← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ويقول العلامة أبو العباس القرافي: «فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه، وأن العمد والخطأ في ذلك سواء» (١). وثمة أدلة أخرى - غير ما ذكرت من الإجماع - من الكتاب والسنة، ذكرتها في قاعدة (العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء)، فليرجع إليها هناك تلافيا للتكرار (٢). على أن هذا الكلام مقيد فيما إذا كان التلف لاحقا بحقوق الآدميين، أما إذا كان في حقوق الله جلّ وعلا فإن هناك فرقا بين المتِلف العامد والمخطئ في الضمان، فمن كان عامدا وجب عليه الضمان وحلَّ عليه الإثم، ومن كان مخطئا سقط عنه الضمان والإثم (٣). وقد سبق أن فصّلت القول في هذا التقييد من حيث أقوال العلماء فيه وأدلتهم والراجح منها في قاعدة «لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل» (٤)، فأغنى عن ذكرها هنا. الفرع الثالث: في هل يشترط التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر ؟: ذهب جماعة من الفقهاء إلى عدم اشتراط التعدي في وجوب الضمان على

стр. 352

المتلف المباشر، وفي هذا يقول المحدث أبو محمد الزيلعي (١): « ... وغيره تسبيب، وفيه يشترط التعدي، فصار كحفر البئر في ملكه، وفي المباشرة لا يشترط» (٢). وقال الفقيه ابن نجيم الحنفي: «يضمن المباشر وإن لم يكن متعدياً» (٣). وقال ابن غانم البغدادي: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد ولم يتعد» (٤). وقال علي حيدر في شرحه للقاعدة: «أي أنه سواء تعمد المباشر إتلاف مال الغير أم لم يتعمد يكون ضامنا، والفرق بينه وبين المتسبب هو أنه يشترط لضمان المتسبب أن يكون متعديا، والمباشر يضمن على حالين كما أسلفنا، والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (٥). وقال الأستاذ علي الخفيف: «فإذا كان الضرر نتيجة مباشرة لفعل، ألزم من أحدثه الضمان اتفاقا، سواء أكان من أحدثه معتديا فيه أو غير معتد» (٦). وقال الدكتور وهبة الزحيلي: «وفي المباشرة لا يشترط التعدي» (٧).

стр. 353

وأما تعليلهم في ذلك، فقد قال علي حيدر: «والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (١)، بينما علّل الأستاذ علي الخفيف ذلك بـ «أنه عند المباشرة تظهر بجلاء سببية الفعل للضرر دون نظر إلى فاعله وقصده، فوجب إلزامه بما يرفع هذا الضرر، لانتسابه إليه وإحداثه إياه» (٢). وذهب فريق آخر إلى اشتراط التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر، وفي ذلك يقول الشيخ أحمد الزرقا في شرحه للقاعدة: «(المباشر) للفعل، وقد تقدم بيانه في القاعدة /٨٩/، (ضامن) لما تلف بفعله إذا كان متعديا فيه» (٣). وقال ابنه الأستاذ مصطفى الزرقا: «فالفروع الفقهية تفيد أن كلاًّ من المباشرة والتسبب لضرر الغير موجب للضمان متى وجد التعدي» (٤). وقال الدكتور محمد سراج: «وبهذا فإن التعدي شرط في الإتلاف للضمان، سواء كان هذا التعدي راجعا إلى قصد الإضرار أو إلى التقصير والإهمال» (٥). وعند النظر في هذين القولين والتأمل فيهما، يظهر أنه لا خلاف بينهما، ذلك أن معنى التعدي المراد في القول الأول يختلف عنه في القول الثاني.

стр. 354

وقد بيّن ذلك الأستاذ مصطفى الزرقا ﵀ قائلا: «وأما التعدي فيستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما، وتحديد أي منهما هو المراد في هذا المقام: * فالمعنى الأول للتعدي هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم. * والمعنى الثاني الذي قد يعبر عنه بالتعدي هو العمل المحظور في ذاته شرعاً، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أم لا. فالتعدي بالمعنى الأول (التجاوز) هو المقصود هنا في هذا المقام، وهو شرط أساسي في مسئولية كل من المباشر والمتسبب على سواء. ولا يشترط لمسئولية المتعدي بهذا المعنى - مباشرا كان أو متسببا - أن يكون متعمدا، أي: قاصدا للإضرار، بل يستوي عند وجوب التعدي الخطأ والعمد. أما المعنى الثاني للتعدي (وهو العمل المحظور شرعا) فليس بشرط للمسئولية في كل من المباشر والمتسبب، بعد توافر التعدي بمعنى التجاوز إلى حق الغير أو ماله المعصوم. فقد يتحقق التعدي بهذا المعنى، ولا يكون الفعل محظوراً شرعاً، بل قد يكون واجباً ويثبت معه الضمان» (١). وإن هذا التمييز الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا جيد وواضح، وبه يرتفع التعارض بين من اشترط التعدي لوجوب الضمان على المتلف المباشر ومن لم يشترطه (٢). وحينما نظرت في كلام الذين لم يشترطوا التعدي في وجوب الضمان على المتلف المباشر، وجدت أنهم يريدون بالتعدي أحد أمرين:

стр. 355

الأمر الأول: ما ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو العمل المحظور في ذاته شرعا، ويظهر مرادهم هذا من خلال الأمثلة التي ذكروها، ومنها: لو تطايرت شرارة من دكّان حدّاد، وهو يطرق الحديد، فحرقت لباس إنسان، لزمه ضمانه، وكذلك لو دخل شخص حانوت بقال فزلقت رجله، فسقط على إناء عسل فكسره، فإنه يضمن (١). الأمر الثاني: التعمد، ويظهر مرادهم من خلال الآتي: أولاً: ذكرهم للتعدي في مقابلة عدم التعمد، كما في قول علي حيدر: «والفرق بينه وبين المتسبب هو أنه يشترط لضمان المتسبب أن يكون متعديا، والمباشر يضمن على حالين كما أسلفنا، والسبب في ذلك أن المباشرة هي علة مستقلة وسبب للتلف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد» (٢). ثانياً: الأمثلة التي ذكروها، ومنها: أن المجنون يضمن في ماله ما أتلفه بفعله، وكذلك الصبي، والنائم إذا انقلب على مال فأتلفه (٣). وأما من اشترط التعدي فإنما أراد المعنى الأول الذي ذكره الأستاذ مصطفى الزرقا، وهو «المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم»، كما يظهر من أمثلتهم التي ضربوها، ومنها: لو سقط من ظهر الحمال شيء فأتلف مال أحد ضمن الحمال، وكذلك لو أتلف إنسان مال غيره يظنه مال نفسه فإنه يضمن (٤).

стр. 356

الفرع الرابع: في بيان خطأ لفظي في بعض صيغ القاعدة: جاء في بعض صيغ القاعدة لفظ «وإن لم يتعمد»، وحيث إن التعمد ليس بشرط في وجوب الضمان على المتلف المباشر أو المتسبب، فلا داعي لنفيه في صيغة القاعدة. قال الأستاذ مصطفى الزرقا: «والواقع أن التعمد (بمعنى ضد الخطأ) ليس شرطا لضمان المتسبب ولا لضمان المباشر، فلا ينبغي تخصيص المباشر فقط بنفي اشتراط التعمد فيه» (١). ويقول الدكتور وهبة الزحيلي: «والأصح أن يقال في هذه القاعدة: (وإن لم يتعد)؛ إذ لا عبرة للقصد الجنائي في ضمان الأموال، وان الخطأ والعمد فيها سواء، ولذا فيلزم بالتضمين من لا قصد له كالصبي والمجنون؛ إذ لا يتصور منهما قصد ولا عمد» (٢). الفرع الخامس: في شروط القاعدة: يشترط لإيجاب الضمان على المتلف المباشر ما يأتي: ١ - أن يكون المتلف مباشرا للضرر دون أن يتوسط بينهما فعل آخر يتسبب عنه الضرر، وذلك كما بينته في الفرع الأول. أما إذا كان المتلف متسببا فهذا سيكون بحثه في القاعدة الثانية من هذا الفصل - إن شاء الله تعالى -.

стр. 357

وأما إذا توسط بين فعل المباشر والضرر فعل آخر فهذا سيكون بحثه في القاعدة الثالثة من هذا الفصل - إن شاء الله تعالى -. ٢ - أن يكون المتلف المباشر متعديا في إتلافه، والمراد بالتعدي هنا: المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم، كما أوضحته في الفرع الثالث. ومن التعدي: ألا يكون الفعل مما أذن فيه الشارع أو المالك، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بيان لهذه المسألة في قاعدة (الجواز الشرعي ينافي الضمان) (١)، وقاعدة (إذن المالك في التصرفات يسقط الضمان) (٢). الفرع السادس: في تعدد المباشرين: إذا اشترك أكثر من واحد في مباشرة التلف؛ تحمّل كل واحد من المباشرين الضمان بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استووا في نسبة التأثير أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهم فالضمان منقسم عليهم بالتساوي (٣). المطلب الخامس من فروع القاعدة تندرج تحت القاعدة فروع كثيرة، منها ما يأتي:

стр. 358

١ - إذا أتلف أحد مال غيره الذي في يده أو في يد أمينة قصدا أو من غير قصد، فإنه يكون ضامنا (١). ٢ - إذا دخل شخص حانوت بقال، فزلقت رجله فسقط على إناء عسل فكسره، فإنه يضمن (٢). ٣ - إذا تطايرت شرارة من دكان حداد وهو يطرق الحديد، فحرقت لباس إنسان، لزمه ضمانه (٣). ٤ - إذا تطايرت قطعة حطب، والحطاب يكسر الحطب، فكسرت زجاج نافذة دار الجار، يكون الحطاب ضامنا (٤). ٥ - إذا أطلق شخص عيارا نارياً فأتلف مالاً لآخر، لزمه الضمان (٥). ٦ - إذا استأجر شخص إنسانا لأن يهدم له حائطا، فوقع من الحائط حجر فأصاب شخصا، فتجب الدية على العامل (٦). ٧ - إذا أتلف إنسان مال غيره يظنه مال نفسه، فإنه يضمن (٧).

стр. 359

٨ - لو سقط من ظهر الحمال شيء، فأتلف مال أحد، لزم الحمال الضمان (١). ٩ - إذا انقلب نائم أو صغير على مال لغيره فأتلفه، فإنه يضمن (٢). ١٠ - إذا رمى سهماً إلى هدف في ملكه، فتجاوزه وأتلف شيئاً لغيره، لزمه الضمان (٣). ١١ - إذا حرق صك رجل أو دفتر حسابه، وجب عليه ضمانه (٤). ١٢ - إذا صدمت سيارة سائرة سيارة واقفة في ملك صاحبها أو خارج طريق السيارات أو على جانب طريق واسع؛ ضمن سائق السائرة ما تلف في الواقفة من نفس ومال بصدمته؛ لأنه باشر الإتلاف (٥).

стр. 360

المبحث الثاني قاعدة: المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد ذكرت - فيما سبق - أن الإتلافات التي يجب فيها الضمان إما أن تكون على سبيل المباشرة، وإما أن تكون على سبيل التسبب، وقد تناولت في القاعدة السابقة الحديث عن المتلف المباشر، وفي هذه القاعدة سأتناول الحديث عن المتلف المتسبب، وذلك في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة لقد اهتم علماؤنا بهذه القاعدة اهتماما كبيرا، وذكروا لها النصوص الفقهية والصيغ الكلية، وقد كان لفقهاء الحنفية النصيب الأوفر في الاهتمام بهذه القاعدة والعناية بها، وبعد البحث والتنقيب يسّر الله لي الوقوف على طائفة من هذه الصيغ والنصوص الفقهية، أذكرها مرتبة حسب الترتيب المذهبي: أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو بكر الجصاص (١): «كل من صحّت شهادته لزمه الضمان عند الرجوع» (٢).

стр. 361

مثاله: أن يشهد رجلان عند القاضي أن عبد محمد سرق مال خالد، فيأمر القاضي بقطع يد العبد، ثم يرجع الشاهدان في شهادتهما، فهنا يجب على الشاهدين ضمان يد العبد لسيده؛ لأنهما تسببا في إتلاف يده بشهادتهما. ٢ - قال أبو بكر السرخسي: «الإتلاف الحكمي في حكم الضمان كالإتلاف الحقيقي» (١). ومراده بالإتلاف الحكمي الإتلاف بالتسبب، وبالإتلاف الحقيقي الإتلاف بالمباشرة، كما يعرف من سباق الكلام وسياقه (٢). ٣ - وقال أبو بكر السرخسي أيضا: «الإتلاف المسبب إذا كان متعديا يجعل كالمباشر في حكم الضمان» (٣). ٤ - وقال أيضا: «التسبب إذا كان تعديا يكون موجبا للضمان» (٤). ٥ - وقال أيضا: «السبب متى كان بطريق التعدي فهو كالمباشرة في إيجاب الضمان» (٥). ٦ - وقال أيضا: «المسبب إذا لم يكن متعديا لا يكون ضامنا» (٦). ٧ - قال قاضيخان: «التسبيب بصفة التعدي ملحق بالمباشرة في إيجاب الضمان عليه» (٧).

стр. 362

٨ - قال أبو الحسن المرغيناني: «التسبيب بوصف التعدي سبب للضمان» (١). ٩ - قال محمود العيني: «التسبب بطريق التعدي من أسباب الضمان» (٢). ١٠ - قال ابن نجيم: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب لا، إلا إذا كان متعمداً» (٣). ١١ - قال ابن غانم البغدادي: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب لا إلا إذا كان متعدياً» (٤). ١٢ - وقال ابن غانم البغدادي أيضا: «المتسبب لا يضمن إلا أن يتعدى» (٥). ١٣ - قال ابن عابدين (٦): «المتسبب ضامن إذا كان متعدياً» (٧). ١٤ - جاء في مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد» (٨).

стр. 363

١٥ - قال محمود حمزة: «كل مسبب لم يطرأ عليه مباشر كان عليه الضمان» (١). ١٦ - وقال محمود حمزة أيضا: «يضاف الفعل إلى المسبب إن لم يتخلل واسطة» (٢). ثانياً: المذهب الشافعي: قال أبو الحسن الماوردي: «كل إتلاف ضمن بالمباشرة ضمن بالشهادة» (٣). ثالثاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «يجب الضمان بالسبب كما يجب بالمباشرة» (٤). ٢ - وقال أبو محمد ابن قدامة أيضا: «كل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع فإنه يوزع بينهم على عددهم» (٥). ٣ - وقال ابن قيم الجوزية: «إتلاف المتسبب كإتلاف المباشر في أصل الضمان» (٦). ٤ - وقال ابن قيم الجوزية أيضا: «من تسبب إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه» (٧).

стр. 364

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة المتسبب في اللغة: اسم فاعل من التسبب، والسبب هو عبارة عن كل شيء يتوصل به إلى غيره، ومنه سمي كل من الحبل والباب والحياة سببا (١). التعريف الاصطلاحي: ذكر الفقهاء تعريفات كثيرة لمصطلح التسبب والمتسبب، أذكر أهمّ ما وقفت عليه منها مرتبة حسب الترتيب المذهبي. أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو بكر الكاساني في تعريفه: «التسبب: الفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة» (٢). ٢ - قال أبو العباس الحموي في تعريفه: «حد المتسبب: هو الذي حصل التلف بفعله وتخلل بين فعله والتلف فعل مختار» (٣). ٣ - جاء تعريفه في مجلة الأحكام العدلية: «الإتلاف تسببا: هو التسبب لتلف شيء، يعني: إحداث أمر في شيء يفضي إلى تلف شيء آخر على جري العادة» (٤). ٤ - قال مصطفى الزرقا في تعريفه: «المتسبب في حادثة: هو الذي يفعل ما يؤدي إليها، ولا يباشرها مباشرة» (٥). ٥ - قال وهبة الزحيلي في تعريفه: «المتسبب: هو الذي يحدث أمراً يؤدي إلى تلف شيء آخر حسب العادة» (٦).

стр. 365

ثانياً: المذهب المالكي: قال القرافي في تعريفه: «التسبب: ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى، إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة» (١). ثالثاً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو حامد الغزالي في تعريفه: «حد السبب: إيجاد ما يحصل الهلاك عنده، لكن بعلة أخرى، إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة» (٢). ٢ - قسم بعض الشافعية التسبب إلى قسمين: أحدهما: السبب: «وهو ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله». ومثاله: إذا شهد بالزور على عبد فقتل بشهادته أو رجم في الحد بشهادته، فهنا الشهادة أثرت في قتل المشهود عليه، مع أن القتل لم يحصل بها، وإنما حصل بحكم الحاكم. والثاني: الشرط: «وهو ما لا يؤثر في الهلاك ولا يحصله، بل يحصل التلف عنده بغيره، ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه». ومثاله: حفر الحفرة مع التردي فيها، فهنا لم يؤثر الحفر في التلف ولم يحصله، وإنما أثر التخطي في صوب الحفرة، والمحصل للتلف التردي فيها ومصادمتها، لكن لولا الحفر لما حصل التلف، ولهذا سمي شرطا (٣).

стр. 366

رابعاً: المذهب الحنبلي: جاء في مجلة الأحكام الشرعية تعريف الإتلاف بالتسبب بما نصه: «الإتلاف تسببا: هو فعل ما يفضي عادة إلى الإتلاف دون أن يتخلل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه» (١). وهذه التعريفات - وإن اختلفت في ألفاظها إلا أنها - متفقة في المضمون والمعنى، مؤداها: أن يفعل المرء شيئاً يؤدي إلى الإتلاف عادة بواسطة فعل آخر متوسط بين الفعل الأول (السبب) والإتلاف الحادث، بحيث يكون الفعل الأول (السبب) هو المقتضي لوقوع الإتلاف بذلك الفعل (الواسطة). كما في عملية حفر البئر؛ فإن حفر البئر في الطريق تسبب إلى إتلاف الساقط بها، فالتلف لم يحدث بحقيقة الفعل وهو الحفر؛ لأن الحفر اتصل بالأرض ولم يتصل بالساقط في البئر، وإنما حصل التلف بمشي الساقط إلى الحفر، فكانت الحفرة سببا للتلف ومؤثرة في حصوله (٢). ويتضح من تعريفات العلماء للتسبب أنه يشترط أن يكون السبب مما شأنه عادة أن يفضي غالبا للإتلاف، بمعنى أن يكون التلف الذي حصل نتيجة عادية منتظرة من ذلك الفعل (التسبب)، كما يفيده تعريف القرافي (٣)، ولهذا احترز الغزالي في تعريفه بقوله: «إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة» (٤)، عما

стр. 367

إذا كان حدوث المقتضي للتلف مع تقدير ذلك الفعل نادراً، فإنه لا يعد سببا (١)، كمن حفر بئراً في الصحراء بعيدا عن الطرق والمسالك، فإنه لا تسبيب حينئذ؛ لأن الوقوع فيها أمر نادر مع سعة الصحراء، وبعد البئر عن الطرق (٢). وأراد الغزالي بقوله: «مما يقصد»: كون شأنه أن يحصل ويتوقع معه علة التلف، بأن يكون وجودها معه كثيرا (٣)، لا أن يقصد المتسبب وقوع التلف؛ لأن المتسبب قد يقصد وقوع التلف مع أنه يضمن قطعا (٤). أقسام التسبب: هناك تقسيمان للتسبب، هما كما يأتي: أولاً: قسم بعض علماء الشافعية التسبب باعتبار توليده للمباشرة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التسبب الذي يولد المباشرة توليدا حسيا، كالإكراه على الإتلاف. القسم الثاني: التسبب الذي يولد المباشرة توليدا شرعيا، كمن شهد زورا على عبد فقتل بشهادته. القسم الثالث: التسبب الذي يولد المباشرة توليدا عرفيا كتقديم طعام مسموم لمن يأكله (٥).

стр. 368

ثانياً: قسم بعض الباحثين (١) التسبب باعتبار الفعل وعدمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التسبب بالفعل: ومثاله: ما لو نخس إنسان دابة آخر، فنفحت برجلها فأضرت بمال أو نفس، أو حفر حفرة في الطريق العام بدون إذن ولي الأمر فوقع فيها حيوان، أو فتح باب بيت غيره فتركه مفتوحا فسرق اللصوص ما به، أو طرح قمامات وقشور بطيخ في الطريق فزلق به عبد (٢). القسم الثاني: التسبب بعدم الفعل. ومثاله: لو أصيبت شاة فأراد صاحبها ذبحها قبل أن تموت ولا مدية (٣) معه، وكان مع غيره مدية فطلبها من صاحبها، فامتنع عن إعطائه حتى ماتت الشاة، يكون صاحب المدية ضامنا قيمة الشاة؛ لأنه امتنع عن بذل واجب، وتسبب بامتناعه في تلف الشاة (٤). وكذلك إذا أرسل القاضي أعوانه ليطلبوا من المدعى عليه الحضور إلى مجلس القضاء فامتنع من الحضور؛ فحينئذ ينظر: فإن كان المدعي هو الذي دفع أجرة الأعوان ليحضروا الخصم بأمر القاضي، فامتنع عن الحضور يكون الخصم ضامنا أجرة الأعوان؛ لأنه قد تسبب بامتناعه هذا في إتلاف الأجرة وضياعها على المدعي (٥).

стр. 369

القسم الثالث: التسبب بالتقصير. ومثاله: ما لو حفر شخص حفرة في الطريق العام بإذن ولي الأمر، ولكنه أهمل بعض القيود، فلم يضع مثلا حواجز حول الحفرة، فوقع فيه حيوان فتلف (١). ويمكن إرجاع هذه الأقسام الثلاثة إلى قسمين هما: الأول: التسبب بالفعل، ويسمى بالتسبب الإيجابي، وهو: أن يعمل الشخص عملا فينشأ عنه التلف. والثاني: التسبب بعدم الفعل، أي: التسبب بالترك، ومنه: التسبب بالتقصير، ويسمى التسبب السلبي، وهو: أن يهمل الشخص القيام بعمل مطلوب منه فيقع التلف. المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة وهو أن من تسبب في إتلاف مال أو نفس؛ وجب عليه ضمان ما تسبب في إتلافه، بشرط أن يكون متعديا (٢). المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة وهذا يتبين من خلال الفروع الآتية:

стр. 370

الفرع الأول: في وجوب الضمان على المتسبب بالإتلاف: اتفق فقهاء الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) - من حيث الجملة - على أن من تسبب في إتلاف شيء، وجب عليه ضمان ما تسبب في إتلافه، إذا كان متعديا. لكنهم اختلفوا في تقدير وجود التسبب وعدمه في بعض المسائل الفقهية؛ فمنهم من رأى وجود التسبب، ومنهم من لم يره. واستدلوا على وجوب الضمان على المتلف المتسبب بما يأتي: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على أن من اعتدى على مال غيره ... - ومنه الإتلاف تسببا - فإن لصاحب المال أن يأخذ منه بدله (٦).

стр. 371

٢ - عن البراء بن عازب ﵁ أن ناقة له دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ألزم أصحاب المواشي بضمان ما أتلفته مواشيهم ليلا، ومعلوم أن أصحاب المواشي لم يباشروا الإتلاف هنا، وإنما تسببوا في ذلك بإهمالهم لمواشيهم، فدل ذلك على وجوب الضمان على من تسبب بالإتلاف إذا كان معتدياً. ٣ - عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن الضرر والإضرار بالآخرين، وهذا يقتضي أن من تعدى في شيء فتسبب في إتلاف نفس أو مال، فإن الضمان يجب عليه. ٤ - حكى بعض العلماء الاتفاق على أن إتلاف المتسبب موجب للضمان، يقول العلامة أبو العباس القرافي: «وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان» (٣). وقال القاضي أبو عبد الله المقري: «قاعدة: تقدم أن أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف والتسبب ووضع اليد غير المؤتمنة ... وعلى هذه القاعدة تتخرج فورع

стр. 372

الضمان، وهي متفق عليها» (١). ٥ - إن التسبب ليس بالعلة المستقلة، لوجود فعل آخر مفضٍ إلى التلف فاصل بينه وبين التلف، مع تراخٍ للتلف عن الفعل المسبب، فاقتضى أن يقترن بالعمل المسبب صفة عداء ليكون موجبا للضمان (٢). الفرع الثاني: في المراد بالتعدي المشترط في وجوب الضمان على المتلف المتسبب: ذكرت - في الفرع الأول - اتفاق الفقهاء على اشتراط التعدي لوجوب الضمان على المتلف المتسبب، كما ذكرت الأدلة التي استدلوا بها. أما المراد بالتعدي المشترط هنا فهو أن «التعدي يستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما، وتحديد أي منهما هو المراد في هذا المقام: * فالمعنى الأول للتعدي هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم؟ * والمعنى الثاني الذي قد يعبر عنه بالتعدي هو العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أم لا. فالتعدي بالمعنى الأول (التجاوز) هو المقصود هنا في هذا المقام، وهو شرط أساسي في مسئولية كل من المباشر والمتسبب على سواء. ولا يشترط لمسئولية المتعدي بهذا المعنى مباشرا كان أو متسبباَ، أن يكون متعمداً، أي: قاصدا للإضرار، بل يستوي عند وجود التعدي الخطأ والعمد.

стр. 373

أما المعنى الثاني للتعدي - وهو العمل المحظور شرعا - فليس بشرط للمسئولية في كل من المباشر والمتسبب، بعد توافر التعدي بمعنى التجاوز إلى حق الغير أو ماله المعصوم، فقد يتحقق التعدي بهذا المعنى ولا يكون الفعل محظورا شرعاً، بل قد يكون واجبا ويثبت معه الضمان» (١). «على أنه قد يقول متسائل: فما الفرق عندئذ بين التسبب والمباشرة في المسئولية، فإن المشهور لدى كل من كتبوا من المعاصرين في هذا الموضوع أن التعدي شرط في التسبب لا في المباشرة؟ (٢). فالجواب: أنه عند انفراد أحدهما - تسببا كان أو مباشرة - يكون فاعله مسئولا بالضمان بشرط التعدي، وإنما الفرق بينهما عند اجتماعها، فإذا اجتمع المباشر والمتسبب وكل منهما متعدٍّ فالمباشر هو الضامن» (٣)، على تفصيل في ذلك، كما سيأتي في دراسة القاعدة الآتية.

стр. 374

الفرع الثالث: في عدم اشتراط التعمد في وجوب الضمان على المتلف المتسبب: بينت - فيما سبق (١) - اتفاق الفقهاء على عدم اشتراط التعمد في وجوب الضمان على المتلف، سواء كان مباشرا أم متسببا، وأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، وإنما فرقوا بين المتعمد والمخطئ من جهة الإثم، فيأثم المتعمد دون المخطئ (٢). وهذا فيما إذا كان التلف لاحقاً بحقوق الآدميين، أما إذا كان في حقوق الله ... - جل وعلا - فإن هناك فرقا بين المتلف العامد والمخطئ في الضمان، فإذا كان عامدا وجب عليه الضمان وحل عليه الإثم، وإذا كان مخطئا سقط عنه الضمان والإثم (٣). وقد سبق إيضاح هذا التقييد بأوسع من هذا؛ فليرجع إليه (٤).

стр. 375

الفرع الرابع: في بيان خطأ لفظي في بعض صيغ القاعدة: جاء في بعض صيغ القاعدة اشتراط التعمد في وجوب الضمان على المتلف المتسبب، كما في صيغة ابن نجيم (١) ومجلة الأحكام العدلية (٢)، وهذا خطأ واضح؛ إذ التعمد ليس بشرط في وجوب الضمان على المتلف المتسبب - كما بينت ذلك في الفرع السابق -، وإنما يشترط التعدي لوجوب الضمان على المتلف المتسبب - كما سبق -، وكما جاء في بعض الصيغ الأخرى. «ويلاحظ أن شراح المجلة تداركوا عمليا هذا الإيهام في عبارتها، بأن قرنوا التعمد بالتعدي كشرط لتضمين المتسبب» (٣). وقد نبه على هذا الخطأ الأستاذ مصطفى الزرقا حيث يقول: «جاء في المجلة (م/٩٣): (المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد)، لكن الفروع الفقهية تفيد أن كلا من المباشرة والتسبب في ضرر الغير موجب للضمان متى وجد فيه التعدي ... سواء أقصد الفاعل الفعل أو الضرر .. أم لم يقصد، فلو صاح المجنون بدابة أحد حتى جفلت وأضرت بمال أو نفس كان ضامنا في ماله وإن لم يستحق عقوبة، مع أنه في ذلك متسبب تسببا وليس مباشرا، ولا يعتبر له قصد إلى فعل ... أو ضرر، يتضح من ذلك أن التعبير بلفظ التعمد الوارد في المجلة (م/٩٣) إنما المراد به معنى التعدي لا معنى القصد، وهو تعبير غير سديد .. لأنه موهم» (٤).

стр. 376

وتبعه على ذلك كل من: أولاً: الدكتور وهبة الزحيلي حيث يقول: «والأصح أن يقال في هذه القاعدة - كما ذكرنا فيما قبلها -: (إلا بالتعدي)؛ وذلك لأن شرط تضمين المتسبب هو وجود التعدي، سواء أكان بقصد أم لا» (١). ثانياً: الدكتور محمد سراج حيث يقول: «وعلى الرغم من وضوح اعتبار الخطأ والإهمال والتقصير في وجوب الضمان، فقد أخطأ القائمون على مجلة الأحكام العدلية خطأ جوهريا في فهم الأصول العامة للضمان، حين نصوا على اشتراط التعمد في التسبب لإيجاب الضمان، فقد جاء في المادة (٩٢) من هذه المجلة أن (المباشر ضامن وإن لم يتعمد)، وفي المادة (٩٣) أن (المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد)، ويفيد الحصر بالنفي و (إلا) في المادة الأخيرة أن المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد، وهو خلاف ما يدل عليه واجب العناية بحقوق الغير في الشريعة، كما أنه يناقض الحكم بالضمان في كثير من الفروع الفقهية التي ذكرها علماء المذهب الحنفي أنفسهم، كما في ضمان الحداد والموقد للنار في ملكه مما سبق ذكره قبل قليل. وهناك احتمالان في تفسير سبب الوقوع في هذا الخطأ: أولهما: متابعة خطأ كتابي وقع في بعض الكتب السابقة، كأشباه ابن نجيم التي وردت فيه القاعدة نفسها بلفظ: «المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب لا، إلا إذا كان متعمداً» (٢)، ومع ذلك فقد تعاقب شراح المجلة على ترديد الخطأ نفسه، دون تقدير منهم لآثاره على مفهوم الضمان وتناقضه مع ما أوردوه هم من فروع.

стр. 377

والثاني: متابعة خطأ وقع فيه بعض المتقدمين في تفسير مذهب الإمام أبي حنيفة في تضمين المتسبب، خاصة وأن إمام المذهب لا يرى تضمين المتسبب إلا في تلك الأحوال التي يبلغ الخطأ فيها من الجسامة مبلغا يقربه من العمد. سواء وقع هذا الخطأ مجاراة لخطأ كتابي أو علمي «فإن هذه القاعدة تجب قراءتها على أن المتسبب لا يضمن (إلا إذا كان متعديا) طبقا لما ورد في مجمع الضمانات (١)» (٢). ثالثاً: القاضي محمد تقي العثماني حيث يقول: «وقد وقع هنا تسامح في التعبير في مجلة الأحكام العدلية، حيث ذكرت هذه القاعدة في المادة (٩٣) بلفظ «المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد»، وهذا خلاف ما ذكره جمهور الفقهاء؛ فإن تعمد الإضرار ليس بشرط لتضمين المسبب، لذلك من حفر بئراً في غير ملكه، وسقط فيها رجل؛ فإن الحافر ضامن، ولو لم يحفرها بنية أن يتردى فيها رجل، فالصحيح من عبارة هذه القاعدة ما ذكرنا من أن المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي، ولو لم يكن متعمدا بالضرر أو بالتعدي» (٣). الفرع الخامس: في شروط القاعدة: اشترط العلماء لوجوب الضمان على من تسبب في التلف الشروط التالية: أولاً: أن يقع الفعل الذي أدى إلى التلف على وجه التعدي، فلو حفر أحد بئرا في غير ملكه وبلا إذن صاحب الأرض، فوقع فيها حيوان وتلف، ضمن

стр. 378

لتعديه في الحفر الذي أدى إلى تلف الحيوان، أما إذا كان الحفر في أرضه أو بإذن صاحب الأرض فلا ضمان عليه لعدم التعدي (١). وقد مضى الكلام على هذا الشرط بأوسع مما هنا، كما في الفرعين الأول والثاني. ثانياً: «أن تتحقق السببية بين الفعل المسبب والتلف، وذلك بأن يؤدي الفعل المسبب إلى التلف غالبا على جري العادة، فإذا حفر شخص حفرة صغيرة لا يموت ما يقع فيها عادة، فوقع فيها حيوان ومات فلا ضمان؛ لأن حدوث التلف إذا كان نادرا أو وقع مصادفة فإنه لا يعد سبباً» (٢). ثالثاً: «أن لا يكون الفعل الفاصل بين الفعل المتسبب والتلف مانعا من نسبة ذلك التلف إليه، فإذا منع من نسبته إليه فإنه لا يضمن، فمن حفر حفرة في طريق فسقط فيها حيوان فتلف أو ألقت الريح فيها حيواناً فتلف، ضمن قيمة هذا الحيوان، لتعديه بالحفر وتسببه في الإتلاف، وعدم امتناع نسبته إليه حينئذ بسقوط الحيوان بفعله أو بفعل الريح.

стр. 379

أما لو عمد إنسان إلى حيوان أو متاع فأسقطه في تلك الحفرة فتلف لم يضمن الحافر، وضمن المسقط، وذلك لحدوث ما يمنع نسبة الإتلاف إلى الحافر حينئذ، وهو إسقاط المسقط؛ إذ إنه بمباشرته الإسقاط أحدث فعلا تمتنع به نسبة التلف إلى حافر الحفرة وينسب إلى المسقط» (١). ويتصل بهذا الشرط قاعدة «المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب»، وقد استثنى الفقهاء منها بعض المسائل، وسأبين ذلك في القاعدة القادمة - إن شاء الله تعالى -. الفرع السادس: في تعدد أسباب الضمان: إذا اجتمع أكثر من سبب في إحداث التلف، وكانت كلها من قبيل الإتلاف بالتسبب، وتوفر فيها الشرطان الآتيان: الأول: أن تقع جميع الأسباب على وجه التعدي. والثاني: أن تقع جميع الأسباب عمن هو أهل للضمان. فلا يخلو الأمر من حالين: الحال الأولى: أن تتساوى الأسباب في قوة التأثير في الإتلاف ، فيكون الضمان على فاعل السبب الأسبق في إحداث التلف لا في الوجود (٢). مثاله: لو حفر شخص بئرا في الطريق بغير إذن الحاكم، أو في ملك غيره بغير إذنه، ووضع بعد ذلك شخص آخر حجرا إلى جانب تلك البئر، فعثرت دابة

стр. 380

بالحجر ووقعت في البئر؛ فالضمان على واضع الحجر؛ لأنه بمنزلة الدافع، وإذا اجتمع الحافر والدافع فالضمان على الدافع وحده (١). وكذلك الحكم فيما لو تقدم جناية الحفر، كما لو نصب شخص سكينا في قعر البئر، فسقط فيها حيوان من غير عثار، فأصابه السكين فمات؛ فالضمان على الحافر لا على ناصب السكين؛ لأن الحافر أسبق السببين في إحداث التلف، ولولاه لما وقع على السكين، فكان بمنزلة الدافع (٢). الحال الثانية: أن تتفاوت الأسباب في قوة التأثير في الإتلاف ، فيكون الضمان على فاعل السبب الأقوى تأثيرا بغض النظر عن السبب السابق منها (٣). وقد جاء ما يؤيده في المادة (١٤٣٢) من مجلة الأحكام الشرعية، ما نصه: «إذا اجتمع سببان أحدهما أخص اختص الضمان بصاحبه» (٤). مثاله: «لو قيد أحد فرسه ووضعها في اصطبله وأقفل عليها الباب، فجاء رجل وفك قيد الفرس، وترك الباب مقفلا، وجاء آخر وفتح الباب فخرج الفرس فارّا وضاع، كان الضمان على فاتح الباب؛ لأن فتح الباب سبب قوي لفرار الحيوان؛ لأن الفرس لا يمكنها الفرار ولو رفع القيد ما دام الباب مقفلا، أما بعد فتح الباب فيمكنها الفرار ولو كانت مربوطة» (٥).

стр. 381

وكذلك لو كان الحيوان مقيدا، فجاء شخص وحلّ قيده، أو كان الطائر في قفص فجاء أحد ففتح باب القفص، وبقي الحيوان والطائر كل في مكانه، ثم جاء شخص آخر فنفرهما، فالضمان على منفرهما؛ لأن سببه أخص فاختص الضمان به، كالدافع مع الحافر (١). هذان الحالان فيما إذا توفر الشرطان السابقان آنفا، وهما: ١ - أن تقع جميع الأسباب على وجه التعدي. ٢ - أن تقع جميع الأسباب عمن هو أهل للضمان. فإن انتفى الشرط الأول - كأن حصل التعدي في بعض الأسباب دون البعض الآخر - فإن الضمان يجب على المتعدي (٢)، سواء كان أقوى تأثيرا في الإتلاف من غير المتعدي أم لم يكن. مثال ذلك فيما إذا كان السبب الذي حصل تعديا هو الأقوى تأثيرا: إذا حفر شخص بئرا أو نصب سكينا في ملكه، ووضع متعدٍّ حجراً، فعثر حيوان بالحجر ووقع في البئر أو على السكين، فإن الضمان على واضع الحجر، لتعديه (٣). ومثاله فيما إذا كان السبب الذي حصل تعديا هو الأضعف تأثيرا: إذا وضع رجل حجرا في ملكه، وحفر متعد هناك بئرا أو نصب سكينا، فعثر حيوان بالحجر ووقع في البئر أو على السكين، فإن الضمان على حافر البئر أو ناصب السكين، لحصول التعدي منه (٤).

стр. 382

وأما إذا انتفى الشرط الثاني - كأن حصلت بعض الأسباب ممن هو ليس بأهل للضمان - فإن الضمان يجب على من حصل التلف منه وهو أهل للضمان، سواء كان أقوى تأثيرا في الإتلاف ممن هو ليس بأهل للضمان أم لم يكن. مثال ذلك فيما إذا كان السبب الذي حصل من غير أهل للضمان هو الأقوى تأثيرا: إذا حفر شخص بئرا في محل عدوان، وحصل حجر على طرف البئر بحمل السيل أو بوضع حربي أو سبع، فعثر حيوان بالحجر فوقع في البئر فهلك، فإن الضمان على الحافر، لتعديه؛ ولأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر ... أو الحربي أو السبع، ولئلا تضيع أموال الناس (١). ومثاله فيما إذا كان السبب الذي حصل من غير أهل للضمان هو الأضعف تأثيرا: إذا حفر حربي أو سبع حفرة، ووضع رجل عند الحفرة حجرا، فعثر حيوان بالحجر وسقط في البئر فهلك، فإن الضمان على واضع الحجر، لتعديه. الفرع السابع: في الاشتراك في التسبب بالتلف: إذا اشترك أكثر من واحد في إحداث التلف بالتسبب، تحمل كل واحد من المتسببين الضمان بحسب نسبة تأثيره في الضرر، أما إذا استووا في نسبة التأثير أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهم فالضمان منقسم عليهم بالتساوي (٢).

стр. 383

المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع كثيرة تندرج تحت القاعدة، منها ما يأتي: ١ - إذا أحرق شخص أعشابا جافة في أرضه فسرت النار إلى شيء لأحد ما فأحرقته، فلا ضمان عليه، إلا إذا كان متعدياً، بأن كان إحراق الأعشاب في يوم شديد الريح (١). ٢ - لو حفر شخص بئرا في الطريق العام، ولم يكن مأذونا بذلك من قبل ولي الأمر، فسقط في البئر حيوان وتلف، فيكون ضامنا بافتياته على ما ليس له فيه حق، وتعديه، بخلاف ما لو استأذن لحفره، فلا ضمان عليه. أما لو حفر إنسان بئراً في ملكه فليس عليه ضمان إلا إذا حفرها لهذا الغرض (٢). ٣ - لو أسقى من له حق الشراب أراضيه حسب العادة، فطغت المياه على أراضي جيرانه، فأحدثت ضررا فيها؛ فليس عليه ضمانه، أما لو كان الإسقاء على خلاف العادة فيكون ضامنا (٣).

стр. 384

٤ - لو وضع شخص فرسه مقيدا في اصطبله، فجاء شخصان فحلّ أحدهما قيد الفرس، وفتح الآخر باب الاصطبل، فالضمان على فاتح الباب (١). ٥ - لو قعد إنسان في الطريق للبيع بغير إذن ولي الأمر، فتلف بقعوده شيء يضمنه، أما لو كان قعوده بإذن ولي الأمر فإنه لا يضمن (٢). ٦ - إذا وضع شيئاً مما يزلق به الحيوانات كقشور الموز والبطيخ والقمامات، فزلق به حيوان وهلك، فإن الواضع يضمن (٣). ٧ - إذا قطع شجرة له فوقعت على شجرة جاره فانكسرت، ضمن القاطع (٤). ٨ - إذا أتلف رجل أحد مصراعي باب لرجل آخر أو أحد زوجي خف، كان للمالك أن يسلم للمتلف المصراع أو الخف الآخر، ويضمنه قيمتهما (٥). ٩ - إذا هدم بيته فانهدم به بيت جاره، وطلب منه جاره قيمة البناء، فإنه لا يضمن إذا لم يتعد (٦). ١٠ - إذا ضرب رجل شخصا آخر فسقط مغشيا عليه وسقط منه شيء، فإنه يضمن ما معه وما عليه من مال وثياب (٧).

стр. 385

١١ - إذا شهد بالزور على عبد فقتل بشهادته أو رجم في الحد بشهادته فإنه يلزمه الضمان (١). ١٢ - إذا حلّ رجل رباط سفينة فغرقت بالحلّ ضمن (٢). ١٣ - إذا بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق أو إلى ملك غيره، فتلف به شيء، أو سقط على شيء فأتلفه، ضمنه (٣). ١٤ - لو أوقف شخص سيارته في غير المحل المعد لوقوف السيارات، وترتب على ذلك الوقوف ضرر، ضمنه مالك السيارة؛ لأنه متعد في هذا الوقوف، متسبب للضرر به (٤). ١٥ - لو خالف أنظمة المرور التي تحتم الاتجاه ذات اليمين في السير، فانطلق ذات الشمال، أو تحدد السرعة بقدر معين في شوارع المدينة أو خارجها، فزاد على السرعة المحددة، وترتبت على ذلك أضرار، فإنه يضمنها؛ لأن الارتفاق بالمرور في الشوارع مباح مقيد بشرط السلامة، وهي باتباع نظام المرور، فإذا خالفه وأحدثت المخالفة ضررا كان مسئولا عنه، مطلوبا منه تعويضه (٥). ١٦ - إذا تأخر المدين في الوفاء بالدين، ونشأ عن هذا التأخير ضرر مالي على صاحب الدين، ضمن المدين هذا الضرر (٦).

стр. 386

المبحث الثالث قاعدة: المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب هذه إحدى القواعد الفقهية المتعلقة بمسائل اجتماع المباشرة والتسبب في الإتلاف، وقد اعتنى بها العلماء عناية فائقة، وما ذلك إلا لأهميتها وعظيم نفعها، وقد يسر الله لي تناولها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة من القواعد المهمة في مسائل المباشرة والتسبب، وقد اهتم بها الفقهاء وتنوعت عباراتهم في ذكر الصيغ لها، وقد رتبتها حسب المذاهب الفقهية الأربعة على النحو الآتي: أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو بكر السرخسي: «المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب» (١). ٢ - قال عبد العزيز البخاري (٢): «الأصل أن يضاف الحكم إلى العلة دون السبب، وإنما يضاف إلى السبب عند تعذر الإضافة إلى العلة بالكلية» (٣).

стр. 387

٣ - قال ابن نجيم الحنفي: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر» (١). ٤ - وقال أيضا: «المتسبب لا ضمان عليه مع المباشرة» (٢). ٥ - قال ابن غانم البغدادي: «إذا اجتمع المباشر والمسبب أضيف الحكم إلى المباشر» (٣). ٦ - جاء في المادة (٩٠) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر» (٤). ٧ - قال محمود حمزة: «إذا اجتمع المباشر والمسبب قدم المباشر في الضمان» (٥). ثانيا: المذهب المالكي: ١ - قال عبد الوهاب المالكي: «السبب والمباشرة إذا اجتمعا سقط حكم السبب» (٦). ٢ - قال أبو العباس القرافي: «إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة» (٧).

стр. 388

٣ - وقال أيضا: « ... إذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب» (١). ٤ - قال أبو عبدالله المقري: «المباشرة مقدمة على السبب ما لم تكن معمودة» (٢). ٥ - قال محمد عرفة الدسوقي (٣): «المباشر يقدم على المتسبب في الضمان إذا ضعف السبب» (٤). ثالثاً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو سليمان الخطابي (٥): «الأصل أن المباشرة والسبب إذا اجتمعا

стр. 389

كان حكم المباشرة مقدما على السبب» (١). ٢ - وقال أبو الحسن الماوردي: «إذا اجتمع السبب والمباشرة سقط حكم السبب بالمباشرة» (٢). ٣ - وقال أيضاً: «المباشرة أقوى من السبب، فإذا اجتمعا غلب حكم المباشرة على السبب» (٣). ٤ - وقال أيضا: «السبب والمباشرة إذا اجتمعا وتعلق الضمان بالمباشرة سقط حكم السبب» (٤). ٥ - جاء في كتاب روضة الطالبين للنووي ما نصه: «المباشرة مقدمة على السبب» (٥). ٦ - قال بدر الدين الزركشي: «إذا اجتمع السبب والمباشرة أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة» (٦). ٧ - قال جلال الدين السيوطي: «إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة» (٧).

стр. 390

رابعاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «متى اجتمع المباشر مع المتسبب كان الضمان على المباشر دون المتسبب» (١). ٢ - قال سليمان الطوفي (٢): «إذا اجتمع المتسبب والمباشر غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم المتسبب» (٣). ٣ - قال ابن رجب الحنبلي: «إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، سواء كانت ملجئة إليه أم غير ملجئة، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان، وإن كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان» (٤). ٤ - جاء في المادة (١٤٢٦) من مجلة الأحكام الشرعية ما نصه: «المباشر أولى بإحالة الحكم عليه من المتسبب» (٥)، وجاء في المادة التي تليها رقم (١٤٢٧)
следующие страницы →