стр. 561
← Нахв и сарф следующие страницы →
Нахв и сарф · id 560
حاشيتان لابن هشام على ألفية ابن مالك
ابن هشام النحوي
Полный текст (1 740 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 562
الاستِثْناءُ
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب ... وبعد نفي أو كنفي انتخب
(خ ١)
* قال السِّيرَافيُّ (١): ومما يجري مَجرى الفعل الواجبِ نحوُ: لِيَقُم القومُ إلا زيدًا، وفعلُ الشرط، نحو: إِنْ قام القومُ إلا زيدًا أكرمتك، وكذا: لو قام القومُ إلا زيدًا أكرمتك، وقياسُ قولِ أبي العَبَّاسِ (٢) أن يجريَ فعلُ الشرط مَجرى النفي (٣).
* قولُه: «وبَعْدَ نفيٍ أو كنفيٍ»: مثلُ النفي: التقليلُ، فتقول: أقلُّ رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ؛ لأنه في معنى: ما أحدٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، يدلُّك على ذلك: قولُ الشاعر (٤) -فيما أنشده أبو عَلِيٍّ في "التَّذْكِرة" (٥) -:
دَعَا دَعْوَةً دُودَانُ وَهْوَ بِبَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا المعْرُوفُ بَلْ هُوَ مُنْكَرُ (٦) (٧)
* [«أو كنفيٍ»]: يُشبِهُ النفيَ: النهيُ والاستفهامُ بـ"هَلْ"، نحو: هل قام أحدٌ إلا زيدًا، لا الأمرُ، وفيه نظرٌ؛ فإنهم جعلوا الأمرَ في باب ما يُنصَب من الجواب كالنفي، وهنا لم يجعلوه كذلك، ولا فرقَ، وحُكِي لي عن بعض الكوفيين (٨) أنه مَنَع النصبَ في جواب الأمر، قال: لأنه لم يَجْرِ عندنا في الاستثناء مَجرى النفي، فكذا هنا (٩).
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع ... وعن تميم فيه إبدال وقع
стр. 563
(خ ١)
* مذهبُ كـ (١) الإتباعُ مع الإيجاب، وأنشدوا للأَخْطَل:
وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ إِلَّا النُّؤْيُ وَالوَتِدُ (٢)
قال الشَّلَوْبِينُ (٣): ويجوز أن تكون "إلَّا" هنا حرفَ ابتداءٍ، كما قيل في: ﴿فَشَرِبُوا [مِنْهُ] (٤) إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (٥)، ومِن أناشيدهم في ذلك أيضًا:
عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الخِيَا ... مِ إِلَّا الثُّمَامُ وَإِلَّا العِصِيُّ (٦)
وفيه ما فيه من الاحتمال (٧).
* قولُه: «وانصِبْ ما انقطع»: قال ابنُ بَابَشَاذَ (٨): لأن انقطاع معناه يقتضي انقطاعَ إعرابِه.
ع: هذا لا يمكن أن يقالَ في: ما ضربت أحدًا إلا وَتِدًا، أو: إلا حمارًا، لكنه
стр. 564
ممكنٌ في نحو: ما فيها أحدٌ إلا حمارًا، ثم هو جُنُوحٌ إلى نظير ما يقول الكوفيون (١) من أنَّ لنا نصبًا يسمَّى النصبُ على الخلاف، ونصبًا يسمَّى النصبُ على الصرف، أي: سَبَبُهما قصدُ الخلاف والصرف، وهو فاسد من قول الكوفيين مع استمراره، فكيف هذا مع تخلُّفِه؟ (٢)
* ش (٣): ابنُ كَيْسَانَ (٤): لا يكون الاستثناءُ المنقطعُ إلا في شيءٍ ينضمُّ فيه ما قبلَه وما بعده في المعنى، لو قلت: قام القومُ إلا دارَ زيدٍ؛ لم يصحَّ؛ لأن القيام لا تصحُّ نسبتُه إلا (٥) الدار.
ع: لا بدَّ من اعتبار هذا الذي قاله ابنُ كَيْسَانَ، والناسُ غافلون عنه، ومعنى المنقطع: الذي ليس داخلًا في المستثنى منه، لا: الذي هو منقطعٌ عن معنى الكلام (٦).
* أجاز الزَّمَخْشَريُّ (٧) والزَّجَّاجُ (٨) في: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا﴾ (٩) أن يكون "أَنْ يقولوا" بدلًا، قال الزَّمَخْشَريُّ: من "حَقٍّ"، وقال الزَّجَّاجُ: من "بغير حَقٍّ".
ع: فيما أظنُّ. انتهى.
ويُبطِلُه: أن البدل في الإيجاب لا يصحُّ، ويُبطِل قولَ الزَّمَخْشَريِّ: أن التقدير يصير: بغير إلَّا.
стр. 565
ع: الذي أَفْهَمُه أن المعنى: لم يَنْقِموا منهم إلا قولَهم: ربُّنا الله، فهذا استثناءٌ من محذوفٍ هو وعاملُه، دلَّ عليهما قولُه: "أُخرجوا بغير حقٍّ"؛ فإن ذلك مما يُسأل عنه، أو قولُه (١): "أُخرجوا" بمعنى النفي، أي: لم يُقَرُّوا في ديارهم بغير حقٍّ إلا قولَهم: ربُّنا الله، والاستثناءُ غير متصلٍ، أي: أَخرجوهم بلا حقٍّ إلا قولَهم: ربُّنا الله، بتقدير: لكنْ قولُهم (٢).
وغير نصب سابق في النفي قد ... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
وإن يفرغ سابق إلا لما ... قبل يكن كما لو الا عدما
وألغ إلا ذات توكيد كلا ... تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا
وإن تكرر دون توكيد فمع ... تفريغ التأثير بالعامل دع
في واحد مما بإلا استثني ... وليس عن نصب سواه مغني
ودون تفريغ مع التقدم ... نصب الجميع احكم به والتزم
(خ ١)
* ع: مِنْ غريب ما وَقَع لي: قولُ الشاعر (٣):
قَالَتْ سُعَادُ وَغَرَّهَا مِنْ عَيْشِهَا ... بَرْدُ المَقِيلِ وَسَرَّهَا تَعْنِيفِي:
مَا إِنْ أَرَاكَ وَأَنْتَ إِلَّا شَاحِبًا ... بَادِي الجَنَاجِنِ نَاشِزَ الشُرْسُوفِ (٤)
قال أبو عَلِيٍّ في الجزء الحادي والعشرين من "التَّذْكِرة" (٥): هكذا رواه مُحَمَّدُ بنُ
стр. 566
السَّرِيِّ (١) بالنصب، وقال: أراد: إلا وأنت شاحِبٌ، قال -يعني: ابنَ السَّرِيِّ-: هكذا يقول أهلُ العربية، والصوابُ رفعُ "شاحب"؛ لأن حكم إعرابِ ما بعد "إلَّا" إذا كانت "إلَّا" في غير موضعها على حكمه إذا كانت في موضعها.
ع: يظهر لي أنه قد يجوز النصبُ على التوهُّم؛ لأن "إلَّا" في التقدير داخلةٌ على الحال، فموضعُ الجملةِ يكون بعدها نصبًا، فلما توسَّطتْ بين جزئَيْ الجملة تَوَهَّم أنها في موضعها في أوَّل الحال، فجاءت الحالُ مفردًا، فنَصَبَها (٢).
وانصب لتأخير وجئ بواحد ... منها كما لو كان دون زائد
كلم يفو (٣) إلا امر (٤) إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأول
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بإلا نسبا
(خ ١)
* أنشد في "الكَامِل" (٥):
وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ نَازِلًا ... وَمَا مِنْ خِلَالِي غَيْرَهَا شِيْمَةُ العَبْدِ (٦)
وقال: "غيرها" استثناءٌ مقدَّم، يعني: فلهذا نُصِب، كما تقول: ما قام إلا زيدًا القومُ (٧).
* فإن قلت: كيف أجاز س (٨) في:
стр. 567
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ (١)
أن تَرفع "غيرًا"؟
قلت: قال: إنه على الوصف، كأنك جعلت ذلك عيبًا لهم؛ لأنه عيبٌ لغيرهم (٢)، ويكون إذ ذاك على لغة تَمِيمٍ.
ولا يجوز أن تَحمِل "غيرًا" على "إلَّا" في ابتداء الاسمِ بعدها، لا تقول: ما أتى أحدٌ غيرُ زيدٍ خيرٌ منه، بمعنى: إلا زيدٌ خيرٌ منه.
ع: قولُه: «ويكون ذلك»، لعله: أو يكون ذلك؛ لأن البدل غير الصفة (٣).
ولسوى سوى سواء اجعلا ... على الأصح ما لغير جعلا
واستثن ناصبا بليس وبخلا (٤) ... وبعدا وبيكون بعد لا
(خ ١)
* ابنُ بَابَشَاذَ (٥): في "ليس" و"لا يكونُ" مذهبان:
قيل: لا موضعَ لهما، بل هما جملتان دلَّتا على الاستثناء، ولم يتعلَّقا تعلُّقَ المعمولِ
стр. 568
بالعامل، بل هما كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (١) بعد قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ (٢).
والحقُّ: أنها في موضع الصفة بعد النكرة، والحالِ بعد المعرفة، كـ: جاءني رجالٌ ليس زيدًا، و: القومُ ليس زيدًا، والدليل عليه: أنه قد سُمع من العرب (٣): أتَتْني امرأةٌ لا تكون فلانةَ، فأنَّث الفعلَ لمَّا جَعَله صفةً.
ع: في التمثيل بـ"رجالٌ ليس زيدًا" نظرٌ؛ لأنه لا يصحُّ فيه الاستثناء بعد ... (٤) يستثنى منه، ثم ولو سُلِّم؛ فالتأنيثُ غيرُ مستلزمٍ للصفة، بل هو مراعاةٌ لِمَا تقدَّم، ثم هو مخالفٌ لتقدير الاسم. لفظُ البَعْض (٥).
* ع: الصواب عندي: أن يقال في مثال ابنِ بَابَشَاذَ: رجالٌ لا يكونون زيدًا، وأنه يجب التأنيثُ في مثال المرأة، والجملةُ إذ ذاك فيهما صفةٌ لا غيرُ، وأنه يقع "لا يكونُ" موقعَ "إلَّا"، فتحملَ عليها في أنه لا يكون بعدها جزءان، وإنما هي صفةٌ، كقولك: خَلَوا عن زيدٍ، وأما: القومُ لا يكون زيدًا؛ فاستثناءٌ، وبثبوت الوصفية بـ"لا يكونُ" يصح إثباتُ الاتصال في مسألة "القوم"، وأنه مخصَّص متصلٌ مخالف للآية ولنحوها، فاستدلالُه جيد، وأمثلتُه فاسدة (٦).
واجرر بسابقي يكون إن ترد ... وبعد ما انصب وانجرار قد يرد
(خ ١)
* مسألةٌ: إذا استثنيت بـ"خلا" وبـ"عدا" مع "ما" وجب نصب المستثنى، فقلت: قام القومُ ما خلا زيدًا، و: ما عدا عَمْرًا، والنصبُ على المفعولية، والفاعلُ مستتر عائد
стр. 569
على البعض المفهوم من القوم، يدلُّك على ذلك: قولُك: قام النسوةُ ما خلا هندًا، فلو كان الضمير للنسوة لقلت: ما خَلَوْنَ، أو لهندٍ لقلت: ما خَلَتْ، ولكن (١) لَمَّا كان للبعض -وهو مذكر- ذَكَّرْت، ونظيرُه: استشهادُنا بـ: ما قام إلا هندٌ؛ على أن ثَمَّ فاعلًا محذوفًا في ذلك، وفي: ما قام إلا ... (٢).
وأما حكم: ما خلا، و: ما عدا؛ فإنهما في موضع نصب على الظرفية، وذلك أن "ما" مصدرية، كالتي في قوله (٣):
يَسُرُّ المَرْءَ مَا ذَهَبَ اللَيَالِي (٤)
و"ما" المصدريةُ تصح نيابتُها عن ظروف الزمان، كالمصادر الصريحة؛ أَلَا ترى إلى قولك: أصحبُك ما دام زيدٌ عندَك؛ فإنه بتقدير: مدَّةَ دوامِ زيدٍ عندك؟ كما أنَّ: أتيته طلوعَ الشمس، بتقدير: وقتَ طلوعِها، فكذلك هنا المعنى: وقتَ خُلُوِّهم عن زيد، و: وقتَ مجاوزتِهم.
وينبغي أن تُلَخَّص هنا أسئلةٌ، فيقال أوَّلًا: اعلمْ أنه إذا استُثني بـ"خلا" و"عدا" المسبوقتين بـ"ما" وجب نصب المستثنى، فتقول:
стр. 570
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ (١)
و: قام القومُ ما عدا زيدًا، إذا تحقَّق ذلك:
فنقول: لِمَ وجب النصب؟
فنقول: لأن المستثنى مفعول؛ لأن "خلا" و"عدا" فِعْلان.
فيقال: فأين الفاعل؟
فنقول: ضمير مستتر مفرد مذكَّر أبدًا، عائد على البعض المفهوم من القول.
فيقال: وما الذي دلَّ على أن "خلا" و"عدا" فِعْلان؟
فنقول: وقوعهما صلةً لـ"ما" المصدرية، وهي لا توصَل إلا بالجمل الاسمية أو الفعلية، وليس هنا اسميةٌ، فتعيَّنت الفعليةُ.
فيقال: مَنْ قال: إن "ما" مصدرية؟
فنقول: لأنه لا يصح غيرُها.
فيقال: فمَنْ قال: إن ذلك الضمير عائد على البعض؟
فنقول: لأنه مفرد مذكَّر مطلقًا، ولو كان للأول لوجب: قام القومُ ما خَلَوا زيدًا، أي: ما جانَبوا زيدًا، و: قام نسوةٌ ما خَلَوْنَ زيدًا، أي: ما اجتَنَبْن زيدًا.
فيقال: فما موضع "ما"؟
فنقول: نصب على الظرفية، والمعنى: مدَّةَ خُلُوِّهم عن زيد، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامَه، كما تقول: أتيتك طلوعَ الشمس، أي: وقتَ طلوعِها.
стр. 571
فيقال: مَنْ قال: إن هذا يجوز في المصادر غيرِ الصريحة؟
فنقول: قالت العرب (١): لا أصحبك ما دام زيدٌ صديقَك، قالت النحاة -والمعنى يُصدِّقهم-: إن المعنى: مدَّةَ دوامِ زيدٍ صديقَك، فثبت أن الأصل: خُلُوَّ بعضِهم عن زيد، ثم: مدَّةَ خُلُوِّهم، ثم: ما خلا.
فيقال: "ما" المصدرية لا توصَل إلا بالأفعال المتصرفة؛ أَلَا ترى أن النحاة يجعلون قولَ الشاعر (٢):
بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الخِيَانَةِ وَالغَدْرِ (٣)
من الضرورات؟ وعلَّةُ ذلك: أنها لا بدَّ أن تُقدَّر مع الفعل بالمصدر، فإذا كان الفعل جامدًا لم يمكن ذلك.
فنقول: فرقٌ بين الفعل الذي وُضع (٤) غيرَ متصرف وغيرِه، فالذي وُضع غيرَ متصرف لا يجوز فيه هذا، والذي وُضع متصرفًا، ثم وقع صلةً، فلا مانعَ فيه، ثم إنه حين ذلك يلزم صيغةَ (٥) الماضي، بسبب وقوعه صلةً لـ"ما"، لا لسببٍ في نفسه، كما في: ما دام، وهذا الجمود العارض لا يمنع من التقدير بالمصدر، بخلاف ما لو كان الجمود مقارِنًا للوضع (٦).
стр. 572
* يمكن أن يقال في: ما خلا زيدًا: أي: خُلُوَّهم عن زيد، ثم: خالِينَ عن زيد، فهو مصدر في موضع الحال، مثل: جاء زيدٌ مَشْيًا.
قال بَدْرُ الدِّينِ (١): "ما" المصدرية إما في موضع الحال هي والصلةُ، أي: قاموا مجاوِزًا بعضُهم زيدًا، أو الظرف على حذف المضاف، أي: مدَّةَ مجاوزتِهم زيدًا (٢).
* الدليلُ على تعدِّي "خلا": قولُهم (٣): افعَلْ هذا وخَلَاك ذَمٌّ، أي: تجاوَزك (٤).
* قال ابنُ (٥) الأَنْبَاريِّ (٦) وابنُ (٧) سَعْدَانَ (٨): إن استعمال "عدا" دون "ما" لم يُسمع من العرب، فلا يجوزُ. ش (٩).
قال: ولم يُوردِ س الخفضَ بـ"عدا"، وأما "خلا" فحكى فيها س (١٠) فيها (١١)
стр. 573
стр. 574
الحَالُ
(خ ١)
* ع: لِيُنْتَبَهْ للفرق بين الحال والصفة، فقَلَّ مَنْ يعرف ذلك؛ فأقول:
الحالُ مقيِّدة للعامل، والصفةُ مقيِّدة للذات، فإذا قلت: جاءني كلُّ رجلٍ قائمٍ، فعموم "كلّ" باقٍ بالنسبة إلى كلِّ قائمٍ، وإذا قلت: جاءني كلُّ رجلٍ قائمًا، فعموم "كلّ رجلٍ" باقٍ في جميع الأشخاص، والحالُ مقيِّدة لمجيء الجميع، فالمعنى -كما ترى- متغايرٌ، والحالُ لا تقيِّد صاحبَها وتزيل عمومَه، وإنما تقيِّد عاملَها، وتزيل إطلاقَه بالنسبة إلى الهيئات.
وسُئِلت مرةً عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١)؛ قيل: لِمَ (٢) لا جَعَل النحاةُ "قرآنًا" حالًا من قوله: "كلِّ مَثَلٍ"؛ لقُرْبه، دون "قرآنٍ"؟
فقلت (٣): يَفْسُد المعنى؛ لأنه يقتضي أن كلَّ مثلٍ قرآنٌ عربيٌّ، وأنه ضُرِب، وذلك (٤) لا يستقيم.
فقيل لي: هو بمنزلة: كلُّ مثلٍ هو قرآنٌ عربيٌّ.
ففَرَّقت بين الحال والصفة بما ذكرتُ (٥).
* ع: الحال ضَرْبٌ من الخبر، وكثيرًا ما يسمِّيها س (٦) خبرًا، قال ابنُ جِنِّي في "المحتَسَب" (٧): ولو شئت أن تأتي بعشر أحوالٍ إلى أضعافِ ذلك؛ لجاز وحَسُنَ، كما في
стр. 575
خبر المبتدأ، وعلى ذلك امتنع أبو الحَسَن (١) من نحو: لولا هندٌ جالسةً لقمت؛ لأن هذا موضعٌ امتَنعت العرب فيه من الخبر، والحالُ ضَرْبٌ من الخبر (٢).
الحال وصف فضلة منتصب ... مُفهم في حالٍ كفردا أذهب
(خ ١)
* [«فَضْلةٌ»]: لأنه متمِّمٌ لمعنى الجملة، وهذا حقيقةُ الفَضْلة (٣).
وكونه منتقلا مشتقا ... يغلب لكن ليس مستحقا
(خ ١)
* [«منتقلًا»]: مِن الناس مَنْ زعم أنه لا يشترط انتقالُها؛ لقولهم (٤): دعوت اللهَ سميعًا.
قلنا: معناه: مجيبًا، كقولهم: سمع الله لمن حمده، ومعنى "سميعًا": مقدِّرًا لأَنْ يستجيبَ، كقولهم (٥): معه صقرٌ صائدًا به غدًا.
قالوا: ومنه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (٦).
قلنا: الحقُّ قد يكون غيرَ مصدِّق ولا مكذِّبٍ. من "شرح الجُمَل" (٧) لابن عُصْفُورٍ (٨).
стр. 576
* [«مشتقًّا»]: لأن الدالَّ على الهيئة الخاصةِ لا يكون إلا مشتقًّا.
ع: فأما: قعدت قِعْدةً حسنةً؛ فإن الدالَّ على الهيئة الخاصةِ الوصفُ (١).
ويكثر الجمود في سعر وفي ... مبدي تأول بلا تكلف
كبعه مدا بكذا يدا بيد ... وكر زيد أسدا أي كأسد
والحال إن عرف لفظا فاعتقد ... تنكيره معنى كوحدك اجتهد
(خ ١)
* قد يَرِد الحالُ معرفةً بـ"ألْ"، وقد يَرِد معرفةً بالإضافة، فيُؤَوَّلان بنكرةٍ:
فالأول نحو: ادخلوا الأولَ فالأولَ، أي: مرتَّبين، و: جاؤوا الجَمَّاءَ الغفيرَ، أي: جميعًا، و: أرسَلها العِرَاكَ، أي: مُعْتَرِكةً، ومنه: ﴿لَيَخْرُجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢)، أي: ذليلًا.
والثاني نحو: رجع عَوْدَه على بَدْئه، أي: عائدًا، و: جلس وَحْدَه، أي: منفردًا، و: فعل ذلك جهده، أي: مجتهدًا.
ووقع معرَّفًا بالعَلَمية أيضًا، سُمِع (٣): جاءت الخيلُ بَدَادِ، أي: مُتَبَدِّدةً، و"بَدَادِ" عَلَمُ جنسٍ، كـ: فَجَارِ. من "شرح المصنف للتَّسْهِيل" (٤).
وذَكَر (٥) أن بعض نساء قُرَيشٍ قالت -بعد قولِه ﵇: «تَصَدَّقْنَ؛ فإنَّكُنَّ
стр. 577
أكثرُ أهلِ النار» -: وما لنا أكثرَ أهل النار (١)، قال: وقد نصَّ س (٢) على تعريف "أَفْعَل" التفضيل بالإضافة للمعرفة في باب "ما لا يكون فيه الاسمُ إلا نكرةً" (٣).
* ابنُ عُصْفُورٍ (٤): أصلُ الحال التنكيرُ؛ لأنها مفسِّرة لِمَا انْبَهَم من الهيئات، والمُنْبَهِمُ مجهولٌ، فوجب أن يكون نكرةً.
ع: فيه نظرٌ (٥).
وزعم الأستاذُ (٦) أن ذلك لأنها يحصُل منها نكرةً تبيينُ المجهول، كما إذا كانت معرفةً، فلم يكن لتكلُّف التعريف فائدةٌ، وهذا يقتضي جوازَ مجيئها (٧) في القياس معرفةً، إلا أنه عُدل عنه؛ لعدم الاحتياج إليه، وهو ... (٨)؛ لأن التعريف يدل على عهدٍ متقدم، وأنت ليس بينك وبين مخاطبك (٩) عهدٌ قديم في هيئةٍ.
وقولُهم: ادخلوا الأولَ فالأولَ (١٠)، و: جاء القومُ الجمَّاءَ الغفيرَ (١١)؛ "أَلْ" فيهما زائدةٌ، و"الغفيرَ" وصفٌ لازم، كلزوم وصفِ "مَنْ" في: بِمَنْ مُعْجِبٍ لك، ويوضِّح ما
стр. 578
قلنا: قولُهم: جاء القومُ جمَّاءَ غفيرًا (١).
وعن الكِسَائيِّ (٢) وابنِ (٣) الأَعْرَابيِّ (٤) أن "الجمَّاءَ الغفيرَ" البيضةُ الحديدُ (٥) تَضُمُّ الرأسَ (٦)، فالتقدير: مثلَ الجمَّاءِ، كقول (٧) ... (٨):
تَعُدْ فِيكُمُ جُزر (٩) الجَزُورِ رِمَاحُنَا (١٠)
فهي مثلها (١١)؛ إلا أن هذا البيت شاذٌّ قبيحٌ ضعيفٌ، لا يجوز (١٢) إلا في الضرورة؛ لقبح اللفظ، و"الجمَّاءَ الغفيرَ" ... (١٣) "أَلْ" زائدة.
стр. 579
ع: قبحُ اللفظ موجود فيهما، وظاهرُ (١) كلام ابنِ مَالِكٍ (٢) أن المضاف إليه ينوب عن المضاف في ... (٣) أنه لا ضعفَ فيه (٤).
وقال أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى (٥): إن نصب (٦) "الجمَّاءَ الغفيرَ" على المدح، وأجاز خفضَه على البدل (٧) نحو: بإخوتِك الجمَّاءِ الغفيرِ، كما يقال: مررت بزيد ... (٨).
وهذا -أعني: الخفضَ- غيرُ مسموعٍ، وإنما سُمع (٩) الرفعُ في التمام، والنصبُ في النقصان (١٠)، وإنما ... (١١) أنها زائدة في: الأولَ فالأولَ؛ لأن الحال إذا لم ... (١٢) ولا واقعًا موقعَه لم يكن معرفةً بـ"أَلْ" (١٣).
* قال أبو الفَتْحِ (١٤) ما ملخَّصُه: "وَحْدَ" في الأصل مصدرُ: أوحدته إيحادًا، لكنه
стр. 580
جيء به على حذف الزوائد، مثل: قَيْد الأوابد، فلما تغيَّر عن صيغته الأولى سميناه اسمًا، ولم ينثن (١) ولم يُجمع؛ اعتبارًا بالمصدرية أو الجنسية، ومثالُ إفراده وهو للجميع قولُه (٢):
أَعَاذِلَ هَلْ يَأْتِي القِبَائِلَ مِثْلَنَا ... مِنَ المَوْتِ أَوْ أُخْلِي (٣) لَنَا المَوْتُ وَحْدَنَا؟ (٤)
وأجاز الكوفيون تثنيتَه وجمعَه، فقالوا: وَحْدَيْنا (٥)، و: وُحُودَنا (٦)، قال ابنُ الخَشَّابِ (٧): ليس ذلك بمسموعٍ ولا مقيسٍ على كلامٍ فصيحٍ.
مسألةٌ: مررت بزيدٍ وَحْدَه: قال المُبَرِّدُ (٨): يجوز أن يكون حالًا من الفاعل والمفعول، وأَبَى الزَّجَّاجُ (٩) إلا أن يكون حالًا من الفاعل فقط؛ لأنه عنده مصدرٌ أو كالمصدر، والمصادرُ تجيء في موضع الحال من الفاعل.
قال ابنُ الخَشَّابِ (١٠): وما قاله المُبَرِّدُ يمكن أن يُحمل عليه في بعض الأحوال؛ لاحتماله، وتمثيلُ س (١١) بـ: مررت برجلٍ وَحْدَه؛ يدلُّ على أنه حال من الفاعل؛ لقلَّة
стр. 581
مجيء الحال من النكرة، ومن ذلك (١) (٢).
ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع
(خ ١)
* فأما المعرَّف فقليل؛ لأنه يحتاج إلى تأويلين: تأويلٍ لكونه مصدرًا، وتأويلٍ لكونه معرفةً، فيؤوَّل بمشتقٍ نكرةٍ. من "شرح العُمْدَة" (٣) (٤).
ولم ينكر غالبا ذو الحال إن ... لم يتأخر أو يخصص أو يبن
(خ ١)
* [«غالبًا»]: احترازٌ من: عليه مائةٌ بيضاءَ (٥)، وقولِه (٦):
وَمَا حَلَّ سَعْدِيٌّ غَرِيبًا بِبَلْدَةٍ ... فَيُنْسَبَ إِلَّا الزِّبْرِقَانُ لَهُ أَبُ (٧) (٨)
* [«أو يخصَّصْ»]: في الحديث: «وصلَّى رجالٌ خلفَه قيامًا» (٩) (١٠).
стр. 582
من بعد نفي أو مضاهيه كلا ... يبغ امر على امر (١) مستسهلا
(خ ١)
* ذَكَر ابنُ عُصْفُورٍ (٢) من المسوِّغات: امتناعَ كونِ الحال صفةً، نحو: مررت ببُرٍّ قفيزًا بدرهمٍ، و: ماءٍ قِعْدَةَ رجلٍ، و: وَقَع أمرٌ فجأةً؛ أَلَا ترى أن هذه لا تكون صفاتٍ حتى تخرُج بها عن وضعها الأصلي؟ فانتصابُ الحال بعد المعرفة (٣)؛ لتعذُّر الوصف، وكذا هنا، وأجروا النكرةَ المخصَّصة مُجرى المعرفة، فإنه (٤) نحو: مائةٌ بيضًا؛ فشاذٌّ (٥).
وسبق حال ما بحرف جر قد ... أبو (٦) ولا أمنعه فقد ورد
(خ ١)
* جَعَل أبو البَقَاءِ (٧): ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ (٨) حالًا من قوله: "بدمٍ".
والمعنى عليه، وذلك في هذه المسألة سهلٌ؛ لأن الحال ظرف، وقد أجاز ذلك بعضُهم فيما كان كذلك خاصةً.
وقال الزَّمَخْشَريُّ (٩): لا يجوز؛ لأن حال المجرورِ لا تتقدَّم، بل هو حال من فاعلِ "جاؤوا".
وهذا فاسد؛ لأن القميص ليس حالُ القوم أنهم عليه، أي: فوقَه، كذا قدَّره هو،
стр. 583
قال: أي: فوقَه (١).
ولا تجز حالا من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
(خ ١)
* ابنُ عُصْفُورٍ: لا يكون العاملُ في الحال إلا العاملَ في صاحبها، فلو قلت: جاء غلام هندٍ (٢) ضاحكًا (٣)؛ جاز، فلو قلت: ضاحكةً؛ لم يَجُزْ؛ لأن عامل "هندٍ" (٤): "الغلام" بما فيه من معنى اللام؛ لأنه جُعل نائبًا عن عامل الحال "جاء"، فإن أَعملت "الغلام" في الحال على تأويله بمشتقٍّ، حتى كأنك قلت: جاء الذي خدم هندًا؛ جاز ذلك. انتهى.
ولم يَذْكر غير (٥) ذلك في هذا المقام في "شرح الجُمَل الكبيرِ" (٦) (٧).
أو كان جزء ما له أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا
(خ ١)
* من "التُّحْفة" (٨): مثالُ الجزء: ضُرِب ظهرُ زيدٍ قاذفًا، ﴿وَنَزَعْنَا﴾ الآيةَ (٩)، وشِبْهِ الجزء: أعجبني كلامُه مخاصِمًا، و: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (١٠)، قال: والثالث: أن
стр. 584
يكون مصدرًا -هكذا قيَّده ... (١) -، كـ: أعجبني ضَرْبُ ... (٢) مكتوفًا، و: ﴿قَالَ (٣) النَّارُ مَثْوَاكُمْ (٤) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٥)، قال: فـ"مثواكم" مبتدأٌ ثانٍ، "فيها" خبرُه (٦).
* قال الزَّمَخْشَريُّ (٧) في: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٨): إن "مَيْتًا" حال من الأخ.
ورَدَّ عليه أبو حَيَّانَ (٩)، وقال: لا تجيء من المضاف إليه؛ إلا إذا كان له موضعٌ من الإعراب، نحو: أعجبني ركوبُ الفرس مُسْرَجًا، وقيامُ زيد مسرعًا، قال: وأجاز بعضُ أصحابنا ذلك إذا كان الأولُ جزءًا أو كجزءٍ، وقد رَدَدْنا عليه في كتبنا النحوية (١٠)، والصوابُ أنه حالٌ من "لحم".
ع: لا يَفْهَمُ ذو ذوقٍ صحيحٍ كونَه حالًا من اللحم.
وقال الزَّمَخْشَريُّ (١١) في: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١٢): إن الجملة حاليةٌ.
ع: قلت: يريد أنه حال من المضاف إليه (١٣)، وجاز ذلك عندنا؛ لأن المضاف جزءٌ من المضاف إليه.
стр. 585
وقال أبو حَيَّانَ (١): إن أراد أنَّ / صاحب الحال "العينان"؛ فكان حقُّه أن يكون: تُرِيدان، أو الكافُ؛ فالحالُ من المضاف إليه لا تجوز؛ لئلا يختلف عاملُ الحال وعاملُ صاحبها، إلا إن قلنا بقول بعضهم: إنه يجوز إن كان المضاف جزءًا، وهو هنا حَسَنٌ؛ لأن المراد بالنهي الشخصُ لا العينان.
قلت: لا يلزمه على ذلك أن يقال: تُرِيدان؛ لأنه يكون مثلَ قوله (٢):
بِهَا العَيْنَانِ تَنْهَلُّ (٣)
وقولِه (٤):
فَكَأَنَّ فِي العَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أَوْ سببلًا (٥) كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ (٦)
نَعَمْ، هو قليل.
وقال مَكِّيٌّ (٧) في: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٨): لا يكون "حنيفًا" حال (٩) من "إبراهيم"؛ لأنه مضاف إليه.
قال ابنُ عَطِيَّةَ (١٠): وليس كما قال؛ لأن الحال قد يَعمل فيها حرفُ الجر إذا
стр. 586
عَمِلت في [ذي] (١) الحال، كـ: مررت بزيدٍ قائمًا.
ع: أما إطلاقُ مَكِّيٍّ أن الحال لا تأتي من المضاف إليه؛ فرأيت لجماعةٍ من المتقدمين (٢) أنه قليلٌ لا ممتنعٌ، وقال ابنُ جِنِّي في "التَّنْبِيه" (٣): وإنما ذَكَر منه أبو الحَسَنِ (٤) بُوَيتًا (٥)، وأما غيرُ هؤلاء فيقول: إذا كان المضاف عاملًا جاز، نحو: يعجبني قيامُ زيد مسرعًا، وقال بعضهم: إنه إن كان جزءًا أو كجزءٍ (٦) جاز أيضًا، ومنهم المصنِّفُ.
وقولُ ابنِ عَطِيَّةَ: إن الباء عاملة في الحال في ذلك المثال بعيدٌ عن قول أهل الصَّنْعة، وإنما العامل الفعلُ الذي هو عاملٌ (٧) في محل صاحب الحال (٨).
والحال إن ينصب بفعل صُرفا ... أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه كمسرعا ... ذا راحل ومخلصا زيد دعا
(خ ١)
* إذا كان عامل الظرف معنًى جاز تقديمُه عليه، نحو:
стр. 587
أَنَا ابْنُ مَاوِيَّةَ إِذْ جَدَّ النَّقُرْ (١)
و:
أَنَا أَبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأَحْيَانْ (٢)
المعنى: أنا المشهور والمعروف، لو قلت: إِذْ جَدَّ النَّقُرُ أنا ابنُ مَاوِيَّةَ، و: بعضَ الأحيان أنا أبو المنهالِ؛ جاز، وأما الحال فلا يجوز ذلك فيها؛ لأن لها شبهًا بالمفعول؛ ألا ترى أن الضاحك زيدٌ في: ضربت زيدًا ضاحكًا؟
وقال ابنُ عُصْفُورٍ (٣): لأنها مشبَّهة بالظرف؛ ألا تراها على تقدير: في حالةِ كذا؟ والمشبَّهُ بالشيء لا يقوى قوَّتَه في الجميع، ولولا التشبيهُ بالظرف لم يُعْمِلوا فيها المعانيَ ... (٤): ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٥)، وإنما قلنا: إنها مشبَّهة بالمفعول؛ لأنها فضلةٌ عن تمام الجملة.
ومن تقديمهم الظرفَ المعمولَ للمعنى: أكلَّ يومٍ لك ثوبٌ تلبسُه؟ عاملُ "كلٍّ" ما في "لك" من الاستقرار، لا "تلبسُه"؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصول (٦)، ولا فِعلٌ يُفسِّره "تلبسُه"؛ لأنه لا يفسِّرُ إلا ما (٧) يَعملُ.
стр. 588
والأَخْفَشُ (١) يُسوِّي بين الحال والظرف، ويحتجُّ بقوله تعالى: ﴿مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) فيمَنْ نَصَب (٣)، وقولِ الشاعر (٤):
رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أَدْرَاعِهُمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حُذَارِ (٥)
قال ابنُ عُصْفُورٍ (٦): وهذا ... (٧) أعني: مطوياتٍ، وأعني: حقبهم (٨)، والجملةُ فاصلة بين المبتدأ والخبر؛ لأن فيها تشديد وتوكيد (٩) للكلام (١٠).
وعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفَه مؤخرا لن يعملا
(خ ١)
* [«لا حروفَه»]: عطفٌ على: «معنى»، لا على: «الفعل»؛ لفساد المعنى (١١).
* [«مؤخَّرًا لن يَعْمَلا»]: مثل: زيدًا لن أضربَ (١٢).
стр. 589
* إذا قلت: هذا زيدٌ قائمًا، فإعرابُه: "هذا" مبتدأ، و"زيد" خبر، و"قائمًا" حال، ولا يجوز تقديمُه، هذا كلام المحقِّقين.
وقال كـ (١): "هذا" اسمُ التقريبِ، و"زيد" اسمُه، و"قائمًا" خبرُه، وإلا ففي نحو: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (٢) ليس المرادُ الإعلامَ بأن هذا بعلُها، وإذا قلت: هذا زيدٌ قائمًا؛ لم تُرِد الإعلامَ بأن المشار إليه زيدٌ.
قلنا: رُبَّ كلامٍ يُحمَل على معناه، والمراه (٣): تَنَبَّهْ لزيدٍ قائمًا، و: تَنَبَّهُوا لبَعْلي شيخًا، كما أن: غَفَرَ الله لك؛ محمولٌ على معناه، وكذا: اتَّقَى اللهَ امرؤٌ، و: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٤) (٥).
كتلك ليت وكأن وندر ... نحو سعيد مستقرا في هجر
(خ ١)
* قال (٦):
يَا لَيْتَنِي وَأَنْتِ يَا لَمِيسُ (٧)
قال الشيخُ (٨): أي: وأنتِ معي، والجملةُ حاليَّة، وليس ذلك على العطف على الموضع، خلافًا للفَرَّاءِ (٩)، وكذا قالوا في:
стр. 590
يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا (١):
إن "رواجعا" خبرُ "كان" محذوفةً، لا خبرُ "ليت"، خلافًا للفَرَّاءِ (٢) في إجازته نصبَ الجزأَيْن بها، ولا تكون حالًا، وإن كانت "ليت" تعمل في الحال؛ لفساد المعنى (٣).
ونحو زيد مفردا أنفع من ... عمرو معانا مستجاز لن يهن
والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد
(خ ١)
* قال الله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٤)، أعربهما الزَّمَخْشَريُّ (٥) حالَيْن (٦).
* قال الشاعرُ (٧):
وَأَنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَايَا ... مُقَدَّرَةً لَنَا وَمُقَدَّرِينَا (٨)
فأتى بحالَيْن من شيئين، الأولُ للأول (٩) (١٠).
стр. 591
وعامل الحال بها قد أكدا ... في نحو لا تعث في الأرض مفسدا
(خ ١)
* ع: مِنْ طريف مواطنِ الحال المؤكِّدة: قولُ الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (١)، قال أبو عَلِيٍّ: إذا أُزلفت فقد قُرِّبت، وإذا قُرِّبت فهي غيرُ بعيد، فهذا بمنزلة:
كَفَى بِالنَّأْيِ مِنْ أَسْمَاءَ كَافِ (٢)
وإنما يختلفان بعدم اتفاق اللفظ مع لفظ العامل، قاله في "التَّذْكرة" (٣).
وجَعَل أبو عَلِيٍّ (٤) من ذلك أيضًا: أخذته بدرهمٍ (٥) فصاعدًا، قال: لأنهم قدَّروه: فزادَ الثمنُ صاعدًا (٦)، والشيءُ لا يزيد إلا صاعدًا، قال: إلا أنها كالمبيِّنة؛ لمعاقبتها ... (٧).
إنما أعرفُهم (٨) يقدِّروه (٩): فذَهَب الثمنُ (١٠).
стр. 592
ع: ومنه:
إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْنَعَا (١)
ذكره س (٢) وأبو عَلِيٍّ (٣)، و"كان" تامةٌ؛ لأن الخبر لا يكون مؤكِّدًا.
ع: صدرُه (٤):
فِدًى (٥) لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي (٦)
* ابنُ عُصْفُورٍ (٧): المؤكِّدة يُشترط فيها ما اشتُرط في المبيِّنة إلا الانتقالَ.
فإن قيل: فقد جاءت دونَ تمامِ الكلام في قوله (٨):
стр. 593
أَذَا العَرْشِ إِنِّي لَسْتُ مَا عِشْتُ تَارِكًا ... طِلَابَ سُلَيْمَى فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِيَا (١)
فهذه حال مؤكِّدة لِمَا انطوى عليه "اقْضِ"، ولم يتمَّ الكلامُ.
قلت: حَمَلَه بعضهم على زيادة "ما"، و"أنت" تأكيدٌ لفاعلِ "اقْضِ" (٢)، فهو كقوله (٣):
قُمْ قَائِمًا قُمْ قَائِمَا
لَقِيتَ عَبْدًا نَائِمَا (٤)
والحسنُ فيها عندي: أن ... (٥) "كان" محذوفة، والأصلُ: ما كنت، وانفصل الضمير (٦) بعد حذفها (٧).
وإن تؤكد جملة فمضمر ... عاملُها ولفظها يؤخر
وموضع الحال تجيء جمله ... كجاء زيد وهو ناو رحله
(خ ١)
* قولُه: «وموضعَ الحالِ تَجِيءُ جمله»، نحو: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٨)، وفي الاسمية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٩)، وتقع مجرورًا، نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي
стр. 594
زِينَتِهِ﴾ (١) (٢).
* [«جمله»]: خبريةٌ لا تنافي الحالي، ولهذا أبطلنا قولَ جماعةٍ من المفسرين (٣) في: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (٤): إن "كيف ننشزها" جملةٌ حالية من "العظام"، أي: مُحْياةً.
وفي بعض كتبه (٥) قال: غيرُ مصدَّرةٍ بـ"لن" أو حرفِ تنفيسٍ وغيرِهما من دليل الاستقبال.
ع: وهذا قد يُعلَم دون نصٍّ؛ لأنه ... (٦) جاء زيد مستصحبًا (٧).
* بَقِيَ عليه: الظرفُ والجارُّ والمجرور التامَّين، والدليلُ على أنهنَّ في محل النصب على الحال: عطفُ الحال المنصوبةِ عليهن، كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ (٨)، وقولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (٩)، وقال النَّابِغةُ (١٠):
فَأَلْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيرُ عَدُوَّهُ ... وَبَحْرَ عَطَاءٍ يَسْتَخِفُّ المَعَابِرَا (١١)
стр. 595
فعَطَف على الجملة حالًا منصوبًا (١).
* ع: قولُه تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جاءت الحال مفردةً على الأصل، ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ جاءت جارًّا ومجرورًا، ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ جاءت جملةً فعليةً، ﴿وَكَهْلًا﴾ مثلُ الأولى، ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) مثلُ الثانية، وقلتُ ذلك؛ لأن المعطوف على الحال حالٌ، وبَقِي: الجملةُ الاسمية والظرفُ، فيقعان حالَيْن.
وفيه دليلٌ على أن الصفات على هذا الحدِّ، لا يجب أن تَبْدأ بالمفرد ثم الظرفِ ثم المجرورِ ثم الجملةِ، وقد يُفَرَّق بينهما بأن الصفة لها خصوصيةٌ واشتدادُ اتصالٍ؛ فتقديمُ ما هو أقربُ إلى الاتصال واجبٌ؛ إلا أن السماع جاء بنقض ذلك في الصفات بعينها (٣).
وذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت
(خ ١)
* قال الزَّمَخْشَريُّ (٤) في: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي﴾ (٥): إنه يجوز أن تكون الواو في "وتخفي" للحال، كما تقول: قلتَ لزيدٍ: أَمْسِكْ عليك مُخْفِيًا، وأن تكون للعطف، كأنه قيل: وإذ تَجْمَعُ بين قولِك: أَمْسِكْ وإخفاءِ خلافِه وخشيةِ الناس (٦).
وذات واو بعدها انو مبتدا ... له المضارع اجعلن مسندا
(خ ١)
* قال عَنْتَرةُ (٧):
стр. 596
عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا (١) (٢)
وجملة الحال سوى ما قدما ... بواو او بمضمر أو بهما
(خ ١)
* [«بواوٍ»]: نحو:
وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا (٣) (٤)
* [«أو بمضمرٍ»]: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٥)، وقالوا: كلمته فُوه إلى فِيَّ، وقال (٦):
стр. 597
إِذَا أَتَيْتَ أَبَا مَرْوَانَ تَسْأَلُهُ ... وَجَدتَّهُ حَاضِرَاهُ الجُودُ وَالكَرَمُ (١) (٢)
* [«أو بِهِمَا»]: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٣) وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ (٤)، ﴿مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى﴾ (٥)، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى﴾ (٦) (٧).
والحال قد يُحذف مَا فيها عَمِلْ ... وبعضُ ما يحذف ذكره حظل
стр. 598
التَمْييزُ
إِسْمٌ (١) بمعنى مِن مُبينٍ نكره ... يُنصَبُ تمييزًا بما قد فَسَّره
(خ ١)
* التمييزُ؛ أَمّا (٢) عن تمام الكلام فلا نظرَ فيه، وإما عن تمام الاسم، وتمامُه بأمور:
أحدها: التنوين.
والثاني: نون التثنية.
والثالث: نون الجمع.
والرابع: الإضافة.
وقد يكون التنوين مقدَّرًا، نحو: أَحَدَ عشرَ رجلًا، وزيدٌ أفضلُ منك أبًا.
وبَقِي من ذلك: ما يقع بعد ضمير "نِعْمَ"، نحو: نِعْمَ رجلًا (٣) زيدٌ، وبعد ضمير "رُبَّ"، نحو: رُبَّه رجلًا، أفلا تَرَى أن هذين منصوبان (٤)، ونَصْبَهما على التمييز بعد تمام المفرد، وهو خارج عن ما تقدَّم، ... (٥) من يذكره عند استيفاء الكلام على ذلك.
وتمييزُ ... (٦) فيما كان مقدارًا أو مِقْياسًا، نحو: مِلْؤُه، وملئها (٧)، وشِبْر ... (٨)، فأما قولهم: لي مثلُه رجلًا؛ فمشبَّه به؛ لأن المِثْل مقدارٌ، فذلك (٩) الأصلُ، ولكنهم
стр. 599
يتَّسعون في كلامهم، فيقولون: لي مثلُه رجلًا (١)، وهم يريدون: في الشجاعة أو غيرها (٢).
* [«نَكِرهْ»]: فإن قلت: كيف جاز: كم ناقةً وفصيلَها لك؟ بالنصب؟
قلت: كما جاز: رُبَّ رجلٍ وأخيه.
فإن قلت: فما تصنع بقوله (٣):
صَدَدتَّ وَطِبْتَ النَّفْسَ (٤) ... ... ...
قلت: قد تقدَّم في أول الكتاب (٥) أن "أَلْ" زائدةٌ فيه (٦).
* من "شرح التَّسْهِيل" (٧):
قولُه: «بما قد فَسَّره»: أما في نحو: طاب زيد نفسًا، هو (٨) مسرورٌ قلبًا، ومنشرحٌ صدرًا، وطيِّبٌ نفسًا باشتعال رأسِه شيبًا، و «سَرْعَانَ ذي إهالةً» (٩)؛ فواضحٌ؛ لأنها فعلٌ
стр. 600
أو مُشْبِهُه، وأما في نحو: رطلٌ زيتًا؛ فلشَبَهِه بمُشْبِه الفعل.
ع: لفظًا ومعنًى؛ لأنه طالبٌ لِمَا يفسِّره، كما يطلب الفعلُ مفعولَه (١).
* إذا (٢) كان التمييزُ تفسِّره بجملةٍ مبهمةِ النسبة فالغالبُ كونُه مسندًا إليه في الأصل، كالنفس وكالعيون، في الأصح، وقد لا يصلح لذلك، كـ: امتلأ الكوزُ ماءً، وكفى بالله شهيدًا، وما أحسنَ الحكيمَ رجلًا.
فإن صحَّ الإخبار به عن الأول فهو له أو لمُلَابِسِه، نحو: كَرُمَ زيدٌ أبًا، أي: ما أكرمَه من أبٍ، أو: إن أباه كريم، وإن كان مشتقًّا جاز كونه حالًا من الأول، نحو: كَرُمَ زيدٌ ضيفًا، والأجودُ إن قُصِد التمييز أن يُجَرَّ بـ"مِنْ"؛ رَفْعًا للإلباس.
ويتفرَّع على الوجهين في: كَرُمَ زيدٌ أبًا: المطابقةُ وعدمُها في: كَرُمَ الزيدان والزيدون أبًا، أو: أبوَيْن، أو: آباءً.
فأما: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣)؛ فالرَّفِيقُ كـ: الخَلِيط (٤) والصَّدِيق والعَدُو، يطلق على الواحد وغيرِه، ويزيده في باب التمييز حُسْنًا: أنهم يستغنون في التمييز بالمفرد عن الجمع، كقولهم: عشرون درهمًا، والأصل: دراهمَ، ويجوز أن يكون الأصلُ: وحَسُنَ رفيقُ أولئك رفيقًا، فحُذف المضاف.
وهذا كلُّه إذا لم يَجِب إفراد التمييز؛ لإفراد معناه، كقولك في أبناء رجلٍ: كَرُمُوا أبًا، أو: أَصْلًا، أو لكونه مصدرًا لم يُقصد به الأنواعُ، نحو: زَكَوا سَعْيًا، فإن قُصد الاختلاف