← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الحال الثانية: أن لا يزول اسم العين المغصوبة، ولكن يبطل كثيرا من منافعها: فهنا المالك بالخيار؛ إن شاء ترك العين المغصوبة عند الغاصب وأخذ قيمتها، وإن شاء أخذ عينه المغصوبة وضمّنه النقصان. ومثال ذلك: كمن ذبح شاة غيره أو خرق ثوب غيره خرقاً كبيراً. وعلّلوا ذلك بأنه إتلاف من وجه، باعتبار فوت بعض الأغراض وبقاء بعضها، فصار كالحرق الفاحش (١). الحال الثالثة: أن لا يزول اسم العين المغصوبة، ولكن يبطل يسيرا من منافعها: فهنا لا خيار للمالك وليس له إلا ضمان النقصان؛ لأن العين قائم من كل وجه، وإنما دخله عيب فيضمنه (٢). ورغم كون هذا الحكم في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يظهر أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يفردوه بحكم يخالف هذا الحكم كما فعل المالكية. ثانياً: المذهب المالكي: قسَّم المالكية النقص الذي يحدث في المال إلى قسمين:

стр. 457

القسم الأول: النقص الذي يحصل في المال أثناء غصبه: وذلك لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يحدث النقص بأمر من الله تعالى: فهنا المالك بالخيار بين أن يأخذ ماله ناقصا و لا شيء له في مقابل النقص، وبين أن يترك ماله ويأخذ قيمته يوم الغصب؛ لأن الغاصب كان ضامنا لها يوم الغصب، فلم يكن لما حدث من العيب فيها حكم في الضمان؛ لأنه على أصل مضمون، فإذا اختار المالك أخذها فقد رضي بعيبها؛ لأنه لو لم يرض به لكان يسلمها ويرجع بالقيمة، فإذا قال: أريد الأرش، لم يكن له ذلك؛ لأن الغاصب لم يكن ضامنا لما حدث بانفراده، وإنما كان ضامنا له بضمان الجملة وأبعاضها تابعة له. الحال الثانية: أن يحدث النقص من قبل الغاصب: فهنا المالك بالخيار بين أخذ ماله مع أرش نقصه وبين ترك ماله وأخذ قيمته؛ لأن المالك متعدّ عليه بشيئين: بالغصب وبالجناية، فله أخذ الغاصب بأيهما شاء. الحال الثالثة: أن يحدث النقص من أجنبي غير الغاصب: فهنا يخير المالك بين أخذ قيمته من الغاصب فيتبع الغاصبُ الجاني بالأرش، وبين أخذ عين شيئه واتباع الجاني بالأرش لا الغاصب (١). القسم الثاني: النقص الذي يحصل في المال من غير غصب: وذلك لا يخلو من ضربين:

стр. 458

الضرب الأول: أن يكون النقص مُفيتاً للغرض المقصود من الشيء وإن بقيت فيه منافع تابعة غير مقصودة، كقطع ذنب دابة ذي هيئة، أو قلع عيني عبد، فالمالك مخيّر بين أخذ ماله وأرش نقصه وبين أخذ قيمته سليما يوم التعدّي وترك ماله للمتعدي؛ لأنه قد أتلف عليه بهذا الفعل غرضه المقصود منه ضمانه، اعتبارا به لو أحرقه أو أتلف جميعه (١). الضرب الثاني: أن يكون النقص يسيراً، والمقصود من الشيء باق، وذلك كقطع لبن البقرة أو تقليله أو قطع يد عبد، فهنا المالك يأخذ ماله وأرش نقصه، وليس له تركه وأخذ قيمته إلا إذا رضي المتعدي؛ وذلك لأن الذي يلزم المتعدي بدل ما أتلف، والإتلاف إنما يكون لهذا القدر من المنافع، فلا يضمن ما زاد عليه (٢). ثالثاً: المذهب الشافعي: إذا حدث في المال المغصوب نقص - سواء كان يسيرا أو كثيرا - وجب على الغاصب أرش النقص وأجرة مثل المغصوب في الأصحّ. وقيل: إن الواجب أكثر الأمرين من الأجرة والأرش (٣). ومع كون هذا الكلام في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يظهر أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يذكروا له حكماً يخالف هذا كما فعل المالكية.

стр. 459

رابعاً: المذهب الحنبلي: إذا تلف بعض المغصوب فنقصت قيمة باقيه - كزوجي خفّ تلف أحدهما - فعلى الغاصب ردّ الباقي وقيمة التالف وأرش النقص، هذا هو المذهب عند الحنابلة. وقيل: لا يلزمه أرش النقص، وهو قول ضعيف عندهم. وعلّلوا لوجوب أرش النقص دون التخيير للمالك بين أخذ ماله وأرش نقصه وبين ترك ماله وأخذ قيمته: بأن النقص حصل من جناية على مال أرشها دون قيمته، فلم يملك المطالبة بجميع قيمته، كما لو كان الشقّ يسيرا، ولأنها جناية تنقص بها القيمة، فأشبه ما لو لم يتلف غرض صاحبها (١). ورغم كون هذا الحكم في النقص أثناء الغصب، إلا أن الذي يبدو أن حكمه يشمل النقص من غير غصب؛ لأنهم لم يخصّوه بحكم يخالف هذا كما فعل أصحاب المذهب المالكي. خامساً: المذهب الظاهري: يفرق الظاهرية - فيما يظهر لي - بين النقص الذي يحصل في المال أثناء الغصب وبين النقص الذي يحصل في المال من غير غصب. فأما النقص الذي يحصل في المال أثناء غصبه أو أخذه بغير حق فإنه يجب على الغاصب ضمان مثل ما نقص من المغصوب، وفي ذلك يقول أبو محمد ابن حزم: «فمن غصب شيئا أو أخذه بغير حق - لكن ببيع محرم أو هبة محرمة، ... أو بعقد فاسد، أو وهو يظن أنه له - ففرض عليه أن يرده إن كان حاضرا،

стр. 460

أو ما بقي منه إن تلف بعضه - أقله أو أكثره - ومثل ما تلف منه، أو يرده ومثل ما نقص من صفاته أو مثله إن فاتت عينه» (١). وأما النقص الذي يحصل في المال من غير غصب فإنه يجب على المتلف ضمان قيمة النقص، وفي ذلك يقول أبو محمد ابن حزم: «ومن كسر لآخر شيئاً، أو جرح له عبداً أو حيوانا، أو خرق له ثوباً، قوّم كل ذلك صحيحاً مما جنى عليه، ثم قوّم كما هو الساعة، وكلف الجاني أن يعطي صاحب الشيء ما بين القيمتين ولا بدّ، ولا يجوز أن يعطى الشيء المجني عليه للجاني ... » (٢). وبعد هذا التفصيل في ذكر المذاهب الفقهية المتقدمة في ضمان نقص مال الغير؛ تبين لي ما يأتي: ١ - اتفاق المذاهب الفقهية المتقدمة على أن كل شيء كانت جملته مضمونة فإن النقص الداخل عليها يكون مضموناً. ٢ - فرّق الحنفية والمالكية بين النقص الكثير واليسير، فجعلوا للمالك الخيار في النقص الكثير بين ترك ماله وأخذ قيمته وبين أخذ ماله وأرش نقصه (٣)، بخلاف النقص اليسير فإنهم لم يخيّروه، وإنما أوجبوا له أرش النقصان. أما الشافعية والحنابلة والظاهرية فإنهم لم يفرّقوا بين النقص الكثير واليسير، ولم يجعلوا للمالك الخيار، وإنما أوجبوا له جبر النقص. ٣ - اتفاق المذاهب الأربعة على أن جبر النقص يكون بضمان الأرش من القيمة دون المثل، سيراً على قاعدتنا في هذا المبحث.

стр. 461

ووافقهم الظاهرية في حالة حصول النقص في المال من غير غصب، بينما خالفوهم في حالة حصول النقص في المال أثناء الغصب؛ إذ أوجبوا ضمان مثل ما نقص من المغصوب. ويمكن أن يستدل لكلا الفريقين بما ذكرت من الأدلة للقولين في مسألة ضمان المال القيمي، فليرجع إليها تفاديا للتكرار. ولو قيل بوجوب ضمان النقص بمثل ما نقص من المال عند الإمكان وعدم المشقة، فإن لم يمكن أو شقّ ذلك انتقل إلى ضمانه بالأرش من القيمة لكان له وجه. والله تعالى أعلم بالصواب. المطلب الخامس في بعض المسائل المتعلقة بالقاعدة المسألة الأولى: في ضمان نقص القيمة فقط: اختلف الفقهاء فيما إذا ردّ الغاصب المال المغصوب بعينه - كامل الأوصاف والأجزاء - ناقص القيمة بسبب تغيّر الأسعار، هل يلزمه ضمان نقص القيمة؟ على قولين: القول الأول: لا يضمن الغاصب نقص القيمة، وهو قول الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 462

وعلّلوا ذلك بأنه ردّ العين المغصوبة بحالها، لم يفت شيء من أوصافها ولا أجزائها، وإنما الفائت رغبات الناس، وهي غير متقوّمة في الشرع ولا قائمة بالعين (١). القول الثاني: يجب على الغاصب ضمان نقص القيمة، وهو رواية عند الحنابلة (٢) اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وهو قول أبي ثور (٤) وبعض الشافعية (٥) والظاهرية (٦). وعللوا ذلك بأن الغاصب يضمن نقص القيمة إذا تلفت العين، فيجب أن يلزمه إذا ردّها كالسِّمن (٧). وقد أجاب أبو محمد ابن قدامة على هذا التعليل قائلا: «لا نسلم أنه يضمنها مع تلف العين، وإن سلمنا فلأنه وجبت قيمة العين أكثر ما كانت قيمتها فدخلت في التقويم، بخلاف ما إذا ردّها، فإن القيمة لا تجب، ويخالف السِّمن، فإنه من عين المغصوب، والعلم بالصناعة صفة فيها، وههنا لم تذهب عين ولا صفة» (٨). المسألة الثانية: في إصلاح المال الناقص إذا كان قابلا للإصلاح: إذا حصل في المال نقص يسير، وكان قابلا للإصلاح، فإنه يجب على متلفه إصلاحه كالثوب يخيطه، والإناء يشعبه والعصا يجبرها، فإن رجع المال بعد

стр. 463

إصلاحه على حالته لم ينقص من قيمته شيء فلا شيء على المتلف، وإن نقصت قيمته غرم ما نقصه المال بعد الإصلاح (١). المسألة الثالثة: في كيفية تقويم أرش النقص: مرّ معنا أنه إذا حدث في المال المغصوب نقص يسير، فإن على الغاصب أرش النقص، وتكون طريقة تقويم أرش النقص بأن يقوّم المال قبل حدوث النقص، ثم يقوّم بعد النقصان، ثم يكلف الغاصب أو المتلف بأن يدفع قدر الفرق بين القيمتين (٢). المطلب السادس من فروع القاعدة يندرج تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، أذكر منها ما يأتي: ١ - لو جرح صيداً له مِثل، فنقص عشر قيمته، لزمه عشر قيمة المثل، لا عشر المثل، وقيل: يجب عشر المثل إلا أن يتعذّر (٣).

стр. 464

٢ - إذا بلَّ الطعام المغصوب بالماء، أو قلاه بالنار، فإن عليه أرش نقصه (١). ٣ - إذا غصب عصا فكسرها كسراً يسيراً، أو خرق ثوباً خرقاً يسيراً، فإن المالك يأخذ ماله ويضمن المتلف النقص (٢). ٤ - إذا غصب شاة فذبحها وسلخها، كان للمغصوب منه أن يستردها ويضمنه النقصان، وإن شاء تركها وأخذ قيمتها حية (٣). ٥ - إذا عرج الحمار المغصوب في يد الغاصب، فإن كان يمشي مع العرج ضمن الغاصب النقصان (٤). ٦ - إذا غصب شابة حسناء، فصارت عنده عجوزا شوهاء، فعلى الغاصب أن يجبر ما فات من صفة شبابها ونضارتها بما بين قيمتيها (٥). ٧ - لو هدم رجل داراً وجب عليه جبر تالفها بما بين قيمتيها في حالتي البناء والهدم (٦). ٨ - إذا عمد شخص إلى مركوب يراد للجمال والركوب، فقطع أذنيه ... أو ذنبه؛ فهنا يكون مالكه مخيراً، إن شاء أخذ ما بين قيمته صحيحا ومعيباً، وإن شاء أسلمه وأخذ قيمته (٧).

стр. 465

٩ - إذا كسر شخص إناءً كسرا يسيرا، وجب عليه ضمان نقصه (١). ١٠ - إذا غصب رجل طعاماً، فتركه عنده حتى سوس، وجب على الغاصب ردّ الطعام وأرش نقصه (٢). ١١ - إذا غصب شيئين ينقصهما التفريق - كزوجي خف أو مصراعي (٣) باب - فتلف أحدهما، ردّ الباقي وقيمة التالف وأرش نقصهما (٤). ١٢ - تعتبر العملات الورقية نقودا اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقرّرة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها؛ لذا فإن العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة - أيا كان مصدرها - بمستوى الأسعار (٥).

стр. 466

المبحث الثالث قاعدة: ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول هذه القاعدة تتعلق بأصول المضمون، حيث إن المضمون إما أن يكون ثابتا غير منقول كالأرض والدار، وهي التي تسمى أصولاً، وإما أن يكون منقولا غير ثابت كالنقود والعروض والحيوان، وقد سبق الكلام على قاعدة: «يضمن بالعقد وباليد الأموال المحضة المنقولة إذا وجد فيها النقل» (١)، وتطرقت فيها إلى المال غير المنقول؛ لذا فإن القارئ سيلاحظ إحالتي عليها في بعض المواضع، وذلك تفادياً للتكرار، وسيكون الكلام على هذه القاعدة في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت بعض الصيغ لهذه القاعدة، أسوقها - حسب الترتيب الزمني - على النحو الآتي: ١ - قال عبد الوهاب المالكي: «كل معنى يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان، فإنه يضمن به ما لا ينقل منها ولا يحول» (٢). ٢ - قال محيي السنة البغوي: «ما يضمن بالعقد يضمن بالغصب» (٣).

стр. 467

٣ - قال أبو محمد ابن قدامة: «ما ضمن في البيع وجب ضمانه في الغصب» (١). ٤ - قال برهان الدين ابن مفلح: «ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب» (٢). ٥ - قال محمد الروكي: «ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول» (٣). وقد اختصرها من صيغة عبد الوهاب المالكي السابقة. المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة المنقول: ذكرت فيما سبق (٤) أن الفقهاء يقسمون المال إلى قسمين: الأول: المنقول، وهو كل مال يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، ويشمل النقود والعروض والحيوان ونحوها من القيميات والمثليات، ويدخل فيه السفن والطائرات والسيارات اليوم. الثاني: غير المنقول، وهو كل مال لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، كالأرض والدور ويسمى العقار (٥).

стр. 468

واختلف الفقهاء في البناء والشجر هل يعدان من المنقولات أو من غيرها؟ على قولين: القول الأول: إن البناء والشجر يعتبران من المنقولات، إلا إذا كانا تابعين للأرض فيلحقان بالعقار حكما على سبيل التبعية، وهذا قول الحنفية (١). القول الثاني: إن البناء والشجر القائمين يعدان من العقار، وهو قول المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤). الأصول: جمع أصل، وهو أساس الشيء، ويطلق على معان أخرى مثل: أسفل الشيء، والشرف والحسب، والشيء الثابت (٥). والمراد به هنا المال غير المنقول الذي سبق بيانه. المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن الضمان كما يجب في المنقولات كالحيوان والعروض وسائر ما ينقل، فكذلك يجب في الأصول كالدار والأرض والشجر وأنواع العقار (٦).

стр. 469

المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة سبق التوسع في ذكر أقوال الفقهاء في هذه القاعدة وأدلتهم، ومن باب تفادي التكرار فإني سأشير هنا باختصار إلى بعض ما ذكرته هناك، وذلك على النحو الآتي: أولاً: اتفق الفقهاء على أن الإتلاف سبب موجب للضمان، سواء كان المال المتلف منقولاً (١) أو غير منقول (٢). ثانياً: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن العقد سبب موجب للضمان، سواء كان المال منقولا أو غير منقول (٣). ثالثا: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن اليد سبب موجب للضمان في الأموال المنقولة (٤)، واختلفوا في كون اليد سبباً موجباً للضمان في الأموال غير المنقولة - كالعقار - على قولين:

стр. 470

القول الأول: إن الأموال غير المنقولة - كالعقار - لا يتحقق فيها الغصب ولا تضمن به، فإن هلك العقار في يده بآفة سماوية لم يضمنه، أما إن أتلفه بفعله ضمنه بالإتلاف لا بالغصب. وهذا قول أبي حنيفة (١) والقول الثاني لأبي يوسف (٢) ورواية عن أحمد (٣). القول الثاني: إن الأموال غير المنقولة - كالعقار - يتحقق فيها الغصب وتضمن به بمجرد الاستيلاء. وهذا قول المالكية (٤) والشافعية (٥) والمذهب عند الحنابلة (٦)، وهو قول محمد ابن الحسن (٧) والقول الأول لأبي يوسف (٨)، وقول الظاهرية (٩).

стр. 471

وقد اخترت القول الثاني، وكان من أهم الأدلة التي تؤيد هذا القول: ١ - عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين). وفي لفظ آخر: (من ظلم من الأرض شيئاً طوقه من سبع أرضين). وفي لفظ آخر: (من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) (١). ٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسفت به يوم القيامة إلى سبع أرضين) (٢). وجه الدلالة من الحديثين السابقين: أن النبي ﷺ بيَّن أن الأرض تؤخذ بغير حق، فدل هذا على أنها تغصب؛ لأن الغصب هو أخذ الشيء بغير حقه ظلما (٣). ٣ - إنه لا يوجد دليل صحيح يدل على أنه لا تزال يد المالك إلا بفعل في العين (٤). المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، أذكر منها ما يأتي: ١ - إذا اشترى شخص أرضاً أو بيتا، فإن المشتري يضمنه بمجرد العقد وإن لم يقبضه على الصحيح (٥).

стр. 472

٢ - إذا وضع رجل يده على أرض أو بيت مملوكين فإن الغصب يتحقق فيهما، ويضمنهما الغاصب بمجرد الاستيلاء عليهما على أصحّ القولين (١). ٣ - إذا غصب شخص داراً فانهدمت الدار في يد الغاصب بدون فعل منه، فالصحيح أن ضمان الدار على الغاصب (٢). ٤ - إذا انتقصت الأرض المغصوبة بيد الغاصب من غير زراعة من الغاصب، فإن الضمان على الغاصب (٣). ٥ - إذا تلف شيء من الأرض أو الدار بفعل الغاصب أو بسبب فعله كهدم حيطانها وتغريقها وإلقاء الحجارة فيها، أو نقص يحصل بفرسه أو بنائه، فلا خلاف بين العلماء في أن الغاصب يضمنها (٤). ٦ - إذا غرس شخص في أرض غيره بغير إذنه، أو بنى فيها، فطلب صاحب الأرض قلع غراسه أو هدم بنائه، لزم الغاصب ذلك (٥).

стр. 473

الفصل الثاني القواعد والضوابط المتعلقة بعقود المضمون وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: كل ما جاز بيعه فعلى متلفه القيمة، وما لا يجوز بيعه فلا قيمة على متلفه. المبحث الثاني: قاعدة: ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان. صح ضمانه، وما لا فلا. المبحث الثالث: الضابط الفقهي: ما صح الرهن به. المبحث الرابع: الضابط الفقهي: العارية مضمونة. المبحث الخامس: الضابط الفقهي: إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فرهنه، فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان؟ المبحث السادس: الضابط الفقهي: كل من غصب شيئاً لزمه رده أو رد قيمته. المبحث السابع: الضابط الفقهي: الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض، مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟.

стр. 474

المبحث الأول كل ما جاز بيعه فعلى متلفه القيمة، وما لا يجوز بيعه فلا قيمة على متلفه هذه القاعدة تبين لنا أنه لا بد أن يكون الشيء المضمون مالا متقوّما؛ فإن لم يكن مالا متقوّما فلا يجب ضمانه، وسيكون الحديث في هذه القاعدة من خلال المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة لهذه القاعدة صيغ كثيرة ذكرها الفقهاء في كتبهم، أذكر ما وقفت عليه منها فيما يأتي مرتبة حسب الترتيب الزمني: أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو زيد الدبوسي: «جواز البيع يتبع الضمان؛ فكل ما كان مضمونا بالإتلاف جاز بيعه، وما لا يضمن بالإتلاف لا يجوز بيعه» (١). ٢ - قال أبو بكر السرخسي: «إتلاف ما ليس بمال متقوّم لا يوجب الضمان» (٢). ٣ - قال أبو بكر الكاساني: «إتلاف مال مملوك لصاحبه يوجب الضمان» (٣).

стр. 475

٤ - قال أبو الحسن المرغيناني: «جواز البيع والتضمين مرتبان على المالية والتقوم» (١). ٥ - قال أبو محمد الزيلعي: «جواز البيع ووجوب الضمان مبنيان على المالية» (٢). ثانياً: المذهب المالكي: ١ - قال أبو العباس القرافي: «ما لا مالية له لا حرمة له» (٣). ٢ - وقال أيضا: «المستهلك شرعاً لا يجب فيه قيمة» (٤). ثالثاً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبوالعباس ابن القاص (٥): «كل ما جاز بيعه فعلى متلفه قيمته» (٦). ٢ - وقال أيضا: «ما لا يجوز بيعه فلا قيمة على متلفه» (٧).

стр. 476

٣ - قال أبو الحسن الماوردي: «الصنعة المحظورة لا قيمة لها» (١). ٤ - وقال أيضا: «ما كان متموّلا عند مالكه ضمن بالإتلاف» (٢). ٥ - قال بدر الدين محمد الزركشي: «كل ما وجب فيه القيمة على متلفه جاز بيعه» (٣). ٦ - قال محمد البكري: «كل ما جاز بيعه كان على متلفه القيمة» (٤). ٧ - وقال أيضا: «من أتلف مالاً على مالكه وجب عليه ضمانه» (٥). رابعاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «لا يثبت الغصب فيما ليس بمال» (٦). ٢ - وقال أيضا: «ما حرِّم الانتفاع به لم يجب ضمانه» (٧). ٣ - وقال أيضا: «من أتلف مالاً محترماً لغيره ضمنه» (٨). ٤ - قال منصور البهوتي: «الصناعة المحرمة لا قيمة لها شرعاً» (٩).

стр. 477

خامساً: المذهب الظاهري: قال أبو محمد ابن حزم: «من أتلف مالاً لا يحل تملكه فقد أحسن ولا شيء عليه» (١). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة بيعه: البيع لغة: ضد الشراء، ويطلق على الشراء أيضا، فهو من الأضداد (٢). واصطلاحاً: ذكروا له تعريفات كثيرة، من أحسنها أنه: «مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً» (٣). القيمة: سبق ذكر معنى القيمة في اللغة، وهو ثمن الشيء بالتقويم (٤)، لكن المراد بها هنا - في هذه القاعدة - مطلق الضمان، سواء كان بالمثل أو بالقيمة، وليس المراد بها خصوص القيمة المقابلة للمثل (٥). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة معنى القاعدة أن من أتلف مالاً متقوّما لغيره - بدون إذنه - وجب على المتلِف ضمانه، ومن أتلف ما ليس بمال متقوّم فلا يجب عليه ضمانه (٦).

стр. 478

أما بقية شروط البيع - أعني غير شرط كون الشيء مالاً متقوّماً - فلا يلزم توفرها لوجوب الضمان، كما دلت على ذلك صيغ القاعدة. المطلب الرابع في حقيقة المال والمتقوّم أشرت - فيما سبق (١) - إلى تعريف كل من المال والمتقوّم باختصار، ولكني أحببت التوسع فيه هنا، حتى يسهل علينا معرفة أقوال الفقهاء في القاعدة، وذلك على النحو الآتي: أولاً: تعريف المال والمتقوّم في اللغة: ١ - المال لغة: يطلق على كل ما يتملكه الإنسان من الأشياء، وقيل: إن المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، ويقال: (مال الرجل وتموّل) إذا صار ذا مال (٢). ٢ - المتقوَّم لغة: اسم مفعول من قوَّم، والقيمة واحدة القيم - بكسر القاف وفتح الياء - وهي: ثمن الشيء بالتقويم، فيقال: (كم قامت ناقتك؟) أي: كم بلغت قيمتها؟ ويقال: (قوَّم السلعة واستقامها) أي: قدّرها وثمنها (٣). ثانياً: تعريف المال والمتقوّم في اصطلاح الفقهاء: ذكر الفقهاء تعريفات كثيرة للمال والمتقوّم، وبيانها عند المذاهب الفقهية الأربعة على النحو الآتي:

стр. 479

أولاً: المذهب الحنفي: ذكر فقهاء الحنفية تعريفات عديدة للمال، أقتصر منها على ما يأتي: ١ - قال سعد الدين التفتازاني (١) في تعريف المال: «ما يميل إليه الطبع ويدّخر لوقت الحاجة، أو ما خلق لصالح الآدمي ويجري فيه الشحّ والضنة (٢)» (٣). ٢ - قال ابن نجيم الحنفي: «وفي الكشف الكبير: المال: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة» (٤). ٣ - ما جاء في الدر المختار أن «المال: ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع» (٥). ٤ - قال ابن عابدين: «المراد بالمال: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة» (٦).

стр. 480

٥ - جاء في المادة (١٢٦) من مجلة الأحكام العدلية: «المال: هو ما يميل إليه طبع الإنسان ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة، منقولاً كان أو غير منقول» (١). ويمكن استخلاص عناصر المالية عند الحنفية من خلال تعريفاتهم السابقة بما يأتي: (أ) أن يكون منتفعاً به عرفاً: وقد عبّر بعضهم عن ذلك بقوله: «ما خلق لصالح الآدمي»، وعبر عنه أكثرهم ببعض لوازمه، وهو ميل الطبع. (ب) أن يكون موجودا قابلا للادخار: وقد عبروا عنه بقولهم: «ويمكن ادخاره لوقت الحاجة». وهذا القيد يخرج المنفعة عن أن تكون مالاً عندهم. (جـ) أن يكون له قيمة مادية بين الناس: وقد عبر بعضهم عنه بقوله: «ويجري فيه الشحّ والضنة»، كما عبر البعض الآخر بـ «ويجري فيه البذل والمنع». وبهذا يتبين لنا أن الحنفية لم يجعلوا إباحة الانتفاع بالمال شرعا عنصرا من عناصر المالية، مما دعاهم إلى تقسيم المال إلى متقوّم وغير متقوّم، ليخرجوا ما لا يحلّ الانتفاع به من الأموال عن أن يكون محلاً للعقد؛ نظرا لعدم تقومه (٢).

стр. 481

وقد عرفوا المتقوّم بعدة تعريفات، أذكر منها ما يأتي: ١ - قال سعد الدين التفتازاني: «المتقوّم ما يجب إبقاؤه بعينه أو بمثله أو بقيمته»، ثم قال: «والخمر واجب اجتنابها بالنص، لعدم تقوّمها، لكنها تصلح للثمن؛ لأنها مال» (١). ٢ - قال ابن عابدين: «المتقوّم: هو المال المباح الانتفاع به شرعاً» (٢). ٣ - جاء في المادة (١٢٧) من مجلة الأحكام العدلية: «المال المتقوّم يستعمل في معنيين: الأول: ما يباح الانتفاع به، والثاني: بمعنى المال المحرز؛ فالسمك في البحر غير متقوّم، وإذا اصطيد صار متقوّما بالإحراز» (٣). هذا وتثبت المالية عندهم بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوّم يثبت بها وبإباحة الانتفاع بها شرعا؛ فما يكون مباح الانتفاع بدون تمول الناس لا يكون مالاً، كحبة حنطة، وما يكون مالاً بين الناس ولا يكون مباح الانتفاع لا يكون متقوّما، كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما، كالدم. وحاصله: أن المال أعمّ من المتقوّم عندهم؛ لأن المال ما يمكن ادخاره ولو غير مباح، كالخمر، والمتقوّم ما يمكن ادخاره مع الإباحة؛ فالخمر مال لا متقوّم (٤). ثانياً: المذهب المالكي: عُرّف المال في المذهب المالكي بتعريفات عديدة، اخترت منها ما يأتي:

стр. 482

١ - جاء في كتاب الإشراف للقاضي عبدالوهاب (١) ما مفاده أن المال «ما يتمول في العادة ويجوز أخذ العوض عليه». ٢ - قال أبو بكر ابن العربي في تعريف المال: «ما تمتدّ إليه الأطماع، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به»، ثم قال بعد ذلك: «فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلق الطماعية فيه، ولا يتصور الانتفاع منه، كالخمر والخنْزير مثلاً» (٢). ٣ - قال أبو إسحاق الشاطبي: «وأعني بالمال: ما يقع عليه الملك، ويستبدّ به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه» (٣). ومن خلال التعريفات السابقة يتبين لنا أن عناصر المالية عند المالكية هي: ١ - أن يكون الشيء مما يباح الانتفاع به شرعاً: وقد عبّروا عنه بقولهم: «ويجوز أخذ العوض عليه»، وقولهم: «ويصلح عادة وشرعا الانتفاع به». ٢ - أن يكون الشيء له قيمة مادية بين الناس: وقد عبّروا عنه بقولهم: «ما يتمول في العادة»، وقولهم: «ما تمتدّ إليه الأطماع»، وقولهم: «ويستبدّ به المالك». أما المتقوّم فقد أدرجوه ضمن تعريف المال؛ فكأنهم بهذا عرّفوا المال المتقوّم، وهذا يستدعي أن يكون المال والتقوم عندهم متلازمين، ولذلك لم يقسموا المال إلى قسمين: متقوّم وغير متقوّم - كما فعل الحنفية -.

стр. 483

ثالثاً: المذهب الشافعي: ذكر فقهاء الشافعية تعريفات عديدة للمال، أذكر منها ما يأتي: ١ - حكى جلال الدين السيوطي عن الإمام الشافعي أنه قال: «لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلَّت، وما لا يطرحه الناس، مثل الفلس وما أشبه ذلك» (١). ٢ - جاء في روضة الطالبين: « ... فما لا نفع فيه ليس بمال، فأخذ المال في مقابله باطل» (٢). ٣ - قال بدر الدين الزركشي: «المال: ما كان منتفَعاً به، أي: مستعدا لأن ينتفع به، وهو إما أعيان أو منافع» (٣). وبهذا يتضح لنا أن عناصر المال عند الشافعية هي: ١ - أن يكون الشيء مما يباح الانتفاع به شرعاً: حيث عبروا عنه بقولهم: «ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه»، وقولهم: «ما كان منتفَعاً به». ٢ - أن يكون الشيء له قيمة مادية بين الناس: ويفهم ذلك من قولهم: «ما له قيمة .. »، وقولهم: «ما لا يطرحه الناس». أما المتقوّم فقد أدخلوه ضمن تعريف المال، وهم بهذا عرّفوا المال المتقوّم، وينبني عليه أن المال والتقوّم عندهم متلازمان، ولذلك لم يجعلوا المال في قسمين: متقوّم وغير متقوّم.

стр. 484

رابعاً: المذهب الحنبلي: عُرِّف المال في المذهب الحنبلي بعدة تعريفات، أذكر منها ما يأتي: ١ - قال أبوالنجا الحجاوي في تعريف المال: «هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة» (١). ٢ - قال منصور البهوتي: «المال شرعاً: ما يباح نفعه مطلقا، أي: في كل الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة» (٢). ٣ - جاء في المادة (١٨٢) من مجلة الأحكام الشرعية ما نصه: «المال: هو ما يباح نفعه مطلقا، أو اقتناؤه بلا حاجة» (٣). ويستخلص من هذه التعريفات أن عناصر المال عند الحنابلة هي: ١ - أن يكون الشيء مما يباح الانتفاع به شرعا في كل الأحوال. ٢ - أن يكون الشيء ذا قيمة مادية بين الناس. أما المتقوّم فقد أدرجوه ضمن تعريف المال، وكأنهم بهذا عرفوا المال المتقوّم، وهذا يعني أن المال والتقوّم عندهم متلازمان، ولذلك لم يقسموا المال إلى قسمين: متقوّم وغير متقوّم. هذا وبعد استعراض تعريفات الفقهاء للمال يتبين لنا الآتي: ١ - أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة اتفقوا على عناصر المالية - وإن اختلفوا في التعبير عنها -؛ إذ اشترط الجميع في المال:

стр. 485

(أ) أن يكون فيه منفعة مقصودة مباحة شرعاً في حال السعة والاختيار، دون الضرورة والحاجة. (ب) أن يكون ذا قيمة مادية بين الناس، بحيث يتموَّلونه عادة. ٢ - أن جمهور الفقهاء - كما سبق - أدخلوا في تعريف المال التقوم الشرعي، (أي: جواز الانتفاع به شرعاً)، وكأنهم بهذا عرّفوا المال المتقوّم، وينبني على هذا أن المال والتقوم عندهم متلازمان، ولذلك لم يحتاجوا إلى تقسيم المال إلى متقوّم وغيره - كما فعل الحنفية-. وإذا أطلق جمهور الفقهاء لفظ (المتقوّم) فإنما يريدون به ما له قيمة في عرف الناس، وعكسه غير المتقوّم (١). ٣ - أن الحنفية خالفوا جمهور الفقهاء، حيث لم يشترطوا في المال أن يكون مباح الانتفاع به شرعا (التقوم الشرعي)، مما دعاهم إلى تقسيم المال إلى متقوّم وغير متقوّم، ليبنوا على ذلك وجوب الضمان على من اعتدى على مال متقوّم، بخلاف غير المتقوّم، فإن الجناية عليه هدر. كما أن جواز التصرف الشرعي بالمال منوط بالتقوم، فالمال المتقوّم يصحّ التصرف فيه بأن يكون محلاً للعقد، بخلاف غير المتقوّم، فلا يجوز أن يكون محلاً للعقد. على أنه لا تلازم بين التقوم والمالية عند الحنفية - كما سبق -، فقد يكون الشيء متقوّما (مباح الانتفاع) ولا يكون مالاً، كالحبة من القمح، وقد يكون الشيء مالاً ولا يكون متقوّما، كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما، كالدم (٢).

стр. 486

كما انفرد الحنفية باشتراط قابلية الادخار لوقت الحاجة في المال، دون سائر الفقهاء، مما حملهم على القول بخروج المنافع من حقيقة المال، لعدم قابليتها للادخار (١). المطلب الخامس في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة وقد جعلته في الفروع الثلاثة الآتية: الفرع الأول: في اتفاق الفقهاء على صحة القاعدة: اتفق فقهاء الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) والظاهرية (٦) ... - من حيث الجملة - على أن من أتلف مالاً متقوّما لغيره بدون إذنه؛ فإنه يجب

стр. 487

على المتلف ضمانه، وأما من أتلف ما ليس بمال متقوّم فلا يجب على المتلف ضمانه. ويمكن أن يستدل لهم ببعض الأدلة، وقد قسمتها إلى قسمين: القسم الأول: الأدلة المتعلقة بالمال المتقوّم: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (١). ٢ - وقال جلَّ شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). ٣ - قال : ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٣). ٤ - وقال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٤). ٥ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٥).

стр. 488

٦ - ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (١). ٧ - عن يزيد بن السائب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا أو جاداً؛ فمن أخذ عصا أخيه فليردّها إليه) (٢). ٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان عنده بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: (كلوا)، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة. وفي لفظ أنه قال: (طعام بطعام، وإناء بإناء). وجه الدلالة من هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة: أن الشارع الحكيم حرم الاعتداء على أموال الناس، ورتّب عليه الإثم العظيم، وأوجب ضمانها على من أتلفها. القسم الثاني: الأدلة المتعلقة بما ليس بمال متقوّم: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). وجه الدلالة: أمر الله في هذه الآية الكريمة باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وهذا يقتضي تحريم بيعها وشرائها وضمانها.

стр. 489

٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرّما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا هو حرام)، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: (قاتل الله اليهود! إن الله لمّا حرّم عليهم شحومها أجملوه (١) ثم باعوه فأكلوا ثمنه) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وأخذ الثمن عليها، وهذا يقتضي تحريم ضمانها. ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا طلحة (٣) سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، قال: (أهرقها)، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: (لا) (٤).

стр. 490

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإراقة الخمر، ولم يأمر بضمانه، فدل على عدم تقومه. ٤ - عن أبي مسعود الأنصاري (١) أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان (٢) الكاهن (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حرّم أخذ الثمن على الكلب والفاحشة والكهانة، وهذا يقتضي تحريم ضمانه وأخذ العوض عليه. الفرع الثاني: في أسباب خلاف العلماء في بعض فروع القاعدة: ذكرت في الفرع الأول اتفاق الفقهاء - من حيث الجملة - على وجوب الضمان على من أتلف مالاً متقوّما لغيره بدون إذنه، وأما من أتلف ما ليس بمال متقوّم فلا يجب عليه ضمانه. وعلى الرغم من وجود هذا الاتفاق على صحة هذه القاعدة، فقد وجد خلاف فيما بينهم في بعض المسائل الفرعية، ولعل من أهمّ تلك الأسباب لوجود هذا الخلاف ما يأتي:

стр. 491

١ - اختلافهم في مالية وتقوّم بعض الأشياء، كالكلب (١)، وآلات اللهو كالطبل والدفّ والمزمار (٢)، فبعضهم ذهب إلى أنها مال متقوّم، والبعض الآخر ذهب إلى أنها ليست بأموال متقوّمة. ٢ - اختلافهم في هل المعتبر مالية الشيء وتقوّمه عند المتلِف أم عند المالك؟ مثال ذلك: اتفق الفقهاء على أنه إذا أتلف مسلم أو ذمي خمراً أو خنزيراً لمسلم؛ لا يضمن له شيئاً؛ لعدم تقومهما في حق المسلم (٣). واختلفوا في إتلاف الخمر والخنزير لذمي؛ فبعضهم ذهب إلى وجوب ضمانها؛ لأنهما مال متقوّم في حق الذمي، والبعض الآخر ذهب إلى أنها لا تضمن؛ لأنهما ليسا بمال متقوّم في حق المسلم، فكذلك في حق الذمي كالميتة (٤). الفرع الثالث: في أسباب عدم مالية الشيء وتقوّمه: هناك أسباب - ذكرها العلماء - لعدم مالية الشيء وتقومه، أذكرها كما يأتي: ١ - النجاسة، كالكلب والخنزير والميتة والسرجين (٥) النجس.

стр. 492

٢ - عدم المنفعة، ولها سببان: (أ) القلة والتفاهة، كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب ونحوهما. (ب) الخسة: كالحشرات. ٣ - ورود نهي من الشارع عن اقتنائها وبيعها والانتفاع بها، كالأصنام وآلات اللهو والخمر (١). المطلب السادس من فروع القاعدة هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، أذكر منها ما يأتي: ١ - إذا أتلف مسلم أو ذمي خمراً أو خنزيرا، سواء أكان لمسلم أو ذمي؛ فإنه لا يجب عليه ضمانها (٢). ٢ - إذا غصب شخص من ذمي خمراً لزمه ردّها؛ لأنه يقرّ على شربها، وإن غصبها من مسلم لم يلزم ردّها، ووجبت إراقتها (٣). ٣ - إذا غصب شخص كلباً يجوز اقتناؤه؛ وجب ردُّه؛ لأنه يجوز الانتفاع به واقتناؤه، فأشبه المال، وإن أتلفه لم يغرمه، وإن حبسه مدة لم يلزمه أجر (٤).

стр. 493

٤ - من كسر صليباً أو مزماراً أو طبلاً أو صنماً لم يضمنه (١). ٥ - إذا كسر شخص آنية ذهب أو فضة؛ فهل يلزمه الضمان؟ قيل: لا يلزمه؛ لأنه أتلف ما ليس بمباح، وقيل: يلزمه الضمان، بناء على القول بجواز اقتنائها (٢). ٦ - إذا كسر أحد آنية الخمر فهل يلزمه الضمان؟ على قولين، قيل: يلزمه الضمان؛ لأنها مال يمكن الانتفاع به ويحل بيعه، وقيل: لا يضمنها؛ لأنها ساقطة الحرمة (٣). ٧ - لا يجوز أخذ الحبة والحبتين - من حنطة أو زبيب - من صبرة الغير، فإن أخذ لزمه ردّها، فإن تلفت فلا ضمان عليه؛ إذ لا مالية لها (٤). ٨ - من رأى قوماً يلعبون بالشطرنج، فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فكسره؛ فإنه لا يلزمه الضمان (٥). ٩ - لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها، ككتب الكفر والتنجيم والشعوذة والفلسفة وغيرها من الكتب الباطلة المحرمة؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة (٦).

стр. 494

١٠ - ويمكن أن يلحق بما سبق - مع ما قد يوجد من تفصيل في بعضها - ... ما يأتي: (أ) المخدرات (١). (ب) الدخان (٢). (جـ) التلفاز وجهاز الفيديو إذا استعملا في الإفساد (٣). (د) أشرطة الكاسيت والفيديو الضارة (٤). (هـ) الأطباق الفضائية الضارّة (٥). (و) الصحف والمجلات الساقطة (٦). (ز) الصور الفوتوغرافية (٧).

стр. 495

المبحث الثاني قاعدة: ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان هذه القاعدة تعبر عما عبرت عنه القاعدة التي قبلها، ولكن بصيغة جديدة، وسوف أتناولها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة كل صيغة ذكرتها من صيغ القاعدة السابقة، تصلح أن تكون صيغة لهذه القاعدة؛ لأن كلا القاعدتين تؤديان إلى معنى واحد، وأضيف إلى تلك الصيغ ما يأتي: ١ - قال القاضي عبد الوهاب: «ما صحّت إجارته جاز وجوب القيمة على متلفه» (١). ٢ - قال محمد الروكي: «ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان» (٢). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة إجارته: الإجارة في اللغة: من الأجر، وهو الثواب والجزاء على العمل (٣).
следующие страницы →