← Каваид фикха

Каваид фикха · id 559

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

حمد الهاجري

Полный текст (737 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

القول المختار: وبعد هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة، يظهر لي ... - والعلم عند الله تعالى - أن القول المختار هو القول الرابع، قول جمهور العلماء الذي يقضي بضمان ما أتلفته البهائم ليلاً لا نهاراً، وذلك للأسباب التالية: ١ - صحة أدلة هذا القول وقوتها. ٢ - إن هذا القول يجمع بين كل النصوص الشرعية التي في المسألة. ٣ - إن هذا القول فيه مراعاة لمصلحة الناس وأعرافهم. المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة المهمة، أذكر منها ما يأتي: ١ - إذا راثت البهيمة أو بالت في الطريق، وهي تسير، فعطب به إنسان، لم يضمن صاحبها شيئاً، وكذلك إذا أوقفها لذلك؛ لأن بعض الدواب لا يفعل ذلك إلاّ بعد الوقوف (١). ٢ - إذا خرج اللعاب من فم الدابة، وهي تسير، أو سال عرقها، فأصاب إنساناً أو أفسد شيئاً، لم يضمن الراكب (٢). ٣ - إذا أوقف دابته في الفلاة؛ فإنه لا يضمن ما وطئت دابته برجلها أو كدمت بفمها أو نفحت بذنبها (٣).

стр. 632

٤ - لو أوقف دابته على الطريق، ولم يشدها، فسارت عن ذلك المكان، وأتلفت شيئاً، لا يضمن؛ لأنه لم يمكنها من ذلك، فصارت بمنزلة دابة منفلتة (١). ٥ - إذا أوقف دابة في سوق الدواب، لا ضمان على صاحبها (٢). ٦ - لو سقط حائط مائل، قد أشهد عليه، فنفرت منه دابة، فقتلت إنساناً، لا يضمن صاحب الدابة (٣). ٧ - لو ربط شخصان فرسيهما في مكان معدّ لذلك، فأتلف فرس أحدهما فرس الآخر، فليس من ضمان على صاحب الحيوان المُتلِف (٤). ٨ - إذا انفلت ثور شخص، وأكل حنطة رجل، فلا ضمان على صاحب الثور (٥). ٩ - لو دخل أحد إلى دار آخر بإذنه، فعض كلب عقور أو دابة مؤذية ذلك الشخص، أو أتلفت ماله؛ فلا يلزم صاحب الدار ضمان (٦). ١٠ - لو وطأ بعير لأحد، وهو في المرعى، بعيراً لآخر، وأهلكه بدون أن يكون لصاحبه في ذلك صنع، فلا يلزم صاحب البعير الأول ضمان (٧). ١١ - لا يترتب على صاحب الهرة ضمان، فيما لو أتلفت طيرا لإنسان (٨).

стр. 633

١٢ - لو وضع أحد خلايا نحله في أطراف بستان لآخر، فاقترب فرس صاحب البستان من الخلايا، فخرج النحل منها، وأهلكه، فلا يلزم صاحب النحل ضمان (١). ١٣ - إذا أتلفت البهيمة زرعاً أو غيره نهارا، لم يجب الضمان على مالكها (٢). ١٤ - لو ربط شخص بهيمته، وأغلق بابه، واحتاط على العادة، ففتح الباب لص، أو انهدم جدار، فخرجت ليلاً، فأفسدت مالاً؛ فلا ضمان على صاحبها (٣). ١٥ - إذا أرسل الحمام أو غيرها من الطير، فكسرت شيئاً، أو التقطت حبّاً، فلا ضمان؛ لأن العادة إرسالها (٤). ١٦ - إذا أفسدت البهيمة أمتعة أو ثيابا، في النهار؛ لا يجب الضمان على صاحبها (٥). ١٧ - إذا كان على الدابة حطب، فخرق ثوب آدمي بصير عاقل مستقبل للدابة، لم يجب ضمانه على مالك الدابة (٦).

стр. 634

المبحث التاسع قاعدة: من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى تبين لنا هذه القاعدة المهمة أن من أتلف مضموناً، كان ضمانه عليه، ولا يتحمله أحد غيره، وقد جعلت دراستها في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة وردت صيغ كثيرة لهذه القاعدة الجليلة، أذكرها مرتبة على النحو الآتي: أولاً: المذهب الحنفي: ١ - قال أبو بكر السرخسي: «ضمان الإتلاف يجب على المتلف دون غيره، بمنزلة غرامات الأموال» (١). ٢ - وقال أيضا: «لا يكون الإنسان ضامنا لفعل الغير» (٢). ٣ - وقال أيضا: «من لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور» (٣). ٤ - قال أبو بكر الكاساني: «الأصل في ضمان الجناية أنه يجب على الجاني» (٤). ٥ - جاء في تعليلات الحنفية ما نصه: «الأصل اختصاص الجاني بالغرم» (٥).

стр. 635

ثانياً: المذهب المالكي: ١ - قال أبو عمر ابن عبدالبر: «لا يلزم الجاني إلا جنايته، لا جناية غيره» (١). ٢ - وقال أيضا: «الأصل ألا يحمل أحد جناية غيره» (٢). ٣ - وقال أيضا: «لا يضمن إلا جان أو متعدّ» (٣). ٤ - قال أبو الوليد ابن رشد الجد: «لا يحمل أحد جناية أحد» (٤). ٥ - قال أبو بكر ابن العربي: «لا يؤخذ أحد بجرم أحد» (٥). ثالثاً: المذهب الشافعي: ١ - قال أبو عبدالله ابن الوكيل: «من جنى جناية فهو المطالب بها، ولا يطالب بها غيره» (٦). ٢ - قال عبد الوهاب السبكي: «من لا مدخل له في الجناية لا يطالب بجناية جانيها» (٧). ٣ - وقال أيضا: «من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى» (٨).

стр. 636

٤ - قال بدر الدين الزركشي: «لا يحمل أحد جناية غيره» (١). ٥ - قال أبو بكر الحصني: «كل من جنى جناية فهو المطالب، ولا يطالب بها غيره» (٢). ٦ - قال جلال الدين السيوطي: «كل من جنى جناية فهو المطالب بها، ولا يطالب بها غيره» (٣). رابعاً: المذهب الحنبلي: ١ - قال أبو محمد ابن قدامة: «الإنسان إنما يؤاخذ بفعله لا بفعل غيره» (٤). ٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا عقوبة على جناية غيره» (٥). ٣ - وقال أيضا: «من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه» (٦). ٤ - قال ابن قيم الجوزية: «لا تؤخذ نفس بجريرة غيرها» (٧). خامساً: المذهب الظاهري: - قال أبو محمد ابن حزم: «لا يجني أحد على أحد، ولا تجني نفس على أخرى» (٨).

стр. 637

المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة يجني: من الجناية، وقد سبق تعريفها لغة واصطلاحا (١). والمراد بها هنا: «كل فعل عدوان على نفس أو مال» (٢). لا يطالب: أي لا يتحمل ولا يضمن. المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة لا يتحمل الضمان من لم يقع منه التعدي أو التفريط، وإنما يتحمله من وقع منه ذلك. المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اتفق الفقهاء (٣) على أن من أتلف نفسا أو مالاً، وجب ضمانه على المتلف، ولا يتحمله أحد غيره.

стр. 638

واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والمعقول، وذلك على النحو الآتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١). ٢ - وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). ٣ - وقال : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣). ٤ - وقال جل وعز: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٤). ٥ - وقال عز من قائل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٥). وجه الدلالة من الآيات الكريمات: دلت هذه الآيات الكريمات على أن كل إنسان يتحمل ما يترتب على فعله وتقصيره؛ فمن أتلف شيئاً وجب عليه ضمانه، ولا يتحمله أحد غيره. ٦ - عن أبي رمثة (٦) ﵁ قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، ثم إن رسول الله ﷺ قال لأبي: (ابنك هذا؟) قال إي ورب الكعبة، قال: (حقاً؟) قال: أشهد

стр. 639

به، قال: فبتسم رسول الله ﷺ ضاحكاً من ثبت شبهي في أبي، ومن حلف أبي عليّ، ثم قال: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)) (٢). ٧ - عن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: (ألا لا يجني جان إلاّ على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده) (٣). ٨ - عن أسامة بن شريك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجني نفس على أخرى). وجه الدلالة من هذه الأحاديث الثلاثة: بيّن النبي ﷺ في هذه الأحاديث أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئاً، ولو كان أقرب قريب كابنه أو أبيه، وأن كل إنسان يتحمل خطأ نفسه. ٩ - إن موجب الجناية أثر فعل الجاني، فيجب أن يختص بضررها، كما يختص بنفعها؛ فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره (٤).

стр. 640

المطلب الخامس من فروع القاعدة هناك فروع فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة الجليلة، أذكر منها ما يأتي: ١ - إذا أتلف صبي - سواء أكان مميزا أم غير مميز - مالا لآخر، صبيا كان أم بالغا، بلا أمر من الآخر، أو أحدث فيه نقصانا، لزم الضمان من ماله، ولا يضمنه وليه (١). ٢ - لو بال صبي من فوق السطح، فأفسد ثوبا لآخر، لزم الضمان من ماله، وإذا لم يكن لذلك الصبي مال ينتظر حال يسره، ولا يضمن وليه - أبوه ... أو وصيه مثلاً - من ماله، ولا يجبر أحد على تأدية مال الغير (٢). ٣ - إذا رمى شخص حجراً في الطريق، فكسر زجاج دار رجل آخر؛ فالضمان على الكاسر، ولا يطالب أخوه بضمانه لكونه لم يمنعه (٣). ٤ - أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة (٤). ٥ - لا يجب على صاحب البهيمة ضمان ما أتلفته من نفس أو مال - نهارا - من تلقاء نفسها (٥).

стр. 641

٦ - لا يجب على صاحب البناء ضمان ما تلف بسبب سقوطه، إلا إذا كان نتيجة تقصير في تحاشي ذلك، بأن بناه واهنا، أو أغفل نقضه أو إصلاحه (١). ٧ - إذا كسر الخادم آنية للجيران، فإنه يضمنها، ولا يتحملها مخدومه عنه. ٨ - إذا استأجر رجل سائقا للسيارة، فدهس السائق بالسيارة دابة إنسان، فهلكت؛ وجب ضمانها على السائق، ولا يتحملها الرجل الذي يعمل عنده السائق. المطلب السادس من مستثنيات القاعدة ذكر العلماء ثلاثة فروع فقهية مستثناة عن القاعدة، منها -وهو الفرع الأول- ما هو مجمع على استثنائه، ومنها -وهو الفرع الثاني والثالث- ما هو مختلف فيه وخاضع لاجتهاد العلماء؛ فمنهم من يستثنيه، ومنهم من لا يستثنيه، وإليك بيان ذلك على النحو الآتي: الفرع الأول: تحمل عاقلة (٢) الجاني الدية عنه في قتل الخطأ بالإجماع (٣)، وفي قتل شبه

стр. 642

العمد عند بعض العلماء (١). ولهذا الاستثناء أدلة من السنة والإجماع، أكتفي منها بذكر هذين الدليلين: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرّة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم (٢). ٢ - قال أبو بكر ابن المنذر: «وأجمع أهل العلم أن دية الخطأ تحمله العاقلة» (٣). وقال أبو محمد ابن قدامة: «ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة .. وأجمع أهل العلم على القول به» (٤).

стр. 643

وقد وضَّح أبو عبد الله ابن قيم الجوزية الحكمة من هذا الاستثناء؛ في كلام له طويل، رأيت نقله بطوله لما فيه من الفائدة، حيث يقول ﵀: «والعقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، ولا شبهه على الصحيح، والخطأ يُعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمده، وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته، فلا بد من إيجاب بدله، فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أنْ أوجب بدله على من عليه موالاة القاتل ونصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك، وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح، وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدوّ، فإن هذا أسيف بالدية التي لم يتعمد سبب وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع، وليست قليلة، فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها، وهذا بخلاف العمد؛ فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل، وبخلاف شبه العمد؛ لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد، وبخلاف بدل المتلف من الأموال، فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلف يعجز عن حمله، وشأن النفوس غير شأن الأموال، ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند الإمام أحمد ومالك؛ لقلته واحتمال الجاني حمله، وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقل المقدر كأرش الموضحة وتحمل ما فوقه، وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردا للقياس، وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد، فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال، فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع ...

стр. 644

فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين. وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم؛ فإن الله سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسدّ خَلّة الفقير؛ فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد به خلة الفقراء، وحرم الربا الذي يضر بالمحتاج؛ فكان أمره بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢) وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، وظلم، وفضل، فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة، فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى. والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض، كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذا لون وذاك لون، والله الموفق» (٣).

стр. 645

الفرع الثاني: إذا قتل الصبي المحرم صيداً، أو ارتكب موجب كفارة، فالفدية في مال الولي عند بعض العلماء (١). الفرع الثالث: إذا حلق الحلاق رأس المحرم، والمحلوق نائم أو مغمى عليه أو مكره، ففيه قولان: الأول: أن الفدية على الحالق. والثاني: أن الفدية على المحلوق؛ لأنه المرتفق به، وعلى هذا القول فقد طولب بجناية ما لا مدخل له فيها (٢).

стр. 646

الفصل الثاني القواعد المتعلقة بسقوط الضمان لمانع وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: الأجر والضمان لا يجتمعان. المبحث الثاني: قاعدة: لا يتوالى ضمان عقدين في شيء واحد. المبحث الثالث: قاعدة: كل ما لا يضمن من المتلفات المأخوذة بإشهاد، لا يضمن إذا أخذ بغير إشهاد.

стр. 647

المبحث الأول قاعدة: الأجر والضمان لا يجتمعان «هذه القاعدة حنفية النسب، لا يتبناها جمهور المذاهب الفقهية الأخرى، وهي عند الحنفية تتصل اتصالا وثيقا بنظريتهم المشهورة في عدم ضمان الغاصب منافع المغصوب» (١)، وستكون دراستها - بمشيئة الله تعالى - في المطالب الآتية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة حنفية النسب والمذهب؛ لذا فإن جميع صيغها من نصيب فقهاء المذهب الحنفي، وذلك على النحو الآتي: ١ - قال محمد بن الحسن (٢): «لا يجتمع الأجر والضمان» (٣)، وذكرها أبوبكر السرخسي بهذا اللفظ (٤).

стр. 648

٢ - قال أبوبكر السرخسي: «الأجر والضمان لا يجتمعان» (١)، وذكرها أبو بكر الكاساني بهذا اللفظ (٢)، كما نصت عليها بهذا اللفظ أيضا مجلة الأحكام العدلية في المادة (٨٦) (٣). ٣ - وقال أيضا: «الأجر مع الضمان لا يجتمعان» (٤)، وذكرها أبو بكر الكاساني بهذا اللفظ (٥). ٤ - وقال أيضا: «الضمان والأجر لا يجتمعان» (٦). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة الأجر لغة: الجزاء على العمل، كالإجارة، مثلثة، وجمعه: أجور، وفرق بعضهم بين الأجر والإجارة، فالأجر: هو الثواب الذي يكون من الله للعبد على العمل الصالح، والإجارة: هي جزاء عمل الإنسان لصاحبه (٧). وعلى القول بالتفريق بينهما، فإن المراد بالأجر في القاعدة هو معنى الإجارة.

стр. 649

وفي اصطلاح الفقهاء هو: «العوض الذي يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابلة المنفعة التي يأخذها منه» (١). الضمان: سبق تعريفه في اللغة والاصطلاح (٢). والمراد به هنا: «الالتزام بقيمة العين المنتفع بها، سواءً أهلكت العين أم سلمت». يقول الشيخ مصطفى الزرقا: «ليس المراد بالضمان في هذه القاعدة الضمان المتحقق الواقع فعلاً: أي بأن تهلك العين فيلتزم الشخص بقيمتها، بل المراد به في النظر الحنفي كون الشخص عرضة لضمان العين، وذلك بأن يكون بحالة يعتبر فيها هو المسؤول عن قيمة العين إن هلكت، سواء أوقع الهلاك فعلا أم لم يقع: أي أن يكون في حالة تحمل التبعة» (٣). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن الأجرة الواجبة لقاء منفعة لا تجب، ويسقط التزامها إذا كان هناك التزام بضمان قيمة العين فيما لو هلكت، سواء أوقع الهلاك فعلا أم لا (٤). مثال ذلك: «لو استأجر شخص دابة مثلا ليركبها إلى مكان معين، فذهب بها رأسا إلى مكان آخر، يعتبر متعديا في حكم الغاصب، ويخرج عن صفة

стр. 650

الأمين التي هي الصفة الأصلية شرعا للمستأجر، فإذا هلكت الدابة عنده قبل ردها إلى مالكها؛ يضمن قيمتها ولا أجر عليه؛ لأن الأجر والضمان لا يجتمعان. وكذا إذا لم تهلك، فردها سليمة ولو بعد شهور لا أجر عليه أيضا؛ لأنه كان في حالة مسؤولية بضمانها لو هلكت عنده» (١). المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة اختلف الفقهاء في صحة هذه القاعدة - وهي عدم اجتماع الأجر والضمان إذا اتحد السبب والمحل - على قولين: القول الأول: لا يجتمع الأجر والضمان. وهذا هو مذهب الحنفية (٢)، ووافقهم المالكية في بعض الفروع (٣).

стр. 651

وقد اشترط الحنفية للعمل بهذه القاعدة أن يتحد السبب والمحل في الأجر والضمان (١)، فأما إذا اختلفا فلا مانع من اجتماع الأجر والضمان، كما لو استأجر دابة على أن يركبها بنفسه إلى محل معين، فركبها بنفسه، ولكنه أردف معه من يتمسك بنفسه، وبعد وصوله إلى ذلك المحل هلكت الدابة؛ فإنه يلزمه الأجر، ويضمن نصف قيمة الدابة، أما لزوم الأجر فلأنه ركب بنفسه واستوفى المنفعة المعقود عليها، وأما ضمان نصف القيمة فلأنه تعدى بأن أركب معه من يستمسك بنفسه، فكان الأجر لسبب والضمان لسبب آخر (٢). ويعبر الشيخ مصطفى الزرقا عن هذا الشرط بقوله: «على أن الحنفية يقيدون هذه القاعدة بأن لا يكون الأجر قد استقر على الشخص قبل صيرورته في حالة ضمان للعين، فإذا كان الأجر المسمى قد استقر عليه قبلا، كما لو استوفى المنفعة المعقود عليها أولاً، ثم تجاوز حتى صار متعديا في حكم الغاصب، فإنه - وإن أصبح متحملا لتبعة هلاك المأجور - يلزمه الأجر عندهم إذا لم يهلك. أما إذا هلك المأجور بعد التعدي قبل الرد إلى المالك، فإنه يضمنه ولا أجر عليه عندئذ على كل حال، لاندماج ضمان المنافع في ضمان الأصل» (٣).

стр. 652

القول الثاني: أن الأجر والضمان يجتمعان. وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). أدلة القول الأول: بنى الحنفية قاعدتهم هذه على نظريتهم المشهورة في «أن الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب عن مدة الغصب، بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيبت؛ لأن المنافع عندهم ليست متقومة في ذاتها، وإنما تتقوم بعقد الإجارة، ولا عقد في الغصب» (٤). وقالوا في تعليلهم لقاعدة «الأجر والضمان لا يجتمعان»: «لأن الضمان إنما يكون بسبب التعدي، والتعدي على مال الغير غصب له أو كالغصب، ومنافع

стр. 653

المغصوب غير مضمونة؛ لأن المنافع معدومة، وعند وجودها فهي أعراض غير باقية، وإنما تقوم - أي المنافع - بعقد الإجارة على خلاف القياس، لمكان الحاجة الضرورية إليها، وعقد الإجارة لا يبقى مع صيرورة المستأجر ضامنا، بل يرتفع؛ إذ لا يمكن اعتباره مستأجرا أمينا وغاصبا ضمينا في آن واحد، لتنافي الحالتين» (١). وأضاف بعضهم: «بأن المضمونات تملك على أصل أصحابنا، وذا يمنع وجوب الأجرة عليه» (٢). ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن هذه القاعدة - «الأجر والضمان لا يجتمعان» - ضعيفة؛ وذلك لضعف ما بُنيت عليه، وهي قولهم: بأن منافع المغصوب لا تضمن؛ إذ الصحيح أن المنافع أموال بذاتها، وذلك للأمور التالية: ١ - إن الشارع الحكيم حكم بكون المنفعة مالا متقوما، عندما جعلها مقابلة بالمال في عقد الإجارة، والإجارة - كما هو معلوم - عقد على المنفعة، كما أجاز الشارع الحكيم أن تكون المنفعة مهرا في عقد النكاح، وقد جعل الله المهر من الأموال، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٣).

стр. 654

٢ - إن جعل المنافع من الأموال هو المتفق مع عرف الناس، والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم، فهم لا يبتغون الأعيان إلا طلباً لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من أموالهم، وما لا منفعة له لا رغبة فيه ولا طلب له، وإذا طلب عُدّ طالبه من الحمقى والسفهاء، وربما حجر عليه؛ ولذا كان في المنافع مجال واسع لمعاملاتهم المالية، وليس أدلّ على ذلك من إقامة الفنادق والأسواق ودور السكنى، وإنشاء السكك الحديدية والبواخر، وما إلى ذلك مما هو معدّ للاستغلال بالاستعاضة عن منافعه. ٣ - إن في إهدار المنافع وعدم اعتبارها أموالا تضييعاً لحقوق الناس، وتشجيعا للظلمة في الاعتداء على منافع الأعيان التي يملكها غيرهم، وفي ذلك من الظلم والفساد ما يناقض مقاصد الشريعة السمحة (١). أدلة القول الثاني: لم يتكلم جمهور الفقهاء على هذه القاعدة؛ لا باعتبار ولا بنقد، وإنما تبين لي أنهم لا يقولون بها من خلال الفروع الفقهية؛ حيث لم يعملوا القاعدة فيها؛ لذلك فليس بغريب أن لا أجد لهم دليلاً في عدم إعمالهم للقاعدة؛ لأنهم لم يتكلموا عليها أصلاً، ولأن لكل فرع فقهي دليلاً يخصه. لكن يمكن الاستدلال لهم - على عدم اعتبارهم لها - بأنه لا يوجد مانع من إيجاب الأجر والضمان على شخص واحد؛ وذلك لأن الجهة منفكة، فالأجر

стр. 655

بسبب الانتفاع بالعين، سواء أكانت للمدة المذكورة في العقد أم للمدة الزائدة عن مدة العقد، ووجوب الضمان لأجل هلاك العين أو نقصها، ولكل منهما حكم يخصه. كما يمكن أن يستدل لهم بأنهم يرون أن المنافع أموال بذاتها، وقد تقدم بيان ذلك - قريبا - في الجواب على أدلة الحنفية. والله تعالى أعلم بالصواب. القول المختار: بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه القاعدة، يتبين لي - والعلم عند الله تعالى - أن هذه القاعدة ضعيفة، وأنه لا مانع من اجتماع الأجر والضمان، وذلك للأمور التالية: أولاً: إن هذه القاعدة مبنية على عدم ضمان المنافع، وقد تبين لنا ضعف هذا القول والرد عليه. ثانياً: صحة ما استدل به لأصحاب القول الثاني، وهو عدم وجود مانع من اجتماع الأجر والضمان، لانفكاك الجهة فيهما. ثالثاً: يقول الشيخ مصطفى الزرقا في نقده لهذه القاعدة ما نصه: «يتضح من هذه التعريفات وأمثالها أنه ليس المراد بالضمان في هذه القاعدة الضمان المتحقق الواقع فعلا: أي بأن تهلك العين فيلتزم الشخص بقيمتها، بل المراد به في النظر الحنفي كون الشخص عرضة لضمان العين، وذلك بأن يكون بحالة يعتبر فيها هو المسؤول عن قيمة العين إن هلكت، سواء أوقع الهلاك فعلا أم لم يقع: أي أن يكون في حالة تحمل التبعة. وهذا في منتهى الغرابة كما ترى، فهو تفريع نظري محض لم ينظر فيه إلى مصلحة التطبيق، فهو يفسح للناس مجال الاحتيال للانتفاع بأموال الغير بلا

стр. 656

بدل؛ فيعقدون الإجارة على غير المنفعة التي يريدون، ثم يخالفون إلى الانتفاع بما يريدون دون التزام بعوض ولا يبالون بضمان المأجور عند الهلاك؛ لأنه نادر. ولو أن فقهاء الحنفية خصصوا القاعدة بحالة وقوع الضمان وتحققه، كما إذا هلكت الدابة مثلا في هذه الحال والتزم المستأجر بقيمتها لكان لها وجه؛ إذ يقال إن ضمان الأصل تندمج فيه المنافع مع أن ذلك أيضا غير قوي» (١). المطلب الخامس من فروع القاعدة ذكر فقهاء الحنفية فروعا فقهية كثيرة تندرج تحت هذه القاعدة، يتعلق أغلبها باستئجار الدواب ومخالفة المستأجر للشروط، أكتفي منها بذكر الفروع التالية: ١ - إذا استأجر دابة ليحمل عليها شعيراً، كيلاً معلوماً، فحمل عليها براً مثل كيله، فعليه قيمة الدابة إن هلكت، ولا أجر عليه؛ لأن الحنطة أثقل من الشعير (٢). ٢ - إذا استأجر دابة إلى محل معين، فليس للمستأجر أن يذهب بتلك الدابة إلى محل آخر، فإن ذهب وتلفت الدابة، ضمن، وليس عليه أجر، سواء أسلمت أم هلكت (٣).

стр. 657

٣ - إذا استأجر حمارا ليركبه هو، فأركب غيره، فعطب الحمار، ضمن ولا أجر (١). ٤ - إذا استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مكاييل، فحمل خمسة عشر، وجاء بها سليمة، فهلكت قبل أن يردها إلى صاحبها، فهذه إن كانت تطيق ذلك كان عليه ثلث القيمة وكمال الأجر، وإن كانت لا تطيق ضمن جميع القيمة ولا يجب الأجر (٢). ٥ - إذا استأجر أرضاً، ليزرع فيها حنطة، فزرع فيها نباتا أشد ضررا من الحنطة، وجب عليه ضمان نقصان الأرض، ولا يجب عليه الأجر؛ لأنه لما خالف صار غاصباً، واستوفى المنفعة بالغصب، ولا تجب الأجرة به، وإنما يجب بالاستيفاء بعقد الإجارة، وهما لا يجتمعان، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد مأذوناً فيه وغير مأذون فيه، ولهذا لا يجتمع الضمان والأجرة (٣). ٦ - إذا استأجر دابة ليحمل عليها حنطة، فحمل عليها حطبا أو خشبا أو حديدا أو حجارة أو نحو ذلك مما يكون أنكى لظهر الدابة أو أعقر له حتى عطبت، فإنه يضمن كل القيمة ولا أجر عليه (٤). ٧ - إذا استأجر دابة ليركبها فحمل عليها، أو استأجرها ليحمل عليها فركبها، حتى عطبت، ضمن ولا أجر عليه (٥).

стр. 658

٨ - إذا استأجر دابة ليركبها إلى موضع كذا، وركبها في المصر في حوائجه، ولم يذهب إلى ذلك المكان، فإنه يكون مخالفاً ضامناً، ولا أجر عليه (١). ٩ - إذا غصب شخص حيوانا، واستعمله؛ فبما أنه لو تلف بيده يكون ضامنا، فإذا رده لصاحبه لا تلزمه أجرة على استعماله إياه (٢). ١٠ - لو غصب رجل بعير آخر، واستعمله حتى هزل، وطرأ على قيمته نقصان، فإنه يضمن لصاحبه نقصان قيمته، ولا أجر عليه؛ لأن الأجر والضمان لا يجتمعان (٣). ١١ - لو استعمل أحد مالا بدون إذن صاحبه، فهو من قبيل الغصب، لا يلزمه كراء منافعه، أعني أجر المثل؛ لأنه لو هلك لهلك في ضمانه، فلا تلزمه أجرة (٤).

стр. 659

المبحث الثاني قاعدة: لا يتوالى ضمان عقدين في شيء واحد تتعلق هذه القاعدة بتوالي الضمانين في عقدين ورد أحدهما على الآخر، وستكون دراستها من خلال المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة شافعية المذهب، ولم تحظ عندهم إلا بصيغة واحدة، كما أنها لم تحظ بصيغ لدى المذاهب الفقهية الأخرى. ذكرها أبو القاسم الرافعي بصيغة: «لا يتوالى ضمان عقدين في شيء واحد» (١). ثم تبعه بالصيغة نفسها كل من: عبد الوهاب السبكي (٢)، وبدر الدين ابن الملقن (٣). المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة لا يتوالى: يتوالى: من الوَلْي، وهو القرب والدنو والمطر بعد المطر، وتوالى: أي تتابع، يقال: توالت الأخبار، إذا تتابعت (٤)، فالمراد من قولهم (لا يتوالى): أي لا يتتابع ولا يتوارد.

стр. 660

ضمان: سبق تعريفه في اللغة والاصطلاح (١). والمراد به هنا: ضمان أحد المتعاقدين العين المعقود عليها للعاقد الثاني. عقدين: مثنى عقد، وقد تقدم تعريفه لغة واصطلاحاً (٢)، وهو في الاصطلاح: «ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله» (٣). في شيء واحد: أي في عين واحدة، وهي المعقود عليها. المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة لا يورد عقد يفيد الضمان، على عقد آخر يفيد الضمان أيضا، قبل لزومه واستقراره، لما يؤدي إليه من صيرورة الشخص الواحد مطالِباً ومطالَباً في عين واحدة، فتكون العين المعقود عليها مضمونة في حالة واحدة لاثنين (٤). مثاله: إذا باع المشتري السلعة قبل قبضها، فلو قدرنا نفوذ بيعه قبل القبض؛ لكان المبيع مضمونا قبل القبض على البائع الأول للمشتري، ثم يكون مضمونا على المشتري الأول للمشتري الثاني، فتكون السلعة الواحدة مضمونة له وعليه في عقدين. وهذا مستحيل (٥). وكما هو مفهوم من نص القاعدة فإنه يشترط لإعمالها أن يرد عقد مفيد للضمان على عقد مفيد للضمان، فأما إذا ورد عقد مفيد للضمان على عقد

стр. 661

أمانة، فإن القاعدة لا تعمل، كما لو ورد عقد بيع على عقد وديعة، بأن يبيع مالك العين المودعة - وهي في يد المودع - قبل قبضها، فهذا يجوز، وكذلك يجوز بيع جميع الأمانات قبل قبضها كمال الشركة والقراض والمال في يد الوكيل والمستأجر (١). المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة هذه القاعدة شافعية المذهب (٢)، لم أجد من قال بها من الفقهاء غيرهم (٣)، وقد ذكروها في معرض التعليل لمنع بيع المبيع قبل قبضه. وعللوا لهذه القاعدة بأنّ توالي الضمانين يؤدي إلى أن يصير الشخص الواحد مطالِباً ومطالَباً في شيء واحد، وهذا مستحيل (٤). وقد وجّه جماعة من الفقهاء انتقادات على القاعدة، أسوقها كما يأتي: أولاً: إن المراد بضمان البائع للبيع هو أنه لو تلف المبيع انفسخ البيع وسقط الثمن، فلم لا يجوز أن يصح البيع؟ ثم لو تلف عند البائع ينفسخ البيعان،

стр. 662

ويسقط الثمنان، وتبين أنه هلك على ملك من هلك في يده (١). ثانياً: قال أبو عبدالله ابن قيم الجوزية في نقد هذه القاعدة ما نصه: «إنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها، وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأي حكم علق الشرع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له. وأيضا فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك. وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع؛ فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة (٢) التي لا معارض لها: وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة، ومع هذا يجوز التصرف فيها، ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه» (٣).

стр. 663

وقال قبل ذلك ما نصه: «وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه، وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة؛ فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدوّ صلاحها، له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع، فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة» (١). وبعد هذا، فالذي يظهر - والعلم عند الله تعالى - ضعف هذه القاعدة، ولكن ضعفها لا يعني جواز بيع المبيع قبل قبضه، فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى. وقد جاءت النصوص الكثيرة من السنة النبوية بالمنع من بيع المبيع قبل قبضه، وأكتفي منها بذكر حديثين: أولهما: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) وفي لفظ: (حتى يكتاله). قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام (٢). والثاني: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتاً في السوق، فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفتّ فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٣).

стр. 664

ثم إن «علة النهي عن البيع قبل القبض ليست توالي الضمانين، بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح، فيسعى في رد البيع إما بجحد أو باحتيال في الفسخ» (١). المطلب الخامس من فروع القاعدة هذه بعض الفروع الفقهية المندرجة تحت القاعدة، أذكرها كما يأتي: ١ - لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، عقارا كان أم منقولا؛ لئلا يتوالى الضمانان (٢). ٢ - لا يصح بيع المسلم فيه أو الاستبدال عنه قبل قبضه، لا لمن هو في ذمته ولا لغيره؛ حتى لا يتوالى الضمانان (٣). ٣ - لا يجوز بيع الأجرة قبل قبضها؛ لئلا يتوالى الضمانان (٤). ٤ - لا يصح بيع العوض المصالح عليه عن المال قبل قبضه، حتى لا يتوالى الضمانان (٥).

стр. 665

المبحث الثالث قاعدة: كل ما لا يضمن من المتلفات المأخوذة بإشهاد لا يضمن إذا أخذ بغير إشهاد يمكن أن يقال بأن هذه القاعدة من القواعد الفقهية المندرجة تحت القاعدة الكلية: «الأمانة غير مضمونة» (١). وتبين لنا هذه القاعدة بأن الإشهاد ليس له تأثير في سقوط الضمان، وقد جعلت دراستها في المطالب التالية: المطلب الأول في صيغ القاعدة هذه القاعدة مبنية على قول المالكية - بل الجمهور كما سيأتي - بعدم اشتراط الإشهاد في اللقطة (٢)، لسقوط ضمانها عن الملتقط إذا تلفت في يده من غير تعدّ منه أو تفريط. وقد صاغها الدكتور محمد الروكي في كتابه "قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب المالكي" (٣)

стр. 666

بقوله: «كل ما لا يضمن من المتلفات المأخوذة بإشهاد لا يضمن إذا أخذ بغير إشهاد»، مستنبطا لها من تعليل القاضي عبد الوهاب المالكي لهذه المسألة، حيث قال: «ولأن كل ما تلف وقد أخذ بإشهاد لم يضمنه، فإذا تلف وقد أخذ بغير إشهاد لم يضمنه؛ أصله الوديعة» (١). ويمكن أن تصاغ هذه القاعدة بصيغة أوجز فيقال: «لا أثر للإشهاد في سقوط الضمان». والله تعالى أعلم. المطلب الثاني في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة إشهاد: مأخوذة من الشهادة، والشهادة لغة: تطلق على الحضور والمعاينة والعلم والإدراك والإخبار بالشيء (٢). وتطلق الشهادة في اصطلاح الفقهاء على: «إخبار بحق للغير على آخر عن يقين» (٣). المطلب الثالث في المعنى الإجمالي للقاعدة إن الأمانات - كالوديعة ومال القراض واللقطة وغيرها - إذا تلفت من غير تعدّ ولا تفريط ممن هي في يده، فإن الضمان لا يجب، سواء أشهد عليها حين أخذه أم لم يشهد.

стр. 667

المطلب الرابع في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة هذه القاعدة - كما سبق - استنبطت من كلام للقاضي عبد الوهاب المالكي (١) في مسألة: اللقطة إذا تلفت بيد الملتقط، من غير تعدّ منه أو تفريط، هل يشترط لعدم ضمانه لها أن يكون قد أشهد عليها حين التقاطه لها؟. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن أشهد الملتقط حين أخذ اللقطة أنه يأخذها ليردها لم يضمنها، وإن لم يشهد بذلك ضمنها. وهذا قول أبي حنيفة (٢) وزفر (٣). القول الثاني: إن الملتقط لا يلزمه ضمانها سواء أشهد عليها أم لم يشهد. وهذا قول أبي يوسف ومحمد (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).

стр. 668

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - عن عياض بن حمار (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيِّب؛ فإن وجد صاحبها فليردها إليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالإشهاد على اللقطة، والأمر يقتضي الوجوب (٣). نوقش هذا الحديث بما يأتي: أولاً: إن النبي ﷺ سئل عن اللقطة - كما سيأتي في أدلة القول الثاني - فأمر بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجبا لبيّنه النبي ﷺ ، سيما وقد سئل عن حكم اللقطة، فلم يكن ليخل بذكر الواجب فيها، فتعيّن حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب (٤).

стр. 669

ثانياً: يحتمل أن يكون مراد النبي ﷺ بالإشهاد - في هذا الحديث - ظهور الأمانة من الملتقط وارتفاع الظنة عنه، كما روي عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) أنه أريد به ظهور أمانة الولاة على الأيتام (٢). ثالثاً: إذا افترضنا أن الحديث يدل على وجوب الإشهاد، فإنه لا يدل على أن الملتقط إذا لم يشهد يضمن التلف. ٢ - «إن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان في الأصل، إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة بأن أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سبباً، وذلك إنما يعرف بالإشهاد، فإذا لم يُشهد لم يعرف كون الأخذ لصاحبه؛ فبقي الأخذ سبباً في حق وجوب الضمان على الأصل» (٣). ٣ - «إن الأصل أنّ عمل كل إنسان له لا لغيره، بقوله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٥) فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها، وأخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان؛ لأنه غصب، وإنما يعرف الأخذ لصاحبها بالإشهاد، فإذا لم يوجد تعين أن الأخذ لنفسه؛ فيجب عليه الضمان» (٦).

стр. 670

نوقش هذان التعليلان بما يأتي: أولاً: «إن المعنى الذي ذكروه غير صحيح؛ فإنه إذا حفظها وعرّفها، لا يعتبر أنه أخذها لنفسه، وفائدة الإشهاد صيانة نفسه عن الطمع فيها وكتمها وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس» (١). ثانياً: إن الإشهاد لا معنى له ولا أثر في إسقاط الضمان؛ لأنه قد يشهد بخلاف ما كان أضمر احتياطا لنفسه (٢). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - عن زيد بن خالد الجهني (٣) ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة: الذهب أو الورق؟ فقال: (اعرف وكاءها (٤) وعفاصها (٥)، ثم عرفها
следующие страницы →