هو الذي يحصل التلف من فعله دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر» (٤). ٦ - تعريف الدكتور وهبة الزحيلي، حيث قال: «المباشر: هو الذي حصل الضرر بفعله بلا واسطة» (٥). ٧ - تعريف العلامة أبي العباس القرافي، حيث أطلق عليه اسم (السبب) وعرفه بأنه: «ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط» (٦).

стр. 346

٨ - تعريف الفقيه أبي حامد الغزالي، حيث قال: «المباشرة: إيجاد علة التلف» (١). ٩ - تعريف العلامة عز الدين بن عبد السلام والحافظ أبو سعيد العلائي (٢) حيث قالا: «المباشرة: هي إيجاد علة الهلاك» (٣). ١٠ - تعريف العلامة أبي زكريا النووي، حيث قال: «المباشرة: هي الإتيان بما يضاف إليه الهلاك» (٤). ١١ - تعريف الخطيب الشربيني، حيث قال: «المباشرة: هي ما يؤثر في الهلاك ويحصله» (٥). هذا ما تمّ الوقوف عليه من التعريفات، وعند تأملها والنظر فيها يلاحظ عدم الاختلاف فيما بينها في حقيقة الأمر؛ إذ الكل متفق على أن المباشرة لا بدّ أن يكون التلف والأثر فيها ناتجا عن اتصال الفعل بالمحل من دون توسط فعل آخر.

стр. 347

ويتبين هذا من خلال ضرب الأمثلة التالية: فكسر الإناء يُعَدّ إتلافا مباشراً، وكذلك إحراق الثوب وقطع الشجر وهدم الدور وقتل الحيوان، كلها يعدّ إتلافا مباشرا (١)؛ لأن هذه الأفعال - كالكسر والإحراق والقطع والهدم والقتل - اتصلت بالمحل المتلَف دون دخول واسطة بينهما. يتعمد: من العمد، وقد سبق تعريفه، وملخصه: أنه في اللغة: نقيض الخطأ (٢). وفي اصطلاح الفقهاء: هو أن يقصد المتلِف الفعل المحظور ونتيجته (٣). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة وهو أن من باشر إتلافاً - بأي طريقة كانت - فإنه يضمن التلف الذي يتولد عن فعله، سواء كان عن قصد منه أم لم يكن (٤). المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة يتجلى ذلك من خلال الفروع الآتية:

стр. 348

الفرع الأول: في مباشرة الإتلاف: اتفق فقهاء الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) على أن من باشر إتلافا لمال - بأي طريقة كانت - فإنه يضمن الضرر الذي تولد عن فعله (٥). واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٦). وجه الدلالة: دلت الآية الكريمة على أن من اعتدى على مال غيره فباشر إتلافه، فإن لصاحب المال أن يأخذ منه بدله (٧). ٢ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة،

стр. 349

فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ آخر أنه قال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب الضمان على من باشر كسر الإناء. ٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) (٢). وجه الدلالة: نهى النبي ﷺ عن الضرر بالآخرين والإضرار بهم، وهذا يدل بمفهومه على أن من باشر إتلافا فإنه يضمنه تعويضا لضرره. ٤ - نقل القاضي أبو عبدالله المقري الاتفاق على وجوب الضمان على المتلف المباشر، وهذا نص كلامه: «قاعدة: تقدم أن أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف والتسبب ووضع اليد غير المؤتمنة ... وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الضمان، وهي متفق عليها» (٣). الفرع الثاني: في عدم اشتراط التعمد في وجوب الضمان على المتلف المباشر: سبق ذكر اتفاق الفقهاء على عدم اشتراط التعمد في وجوب الضمان على من باشر إتلاف مال الآدمي بغير حق، وأن العمد والخطأ في أموال الناس

стр. 350

سواء، وإنما فرقوا بينهما من جهة الإثم؛ فيأثم العامد دون المخطئ (١). يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي: «ولم أعلم بين المسلمين اختلافا أن ما كان ممنوعا أن يتلف من نفس إنسان أو طائر أو دابة أو غير ذلك مما يجوز ملكه، فأصابه إنسان عمدا، فكان على من أصابه فيه ثمن يؤدى لصاحبه، وكذلك فيما أصاب من ذلك خطأ، لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد» (٢). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر: «وكل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: الخطأ والعمد في الجنايات على أموال الناس واحد، يغرمه من أصاب من ذلك شيئاً إلا في المأثم، فإن من أخطأ فأتلف شيئاً لا مأثم عليه، وعليه الغرم، وإنما يلزم المأثم من علم الشيء فتعمده وأصابه فأتلفه، ولا يفارق أحداً من الجانبين الغرم» (٣).

стр. 351

ويقول العلامة أبو العباس القرافي: «فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه، وأن العمد والخطأ في ذلك سواء» (١). وثمة أدلة أخرى - غير ما ذكرت من الإجماع - من الكتاب والسنة، ذكرتها في قاعدة (العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء)، فليرجع إليها هناك تلافيا للتكرار (٢). على أن هذا الكلام مقيد فيما إذا كان التلف لاحقا بحقوق الآدميين، أما إذا كان في حقوق الله جلّ وعلا فإن هناك فرقا بين المتِلف العامد والمخطئ في الضمان، فمن كان عامدا وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، ومن كان مخطئا سقط عنه الضمان والإثم (٣). وقد سبق أن فصّلت القول في هذا التقييد من حيث أقوال العلماء فيه وأدلتهم والراجح منها في قاعدة «لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل» (٤)، فأغنى عن ذكرها هنا. الفرع الثالث: في هل يشترط التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر ؟: ذهب جماعة من الفقهاء إلى عدم اشتراط التعدي في وجوب الضمان على

стр. 352

المتلف المباشر، وفي هذا يقول المحدث أبو محمد الزيلعي (١): « ... وغيره تسبيب، وفيه يشترط التعدي، فصار كحفر البئر في ملكه، وفي المباشرة لا يشترط» (٢). وقال الفقيه ابن نجيم الحنفي: «يضمن المباشر وإن لم يكن متعدياً» (٣). وقال ابن غانم البغدادي: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد ولم يتعد» (٤). وقال علي حيدر في شرحه للقاعدة: «أي أنه سواء تعمد المباشر إتلاف مال الغير أم لم يتعمد يكون ضامنا، والفرق بينه وبين المتسبب هو أنه يشترط لضمان المتسبب أن يكون متعديا، والمباشر يضمن على حالين كما أسلفنا، والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (٥). وقال الأستاذ علي الخفيف: «فإذا كان الضرر نتيجة مباشرة لفعل، ألزم من أحدثه الضمان اتفاقا، سواء أكان من أحدثه معتديا فيه أو غير معتد» (٦). وقال الدكتور وهبة الزحيلي: «وفي المباشرة لا يشترط التعدي» (٧).

стр. 353

وأما تعليلهم في ذلك، فقد قال علي حيدر: «والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (١)، بينما علّل الأستاذ علي الخفيف ذلك بـ «أنه عند المباشرة تظهر بجلاء سببية الفعل للضرر دون نظر إلى فاعله وقصده، فوجب إلزامه بما يرفع هذا الضرر، لانتسابه إليه وإحداثه إياه» (٢). وذهب فريق آخر إلى اشتراط التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر، وفي ذلك يقول الشيخ أحمد الزرقا في شرحه للقاعدة: «(المباشر) للفعل، وقد تقدم بيانه في القاعدة /٨٩/، (ضامن) لما تلف بفعله إذا كان متعديا فيه» (٣). وقال ابنه الأستاذ مصطفى الزرقا: «فالفروع الفقهية تفيد أن كلاًّ من المباشرة والتسبب لضرر الغير موجب للضمان متى وجد التعدي» (٤). وقال الدكتور محمد سراج: «وبهذا فإن التعدي شرط في الإتلاف للضمان، سواء كان هذا التعدي راجعا إلى قصد الإضرار أو إلى التقصير والإهمال» (٥). وعند النظر في هذين القولين والتأمل فيهما، يظهر أنه لا خلاف بينهما، ذلك أن معنى التعدي المراد في القول الأول يختلف عنه في القول الثاني.

стр. 354

وقد بيّن ذلك الأستاذ مصطفى الزرقا ﵀ قائلا: «وأما التعدي فيستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما، وتحديد أي منهما هو المراد في هذا المقام: * فالمعنى الأول للتعدي هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم. * والمعنى الثاني الذي قد يعبر عنه بالتعدي هو العمل المحظور في ذاته شرعاً، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أم لا. فالتعدي بالمعنى الأول (التجاوز) هو المقصود هنا في هذا المقام، وهو شرط أساسي في مسئولية كل من المباشر والمتسبب على سواء. ولا يشترط لمسئولية المتعدي بهذا المعنى - مباشرا كان أو متسببا - أن يكون متعمدا، أي: قاصدا للإضرار، بل يستوي عند وجوب التعدي الخطأ والعمد. أما المعنى الثاني للتعدي (وهو العمل المحظور شرعا) فليس بشرط للمسئولية في كل من المباشر والمتسبب، بعد توافر التعدي بمعنى التجاوز إلى حق الغير أو ماله المعصوم. فقد يتحقق التعدي بهذا المعنى، ولا يكون الفعل محظوراً شرعاً، بل قد يكون واجباً ويثبت معه الضمان» (١). وإن هذا التمييز الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا جيد وواضح، وبه يرتفع التعارض بين من اشترط التعدي لوجوب الضمان على المتلف المباشر ومن لم يشترطه (٢). وحينما نظرت في كلام الذين لم يشترطوا التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر، وجدت أنهم يريدون بالتعدي أحد أمرين:

стр. 355

الأمر الأول: ما ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو العمل المحظور في ذاته شرعا، ويظهر مرادهم هذا من خلال الأمثلة التي ذكروها، ومنها: لو تطايرت شرارة من دكّان حدّاد، وهو يطرق الحديد، فحرقت لباس إنسان، لزمه ضمانه، وكذلك لو دخل شخص حانوت بقال فزلقت رجله، فسقط على إناء عسل فكسره، فإنه يضمن (١). الأمر الثاني: التعمد، ويظهر مرادهم من خلال الآتي: أولاً: ذكرهم للتعدي في مقابلة عدم التعمد، كما في قول علي حيدر: «والفرق بينه وبين المتسبب هو أنه يشترط لضمان المتسبب أن يكون متعديا، والمباشر يضمن على حالين كما أسلفنا، والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (٢). ثانياً: الأمثلة التي ذكروها، ومنها: أن المجنون يضمن في ماله ما أتلفه بفعله، وكذلك الصبي، والنائم إذا انقلب على مال فأتلفه (٣). وأما من اشترط التعدي فإنما أراد المعنى الأول الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو «المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم»، كما يظهر من أمثلتهم التي ضربوها، ومنها: لو سقط من ظهر الحمال شيء فأتلف مال أحد ضمن الحمال، وكذلك لو أتلف إنسان مال غيره يظنه مال نفسه فإنه يضمن (٤).
следующие страницы →