الباب الثالث القواعد المتعلقة بالمضمون
وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بسبب الإتلاف.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بالتعدي والتفريط.
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بسبب العقد واليد.
стр. 422
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بأصول المضمون
وفيه ثلالاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة، وقاعدة: الأصل رد الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان.
المبحث الثاني: قاعدة: كلّ جملة تكون مضمونة بالمثل، يكون النقص الداخل عليها مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل.
المبحث الثالث: قاعدة: ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول.
стр. 423
المبحث الأول
قاعدة: المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة
وقاعدة: الأصل ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان
تتعلق هاتان القاعدتان بكيفية الضمان، وذلك أن المال المضمون إما أن يكون باقيا بعينه أو لا، وإذا لم يكن باقياً بعينه فإما أن يكون مثلياً أو قيمياً، وكلٌّ من هذه الأقسام له حكمه المختص به، وسنتعرّف على ذلك من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدتين
وردت مجموعة من الصيغ لهاتين القاعدتين المتعلقتين بموضوع واحد، ألا وهو كيفية الضمان، وهذه الصيغ منها ما يختص بردّ الحقوق بأعيانها، ومنها ما يختص بضمان المثلي بمثله والقيمي بقيمته، ومنها ما يختص بضمان المثلي بمثله فقط، ومنها ما يختص بضمان القيمي بقيمته فقط، كما وردت بعض الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذه الأقسام، وقد جعلتها في الأقسام التالية:
القسم الأول: الصيغ المتعلقة بردّ الحقوق بأعيانها مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «لا معتبر بضمان القيمة مع بقاء العين» (١).
стр. 424
٢ - قال عز الدين بن عبدالسلام: «الأصل ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان» (١).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذا القسم ما يأتي:
١ - قال أبو حفص ابن الملقن: «كل من غصب شيئاً لزمه ردّه أو رد قيمته» (٢).
٢ - قال محمد البكري: «من غصب مالاً ثم ردّه عليه برئ من ضمانه» (٣).
٣ - قال جلال الدين السيوطي: «كل من غصب شيئاً وجب ردّه» (٤).
القسم الثاني: الصيغ المتعلقة بضمان المثلي بمثله والقيمي بقيمته مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال عز الدين بن عبد السلام: «الأصل في الضمان أن يضمن المثلي بمثله، والمتقوّم بقيمته، فإن تعذر المثل رجع إلى القيمة جبرا للمالية» (٥).
٢ - قال عبد الوهاب السبكي وابن الملقن: «المثلي مضمون بمثله، والمتقوّم بالقيمة» (٦).
٣ - قال أحمد الرملي: «ما كان مثليا ضمن بمثله، وما كان متقوّما فبالقيمة» (٧).
стр. 425
٤ - قال أحمد القاري: «ضمان المتلف كضمان المغصوب في لزوم المثل إن كان مثليا أو القيمة يوم التلف إن كان متقوّماً» (١).
٥ - قال عبدالرحمن السعدي: «تضمن المثليات بمثلها والمتقوّمات بقيمتها» (٢).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذا القسم:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «المستقرض مضمون بالمثل إن كان من ذوات الأمثال أو بالقيمة إن لم يكن من ذوات الأمثال» (٣).
٢ - قال محمد البكري: «المغصوب المثلي إذا أتلفه الغاصب ضمنه بمثله، وإن كان متقوّما ضمنه بالقيمة» (٤).
القسم الثالث: الصيغ المتعلقة بضمان المثلي بمثله فقط ، مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «الدراهم لا تكون مضمونة إلا بمثلها» (٥).
٢ - وقال أيضا: «ضمان الإتلاف مقدّر بالمثل» (٦).
٣ - وقال أيضا: «الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل» (٧).
٤ - وقال أيضا: «ضمان العدوان مقدر بالمثل» (٨).
стр. 426
٥ - وقال أيضا: «ضمان المال يجب بطريق الجبران، وإنما يحصل الجبران بما يكون مثلا له في صفة المالية» (١).
٦ - قال أبو محمد ابن قدامة: «ما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته ... ضمن بمثله» (٢).
٧ - قال أحمد ابن تيمية: «جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة» (٣).
٨ - وقال أيضا: «ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه» (٤).
٩ - وقال أيضا: «من غيَّر مال غيره بحيث يفوت مقصوده عليه فله أن يضمنه إياه بمثله» (٥).
١٠ - قال شمس الدين الزركشي الحنبلي: «ضمان المثلي بمثله لا بغيره» (٦).
١١ - قال محمد البكري: «المثلي لا يضمن بمتقوّم مع وجوده» (٧).
١٢ - قال أحمد الونشريسي: «الأصل أن من أتلف مثليا فعليه مثله» (٨).
стр. 427
القسم الرابع: الصيغ المتعلقة بضمان القيمي بقيمته فقط ، مرتبة حسب سنوات وفيات قائليها:
١ - قال محيي السنة البغوي: «الشيء المتلف لا يضمن أكثر من ثمن مثله» (١).
٢ - قال أبو محمد ابن قدامة: «ما ضمن بالعقد الفاسد اعتبرت قيمته بالغاً ... ما بلغ» (٢).
٣ - قال عز الدين بن عبدالسلام: «من أتلف متقوّما فإنه يلزمه ضمانه بقيمته من نقد البلد» (٣).
٤ - قال أحمد الونشريسي: «الأصل أن من أتلف مقوّما فعليه قيمته» (٤).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت هذا القسم ما يأتي:
١ - قال أبو حفص ابن الملقن: «كل من غصب شيئاً لزمه ردّه أو ردّ قيمته» (٥).
٢ - قال محمد البكري: «من غصب شيئاً فتلف عنده غرم أقصى القيم فيه» (٦).
стр. 428
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدتين
المثلي في اللغة: نسبة إلى المثل، وهو - بكسر الميم وسكون الثاء، وبفتحهما - بمعنى الشبه، فيقال: (هذا مِثْله ومَثَله)، كما يقال: (شِبْهه وشَبَهه) وزنا ومعنى (١).
وفي الاصطلاح: ذكر الفقهاء له عدة تعريفات، أكتفي بذكر تعريف واحد لكل مذهب:
١ - ففي المذهب الحنفي عرّفه عثمان الزيلعي بقوله: «المراد بالمثلي: المكيل والموزون والعددي المتقارب» (٢).
٢ - وفي المذهب المالكي عرّفه بعضهم بقوله: «المثلي: ما حصره كيل أو وزن أو عدد ولم تتفاوت أفراده» (٣).
٣ - وفي المذهب الشافعي عرفه بعضهم بأنه «ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه» (٤).
٤ - وفي المذهب الحنبلي عرّفه منصور البهوتي وغيره بأنه «كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه» (٥).
стр. 429
ويلاحظ أن دائرة المثلي عند الحنفية والمالكية أوسع منها عند الشافعية والحنابلة؛ لأنهم يضيفون المعدود المتقارب الأجزاء إلى المكيل والموزون.
لكن الصحيح في تعريف المثلي أنه أوسع من هذه التعاريف كلها، وقد عرّفه الشيخ عبدالرحمن السعدي بتعريف واسع وجيّد، حيث عرّفه بقوله: «كل شيء له مثل وشبيه ومقارب» (١). وسيأتي مزيد بيان لمعرفة سبب اختيار هذا التعريف في المطلب الرابع (٢).
القيمي في اللغة: نسبة إلى القيمة، وهي واحدة القِيَم - بكسر القاف وفتح الياء - والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم، فيقال: (كم قامت ناقتك؟) أي: كم بلغت قيمتها، ويقال: (قوَّم السلعة واستقامها) أي: قدّرها وثَمّنها (٣).
وفي الاصطلاح: يراد به عكس المال المثلي، أي: «ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به في القيمة» (٤).
وعلى المختار في تعريف المثلي يكون التعريف المختار للقيمي هو: «كل شيء ليس له مثل ولا شبيه ولا مقارب» (٥).
стр. 430
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدتين
الأصل العام المقرر في كيفية الضمان هو ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان، فإن ردّها كاملة الأوصاف فقد برئ من عهدتها، وإن ردّها ناقصة الأوصاف جبر الضامن ما نقص من أوصافها بالقيمة.
هذا إذا كانت العين المضمونة باقية على حالها، أما إذا تلفت العين المضمونة فيجب على المتلف ضمانها بالمثل إن كانت من ذوات الأمثال، أو بالقيمة إن لم تكن من ذوات الأمثال (١).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدتين
يمكن معرفة أقوال الفقهاء في القاعدتين وأدلتهم من خلال الفروع الآتية:
الفرع الأول: في كيفية ضمان المال الباقي بعينه:
اتفق الفقهاء على أن المال المضمون إذا كان باقيا بعينه، فإن الواجب على الضامن أن يرده بعينه (٢).
стр. 431
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
٢ - وقال جلّ وعزّ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآيتين السابقتين: أن الله حرم أكل أموال الناس بدون وجه حق، وهذا يستلزم وجوب إرجاعها إلى أصحابها إن كانت باقية.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن ما خانك) (٣).
٤ - عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (٤).
٥ - عن يزيد بن السائب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا أو جادّا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه) (٥).
وجه الدلالة من الأحاديث الثلاثة السابقة: بيّن النبي ﷺ أنه يجب على من كان عنده مال لغيره أن يردّه إليه.
стр. 432
٦ - عدم وجود خلاف في ذلك بين أهل العلم، قال أبو الوليد ابن رشد: «والواجب على الغاصب إن كان المال قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان أن يردّه بعينه. وهذا لا اختلاف فيه» (١).
وقال أبو محمد ابن قدامة: «فمن غصب شيئاً لزمه ردّه ما كان باقيا بغير خلاف نعلمه» (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم: «اتفقوا أن من غصب شيئاً أي شيء كان من غير ولده، فوجد بعينه لم يتغير من صفاته شيء ولا تغيرت سوقه، ووجد في يد غاصبه لا في يد غيره، أنه يردّ كما هو» (٣).
الفرع الثاني: في كيفية ضمان المال المثلي:
اتفق الفقهاء على أن المال المتلف إذا كان من ذوي الأمثال، فإنه يجب ضمانه بمثله (٤).
стр. 433
قال أبو بكر ابن المنذر: «وأما الذي على متلفه مثل ما أتلف فمثل الحنطة والشعير والتمر والسمن والزبيب والزيت وما أشبه ذلك ... ولا نعلم أحدا خالف ذلك» (١).
وقال أيضا: «وأجمعوا على أن المتلف للسلع يجب عليه مثل ما أتلف، إذا كان لها مثل» (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم: «واتفقوا أن من غصب شيئاً مما يكال أو يوزن فاستهلكه، ثم لقيه المغصوب منه في البلد الذي كان فيه الغصب، أنه يقضى عليه بمثله» (٣).
ونقل أبو محمد ابن قدامة عن ابن عبد البر أنه قال: «كل مطعوم من مأكول أو مشروب فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله لا قيمته» (٤).
وقال أبو الوليد ابن رشد: «اتفقوا على أنه إذا كان مكيلا أو موزونا أن على الغاصب المثل، أعني مثل ما استهلك صفة ووزناً» (٥).
وقال أبو محمد ابن قدامة: «وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته - كالدراهم والدنانير والحبوب والأدهان - ضمن بمثله بغير خلاف» (٦).
ومستند هذا الاتفاق أدلة من الكتاب والسنة، ويعضده بعض التعليلات.
стр. 434
١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١).
٢ - وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢).
٣ - وقال جل وعزّ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآيات السابقة: أن الله أوجب المثل في ضمان العدوان والمعاقبة والمجازاة، فلا يعدل عنه لغيره ما دام ردّ المثل ممكناً.
٤ - قال تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤).
وجه الدلالة: أن الله أوجب على من أتلف صيداً في الحرم أن يذبح مثلها ويفرّقها على مساكين الحرم.
٥ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: (كلوا)، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ أنه قال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) (٥).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب على التي كسرت الإناء إناءً مثله، فدلّ ذلك على أن من أتلف شيئاً وجب عليه مثله.
стр. 435
٦ - إن المثل أقرب إلى المضمون من القيمة؛ لأن المثل يشبهه في الصورة والمشاهدة والمعنى، بخلاف القيمة، فإنها تشبهه في المعنى، وقد أمكن الإتيان بالمثل، فكان أعدل وأتمّ وأولى من القيمة، كما يقدم النص على القياس، لكن النص طريقه الإدراك بالسماع، والقياس طريقه الظن والاجتهاد (١).
٧ - ولأن ضمان الإتلاف من باب ضمان جبر الفائت، ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة، فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا عند التعذر (٢).
ورغم حكاية الاتفاق في هذه المسألة من قبل بعض العلماء - كما سبق -، ونفي الخلاف فيها من قبل البعض الآخر - كما سبق -، ووجود هذه الأدلة الواضحة، إلا أني وقفت على قول آخر في المسألة، وهو: أن من أتلف مثلياً وجبت عليه القيمة دون المثل، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، ونسبه أبو بكر السرخسي إلى نفاة القياس (٤)، كما نسبه غيره إلى بعض الفقهاء (٥).
وذكر أبو بكر السرخسي لهم تعليلا، وهو: «أن حقّ المغصوب منه في العين والمالية، وقد تعذر إيصال العين إليه، فيجب إيصال المال إليه، ووجوب الضمان على الغاصب باعتبار صفة المالية، ومالية الشيء عبارة عن قيمته» (٦).
ويغني في الردّ عليه ما سبق ذكره من النصوص الشرعية والأدلة العقلية.
стр. 436
الفرع الثالث: في كيفية ضمان المال القيمي:
ذكرت في الفرع الثاني أن المال المتلف إذا كان مثلياً فإنه يضمن بمثله، أما إذا كان قيمياً فقد اختلف الفقهاء في كيفية ضمان المال القيمي على قولين:
القول الأول: إن القيمي يضمن بقيمته، وهو قول الحنفية (١) والمشهور عند المالكية (٢) وقول الشافعية (٣) والمذهب عند الحنابلة (٤).
القول الثاني: إن القيمي يضمن بمثله، ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل.
وهذا القول روي عن مالك (٥)، ونسب إلى الشافعي (٦)، وهو رواية
стр. 437
عن أحمد (١) اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وابن القيم (٣)، وأفتى ... به الزهري (٤)(٥) وقضى به شريح (٦) وعبيد الله العنبري (٧)(٨) وقال به قتادة (٩)
стр. 438
وعبدالله الدارمي (١)(٢) والظاهرية (٣).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الشرع والعقل، وهي كما يأتي:
١ - عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق شركاً (٤) له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة العدل (٥)، فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (٦).
стр. 439
٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أعتق شقصاً (١)
له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعي (٢) العبد غير مشقوق عليه) (٣).
وجه الدلالة من الحديثين السابقين: أن النبي ﷺ أمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل، فيقاس على هذا كل حيوان، ثم يعدى إلى كل غير مثلي (٤).
ونوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أولاً: إن التضمين الذي تضمنه الحديثان السابقان «ليس من باب تضمين المتلفات، بل هو من باب تملك مال الغير بقيمته، فإن نصيب الشريك يملكه المعتق ثم يعتق عليه، فلا بدّ من تقدير دخوله في ملكه ليعتق عليه، ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك وأن الولاء له» (٥).
стр. 440
ثانياً: إن «المعتق نصيبه من عبدٍ بينه وبين آخر لم يستهلك شيئاً ولا غصب شيئاً ولا تعدّى أصلا، بل أعتق حصته التي أباح الله تعالى له عتقها، وإنما هو حكم من الله تعالى أنفذه لا لتعدّ من المعتق أصلاً» (١).
ثالثاً: «يلزمهم - إن كان المعتق المذكور مستهلكاً حصة شريكه، ولذلك يضمن القيمة - بأن يوجبوا ذلك عليه معسراً كان أو موسراً، كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا» (٢).
٣ - إن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب وأضبط وأحصر؛ لأنها تستوعب جميع صفاته، ولا يكاد يجد مثل ما أتلف على جميع صفاته (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الشرع والعقل هي كما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
٢ - وقال جلَّ وعزّ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٥).
٣ - وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٦).
стр. 441
٤ - وقال جلّ وعلا: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر في هذه الآيات بالمثل، ولم يفرق بين مثلي وقيمي، فدل على أن حكمهما واحد (٢).
٥ - قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣).
وجه الدلالة: أن الله أوجب على من أتلف صيداً في الحرم أن يدفع مثلها ويفرقها على مساكين الحرم.
نوقش هذا الاستدلال: بأنه «لا يجوز القياس على جبر الصيد بالمثل من النعم؛ فإن ذلك تعبّد حائد على قواعد الجبر» (٤).
٦ - قال تعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٥).
وجه الدلالة: أن الله أمر المسلمين أن يعطوا الزوج من الغنيمة مثل ما أنفق عليها إذا ذهبت زوجته من المسلمين إلى الكفار وفاتت عليه، ولم يأمر بالقيمة، ويقاس على هذا غيره (٦).
٧ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان عنده بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: (كلوا)، وحبس الرسول
стр. 442
والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ أنه قال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخذ قصعة صحيحة من بيت زوجته التي كسرت القصعة الأخرى وأعطاها لزوجته التي أهدت إليهم الطعام عوضاً عن قصعتها المكسورة، وقال ﵊: (طعام بطعام وإناء بإناء). وفي هذا دليل على أن القيمي يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند تعذر المثل.
نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
أولاً: إن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيتي زوجتيه؛ فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل القصعة الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين (٢).
ثانياً: يحتمل - على تقدير أن تكون القصعتان لهما - أن النبي ﷺ رأى في ذلك سداداً بينهما، فرضيتا بذلك (٣).
ثالثاً: يحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي كانت العقوبة فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها للأخرى (٤).
رابعاً: يحتمل أن يكون ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بتّ الحكم بوجوب المثل فيه (٥).
стр. 443
وأجيب عنها: بأن التصريح بقوله: (طعام بطعام وإناء بإناء) يبعد هذه الاحتمالات، ويبين أن هذا قاعدة عامة.
كما أجيب عن المناقشة الأولى بأنه يعكر عليها قول النبي ﷺ في رواية أخرى: (من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله) (١).
٨ - عن أبي رافع (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً (٣)، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيّا (٤)، فقال: (أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء) (٥).
стр. 444
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ اقترض من رجل بكراً، فلما جاءته إبل الصدقة أمر بأن يعطى الرجل بكره، فلما لم يجدوا مثله في السن، أمر بأن يعطى أكبر منه في السن، ولم يأمر بإعطائه قيمة البكر (١).
٩ - عن عثمان (٢) وعبد الله بن مسعود (٣) ﵄ أنهما قضيا على من استهلك فصلاناً (٤) بفصلان مثلها (٥).
١٠ - ما جاء في «قصة داود وسليمان ﵉ من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم وهو بستانهم، وكان عيناً، والحرث اسم
стр. 445
للشجر والزرع، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة، ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم بالقيمة، وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الغنم يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضا عن المنفعة التي فاتت من حين تلف الحرث إلى أن يعود» (١)، وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد أثنى الله على سليمان بتفهيم هذا الحكم (٢)، وذلك بقوله جلّ وعلا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٣).
١١ - «إن المال المتلف - كالثياب والآنية والحيوانات، مما ليس مثلياً - يتعذر الحصول على مثلها من كل وجه، فيكون الأمر دائرا بين شيئين:
(أ) إما أن يضمنه بالقيمة، وهي دراهم مخالفة للمتلف في الجنس والصفة، لكنها تساويه في المالية.
(ب) وإما أن يضمنه بثياب من جنس ثياب المثل أو آنية من جنس آنيته أو حيوان من جنس حيوانه، مع مراعاة القيمة بحسب الإمكان، ومع كون قيمته بقدر قيمته، فهنا المالية مساوية كما في النقد، وامتاز هذا بالمشاركة في الجنس والصفة فكان ذلك أمثل من هذا، وما كان أمثل فهو أعدل، فيجب الحكم به إذا تعذّر المثل من كل وجه» (٤).
стр. 446
القول المختار:
وبعد هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة تبيّن لي أن القول المختار هو القول الثاني، وذلك لما يأتي:
١ - قوة أدلة القول الثاني وسلامتها من الاعتراضات، وما اعترض عليه منها فقد أجيب عنه كما سبق، ومن أقوى أدلتهم تصريحه ﵊ بقوله: (طعام بطعام وإناء بإناء)، وفي رواية: (من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله)، وهذا التصريح منه ﵊ بمثابة قاعدة عامة في كيفية ضمان المتلفات.
٢ - عدم وجود أدلة صريحة لأصحاب القول الأول، وأقوى ما استدلوا به حديث عبدالله بن عمر ﵄ فيمن أعتق شركا له في عبد، ونحوه حديث أبي هريرة ﵁، وقد ذكر العلماء الأجوبة عليهما كما سبق، ومن أهمّها أنه ليس من باب ضمان المتلفات، وإنما هو من باب تملك مال الغير بقيمته.
٣ - «إن المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المثليات كالمكيلات والموزونات، فضلا عن غيرها، فإنه إذا أتلف صاعاً من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم أن أحد الصاعين فيه من الحب ما هو مثل الآخر، بل قد يزيد أحدهما على الآخر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، فإن تحديد الكيل والوزن مما قد يعجز عنه البشر، ولهذا يقال: (هذا أمثل من هذا) إذا كان أقرب إلى المماثلة منه إذا لم تحصل المماثلة من كل وجه» (٢).
стр. 447
الفرع الرابع: في تعذر المثل:
اختلف الفقهاء فيما إذا تعذر وجود المثل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إذا تعذر وجود المثل فإن المضمون له يصبر حتى يوجد المثل.
وهو القول الأول عند المالكية (١).
القول الثاني: إن المضمون له بالخيار بين أن ينتظر وجود مثله فيأخذه، وبين أن يضمن الغاصب قيمته.
وهو القول الثاني عند المالكية (٢) وقول الظاهرية (٣).
والمعتبر عند المالكية قيمته يوم غصبه.
القول الثالث: إذا تعذر المثل، فإن على الغاصب أو المتلف أن يضمنه بقيمته، وهو قول الحنفية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦).
ثم اختلف هؤلاء في اليوم المعتبر لقيمته على أقوال كثيرة أشهرها أربعة هي:
١ - قيمته يوم الخصومة.
٢ - قيمته يوم الغصب.
٣ - قيمته يوم انقطاع المثل.
стр. 448
٤ - أقصى قيم المثل من وقت الغصب إلى تعذر المثل (١).
ويظهر لي عدم وجود فرق بين القولين الثاني والثالث إن لم يكونا قولاً واحداً.
وهذه الأقوال راجعة إلى اجتهاد العلماء، وليس فيها نص صريح، فالله أعلم بالصواب منها.
النتيجة:
من خلال الفروع السابقة تبيّن لي ما يأتي:
أولاً: صحة قاعدة: «الأصل ردّ الحقوق المضمونة بأعيانها عند الإمكان».
ثانياً: عدم صحة قاعدة: "المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بقيمته" على إطلاقها، وإنما يصحّ الشطر الأول منها، وهو "المثلي مضمون بمثله"، أما المتقوّم فعلى القول المختار يضمن بمثله أيضا لا بقيمته -كما جاء في الصيغة-؛ لذا كانت الصيغة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - وهي: (جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان، مع مراعاة القيمة) - أولى وأصحّ.
المطلب الخامس
من فروع القاعدتين
هناك فروع كثيرة تندرج تحت القاعدتين، أذكر منها ما يأتي:
١ - من استقرض مالا مثليا وجب عليه ردّ مثله، وإن كان متقوّما وجب عليه ردّ قيمته (٢).
стр. 449
٢ - من غصب مالاً، وكان المال موجودا بعينه، وجب على الغاصب ردّه بعينه (١).
٣ - من كان عنده دراهم لغيره، فأتلفها؛ وجب عليه ضمانها بمثلها (٢).
٤ - إذا أتلف شخص على غيره شيئاً مما يكال أو يوزن - كالذهب والفضة والحديد والنحاس والحنطة والشعير وسائر المأكولات - وجب عليه ردّ مثله لا قيمته (٣).
٥ - إذا أتلف شخص على غيره شيئاً مما لا يكال ولا يوزن - كالثياب وسائر العروض والرقيق والحيوان - فيلزمه قيمته دون مثله (٤).
٦ - إذا أتلف رجلٌ براً أو زيتاً أو سمسما، فإنه يضمنه بمثله (٥).
٧ - من وجب عليه الضمان لكونه فرط في أمانته أو تعدى فيها، أو كانت يده يداً متعدية؛ فكل هؤلاء يضمنون المثل بمثله، والمتقوّم بقيمته (٦).
٨ - من أكل أضحيته ولم يتصدق منها بشيء، لزمه أن يخرج لحماً أقل ... ما يجب عليه (٧).
٩ إذا كسر شخص إناءً لشخص، فعلى قول جمهور أهل العلم أنه يضمنه بقيمته، وعلى القول المختار أنه يضمنه بمثله.
стр. 450
١٠ - إذا أتلف إنسان سيارة لصديقه، فعلى قول جمهور أهل العلم أنه يضمنها بقيمتها، وعلى القول المختار أنه يضمنها بمثلها.
١١ - إذا شقّ شخصٌ ثوبا لآخر، بحيث لا يمكن الاستفادة من الثوب، فيجب عليه ضمانه بمثله على القول المختار.
١٢ - إذا استعار إنسان من صديقه كتابا، فتلف عنده، لزمه ضمانه بمثله على القول المختار.
المطلب السادس
في مستثنيات قاعدة المثلي والقيمي
يستثنى من قاعدة المثلي والقيمي من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها ومعها صاع تمر.
وقد دلّت السنة النبوية على ذلك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اشترى غنما مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر) (١).
ووجه الاستثناء هنا أن اللبن من ذوات الأمثال، وقد أوجب الشارع فيه صاعا من تمر، ولم يوجب ردّ المثل - وهو اللبن - ولا القيمة (٢).
وفي معرض الردّ على من قال بأن هذا الحديث على خلاف القياس قال ابن قيم الجوزية: «وأما تضمينه بغير جنسه ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه
стр. 451
بمثله البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد، فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه.
وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلّ منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا؛ لأن أقلّ الأقسام أن تجهل المساواة.
وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصام بينهما، ففصل الشارع الحكيم - صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله - النزاع وقدره بحد لا يتعديانه، قطعا للخصومة وفصلا للمنازعة، وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتا لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل، فكلاهما مطعوم مقتات مكيل، وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن» (١).
هذا وقد ذكر الفقهاء مستثنيات أخرى عن هذه القاعدة (٢)، إلا أنه لم يأت فيها دليل صحيح يدل على إخراجها عن هذه القاعدة العامة. والله تعالى أعلم.
стр. 452
المبحث الثاني
قاعدة كلّ جملة تكون مضمونة بالمثل
يكون النقص الداخل عليها مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل
تتفق هذه القاعدة مع القاعدتين السابقتين في المبحث الأول في الموضوع، حيث إن القواعد الثلاث تتحدث عن كيفية الضمان، لكن القاعدتين في المبحث الأول تتعلقان بالمضمون جملة، أما هذه القاعدة فهي تتعلق بأبعاض المضمون وأجزائه وأوصافه، وقد جعلت الكلام عليها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
أذكر في هذا المطلب ما وقفت عليه من صيغ لهذه القاعدة، وهي كما يأتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - قال أبو الحسن المرغيناني: «الجزء لا يخالف الكلّ» (١).
ومن الضوابط الفقهية المندرجة تحت القاعدة أن «هلاك كل المغصوب مضمون بكل القيمة، وهلاك بعضه يكون مضمونا بقدره» (٢).
ثانياً: المذهب الشافعي:
١ - قال أبو الحسن الماوردي: «الأصول موضوعة على أن كل شيء كان بعضه غير مضمون كان جميعه غير مضمون، كالودائع والشيء المستأجر، وكل شيء كان بعضه مضموناً كان جميعه مضموناً، كالبيوع والغصوب» (٣).
стр. 453
٢ - وقال أيضا: «ما ضمن نقصانه ضمن بالتلف جميعه» (١).
٣ - وقال أيضا: «ما قابل جملة تقسط على أجزائها» (٢).
٤ - قال عبد الوهاب بن السبكي: «كل جملة مضمونة بالمثل يكون النقص الداخل عليها بالجناية مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل» (٣).
٥ - قال أبو حفص ابن الملقن: «كل جملة تكون مضمونة بالمثل يكون النقص الداخل عليها مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل» (٤).
٦ - قال جلال الدين السيوطي: «ما ضمن كله ضمن جزؤه بالأرش» (٥).
ثالثاً: المذهب الحنبلي:
١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن» (٦).
٢ - وقال أيضا: «الضمان في مقابلة المتلف لا في مقابلة الجملة» (٧).
٣ - وقال أيضا: «ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه» (٨).
٤ - وقال أيضا: «ما ضمن بالقيمة بالغا ما بلغ ضمن بعضه بما نقص» (٩).
٥ - وقال أيضا: «من ضمن جملة المبيع ضمن أجزاؤه» (١٠).
стр. 454
٦ - قال برهان الدين ابن مفلح: «العوض في مقابلة المعوض، فكل جزء من العوض يقابله جزء من المعوض» (١).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
جملة: الجملة واحدة الجمل، وهي جماعة الشيء (٢).
الأرش في اللغة: واحد الأروش، وأصله الفساد، ثم استعمل في نقصان الأعيان؛ لأنه فساد فيها، وأرش الجراحات ديتها (٣).
وفي اصطلاح الفقهاء: «هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس».
أو هو: «عبارة عن الشيء المقدّر الذي يحصل به الجبر عن الفائت» (٤).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
معنى القاعدة أن كل شيء كان جميعه مضموناً بالمثل، يكون بعضه مضموناً بقيمة النقص لا بمثله (٥).
стр. 455
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
سأتطرّق في هذا المطلب إلى ذكر مذاهب العلماء - كل على حدة - في ضمان النقص الحاصل في المال، ثم أتبع ذلك ببيان مدى صحة القاعدة عند أرباب هذه المذاهب، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
لا يخلو النقص الحاصل في العين المغصوبة عند الحنفية - فيما يبدو لي - عن ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تتغير العين المغصوبة حتى يزول اسمها ومعظم منافعها:
فهنا إما أن يكون ذلك بفعل الغاصب أو بغير فعله؛ فإن كان بفعل الغاصب زال ملك المغصوب منه عن العين المغصوبة، وملكها الغاصب وضمنها، ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها، أو حنطة فطحنها، أو حديدا فاتخذه سيفاً.
وعلّلوا ذلك بأنه أحدث صنعة متقوّمة صيّر حق المالك هالكا من وجه، ألا ترى أنه تبدل الاسم وفات معظم المقاصد، وحقّه في الصنعة قائم من كل وجه فيترجح على الأصل الذي هو فائت من وجه، ولا نجعله سبباً للملك من حيث إنه محظور، بل من حيث إحداث الصنعة.
وأما إذا كان ذلك بغير فعل الغاصب- كأن صار العنب زبيباً بنفسه أو خلاًّ، أو الرطب صار تمراً-فإن المالك فيه بالخيار، إن شاء أخذه وإن شاء تركه وضمنه (١).
стр. 456
الحال الثانية: أن لا يزول اسم العين المغصوبة، ولكن يبطل كثيرا من منافعها:
فهنا المالك بالخيار؛ إن شاء ترك العين المغصوبة عند الغاصب وأخذ قيمتها، وإن شاء أخذ عينه المغصوبة وضمّنه النقصان.
ومثال ذلك: كمن ذبح شاة غيره أو خرق ثوب غيره خرقاً كبيراً.
وعلّلوا ذلك بأنه إتلاف من وجه، باعتبار فوت بعض الأغراض وبقاء بعضها، فصار كالحرق الفاحش (١).
الحال الثالثة: أن لا يزول اسم العين المغصوبة، ولكن يبطل يسيرا من منافعها:
فهنا لا خيار للمالك وليس له إلا ضمان النقصان؛ لأن العين قائم من كل وجه، وإنما دخله عيب فيضمنه (٢).
ورغم كون هذا الحكم في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يظهر أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يفردوه بحكم يخالف هذا الحكم كما فعل المالكية.
ثانياً: المذهب المالكي:
قسَّم المالكية النقص الذي يحدث في المال إلى قسمين:
стр. 457
القسم الأول: النقص الذي يحصل في المال أثناء غصبه:
وذلك لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يحدث النقص بأمر من الله تعالى:
فهنا المالك بالخيار بين أن يأخذ ماله ناقصا و لا شيء له في مقابل النقص، وبين أن يترك ماله ويأخذ قيمته يوم الغصب؛ لأن الغاصب كان ضامنا لها يوم الغصب، فلم يكن لما حدث من العيب فيها حكم في الضمان؛ لأنه على أصل مضمون، فإذا اختار المالك أخذها فقد رضي بعيبها؛ لأنه لو لم يرض به لكان يسلمها ويرجع بالقيمة، فإذا قال: أريد الأرش، لم يكن له ذلك؛ لأن الغاصب لم يكن ضامنا لما حدث بانفراده، وإنما كان ضامنا له بضمان الجملة وأبعاضها تابعة له.
الحال الثانية: أن يحدث النقص من قبل الغاصب:
فهنا المالك بالخيار بين أخذ ماله مع أرش نقصه وبين ترك ماله وأخذ قيمته؛ لأن المالك متعدّ عليه بشيئين: بالغصب وبالجناية، فله أخذ الغاصب بأيهما شاء.
الحال الثالثة: أن يحدث النقص من أجنبي غير الغاصب:
فهنا يخير المالك بين أخذ قيمته من الغاصب فيتبع الغاصبُ الجاني بالأرش، وبين أخذ عين شيئه واتباع الجاني بالأرش لا الغاصب (١).
القسم الثاني: النقص الذي يحصل في المال من غير غصب:
وذلك لا يخلو من ضربين:
стр. 458
الضرب الأول: أن يكون النقص مُفيتاً للغرض المقصود من الشيء وإن بقيت فيه منافع تابعة غير مقصودة، كقطع ذنب دابة ذي هيئة، أو قلع عيني عبد، فالمالك مخيّر بين أخذ ماله وأرش نقصه وبين أخذ قيمته سليما يوم التعدّي وترك ماله للمتعدي؛ لأنه قد أتلف عليه بهذا الفعل غرضه المقصود منه ضمانه، اعتبارا به لو أحرقه أو أتلف جميعه (١).
الضرب الثاني: أن يكون النقص يسيراً، والمقصود من الشيء باق، وذلك كقطع لبن البقرة أو تقليله أو قطع يد عبد، فهنا المالك يأخذ ماله وأرش نقصه، وليس له تركه وأخذ قيمته إلا إذا رضي المتعدي؛ وذلك لأن الذي يلزم المتعدي بدل ما أتلف، والإتلاف إنما يكون لهذا القدر من المنافع، فلا يضمن ما زاد عليه (٢).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
إذا حدث في المال المغصوب نقص - سواء كان يسيرا أو كثيرا - وجب على الغاصب أرش النقص وأجرة مثل المغصوب في الأصحّ.
وقيل: إن الواجب أكثر الأمرين من الأجرة والأرش (٣).
ومع كون هذا الكلام في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يظهر أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يذكروا له حكماً يخالف هذا كما فعل المالكية.
стр. 459
رابعاً: المذهب الحنبلي:
إذا تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقيه - كزوجي خفّ تلف أحدهما - فعلى الغاصب ردّ الباقي وقيمة التالف وأرش النقص، هذا هو المذهب عند الحنابلة.
وقيل: لا يلزمه أرش النقص، وهو قول ضعيف عندهم.
وعلّلوا لوجوب أرش النقص دون التخيير للمالك بين أخذ ماله وأرش نقصه وبين ترك ماله وأخذ قيمته: بأن النقص حصل من جناية على مال أرشها دون قيمته، فلم يملك المطالبة بجميع قيمته، كما لو كان الشقّ يسيرا، ولأنها جناية تنقص بها القيمة، فأشبه ما لو لم يتلف غرض صاحبها (١).
ورغم كون هذا الحكم في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يبدو أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يخصّوه بحكم يخالف هذا كما فعل أصحاب المذهب المالكي.
خامساً: المذهب الظاهري:
يفرق الظاهرية - فيما يظهر لي - بين النقص الذي يحصل في المال أثناء الغصب وبين النقص الذي يحصل في المال من غير غصب.
فأما النقص الذي يحصل في المال أثناء غصبه أو أخذه بغير حق فإنه يجب على الغاصب ضمان مثل ما نقص من المغصوب، وفي ذلك يقول أبو محمد ابن حزم: «فمن غصب شيئا أو أخذه بغير حق - لكن ببيع محرم أو هبة محرمة، ... أو بعقد فاسد، أو وهو يظن أنه له - ففرض عليه أن يرده إن كان حاضرا،
стр. 460
أو ما بقي منه إن تلف بعضه - أقله أو أكثره - ومثل ما تلف منه، أو يرده ومثل ما نقص من صفاته أو مثله إن فاتت عينه» (١).
وأما النقص الذي يحصل في المال من غير غصب فإنه يجب على المتلف ضمان قيمة النقص، وفي ذلك يقول أبو محمد ابن حزم: «ومن كسر لآخر شيئاً، أو جرح له عبداً أو حيوانا، أو خرق له ثوباً، قوّم كل ذلك صحيحاً مما جنى عليه، ثم قوّم كما هو الساعة، وكلف الجاني أن يعطي صاحب الشيء ما بين القيمتين ولا بدّ، ولا يجوز أن يعطى الشيء المجني عليه للجاني ... » (٢).
وبعد هذا التفصيل في ذكر المذاهب الفقهية المتقدمة في ضمان نقص مال الغير؛ تبين لي ما يأتي:
١ - اتفاق المذاهب الفقهية المتقدمة على أن كل شيء كانت جملته مضمونة فإن النقص الداخل عليها يكون مضموناً.
٢ - فرّق الحنفية والمالكية بين النقص الكثير واليسير، فجعلوا للمالك الخيار في النقص الكثير بين ترك ماله وأخذ قيمته وبين أخذ ماله وأرش نقصه (٣)، بخلاف النقص اليسير فإنهم لم يخيّروه، وإنما أوجبوا له أرش النقصان.
أما الشافعية والحنابلة والظاهرية فإنهم لم يفرّقوا بين النقص الكثير واليسير، ولم يجعلوا للمالك الخيار، وإنما أوجبوا له جبر النقص.
٣ - اتفاق المذاهب الأربعة على أن جبر النقص يكون بضمان الأرش من القيمة دون المثل، سيراً على قاعدتنا في هذا المبحث.