← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال ابن قيم الجوزية في ذكر أقسام الأطباء: «أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبُّه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً؛ فإنها سراية مأذون فيه، وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبي لم يضمن، وكذلك إذا بطّ من عاقل أو غيره ما ينبغي بَطّه في وقته على الوجه الذي ينبغي، فتلف به لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق» (١). وهذا الاتفاق المحكي لا ينفي وجود خلاف في بعض فروع القاعدة، والله الموفق. ٣ - إن الشارع سوَّغ ذلك الفعل أو الترك، وهذا يقتضي رفع المسؤولية والضمان عنه، وإلا لم يكن جائزا (٢). المطلب الخامس في شروط القاعدة ذكر الفقهاء لهذه القاعدة شرطين اثنين، لا بد من توفرهما لإعمال القاعدة، والشرطان هما: الشرط الأول: أن يكون الجواز الشرعي جوازاً مطلقا عن أي قيد ؛ فإذا كان جوازا مقيدا فإنه لا ينافي الضمان (٣).

стр. 562

وهذا يعني أن يكون الجواز مشروعاً على الإطلاق لا ممنوعاً مرخصاً عند الاضطرار. ومن الفروع الفقهية التي تخرج عن هذه القاعدة بهذا الشرط ما يأتي: ١ - إذا اضطر شخص إلى أكل طعام الغير لدفع الهلاك عن نفسه؛ فإنه يأكل ويضمن الطعام، مع أن أكله واجب لا جائز فقط؛ وذلك لأن هذا الجواز مقيد شرعا بحفظ حقوق الغير (١). ٢ - إذا هدم دار جاره وقت الحريق لمنع سريان الحريق بغير إذن ولي الأمر، وبغير إذن صاحبها، فإنه يجوز له ذلك، ويضمن قيمتها معرضة للحريق؛ لأنه فعل ذلك الهدم لأجل نفسه (٢). الشرط الثاني: أن لا يكون الجواز الشرعي مقيدا بشرط السلامة في كل ما يمكن التحرز منه، فإن كان مقيدا بشرط السلامة - كحق المرور في الطريق - فإنه لا ينافي الضمان (٣). وهذا الشرط - في حقيقته - راجع إلى الشرط الأول.

стр. 563

ومن الفروع الفقهية التي تخرج عن هذه القاعدة بهذا الشرط ما يأتي: ١ - إذا تلف بمروره بالطريق العام شيء، فإنه يضمن، أو أتلفت دابته بالطريق العام شيئاً بفمها أو قوائمها، وهو راكبها أوسائقها أو قائدها، فإنه يضمن؛ وذلك لأن السير في الطريق العام وإن كان مباحا، لكنه مقي د شرعا بشرط السلامة في كل ما يمكن التحرز منه (١). ٢ - إذا سقط عن ظهر الحمال حمل وأتلف مال أحد، وجب على الحمال الضمان (٢). ٣ - إذا أحرقت شرارة ثياب أحد كان مارا في الطريق، وكانت الشرارة التي طارت من دكان الحداد حين ضربه الحديد؛ وجب على الحداد ضمان الثياب (٣). المطلب السادس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة الجليلة، أكتفي منها بما يأتي: ١ - إذا حفر إنسان بئراً في ملكه الخاص به، فوقع فيها حيوان رجل، وهلك، لا يضمن حافر البئر شيئاً (٤).

стр. 564

٢ - إذا أخذ الوكيل مقابل ثمن المال الذي باعه نسيئة رهنا أو كفيلا، فإذا تلف الرهن أو أفلس الكفيل، فلا يكون الوكيل ضامنا (١). ٣ - إذا خالف في حفظ الوديعة أو استعمال المأجور إلى ما هو مساوٍ، كما إذا قال: احفظها في البيت الفلاني من دارك، فحفظها في بيت آخر مثله فيها، أو استأجر الدابة ليحملها كراً معينا من حنطة مثلا، فحملها كراً من حنطة أخرى. أو خالف إلى ما هو خير، كما إذا حفظ الوديعة في بيت أحصن من الذي عينه له المودع، أو استأجر الدابة ليحمّلها حنطة، فحمّلها شعيراً أو سمسما، فتلفت الوديعة أو العين المستأجرة، فلا ضمان عليه في شيء من ذلك (٢). ٤ - إذا وكل المتولي وكيلا عنه، وترتب بذلك ضرر على الوقف؛ فإن المتولي لا يضمن؛ لأن له شرعاً أن يوكل (٣). ٥ - لو أنفق الملتقط بأمر القاضي على اللقطة ليرجع بما أنفق على صاحب اللقطة، ثم طلبها صاحبها، فمنعها منه ليأخذ النفقة فهلكت بعد منعه؛ لا يضمن الملتقط ولا تسقط النفقة؛ لأن كل ما ذكر من الأعمال جائز، والجواز الشرعي ينافي الضمان (٤). ٦ - إذا امتنع الوكيل بالبيع أو الشراء عن فعل ما وكل به، حتى هلك في يده المبيع أو الثمن، فإنه لا يضمن (٥).

стр. 565

٧ - إذا امتنع المضارب عن العمل في رأس مال المضاربة، بعد أن قبضه حتى هلك في يده؛ فإنه لا يضمن (١). ٨ - إذا أخَّر إنسان المال المدفوع إليه ليوصله إلى آخر أو ليقضي به دين الدافع حتى هلك عنده، فإنه لا ضمان عليه (٢). ٩ - من كسر لمسلم طبلا أو مزمارا، أو قتل خنزيرا له، فلا يضمن، ولكن للحاكم المسلم تعزير الكاسر لافتياته على حق الحاكم (٣). ١٠ - إذا باشر الطبيب فعلا يجوز له لإنقاذ حياة مريض، فأدى ذلك إلى هلاكه أو تلف شيء من أعضائه، فإنه لا يضمن (٤). ١١ - إذا اقتصّ من الجاني أو قطع في السرقة، فسرى إلى النفس؛ فلا ضمان عليه (٥). ١٢ - إذا تطيب قبل الإحرام، فسرى إلى موضع آخر بعد الإحرام، فلا كفارة فيما تولد منه (٦). ١٣ - إذا أراد أن يمر بين يديه إنسان وهو يصلي، ثم دافعه حتى أفضى إلى تلفه أو تلف بعضه لم يضمن؛ لأنه مأذون له من الشارع (٧).

стр. 566

١٤ - لو وطئ زوجته ثم عقرها، فإن كانت يوطأ مثلها لم يضمن ذلك العقر؛ لأنه مأذون فيه، وإن كانت لا يوطأ مثلها ضمنه (١). ١٥ - من غضب وكان غضبه لله، فصدر عن ذلك الغضب أقوال وأفعال لا تجوز، متأولاً في ذلك مجتهدا، فإنه معفو عنه (٢). ١٦ - إذا حمّل السيارة المستأجرة حمولتها العادية، فتلفت، فإنه ... لا يضمن (٣). ١٧ - إذا بسط رجل في مسجد حصيرًا، أو علق فيه قنديلاً، أو فعل فيه شيئاً ينفع الناس، لم يضمن ما تلف به؛ لأنه مأذون في ذلك شرعاً (٤). ١٨ - إذا رأى شخص شاة غيره تموت، فذبحها حفظا لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعاً، ولا يضمن (٥). ١٩ - إذا استأجر رجل غلاما، فوقعت الأكلة في طرفه، فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات، جاز له قطعه ولا ضمان عليه (٦). ٢٠ - إذا رأى السيل يمر بدار جاره، فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه، فحفظه عليه، جاز ذلك ولم يضمن نقب الحائط (٧).

стр. 567

٢١ - إذا قصد العدو مال جاره، فصالحه ببعضه دفعا عن بقيته، جاز له ولم يضمن ما دفعه إليه (١). ٢٢ - إذا وقعت النار في دار جاره فهدم جانبا منها على النار، لئلا تسري إلى بقيتها، لم يضمن (٢).

стр. 568

المبحث الثاني قاعدة: إذن المالك في التصرفات يسقط الضمان ذكرت في القاعدة السابقة أن الإذن في التصرف أو الإتلاف أحد مسقطات الضمان، وأن الإذن إما أن يكون من قبل الشارع، وإما أن يكون من قبل المالك، وقد كانت القاعدة السابقة تتحدث عن إذن الشارع وسقوط الضمان به، أما هذه القاعدة فهي تتحدث عن سقوط الضمان إذا كان هناك إذن من المالك، وقد تناولتها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة ذكر الفقهاء لهذه القاعدة صيغاً كثيرة، أذكر ما وقفت عليه منها على النحو الآتي: أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو بكر السرخسي: «أخذ مال الغير بغير إذنه سبب موجب للضمان عليه، إلا عند وجود الإذن شرعاً» (١). ٢ - وقال أيضا: «لا يتملك أحد مال الغير بغير رضاه إلا بالضمان» (٢). ٣ - قال أبو بكر الكاساني: «المتولد من الفعل المأذون فيه لا يكون مضموناً» (٣). ٤ - قال ابن غانم البغدادي: «المتولد من عمل غير مضمون لا يكون مضموناً» (٤).

стр. 569

ثانياً: المذهب المالكي: ١ - جاء في كلام أبي العباس القرافي أنّ «إذن المالك في التصرفات يسقط الضمان» (١). ثالثاً: المذهب الشافعي: ١ - قال عز الدين بن عبدالسلام: «وضع اليد بغير إذن المالك مفسدة موجبة للضمان» (٢). ٢ - قال عبد الوهاب السبكي: «الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه» (٣). ٣ - قال بدر الدين الزركشي: «المتولد من مأذون فيه لا أثر، بخلاف المتولد من منهي عنه» (٤). رابعاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «من أذن له في إتلاف شيء فإنه لا يضمنه» (٥). ٢ - قال ابن قيم الجوزية: «ما تولد من مأذون فيه لم يضمن» (٦). ٣ - قال شمس الدين بن مفلح: «ما أذن فيه لا تضمن سرايته» (٧). ٤ - قال برهان الدين بن مفلح: «من أتلف مالا محترماً لغيره ضمنه إذا كان بغير إذنه» (٨).

стр. 570

٥ - جاء في المادة (١٤٢٥) من مجلة الأحكام الشرعية (١) ما نصه: «من أتلف مال غيره بإذنه لا ضمان عليه». ٦ - قال عبدالرحمن السعدي: «ما ترتب على المأذون غير مضمون» (٢). ٧ - وقال أيضاً: «ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، والعكس بالعكس» (٣). ٨ - وقال أيضا: «ما نشأ عن غير المأذون فيه فإنه مضمون» (٤). ٩ - قال محمد العثيمين: «وكل ما يحصل مما قد أذن فليس مضمونا وعكسه ضمن» (٥). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة إذن: الإذن سبق تعريفه، وهو في اللغة - باختصار -: إعلام بإجازة الشيء والرخصة فيه، ويقال: (أذن له في الشيء إذنا) أي: أباحه له، (واستأذنه): طلب منه الإذن (٦). التصرفات: جمع تصرف، وقد سبق تعريف التصرف، وهو في اللغة ... -باختصار- التقليب، يقال: (صرّفته في الأمر تصريفا فتصرف) أي: قلبته فتقلب (٧).

стр. 571

والتصرف في اصطلاح الفقهاء: «كل ما يصدر عن الشخص من قول أو فعل ويترتب عليه حكم شرعي» (١). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إذا أباح المالك لغيره التصرف في ماله أو ملكه، ثم ترتب على ذلك التصرف هلاك أو تلف، فلا ضمان عليه، لوجود الإذن من المالك. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق فقهاء الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على أن إذن المالك في التصرف أو الإتلاف يسقط الضمان المترتب على هذا التصرف أو الإتلاف.

стр. 572

واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن من تصرف في مال بإذن مالكه، فترتب على هذا التصرف تلف المال؛ فلا ضمان على المتصرف؛ لأنه محسن في ذلك. ٢ - حكى بعض العلماء الاتفاق على ذلك، ومنهم أبو بكر الكاساني حيث قال: «ولو قطع الإمام يد السارق فمات منه، لا ضمان على الإمام ولا على بيت المال، وكذلك الفَصّاد والبزاغ والحجّام إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع .. ؛ لأن الموت حصل بفعل مأذون فيه وهو القطع، فلا يكون مضموناً» (٢). وقال ابن قيم الجوزية في ذكر أقسام الأطباء: «أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبُّه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقاً، فإنها سراية مأذون فيه» (٣). ٣ - إن الله تعالى تفضل على عباده، فجعل ما هو حق لهم - بتسويغه وتملكه وتفضله - لا ينقل الملك فيه إلا برضاهم، ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطهم، ولذلك لا يسقط الضمان في إتلافه إلا بإذنهم في إتلافه أو بالإذن في مباشرته على سبيل الأمانة (٤).

стр. 573

المطلب الخامس من فروع القاعدة يندرج تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، منها ما يأتي: ١ - إذا استأجر رجل داراً، وحفر فيها بئراً، فعطب فيها إنسان أو حيوان؛ فإن كان حفره بإذن رب الدار فلا ضمان عليه، كما لو حفر رب الدار بنفسه، وإن كان حفر بغير إذن رب الدار فهو ضامن (١). ٢ - إذا تلف حيوان في بئر حفره شخص في الطريق العام بدون إذن ولي الأمر، أو في ملك الغير أو في الملك المشترك؛ فيلزم حينئذ ضمانه (٢). ٣ - إذا أباح شخص لآخر شيئاً من طعامه؛ فليس له أن يطالبه بقيمته بعد ذلك بإباحته له إياه (٣). ٤ - إذا قال شخص لآخر: أتلف مالي، فأتلفه، فلا ضمان عليه (٤). ٥ - إذا استأذن الطبيبُ المريضَ في عملية جراحية له، فأذن له المريض، فترتب على ذلك هلاك نفس أو تلف عضو أو ضياع مال، فلا ضمان على الطبيب (٥). ٦ - إذا أذن صاحب البيت لضيفه أن يوقد ناراً، فاحترق البيت من غير تعدّ أو تفريط؛ فلا ضمان على الضيف (٦).

стр. 574

٧ - إذا أذن الرجل لحجّام يفصده، أو لختّان يختن ولده، أو لبيطار يداوي دابته، فتولد من ذلك الفعل ذهاب نفس أو عضو أو تلفت الدابة، فلا ضمان عليه لأجل الإذن (١). ٨ - من أذن له في تقليب شيء، فسقط من يده، فلا ضمان عليه (٢). ٩ - إذا أذن المرتهن للراهن في ضرب العبد المرهون، فهلك في الضرب، فلا ضمان؛ لأنه تولد من مأذون فيه (٣). ١٠ - إذا قطع رجل طرفا من إنسان فيه أَكِلَة بإذنه، وهو كبير عاقل، فلا ضمان عليه (٤).

стр. 575

المبحث الثالث قاعدة: الأمانة غير مضمونة تبين لنا هذه القاعدة الفقهية الكلية أن الأصل في الأمانات عدم الضمان، إلا أن لهذه القاعدة ثلاث تقييدات، يمكن معرفتها مع ما يتعلق بالقاعدة من مباحث من خلال المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت صيغ كثيرة لهذه القاعدة، مما يدل على أهميتها وعمل الفقهاء بها، وفيما يلي ذكر هذه الصيغ مرتبة على النحو الآتي: أولاً: المذهب الحنفي ١ - قال أبو بكر السرخسي: «هلاك الأمانة في يد الأمين كهلاكها في يد صاحبها» (١). ٢ - قال أبو الحسن المرغيناني: «الأمانات تضمن بالتعدي» (٢). ٣ - قال زين الدين بن نجيم: «الأمين إذا هلكت الأمانات منه لا ضمان عليه» (٣). ٤ - جاء في المادة (٧٦٨) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «الأمانة غير مضمونة» (٤).

стр. 576

ثانياً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو الحسن الماوردي: «الأمانات تضمن بالتعدي» (١). ٢ - وقال أيضا: «الأمانات تضمن بالجنايات» (٢). ٣ - قال أبو زكريا النووي: «الضمان والأمانة لا يجتمعان» (٣). ثالثاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد بن قدامة: «الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان» (٤). ٢ - وقال أيضا: «الضمان ينافي الأمانة» (٥). ٣ - قال عبد الرحمن السعدي: «القاعدة الرابعة عشرة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعدّ أو يفرّط» (٦). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة الأمانة في اللغة: نقيض الخيانة، وهي مصدر أمين، والأمن ضد الخوف (٧).

стр. 577

وفي اصطلاح الفقهاء: «الأمين: هو الذي في يده مال غيره برضى المالك أو برضى الشارع أو برضى من له الولاية عليه» (١). أو يقال: «هو كل من ائتمنه الإنسان على ماله ورضي ببقائه بيده على وجه الإبقاء أو الاستعمال بعوض أو غيره» (٢). و «الأمانة: هي الشيء الموجود عند الشخص الذي اتخذ أمينا، سواء أجعل أمانة بعقد الاستحفاظ كالوديعة، أم كان أمانة ضِمْن عقد كالمأجور والمستعار، أو صار أمانة في يد شخص بدون عقد ولا قصد، كما لو ألقت الريح في دار أحد مال جاره؛ فنظراً لكونه لم يوجد عقد فلا يكون ذلك المال وديعة عند صاحب البيت بل أمانة فقط» (٣). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة الأصل أن الأمين لا يتحمل ضمان المال الذي ائتمن عليه إذا هلك أو فقد أو طرأ عليه نقص في يده إذا كان ذلك من غير صنعه أو تعديه أو تقصيره في الحفظ (٤).

стр. 578

المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق الفقهاء على أن الأمين لا يتحمل ضمان المال الذي ائتمن عليه إذا هلك أو فقد أو طرأ عليه نقص في يده، إذا لم يكن ذلك من صنعه أو تعديه أو تقصيره في الحفظ (١). وقد استدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). ٢ - وقال جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله تعالى نهى عباده عن أكل أموال الناس بغير حق، ومن ذلك إجبار الأمين على ضمان ما تلف من الأمانات عنده مع كونه لم يتعدّ أو يفرّط.

стр. 579

وفي ذلك يقول عبدالرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: «ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة» (١). ويقول الشوكاني في حق الأجير - وهو أحد الأيدي الأمينة -: «ولا يضمن إلا إذا حصلت منه خيانة أو تفريط، فإن التضمين حكم شرعي يستلزم أخذ مال مسلم معصوم بعصمة الإسلام، فلا يجوز إلا بحجة شرعية، وإلا كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل» (٢). ٣ - قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الأمين إذا حفظ المال ولم يتعد عليه فإنه محسن بذلك، فيجب ألا يكون عليه سبيل في الضمان (٤). ٤ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن لنا حرمة الأموال وأنها معصومة بعصمة الإسلام، فلا يجوز أخذ شيء منها إلا بأمر الشرع، وهذا أمر مجمع عليه (٦)، ومن ذلك مال الأمين، فإنه لا يحل أخذ شيء من ماله إلا بدليل شرعي، ولا

стр. 580

يوجد دليل شرعي يدل على تغريمه ما تلف في يده بدون تعدّ منه أو تفريط؛ فيبقى على البراءة الأصلية، وهي حرمة ماله وعصمته (١). ٥ - قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن الإضرار بالآخرين، ويدخل في ذلك الأمين؛ فإن تضمينه ما تلف في يده من المال - بدون تعدّ منه أو تفريط - إضرار له. ٦ - إن الأمين متبرع بحفظ المال من غير نفعٍ يرجع إليه؛ فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الأمانات، وذلك مضر بالناس، ويؤدي إلى قطع المعروف (٣). ٧ - إن الأمين نائب عن المالك في حفظ الأمانة؛ فكانت يد الأمين كيد المالك في عدم الضمان (٤). المطلب الخامس في تقييد القاعدة تبين لنا في المطلب السابق أن الأصل في الأمين عدم الضمان، وعرفنا الأدلة على ذلك، لكن هذا الأصل له ثلاث تقييدات، وهي كما يأتي: ١ - أن يحصل تعدّ من الأمين؛ فهنا يجب عليه الضمان، وقد تقدم تفصيل هذا التقييد تحت قاعدة: (الضمان منوط بالتعدي) (٥).

стр. 581

٢ - أن يحصل تفريط من الأمين، فهنا يجب عليه الضمان، وقد تقدم تفصيل الكلام على هذا التقييد تحت قاعدة: (المفرط ضامن) (١). ٣ - أن يشترط المؤتمن على الأمين الضمان، ويرضى الأمين بذلك؛ فهنا يجب الضمان على الأمين لالتزامه بذلك على القول المختار، وقد تقدم تفصيل الكلام على هذا التقييد تحت قاعدة: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٢). المطلب السادس في القواعد والضوابط الفقهية المندرجة تحت القاعدة ثمة قواعد وضوابط فقهية تندرج تحت قاعدة: «الأمانة غير مضمونة»، أسوقها على النحو الآتي: ١ - قاعدة: «الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل». وقد تقدمت دراستها (٣). ٢ - قاعدة: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونا بشرطه، وما كان مضمونا لا ينتفي ضمانه بشرطه». وقد تقدمت دراستها (٤). ٣ - قاعدة: «كل ما قبضه الإنسان من غيره بغير عوض فهو غير مضمون عليه». وستأتي دراستها في المبحث القادم (٥).

стр. 582

٤ - الضابط الفقهي: «الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون». وستأتي دراستها إن شاء الله تعالى (١). المطلب السابع من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت القاعدة، أذكر منها ما يأتي: ١ - إذا وقع من يد الأجير الخاص شيء من متاع صاحب المنزل من غير تعدّ منه أو تفريط، فأفسده؛ لم يضمن، وكذلك المودع عنده إذا سقطت منه الوديعة بلا تعدّ منه أو تفريط، ففسدت؛ لم يضمن (٢). ٢ - اللقطة أمانة في يد الملتقط؛ لا يضمنها إلا بالتعدي عليها أو بالمنع عند الطلب (٣). ٣ - سبيل البضاعة سبيل الوديعة، لا ضمان على قابضها إلا أن يتعدى أو يخالف ما أمر به؛ فيضمن (٤). ٤ - لا يضمن العامل في القراض ولا الأجير فيما استؤجر عليه، إلا إذا حصل منه تعدّ أو تفريط (٥).

стр. 583

٥ - الرهن أمانة في يد المرتهن، لا يضمنها إلا بتعدّ أو تفريط (١). ٦ - إذا استأجرت رجلاً ليخيط لك ثوباً، فتلف الثوب، فإن الأجير ... لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٢). ٧ - لا يضمن الوكيل ما تلف بيده من المال إلا إذا تعدى أو فرط (٣).

стр. 584

المبحث الرابع قاعدة: كل ما قبضه الإنسان من غيره بغير عوض فهو غير مضمون عليه هذه القاعدة مندرجة تحت القاعدة التي قبلها، ومؤكدة لها، وسوف يكون تناولها على النحو الآتي: المطلب الأول في صيغ القاعدة لم أعثر لهذه القاعدة إلا على صيغة واحدة، ذكرها الشيخ محمد العثيمين في حاشيته على كتاب تقرير القواعد لابن رجب (١)، وهي: «كل ما قبضه الإنسان من غيره بغير عوض فهو غير مضمون عليه». المطلب الثاني في المعنى الإجمالي للقاعدة الأصل أن الإنسان إذا قبض مالاً من مالكه من غير عوض؛ فإن هذا المال يكون أمانة عند قابضه؛ فلا يجب عليه ضمانه إذا تلف أو نقص إلا بتعدّ أو تفريط. المطلب الثالث في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة يمكن معرفة أقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه القاعدة، بالاطلاع على أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة السابقة: (الأمانة غير مضمونة) (٢)؛ لأن من قبض

стр. 585

مال غيره بإذنه بغير عوض أمين، وقد بينت - في القاعدة السابقة - أن الفقهاء اتفقوا على صحتها، وذكرت أدلتهم على ذلك، فليرجع إليها (١). لكن الفقهاء اختلفوا في بعض فروع هذه القاعدة، كما في العارية، وقد تقدم بحثها مفصلا تحت الضابط الفقهي: «العارية مضمونة» (٢). المطلب الرابع من فروع القاعدة هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، أذكر منها المسائل الآتية: ١ - إذا تلفت الوديعة في يد المودع عنده، من غير تعدّ منه أو تفريط، فإنه لا يضمن (٣). ٢ - إذا وكلت رجلا في بيع سيارتك، فتلفت السيارة أو بعضها، من دون تعد أو تفريط من الوكيل، فإنه لا يضمن (٤). ٣ - إذا استعرت من رجل إناءً أو كتابا أو غير ذلك، ففسد المستعار عندك من غير تعدّ منك أو تقصير؛ فلا يجب عليك الضمان على القول الصحيح (٥).

стр. 586

المبحث الخامس الضابط الفقهي، الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون هذا الضابط الفقهي يتعلق بعقد من عقود الأمانة التي لا يجب فيها الضمان إلا بالتعدي أو التفريط، ألا وهو عقد الرهن، وسوف أتناوله في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ الضابط وردت صيغ كثيرة لهذا الضابط الفقهي، أذكر ما وقفت عليه منها على النحو الآتي: أولاً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو زكريا النووي: «الرهن أمانة في يد المرتهن» (١). ٢ - قال أحمد بن فرح اللخمي الإشبيلي: «الرهن أمانة في يد المرتهن إذا تلف لم يكن عليه ضمان» (٢). ٣ - قال أبو سعيد العلائي: «الرهن غير مضمون» (٣). ٤ - قال عبد الوهاب السبكي: «الرهن أمانة في يد المرتهن غير مضمون» (٤).

стр. 587

٥ - قال بدر الدين البكري: «الرهن غير مضمون على المرتهن إذا تلف عنده» (١). ثانياً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «يد المرتهن يد أمانة» (٢). ٢ - قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٣): «الرهن أمانة في يد المرتهن، يضمنه بتعديه أو تفريطه» (٤). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط الرهن: سبق تعريفه في اللغة والاصطلاح (٥)، ويمكن تلخيصه فيما يأتي: الرهن لغة: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، ويطلق على الثبوت ولزوم الشيء والدوام والحبس (٦).

стр. 588

والرهن في اصطلاح الفقهاء: «جعل عين مال وثيقة بدين يستوفي منها عند تعذر وفائه» (١). والمراد به هنا العين المرهونة. أمانة: سبق تعريفها في اللغة والاصطلاح (٢)، والمراد بها هنا أن للرهن حكم الأمانات. في يد: أي في حال حيازة. المرتهن: هو الشخص الذي وضع عنده الرهن ليتوثق به من دينه الذي هو في ذمة الراهن. المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للضابط إذا تلف المال المرهون عند صاحب الدين، فإنه لا يجب عليه ضمانه إلا إذا حصل منه تعدّ أو تفريط. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط اتفق الفقهاء على أن المرتهن إذا تعدى في المال المرهون، أو فرَّط في حفظه فإنه يجب عليه ضمانه (٣). واختلفوا فيما إذا تلف المال المرهون عند المرتهن بغير تعدّ منه أو تفريط على أقوال:

стр. 589

القول الأول: أن الضمان يجب على المرتهن وإن لم يتعد أو يفرط. وهو قول الحنفية (١)، والثوري وإسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي وقتادة (٢). القول الثاني: أن المال المرهون إن كان مما يغاب عليه ويخفى هلاكه - كالذهب والفضة والطعام والمتاع - فإن الضمان يجب على المرتهن، إلا أن تقوم بينة بهلاكه من غير تعدّ ولا تفريط من المرتهن. وإن كان المال المرهون مما لا يغاب عليه ولا يخفى هلاكه - كالعقار والحيوان - فإن المرتهن لا يضمنه إلا بتعدِّ أو تفريط. وبهذا قال مالك في الرواية المشهورة عنه والمنصورة عند أكثر أصحابه (٣). القول الثالث: أن المال المرهون إن كان مما يغاب عليه ويخفى هلاكه - كالذهب والفضة والطعام والمتاع - فإن الضمان يجب على المرتهن، وإن قامت بينة على هلاكه من غير تعدّ ولا تفريط من المرتهن. وإن كان المال المرهون مما لا يغاب عليه ولا يخفى هلاكه - كالعقار والحيوان - فإنه لا يجب الضمان على المرتهن إلاّ إذا تعدّى أو فرّط. وبهذا قال مالك في رواية عنه (٤).

стр. 590

القول الرابع: لا يجب الضمان على المرتهن إلا إذا تعدى أو فرط في المال المرهون. وهو قول الشافعية (١) ومذهب الحنابلة (٢)، وقال به أبو ثور وداود الظاهري والأوزاعي وعطاء (٣). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، وهي كما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٤). وجه الدلالة: أن قوله (فإن أمن) معطوف على قوله (فرهان)، مما يدل على أن الرهن ليس بأمانة؛ لأن العطف يقتضي أن يغاير المعطوف المعطوف عليه؛ إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإذا لم يكن أمانة كان مضمونا؛ لأن ما يكون عند الشخص من غير ماله لا يخلو إما أن يكون أمانة أو مضمونا (٥). نوقش هذا الاستدلال: بأنا لا نسلم أن قوله (فإن أمن) معطوف على قوله: (فرهان)، وإنما هي معطوفة على قوله: (وإن كنتم على سفر)؛ لأن

стр. 591

معنى الآية - والله تعالى أعلم -: أنه إن «كان صاحب الحق آمنا من غريمه، وأحب أن يعامله من دون رهن، فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملا غير ظالم له، ولا باخس حقه» (١). ٢ - عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الرهن بما فيه) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الرهن بما فيه) (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ جعل تلف المال المرهون في مقابل ما رهنت به من الديون، مما يدل على أن المال المرهون مضمون على المرتهن (٤). نوقش الاستدلال بهذين الحديثين بما يأتي: أولاً: إن هذين الحديثين ضعيفان، كما في تخريجها في الحاشية. ثانياً: إنه يحتمل - على فرض صحة الحديثين - أن معناهما أن الرهن محبوس بما فيه (٥).

стр. 592

٣ - عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا ارتهن فرساً، فمات الفرس في يد المرتهن، فقال رسول الله ﷺ : (ذهب حقك) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أسقط الدين عن الراهن في مقابل تلف المال المرهون في يد المرتهن، مما يدل على أن المال المرهون مضمون على المرتهن. نوقش هذا الاستدلال من وجهين: أولاً: إن الحديث مرسل وضعيف كما هو مبين في تخريج الحديث في الحاشية. ثانياً: إنه - على فرض صحة هذا الحديث - يحتمل أنه أراد: ذهب حقك من الوثيقة، فلا يلزم الراهن رهن آخر بدله، بدليل أنه لم يسأل عن قدر الدَّين وقيمة الفرس (٢). ٤ - حكى بعضهم إجماع الصحابة والتابعين على أنَّ الرهن مضمون، وإنما اختلفوا في كيفية ضمانه (٣). نوقش هذا الدليل من وجهين: أولاً: عدم التسليم بانعقاد الإجماع؛ إذ لم يرد ذلك إلا عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود؛ فأما عمر وابنه وعبدالله بن مسعود فلم يصح ذلك عنهم، وأما علي بن أبي طالب فمختلف

стр. 593

عنه في ذلك، وأصح الروايات عنه إسقاط التضمين فيما أصابته جائحة (١). ثانياً: إنه إن صح الإجماع فإنّ بعض أصحاب هذا القول - كالحنفية - قد خالفوا الإجماع؛ لأنهم لا يضمنون بعض الرهن، وهو ما زاد من قيمته على قيمة الدين (٢). ٥ - إن المرتهن إنما قبض الرهن على وجه الاستيفاء، ولو قبضه على حقيقة الاستيفاء كان مضمونا عليه، فكذلك إذا قبضه على وجه الاستيفاء، كما نقول بسوم البيع؛ لأن المقبوض بسبب البيع يكون مضمونا عليه، كالمقبوض على حقيقة البيع (٣). نوقش هذا الدليل: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المستوفى صار ملكا للمستوفي، وله نماؤه وغنمه، فكان عليه ضمانه وغرمه بخلاف الرهن (٤). أدلة القولين الثاني والثالث: استدل أصحاب هذين القولين بما يأتي: ١ - عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (٥). وجه الدلالة: أن (على) ظاهرة في اللزوم، ولكن خُصّ منها ما لا يغاب عليه؛ فإنه لا يضمن؛ للإجماع على عدم الضمان فيه، فيبقى حجة في صورة النزاع (٦).

стр. 594

نوقش هذا الدليل: بأن هذا حديث غير صحيح؛ لأن الحسن رواه عن سمرة، وهو مختلف في سماعه منه، وقد عنعنه (١). ٢ - إن الرهن لم يجر مجرى الأمانات المحضة ولا مجرى المضمون المحض؛ لأن فيه شبها من الأمرين، فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد؛ وذلك لأن الأمانة المحضة هي التي لا نفع فيها لقابضها، بل النفع فيها للمالك - كالوديعة -، أو جل النفع - كالقراض، والمضمون المحض هو ما كان النفع كله لقابضه كالقرض، أو تعدَّى جناية - كالغصب -، ومسألتنا عارية من كل ذلك؛ فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، فوجب الفصل بينهما على ما قلناه (٢). نوقش هذا الدليل: بأنه دليل عقلي لا يجوز معارضته بالأصول العامة في الشريعة، كحرمة أموال المسلمين وعدم جواز أكلها بالباطل. ٣ - الاستحسان: ومعنى ذلك أن التفريق بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه بسبب التهمة؛ لأن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه (٣). نوقش هذا الدليل: بأنه مبني على التهمة، وليست التهمة مناطا للحكم؛ لأنها ظن كاذب يأثم صاحبه، ولا يحل القول به، والتهمة متوجهة إلى كل أحد، وفي كل شيء (٤). أدلة القول الرابع: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

стр. 595

١ - قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله - جل وعز - جعل الرهن بدلاً من الكتاب، والبدل له حكم المبدل، ولما كان تلف الكتاب لا يوجب سقوط الحق، وجب أن يكون تلف الرهن غير موجب لسقوط الحق (٢). ٢ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٣). وجه الدلالة: أن الشارع الحكيم حرَّم أكل أموال المسلمين بغير وجه حق، ويدخل في ذلك: مطالبة المرتهن بضمان الرهن مع عدم تعديه أو تفريطه (٤). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يغلق الرهن؛ له غنمه وعليه غرمه). وفي لفظ: (لا يغلق الرهن، والرهن لمن رهنه؛ له غنمه وغليه غرمه) (٥).

стр. 596

وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلّ على أن جميع ما كان رهنا غير مضمون على المرتهن؛ لأن النبي ﷺ قال: (الرهن لمن رهنه)؛ فمن كان له شيء فضمانه عليه، ثم زاد فأكد له فقال: (له غنمه وعليه غرمه)، وغنمه: سلامته وزيادته، وغرمه: عطبه ونقصه؛ فلا يجوز فيه إلا أن يكون ضمانه من مالكه لا من مرتهنه (١). نوقش هذا الدليل من وجهين: أولاً: إن الحديث متكلم فيه من حيث الصحة والضعف؛ فمن العلماء من ضعفه كما في تخريجه في الحاشية. ثانياً: إنه «يحتمل أن يكون معنى قوله ﵊: (لا يغلق الرهن) أي لا يهلك؛ إذ الغلق يستعمل في الهلاك، كذا قال بعض أهل اللغة (٢)، وعلى هذا كان الحديث حجة عليه؛ لأنه يذهب بالدين فلا يكون هالكا معنى، وقيل معناه: أي لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين» (٣). ٤ - إن الرهن مقبوض بعقد واحد، بعضه أمانة لا يجب ضمانه - وهو ما زاد على قدر الحق -، فوجب أن يكون جميعه أمانة غير مضمون كالودائع والمستأجر (٤).

стр. 597

نوقش هذا الدليل: بأنه لا مانع أن يكون الشيء الواحد بعضه أمانة وبعضه مضمون، كما لو جعل خمسة عشر درهما في كيس، ودفعه إلى صاحب الدين على أن يستوفي دينه منه عشرة، فيكون أمينا في الزيادة. والراهن مثله، كأنه جعل مقدار الدين في وعاء، وسلمه الدائن ليستوفي حقه منه، فعندما يتلف في يده يتم استيفاؤه في مقدار حقه، وما زاد يكون أمانة (١). القول المختار: الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الرابع، القائل بأن المرتهن لا يجب عليه ضمان المال المرهون إلا إذا تعدى أو فرط، وذلك لما يأتي: أولاً: «إن أموال العباد معصومة بعصمة الإسلام، لا يحل لمسلم أن يحلها لغيره، أو يستحلها بغير شرع واضح، وإلا كان من أكل أموال الناس بالباطل أو تأكيلها، وإذا عرفت هذا فلا ضمان على المرتهن إلا لخيانة أو تفريط؛ لأنه قد تسبب بذلك إلى تلفها، ولا يضمن غير ذلك كائنا ما كان؛ لأنه أخذها بإذن مالكها في حق أثبته له الشرع، وهو الترفق ببقائها لديه في دينه الذي انتفع به مالكها» (٢). ثانياً: عدم وجود دليل شرعي ينص على وجوب الضمان على المرتهن، أو ينص على التفريق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه.

стр. 598

ثالثاً: ضعف الاستدلال بأدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من الاعتراض. المطلب الخامس في كيفية ضمان المرتهن للرهن إذا هلك المال المرهون في يد المرتهن، ووجب الضمان على المرتهن، فإن الفقهاء اختلفوا في كيفية ضمانه: القول الأول: أن الرهن يضمن بالأقل من قيمته ومن الدين؛ فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته مساوية للدين صار المرتهن مستوفيا لدينه، ولم يرجع أحدهما على الآخر، وإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط مقدار الدين من قيمة الرهن، وما زاد على الدين فهو أمانة في يد المرتهن لا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط، وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدين سقط من الدين بقدره، ورجع المرتهن بالباقي من الدين على الراهن. وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: أن الرهن مضمون بقيمته؛ فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته مساوية للدين صار المرتهن مستوفيا لدينه، ولم يرجع أحدهما على الآخر، وإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط مقدار الدين من قيمة الرهن، وردّ على الراهن الزيادة عن الدين، وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدين سقط من الدين بقدره، ورجع المرتهن بما بقي من الدين على الراهن.

стр. 599

وهذا قول المالكية (١) وزفر (٢) من الحنفية (٣). القول الثالث: إذا تلف الرهن في يد المرتهن، ولزمه الضمان، فإنه يضمنه بقيمته، ويبقى الدين ثابتا في ذمة الراهن لا يسقط منه شيء. وهذا مذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥). أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال في الرجل يرتهن الرهن فيضيع، قال: «إن كان أقل مما فيه يرد عليه تمام حقه، وإن كان أكثر فهو أمين» (٦).

стр. 600

وجه الدلالة: أن هذا الأثر واضح الدلالة على المسألة. نوقش: بأن هذا الأثر ضعيف كما جاء في تخريجه في الحاشية. ٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «إذا كان الرهن أكثر مما رهن به فهلك؛ فهو بما فيه؛ لأنه أمين في الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به فهلك ردّ الراهن الفضل» (١). وجه الدلالة: أن هذا الأثر عن علي بن أبي طالب ﵁ واضح الدلالة على المسألة. نوقش هذا الأثر: بأنه معارض بما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في الرهن: «يترادان الفضل، فإن أصابته جائحة برئ» (٢)، فصح أن علي بن أبي طالب لم ير تراد الفضل إلا فيما تلف بجناية المرتهن، لا فيما أصابته جائحة، بل رأى البراءة له مما أصابته جائحة (٣). ٣ - «إن يد المرتهن يد استيفاء؛ فلا توجب الضمان إلا بالقدر المستوفى كما في حقيقة الاستيفاء، والزيادة مرهونة ضرورة امتناع حبس الأصل بدونها، ولا ضرورة في حق الضمان» (٤). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
следующие страницы →