المبحث الثالث
قاعدة: المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف
فالضمان على المباشر دون المتسبب
هذه إحدى القواعد الفقهية المتعلقة بمسائل اجتماع المباشرة والتسبب في الإتلاف، وقد اعتنى بها العلماء عناية فائقة، وما ذلك إلا لأهميتها وعظيم نفعها، وقد يسر الله لي تناولها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
هذه القاعدة من القواعد المهمة في مسائل المباشرة والتسبب، وقد اهتم بها الفقهاء وتنوعت عباراتهم في ذكر الصيغ لها، وقد رتبتها حسب المذاهب الفقهية الأربعة على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب» (١).
٢ - قال عبد العزيز البخاري (٢): «الأصل أن يضاف الحكم إلى العلة دون السبب، وإنما يضاف إلى السبب عند تعذر الإضافة إلى العلة بالكلية» (٣).
стр. 387
٣ - قال ابن نجيم الحنفي: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر» (١).
٤ - وقال أيضا: «المتسبب لا ضمان عليه مع المباشرة» (٢).
٥ - قال ابن غانم البغدادي: «إذا اجتمع المباشر والمسبب أضيف الحكم إلى المباشر» (٣).
٦ - جاء في المادة (٩٠) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر» (٤).
٧ - قال محمود حمزة: «إذا اجتمع المباشر والمسبب قدم المباشر في الضمان» (٥).
ثانيا: المذهب المالكي:
١ - قال عبد الوهاب المالكي: «السبب والمباشرة إذا اجتمعا سقط حكم السبب» (٦).
٢ - قال أبو العباس القرافي: «إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة» (٧).
стр. 388
٣ - وقال أيضا: « ... إذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب» (١).
٤ - قال أبو عبدالله المقري: «المباشرة مقدمة على السبب ما لم تكن معمودة» (٢).
٥ - قال محمد عرفة الدسوقي (٣): «المباشر يقدم على المتسبب في الضمان إذا ضعف السبب» (٤).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
١ - قال أبو سليمان الخطابي (٥): «الأصل أن المباشرة والسبب إذا اجتمعا
стр. 389
كان حكم المباشرة مقدما على السبب» (١).
٢ - وقال أبو الحسن الماوردي: «إذا اجتمع السبب والمباشرة سقط حكم السبب بالمباشرة» (٢).
٣ - وقال أيضاً: «المباشرة أقوى من السبب، فإذا اجتمعا غلب حكم المباشرة على السبب» (٣).
٤ - وقال أيضا: «السبب والمباشرة إذا اجتمعا وتعلق الضمان بالمباشرة سقط حكم السبب» (٤).
٥ - جاء في كتاب روضة الطالبين للنووي ما نصه: «المباشرة مقدمة على السبب» (٥).
٦ - قال بدر الدين الزركشي: «إذا اجتمع السبب والمباشرة أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة» (٦).
٧ - قال جلال الدين السيوطي: «إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة» (٧).
стр. 390
رابعاً: المذهب الحنبلي:
١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «متى اجتمع المباشر مع المتسبب كان الضمان على المباشر دون المتسبب» (١).
٢ - قال سليمان الطوفي (٢): «إذا اجتمع المتسبب والمباشر غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم المتسبب» (٣).
٣ - قال ابن رجب الحنبلي: «إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، سواء كانت ملجئة إليه أم غير ملجئة، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان، وإن كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان» (٤).
٤ - جاء في المادة (١٤٢٦) من مجلة الأحكام الشرعية ما نصه: «المباشر أولى بإحالة الحكم عليه من المتسبب» (٥)، وجاء في المادة التي تليها رقم (١٤٢٧)
стр. 391
ما نصه: «لا عبرة لمباشرة من لا يمكن إحالة الحكم عليه، ويكون الضمان على المتسبب» (١).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
المباشر: سبق تعريف المباشر في اللغة والاصطلاح (٢)، وأشير هنا باختصار إلى بعض ما ذكرته هناك.
فالمباشر في اللغة: اسم فاعل من المباشرة، وهي مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد، يقال: (باشر الرجل زوجته) إذا تمتع ببشرتها، و (باشر الرجل الأمر) إذا تولاه بنفسه (٣).
وفي الاصطلاح: «هو الذي يحصل التلف من فعله دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر» (٤).
أو يقال: «هو الذي يحصل الأثر بفعله» (٥).
المتسبب: سبق تعريف المتسبب في اللغة والاصطلاح (٦)، وأشير هنا باختصار إلى بعض ما ذكرته هناك.
стр. 392
فالمتسبب في اللغة: اسم فاعل من التسبب، والسبب هو عبارة عن كل شيء يتوصل به إلى غيره (١).
وفي الاصطلاح: «هو الذي حصل التلف بفعله، وتخلل بين فعله والتلف فعل مختار» (٢).
أو يقال: «المتسبب في حادثة: هو الذي يفعل ما يؤدي إليها ولا يباشرها مباشرة» (٣).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
إذا اجتمع في إتلاف الشيء شخصان أحدهما مباشر للإتلاف، ... والآخر متسبب فيه، وذلك بأن يتخلل بين عمل المتسبب والإتلاف فعل شخص آخر مختار (هو المباشر)، فإن الضمان حينئذ يكون على المباشر للإتلاف (٤).
مثاله: من حفر بئرا لإنسان ليقع فيه، فجاءه آخر فألقاه فيه، فهذا مباشر والأول متسبب، فالضمان على الثاني دون الأول، تقديما للمباشرة على التسبب (٥).
стр. 393
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اتفق فقهاء الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) من حيث الجملة على صحة القاعدة والعمل بها، وأنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب في إتلاف شيء وجب الضمان على المباشر دون المتسبب، وذلك حينما تتوفر شروط إعمال القاعدة، كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
والأصل في هذه القاعدة اتفاق الفقهاء عليها من حيث الجملة (٥)، وذلك مبني على اتفاقهم على أن الأصل أن يضاف الحكم إلى العلة المؤثرة التي بها يوجد الفعل، بخلاف السبب، فإنه قد يوجد السبب ولا يوجد الفعل (٦).
стр. 394
وفي ذلك يقول الشييخ أحمد الزرقا: « ... لما تقدم في المادة السابقة من أن الفاعل هو العلة المؤثرة، والأصل في الأحكام أن تضاف إلى عللها المؤثرة لا إلى أسبابها الموصلة؛ لأن تلك أقوى وأقرب؛ إذ المتسبب هو الذي تخلل بين فعله والأثر المترتب عليه من تلف أو غيره فعل فاعل مختار، والمباشر هو الذي يحصل الأثر بفعله من غير أن يتخلل بينهما فعل فاعل مختار، فكان أقرب لإضافة الحكم إليه من المتسبب» (١).
ويؤيد هذا الأصل قوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢).
وكذلك ما جاء عن عمرو بن الأحوص (٣)
﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع للناس: ( ... ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده .. ) (٤).
فإنه يستدل بهذه الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف على المبدأ العام الذي ينص على عدم مساءلة الإنسان عن ضرر أو تلف يحدثه غيره، ولا يدَ له
стр. 395
فيه، ويدخل في ذلك عدم مطالبة المتسبب بالضمان مع وجود المباشر للتلف؛ لأن المباشر هو المتلف الحقيقي، فوجب عليه تحمل تبعة فعله، بخلاف المتسبب، فإنه لا يسأل عن تلف أحدثه غيره (١).
المطلب الخامس
أحوال اجتماع المباشرة والتسبب، مع ذكر الفروع المندرجة تحت كل منها
إذا اجتمع مباشر ومتسبب في إتلاف شيء، فلا يخلو الأمر من ثلاث حالات (٢):
الحال الأولى: أن يكون الضمان على المباشر دون المتسبب:
وهذا هو الأصل العام الذي اتفق عليه الفقهاء، كما ذكرته في المطلب السابق.
ومن الفروع المندرجة تحتها ما يأتي:
١ - إذا حفر رجل بئراً في الطريق العام، فألقى أحدٌ حيوان شخص في ذلك البئر، فإن الضمان يجب على الملقي، ولا شيء على حافر البئر؛ لأن حفر البئر بحد ذاته لا يستوجب تلف الحيوان، ولو لم ينضم إليه فعل المباشر - وهو إلقاء الحيوان في البئر - لما تلف الحيوان بحفر البئر فقط (٣).
стр. 396
٢ - إذا دلّ شخص لصاً على مال لآخر ليسرقه، فسرقه اللص، فليس على الدال ضمان، وإنما الضمان على اللص (١).
٣ - إذا فتح شخص باب دار لآخر وفك فرسه من قيوده، فجاء لص وسرق الفرس، فالضمان على السارق (٢).
٤ - إذا أمسك شخص بآخر وجاء ثالث فاغتصب ما مع الرجل من نقود؛ فالضمان على المغتصب المباشر لاستلاب المال دون الآخر المتسبب بذلك (٣).
٥ - إذا أكل المالك طعامه المغصوب جاهلا به؛ فلا ضمان على الغاصب.
وكذا لو قدمه الغاصب للمالك على أنه ضيافة فأكله، فإن الغاصب يبرأ (٤).
٦ - إذا نفر صيداً حرميّاً حتى خرج إلى الحل، وقتله محرم، فالجزاء على القاتل؛ لأنه مباشر (٥).
٧ - إذا فتح قفصاً عن طائر، فاستقر بعد فتحه، فجاء آخر فنفره، فالضمان على المنفر وحده (٦).
стр. 397
٨ - إذا رمى معصوماً من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقده به، فالقاتل هو الثاني دون الأول (١).
٩ - إذا قلب الوعاءَ غيرُ الفاتح، فخرج ما فيه من سمن أو عسل أو نحوهما، فالضمان عليه دون الفاتح؛ لأنه المباشر والفاتح متسبب (٢).
الحال الثانية: أن يكون الضمان على المتسبب دون المباشر:
وذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه - سواء كانت ملجئة إليه أم غير ملجئة - ولم يوجد عدوان في المباشرة.
ومن الفروع المندرجة تحتها ما يأتي:
١ - إذا تماسك شخصان، فأمسك أحدهما بلباس الآخر، فسقط منه شيء - كساعة مثلا - فانكسرت؛ فيترتب الضمان على الشخص الذي أمسك بلباس الرجل، رغما عن كونه متسببا، والرجل الذي سقطت منه الساعة مباشر؛ لأن السبب هنا قد أفضى إلى التلف مباشرة دون أن يتوسط بينهما فعل فاعل آخر (٣).
٢ - إذا دلّ المودَع لصاً على مكان الوديعة التي أودعت عنده، فسرقها اللص، فالضمان على المودَع المتسبب، لتقصيره بحفظ الوديعة (٤).
стр. 398
٣ - إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أن حكم الحاكم بمقتضاها، فإن الضمان يترتب على الشهود المتسببين دون الحاكم المباشر (١).
٤ - إذا دفع إلى صبي سكينا ليمسكه له، فوقعت عليه فجرحته، كان الضمان على الدافع (٢).
٥ - إذا دلّ محرم حلالا على صيد، فقتله، وجب الجزاء على الدال (٣).
٦ - إذا أكره شخص على إتلاف مال الغير، فقيل: إن الضمان يجب على المكرِه (٤).
٧ - إذا قدَّم شخص لآخر طعاما مسموما عالما به، فأكله وهو لا يعلم بالحال، فالقاتل هو المقدِّم، وعليه القصاص والدية (٥).
٨ - إذا استأجره لحمل طعام معين على دابة، وسلمه زائداً، فحمله المؤجر جاهلا بالحال، بأن قال له: عشرة، فكان أحد عشر، فتلفت الدابة، ضمنها المستأجر، لأجلتغريره به (٦).
٩ - إذا غصب شاة، وأمر قصابا بذبحها، وهو جاهل بالحال، فقرار الضمان على الغاصب (٧).
стр. 399
١٠ - إذا أفتاه المفتي بإتلاف شيء، فأتلفه، ثم تبيَّن خطؤه، فإن كان المفتي أهلا للفتوى فالضمان عليه، وإلا فلا؛ لأن المستفتي مقصر (١).
١١ - إذا أوقف ضيعة على قوم، فصرفت غلتها إليهم، فخرجت مستحقة، ضمن الواقف، لتغريره (٢).
١٢ - إذا قتل الجلاد شخصا بأمر الإمام ظلماً، وهو جاهل، فالضمان على الإمام (٣).
١٣ - إذا قال رجل لأهل السوق: بايعوا ابني هذا فقد أذنت له بالتجارة، ثم ظهر أنه ابن الغير، رجعوا على الرجل بما تضرروا به (٤).
١٤ - إذا وثبت هرة بمجرد فتح القفص، ودخلته وقتلت الطائر، وجب الضمان على الفاتح، وكذلك إذا فتح القفص فخرج الطائر، فاضطرب القفص وسقط وانكسر، لزم الفاتح ضمانه، وكذلك لو كسر الطائر في خروجه قارورة رجل لزم الفاتح ضمانها؛ لأنه ناشئ عن فعله (٥).
١٥ - إذا أكل إنسان طعاما مغصوبا جاهلا أنه مغصوب، فإن الغاصب هو الضامن، لتسببه بهذا الإتلاف، ما لم يكن عديما أو لم يقدر على تغريمه، فعندئذ يكون الضامن هو المباشر (٦).
стр. 400
١٦ - إذا سأل سائق سيارة شرطي المرور عن جواز وقف سيارته في مكان معين، فأجابه بالإيجاب، ثم تبين عدم جواز الوقوف، وتحمل السائق غرامة مالية بسبب ذلك، فإن الضمان يجب على شرطي المرور (١).
وبعد هذه الأمثلة أسوق كلاماً للشيخ مصطفى الزرقا، ذكر فيها أحوالا ستاً، يكون فيها المتسبب أولى بالضمان من المباشر.
قال الشيخ مصطفى الزرقا: «نستنتج من استقراء الأمثلة التفصيلية السابقة من فقه المذاهب، أن المتسبب يكون أولى بتحمل مسئولية الفعل الضار من المباشر في الأحوال الست التالية:
(أ) إذا كانت المباشرة مبنية على التسبب (كما في الفرع الثالث).
(ب) إذا توافر سوء القصد في المتسبب دون المباشر (كما في الفرع السادس والخامس عشر).
ويلاحظ أنه لا يشترط لمسئولية المتسبب ولا المباشر تحقق العدوان، بمعنى فعل غير مشروع، بل يكفي التعدي بمعنى التجاوز للحدود الشرعية ولو دون قصد، لكن توافر العدوان في التسبب، يجعل المتسبب أجدر بالمسئولية من المباشر.
والمقصود بتوافر سوء القصد في العمل غير المشروع، أن يكون في العادة لا يفعل، إلا لأجل أذى الغير (كدس السم في الطعام)، وليس المراد منه النية الخفية التي يصعب إثباتها.
(جـ) إذا كان التسبب من قبيل التغرير بالمباشر، وكان معذورا في اغتراره (كما في الفرع السابع والثامن والثاني عشر والسادس عشر).
стр. 401
(د) إذا لابس التسبب ما يقتضي تشديد مسئولية المتسبب، كالخيانة مثلا، أو لابس المباشرة ما يقتضي تخفيف مسئولية المباشر كنقص الأهلية، أو كون التسبب هو الدافع (كما في الفرع الثاني والثالث والرابع والرابع عشر).
(هـ) إذا تعذر تضمين المباشر (كما في الفرع الرابع والرابع عشر والخامس عشر).
(و) إذا كان التسبب بطريق الإكراه للمباشر، ويلاحظ أن في هذا الحكم خلافاً مشهورا بين المذاهب، بل حتى في المذهب الواحد» (١).
هذا، وقد جاء في المادة (١٤٢٧) من مجلة الأحكام الشرعية ما نصه: «لا عبرة لمباشرة من لا يمكن إحالة الحكم عليه، ويكون الضمان على المتسبب» (٢).
الحال الثالثة: أن يشترك في الضمان كل من المباشر والمتسبب:
وذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، سواء كانت ملجئة إليه أم غير ملجئة.
ومن الفروع المندرجة تحتها ما يأتي:
١ - إذا أكره رجل على قتل آخر ظلماً، فقتله، فإن القود والضمان يجب على الاثنين: المُكرِه والمُكرَه (٣).
стр. 402
٢ - إذا أكره رجلٌ آخر على إتلاف مال الغير، فإن الضمان يجب على المكرِه والمتلِف (١).
٣ - إذا أمسك شخص رجلاً ليقتله آخر، فقتله، فإنهما يشتركان في الضمان والقود (٢).
٤ - إذا كان اثنان مع دابة، بأن كان أحدهما سائقاً، والآخر راكباً، فوطئت الدابة شيئاً فأتلفته، فإنهما يشتركان في الضمان، مع أن السائق متسبب والراكب مباشر (٣).
٥ - إذا نخس (٤) دابة شخص بأمر راكبها، فوطئت في فورها شيئاً فأتلفته، فالضمان عليهما؛ لأن سيرها في تلك الحال مضاف إليهما؛ إذ الناخس سائق، والآمر راكب (٥).
٦ - إذا حفر إنسان بئرا لإتلاف دابة شخص، فرداها في الحفرة غير الحافر، فإن الحافر المتسبب والمردي المباشر يشتركان في الضمان (٦).
٧ - لو دل الموَدع لصاً على الوديعة، فسرقها، فالضمان على الاثنين المودَع والسارق (٧).
стр. 403
٨ - لو دلّ المحرم محرماً آخر على صيد، فقتله، فالضمان عليهما (١).
٩ - لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، وتمكن من إرساله، فلم يفعل حتى قتله محرم آخر، فالضمان عليهما، على الأول باليد، وعلى الثاني بالمباشرة (٢).
ومن خلال استقراء الأمثلة السابقة والنظر في كلام العلماء، يمكن أن أشير إلى بعض الأحوال التي يشترك فيها المباشر والمتسبب في الضمان إذا اجتمعا في التلف، مع ما قد يوجد بينهما من التداخل، وهذه الأحوال هي:
١ - أن يعمل السبب في الإتلاف، إذا انفرد عن المباشرة، فإن المباشر والمتسبب يشتركان حينئذ في الضمان (كما في الفرع الرابع والخامس).
يقول عثمان الزيلعي: « ... إن السبب إنما لا يضمن مع المباشر، إذا كان السبب لا يعمل بانفراده في الإتلاف، كما في الحفر مع الإلقاء، فإن الحفر لا يعمل شيئاً بدون الإلقاء، وأما إذا كان السبب يعمل بانفراده فيشتركان» (٣).
٢ - أن تكون المباشرة مغمورة، فإن الضمان يجب عليهما، ولا تغلب المباشرة، لقوة التسبب (كما في الفرع الأول والثاني).
يقول أحمد القرافي: « ... تقديما للمباشرة على التسبب؛ لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض، إلا أن تكون المباشرة مغمورة، كقتل المكره، فإن القصاص يجب عليهما، ولا تغلب المباشرة، لقوة التسبب» (٤).
стр. 404
٣ - أن يكون المتسبب قد قصد إلى إتلاف مال معين بفعله، فجاء آخر فباشر الإتلاف، فإن الضمان يجب على المباشر والمتسبب (١) (كما في الفرع الثالث والسادس).
٤ - أن يعتدل السبب والمباشرة، وذلك بأن يتساوى أثر المباشرة والتسبب في إحداث التلف؛ فهنا يشتركان في الضمان (٢) (كما في الفرع الأول والثاني).
٥ - أن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه - سواء كانت ملجئة إليه أم غير ملجئة - ووجد عدوان في المباشرة، فهنا يشترك كل من المباشر والمتسبب في الضمان (٣) (كما في الفرع الأول والثاني والثالث والثامن والتاسع).
وبعد ذكر هذه الأحوال الثلاث يتضح لنا أن القاعدة عند اجتماع المباشر والمتسبب في الإتلاف أن يكون الضمان على المباشر دون المتسبب؛ لأن المباشرة أقوى وألصق بالفعل.
ويستثنى من هذه القاعدة بعض الفروع الفقهية في بعض الأحوال، تقدم بيانها في الحالين الثانية والثالثة.
стр. 405
المبحث الرابع
قاعدة: يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبرا
هذه إحدى القواعد الفقهية المتعلقة باجتماع المباشرة والتسبب، ويمكن دراستها من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
وجدت لهذه القاعدة ثلاث صيغ، ذكرها فقهاء المذهب الحنفي، أما المذاهب الأخرى فلم أقف لهم على صيغ للقاعدة حسب اطلاعي.
وهذه الصيغ هي - حسب الترتيب الزمني -:
أولاً: «الآمر لا يضمن بالأمر إلا في خمس».
ذكرها ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر (١)، وتبعه عليها محمود حمزة في كتابه "الفرائد البهية" (٢).
ثانياً: «لا يضمن الآمر بالأمر إلا في مسائل».
ذكرها ابن نجيم الحنفي في الفوائد الزينية (٣)، وهي نفس الصيغة السابقة، إلا أنه قدم الفعل - هنا - على الفاعل.
ثالثاً: «يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبراً».
стр. 406
ذكرها واضعو مجلة الأحكام العدلية (١).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
يضاف: أي يسند، فالإضافة هي الضم والميل، يقال: (أضافه إلى الشيء إضافة) إذا ضمه إليه وأماله، وكل ما أميل إلى شيء وأسند إليه فقد أضيف (٢).
الفعل: أي ما صدر من فاعل على وجه التعدي على حق من حقوق غيره نفسا أو مالا (٣).
الآمر: اسم فاعل من الأمر، وهو في اللغة: الطلب، وهو ضد النهي (٤).
وفي الاصطلاح: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء (٥).
مجبراً: من الإجبار، وهو القهر والإكراه، يقال: (أجبره على الأمر) إذا أكرهه عليه (٦).
والإكراه في اصطلاح الفقهاء: «هو الضغط على إنسان بوسيلة مرهبة أو بتهديده بها لإجباره على فعل أو ترك». وهو نوعان:
стр. 407
* إكراه ملجئ أو تام: «وهو ما يخشى فيه إتلاف عضو أو نفس أو حبس طويل أو ضرب شديد مبرح».
* والثاني: إكراه غير ملجئ أو ناقص: «وهو ما كانت وسيلته لا توجب إلا ألما خفيفاً أو غماً يسيراً» (١).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
إن كل ما يصدر من فعل عن فاعل ما، يجعل ذلك الفاعل متحملا لضمان ما صدر عنه من فعل، ما لم يكن مكرها إكراهاً ملجئا، ولا يتحمل الآمر ... - الذي أمر الفاعل بإيقاع الفعل - شيئاً من الضمان.
أما إذا أكره الآمر الفاعلَ إكراها ملجئا بذلك الفعل، فإن الضمان حينئذ يجب على الآمر لا الفاعل (٢).
وعلى هذا فإن هناك فرقاً بين الأمر بالفعل، والإكراه على الفعل، فإن الأمر بالفعل لا يكون المأمور فيه مكرها على الفعل؛ لأنه يفعله مختاراً، فيتحمل الضمان، بخلاف الإكراه على الفعل، فإنه يفعله بغير اختيار، فيكون الضمان على الآمر المكرِه.
стр. 408
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
يحسن بي أن أقسم هذه القاعدة إلى شقين، حتى تتضح صورتها جيدا، وذلك على النحو الآتي:
الشق الأول: أن يأمر شخص شخصاً آخر بإتلاف مال لغيره دون إكراه:
اتفق الفقهاء (١) - من حيث الجملة - على أنه إذا أمر شخص شخصاً آخر بإتلاف مال لغيره دون إكراه، فإن الضمان يجب على الفاعل المتلف، وليس على الآمر. وذلك بشروط أربعة:
١ - أن لا يكرِه الآمر الفاعل إكراها ملجئا (٢).
стр. 409
٢ - أن يكون المأمور - الفاعل - بالغا عاقلا (١).
٣ - أن يعلم الفاعل أن أمر الآمر غير صحيح (٢).
٤ - أن لا يكون الفعل المأمور به لمصلحة الآمر، وإلا كان الأمر عندئذ في حكم الوكالة يقوم فيها المأمور مقام الآمر في حدود الأمر، وينفذ عليه تصرفه (٣).
стр. 410
وقد ذكروا لذلك بعض التعليلات، أذكرها كما يأتي:
١ - «إن الأمر أو الإكراه الناقص لا يجعل المأمور أو المكرَه آلة الآمر أو المكرِه؛ لأنه لا يسلب الاختيار أصلا، فكان الإتلاف من المأمور أو المكرَه، فكان الضمان عليه» (١).
٢ - «إن الأمر في التصرف في ملك الغير باطل، ومتى بطل الأمر لم يضمن الآمر» (٢)، فيكون الضمان على الفاعل.
٣ - «إن الآمر - في هذه المسألة - سبب، والفاعل علة، والأصل في المعلولات أن تضاف إلى عللها؛ لأنها هي المؤثرة فيها، لا إلى أسبابها؛ لأنها موصلة إليها في الجملة، والموصل دون المؤثر» (٣).
٤ - «إن الفاعل متلف ظلما من غير إكراه؛ فتعلق الضمان به، كما لو لم يؤمر» (٤).
ويمكن أن يستدل لهم بأدلة قاعدة: «من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى» (٥)، وهذه بعضها باختصار:
١ - قال جل ذكره: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦).
стр. 411
٢ - قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١).
٣ - قال الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).
٤ - عن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: (ألا لا يجني جان إلاّ على نفسه؛ لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده) (٣).
٥ - عن أسامة بن شريك (٤)
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجني نفس على أخرى) (٥).
وجه الدلالة من هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة: أن الشارع الحكيم بيّن أن كلّ إنسان مسؤول عن عمله، ويتحمل ما يترتب عليه من ضمان وغيره.
стр. 412
الشق الثاني: أن يكره شخص شخصاً آخر بإتلاف مال لغيره إكراهاً ملجئاً:
اختلف الفقهاء فيما إذا أكره شخص شخصاً آخر بإتلاف مال لغيره إكراها ملجئا، فمن الذي يتحمل الضمان؟
القول الأول: أن الضمان يجب على المكرَه الفاعل، وليس له حق الرجوع فيما ضمن على المكرِه الآمر. وهذا وجه عند الشافعية (١) ووجه عند الحنابلة (٢).
القول الثاني: أن الضمان يجب على المكره والمكره بالسوية. وهذا وجه عند الشافعية (٣) ووجه عند الحنابلة (٤) والظاهرية (٥).
القول الثالث: أن الضمان يجب على المكره والمكره معاً، لكن المباشر يقدم في الغرم على المتسبب، فلا يضمن المتسبب إلا إذا أعدم المباشر، وكل من غرم شيئاً منهما فلا رجوع له على صاحبه بشيء مما غرمه. هذا مذهب المالكية (٦).
القول الرابع: أن الضمان يجب على المكرِه الآمر. وهذا قول الحنفية (٧) والمذهب
стр. 413
عند الشافعية (١) ووجه عند الحنابلة عليه المذهب (٢).
دليل القول الأول:
علل أصحاب هذا القول لقولهم: بأن الضمان يلزم المكرَه الفاعل، كما لو اضطر إلى طعام غيره فأكله، فإنه يضمنه (٣).
وقد نوقش: «بأن هذا ضعيف جدا؛ لأن المضطر لم يلجئه إلى الإتلاف من يحال الضمان عليه» (٤).
أدلة القول الثاني:
علل أصحاب هذا القول لقولهم بما يأتي:
١ - إن الضمان يجب على المكره والمكره بالسوية؛ لأنهما يشتركان في الإثم، فوجب أن يشتركا في الضمان (٥).
ونوقش: بأن الصحيح أنهما لا يشتركان في الإثم، بل إن المكرَه معذور في الإتلاف (٦)، ثم لو سلمنا أنهما يشتركان في الإثم فلا يلزم أن يشتركا في الضمان.
٢ - إن الضمان يجب على المكره والمكره بالسوية قياسا على الإكراه على القتل (٧).
стр. 414
ونوقش: بأن المكرَه على إتلاف المال معذور في ذلك الفعل، فلم يلزمه ضمان، بخلاف المكرَه على القتل فإنه غير معذور؛ لأن حرمة الشخص أعظم من حرمة المال، بل ولا يجوز إتلاف نفس الغير لإبقاء نفسه، فلذلك فإنهما يشتركان في الضمان في القتل دون إتلاف المال (١).
أدلة القول الثالث:
علل أصحاب هذا القول لقولهم: بأن الضمان يجب على المكرَه والمكرِه، هذا لمباشرته وهذا لتسببه، لكن المكره الفاعل يقدم في الغرم على المكرِه الآمر؛ لأن المباشر يقدم على المتسبب (٢).
نوقش: بأنه لا شك أن المباشرة مقدمة على التسبب، لكن ليس في جميع أحوالها؛ لأن التسبب قد يقوى على المباشرة - كما سبق -، فيحال الضمان على المتسبب، وذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه -كما في مسألتنا هذه - (٣).
أدلة القول الرابع:
علل أصحاب هذا القول لقولهم بما يأتي:
١ - «إن المتلف هو المكرِه من حيث المعنى، وإنما المكرَه بمنزلة الآلة على معنى أنه مسلوب الاختيار إيثارا وارتضاء، وهذا النوع من الفعل مما يمكن
стр. 415
تحصيله بآلة غيره، بأن يأخذ المكرَه فيضربه على المال، فأمكن جعله آلة المكره، فكان التلف حاصلا بإكراهه، فكان الضمان عليه» (١).
٢ - إن المكرَه على إتلاف المال معذور في ذلك الفعل، فلم يلزمه ضمان (٢).
القول المختار:
الذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن أقرب الأقوال إلى الصواب القول الرابع، والذي يقضي بالضمان على المكرِه الآمر، وذلك للأسباب التالية:
١ - صحة ما علل به أصحاب القول الرابع وقوته.
٢ - ضعف تعليلات الأقوال الأخرى، وقد تقدمت مناقشتها.
المطلب الخامس
من فروع القاعدة
١ - إذا أمر شخص شخصاً آخر بإتلاف مال لغيره، من دون إكراه، فإن الضمان يجب على الفاعل المتلف (٣).
٢ - إذا أكره شخص شخصا آخر بإتلاف مال لغيره، إكراها ملجئا، فإن الضمان يجب على المكرِه الآمر (٤).
стр. 416
٣ - لو أمر غيره أن يذبح له شاة غيره، فذبحها مع علمه أنها ليست له، وجب ضمانها على الذابح (١).
٤ - إذا أمر رجلاً أن يخرق ثوب زيد، فخرقه مع علمه أنه لزيد، وجب ضمانه على المخرق (٢).
٥ - إذا استأجر نجاراً ليسقط جداره على قارعة الطريق، ففعل وتلف به إنسان، فإن الضمان على النجار لعدم صحة الأمر (٣).
٦ - إذا أمر إنسانا بأخذ مال الغير؛ فالضمان على الآخذ؛ لأن الأمر لم يصح (٤).
٧ - إذا قال لآخر: ادفع إلى هذا الرجل ديناراً، فدفع بحضرته، لا يرجع على الآمر، إلا إذا كان بيّن الآمر للمأمور (٥).
٨ - لو أمر شخص آخر بحفر حفرة في الطريق العام، فوقع فيها حيوان، كان المأمور هو المسؤول الضامن (٦).
٩ - إذا أمر شخص إنسانا ليرتكب جريمة سرقة، كان المأمور هو المسؤول الضامن (٧).
стр. 417
١٠ - من أمر غيره بعقد متعلق بالمأمور نفسه، كان المأمور العاقد هو الملتزم بعقده، ولو أن العقد في غير مصلحته (١).
المطلب السادس
في مستثنيات القاعدة
استثنى بعض الفقهاء بعض المسائل الفقهية، التي خرجت عن القاعدة، حيث يجب الضمان فيها على الآمر دون الفاعل، والسبب في استثناء أغلبها ... - إن لم يكن كلها - راجع إلى عدم توفر أحد الشروط التي ذكرها الفقهاء - كما في الشق الأول من القاعدة -، وهذه هي المستثنيات على النحو الآتي:
١ - أن يكون الآمر سلطاناً؛ فيجب الضمان على السلطان؛ لأن أمره إكراه (٢).
٢ - أن يكون الآمر أباً، كما لو أمر الأب ابنه البالغ ليوقد ناراً في أرضه ففعل، وتعدَّت النار إلى أرض جاره، فأتلفت شيئاً، يضمن الأب؛ لأن الأمر صحّ عند الابن، فانتقل الفعل إليه كما لو باشره الأب (٣).
стр. 418
٣ - أن يكون الآمر سيداً والمأمور عبده، فيجب الضمان على السيد؛ لأن الأمر صحّ عند العبد (١).
٤ - أن يكون المأمور صبيا، كما إذا أمر صبيا بإتلاف مال الغير، فأتلفه، ضمن الصبي، ويرجع به على الآمر؛ لأنه غير مكلف، وأما إذا كان آمره صبياً فلا يرجع عليه (٢).
٥ - أن يكون المأمور عبد الغير، كما إذا أمره بإتلاف مال غير سيده، فإن ما يغرمه السيد من الضمان يرجع به على الآمر (٣).
٦ - أن يأمر شخص شخصاً بفتح باب في حائط الغير، فيغرم الحافر ويرجع به على الآمر، بشرط أن يقول: افتح لي في حائطي؛ لأن الأمر صح عنده (٤).
стр. 419
٧ - أن يأمر غيره أن يذبح له هذه الشاة، وكانت لجاره، فيضمن الذابح علم أم لم يعلم، لكن إن علم لم يكن له حق الرجوع؛ لأن الأمر لم يصح عنده، وإلا رجع؛ لأن الأمر صح عند الذابح (١).
٨ - أن يأمر أجيره برش الماء في فناء دكانه، فرشّ، فما تولد منه فضمانه على الآمر؛ لأن الأمر صح عند الأجير، وإن كان بغير أمره فالضمان على الراش (٢).
٩ - إذا جاء رجل بدابة ليغسلها، فقال لرجل: أدخلها النهر، فأدخلها، فغرقت، وكان الآمر سائس الدابة لرجل آخر، ولم يعلم المأمور بذلك، فلو كان الماء بحال لا يدخل الناس دوابهم فيه، ضمَّن ربها أيهما شاء، فلو ضمن المأمور، رجع على السائس؛ لأن الأمر صح عند المأمور (٣).
١٠ - إذا كان المأمور أجيرا خاصا للآمر، فتلف بعمله شيء من غير أن يجاوز المعتاد، فالضمان على أستاذه الآمر له، فلو تخرق الثوب من دقه، أو غرقت السفينة من مده؛ فالضمان على أستاذه الآمر؛ لأن الأمر صح عند الأجير (٤).
стр. 420
القواعد والضوابط الفقهية
في الضمان المالي
تأليف
د. حمد بن محمد الجابر الهاجري
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة
جامعة الكويت
الجزء الثاني
стр. 421
الباب الثالث القواعد المتعلقة بالمضمون
وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بسبب الإتلاف.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بالتعدي والتفريط.
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بسبب العقد واليد.
стр. 422
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بأصول المضمون
وفيه ثلالاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة، وقاعدة: الأصل رد الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان.
المبحث الثاني: قاعدة: كلّ جملة تكون مضمونة بالمثل، يكون النقص الداخل عليها مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل.
المبحث الثالث: قاعدة: ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول.
стр. 423
المبحث الأول
قاعدة: المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة
وقاعدة: الأصل ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان
تتعلق هاتان القاعدتان بكيفية الضمان، وذلك أن المال المضمون إما أن يكون باقيا بعينه أو لا، وإذا لم يكن باقياً بعينه فإما أن يكون مثلياً أو قيمياً، وكلٌّ من هذه الأقسام له حكمه المختص به، وسنتعرّف على ذلك من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدتين
وردت مجموعة من الصيغ لهاتين القاعدتين المتعلقتين بموضوع واحد، ألا وهو كيفية الضمان، وهذه الصيغ منها ما يختص بردّ الحقوق بأعيانها، ومنها ما يختص بضمان المثلي بمثله والقيمي بقيمته، ومنها ما يختص بضمان المثلي بمثله فقط، ومنها ما يختص بضمان القيمي بقيمته فقط، كما وردت بعض الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذه الأقسام، وقد جعلتها في الأقسام التالية:
القسم الأول: الصيغ المتعلقة بردّ الحقوق بأعيانها مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «لا معتبر بضمان القيمة مع بقاء العين» (١).
стр. 424
٢ - قال عز الدين بن عبدالسلام: «الأصل ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان» (١).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذا القسم ما يأتي:
١ - قال أبو حفص ابن الملقن: «كل من غصب شيئاً لزمه ردّه أو رد قيمته» (٢).
٢ - قال محمد البكري: «من غصب مالاً ثم ردّه عليه برئ من ضمانه» (٣).
٣ - قال جلال الدين السيوطي: «كل من غصب شيئاً وجب ردّه» (٤).
القسم الثاني: الصيغ المتعلقة بضمان المثلي بمثله والقيمي بقيمته مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال عز الدين بن عبد السلام: «الأصل في الضمان أن يضمن المثلي بمثله، والمتقوّم بقيمته، فإن تعذر المثل رجع إلى القيمة جبرا للمالية» (٥).
٢ - قال عبد الوهاب السبكي وابن الملقن: «المثلي مضمون بمثله، والمتقوّم بالقيمة» (٦).
٣ - قال أحمد الرملي: «ما كان مثليا ضمن بمثله، وما كان متقوّما فبالقيمة» (٧).
стр. 425
٤ - قال أحمد القاري: «ضمان المتلف كضمان المغصوب في لزوم المثل إن كان مثليا أو القيمة يوم التلف إن كان متقوّماً» (١).
٥ - قال عبدالرحمن السعدي: «تضمن المثليات بمثلها والمتقوّمات بقيمتها» (٢).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذا القسم:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «المستقرض مضمون بالمثل إن كان من ذوات الأمثال أو بالقيمة إن لم يكن من ذوات الأمثال» (٣).
٢ - قال محمد البكري: «المغصوب المثلي إذا أتلفه الغاصب ضمنه بمثله، وإن كان متقوّما ضمنه بالقيمة» (٤).
القسم الثالث: الصيغ المتعلقة بضمان المثلي بمثله فقط ، مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «الدراهم لا تكون مضمونة إلا بمثلها» (٥).
٢ - وقال أيضا: «ضمان الإتلاف مقدّر بالمثل» (٦).
٣ - وقال أيضا: «الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل» (٧).
٤ - وقال أيضا: «ضمان العدوان مقدر بالمثل» (٨).