١ - اختلافهم في مالية وتقوّم بعض الأشياء، كالكلب (١)، وآلات اللهو كالطبل والدفّ والمزمار (٢)، فبعضهم ذهب إلى أنها مال متقوّم، والبعض الآخر ذهب إلى أنها ليست بأموال متقوّمة.
٢ - اختلافهم في هل المعتبر مالية الشيء وتقوّمه عند المتلِف أم عند المالك؟
مثال ذلك: اتفق الفقهاء على أنه إذا أتلف مسلم أو ذمي خمراً أو خنزيراً لمسلم؛ لا يضمن له شيئاً؛ لعدم تقومهما في حق المسلم (٣).
واختلفوا في إتلاف الخمر والخنزير لذمي؛ فبعضهم ذهب إلى وجوب ضمانها؛ لأنهما مال متقوّم في حق الذمي، والبعض الآخر ذهب إلى أنها لا تضمن؛ لأنهما ليسا بمال متقوّم في حق المسلم، فكذلك في حق الذمي كالميتة (٤).
الفرع الثالث: في أسباب عدم مالية الشيء وتقوّمه:
هناك أسباب - ذكرها العلماء - لعدم مالية الشيء وتقومه، أذكرها كما يأتي:
١ - النجاسة، كالكلب والخنزير والميتة والسرجين (٥) النجس.
стр. 492
٢ - عدم المنفعة، ولها سببان:
(أ) القلة والتفاهة، كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب ونحوهما.
(ب) الخسة: كالحشرات.
٣ - ورود نهي من الشارع عن اقتنائها وبيعها والانتفاع بها، كالأصنام وآلات اللهو والخمر (١).
المطلب السادس
من فروع القاعدة
هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، أذكر منها ما يأتي:
١ - إذا أتلف مسلم أو ذمي خمراً أو خنزيرا، سواء أكان لمسلم أو ذمي؛ فإنه لا يجب عليه ضمانها (٢).
٢ - إذا غصب شخص من ذمي خمراً لزمه ردّها؛ لأنه يقرّ على شربها، وإن غصبها من مسلم لم يلزم ردّها، ووجبت إراقتها (٣).
٣ - إذا غصب شخص كلباً يجوز اقتناؤه؛ وجب ردُّه؛ لأنه يجوز الانتفاع به واقتناؤه، فأشبه المال، وإن أتلفه لم يغرمه، وإن حبسه مدة لم يلزمه أجر (٤).
стр. 493
٤ - من كسر صليباً أو مزماراً أو طبلاً أو صنماً لم يضمنه (١).
٥ - إذا كسر شخص آنية ذهب أو فضة؛ فهل يلزمه الضمان؟ قيل: لا يلزمه؛ لأنه أتلف ما ليس بمباح، وقيل: يلزمه الضمان، بناء على القول بجواز اقتنائها (٢).
٦ - إذا كسر أحد آنية الخمر فهل يلزمه الضمان؟ على قولين، قيل: يلزمه الضمان؛ لأنها مال يمكن الانتفاع به ويحل بيعه، وقيل: لا يضمنها؛ لأنها ساقطة الحرمة (٣).
٧ - لا يجوز أخذ الحبة والحبتين - من حنطة أو زبيب - من صبرة الغير، فإن أخذ لزمه ردّها، فإن تلفت فلا ضمان عليه؛ إذ لا مالية لها (٤).
٨ - من رأى قوماً يلعبون بالشطرنج، فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فكسره؛ فإنه لا يلزمه الضمان (٥).
٩ - لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها، ككتب الكفر والتنجيم والشعوذة والفلسفة وغيرها من الكتب الباطلة المحرمة؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة (٦).
стр. 494
١٠ - ويمكن أن يلحق بما سبق - مع ما قد يوجد من تفصيل في بعضها - ... ما يأتي:
(أ) المخدرات (١).
(ب) الدخان (٢).
(جـ) التلفاز وجهاز الفيديو إذا استعملا في الإفساد (٣).
(د) أشرطة الكاسيت والفيديو الضارة (٤).
(هـ) الأطباق الفضائية الضارّة (٥).
(و) الصحف والمجلات الساقطة (٦).
(ز) الصور الفوتوغرافية (٧).
стр. 495
المبحث الثاني
قاعدة: ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان
هذه القاعدة تعبر عما عبرت عنه القاعدة التي قبلها، ولكن بصيغة جديدة، وسوف أتناولها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
كل صيغة ذكرتها من صيغ القاعدة السابقة، تصلح أن تكون صيغة لهذه القاعدة؛ لأن كلا القاعدتين تؤديان إلى معنى واحد، وأضيف إلى تلك الصيغ ما يأتي:
١ - قال القاضي عبد الوهاب: «ما صحّت إجارته جاز وجوب القيمة على متلفه» (١).
٢ - قال محمد الروكي: «ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان» (٢).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
إجارته: الإجارة في اللغة: من الأجر، وهو الثواب والجزاء على العمل (٣).
стр. 496
وفي الاصطلاح: عرِّفت بتعريفات كثيرة، لعلّ من أحسنها أنها: «عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو عمل معلوم، بعوض معلوم» (١).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
تفيد هذه القاعدة ما أفادته القاعدة التي قبلها، وهو أن الضمان مبني على المالية والتقوم؛ فمن أتلف مالاً متقوّما لغيره بدون إذنه وجب عليه ضمانه، ومن أتلف ما ليس بمال متقوّم فلا يجب عليه الضمان (٢).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية - من حيث الجملة - على أن من أتلف مالاً متقوّما لغيره بدون إذنه، فإنه يجب على المتلف ضمانه، وأما من أتلف ما ليس بمال متقوّم فلا يجب على المتلف ضمانه.
وقد استدلوا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، سبق ذكرها في القاعدة السابقة (٣).
كما أنهم اختلفوا في بعض المسائل الفقهية - على الرغم من اتفاقهم على صحة القاعدة - وذلك راجع لأسباب ذكرت أهمها في القاعدة السابقة (٤).
стр. 497
المطلب الخامس
من فروع القاعدة
هناك فروع كثيرة تندرج تحت القاعدة، ذكرت أغلبها ضمن الفروع المندرجة تحت القاعدة السابقة، فليرجع إليها.
стр. 498
المبحث الثالث
الضابط الفقهي، ما صح الرهن به صح ضمانه، وما لا فلا
يتعلق هذا الضابط الفقهي بالأشياء التي تصح كفالتها، وقد يسّر الله دراستها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت صيغ كثيرة لهذا الضابط، كان للمذهب الشافعي النصيب الأوفر فيها، وهذه هي الصيغ، مرتبة حسب المذاهب الفقهية:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - قال زين الدين ابن نجيم: «ما جازت الكفالة به جاز الرهن به» (١).
ثانياً: المذهب الشافعي:
١ - قال أبو القاسم الرافعي: «ما يجوز الرهن به يجوز ضمانه» ثم قال: «وبالعكس» (٢).
٢ - قال أبو سعيد العلائي: «كل ما جاز الرهن به جاز ضمانه، وما لا يجوز الرهن عليه لا يجوز ضمانه» (٣).
٣ - قال عبد الوهاب السبكي وأبو حفص ابن الملقن: «كل ما صحّ الرهن به صحّ ضمانه، وما لا فلا» (٤).
стр. 499
٤ - قال بدر الدين الزركشي: «ما جاز الرهن به جاز ضمانه، وما لا فلا» (١).
٥ - قال أبو بكر الحصني: «كل ما جاز الرهان به جاز ضمانه، وما لا يجوز الرهن عليه لا يجوز ضمانه» (٢).
٦ - قال محمد البكري: «كل ما جاز أن يكون رهنا جاز أن يكون مضموناً» (٣).
٧ - قال جلال الدين السيوطي: «ما صحّ الرهن به صحّ ضمانه وما لا فلا» (٤).
ثالثاً: المذهب الحنبلي:
١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «قال القاضي (٥):
كل ما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به، وما لم يجز الرهن به لم يجز أخذ الضمين به» (٦).
стр. 500
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
الرهن: في اللغة: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، ويطلق على الثبوت والدوام والحبس ولزوم الشيء (١).
واصطلاحاً: عرّف بتعريفات كثيرة، أكتفي منها بهذين التعريفين:
١ - «جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه» (٢).
٢ - «توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو من ثمنها» (٣).
ضمانه: المراد بالضمان هنا الكفالة، وليس ضمان المتلفات، وقد سبق ذكر تعريف الكفالة (٤)، وأن المراد منها: «التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة» (٥).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
كل شيء جاز أخذ الرهن به، فإنه يجوز أخذ الكفيل به، وما لم يجز أخذ الرهن به فإنه لا يجوز أخذ الكفيل به.
стр. 501
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى صحة هذا الضابط الفقهي، وهو أن كل ما جاز الرهن به جازت كفالته، وما لا يجوز الرهن عليه لا تجوز كفالته.
ولم أعثر لهم على أدلة لهذا الضابط، غير أنه يستأنس بأن كلاًّ من العقدين - عقد الرهن وعقد الكفالة - عقد توثيق؛ ولذلك اتفقت أسباب التوثيق بهما (٤).
أما المالكية فلم أقف لهم على قول في هذا الضابط. والله تعالى أعلم الصواب.
المطلب الخامس
من فروع الضابط
يندرج تحت هذا الضابط الفقهي فروع كثيرة، أقتصر منها على ما يأتي:
стр. 502
١ - لا يصح الرهن بالأعيان غير المضمونة، كالوديعة ومال الشركة ومال المضاربة والعين المستأجرة والمال في يد الوكيل أو الوصي (١)، وكذلك لا تصح كفالتها (٢).
٢ - يصح الرهن بالأعيان المضمونة بنفسها، كالمغصوب في يد الغاصب (٣)، وكذلك تصح كفالتها (٤).
٣ - لا يصح الرهن بدين لم يثبت (٥)، ولا يصح ضمان هذا الدين؛ لأنه إذا لم يجب على الأصيل فلا يجب ضمانه على الكفيل من باب أولى (٦).
٤ - يصح الرهن بالمنفعة (٧)، وكذلك تصح كفالتها (٨).
٥ - يصح الرهن بأروش الجنايات (٩)، وكذلك يصح ضمانها (١٠).
стр. 503
المطلب السادس
في مستثنيات الضابط
استثنى الفقهاء بعض الفروع الفقهية التي خرجت عن هذا الضابط، أذكرها على النحو الآتي:
١ - يصح ضمان الدرك، ولا يجوز الرهن عليه؛ لأنه يجوز أن يخرج المبيع مستحقا، بل هذا هو الغالب؛ فيلزم أن يبقى مرهونا أبدا، ومثل ذلك لا يحتمل (١).
٢ - تصح كفالة رد الأعيان المضمونة، ولا يصح الرهن بها؛ لأن كفالتها لا تجر - لو لم تتلف - إلى ضرر، بخلاف الرهن بها؛ فإنه يجر إلى ضرر دوام الحجر في المرهون (٢).
٣ - يصح ضمان الكتابة، ولا يصح الرهن بها (٣).
٤ - تصح كفالة ما لم يجب من الحقوق، ولا يصح الرهن به (٤).
стр. 504
٥ - تجوز الكفالة بالكفالة بالنفس، ولا يجوز الرهن بها (١).
ولعل السبب في التفريق بين الرهن والكفالة هنا يظهر من وجهين:
أحدهما: أن الرهن بهذه الأشياء يبطل الإرفاق، فإنه إذا باع عبده بألف، ودفع رهنا يساوي ألفاً، فكأنه ما قبض الثمن، ولا ارتفق به، والمكاتب إذا دفع ما يساوي كتابته، فما ارتفق بالأجل؛ لأنه كان يمكنه بيع الرهن أو بقاء الكتابة ويستريح من تعطيل منافع عبده، والضمان بخلاف هذا.
الثاني: أن ضرر الرهن يَعُمّ؛ لأنه يدوم بقاؤه عند المشتري، فيمنع البائع التصرف فيه، والضمان بخلافه (٢).
стр. 505
المبحث الرابع
الضابط الفقهي، العارية مضمونة
يتعلق هذا الضابط الفقهي بعقد العارية، وهو يُعدّ - عند جماعة من الفقهاء - عقد ضمان، وسوف تكون دراستي لهذا الضابط من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت صيغ كثيرة لهذا الضابط - ذكرها الفقهاء في كتبهم - إلا أنها اختلفت في الحكم؛ وذلك تبعا لاختلافهم في حكم العارية، فإن منهم من يرى أنها أمانة، ومنهم من يرى أنها مضمونة، وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المسألة في المطلب الرابع - إن شاء الله تعالى -، وقد قسمت هذه الصيغ بناء على هذا الخلاف إلى قسمين:
القسم الأول: الصيغ التي تفيد بأن العارية مضمونة:
أولاً: المذهب الشافعي:
١ - قال أحمد بن فرح اللخمي (١) وغيره من العلماء: «العارية مضمونة» (٢).
стр. 506
٢ - قال أبو سعيد العلائي: «العارية مضمونة في يد المستعير» (١).
٣ - قال بدر الدين الزركشي: «كل من أخذ العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق فإنها مضمونة عليه» (٢).
٤ - وقال أيضا: «كل من أخذ الشيء لمنفعة نفسه منفردا به من غير استحقاق فإنه مضمون عليه» (٣).
ثانياً: المذهب الحنبلي:
١ - قال أبو القاسم الخرقي (٤): «العارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير» (٥).
٢ - قال أبو محمد ابن قدامة: «العارية مضمونة» (٦).
стр. 507
٣ - قال ابن رجب الحنبلي: «ما قبضه آخذه لمصلحة نفسه -كالعارية- فهو مضمون» (١).
القسم الثاني: الصيغ التي تفيد بأن العارية أمانة:
١ - قال أبو القاسم الزمخشري (٢): «العارية أمانة» (٣).
٢ - قال يوسف بن قزأوغلي (٤): «العارية أمانة لا تضمن إلا بالتعدي» (٥).
стр. 508
٣ - جاء في المادة ٨١٣ من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «العارية أمانة في يد المستعير» (١).
٤ - قال ابن قيم الجوزية: «يد المستعير يد أمانة» (٢).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
العارية: مأخوذة من التعاور، وهو التداول، يقال: (اعتوروا الشيء وتَعَوَّروه وتعاوروه) إذا تداولوه، ويقال: (عاره يعوره ويعيره) إذا أخذه وذهب به (٣).
وفي الاصطلاح: عرفت بتعريفات كثيرة، لعلّ من أحسنها: «إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه» (٤).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
من استعار عينا من مالكها، فتلفت العين المستعارة عند المستعير؛ وجب على المستعير ضمانها، سواء كان ذلك بتعدّ منه أو تفريط أو لم يكن.
стр. 509
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
اتفق الفقهاء على وجوب ردّ العين المعارة إذا كانت باقية على حالها (١).
وأما إذا تلفت العين المعارة أو بعض أجزائها فلا يخلو الأمر من حالين:
الحال الأولى: أن تتلف العين المعارة أو بعض أجزائها بسبب الاستعمال المأذون فيه:
فهنا اختلف الفقهاء في ضمان المستعير لها على قولين:
القول الأول: يجب على المستعير ضمانها. وهو وجه عند الشافعية (٢) ووجه عند الحنابلة (٣).
القول الثاني: لا يجب على المستعير ضمانها. وهو مذهب الحنفية (٤) والمالكية (٥) والصحيح عند الشافعية (٦) والصحيح من مذهب الحنابلة (٧).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
стр. 510
١ - إن العين المعارة وأجزاءها يجب ضمانها قبل استعمالها، فتضمن إذا تلفت وحدها كالأجزاء التي لا تتلف بالاستعمال (١).
نوقش هذا الدليل:
بأن هناك فرقا بين مسألتنا وبين ما إذا تلفت العين أو أجزاؤها قبل الاستعمال؛ لأنه لا يمكن تمييزها من العين؛ ولأنه إنما أذن في إتلافها على وجه الانتفاع، فإذا تلفت قبل ذلك فقد تلفت على غير الوجه الذي أذن فيه، فضمنها، كما لو أجر العين المستعارة، فإنه يضمن منافعها (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - إن إذن المالك في استعمال العين المعارة قد تضمن ما يترتب على الاستعمال من أثر كتلفها، فلم يجب ضمانه، كالمنافع، وكما لو أذن في إتلافها صريحا (٣).
القول المختار:
الذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن القول الثاني هو القول المختار، وذلك لما يأتي:
١ - صحة تعليل أصحاب القول الثاني.
٢ - ضعف تعليل أصحاب القول الأول، وعدم سلامته من الاعتراض.
стр. 511
الحال الثانية: أن تتلف العين المعارة أو بعض أجزائها بسبب غير الاستعمال المأذون فيها:
اختلف الفقهاء في ما إذا تلفت العين المستعارة تحت يد المستعير بسبب غير الاستعمال المأذون فيه، هل يلزمه ضمانها أو لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يلزم المستعير ضمان العارية إذا تلفت تحت يده مطلقا؛ سواء كان ذلك بتعدّ منه أو تفريط أو لم يكن، كما إذا هلكت بآفة سماوية.
وهذا مروي عن عبدالله بن عباس وأبي هريرة وعبدالله بن عمر ومعاذ بن جبل (١) ﵃ أجمعين، وبه قال شريح وعطاء بن أبي رباح (٢)(٣) وأشهب (٤) من
стр. 512
المالكية (١) والشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور عندهم (٢)، وهو الرواية المشهورة عن أحمد، أخذ بها جمهور أصحابه، وهو المذهب عندهم (٣).
القول الثاني: انه لا يلزم المستعير ضمان ما لا يخفى هلاكه من العواري
- كالعقار والحيوانات ونحوها - إلا إذا تعدى أو فرط، ويضمن ما يخفى هلاكه - كالحلي والنقود ونحوها - إلا إذا قامت البينة على عدم التعدي والتفريط فيه. وهذا مذهب المالكية (٤).
القول الثالث: أن العارية تعد أمانة عند المستعير؛ فلا يضمنها إلا بتعد
منه أو تفريط.
وهذا مروي عن عمر بن الخطاب (٥) وعلي بن أبي
стр. 513
طالب (١) ﵄، وبه قال إبراهيم النخعي (٢) والشعبي (٣)
والثوري والأوزاعي (٤) وابن شبرمة (٥)، وهو مذهب الحنفية (٦)، وقول ضعيف عند
стр. 514
الشافعية (١)، وبه قال بعض الحنابلة (٢)، وهو اختيار ابن القيم (٣).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول، وهي كما يأتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤).
وجه الاستدلال: أن الله جلّ وعلا أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وهذا عام يشمل العارية، والأمر بتأدية العارية يقتضي ردّ عينها إن كانت باقية، أو ضمان بدلها إن كانت تالفة.
نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: انه يلزمكم على هذا الاستدلال أن تقولوا بوجوب ضمان الوديع للوديعة، وقد قال به بعض العلماء، ولكنكم لا تقولون بذلك (٥).
الوجه الثاني: أن المستعير مأمور بأداء العارية ما دام قادرا على أدائها، فإن عجز عن أدائها - كأن تلفت- فالله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦).
والأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت (٧).
стр. 515
الوجه الثالث: انه ليس في هذه الآية تضمين؛ لأن أداء الغرامة غير أداء الأمانة، بدليل أنه ليس في الآية أداء غيرها ولا ضمانها (١).
٢ - عن صفوان بن أمية ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: (بل عارية مضمونة)، قال: فضاع بعضها؛ فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (٢).
وجه الاستدلال: يمكن الاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الأول: أن النبي ﷺ نصّ على أن العارية مضمونة.
الثاني: أنه جاء في الحديث أن بعض الدروع ضاع، فعرض النبي ﷺ على صفوان أن يضمنها له (٣).
وقد نوقش الوجه الأول من الاستدلال بهذا الحديث بما يلي:
أولاً: إن هذا الحديث فيه كلام، وقد ضعفه بعض أهل العلم كابن حزم (٤).
ثانياً: إن قول النبي ﷺ : (بل عارية مضمونة) يحتمل أمرين: إما أنها مضمونة بالرد أو مضمونة بالتلف، والأظهر أنها مضمونة بالرد (٥)، وذلك لثلاثة أوجه:
стр. 516
* أحدها: أنه جاء في لفظ آخر لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (بل عارية مؤداة) (١)؛ فهذا يبين أن قوله: (مضمونة) المراد به: المضمونة بالأداء.
* الثاني: أن صفوان بن أمية لم يسأل النبي ﷺ عن تلفها، وإنما سأله: هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها؟ فقال: لا بل أخذ عارية أؤديها إليك. ولو كان سأله عن تلفها وقال: أخاف أن تذهب لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
* الثالث: أن الرسول ﷺ جعل الضمان صفة للعارية نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها دلّ على أنه ضمان أداء (٢).
ثالثاً: إن هذا الحديث محمول على اشتراط الرسول ﷺ الضمان على نفسه، والمستعير وإن كان لا يضمن إلا أنه يضمن بالشرط، كالمودع (٣).
رابعاً: إن استعارة النبي ﷺ كانت بغير إذن صفوان؛ لحاجة المسلمين؛ ولهذا قال: أغصبا يا محمد؟ وعند الحاجة يرخص تناول مال الغير بغير إذنه بشرط الضمان، كحال المخمصة (٤).
وأما الوجه الثاني من الاستدلال بهذا الحديث فقد ناقشه ابن القيم بقوله: «فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع؛ فعرض عليه النبي ﷺ أن
стр. 517
يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب، قيل: هل عرض عليه أمراً واجباً أو أمراً جائزاً مستحباً الأولى فعله، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ومن محاسن الشريعة؟ وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجباً، لم يعرضه عليه، بل كان يفي له به، ويقول: هذا حقك، كما لو كان الذاهب بعينه موجودا؛ فإنه لم يكن ليعرض عليه ردّه فتأمله» (١).
٣ - عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أوجب ضمان ما أخذه الإنسان، وهذا عام يشمل العارية، فيجب على المستعير ضمان العارية مطلقاً، سواء تعدى عليها أو فرط أو لم يتعدّ ولم يفرط.
نوقش هذا الدليل بما يلي:
أولاً: إن الحديث من رواية الحسن (٣) عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه، وضعفه بعض أهل العلم به (٤).
стр. 518
ثانياً: إن الأداء غير التضمين، ولا يلزم من الأمر بالأداء وجوب الضمان، ولو لزم من هذا اللفظ الضمان للزم أن يضمنوا الرهون والودائع وغيرها من الأمانات؛ لأنها مما قبضت اليد، وهم لا يقولون بذلك فيها، فيلزمهم أن لا يقولوا به في العارية (١).
٤ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع يقول: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم) (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أوجب أداء العواري، والأداء هنا يشمل ضمانها إذا تلفت.
نوقش هذا الاستدلال: أن الأمر بتأدية العارية لا يستلزم ضمانها إذا تلفت؛ فإن أداء الغرامة غير أداء الأمانة، كالعارية، بدليل أنه ليس في الحديث أداء غيرها ولا ضمانها (٣).
٥ - إن المستعير قد أخذ ملك غيره لنفع نفسه، منفردا بنفعه، من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف، فكان مضمونا كالغصب والمأخوذ على وجه السوم (٤).
стр. 519
نوقش هذا التعليل: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الغاصب أخذ العين بدون إذن مالكها، فيجب عليه الضمان، لتعديه، بخلاف المستعير فقد أخذ العين بإذن مالكها، فلم يجب عليه الضمان إلا بالتعدي والتفريط كالوديعة (١).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والعقل، وقد جعلتها في قسمين:
القسم الأول: الأدلة على عدم الضمان - فيما لا يغاب عنه ولا يخف هلاكه - إلا بتعد أو تفريط، وهي:
١ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ليس على المستعير غير المغل (٢)
ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان) (٣).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نفي الضمان عن المستعير إذا لم يغل، وهذا محمول على ما لا يغاب عنه ولا يخفى هلاكه.
نوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يصح؛ لوجود رجلين ضعيفين في إسناده، كما بينته في الحاشية.
стр. 520
الثاني: أنه على فرض صحة الحديث فإنه يحتمل أن الرسول ﷺ أراد ضمان المنافع والأجرة (١).
٢ - إن ما لا يغاب عنه ولا يخفى هلاكه من الحيوان والعقار ونحوها، قد قبضه لاستيفاء منفعة نفسه، فلم يضمن به مع عدم التعدي كالعبد الموصى بخدمته والعبد المستأجر والدار (٢).
٣ - إن ما لا يغاب عنه ولا يخفى هلاكه - كالحيوان والعقار ونحوها - أعيان مستعارة قبضت لاستيفاء منفعة تطوع بها المالك، فلم يضمن تلفها - إذا لم يتعد ولم يفرط - كالأجراء والعبد الموصى بخدمته (٣).
نوقش هذان التعليلان:
إن ما ذكرتم منطبق - أيضا - على ما يغاب عنه ويخفى هلاكه، فلماذا هذا التفريق؟ وأين الدليل على هذا التفريق؟.
القسم الثاني: الأدلة على وجوب الضمان فيما يغاب عنه ويخفى هلاكه إلا إذا قامت بينة على عدم التعدي أو التفريط:
١ - عن صفوان بن أمية ﵁ أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: (بل عارية مضمونة) (٤).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بين أن العارية مضمونة، وقد جاء في السلاح، وهو مما يغاب عنه ويخفى هلاكه، فيحمل هذا الحديث على ما يغاب عنه
стр. 521
ويخفى هلاكه كالحلي والنقود، جمعا بينه وبين حديث عبدالله بن عمرو ﵄ السابق (١).
يناقش هذا الدليل: بما نوقش به عند استدلال أصحاب القول الأول به.
٢ - إن المستعير قبض العارية لمنفعته، فجاز أن يتعلق بها الضمان كالقرض (٢).
نوقش هذا التعليل: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن القرض تمليك، والعارية إباحة، فلم يصح قياس أحدهما على الآخر، كما أنه قد يعارض هذا القياس بمثله، وهو: أن العارية دفع مال بغير عوض كالوديعة (٣).
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول، وهي كما يأتي:
١ - قال الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤).
٢ - وقال - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥).
وجه الدلالة من هاتين الآيتين الكريمتين:
إن الله - جل وعلا - نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وإيجاب الضمان على المستعير في حالة عدم تعدية أو تفريطه يعد من أكل أموال الناس بالباطل؛ إذ لم يدل عليه كتاب ولا سنة (٦).
стр. 522
٣ - قال الله : ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١).
٤ - وقال - جل وعلا -: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٢).
وجه الدلالة من هاتين الآيتين الكريمتين:
إن الله بين أنه لا سبيل على المحسنين، وإنما السبيل على الظالمين، والمستعير - ما لم يتعد أو يفرط - محسن؛ فلا سبيل عليه بغرم (٣).
٥ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٤).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حرم أموال المسلمين وأخذها بغير وجه حق، ومن ذلك إيجاب الضمان على المستعير إذا لم يتعد أو يفرط؛ إذ لم يدل عليه نص من القرآن أو السنة.
مناقشة الأدلة الخمسة السابقة:
يمكن أن تناقش هذه الأدلة الخمسة بأنها أدلة عامة، وقد جاء في أدلة القول الأول والثاني ما هو أخص من هذه الأدلة؛ فيقضى بالخاص على العام.
ويجاب عنه: بأن هذه الأدلة الخاصة التي ذكرتموها، قد تقدم الإجابة عنها في مواضعها من أدلة القول الأول والثاني.
стр. 523
٦ - عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع يقول: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم) (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن العارية مؤداة إلى صاحبها، وهذا يدل على أنها أمانة؛ لقول الله - جل وعلا -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢)، وشأن الأمانات أنها لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٣).
٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان) (٤).
٨ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا ضمان على مؤتمن) (٥).
وجه الدلالة من هذين الحديثين: إن النبي ﷺ نفى الضمان عن المستعير - إذا لم يغل - كما نفى الضمان عن الأمين، وهو يشمل المستعير.
نوقش هذان الحديثان بما يلي:
١ - إن الحديثين ضعيفان - كما بينته عند تخريجهما في الحاشية - فلا يستند إليهما.
стр. 524
٢ - أنه على فرض صحة الحديثين فإنه يحتمل أن الرسول ﷺ أراد ضمان المنافع والأجرة (١).
٣ - «أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان كالوديعة والإجارة؛ لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، وفعله الموجود منه ظاهراً هو العقد والقبض، وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان، أما العقد فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا أو إباحة على اختلاف الأصلين».
وأما القبض فلوجهين:
أحدهما: أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سبباً لوجوب الضمان، فبالإذن أولى؛ وهذا لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات اليد على مال الغير وحفظه وصيانته عن الهلاك، وهذا إحسان في حق المالك، قال الله ﵎ وجل شأنه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٢)، وقال ﵎: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣)، فدل ذلك على أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان، فمع الإذن أولى.
الثاني: أن القبض المأذون فيه لا يكون تعديا؛ لأنه لا يفوت يد المالك، ولا ضمان إلا على المتعدي، قال الله ﵎: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، بخلاف قبض الغصب» (٥).
стр. 525
القول المختار:
بعد استعراض أدلة الأقوال الثلاثة، يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الثالث، وهو أن العارية أمانة عند المستعير، لا يضمنها إلا إذا تعدى عليها أو فرط فيها، وذلك للأمور التالية:
١ - لقوة أدلة القول الثالث وسلامة أغلبها من الاعتراضات.
٢ - إن أدلة القول الأول والثاني لا تخلو من أحد أمرين:
(أ) أن تكون أدلة ضعيفة.
(ب) أن تكون أدلة صحيحة إلا أنها غير سالمة من ورود الاعتراضات عليها.
٣ - إن الأصل الشرعي هو عدم الضمان؛ لأن مال المستعير معصوم بعصمة الإسلام، فلا يلزم منه شيء إلا بأمر الشارع، ولم يأت نص من القرآن أو السنة يدل على ضمان المستعير (١).
وبهذا يتبين عدم صحة هذا الضابط الفقهي الذي يفيد بأن العارية مضمونة، وأن الصحيح فيه هي الصيغ التي تفيد بأن العارية أمانة، والله تعالى أعلم.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن هناك مسألة تتصل بهذا الضابط، وهي: اشتراط الضمان على المعير - إذا قلنا إنه أمين -، أو اشتراط نفي الضمان على المعير ... - إذا قلنا إنه ضامن -، وقد تقدم بحثها بالتفصيل في قاعدة: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه» المندرجة تحت قاعدة: «المفرط ضامن» (٢).
стр. 526
المطلب الخامس
من فروع الضابط
هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذا الضابط الفقهي، أذكر منها ما يلي:
١ - إذا سقطت المرآة المعارة من يد المستعير بلا عمد، أو زلقت رجله فسقطت المرآة وانكسرت، لم يلزم المستعير الضمان على الصحيح (١).
٢ - إذا استعار بغلاً، فصار أعرج بالاستعمال المعتاد، لم يجب ضمانه على المستعير على الصحيح (٢).
٣ - لو ربط المستعير البغل المستعار بحبل حسب العادة، فاختنق، لا يلزم المستعير الضمان على الصحيح؛ لأن هذه المعاملة معتادة (٣).
٤ - لو دخل أحد الحمام وأخذ في الاغتسال، فسقط الإناء المستعار من يده، وتشوه، لم يلزم المستعير الضمان (٤).
٥ - لو استعار أحد سلاحا لمحاربة العدو، فانكسر السلاح - كأن كان ... سيفاً - أثناء القتال، فلا يلزم ضمان على المستعير (٥).
٦ - لو زلت قدم أحد وهو لابس ثيابا مستعارة فتمزقت، فلا يلزم ضمان على المستعير على الصحيح (٦).
стр. 527
٧ - لو وقع على البساط المعار شيء، فتلوثت به، ونقصت قيمته، فلا ضمان على المستعير على الصحيح (١).
٨ - لو قصد المعير على الدابة المعارة إلى محل معتاد مسمى، ورجع منه فضعفت الدابة، أو كانت حبلى فأسقطت، فلا يلزم المستعير ضمان على الصحيح (٢).
٩ - إذا أحضر المستعير العين المعارة للمعير، فقال له المعير: ضعه هنا، فسقط منه - بينما كان يضعه من غير تقصير - وانكسر، لا يلزم الضمان المستعير على الصحيح (٣).
١٠ - إذا أصبحت الثياب المستعارة بحالة لا ينتفع بها باستعمال المستعير إياها على الوجه المعتاد، فلا يلزم ضمان على المستعير على الصحيح (٤).
١١ - إذا استعار دابة لمحل، فذهب إلى محل آخر أطول مسافة، وتلفت الدابة أو طرأ على قيمتها نقصان، فإنه على المستعير الضمان؛ وذلك لتعديه (٥).
١٢ - إذا نبّه المعير المستعير بأن دابته لا تحفظ بدون مقود، وأنه يجب قودها بمقود، وألا يترك حبلها على غاربها، فقادها المستعير بدون مقود، فتعبت الدابة وسقطت وعطبت رجلها، لزم الضمان؛ لأن المستعير فرط وخالف شرطاً مقيداً (٦).
стр. 528
المطلب السادس
في مستثنيات الضابط
استثنى فقهاء الشافعية بعض المسائل الفقهية التي خرجت عن هذا الضابط، وذلك بناءً على قولهم إن العارية مضمونة، وأما على القول المختار - وهو أن العارية أمانة غير مضمونة - فإنه لا يكون ثمة داع للاستثناء، وهذه هي المسائل المستثناة:
١ - إذا أحرم شخص وفي ملكه صيد، وقلنا: زال ملكه بالإحرام، فإذا أعاره لم يضمنه المستعير؛ لأنه لا ملك له (١).
ثم عقّب عبد الوهاب السبكي - بعد ذكر هذا المستثنى - بقوله: «قلت: ولا يصح استثناء هذه، فإنه لا معير في الحقيقة» (٢).
٢ - إذا استعار شخص عينا ليرهنها، فتلفت في يد المرتهن، فإن المستعير لا يضمنها على الأصح؛ لأن سبيله سبيل الضمان (٣).
٣ - إذا استعار شخص من المستأجر أو الموصى له بالمنفعة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يضمن كما لو استعاره من المالك.
стр. 529
والثاني: أنه لا يضمن، وهو الأصح؛ لأن المستأجر لا يضمن، وهو نائب عنه (١).
٤ - إذا تلفت العارية بالاستعمال المأذون فيه - كما إذا انمحق الثوب - فلا ضمان على الأصح (٢).
٥ - إذا تلفت العارية في شغل المالك - كما إذا أرسله في حاجته وأعاره دابة ليركبها في هذه الحاجة، وكذا لو لقيه في الطريق ومعه دواب، فأركبه دابة ليحفظها - فإن المستعير لا يضمن (٣).
стр. 530
المبحث الخامس
الضابط الفقهي إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فرهنه،
فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان ؟
هذا الضابط الفقهي عبارة عن مسألة يتجاذبها عقدان: عقد العارية وعقد الضمان، وهي تدخل ضمن الفروع الفقهية الدائرة بين أصلين (١)، وقد تناولتها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت أربع صيغ استفهامية لهذا الضابط الفقهي، كلها من نصيب المذهب الشافعي، وهذه هي الصيغ كما يأتي:
١ - قال أبو عبد الله ابن الوكيل: «قاعدة: إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فرهنه، فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان؟» (٢).
٢ - قال أبو سعيد العلائي: «إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فسبيل هذا سبيل العارية أم سبيل الضمان؟» (٣).
٣ - قال أبو بكر الحصني: «إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فهل سبيله سبيل العارية أم الضمان؟» (٤).