المطلب الخامس
من فروع الضابط
هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذا الضابط الفقهي، أذكر منها ما يلي:
١ - إذا سقطت المرآة المعارة من يد المستعير بلا عمد، أو زلقت رجله فسقطت المرآة وانكسرت، لم يلزم المستعير الضمان على الصحيح (١).
٢ - إذا استعار بغلاً، فصار أعرج بالاستعمال المعتاد، لم يجب ضمانه على المستعير على الصحيح (٢).
٣ - لو ربط المستعير البغل المستعار بحبل حسب العادة، فاختنق، لا يلزم المستعير الضمان على الصحيح؛ لأن هذه المعاملة معتادة (٣).
٤ - لو دخل أحد الحمام وأخذ في الاغتسال، فسقط الإناء المستعار من يده، وتشوه، لم يلزم المستعير الضمان (٤).
٥ - لو استعار أحد سلاحا لمحاربة العدو، فانكسر السلاح - كأن كان ... سيفاً - أثناء القتال، فلا يلزم ضمان على المستعير (٥).
٦ - لو زلت قدم أحد وهو لابس ثيابا مستعارة فتمزقت، فلا يلزم ضمان على المستعير على الصحيح (٦).
стр. 527
٧ - لو وقع على البساط المعار شيء، فتلوثت به، ونقصت قيمته، فلا ضمان على المستعير على الصحيح (١).
٨ - لو قصد المعير على الدابة المعارة إلى محل معتاد مسمى، ورجع منه فضعفت الدابة، أو كانت حبلى فأسقطت، فلا يلزم المستعير ضمان على الصحيح (٢).
٩ - إذا أحضر المستعير العين المعارة للمعير، فقال له المعير: ضعه هنا، فسقط منه - بينما كان يضعه من غير تقصير - وانكسر، لا يلزم الضمان المستعير على الصحيح (٣).
١٠ - إذا أصبحت الثياب المستعارة بحالة لا ينتفع بها باستعمال المستعير إياها على الوجه المعتاد، فلا يلزم ضمان على المستعير على الصحيح (٤).
١١ - إذا استعار دابة لمحل، فذهب إلى محل آخر أطول مسافة، وتلفت الدابة أو طرأ على قيمتها نقصان، فإنه على المستعير الضمان؛ وذلك لتعديه (٥).
١٢ - إذا نبّه المعير المستعير بأن دابته لا تحفظ بدون مقود، وأنه يجب قودها بمقود، وألا يترك حبلها على غاربها، فقادها المستعير بدون مقود، فتعبت الدابة وسقطت وعطبت رجلها، لزم الضمان؛ لأن المستعير فرط وخالف شرطاً مقيداً (٦).
стр. 528
المطلب السادس
في مستثنيات الضابط
استثنى فقهاء الشافعية بعض المسائل الفقهية التي خرجت عن هذا الضابط، وذلك بناءً على قولهم إن العارية مضمونة، وأما على القول المختار - وهو أن العارية أمانة غير مضمونة - فإنه لا يكون ثمة داع للاستثناء، وهذه هي المسائل المستثناة:
١ - إذا أحرم شخص وفي ملكه صيد، وقلنا: زال ملكه بالإحرام، فإذا أعاره لم يضمنه المستعير؛ لأنه لا ملك له (١).
ثم عقّب عبد الوهاب السبكي - بعد ذكر هذا المستثنى - بقوله: «قلت: ولا يصح استثناء هذه، فإنه لا معير في الحقيقة» (٢).
٢ - إذا استعار شخص عينا ليرهنها، فتلفت في يد المرتهن، فإن المستعير لا يضمنها على الأصح؛ لأن سبيله سبيل الضمان (٣).
٣ - إذا استعار شخص من المستأجر أو الموصى له بالمنفعة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يضمن كما لو استعاره من المالك.
стр. 529
والثاني: أنه لا يضمن، وهو الأصح؛ لأن المستأجر لا يضمن، وهو نائب عنه (١).
٤ - إذا تلفت العارية بالاستعمال المأذون فيه - كما إذا انمحق الثوب - فلا ضمان على الأصح (٢).
٥ - إذا تلفت العارية في شغل المالك - كما إذا أرسله في حاجته وأعاره دابة ليركبها في هذه الحاجة، وكذا لو لقيه في الطريق ومعه دواب، فأركبه دابة ليحفظها - فإن المستعير لا يضمن (٣).
стр. 530
المبحث الخامس
الضابط الفقهي إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فرهنه،
فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان ؟
هذا الضابط الفقهي عبارة عن مسألة يتجاذبها عقدان: عقد العارية وعقد الضمان، وهي تدخل ضمن الفروع الفقهية الدائرة بين أصلين (١)، وقد تناولتها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت أربع صيغ استفهامية لهذا الضابط الفقهي، كلها من نصيب المذهب الشافعي، وهذه هي الصيغ كما يأتي:
١ - قال أبو عبد الله ابن الوكيل: «قاعدة: إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فرهنه، فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان؟» (٢).
٢ - قال أبو سعيد العلائي: «إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فسبيل هذا سبيل العارية أم سبيل الضمان؟» (٣).
٣ - قال أبو بكر الحصني: «إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فهل سبيله سبيل العارية أم الضمان؟» (٤).
стр. 531
٤ - قال جلال الدين السيوطي: «العين المستعارة للرهن، هل المغلب فيها جانب الضمان أو جانب العارية؟» (١).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
ليرهنه: من الرهن، وهو في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: (ماء راهن) أي راكد، (ونعمة راهنة) أي دائمة، ويطلق الرهن على الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢) أي: محبوسة، وهو قريب من الأول؛ لأن المحبوس ثابت في مكانه لا يزايله (٣).
والرهن في اصطلاح الفقهاء: «جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه» (٤).
العقد: سبق تعريفه في اللغة والاصطلاح (٥)، والمراد به هنا: «ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله» (٦).
العارية: سبق تعريفها - قريبا - في اللغة والاصطلاح (٧)، وهي: «إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه» (٨).
стр. 532
الضمان: المراد به هنا عقد الكفالة - وقد سبق تعريفه (١) - وهو: «التزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة» (٢).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
من استعار مالا يريد أن يرهنه بدين عليه، ثم رهنه؛ فما هي ماهية هذا العقد؟ فيه قولان:
الأول: أنه عارية.
والثاني: أنه عقد ضمان.
والعقد فيه شائبة من عقد العارية، وشائبة من عقد الضمان، وليس القولان في أنه محض عارية أو محض ضمان، وإنما هما في أيهما المغلب؟ (٣).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
يمكن تناول هذا المطلب من خلال الفروع الثلاثة الآتية:
الفرع الأول: في حكم رهن المستعار:
اتفق الفقهاء على أنه يجوز للشخص أن يستعير عينا - كدابة أو دار - ليجعلها
стр. 533
رهنا في دين عليه (١).
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، حيث يقول: «وأجمعوا على أن الرجل إذا استعار من الرجل الشيء، يرهنه على دنانير معلومة، عند رجل سمي له، إلى وقت معلوم، فرهن ذلك على ما أذن له فيه؛ أن ذلك جائز» (٢).
وكذلك حكاه برهان الدين ابن مفلح حيث قال: «إذا استعار شيئاً ليرهنه جاز إجماعاً» (٣).
وقد عللوا ذلك بما يأتي:
١ - إن الرهن توثيق، وهو يحصل بما لا يملك الراهن، بدليل الإشهاد والكفالة (٤).
٢ - إن المستعير للرهن قد استعاره ليقضي به حاجته، فيصح كسائر العواري (٥).
لكن الفقهاء يشترطون لجواز رهن العارية أن يأذن المعير بذلك (٦)، معللين ذلك بما يأتي:
стр. 534
١ - إن الرهن إيفاء، وليس للمستعير أن يوفي دينه بمال غيره، بغير إذنه (١).
٢ - إن في رهن العارية إضرارا بالمعير؛ لأن الرهن عقد لازم بعد القبض من جهة الراهن، فصار كالإجارة، فلا يصح إلا بإذن المعير (٢).
٣ - إن الإعارة من العقود غير اللازمة، فهي دون الرهن والإيجار؛ لأن الرهن والإيجار من العقود اللازمة التي هي فوق الإعارة، والشيء لا يتضمن ما فوقه، فلم يصح (٣).
الفرع الثاني: في التكييف الفقهي لرهن المستعار:
اختلف الفقهاء في رهن العين المستعارة، هل المغلب فيها عقد العارية أم عقد الضمان (الكفالة)؟ على قولين:
القول الأول: انه عقد ضمان دين، ومعناه: أنه ضمن مال الغير في رقبة ماله، وهو الأصح عند الشافعية (٤).
وقد عللوا ذلك بما يأتي:
١ - إن المعير ضمن مال الغير في رقبة ماله، كما لو أذن لعبده في ضمان دين غيره، فإنه يصح، وتكون ذمته فارغة (٥).
стр. 535
٢ - إن العارية هي ما يستحق به المستعير منفعة العين، والمنفعة هاهنا للمالك، فدل على أنه ضمان (١).
وأجيب عنه: بأن المستعير يستحق بالعارية النفع المأذون فيه، وما عداه من النفع فهو لمالك العين (٢).
٣ - إن رهن المستعار لو كان عارية لم يصح؛ لأن الرهن ينبغي أن يلزم بالقبض، والعارية لا تلزم (٣).
وأجيب عنه: بأن العارية غير لازمة من جهة المستعير؛ فإن لصاحب العبد المطالبة بفكاكه قبل حلول الدين، ولأن العارية قد تكون لازمة فيما إذا أعاره حائطا ليبني عليه، أو أرضا ليزرع فيها، ثم هو منقوض بما إذا استعاره ليرهنه بدين موصوف عند رجل معين إلى أجل معلوم (٤).
القول الثاني: انه عقد عارية، وهو قول عند الشافعية (٥) ومذهب الحنابلة (٦).
وقد عللوا ذلك بما يأتي:
١ - إن المستعير قبض مال الغير بإذنه لينتفع به ضرب انتفاع، فأشبه ما لو استعاره للخدمة (٧).
стр. 536
٢ - إن المعير أعار المستعير ليقضي منها حاجته، فلم يكن ضامنا كسائر العواري (١).
القول المختار:
لم يبد لي شيء في اختيار أحد القولين؛ لأن العقد فيه شائبة من عقد العارية وشائبة من عقد الضمان، ثم إن القولين ليسا في تمحض كل منهما، بل هما في أن المغلب منهما ما هو؟ (٢)، والله تعالى أعلم.
الفرع الثالث: في ضمان العين المستعارة المرهونة:
إذا تلفت العين المستعارة المرهونة، فلا يخلو الأمر من حالين: إما أن تتلف بيد المستعير الراهن، أو بيد المرتهن، وبيانها على النحو الآتي:
الحالة الأولى: أن تتلف بيد المستعير الراهن:
إذا تلفت العين المستعارة المرهونة عند المستعير الراهن قبل أن يرهنه أو بعد ما افتكه، فإن حكمها حكم تلف العين المعارة بيد المستعير، وقد تقدم تفصيل ذلك في المبحث السابق المتعلق بالضابط الفقهي: العارية مضمونة، فليرجع إليه (٣).
الحالة الثانية: أن تتلف بيد المرتهن:
إذا تلفت العين المستعارة المرهونة في يد المرتهن، فإن العلماء اختلفوا على أربعة أقوال، أذكرها - مع ذكر تعليل كل قول معه - على النحو الآتي:
стр. 537
القول الأول: إذا رهن المستعير العين المعارة بدون إذن المعير، فهلكت العين المعارة بيد المرتهن، وجب ضمانها على المستعير؛ لأنه متعد فصار غاصبا.
أما إذا رهن المستعير العين المعارة بإذن المعير، فهلكت في يد المرتهن، صار المرتهن مستوفيا لدينه، ووجب للمعير على الراهن المستعير مثله؛ لأنه صار قاضيا دينه فيرجع بمثله، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: إذا هلكت العين المستعارة عند المرتهن، وهي مما يغاب عنها، توجه الغرم على المستعير والمرتهن - كما في كل عارية ورهن غير معار -، فيتبع المعير المستعير بالقيمة يوم قبض العارية، ويتبع المستعيرُ - وهو الراهن - المرتهنَ بقيمتها، فيقاصه من دينه، فمن فضل له شيء رجع به، وإن كان الرهن لا يغاب عنه فلا ضمان - كما في العارية والرهن غير المعار، وهذا مذهب المالكية (٢).
القول الثالث: إذا تلفت العين المستعارة عند المرتهن بلا تعد منه أو تفريط؛ فلا ضمان على المرتهن بحال؛ لأنه أمين، ولا ضمان على المستعير - وهو الراهن - لأن العقد عقد ضمان دين ولم يسقط الحق عن ذمة الراهن. وهذا قول عند الشافعية (٣).
стр. 538
القول الرابع: إذا تلفت العين المستعارة بيد المرتهن، وجب الضمان على المستعير الراهن؛ لأن العقد عقد عارية، والعارية مضمونة. وهذا قول عند الشافعية (١) والصحيح من مذهب الحنابلة (٢).
القول المختار:
لعل أقرب الأقوال إلى الصواب القول الثالث، ويمكن أن أزيده توضيحا فأقول:
إذا رهن المستعير العين المعارة بدون إذن المعير، فتلفت العين المعارة بيد المرتهن، وجب ضمانها على المستعير؛ وذلك لأنه متعد، فصار غاصبا.
أما إذا رهن المستعير العين المعارة بإذن المعير، فتلفت بيد المرتهن؛ فإن كان ذلك بتعد وتفريط من المرتهن وجب عليه الضمان، وإن كان بغير تعد وتفريط من المرتهن فلا ضمان عليه؛ لأنه أمين (٣).
وأما الراهن - وهو المستعير - فلا ضمان عليه؛ لأنه أمين ولم يحصل منه تعد أو تفريط (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب.
المطلب الخامس
من فروع الضابط
ذكر فقهاء الشافعية فروعا فقهية كثيرة تتخرج على القولين في التكييف الفقهي لرهن المستعار، وهي كما يأتي:
١ - إذا أذن المعير في رهن عينه، فهل له الرجوع عنه بعد قبض المرتهن؟ إن
стр. 539
قلنا: ضمان فلا، وإن قلنا: عارية فوجهان، أصحهما: أنه لا يرجع، وإلا لم تكن لهذا الرهن فائدة (١).
٢ - هل للمالك إجبار الراهن على فك الرهن؟ أما على القول بأنه يرجع ويسترد متى شاء فلا حاجة إلى ذلك، وأما على القول بأنه ليس له الرجوع؛ فإن قلنا: إنه عارية، فله إجباره على فك الرهن، وإن قلنا: إنه ضمان، فإن كان الدين حالاًّ فكذلك، وإن كان مؤجلاً فلا، كمن ضمن دينا مؤجلاً لا يطالب الأصيل بتعجيله لتبرأ ذمته (٢).
٣ - لا بد من معرفة المعير جنس الدين وقدره وصفته، بناء على القول بأنه ضمان، وعلى القول بأنه عارية لا يشترط شيء من ذلك (٣).
٤ - إذا حل الدين، وبيع الرهن فيه، فإن قلنا: عارية رجع المالك بقيمته، وإن قلنا: ضمان رجع بما بيع به سواء كان أقل أو أكثر (٤).
٥ - إذا تلف الرهن المستعار في يد المرتهن، فإن قلنا إنه عارية فعلى الراهن الضمان، وإن قلنا إنه ضمان فلا شيء على الراهن ولا على المرتهن، وإن تلف في يد الراهن فعلى القولين كما لو تلف في يد المرتهن (٥).
٧ - إذا جنى العبد المرهون، فبيع في الجناية، فعلى القول بالضمان: لا شيء على الراهن، وعلى القول بالعارية: يلزم الراهن الضمان (٦).
стр. 540
المبحث السادس
الضابط الفقهي، كل من غصب شيئاً لزمه رده أو رد قيمته
هذا الضابط الفقهي هو أحد الضوابط الفقهية المندرجة تحت قاعدة: (المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة). وقد تناولتها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
لهذا الضابط الفقهي عدة صيغ، هي من نصيب المذهب الشافعي، وهذه هي، حسب الترتيب الزمني للقائل:
١ - قال عبد الوهاب السبكي وأبو حفص ابن الملقن: «كل من غصب شيئاً لزمه رده أو رد قيمته» (١).
٢ - قال بدر الدين البكري: «من غصب شيئاً وجب عليه رده» (٢).
٣ - وقال أيضا: «من غصب مالاً ثم رده عليه برئ من ضمانه» (٣).
٤ - قال جلال الدين السيوطي: «كل من غصب شيئاً وجب رده» (٤).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
غصب: سبق تعريفه (٥)، وهو - باختصار -:
في اللغة: بمعنى أخذ الشيء على وجه الظلم والقهر (٦).
стр. 541
وفي اصطلاح الفقهاء: «استيلاء على حق غيره قهرا بغير حق» (١).
لزمه: أي وجب عليه.
رد قيمته: المراد به هنا - في الضابط - مطلق الضمان سواء كان بالمثل أم بالقيمة، وليس المراد به خصوص القيمة المقابلة للمثل (٢).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
يجب على من غصب مالاً لغيره، أن يرده إن كان باقيا بعينه، وأما إن كان تالفا فيجب عليه ضمانه.
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
اتفق الفقهاء على أن الغصب أحد الأسباب الموجبة للضمان، وأن من غصب مالاً من صاحبه وجب عليه ضمانه (٣).
وأما كيفية الضمان فقد سبق بيانه تحت قاعدة: «المثلي مضمون بمثله والمتقوّم بالقيمة» (٤)، وهي باختصار: إذا كان المال المغصوب باقيا بعينه، فإنه يجب على
стр. 542
الغاصب رده بعينه، وأما إذا تلف فإنه يجب عليه ضمانه بمثله، فإن تعذر المثل ضمنه بقيمته.
وقد استدلوا على أن الغصب سبب موجب للضمان بما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
(١).
٢ - وقال جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
٣ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٣).
٤ - ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (٤).
وجه الدلالة من هاتين الآيتين الكريمتين والحديثين الشريفين: إن الشارع الحكيم حرّم أكل أموال الناس بالباطل، والغصب من جملة أكل أموال الناس بالباطل، وهذا يقتضي وجوب ردّها إلى أصحابها إن كانت باقية، أو ضمانها إن كانت تالفة.
٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (٥).
стр. 543
٦ - عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (١).
٧ - عن يزيد بن السائب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعباً أو جادّا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه) (٢).
وجه الدلالة من هذه الأحاديث الثلاثة: دلت الأحاديث الثلاثة على وجوب رد ما أخذ من الغير إن كان باقيا، وضمانه إن كان تالفا.
٨ - اتفق الفقهاء على أن الغصب أحد الأسباب الموجبة للضمان، وأنه يجب على من غصب مالا من صاحبه أن يضمنه (٣).
المطلب الخامس
من فروع الضابط
هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذا الضابط الفقهي، أكتفي بالتمثيل لها بما يأتي:
١ - من غصب شيئاً فعجز عن رده - كعبد أبق، أو دابة شردت - فللمغصوب منه المطالبة ببدله (٤).
٢ - من غصب دراهم أو دنانير، ثم تلفت عنده؛ وجب عليه ضمانها بمثلها (٥).
стр. 544
٣ - إذا غصب حيوانا؛ لزمه رده إذا كان باقيا بعينه (١).
٤ - إذا غصب من شخص سيارة، وجب عليه ردها إن كانت باقية بعينها، أو ضمانها إن كانت تالفة.
٥ - إذا غصب ثوبا من آخر؛ لزمه رده إن كان موجودا بحاله، وإلا ضمنها إن كانت تالفة (٢).
٦ - إذا غصب حذاءً من رجل، وجب عليه إرجاعه إن كان موجودا بحاله، أو ضمانه إن كان تالفا (٣).
стр. 545
المبحث السابع
الضابط الفقهي، الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض
مضمون ضمان عقد أو ضمان يد ؟
هذا أحد ضوابط مسألة تردد الشيء بين أصلين، فيختلف الحكم فيها بحسب هذين الأصلين، وتبتنى عليها فروع عديدة، وقد تقدم منها: «إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين فرهنه، فسبيل هذا العقد سبيل العارية أو الضمان؟» (١).
وقد تناولت هذا الضابط من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت صيغتان استفهاميتان لهذا الضابط الفقهي، كلتاهما من صياغة علماء المذهب الشافعي، وهما كما يأتي:
١ - قال أبو عبد الله ابن الوكيل: «قاعدة: الصداق هل يضمنه الزوج ضمان العقد أو ضمان اليد - كالمستعير والمستام - وهو المضمون بالقيمة؟» (٢).
٢ - قال أبو سعيد العلائي: «الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض، مضمون عليه ضمان العقد أو ضمان اليد؟» (٣).
стр. 546
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
الصداق في اللغة: يطلق على مهر الزوجة، سمي بذلك لقوته وأنه حق يلزم، والصداق مأخوذ من الصدق ضد الكذب (١).
وفي اصطلاح الفقهاء: «هو اسم المال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطء» (٢).
ضمان عقد أو ضمان يد: العقد واليد قسمان من أقسام أسباب الضمان، وثالثهما الإتلاف، فالعقد كالبيع والسلم والإجارة ونحو ذلك، واليد كيد الغاصب ونحوه، وقد تقدم بيان ذلك في مطلب أسباب الضمان في التمهيد (٣).
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
إذا عيّن الزوج مهر زوجته، ثم تلف المهر في يد الزوج قبل أن تقبضه الزوجة، فهنا هل يضمنه الزوج ضمان عقد؛ بحيث يضمنه بمهر المثل، أو يضمنه ضمان يد؛ بحيث يضمنه بالمثل أو القيمة؟ على قولين.
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
اختلف الفقهاء في الصداق المعين إذا تلف في يد الزوج قبل القبض، هل يكون مضمونا عليه ضمان عقد أو ضمان يد؟ على قولين:
стр. 547
القول الأول: انه مضمون على الزوج ضمان عقد، وعليه فإنه يضمنها بمهر المثل، وهو القول الجديد الصحيح عن الشافعي (١).
وقد عللوا ذلك بما يأتي:
* إن الصداق مملوك بعقد معاوضة، فكان في يد الزوج كالمبيع في يد البائع، فإذا تلف العوض - وهو المهر - وجب الرجوع في المعوَّض، فإذا تعذر رده رجع إلى قيمته، كالمبيع، ومهر المثل هو القيمة، فوجب الرجوع إليه (٢).
نوقش: بأن هناك فرقا بين المهر إذا تلف والمبيع إذا تلف؛ لأن البيع ينفسخ ويزول سبب الاستحقاق، بخلاف المهر فإن عقد النكاح لا ينفسخ بهلاكه (٣).
القول الثاني: انه مضمون على الزوج ضمان يد، وعليه فإنه يضمنها بالبدل، وذلك بمثله أو قيمته، وهو مذهب الحنفية (٤) والمالكية (٥) والقول القديم
стр. 548
للشافعي (١) ومذهب الحنابلة (٢).
وقد عللوا ذلك بما يأتي:
١ - إن النكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، وما لا ينفسخ العقد بتلفه في يد العاقد يكون مضمونا ضمان اليد، كما لو غصب البائع المبيع من المشتري بعد القبض، فإنه يضمنه ضمان اليد (٣).
نوقش: بأن كون النكاح لا يفسد بفساد الصداق؛ لأن الصداق ليس ركنا في النكاح، لكنه إذا ثبت ثبت عوضاً (٤).
٢ - إن كل عين يجب تسليمها مع وجودها إذا تلفت مع بقاء سبب استحقاقها، فالواجب بدلها، كالمغصوب والقرض والعارية (٥).
مبنى الخلاف:
قال أبو زكريا النووي: «قال الأصحاب: القولان في ضمان العقد واليد، مبنيان على أن الصداق نحلة وعطية، أم عوض كالعوض في البيع؟ وربما ردوا
стр. 549
القولين إلى أن الغالب عليه شبه النحلة أم العوض؟ ودليل النحلة قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١)؛ ولأن النكاح لا يفسد بفساده ولا ينفسخ برده.
ودليل العوض أن قوله: زوجتك بكذا كقوله: بعتك بكذا؛ أو لأنها تتمكن من الرد بالعيب، ولأنها تحبس نفسها لاستفيائه، ولأنه تثبت الشفعة فيه، وهذا أصح.
وأجابوا عن الآية بجوابين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون المراد بالنحلة: الدِّين، يقال: فلان ينتحل كذا، فالمعنى: آتوهن صدقاتهن تدينا.
والثاني: يجوز أن يكون المعنى: عطية من عند الله تعالى لهن، وإنما لا يفسد النكاح بفساده، لأنه ليس ركنا في النكاح، مع أنه حكي قول قديم أنه يفسد النكاح بفساد الصداق» (٢).
القول المختار:
الذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو الثاني، وهو أن الزوج يضمن بدل المهر المسمى مثله أو قيمته لا مهر المثل؛ «لأن النكاح هنا لم يفسد، فلم يجب رد المستحق به - وهو البضع -، وإذا لم يجب رد البضع لم يجب رد بدله، بل الواجب هو إعطاء المسمى إن أمكن وإلا فبدله، فكان بدل
стр. 550
المسمى هو الواجب، وهو أقرب إلى ما تراضوا به من بدل البضع، وفي سائر العقود إذا فسدت نوجب رد العين أو بدلها» (١).
المطلب الخامس
من فروع الضابط
هذه بعض المسائل الفقهية المتفرعة على القولين في هذا الضابط:
١ - لا يصح بيع الصداق قبل القبض؛ إذا قلنا: إنه ضمان عقد، وأما إذا قلنا: إنه ضمان يد، فإنه يصح (٢).
٢ - ينفسخ الصداق إذا تلف، أو أتلفه الزوج قبل قبضه، ويرجع إلى مهر المثل، على القول: بأنه ضمان عقد، وعلى القول بأنه ضمان يد، لا ينفسخ ويلزم مثله أو قيمته (٣).
٣ - لا يضمن الزوج منافع الصداق الفائتة في يده، على القول بأنه ضمان عقد، وعلى القول بأنه ضمان يد: يضمنها (٤).
٤ - إذا زاد الصداق في يد الزوج، فإن كانت متصلة - كالسمن والكبر وتعلم الصنعة - فهي تابعة للأصل، وإن كانت منفصلة - كالولد والثمرة
стр. 551
وكسب الرقيق - فللمرأة قطعا، بناء على القول: بأنه ضمان يد، وإن قلنا: إنه ضمان عقد فوجهان (١).
٥ - إذا أصدقها نصابا ولم تقبضه حتى حال عليه الحول، وجبت عليها الزكاة، كالمغصوب ونحوه، وفي وجه: لا تجب عليها الزكاة، تفريعا على أن الصداق مضمون ضمان العقد، كالمبيع قبل القبض (٢).
٦ - إذا كان الصداق دينا جاز الاعتياض عنه، بناء على القول: بأنه ضمان يد، وعلى القول بأنه ضمان عقد، لا يجوز كالمسلم فيه (٣).
стр. 552
الباب الرابع القواعد والضوابط المتعلقة بسقوط الضمان
وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد والضوابط المتعلقة بسقوط الضمان لعدم
الاعتداء.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بسقوط الضمان لمانع.
стр. 553
الفصل الأول: القواعد والضوابط المتعلقة بسقوط الضمان لعدم
الاعتداء
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: الجواز الشرعي ينافي الضمان.
المبحث الثاني: قاعدة: إذن المالك يفي التصرفات يسقط الضمان.
المبحث الثالث: قاعدة: الأمانة غير مضمونة.
المبحث الرابع: قاعدة: كل ما قبضه الإنسان من غيره بغير عوض، فهو غير مضمون عليه.
المبحث الخامس: الضابط الفقهي: الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون.
المبحث السادس: الضابط الفقهي: الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي.
المبحث السابع: قاعدة: من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه.
المبحث الثامن: قاعدة: جناية العجماء جبار.
المبحث التاسع: قاعدة: من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى.
стр. 554
المبحث الأول
قاعدة: الجواز الشرعي ينافي الضمان
من الأشياء التي تسقط الضمان الإذن في التصرف أو الإتلاف، والإذن إما أن يكون من الشارع، وإما أن يكون من المالك، وهذه القاعدة تتعلق بسقوط الضمان إذا كان هناك إذن من الشارع في التصرف أو الإتلاف، وقد يسر الله لي دراستها في المطالب التالية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
ذكر الفقهاء لهذه القاعدة صيغا كثيرة، جاءت في عبارات وقوالب مختلفة، أذكر ما وقفت عليه منها على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - جاء في كتاب تأسيس النظر (١)، ما نصه: «ما حصل مفعولا بإذن الشرع كان كأنه حصل مفعولا بإذن من له الولاية».
٢ - قال أبو بكر السرخسي: «الفعل في محل مباح لا يكون سبب وجوب الضمان» (٢).
٣ - قال أبو بكر الكاساني: «المتولد من الفعل المأذون فيه لا يكون مضموناً» (٣).
стр. 555
٤ - قال ابن قاضي سماونة (١): «الأصل: كل موضع كان للواضع حق الوضع فيه برئ على كل حال» (٢).
٥ - قال ابن غانم البغدادي: «المتولد من عمل غير مضمون لا يكون مضمونا» (٣).
٦ - جاء في المادة (٩١) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «الجواز الشرعي ينافي الضمان» (٤).
٧ - قال محمود حمزة: «كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه» (٥).
ثانياً: المذهب المالكي:
١ - قال أبو عمرو ابن الحاجب (٦): «من فعل فعلاً يجوز له - من طبيب أو
стр. 556
شبهه-على وجه الصواب، فتولد منه هلاك أو تلف مال فلا ضمان عليه» (١).
٢ - قال ابن جزي الغرناطي (٢): «كل من فعل ما يجوز له فعله فتولد منه تلف لم يضمن» (٣).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
١ - قال بدر الدين الزركشي: «المتولد من مأذون فيه لا أثر له، بخلاف المتولد من منهي عنه» (٤).
رابعاً: المذهب الحنبلي:
١ - قال ابن قيم الجوزية: «ما تولد من مأذون فيه لم يضمن» (٥).
٢ - وقال أيضا: «ن فعل ما وجب عليه أو ندب إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه» (٦).
٣ - وقال أيضا: «راية الواجب مهدرة بالاتفاق» (٧).
стр. 557
٤ - قال شمس الدين ابن مفلح (١): «ما أذن فيه لا تضمن سرايته» (٢).
٥ - جاء في المادة (١٤٤٢) من مجلة الأحكام الشرعية (٣) ما نصه: «لا ضمان لما تلف بسبب فعل مباح».
٦ - جاء في كتاب "طريق الوصول إلى العلم المأمول" (٤) ما نصه: «من أتلف شيئاً من مال غيره لإصلاح الباقي أو سلامته فليس بضامن».
٧ - قال عبد الرحمن السعدي: «ما ترتب على المأذون غير مضمون» (٥).
٨ - وقال أيضا: «ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون والعكس بالعكس» (٦).
٩ - وقال أيضا: «ما نشأ عن غير المأذون فيه فإنه مضمون» (٧).
١٠ - قال محمد العثيمين: «وكل ما يحصل مما قد أذن فليس مضموناً وعكسه ضمن» (٨).
стр. 558
خامساً: صيغ لبعض المعاصرين:
١ - جاء في الموسوعة الفقهية (١) ما نصه: «كل موضع يجوز للواضع أن يضع فيه أشياءه لا يضمن ما يترتب على وضعها فيه من ضرر».
٢ - وجاء فيها أيضا ما نصه: «كل موضع لا يجوز له أن يضع فيه أشياءه يضمن ما ينشأ عن وضعها فيه من أضرار ما دامت في ذلك الموضع، فإن زالت عنه لم يضمن» (٢).
٣ - وجاء فيها أيضا ما نصه: «كل من فعل فعلاً لم يؤذن له فيه ضمن ما تولد عنه من ضرر» (٣).
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
الجواز الشرعي: أي المأذون به من قبل الشارع، سواء أكان فعلاً ... أو تركاً (٤).
ينافي: أي يضاد ويدفع ولا يثبت (٥).
الضمان: أي تحمل المسؤولية والغرم المالي، تعويضا عن ضرر غيره (٦).
стр. 559
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
«لا يترتب على شخص ضمان بسبب فعله أو عدم فعله شيئاً، إذا كان ذلك منه جائز شرعاً» (١).
وبعبارة أخرى: «لو فعل شخص ما أجيز له فعله شرعا، ونشأ عن فعله هذا ضرر ما، فلا يكون ضامناً للخسارة الناشئة عن ذلك» (٢).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اتفق فقهاء الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) ...
стр. 560
والظاهرية (١) - من حيث الجملة - على أن الشخص إذا فعل شيئاً أو تركه - وهو مما أذن فيه الشرع - ثم ترتب على هذا الفعل أو الترك ضرر أو تلف فإنه لا ضمان على الشخص.
وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٢).
وجه الاستدلال: أن من فعل شيئاً يجوز فعله شرعا أو ترك شيئاً يجوز تركه شرعا فهو محسن في ذلك؛ فوجب أن لا يكون عليه سبيل في غرم (٣).
٢ - حكى بعض العلماء الاتفاق على ذلك، ومنهم أبو بكر الكاساني حيث قال: «ولو قطع الإمام يد السارق فمات منه لا ضمان على الإمام ولا على بيت المال، وكذلك الفَصّاد (٤) والبزاغ (٥) والحجّام إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع .. ؛ لأن الموت حصل بفعل مأذون فيه وهو القطع؛ فلا يكون مضموناً» (٦).
стр. 561
وقال ابن قيم الجوزية في ذكر أقسام الأطباء: «أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبُّه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً؛ فإنها سراية مأذون فيه، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبي لم يضمن، وكذلك إذا بطّ من عاقل أو غيره ما ينبغي بَطّه في وقته على الوجه الذي ينبغي، فتلف به لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق» (١).
وهذا الاتفاق المحكي لا ينفي وجود خلاف في بعض فروع القاعدة، والله الموفق.
٣ - إن الشارع سوَّغ ذلك الفعل أو الترك، وهذا يقتضي رفع المسؤولية والضمان عنه، وإلا لم يكن جائزا (٢).
المطلب الخامس
في شروط القاعدة
ذكر الفقهاء لهذه القاعدة شرطين اثنين، لا بد من توفرهما لإعمال القاعدة، والشرطان هما:
الشرط الأول: أن يكون الجواز الشرعي جوازاً مطلقا عن أي قيد ؛ فإذا كان جوازا مقيدا فإنه لا ينافي الضمان (٣).
стр. 562
وهذا يعني أن يكون الجواز مشروعاً على الإطلاق لا ممنوعاً مرخصاً عند الاضطرار.
ومن الفروع الفقهية التي تخرج عن هذه القاعدة بهذا الشرط ما يأتي:
١ - إذا اضطر شخص إلى أكل طعام الغير لدفع الهلاك عن نفسه؛ فإنه يأكل ويضمن الطعام، مع أن أكله واجب لا جائز فقط؛ وذلك لأن هذا الجواز مقيد شرعا بحفظ حقوق الغير (١).
٢ - إذا هدم دار جاره وقت الحريق لمنع سريان الحريق بغير إذن ولي الأمر، وبغير إذن صاحبها، فإنه يجوز له ذلك، ويضمن قيمتها معرضة للحريق؛ لأنه فعل ذلك الهدم لأجل نفسه (٢).
الشرط الثاني: أن لا يكون الجواز الشرعي مقيدا بشرط السلامة في كل ما يمكن التحرز منه، فإن كان مقيدا بشرط السلامة - كحق المرور في الطريق - فإنه لا ينافي الضمان (٣).
وهذا الشرط - في حقيقته - راجع إلى الشرط الأول.
стр. 563
ومن الفروع الفقهية التي تخرج عن هذه القاعدة بهذا الشرط
ما يأتي:
١ - إذا تلف بمروره بالطريق العام شيء، فإنه يضمن، أو أتلفت دابته بالطريق العام شيئاً بفمها أو قوائمها، وهو راكبها أوسائقها أو قائدها، فإنه يضمن؛ وذلك لأن السير في الطريق العام وإن كان مباحا، لكنه مقي
د شرعا بشرط السلامة في كل ما يمكن التحرز منه (١).
٢ - إذا سقط عن ظهر الحمال حمل وأتلف مال أحد، وجب على الحمال الضمان (٢).
٣ - إذا أحرقت شرارة ثياب أحد كان مارا في الطريق، وكانت الشرارة التي طارت من دكان الحداد حين ضربه الحديد؛ وجب على الحداد ضمان الثياب (٣).
المطلب السادس
من فروع القاعدة
هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة الجليلة، أكتفي منها بما يأتي:
١ - إذا حفر إنسان بئراً في ملكه الخاص به، فوقع فيها حيوان رجل، وهلك، لا يضمن حافر البئر شيئاً (٤).
стр. 564
٢ - إذا أخذ الوكيل مقابل ثمن المال الذي باعه نسيئة رهنا أو كفيلا، فإذا تلف الرهن أو أفلس الكفيل، فلا يكون الوكيل ضامنا (١).
٣ - إذا خالف في حفظ الوديعة أو استعمال المأجور إلى ما هو مساوٍ، كما إذا قال: احفظها في البيت الفلاني من دارك، فحفظها في بيت آخر مثله فيها، أو استأجر الدابة ليحملها كراً معينا من حنطة مثلا، فحملها كراً من حنطة أخرى.
أو خالف إلى ما هو خير، كما إذا حفظ الوديعة في بيت أحصن من الذي عينه له المودع، أو استأجر الدابة ليحمّلها حنطة، فحمّلها شعيراً أو سمسما، فتلفت الوديعة أو العين المستأجرة، فلا ضمان عليه في شيء من ذلك (٢).
٤ - إذا وكل المتولي وكيلا عنه، وترتب بذلك ضرر على الوقف؛ فإن المتولي لا يضمن؛ لأن له شرعاً أن يوكل (٣).
٥ - لو أنفق الملتقط بأمر القاضي على اللقطة ليرجع بما أنفق على صاحب اللقطة، ثم طلبها صاحبها، فمنعها منه ليأخذ النفقة فهلكت بعد منعه؛ لا يضمن الملتقط ولا تسقط النفقة؛ لأن كل ما ذكر من الأعمال جائز، والجواز الشرعي ينافي الضمان (٤).
٦ - إذا امتنع الوكيل بالبيع أو الشراء عن فعل ما وكل به، حتى هلك في يده المبيع أو الثمن، فإنه لا يضمن (٥).
стр. 565
٧ - إذا امتنع المضارب عن العمل في رأس مال المضاربة، بعد أن قبضه حتى هلك في يده؛ فإنه لا يضمن (١).
٨ - إذا أخَّر إنسان المال المدفوع إليه ليوصله إلى آخر أو ليقضي به دين الدافع حتى هلك عنده، فإنه لا ضمان عليه (٢).
٩ - من كسر لمسلم طبلا أو مزمارا، أو قتل خنزيرا له، فلا يضمن، ولكن للحاكم المسلم تعزير الكاسر لافتياته على حق الحاكم (٣).
١٠ - إذا باشر الطبيب فعلا يجوز له لإنقاذ حياة مريض، فأدى ذلك إلى هلاكه أو تلف شيء من أعضائه، فإنه لا يضمن (٤).
١١ - إذا اقتصّ من الجاني أو قطع في السرقة، فسرى إلى النفس؛ فلا ضمان عليه (٥).
١٢ - إذا تطيب قبل الإحرام، فسرى إلى موضع آخر بعد الإحرام، فلا كفارة فيما تولد منه (٦).
١٣ - إذا أراد أن يمر بين يديه إنسان وهو يصلي، ثم دافعه حتى أفضى إلى تلفه أو تلف بعضه لم يضمن؛ لأنه مأذون له من الشارع (٧).