وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلّ على أن جميع ما كان رهنا غير مضمون على المرتهن؛ لأن النبي ﷺ قال: (الرهن لمن رهنه)؛ فمن كان له شيء فضمانه عليه، ثم زاد فأكد له فقال: (له غنمه وعليه غرمه)، وغنمه: سلامته وزيادته، وغرمه: عطبه ونقصه؛ فلا يجوز فيه إلا أن يكون ضمانه من مالكه لا من مرتهنه (١).
نوقش هذا الدليل من وجهين:
أولاً: إن الحديث متكلم فيه من حيث الصحة والضعف؛ فمن العلماء من ضعفه كما في تخريجه في الحاشية.
ثانياً: إنه «يحتمل أن يكون معنى قوله ﵊: (لا يغلق الرهن) أي لا يهلك؛ إذ الغلق يستعمل في الهلاك، كذا قال بعض أهل اللغة (٢)، وعلى هذا كان الحديث حجة عليه؛ لأنه يذهب بالدين فلا يكون هالكا معنى، وقيل معناه: أي لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند امتناع الراهن عن قضاء الدين» (٣).
٤ - إن الرهن مقبوض بعقد واحد، بعضه أمانة لا يجب ضمانه - وهو ما زاد على قدر الحق -، فوجب أن يكون جميعه أمانة غير مضمون كالودائع والمستأجر (٤).
стр. 597
نوقش هذا الدليل: بأنه لا مانع أن يكون الشيء الواحد بعضه أمانة وبعضه مضمون، كما لو جعل خمسة عشر درهما في كيس، ودفعه إلى صاحب الدين على أن يستوفي دينه منه عشرة، فيكون أمينا في الزيادة.
والراهن مثله، كأنه جعل مقدار الدين في وعاء، وسلمه الدائن ليستوفي حقه منه، فعندما يتلف في يده يتم استيفاؤه في مقدار حقه، وما زاد يكون أمانة (١).
القول المختار:
الذي يظهر لي - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الرابع، القائل بأن المرتهن لا يجب عليه ضمان المال المرهون إلا إذا تعدى أو فرط، وذلك لما يأتي:
أولاً: «إن أموال العباد معصومة بعصمة الإسلام، لا يحل لمسلم أن يحلها لغيره، أو يستحلها بغير شرع واضح، وإلا كان من أكل أموال الناس بالباطل أو تأكيلها، وإذا عرفت هذا فلا ضمان على المرتهن إلا لخيانة أو تفريط؛ لأنه قد تسبب بذلك إلى تلفها، ولا يضمن غير ذلك كائنا ما كان؛ لأنه أخذها بإذن مالكها في حق أثبته له الشرع، وهو الترفق ببقائها لديه في دينه الذي انتفع به مالكها» (٢).
ثانياً: عدم وجود دليل شرعي ينص على وجوب الضمان على المرتهن، أو ينص على التفريق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه.
стр. 598
ثالثاً: ضعف الاستدلال بأدلة الأقوال الأخرى وعدم سلامتها من الاعتراض.
المطلب الخامس
في كيفية ضمان المرتهن للرهن
إذا هلك المال المرهون في يد المرتهن، ووجب الضمان على المرتهن، فإن الفقهاء اختلفوا في كيفية ضمانه:
القول الأول: أن الرهن يضمن بالأقل من قيمته ومن الدين؛ فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته مساوية للدين صار المرتهن مستوفيا لدينه، ولم يرجع أحدهما على الآخر، وإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط مقدار الدين من قيمة الرهن، وما زاد على الدين فهو أمانة في يد المرتهن لا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط، وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدين سقط من الدين بقدره، ورجع المرتهن بالباقي من الدين على الراهن.
وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: أن الرهن مضمون بقيمته؛ فإذا هلك في يد المرتهن وقيمته مساوية للدين صار المرتهن مستوفيا لدينه، ولم يرجع أحدهما على الآخر، وإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط مقدار الدين من قيمة الرهن، وردّ على الراهن الزيادة عن الدين، وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدين سقط من الدين بقدره، ورجع المرتهن بما بقي من الدين على الراهن.
стр. 599
وهذا قول المالكية (١) وزفر (٢) من الحنفية (٣).
القول الثالث: إذا تلف الرهن في يد المرتهن، ولزمه الضمان، فإنه يضمنه بقيمته، ويبقى الدين ثابتا في ذمة الراهن لا يسقط منه شيء.
وهذا مذهب الشافعية (٤) والحنابلة (٥).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال في الرجل يرتهن الرهن فيضيع، قال: «إن كان أقل مما فيه يرد عليه تمام حقه، وإن كان أكثر فهو أمين» (٦).
стр. 600
وجه الدلالة: أن هذا الأثر واضح الدلالة على المسألة.
نوقش: بأن هذا الأثر ضعيف كما جاء في تخريجه في الحاشية.
٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «إذا كان الرهن أكثر مما رهن به فهلك؛ فهو بما فيه؛ لأنه أمين في الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به فهلك ردّ الراهن الفضل» (١).
وجه الدلالة: أن هذا الأثر عن علي بن أبي طالب ﵁ واضح الدلالة على المسألة.
نوقش هذا الأثر: بأنه معارض بما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في الرهن: «يترادان الفضل، فإن أصابته جائحة برئ» (٢)، فصح أن علي بن أبي طالب لم ير تراد الفضل إلا فيما تلف بجناية المرتهن، لا فيما أصابته جائحة، بل رأى البراءة له مما أصابته جائحة (٣).
٣ - «إن يد المرتهن يد استيفاء؛ فلا توجب الضمان إلا بالقدر المستوفى كما في حقيقة الاستيفاء، والزيادة مرهونة ضرورة امتناع حبس الأصل بدونها، ولا ضرورة في حق الضمان» (٤).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
стр. 601
١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (يترادان الفضل في الرهن) (١).
وجه الدلالة: أن هذا الأثر واضح الدلالة على المراد.
نوقش هذا الأثر: بأنه معارض بما جاء عن علي ﵁ في الرواية الأخرى المتقدمة في أدلة القول الأول.
٢ - إن الزيادة على الدين مرهونة؛ لكونها محبوسة به؛ فتكون مضمونة اعتبارا بقدر الدين (٢).
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - إن الدين ثابت في ذمة الراهن قبل التلف، ولم يوجد ما يسقطه بعد التلف؛ فيبقى على حاله، ويضمن الرهن بقيمته (٣).
٢ - إذا تلف الرهن في يد المرتهن، ولزمه الضمان، ضمنه بقيمته، ويبقى الدين ثابتاً في ذمة الراهن، كما لو دفع إليه عبداً يبيعه ويأخذ حقه من ثمنه (٤).
القول المختار:
الذي يظهر لي - والعلم عند الله - أن القول المختار هو القول الثالث؛ لأنه المتفق مع قواعد الشريعة في أن المضمون يضمن بمثله أو بقيمته.
стр. 602
المطلب السادس
من فروع الضابط
تندرج تحت هذا الضابط الفقهي مسائل كثيرة، أذكر منها ما يأتي:
١ - إذا تعدّى المرتهن على المال المرهون عنده، فكسره أو حرقه أو أتلفه، فإن الضمان يجب عليه (١).
٢ - إذا فرط المرتهن في حفظ المال المرهون عنده، فتلف أو نقص، وجب على المرتهن ضمانه (٢).
٣ - إذا أدى الراهن الدين للمرتهن، وطلب منه الرهن، فامتنع المرتهن من رد الرهن، ثم تلف الرهن، وجب على المرتهن ضمانه (٣).
٤ - إذا تلف المال المرهون عند المرتهن، من غير تعدّ أو تفريط منه، فإن الضمان لا يجب عليه (٤).
٥ - إذا ارتهن رجل من آخر سيارة في دين عليه، فوضع المرتهن السيارة في مكان غير آمن، فكسر زجاج السيارة، ولم يعرف كاسره؛ وجب على المرتهن الضمان لتقصيره.
٦ - إذا ارتهن رجل من آخر بطاقة شخصية في دين عليه، فسرقت البطاقة أو ضاعت بسبب تقصيره، يلزم المرتهن ضمان ما ترتب على فقدانها من خسارة مالية.
стр. 603
٧ - إذا رهن رجل كتباً عند آخر في دين عليه، فتلفت الكتب بسبب الأمطار، من غير تعدّ أو تفريط من المرتهن، فإنه لا ضمان عليه.
٨ - إذا أعار المرتهن العين المرهونة عنده، فتلفت عند المستعير، وجب على المرتهن ضمانه لتعديه (١).
стр. 604
المبحث السادس
الضابط الفقهي
الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي
يتعلق هذا الضابط الفقهي بعقد من عقود الأمانة، التي لا يجب فيها الضمان إلا بالتعدي أو التفريط، وهو عقد الوديعة، وسوف أتناول هذا الضابط فيما يأتي من مطالب:
المطلب الأول
في صيغ الضابط
وردت عدة صيغ لهذا الضابط الفقهي، أذكرها على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - قال أبو الحسن المرغيناني: «الوديعة أمانة في يد المودع» (١).
٢ - قال زين الدين ابن نجيم: «الوديعة أمانة» (٢).
ثانياً: المذهب المالكي:
١ - قال أبو الوليد ابن رشد الجد: «الوديعة أمانة» (٣).
стр. 605
ثالثاً: المذهب الشافعي:
١ - قال أبو إسحاق الشيرازي (١)(٢) ومحيي السنة البغوي (٣): «الوديعة أمانة في يد المودع».
رابعاً: المذهب الحنبلي:
١ - قال أبو القاسم الخرقي: «ليس على المودع ضمان إذا لم يتعد» (٤).
٢ - قال الوزير ابن هبيرة (٥): «الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي» (٦).
стр. 606
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في الضابط
المودَع: هو الذي قبل حفظ الوديعة.
والوديعة لغة: مأخوذة من ودع الشيء، وهو الترك، فالواو والدال والعين أصل واحد يدل على الترك والتخلية (١).
والوديعة اصطلاحاً: يطلق الفقهاء كلمة الوديعة في الشرع على العين المراد حفظها، وعلى الإيداع؛ وهو العقد المقتضي لحفظ العين المراد حفظها (٢)، وقد ذكر الفقهاء لكل من الإطلاقين تعريفات كثيرة، أقتصر على تعريف واحد لكل منهما:
فالوديعة - بمعنى العين المودعة - هي: «المال أو المختص المحترم الذي يوضع عند الغير لحفظه لصاحبه» (٣).
والوديعة - بمعنى الإيداع - هي: «توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص» (٤).
هذا ومما ينبغي ذكره أن الوديعة نوع من أنواع الأمانات، فهي أخص من الأمانة (٥).
стр. 607
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للضابط
إن الوديعة أمانة؛ فإذا تلفت عند المودع عنده، فإنه لا يجب عليه ضمانها إلا إذا تعدى أو فرط فيها.
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في الضابط
اتفق الفقهاء على أن المودع عنده إذا تعدى في الوديعة أو فرط في حفظها، فتلفت؛ وجب عليه ضمانها؛ لأنه متلف لمال غيره فضمنه، كما لو أتلفه من غير استيداع (١).
أما إذا تلفت الوديعة من غير تعدّ من المودع عنده أو تفريط؛ فقد حكى بعض العلماء الإجماع على عدم وجوب الضمان على المودع عنده.
قال أبو بكر بن المنذر: «وأجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته، أن لا ضمان عليه» (٢).
وقال أبو إسحاق الشيرازي: «الوديعة أمانة في يد المودع، فإن تلفت من غير تفريط لم تضمن .. ، وهو إجماع فقهاء الأمصار» (٣).
وقال الوزير ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الوديعة أمانة، وأنها من القرب المندوب إليها، وأن في حفظها ثوابا، وأن الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي» (٤).
стр. 608
وقال أبو الوليد بن رشد الحفيد: «وجل المسائل المشهورة بين فقهاء الأمصار في هذا الكتاب، هي في أحكام الوديعة: فمنها أنهم اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة، إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب» (١).
وعلى الرغم من وجود الجزم في حكاية الإجماع - كما في نص أبي إسحاق الشيرازي -، أو الاتفاق - كما في نص ابن هبيرة - على عدم الضمان، إلا أن نص كل من ابن المنذر وابن رشد يشعر بوجود خلاف في المسألة، وبيان هذا الخلاف على النحو الآتي:
اختلف الفقهاء في ما إذا تلفت الوديعة في يد المودع عنده، من غير تعدّ منه أو تفريط على قولين:
القول الأول: لا ضمان على المودع عنده، إلا إذا تلفت الوديعة من بين ماله، فهنا يجب عليه الضمان وإن لم يتعدّ أو يفرط. وهو رواية عن أحمد (٢) وقول إسحاق بن راهويه (٣).
القول الثاني: لا ضمان على المودع عنده، حتى لو تلفت الوديعة من بين ماله. وهو مذهب الحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) وأصح الروايتين عن أحمد -
стр. 609
عليها المذهب- (١)، وهو قول الظاهرية (٢) وشريح والنخعي والثوري والأوزاعي (٣).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ ضمّنه وديعة سرقت من بين ماله (٤).
وجه الدلالة: هذا الأثر صريح الدلالة على أن الوديعة إن تلفت من بين مال المودع عنده؛ فإنه يضمن.
نوقش هذا الأثر بما يأتي:
أولاً: إنه محمول على التفريط من أنس في حفظها، فضمنها إياه بالتفريط (٥).
ثانياً: إنه معارض بأثر آخر عن عمر ﵁ سيأتي في أدلة القول الثاني.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والمعقول، وهي كما يأتي:
стр. 610
١ - قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١).
وجه الدلالة: تبين الآية الكريمة أن من أحسن في فعل شيء، ثم ترتب على هذا الإحسان تلف أو نقص؛ فإنه لا يجب الضمان على المحسن، ومن ذلك المودع عنده إذا تلفت الوديعة في يده من غير تعدّ منه أو تفريط؛ لم يجب عليه الضمان وإن تلفت من بين ماله.
وفي ذلك يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عند تفسيره لهذه الآية: «ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن؛ لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن - وهو المسيء - كالمفرط؛ أن عليه الضمان» (٢).
٢ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣).
وجه الدلالة: أن الله تعالى سمى الوديعة أمانة؛ فلا تضمن؛ لأن الضمان ينافي الأمانة (٤).
٣ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٥).
стр. 611
وجه الدلالة: دلّ هذا الحديث الشريف على حرمة أموال المسلمين، وعدم جواز أكلها بغير وجه حق، ويدخل في هذا: مال المودع عنده؛ فإنه حرام على غيره، ما لم يوجب أخذه منه نص (١).
٤ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من أودع وديعة فلا ضمان عليه) (٢).
وجه الدلالة: أن هذا الحديث نص في عدم وجوب الضمان على المودع عنده.
نوقش: أن هذا الحديث متكلم فيه، وقد ضعفه بعض العلماء - كما في تخريجه في الحاشية -.
٥ - عن عبدالله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان) (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى الضمان عن المودع عنده إذا لم يكن خائنا.
نوقش هذا الحديث: بأن العلماء قد حكموا عليه بالضعف؛ فلا يصلح حجة.
٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلاّ أن يتعدّى» (٤).
стр. 612
وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب ﵁ بيّن أن الوديعة أمانة عند المودع عنده، لا يضمنها إلا بالتعدي.
٧ - إن الناس بحاجة إلى الاستيداع، والمستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا، من غير نفع يرجع إليه، فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضر بالناس، لتعطل مصالحهم (١).
٨ - إن المودع مؤتمن بحفظ الوديعة للمالك، فكانت يده كيده، فلا يضمن ما تلف من غير تعديه وتفريطه كالذي ذهب مع ماله (٢).
القول المختار:
القول المختار في هذه المسألة - والله تعالى أعلم بالصواب - هو القول الثاني القائل بأن الوديعة أمانة في يد المودع، فلا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط، سواء هلكت من بين ماله أو لم تهلك من بين ماله، وذلك للأسباب التالية:
١ - قوة وصحة أدلة القول الثاني، ما عدا حديث (ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان)، فإنه ضعيف.
٢ - أما دليل القول الأول فقد أجيب عنه بإجابة صحيحة تدفع التعارض بين الأثرين المرويين عن عمر بن الخطاب ﵁.
٣ - إن في هذا القول تيسيراً على الناس بقضاء حوائجهم في حفظ أموالهم.
المطلب الخامس
من فروع الضابط
ثمة فروع كثيرة تندرج تحت هذا الضابط الفقهي، هذه بعض منها:
стр. 613
١ - إذا أودع شخص دابة عند آخر، فهلكت الدابة عند المودع عنده، من غير تعدّ أو تفريط منه، فإنه لا يلزمه ضمان (١).
٢ - إذا أودع شخص ثيابا له عند رجل، فأتلفها المودع عنده؛ وجب عليه ضمانها (٢).
٣ - إذا وقعت الساعة المودعة من يد شخص قضاءً - يعني بلا تعدّ ولا تقصير - وانكسرت، لا يلزم الضمان (٣).
٤ - إذا وضع المستودع الوديعة في حرز مثلها، وقفل المحل المذكور، وأعطى المفتاح إلى شخص يثق فيه، وبعد أن ذهب إلى محل آخر لم يجد الوديعة عند حضوره، فإنه لا يلزمه الضمان (٤).
٥ - إذا وضع المستودع الوديعة في صندوق، ثم وضع على الصندوق إناء ماء، فتقاطر وأفسد الوديعة، لا يلزم الضمان (٥).
٦ - إذا وطئ المستودع الساعة بقدمه، وانكسرت، لزمه الضمان (٦).
٧ - إذا صرف المستودع النقود المودعة عنده في أمور نفسه، واستهلكها، أو دفعها لغيره وجعله يستهلكها، يضمن (٧).
стр. 614
٨ - إذا ركب المستودع الحيوان المودع عنده بلا إذن، فهلك وهو ذاهب، سواء أكان بسبب سرعة السير أم بسبب آخر أم بلا سبب، أم سرق في الطريق؛ يكون المستودع ضامنا ذلك الحيوان؛ لأن ركوب المستودع الحيوان بلا إذن يعدّ تعديا (١).
٩ - إذا كان المستودع عند وقوع الحريق مقتدراً على نقل الوديعة إلى محل آخر، فلم ينقلها، واحترقت، لزمه الضمان لتفريطه (٢).
١٠ - إذا خلط المودع الوديعة بما لا يتميز عنه مما هو غير مماثل لها، كخلط القمح بالشعير، وجب عليه الضمان، وإن خلطها بما تنفصل عنه كذهب بفضة، لم يضمن (٣).
١١ - إذا أودع المودَع الوديعةَ عند غيره بلا عذر، من غير إذن المالك، فتلفت؛ وجب على المودَع ضمانها (٤).
١٢ - إذا أودع رجل مقيماً، لم يجز للمودع أن يسافر بها، فإن فعل فتلفت، ضمنها (٥).
١٣ - إذا طلب الوديعة مالكها، فحبسها المودع عنده حتى تلفت - مع قدرته على تسليمها - وجب عليه ضمانها (٦).
стр. 615
المبحث السابع
قاعدة: من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه،
وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه
هذه القاعدة من القواعد المهمة في باب سقوط الضمان؛ وهو أن من أتلف شيئاً لدفع أذيته عنه، لا يلزمه ضمان، وسوف تكون دراستها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
وقفت على أربع صيغ للقاعدة، اشتملت ثلاث صيغ منها على شطري القاعدة، بينما اقتصرت الصيغة الرابعة على الشطر الثاني من القاعدة، ويمكن تفصيل ذلك على النحو الآتي:
القسم الأول: الصيغ الثلاث التي اشتملت على شطري القاعدة:
١ - قال عبد الرحمن بن رجب: «من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه» (١).
٢ - قال عبدالرحمن السعدي: «من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، ومن أتلفه دفعاً لمضرته فلا ضمان عليه» (٢).
٣ - قال محمد العثيمين في منظومته في القواعد الفقهية:
стр. 616
وكل متلف فمضمون إذا ... لم يكن الإتلاف من دفع الأذى (١)
القسم الثاني: الصيغة التي اقتصرت على الشطر الثاني من القاعدة:
١ - جاء في المادة (٣٣) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «الاضطرار لا يبطل حق الغير» (٢).
المطلب الثاني
في المعنى الإجمالي للقاعدة
من أتلف شيئاً من الأنفس أو الأموال أو الحقوق ليدفع ضررها عنه لم يجب عليه ضمانها، وإن أتلفها ليدفع بها ما حل به من ضرر لزمه ضمانها.
المطلب الثالث
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
تتكون هذه القاعدة الفقهية المهمة من شقين، لكل منهما حكم يخصه، وذلك على النحو الآتي:
الشق الأول: وهو قوله: «من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه»:
وقد سبق بحث هذا الشق بالتفصيل تحت قاعدة: «من أتلف نفسا لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان»، وذلك في «المطلب الرابع: في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة» (٣).
стр. 617
ويمكن تلخيص ذلك بما يأتي:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن المكلف الحر أو العبد إذا صال على إنسان فقتله المصول عليه، فإنه لا يلزمه ضمانه (١).
ثانياً: اختلف الفقهاء فيما إذا كان الصائل غير مكلف - كالصبي والمجنون والدابة، ثم قتله إنسان لكونه صال عليه - على ثلاثة أقوال، أصحها: أنه لا يلزم المصول عليه ضمانه (٢).
الشق الثاني: هو قوله: «وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه»:
اختلف الفقهاء فيما إذا أتلف الإنسان شيئاً لينتفع به ويدفع ما حلّ به من أذى، هل يلزمه ضمان ما أتلفه؟.
مثاله: رجل أصابه الجوع الشديد حتى خاف على نفسه الموت، ولم يجد إلا طعاماً مملوكاً لشخص، فأكل منه؛ هل يلزمه ضمانه أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا يجب عليه ضمان ما أتلفه، وهو قول عند المالكية (٣).
стр. 618
القول الثاني: يجب عليه ضمان ما أتلفه، وهو قول الحنفية (١) والأظهر والأشهر عند المالكية (٢)، وهو قول الشافعية (٣) والحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - إن هذا الشيء المتلف مال جاز للمضطر إتلافه من غير إذن؛ فلم يلزمه ضمانه، أصل ذلك المباح الذي لا ملك لأحد عليه (٥).
نوقش هذا الدليل: «بأن المضطر إذا جاز له إتلاف مال غيره بالأكل فهو بسبب الضرورة الملحة، بخلاف الضمان فلا ضرورة على المضطر إذا ضمن، ويخالف هذا المباح الذي لا ملك لأحد عليه، بأن المباح غير مملوك، ومال الغير مملوك؛ فافترقا» (٦).
٢ - إن دفع المال للمضطر واجب على مالكه، والواجب لا يؤخذ له عوض (٧).
стр. 619
نوقش هذا الدليل: أن قولهم «الواجب لا يؤخذ له عوض» ليس بصحيح على إطلاقه، «ودفع الضرورة للمضطر حاصل وإن كان بعوض، فلا حاجة إلى عدم الضمان؛ لأن إباحة الشيء للاضطرار لا ينافي ضمانه، والضرر أيضا لا يزال بضرر» (١).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
١ - عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) (٢).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حرّم أكل أموال الناس بغير وجه حق؛ فإذا اضطر أحد إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه؛ حتى لا يأخذ مال غيره بالباطل.
٢ - إن المضطر أتلف مال غيره لمنفعة نفسه؛ فكانت عليه قيمته كغير المضطر؛ فإن اضطراره إنما يتعلق بإباحة أكله دون إسقاط عوضه (٣).
القول المختار:
الذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الثاني الذي يقضي بوجوب الضمان على المتلف، وذلك للأمور التالية:
١ - صحة ما استدل به أصحاب القول الثاني وسلامتها من الاعتراضات.
٢ - إن أصحاب القول الثاني تمسكوا بالأصل العام، وهو حرمة أموال المسلمين، ولم يأت دليل صحيح صريح يخرج هذه المسألة عن الأصل العام.
٣ - ضعف أدلة القول الأول وعدم سلامتها من الاعتراضات.
стр. 620
المطلب الرابع
من فروع القاعدة
تندرج تحت هذه القاعدة المهمة فروع كثيرة، أذكر منها ما يأتي:
١ - لو صال عليه حيوان آدمي أو بهيم، فدفعه عن نفسه بالقتل، لم يضمنه، ولو قتل حيوانا لغيره في مخمصة ليحيي به نفسه، ضمنه (١).
٢ - لو صال عليه صيد في إحرامه فقتله دفعا عن نفسه؛ لم يضمنه، وإن اضطر فقتله في المخمصة، ليحيي به نفسه، ضمنه (٢).
٣ - لو أشرفت السفينة على الغرق، فألقى متاع غيره ليخففها، ضمنه، ولو سقط عليه متاع غيره فخشي أن يهلكه، فدفعه فوقع في الماء، لم يضمنه (٣).
٤ - لو وقعت بيضة نعامة من شجرة في الحرم على عين إنسان، فدفعها فانكسرت، فلا ضمان عليه، بخلاف ما لو احتاج إلى أكلها لمخمصة (٤).
٥ - لو قلع شوك الحرم لأذاه لم يضمنه، ولو احتاج إلى إيقاد غصن شجرة؛ ضمنه (٥).
стр. 621
٦ - إذا أزال الأطباء شعر لحية المريض أو شعر بطنه أو صدره، لإجراء عملية جراحية، فلا ضمان عليهم (١).
٧ - إذا قال الأطباء للمرأة الحامل: إن بقي الولد في بطنك متّ أنت وإياه، فأسقطته، أثمت بذلك، ووجب ضمان الجنين؛ لأنها دفعت أذاها به (٢).
٨ - لو حلق المحرم رأسه لتأذيه بالقمل والوسخ؛ فداه؛ لأن الأذى من غير الشعر، ولو خرجت في عينه شعرة فقلعها أو نزل الشعر على عينيه فأزاله، لم يفده (٣).
٩ - إذا استأجر شخص قارباً ساعة من الزمن، وبعد أن وصل إلى عرض البحر، انقضت مدة الإجارة، فهنا تمتد مدة الإجارة حتى يصل إلى الساحل، ويدفع المستأجر أجرة المثل للمدة الزائدة (٤).
١٠ - إذا استأجر شخص مرضعة لابنه، فانقضت مدة الإجارة، وكان الطفل لا يأخذ ثدي غيرها، فتبقى الإجارة إلى أن يستغني الطفل عن هذه المرضعة، ويدفع لها أجرة المثل للمدة الزائدة (٥).
١١ - لو انتهت مدة الإجارة أو العارية، والزرع بقل لم يحصد بعد؛ فإنه يبقى إلى أن يستحصد، ولكن بأجر المثل؛ لأن اضطرار المستأجر والمستعير لإبقائه لا يبطل حق المالك فتلزم الأجرة (٦).
стр. 622
المبحث الثامن
قاعدة: جناية العجماء جبار
هذه القاعدة من القواعد الفقهية المهمة المتعلقة بسقوط الضمان عن مالك البهيمة، وسوف أتناولها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
هذه القاعدة الفقهية مقتبسة من الحديث النبوي الشريف الذي جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار) (١).
ولهذه القاعدة ثلاث صيغ، كلها من نصيب فقهاء المذهب الحنفي، وهي كما يأتي:
١ - قال أبو بكر الكاساني في معرض التعليل: «فعل العجماء جبار» (٢).
٢ - جاء في المادة (٩٤) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «جناية العجماء جبار» (٣).
٣ - جاء في المادة (٩٢٩) من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: «الضرر الذي أحدثه الحيوان من تلقاء نفسه لا يضمنه صاحبه» (٤).
стр. 623
المطلب الثاني
في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة
جناية في اللغة: - بكسر الجيم - واحدة الجنايات، وهي في الأصل أخذ الثمر من الشجر، ثم نقلت إلى إحداث الشر، ثم إلى الشر، ثم إلى فعل محرم (١).
وفي الاصطلاح: «كل فعل عدوان على نفس أو مال» (٢).
والمراد به هنا: ما يصدر عن البهيمة من إتلاف بأي وجه كان، سواء كان بجرح أو غيره (٣).
العجماء: بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد، تأنيث (أعجم)، وهي البهيمة، ويقال أيضا لكل حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يفصح.
والمراد به هنا: البهيمة، وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم (٤).
جبار: بضم الجيم وتخفيف الموحدة، هو الهدر الباطل الذي لا شيء فيه ولا ضمان (٥).
стр. 624
المطلب الثالث
في المعنى الإجمالي للقاعدة
إن البهيمة إذا أتلفت شيئاً أو تسببت بخسارة وضرر في مال أو نفس لأحد الناس؛ فليس على صاحبها شيء من الضمان، ما لم ينشأ ذلك عن تعدّ منه أو تقصير (١).
المطلب الرابع
في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة
اتفق الفقهاء على أنه لا يجب على صاحب البهيمة ضمان ما أتلفته من نفس أو مال من تلقاء نفسها (٢)؛ وذلك لما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس).
لكن يستفاد من كلام الفقهاء أن هذا الحكم مقيد بثلاثة شروط، هي كما يأتي:
стр. 625
الشرط الأول: أن لا يكون الإتلاف ناتجا عن فعل إنسان ، سواء كان سائقا أو قائدا أو راكبا أو ضاربا أو ناخسا (١)
أو فاعلا للإخافة، أما إذا كان الإتلاف ناتجا عن فعل إنسان فإنه يلزمه الضمان (٢).
الشرط الثاني: أن لا يقع تفريط ممن كانت البهيمة في حوزته ، سواء كان مالكها أو أجيره أو مستأجرا أو مستعيرا أو مودعا أو غاصبا؛ فإن وقع تفريط منه وجب الضمان عليه (٣).
стр. 626
الشرط الثالث: أن تكون جناية الماشية في النهار ، فإن كانت في الليل لم تكن هدراً ووجب الضمان على صاحبها.
وهذا الشرط اختلف فيه الفقهاء على أربعة أقوال:
القول الأول: إذا أتلفت المواشي مالاً أو آدميا ليلا أو نهارا؛ فلا ضمان على صاحبها إذا لم يفرط، أما إذا حصل الإتلاف بتفريط منه فعليه الضمان. هذا مذهب الحنفية (١) والظاهرية (٢).
القول الثاني: يجب الضمان على مالك الماشية غير المنفلتة، ولا ضمان فيما أتلفته الماشية المنفلتة. هذا مروي عن عمر بن الخطاب (٣).
القول الثالث: يجب الضمان على أصحاب المواشي فيما أتلفته مطلقا ليلاً أو نهارا. وهو قول الليث بن سعد (٤).
القول الرابع: إذا أتلفت الماشية زرعاً أو غيره من الأموال نهاراً، فإن الضمان لا يجب على صاحبها، وإن أتلفته ليلاً وجب الضمان على صاحبها إلا إذا لم يحصل منه تفريط في حفظها (٥).
стр. 627
وهذا قول المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة والعقل، هي كما يأتي:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) (٤).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن في هذا الحديث أن ما تتلفه البهائم لا يجب ضمانه، وهو حديث عام؛ فيجب العمل بعمومه، سواء كان الإتلاف ليلاً أو نهارا (٥).
نوقش هذا الدليل: بأن هذا الحديث عام، وما قضى به النبي ﷺ في ناقة البراء بن عازب ﵁ بأن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٦) حكم خاص، والخاص يقضي على العام.
стр. 628
٢ - إنّ فعل البهيمة وإتلافها غير مضاف لمالكها؛ لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال والسوق والقود والركوب (١).
٣ - إن سائر أسباب الضمان لا يختلف الحكم فيها بالليل والنهار، فلما اتفق الجميع على نفي إيجاب الضمان نهاراً، وجب أن يكون حكمها ليلاً كذلك (٢).
نوقش هذان الدليلان: بأنهما عقليان؛ لا يجوز أن يعارض بهما حديث البراء بن عازب ﵁.
دليل القول الثاني:
إن البهيمة غير المنفلتة يمكن حفظها، فإذا أتلفت شيئاً كان ذلك بتفريط من مالكها، فوجب عليه الضمان، أما المنفلتة فإنه لا يملك السيطرة عليها ولا يقدر على حفظها، فلم يجب عليه ضمان ما تتلفه، لعدم حصول التفريط منه (٣).
نوقش: بأن حديث البراء بن عازب ﵁ عام، ولم يفرق بين المنفلتة وغيرها.
دليل القول الثالث:
إن إرسال البهيمة يُعَدّ تعدّياً من مالكها، والقاعدة أن المتعدي ضامن (٤).
نوقش هذا الدليل بما يأتي:
أولاً: إن هذا الدليل مخالف للحديث العام، وهو قوله ﷺ : (العجماء جرحها جبار)، وهو كذلك مخالف للحديث الخاص، وهو حديث ناقة البراء ابن عازب ﵁ (٥).
стр. 629
ثانياً: إن إرسال المالك بهيمته للرعي في النهار لا يعدّ تعدّيا، وإنما التعدي إرسالها في الليل.
أدلة القول الرابع:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والعقل، هي كما يأتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١).
وجه الدلالة: أن داود ﵇ قضى بتسليم الغنم لأصحاب الزرع مقابل زرعهم، وقضى سليمان ﵇ بدفع الغنم لأصحاب الزرع يستفيدون من درها ونسلها وخراجها حتى ينبت زرع آخر، والنفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع (٢).
نوقش هذا الدليل: بأن هذه الآية منسوخة بحديث أبي هريرة السابق مرفوعا: (العجماء جرحها جبار) (٣).
أجيب عنه: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ، لا سيما وأنه لا يوجد تعارض - ولله الحمد - بين الآية والحديثين إذا قلنا بأن ما أتلفته البهيمة بالنهار، لا يضمنه مالكها، وما أتلفته بالليل ضمنه.
стр. 630
٢ - ما روي أن ناقة للبراء بن عازب ﵁ دخلت حائطا فأفسدت فيه؛ فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ألزم أصحاب المواشي بضمان ما أتلفته مواشيهم من الزرع ليلاً، لا نهاراً.
نوقش هذا الحديث: بأنه حديث مرسل، لا يحتج به (٢).
أجيب عنه بما يأتي:
أولاً: إنه «وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل» (٣).
ثانياً: إن هذا الحديث - كما أنه روي مرسلا - فقد روي موصولا أيضا، وصححه الأئمة (٤).
٣ - «إن العادة أن من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلاً، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل؛ فإذا ذهبت ليلاً كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ، وإن أتلفت نهاراً كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرَّق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته» (٥).
стр. 631
القول المختار:
وبعد هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة، يظهر لي ... - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الرابع، قول جمهور العلماء الذي يقضي بضمان ما أتلفته البهائم ليلاً لا نهاراً، وذلك للأسباب التالية:
١ - صحة أدلة هذا القول وقوتها.
٢ - إن هذا القول يجمع بين كل النصوص الشرعية التي في المسألة.
٣ - إن هذا القول فيه مراعاة لمصلحة الناس وأعرافهم.
المطلب الخامس
من فروع القاعدة
هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة المهمة، أذكر منها ما يأتي:
١ - إذا راثت البهيمة أو بالت في الطريق، وهي تسير، فعطب به إنسان، لم يضمن صاحبها شيئاً، وكذلك إذا أوقفها لذلك؛ لأن بعض الدواب لا يفعل ذلك إلاّ بعد الوقوف (١).
٢ - إذا خرج اللعاب من فم الدابة، وهي تسير، أو سال عرقها، فأصاب إنساناً أو أفسد شيئاً، لم يضمن الراكب (٢).
٣ - إذا أوقف دابته في الفلاة؛ فإنه لا يضمن ما وطئت دابته برجلها أو كدمت بفمها أو نفحت بذنبها (٣).
стр. 632
٤ - لو أوقف دابته على الطريق، ولم يشدها، فسارت عن ذلك المكان، وأتلفت شيئاً، لا يضمن؛ لأنه لم يمكنها من ذلك، فصارت بمنزلة دابة منفلتة (١).
٥ - إذا أوقف دابة في سوق الدواب، لا ضمان على صاحبها (٢).
٦ - لو سقط حائط مائل، قد أشهد عليه، فنفرت منه دابة، فقتلت إنساناً، لا يضمن صاحب الدابة (٣).
٧ - لو ربط شخصان فرسيهما في مكان معدّ لذلك، فأتلف فرس أحدهما فرس الآخر، فليس من ضمان على صاحب الحيوان المُتلِف (٤).
٨ - إذا انفلت ثور شخص، وأكل حنطة رجل، فلا ضمان على صاحب الثور (٥).
٩ - لو دخل أحد إلى دار آخر بإذنه، فعض كلب عقور أو دابة مؤذية ذلك الشخص، أو أتلفت ماله؛ فلا يلزم صاحب الدار ضمان (٦).
١٠ - لو وطأ بعير لأحد، وهو في المرعى، بعيراً لآخر، وأهلكه بدون أن يكون لصاحبه في ذلك صنع، فلا يلزم صاحب البعير الأول ضمان (٧).
١١ - لا يترتب على صاحب الهرة ضمان، فيما لو أتلفت طيرا لإنسان (٨).
стр. 633
١٢ - لو وضع أحد خلايا نحله في أطراف بستان لآخر، فاقترب فرس صاحب البستان من الخلايا، فخرج النحل منها، وأهلكه، فلا يلزم صاحب النحل ضمان (١).
١٣ - إذا أتلفت البهيمة زرعاً أو غيره نهارا، لم يجب الضمان على مالكها (٢).
١٤ - لو ربط شخص بهيمته، وأغلق بابه، واحتاط على العادة، ففتح الباب لص، أو انهدم جدار، فخرجت ليلاً، فأفسدت مالاً؛ فلا ضمان على صاحبها (٣).
١٥ - إذا أرسل الحمام أو غيرها من الطير، فكسرت شيئاً، أو التقطت حبّاً، فلا ضمان؛ لأن العادة إرسالها (٤).
١٦ - إذا أفسدت البهيمة أمتعة أو ثيابا، في النهار؛ لا يجب الضمان على صاحبها (٥).
١٧ - إذا كان على الدابة حطب، فخرق ثوب آدمي بصير عاقل مستقبل للدابة، لم يجب ضمانه على مالك الدابة (٦).
стр. 634
المبحث التاسع
قاعدة: من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى
تبين لنا هذه القاعدة المهمة أن من أتلف مضموناً، كان ضمانه عليه، ولا يتحمله أحد غيره، وقد جعلت دراستها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
في صيغ القاعدة
وردت صيغ كثيرة لهذه القاعدة الجليلة، أذكرها مرتبة على النحو الآتي:
أولاً: المذهب الحنفي:
١ - قال أبو بكر السرخسي: «ضمان الإتلاف يجب على المتلف دون غيره، بمنزلة غرامات الأموال» (١).
٢ - وقال أيضا: «لا يكون الإنسان ضامنا لفعل الغير» (٢).
٣ - وقال أيضا: «من لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور» (٣).
٤ - قال أبو بكر الكاساني: «الأصل في ضمان الجناية أنه يجب على الجاني» (٤).
٥ - جاء في تعليلات الحنفية ما نصه: «الأصل اختصاص الجاني بالغرم» (٥).
стр. 635
ثانياً: المذهب المالكي:
١ - قال أبو عمر ابن عبدالبر: «لا يلزم الجاني إلا جنايته، لا جناية غيره» (١).
٢ - وقال أيضا: «الأصل ألا يحمل أحد جناية غيره» (٢).
٣ - وقال أيضا: «لا يضمن إلا جان أو متعدّ» (٣).
٤ - قال أبو الوليد ابن رشد الجد: «لا يحمل أحد جناية أحد» (٤).
٥ - قال أبو بكر ابن العربي: «لا يؤخذ أحد بجرم أحد» (٥).
ثالثاً: المذهب الشافعي:
١ - قال أبو عبدالله ابن الوكيل: «من جنى جناية فهو المطالب بها، ولا يطالب بها غيره» (٦).
٢ - قال عبد الوهاب السبكي: «من لا مدخل له في الجناية لا يطالب بجناية جانيها» (٧).
٣ - وقال أيضا: «من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى» (٨).