← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 560

حاشيتان لابن هشام على ألفية ابن مالك

ابن هشام النحوي

Полный текст (1 740 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أما عمومًا فمِنْ وجهين: أحدهما: أنه لا يتصرَّفُ، والثاني: أنه لا مصدرَ له. وأما خصوصًا فإنه شبيهٌ بـ"أَفْعَلِ" التفضيل من وجهين: إشعارُه بالمَزِيَّة، وأنه لا يُبنَى إلا مما يُبنَى منه، ووجهٌ ثالثٌ: أنه على وَزْنه، ووجهٌ رابعٌ: أنه لا يَرفع الظاهرَ (١). * ع: أنشد ابنُ عُصْفُورٍ في أوائل "شرح الجُمَل" (٢): يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لَنَا ... مِنْ هَؤُلَيَّاءِ بَيْنَ الضَّالِصـ والسَّمُرِ (٣) ورأيت مَنْ ينشدُه: «يا ما أُحَيْسِنَ» (٤)، وينشدُه: «هَؤُلَيَّاكُنَّ» (٥)، وكلاهما خطأٌ، أما الأول فمِنْ جهة الرواية فقط، وأما الثاني فلذلك، ولأن اسم الإشارة إذا كان جمعًا ممدودًا مُلحَقًا كافَ الخطاب لا يلحقها (٦) "ها" من أوَّله فيما أحفظُ (٧). وتِلْو أفعَلَ انصِبنَّه كما ... أوفَى خليلينا وأصدق بهما

стр. 877

وحذفَ مَا مِنه تعجبت استبح ... إن كان عند الحذف معناه يضِح (خ ١) ع: قولُه: «وحَذْفَ ما منه تعجب (١)»: هذا في "أَفْعَلَ" مُسَلَّمٌ على إطلاقه، وأما في "أَفْعِلْ" فله شرطان: أحدهما: أن (٢) يكون كلٌّ من الفعل والفاعل قد عُطف عليه مثلُه. والثاني: أن يكون المحذوفُ الثانيَ، ويُستغنى عنه بالأول؛ لأنه لم يُسمعْ إلا كذلك، وهو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٣). إلَّا أن المصنِّف خرَّج ذلك على حذف الجار من الثاني، فاستَتَر، ذَكَرَه في "شرح التَّسْهِيل" (٤) في التنازع، وجوَّز: أَحْسِنْ وأَجْمِلْ بزيدٍ، على ذلك، وأن الأصل: أَحْسِنْ به، على التنازع. وفيه عندي نظرٌ؛ لأن الاستدلال بالثاني على الأول خلافُ الكثير، فمَنْ قال: إنه يجوز في هذا البابِ الذي لم يُتَصَرَّفْ فيه؟ (٥) * «يَضِحْ» بالضاد المعجمة، أي: إن كان معناه عند الحذف واضحًا، لا بالمهملة؛ لأن قولك: إن كان معناه عند الحذف صحيحًا؛ لا معنى له (٦). (خ ٢) * في "الإِيضَاح الشِّعْري" (٧)، وقد أَوْرَدَ قولَ الله : ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٨)،

стр. 878

وأَنشد قولَ أَوْسٍ (١): تَرَدَّدَ فِيهَا ضَوْؤُهَا وَشُعَاعُهَا ... فَأَحْصِنْ وَأَزْيِنْ لِامْرِئٍ إِنْ تَسَرْبَلَا (٢): لا يجوز في: أَحْسِنْ بزيدٍ حذفُ الجار والمجرور؛ من حيثُ لم يَجُزْ حذفُ الفاعل. فأما الجواب عن الآية والبيتِ فإن ناسًا من أهل النظر أجازوا حذفَ الفاعل، وذهب أبو الحَسَن (٣) إلى ذلك في بعض الأشياء، ومَنْ لم يُجِزْ حذفَ الفاعل -وهو قولُ س (٤) - جَعَلَ في "أَبْصِرْ" ضميرًا، كما كان في قول أَوْسٍ. وإنما لم يُجمَع كما يقول: القومُ كَفَوا، إذا لم يُلحِق الجارَّ، فيقول: القومُ كَفَى بهم؛ لأنه يقال: يجوز أن يكون أُضمر على لفظ المفرد دون الجميع؛ لأن هذا الفعل بمنزلة "نِعْمَ" و"بِئْسَ"، فكما لم يُلحقوا علامةَ الجمع هذين الفعلين كذلك لم يُلحَق هذا، وجُعل الفاعلُ على لفظ المفرد، وإن كان في المعنى جميعًا. وأيضًا فإنه يجوز أن يكون أُجري مُجرى "أَفْعَلَ" الذي في قولهم: ما أَحْسَنَ زيدًا، فكما لم يُجمع الضمير في "أَحْسَنَ" كذلك لم يُجمع في "أَحْسِنْ" و"أَسْمِعْ"؛ من حيث اتَّفقا في المعنى. وأيضًا فإن هذا الفعل قد جَرى مَجرى الاسمِ في تصحيحهم له؛ أَلَا تَرَاهم قالوا: أَقْوِلْ به، و:

стр. 879

أَطْيِبْ بِرَاحِ الشَّأْمِ صِرْفًا؟ (١) فكما لم يُظهروا علامةَ الفاعل (٢) في اسم الفاعل كذلك لم يُظهروا في هذا الفعلِ. وإن شئت قلت: إنَّ هذا المحذوفَ في حكم الثابت؛ لتقدُّم ما يدلُّ عليه، كما قال (٣): وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نَارَا (٤) ولم يكن هذا في الحكم عطفًا على عاملَيْن؛ لِمَا ثَبَت من التقدير. ع: تلخَّص من كلامه: أن الإضمار هنا قولُ س، وقوَّةُ كلامِه: أنه قال ذلك نصًّا، ولم يُؤخَذْ منه بالقياس على ما استَقرَّ من قاعدته، واقتَضى كلامُه الجوابَ عمَّا يُورَد من ثلاثة أوجهٍ (٥). * يقال: وَضَحَ الأمرُ -بالضاد المعجمة، ثم بالحاء المهملة- وُضُوحًا، و: أَوْضَحَ، ثلاثيًّا ورباعيًّا: ظَهَرَ، و: الوجهُ: حَسُنَ (٦)، قال خَلَفُ (٧) بنُ خَلِيفَةَ الأَقْطَعُ:

стр. 880

كَفَى الهَجْرُ أَنَّا لَمْ نَضِحْ لَكَ أَمْرَنَا ... وَلَمْ يَأْتِنَا عَمَّا لَدَيْكَ يَقِينُ (١) (٢) وفي كلى (٣) الفعلين قدما لزما ... منعُ تصرف بحكم حتما وصُغهما من ذي ثلاث صُرِّفا ... قابلِ فَضْل تَمَّ غيرِ ذي انتِفا وَغيرِ ذي وصفٍ يُضاهي أشهلا ... وغيرِ سالك سبيلَ فُعِلا (خ ١) * [«وغيرِ ذِي وَصْفٍ»]: أي: غيرِ فِعلٍ ذي وَصْفٍ (٤). * [«وغيرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي "أَشْهَلَا"»]: ع: يدلُّنا على أن المانع من أفعال التعجب (٥) والألوانِ الثلاثيةِ تقديرُ زيادتِها على الثلاثة، لا أنَّ الخِلْقَةَ كاليد والرِّجْل لا يُتَعَجَّبُ منها؛ أمران: أحدهما: تصحيحُهم "سَوِدَ" و"عَوِرَ"، وليس ذلك إلا لتقدير الزيادة، فكذا هذا. والثاني: أن الأول يلزم منه منعُ التعجُّبِ منه مطلقًا، وهو بالإجماع جائزٌ، غايتُه: أنه بغير لفظه، ولو كان المانعُ معنويًّا لم يكن لتحويل الصيغة أثرٌ (٦). (خ ٢) * [«وغيرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي "أَشْهَلَا"»]: هذه العبارة أَخْصَرُ وأسهلُ من قولهم: أفعال الألوان والعيوب، وأَسْلمُ عن الاعتراض؛ لأن تلك لا بدَّ أن تُقيَّد العيوبُ فيها بالظاهرة؛ وإلا دَخَل نحو: جَهِلَ، وخِرف (٧)، ونَهِمَ، وأشملُ؛ لأنه يدخل فيها:

стр. 881

هَيِفَ (١) (٢). * ع: ينبغي أن يُفهم من قوله: «سَالِكٍ سبيلَ "فُعِلَ"»، وكونِه لم يقل: وغيرِ فعلِ المفعول؛ أنه إن كان ملازمًا للبناء للمفعول تُعُجِّبَ منه، نحو: وُقِصَ (٣)، وسُقِطَ في يده، وزُهِيَ زيدٌ، وعُنِيَ الحاجتك (٤)؛ لأن السالك طريقَ "فُعِلَ" على معنى: السالك جادَّةَ "فُعِلَ"، وجادَّةُ "فُعِلَ": أنه لا يكون لازمًا، بل جائزًا، وذلك أنه إذا جاء الفاعل رجع البناءُ له، أعني: أنك متمكِّنٌ من الرجوع بصيغته إلى صيغة فعل الفاعل. وفائدةٌ أخرى في قوله: «سَالِكٍ» البيتَ، وكونِه لم يقل: و"فُعِلَ"؛ لأن ذلك يقصُر المنعَ على هذه الصيغة، فيَخرج عنه نحو: قِيلَ، وبِيعَ، باعتبار ظاهرِ أمرِهما، ويَخرج عنه أيضًا نحو: استُخرِجَ المالُ. فإن قيل: فإنَّ هذا (٥) لا يُحتاج لإخراجه هنا؛ لأنه قد عُلم أنه لا يُتَعَجَّبُ منه من حيث هو غيرُ (٦) ثلاثيٍّ. قلت: قد يُتَوَهَّمُ أن صيغة فعلِ المفعولِ إنما تقتضي المنعَ في الثلاثي، فبَيَّن أنها مانعةٌ في الثلاثي وفي غيره، حتى لو فُرض أن غير الثلاثي يجوز التعجُّبُ منه لم يَجُزِ التعجُّبُ منه إذا بُني للمفعول، ويُستفاد حينئذٍ في نحو: استُخرِجَ مانعان (٧)، لا مانعًا واحدًا. ويُعلمُ حينئذٍ أن مَنْ قال في "أَفْعَلَ": إنه يجوز التعجُّبُ منه؛ لكونه على صيغةِ فِعلِ التعجُّبِ؛ أنه لا يُتَعَجَّبُ منه إذا كان مبنيًّا للمفعول (٨).

стр. 882

* الصَّيْمَريُّ (١): ولا يُنقَل فعلُ التعجُّب إلا من فِعلِ الفاعل، فأما قولهم: ما أَبْغَضَه إليَّ، وما أَمْقَتَه عندي، وأنت تريد [أنه] (٢) مَقِيتٌ، وأنه مُبْغَضٌ؛ فإنه مأخوذٌ من: بَغُضَ، ومَقُتَ، وهما فعلُ فاعلٍ (٣). * لَحَّنَ ابنُ (٤) سِيدَه في كتاب "الإِعْراب عن مَرَاتب قراءةِ الآدابِ" (٥) أبا الطَّيِب في قوله: اِبْعَدْ بَعِدتَّ بَيَاضًا لَا بَيَاضَ لَهُ ... لَأَنْتَ أَسْوَدُ فِي عَيْنِي مِنَ الظُّلَمِ (٦)؛ لأن الألوان كالخَلْق، فكما لا يقال: ما أَيْدَاه، ولا: ما أَرْجَلَه (٧)؛ كذلك هذا؛ ولأن أفعال الألوان والعيوبِ في الأصل على "افْعَلَّ" و"افْعَالَّ"، وما يُجاوز الثلاثةَ لا يُتَعَجَّبُ منه. قال: فأما استشهادُ بعضِهم بقوله (٨): جَارِيَةٌ فِي دِرْعِهَا القضاض (٩)

стр. 883

أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ (١) فَغُفْلٌ مجهولٌ، غيرُ موسومٍ ولا معلومٍ. وأما قولُ طَرَفَةَ: إِذ (٢) الرِّجَالُ شَتَوا واسند (٣) أَكْلُهُمُ ... فَأَنْتَ أَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ (٤) فإنه لا يعني بـ"أَبْيَضَ" هنا صيغةَ المفاضلة، وإنما عَنَى به: الأبيضَ، فكأنه قال: فأنت واضِحُهم -أو: نقيُّهم- سِرْبَالَ طبَّاخِ. ثم قال: وقد يُتَأَوَّلُ قولُ المُتَنَبِّي على أن "مِنْ" للتبعيض، أي: لَأنت أسودُ في عيني، ولَأنت ظلمةٌ من الظُّلَم، فيكونُ كبَيْت طَرَفَةَ. ع: جَعَلَ "من الظُّلَمِ" خبرًا ثانيًا (٥). * ع: بَقِيَ عليه من الشروط: وغير مستغنًى عنه بـ: ما أَفْعَلَه، وذلك نحو: أجاب، فقال (٦) -من القائلة-، وقَعَدَ، وجَلَسَ، وسَكِرَ، ونَامَ (٧). وأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَو شِبْهُهُما ... يخلفُ ما بعضَ الشروط عدما

стр. 884

ومصدرُ العادِم بعدُ ينتصِب ... وبعدَ أفعِلْ جَرُّه بالبا يجبْ (خ ٢) * ما فِعْلُه مزيدٌ فيه، وما اسمُ فاعلِه على "أَفْعَلَ" يُؤتى لهما بالمصدر الصريحِ. وأما ما لا مصدرَ له وهو متصرِّفٌ تصرُّفًا ناقصًا، كـ: يَذَرُ، ويَدَعُ؛ والمنفيُّ؛ والمبنيُّ للمفعول -إن قلنا: إنه لا يجوز: أعجبني ضربُ زيدٍ، وتريد أنه مضروبٌ، حيث لا قرينةَ-؛ والناقصُ -إن قلنا: لا مصدرَ له-؛ فيُؤتى بالمصدر المؤوَّلِ. وأما ما لا يَتَفَاوتُ أصلًا؛ وما لا يتصرَّفُ أصلًا؛ فلا يُتَعَجَّبُ منها أصلًا (١). وبالنُدور احكُم لغير ما ذكر ... ولا تقِس على الذي منه أُثِر (خ ٢) * [«لغير ما ذُكِر»]: كقولهم: ما أَذْرَعَها، أي: أخفَّها في الغَزْل، من قولهم: امرأةٌ ذَرَاعٌ (٢)، ولا فِعلَ له، و: أَقْمِنْ به، اشتَقُّوه من: هو قَمِنٌ بكذا، و: ما أَعْسَاه، و: أَعْسِ به، أي: ما أحقَّه، و"عسى" جامدٌ. قيل: وما أَعْنَاه، وما أَفْقَرَه، وما أَشْهَاه، وما أَحْيَاه، من: اشتَهى، واستَحيا، قال الشيخُ (٣): والحقُّ أنهنَّ من: عُنِي، وفَقُر، وشَهِي، ومَقُت. وقيل: وما أَمْقَتَه، بناءً على أنه من: مُقِتَ، وأنه لم يُبْنَ للفاعل، وليس كذلك، بل قالوا: مَقُتَ. وقالوا: ما أَخْصَره، من اختُصِرَ (٤). وفعل هذا الباب لن يُقدَّما ... معمولُه ووصلَه به الزما وفصله بظرفٍ او بحرف جرّ ... مستعمل والخلف في ذاك استقر

стр. 885

(خ ١) * ولكَوْن هذا العاملِ لا يُفصَلُ مَنَع بعضُهم وقوعَ التنازع بين فعلَيْ تعجُّبٍ، وأجازه المصنِّفُ (١) بشرط إعمال الثاني، فتقول: ما أَحْسَنَه وأَجْمَلَ زيدًا؛ لأنك لو أعملت الأوَّلَ فَصَلته من معموله بغير الظرف والمجرور، وهو ممتنع بإجماعٍ، وكذا أجاز: أَحْسِنْ به وأَكْرِمْ بزيدٍ، دون: أَحْسِنْ وأَكْرِمْ به بزيدٍ. ويجوز على قاعدة الفَرَّاءِ (٢): أَحْسِنْ وأَكْرِمْ بزيدٍ؛ على أن "بزيدٍ" معمولٌ لهما معًا. قال: ويجوز على قاعدة ص (٣)؛ على أن الأصل: أَحْسِنْ به وأَكْرِمْ بزيدٍ، فحُذفت الباءُ، فاتصل الضمير، كما استَتر في الثاني من: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٤)، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثرُ من العكس (٥). * استَدلَّ ابنُ عُصْفُورٍ (٦) بقولهم: ما أَحْسَنَ بالرجل أن يَصدُق (٧)، ورُدَّ عليه بوجهين: الأول: أن التقديم هنا واجبٌ لا جائزٌ؛ لأجل الضمير العائدِ من "يَصدُق" على "الرجل". وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن ذلك (٨) أدلُّ شيءٍ على الجواز؛ لأنه لولا جوازُه ما وَجَبَ

стр. 886

في صورةٍ (١)؛ أَتُرَى يجب ما لا يجوز؟ الثاني: أنه يَحتَمِل أن تكون الباءُ زائدةً، وأنَّ "يَصدُق" بدلُ اشتمالٍ. وهذا (٢) ممكنٌ؛ إلا أنه بعيدٌ، لا يَتَبَادَرُ إلى الذهن، فلا ينبغي الالتفاتُ إليه. الإيرادانِ لأبي ... (٣)، فيما رأيتُ بخطِّ بعضِ أصحاب ... (٤) (٥). (خ ٢) * [«والخُلْف في ذاك استقرّْ»]: الصحيحُ الجوازُ، وليس لس فيه نصٌّ. قال الشَّلَوْبِينُ (٦): حكى الصَّيْمَريُّ (٧) أن مذهب س (٨) منعُ الفصلِ بالظرف (٩)، والصوابُ الجوازُ، وهو المشهورُ والمنصورُ. وقال السِّيرَافيُّ (١٠) في قول س (١١): ولا يُزيل (١٢) شيئًا عن موضعه: إنما أراد: أنك تُقدِّم "ما"، وتُولِيها الفعلَ، ويكونُ الاسمُ المتعجَّبُ منه بعد الفعل، ولم يتعرَّض للفصل. قال الناظمُ (١٣): ويؤيِّد الجوازَ:

стр. 887

أُقِيمُ بِدَارِ الحَرْبِ مَا دَامُ حَرْبُهَا البيتَ (١)، وقولُ عَمْرِو (٢) بنِ مَعْدِي كَرِبَ (٣): «ما أَحْسَنَ في الهَيْجاء لقاءَها، وأَكْثَرَ في اللَزْبات عطاءَها» (٤). اللَزْبَةُ -بسكون الزاي-: شدَّةٌ وقَحْطٌ، قال الجَوْهَريُّ (٥): اللَزْبَةُ: السَّنَةُ، وجمعُها: لزيات (٦) (٧).

стр. 888

نِعْمَ وبئْسَ وما جرى مجراهما فِعْلانِ غيرُ متصرفين ... نعم وبئس رافعان اسمين (خ ١) * قولُه: «"نِعْمَ" و"بِئْسَ"» بهذا (١) ... (٢)، فأما اللغاتُ التي (٣) يذكرها النحاةُ (٤) ففيها عندي نظرٌ؛ لاستعمال هذا ... (٥) كثيرًا و ... (٦)، فلعلَّ تجويزَهم ذلك بالقياس على ما ثبت في (٧) ذلك ممَّا يشبه (٨) هذين الفعلين. قال الأَنْدَلُسيُّ (٩): والظاهرُ أن هذه اللغات في "نِعْمَ" و"بِئْسَ" قبل أن يُنقلا إلى المدح والذم والمبالغةِ فيهما، فأما: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١٠)؛ فالتحريكُ لالتقاء الساكنين: العينِ والمبهمِ، فلا احتجاجَ به (١١). (خ ٢) * [«فِعْلانِ»]: بدليل اتصال تاءِ التأنيث الساكنة بهما في جميع اللغات، وضمائرِ

стр. 889

الرفع البارزةِ في لغةٍ حكاها الكِسَائيُّ (١) (٢). * [«فِعْلانِ»]: خلافًا للفَرَّاءِ (٣)، كذا في "التَّسْهِيل" (٤)، وقال في "شرحه" (٥): وأكثرِ الكوفيين (٦) (٧). * [«غيرُ متَصَرِّفين»]: في "شرح العُمْدة" (٨): إنما أُلزما لفظَ المضيِّ؛ لأنهما لإنشاء المدح والذم. ع: يعني: وكلُّ فعلٍ خبريٍّ نُقل إلى الإنشاء التُزم فيه المضيُّ (٩). * «فبِهَا ونِعْمَتْ» (١٠): قال الخَطَّابيُّ (١١): هو بكسر النون وسكونِ العين والتاء، أي: نِعْمَت الخَلَّةُ، والعوامُّ يروونه بفتح النون وكسر العين، وليس بالوجه، ورواه بعضهم: «ونَعِمْتَ»، أي: نَعَمَك اللهُ (١٢). مقارِنَي أَلْ أَو مضافين لما ... قارنها كنِعْم عُقْبَى الكُرَما

стр. 890

(خ ١) * ع: قولُه: «مُقارنَيْ "أَلْ"»: كان ينبغي أن يُبيِّن: أيُّ "أَلْ" هي؟ وأقولُ: هي "أَلْ" الجنسيةُ، فيصير الممدوح أو المذموم ... (١) مرتين: معمَّمًا ومخصَّصًا؛ وللإيذان بأن ما تفرَّق في الجنس تجمَّع فيه، وإذا قلت: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ؛ فمَدَحت ... (٢) وجنسَه ... (٣) فيه كان ذلك أمكنَ في المدح؛ أَلَا تَرَى إلى قول الحَسَنِ (٤): ما مَدَحَ من هَجا قومَه (٥)؟ فكذلك هنا. ويدلُّك على أنها للجنس و ... (٦) الوصف، لا تقول: نِعْمَ الرجلُ الظريفُ (٧)؛ من حيث إن الصفة مخصِّصة له. والمقصودُ: أن الجنس بأسره فَوْضى في هذا الأمر، وإن جاء ما ظاهرُه ذلك حُمل على البدل. وأجاز أبو الفَتْح (٨) في قول الحَمَاسيِّ (٩): لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَنِعْمَ الفَتَى المَدْعُوُّ بِالنُّبْلِ حَاتِمُ (١٠) أن يكون وصفًا؛ لأن المدح إنما وقع على الفتى المدعو بالنُّبْل، لا على مطلق الفتيان، إذ

стр. 891

لو أراد المطلقَ لم يَصِفْ؛ لِمَا في ذلك من المناقضة (١). (خ ٢) * [«مُقارنَيْ "أَلْ"»]: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٢)، ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٣) (٤). * ع: قولُه: «"أَلْ"»: أي: الجنسية، بدليل قوله في باب الفاعل: «لأنَّ قَصْدَ الجنسِ فيه بَيِّنُ» (٥) (٦) * [«مُقارنَيْ "أَلْ"»]: الجنسية، مثلُها في: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧)، وقولِه (٨): بِهِمْ هَدَى اللهُ جَمِيعَ الإِنْسَانْ مِنَ الضَّلَالِ وَهُمُ كَالعُمْيَانْ (٩) وقولِه (١٠): إِنْ تَبْخَلِي يَا هِنْدُ أَوْ تَعْتَلِّي

стр. 892

أَوْ تُصْبِحِي فِي الظَّاعِنِ المُوَلِّي (١) وقيل: إنها عهدية. حجَّةُ الأوَّلين: لزومُ "أَلْ" في فاعلها أو فيما أضيف إليه، فلولا الجنسية كان فاعلُها كلَّ اسمٍ، وقولُهم: نِعْمَ المرأةُ هندٌ، كما يقولون: قام النسوة، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ (٢). قيل: فأَجِيزوا في قولك: نِعْمَ الرجلُ أن يقال: نِعْمَت الرجلُ، كما يقال: قامت الرجال، و: نِعْمَت الرجال. قلنا: مقتضى القياس أن لا يجوز: نِعْمَ المرأةُ؛ رَعْيًا لجانب اللفظ، ولكنهم راعوا جانبَ المعنى المعتَضِدِ بالأصالة، وهي التذكير، فأما هذا فمخالِف لذاك؛ لأنه لم يعتَضِدْ بالأصل، أعني في: نِعْمَت الرجلُ، بل هو خلاف اللفظ والأصلِ جميعًا. وحجَّةُ الآخرين: أنه يُثنى ويُجمع، فلو كانت للجنس استغرقت جميعَ أفراده، ولو كانت للعهد الذِّهْني كانت لمعقول الماهِيَّةِ، وذلك شيء مفردٌ لا يَقبل تثنيةً ولا جمعًا. رُدَّ بعدم صحة الملازمة، بدليل قوله (٣): فَإِنَّ النَّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكَى ... وَإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُهَا الكَلَامُ (٤)؛ أَلَا ترى أنه لا عهدَ في قوله: "العُودَيْنِ"، وقد ثَنَّاه؟ واختَلف كلٌّ من الفريقين، فقيل: جنسية حقيقية، وقيل: جنسية مجازًا، هذا خلافُ الأوَّلين، وقال الآخرون: المعهودُ ذِهْنيٌّ لا خارجيٌّ، وقيل: شَخْصيٌّ (٥).

стр. 893

* أجاز الناظمُ في "أَلْ" في هذا الباب وجهين: قال: استَعملوا "أَلْ" الجنسيةَ مجازًا في الدلالة على الكمال مدحًا وذمًّا، نحو: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، وبِئْسَ الرجلُ عمرٌو، كأنه قال: نِعْمَ الجامع لخصال المدح زيدٌ، وبِئْسَ الجامع لخصال الذم عمرٌو. أو يكون العمومُ قد قُصد هنا على سبيل المبالغة المجازية، كما فَعَل مَنْ قال: أَطْعَمَنا شاةً كلَّ شاةٍ، و: مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ، أي: جامعٍ لكل خصلة يُمدح بها الرجال. هذا نصُّه في "شرح الكافِية" (١). فإن قلت: الوجهُ الأول هو الوجه الثاني قطعًا، وفي بعض النسخ (٢): «ويكون العموم»؛ بالواو لا بـ"أو"، وهو مؤيِّد لِمَا ذكرت، وأن الهمزة غلطٌ من بعض النُسَّاخ، والذي قوَّى الرِّيبةَ أنه أعاد قولَه: المجازية بعد قوله أوَّلًا: مجازًا، فأَوْهَم أن هذا المجاز غيرُ ذاك المجاز، وإلا لم يذكره. قلت: إنما هما وجهان، فالأول حاصلُه: أنه استَعمل "الرجل" في مكان قوله: الجامع لخصال الرجال الممدوحة، والثاني حاصلُه: أنه جعل "الرجل" نفسَ الجنسِ كلِّه (٣). * «مضافَيْن لِمَا قارَنَها»: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٥).

стр. 894

وقد يكون ذلك بتوسُّط مضافٍ بينهما، كقوله (١): فَإِنْ تَكُ فَقْعَسٌ بَانُوا وَبِنَّا ... فَنِعْمَ ذَوُو مُجَامَلَةِ الخَلِيلِ (٢) وقولِه (٣): فَنِعْمَ ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ ... ... البيتَ (٤) (٥). * فاعلُ "نِعْمَ" و"بِئْسَ" أحدَ عشرَ شيئًا، وهي أربعة أنواعٍ: نوعٌ أجمعوا على اطِّراده، وهو ٤: أن يكون بـ"أَلْ"، أو مضافًا لِمَا فيه "أَلْ"، أو لمضافٍ لِمَا فيه "أَلْ"، أو مضمرًا مستترًا. ونوعٌ أجمعوا على شذوذه، وهو ٤: أن يكون نكرةً مفردةً، وأن يكون نكرةً مضافةً، وأن يكون عَلَمًا أو مضافًا لعَلَمٍ، وأن يكون ضميرًا بارزًا. ونوعٌ اختَلفوا: هل هو فاعلٌ أو لا؟ وهو ٢: "مَنْ" و"ما". ونوعٌ اختَلفوا في جواز التكلُّم به، وهو أن يكون "الذي" مرادًا به الجنسُ (٦). * الأَمِينُ المَحَلِّيُّ في "مِفْتاح الإعراب" (٧): يكون فاعلُ "نِعْمَ" و"بِئْسَ" معرَّفًا بـ"أَلْ" الجنسيةِ، أو مضافًا إلى المعرَّف بهما، أو إلى ضميره معطوفًا، كقولك: نِعْمَ غلامُ

стр. 895

الرجل وخادمُه بشرٌ (١). * مسألةٌ: أجاز بعضهم: الرجلُ نِعْمَ غلامُه، و: الفاضلُ نِعْمَ كلامُه، وقد جاء في ذلك قولُه (٢): فَنِعْمَ أَخُو الهَيْجَا وَنِعْمَ شِهَابُهَا (٣) ع: وينبغي أن يَلتزم ذلك مَنْ أجاز: مررت بالرجل الضاربِ غلامه (٤). * ش ع (٥): حكى الكِسَائيُّ (٦) عمَّن يوثَق بعربيته أنه يَرفع بـ"نِعْمَ" و"بِئْسَ" مضمرًا عائدًا على ما تقدَّم مطابقًا (٧)، وأجاز الفَرَّاءُ (٨) أن يكون من هذا: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٩). ع: يعني: يكون فاعلُ "بِئْسَ" عائدًا على ما تقدَّم، لا عائدًا على "البدل". انتهى. اتَّفق الأَخْفَشُ (١٠) والفَرَّاءُ (١١) على جواز كونِ فاعلِهما نكرةً مختصةً، كقوله (١٢):

стр. 896

بِئْسَ قَرِينَا يَفَنٍ هَالِكِ (١) وأجاز الأَخْفَشُ (٢) وحدَه كونَه نكرةً غيرَ مختصةٍ، كقوله (٣): نِيَافُ القُرْطِ غَرَّاءُ الثَّنَايَا ... وَرِئْدٌ لِلنِّسَاءِ وَنِعْمَ نِيمُ (٤) وأجاز المُبَرِّدُ (٥) كونَه موصولًا جنسيًّا، ويؤيِّده: قولُه (٦): وَنِعْمَ مَنْ هُوَ فِي سِرٍّ وَإِعْلَانِ (٧) ولا يكون الفاعلُ مضمرًا و"مَنْ" تمييزًا؛ لأنها لا تقبل "أَلْ"، ولأنها لم تقع قَطُّ نكرةً تامةً (٨). ويَرفعان مُضمرا يُفسِّرهْ ... مُمَيِّزٌ كنعم قومًا مَعْشَرُه (خ ١)

стр. 897

* [«ويَرفعان مُضمرًا يُفسِّرهْ»]: قال (١): نِعْمَ امْرَأً هَرِمٌ لَمْ تَعْرُ نَائِبَةٌ ... إِلَّا وَكَانَ لِمُرْتَاعٍ بِهَا وَزَرَا (٢) (٣) * [«كـ: نِعْمَ قومًا مَعْشَرُهْ»]: و: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٤) (٥). * قولُه: «نِعْمَ قومًا مَعْشَرُهْ» أَوْلى من أن يُمثَّل بـ: نِعْمَ رجلًا زيدٌ؛ لأن فيه الإعلامَ بأن المضمر يُقدَّر مفردًا على كل حالٍ، فلا يكون بارزًا في اللفظ أَلْبَتَّةَ (٦). * قولُه: «يُفسِّرُه مُمَيِّزٌ»: ولا يجوز حذفُه. وقال الزَّمَخْشَريُّ (٧) في: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ (٨): أي: بِئْسَ مثلًا مثلُ القوم، فخرَّجه على أن يكون التمييز محذوفًا، والفاعلُ مستترٌ، ونصَّ س (٩) على أنه لا يُحذف. ع: ولعل ذلك؛ لأنه صار بدلًا من الفاعل؛ أَلَا تراه مُغنيًا عن التصريح به؟ وأما: «فبِهَا ونِعْمَتْ» (١٠) فينبغي أن لا يقاس عليه (١١). (خ ٢) * [«مضمرًا»]: يجب أن يقول: مستترًا؛ لئلا يُتَوَهَّم [أنه] (١٢) يبرُز كسائر

стр. 898

الضمائر، قال (١): لَنِعْمَ مَوْئِلًا المَوْلَى إِذَا حُذِرَتْ ... بَأْسَاءُ ذِي البَغْيِ وَاسْتِيلَاءُ ذِي الإِحَنِ (٢) وقال (٣): نِعْمَ امْرَأَينِ حَاتِمٌ وَكَعْبُ كِلَاهُمَا غَيْثٌ وَسَيْفٌ عَضْبُ (٤) (٥) * "نِعْمَ رجلًا زيدٌ": قولُ ص (٦) فيه ما في النَّظْم، وقال الكِسَائيُّ والفَرَّاءُ (٧): الفاعلُ "زيدٌ"، و"رجلًا" حالٌ عند الكِسَائيِّ، تمييزٌ عند الفَرَّاء. لنا: قولُهم: نِعْمَ رجلًا أنت، و: بِئْسَ رجلًا هو؛ فلو كانا فاعلَيْن اتَّصلا، وقولُهم: اخويك (٨) نِعْمَ رجالًا، والفاعلُ لا يتقدَّم، و: نِعْمَ رجلًا كان زيدٌ، والفاعلُ لا تعمل فيه النواسخُ. ابنُ الطَّرَاوةِ (٩): الفاعلُ محذوفٌ لا مضمرٌ، بدليل عدم بروزِه، وسوَّغ الحذفَ أنه موضعُ إبهامٍ، كما قال (١٠):

стр. 899

............... ... فَسَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا (١) حَذَف؛ لإبهام المحلِّ، وصار التفسير بدلًا من اللفظ به (٢). وجَمْعُ تمييزٍ وفاعلٍ ظهر ... فيه خِلافٌ عنهمُ قد اشتهر (خ ٢) * [«وجمعُ تمييزٍ وفاعلٍ»]: نِعْمَ الفَتَاةُ فَتَاةً هِنْدُ لَوْ بَذَلَتْ ... رَدَّ التَّحِيَّةِ نُطْقًا أَوْ بِإِيمَاءِ (٣) في "شرح العُمْدة" (٤): أجازه المُبَرِّدُ (٥)، ومنعه س (٦)، معتمِدًا على أنه لا إبهامَ، فلا حاجةَ للتفسير، ويلزمه منعُ التمييز في نحو: له من الدراهم عشرون درهمًا، ويردُّه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (٧)، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ الآيةَ (٨)،

стр. 900

............... ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِيْنَا (١) ثم قد ورد ذلك في هذا البيت، كقوله (٢): فَحْلًا (٣) (٤) * "كافِية" (٥): وَابْنُ يَزِيدَ الجَمْعَ قَدْ أَجَازَا ... وَسِيبَوَيْهِ مَنَعَ الجَوَازَا وَابْنُ تريد (٦) قَوْلُهُ الصَّحِيحُ ... وَفِي مَقَالِهِمْ لَهُ تَوْضِيحُ (٧) وما مُمَيِّزٌ وقيلَ فاعِلُ ... في نحوِ نعْمَ ما يقولُ الفاضِلُ (خ ١) * ... (٨) إن "ما" في الآية (٩) تمييزٌ، وقال أبو إِسْحاقَ (١٠): إنها معرفة، وهي فاعل.

стр. 901

واحتَج الفارسي (١) بأنها إذا كانت معرفةً كانت ... (٢)، ولا صلةَ لها هنا. فإن قلت: اجعل الصلةَ "هي" مع مبتدأٍ حُذف، فيكون نظيرَ: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ﴾ (٣)، و: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾ (٤). فالجوابُ: أنه شاذٌّ، فلا يُحمل عليه ما أجمع القُرَّاءُ عليه، وأيضًا فإن تقديره يكون مثلًا: فنِعِمَّا هو هي، أي: فنِعْمَ الذي هو الصدقةُ، وذلك يؤدي إلى عدم وجود المخصوص بالمدح. فإن قلت: اجعله مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (٥). فالجوابُ: أنه لم يتقدَّم هنا شيءٌ يدلُّ على مخصوصٍ غيرِ "الصدقات" فنقدِّرَه، وأيضًا فالسياقُ (٦) إنما هو في تفضيل الإخفاء والإظهارِ، لا في مدح الصدقات، فكما أن قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ ليس هو لمدح الصدقة مطلقًا، بل لمدح إخفائها، كذا هذا إنما أريد به ... (٧) مدحُ إظهارها، وإن كان غيرُه أَوْلى منه؛ أَلَا تراه قال بعدُ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأتى بما يدلُّ على التفضيل؟ وإن كانت لفظةُ "خير" تأتي لضد الشر، لكنها هنا مع (٨) ما احتَفَّ بها مُؤنِسةٌ بالتفضيل. وإذا ثبت (٩) هذا فاعلمْ أن قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ على حذف مضافٍ من

стр. 902

المخصوص، أي: فنِعْمَ شيئًا إبداؤها، يدلُّ على ذلك المحذوفِ: قولُه: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ الآيةَ، وإذا انتَفى أن (١) تثبت "ما" موصولةً ثبت أنها نكرة تامة، مثلُها في: ما أَحْسَنَ زيدًا، وينبغي أن يحمل عليه كلُّما (٢) جاء منه، نحو (٣)، وإن لم يأتِ فيه هذا الكلامُ. هذا محصولُ قولِ أبي عَلِيٍّ في احتجاجه على مذهبه، مع زياداتٍ لم يذكرْها. وقال الأستاذُ أبو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ (٤): هذا منه بناءٌ على أن "ما" لا تكون معرفةً إلا إذا كانت موصولةً، ونصَّ س (٥) على أنها تكون معرفةً في غير ذلك، قال في: ددققته (٦) دَقًّا نِعِمَّا، أي: نِعْمَ الدقُّ (٧). قال الأستاذُ (٨): وقال ابنُ كَيْسَانَ (٩): إن "ما" في الآية زائدةٌ، وهي فاعل، وأجاز: نِعْمَ عبدُالله، قال: وهي بمنزلة "ذا" في "حبَّذا"، يزعم أنهما صِلَتان. ع: وفي: نِعِمَّا صنعت خلافٌ غيرُ هذا (١٠). (خ ٢) * [«و"ما" مُمَيِّزٌ»]: عُزي إلى الأَخْفَشِ (١١)، وتَبِعه الزَّمَخْشَريُّ (١٢) وابنُ

стр. 903

الحاجِب (١). * قولُه: «وقيل: فاعل»: عُزي لس (٢) والكِسَائيِّ (٣). وفي "شرح العُمْدة" (٤) أنه مذهب س وابنِ خَرُوفٍ (٥) والسِّيرَافيِّ (٦)، وأنه الحقُّ، بدليل أن "ما" لا تقبل "أَلْ"، وما عَهِدنا تمييزَ "نِعْمَ" و"بِئْسَ" إلا قابلًا لها، فمِنْ ثَمَّ لم يُميَّزْ بـ: "مِثْلٍ" و"غَيْرٍ" و"أَفْعَلَ مِنْ"، وقولِهم: دَقَقْته دَقًّا نِعِمَّا، و: غَسَلته غَسْلًا نِعِمَّا (٧)، والنكرةُ التاليةُ "نِعْمَ" لا يُقتصر عليها إلا في نادرٍ بشرط العطف، كالحديث: «فبِهَا ونِعْمَت، ومَنْ اغتَسل» الحديثَ (٨)، وقولِه (٩): تَقُولُ عِرْسِي وَهْيَ لِي فِي عَوْمَرَهْ: بِئْسَ امْرَأً وَإِنَّنِي بِئْسَ المَرَهْ (١٠) وأنَّ التمييز إنما يُجاء به لتعيين الجنس، و"ما" المذكورةُ لا تُعَيِّن جنسًا (١١).

стр. 904

* قال الصَّيْمَريُّ في "التَّبْصرة" (١): وإذا دخلت "ما" على "نِعْمَ" و"بِئْسَ" بطل عملُهما، وجاز أن يليَهما ما لم يكن يليهما قبل دخول "ما"، تقول: نِعْمَ ما أنت، وبِئْسَ ما صنعت، قال الله سبحانه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢)، ولم يَجُزْ قبل أن تدخل "ما" أن تقول: نِعْمَ أنت، ولا: بِئْسَ ما (٣) صنعت (٤). * في "التَّسْهِيل" (٥): "ما" معرفة تامة، وفاقًا لسيبويهِ (٦) والكِسَائيِّ (٧)، لا معرفةٌ ناقصةٌ، خلافًا للفَرَّاء (٨)، ولا نكرةٌ مميّزةٌ، خلافًا للزَّمَخْشَريِّ (٩)، [وللفارِسيِّ (١٠) قولان، كقولَيْ الفَرَّاءِ والزَّمَخْشَريِّ] (١١). وفي "شرحه" (١٢): جَعَل السِّيرَافيُّ (١٣) مثلَ "نِعْمَ ما" في تمام "ما" وتعريفِها: إنِّي ممَّا أَنْ أفعلَ، أي: من الأمر أَنْ أفعلَ. ويؤيِّده: أن المجرور المخبَرَ به عن مبتدأٍ لا يكون بالاستقراء إلا معرفةً أو نكرةً

стр. 905

مختصةً بالصفة، ولا صفةَ هنا. ع: ولا صلةَ؛ لأنها مفردة (١). فتعيَّن التعريفُ والتمامُ. ثم اختَلف س والكِسَائيُّ، فقال الكِسَائيُّ (٢): المخصوصُ "ما" أخرى مقدرةٌ، والمحقِّقون من أصحاب س يقدِّرون: نِعْمَ الشيءُ شيءٌ صنعت، فيقدِّرون موصوفًا، لا موصولًا. ويقوِّي تعريفَ "ما" هذه: كثرةُ الاقتصار عليها كـ: غَسَلته غَسْلًا نِعِمَّا (٣)، ولا يُقتصر على النكرة بعد "نِعْمَ" إلا نادرًا، كقوله (٤): بِئْسَ امْرَأً وَإِنَّنِي بِئْسَ المَرَهْ (٥) في "شرح الكافِية" (٦) أنَّ قول الزَّمَخْشَريِّ ذهب إليه كثيرٌ من المتأخرين، وأنَّ القول بأن "ما" فاعلةٌ، وأنها معرفة تامة ظاهرُ قولِ س (٧)، وصرَّح به ابنُ خَرُوفٍ (٨)، وسبقه إلى ذلك السِّيرَافيُّ (٩)، وجعل منه: إنِّي ممَّا أَنْ أفعلَ، أي: من الأمر أَنْ أفعلَ، فـ"أَنْ أفعلَ" مبتدأٌ، و"من الأمر" خبرٌ، والجملةُ خبرُ "إنِّي"، ومثلُ قولِ السِّيرَافيِّ قال س،

стр. 906

ونصُّه (١) (٢). ويُذْكَرُ المخْصوصُ بَعدُ مبتدا ... أو خَبرَ اسْمٍ لَيْس يَبْدُو أَبدا (خ ١) * قولُه: «ويُذكَر المخصوصُ بعدُ»: ع: وقيل أيضًا: ويجب حينئذٍ كونُه مبتدأً، قال الأَخْطَلُ (٣): أَبُو مُوسَى فَجَدُّكَ نِعْمَ جَدًّا ... وَشَيْخُ الحَيِّ خَالُكَ نِعْمَ خَالَا (٤) ع: قلت: والضمير في "نِعْمَ" للتمييز، لا للمبتدأ، والرابطُ عمومُه، لا كونُه ضميرًا، فتأمَّلْه تَرْشُدْ (٥). * [«مُبتَدا»]: كأنَّ موضعه التأخُّرُ؛ لأنه نظيرُ التمييز المحوَّلِ، وتمييزِ "رُبَّه" (٦). * [«أو خبرَ اسمٍ»]: ع: فإن قلت: فما الرابط؟ قلت: لمَّا كان "الرجل" في: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ يستغرِقُ الجميعَ، وكان "زيد" بعضَهم؛ ارتَبَطا ارتباطَ الجزء بالكلِّ، هذا قول الفارِسيِّ (٧)، وهو الذي أشار إليه س (٨).

стр. 907

وقيل: إن الفاعل هنا سدَّ مسدَّ الضمير؛ لأن الفاعل إذا كان مَنْ هو له متقدِّمًا كان مضمرًا، تقول: زيدٌ قامَ، فتضمرُه، فكان القياس في: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ أن تضمره، إلا أنهم لم يريدوا أن يرفعوا بـ"نِعْمَ" إلا الظاهرَ الذي فيه "أَلْ" أو ... (١) مضاف إلى ما فيه "أَلْ"، فوضعوا الظاهرَ موضعَ المضمر، كذلك قاله أبو القاسِمِ في "الجُمَل" (٢). وقيل: إن العائد محذوف، أي: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ هو، ونِعْمَ الرجلُ هو زيدٌ، والدليل على صحة هذا القول: ... (٣) (٤). * [«ليس يَبْدُو أبدَا»]: وإنما أجازوا أن تكون المسألةُ على حذفٍ مع إمكان أن تكون على ظاهرها؛ لأن ... (٥) (٦). (خ ٢) * قولُه: «المخصوص» يُفهَم منه شرطان: أحدهما: أنه لا يكون أعمَّ من الفاعل، فلا يجوز: نِعْمَ الصيامُ جُنَّةٌ، ولا: نِعْمَ الإنسانُ حيوانٌ، ولا: نِعْمَ الرجلُ إنسانٌ. والثاني: أنه لا يكون مساويًا له، فلا يجوز: نِعْمَ البعيرُ الجَمَلُ، عند مَنْ قال: إن البعير خاصٌّ بالمذكر (٧)، ولا: نِعْمَ العَيْرُ الحمارُ، ولا: نِعْمَ الدُّسُرُ المساميرُ، وأما مَنْ قال: إن البعير ينطلق على الجمل والناقةِ فذلك جائز (٨). وإن يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ به كَفى ... كالعلمُ نعمَ المقْتنى والمقتفَى

стр. 908

(خ ٢) * [«كفى»]: ع: ومِنْ هنا رُدَّ على مَنْ قال: إنه مبتدأ، والجملةُ قبلَه خبرٌ (١)؛ لأنه يقتضي حذفَ الجملة بأسرها، وذلك إجحافٌ. ومِنْ ثَمَّ رُدَّ على المُبَرِّد (٢) في قوله في نحو: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي﴾ (٣): إن المنادى محذوف؛ لاقتضائه حذفَ جميع الجملة مع غير حرف الجواب والشرطِ في قوله (٤): ... ... قَالَتْ: وَإِنْ (٥) (٦) * من الحذف: لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهْ نِعْمَ الفَتَى وَبِئْسَتِ القَبِيلَهْ (٧) ان (٨): نِعْمَ الفتى هو، وبِئْسَت القبيلةُ هي (٩).

стр. 909

* في "شرح العُمْدة" (١) ما ملخَّصُه: قد يُحذف المخصوص إذا عُلم، فيُقدَّر مكانَه مبتدأٌ مؤخرًا، نحو: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (٢)، فَنِعْمَ مُعْتَمَدُ الوَسَائِلْ (٣) وقد تكون له صفةٌ، فتقوم مَقامَه، نحو: نِعْمَ الصديقُ حليمٌ كريمٌ، وبِئْسَ الصديقُ عَذُولٌ خَذُولٌ، ويكثُر ذلك إذا كان الوصف فعلًا والفاعلُ "ما"، نحو: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ الآيةَ (٤)، ويقلُّ إذا كان غيرَ "ما"، كقوله (٥): لَبِئْسَ المَرْءُ قَدْ مُلِئَ ارْتِيَاعَا البيتَ (٦)، وقد يُحذف الموصوف وصفتُه، ويبقى ما يتعلَّق بصفته، كقوله (٧): بِئْسَ مَقَامُ الشَّيْخِ ... ... البيتَ (٨) (٩).

стр. 910

* ع: قد يُحذف وتبقى صفتُه غيرُ اللائقة بمقامه، كقوله (١): إِلَى خَالِدٍ حَتَّى أَنَاخَتْ بِخَالِدٍ ... فَنِعْمَ الفَتَى يُرْجَى وَنِعْمَ المُؤَمَّلُ (٢) وقولِه (٣): لَبِئْسَ المَرْءُ قَدْ مُلِئَ ارْتِيَاعَا ... وَيَأْبَى أَنْ يُرَاعِيَ مَا يُرَاعَى (٤) أي: فتًى يُرجَى، ومَرْءٌ قد مُلِئ. واعلم أن المُشْعِر بهذا هو الفاعلُ مع قوة معنى الكلام، فلا يُساعِد على دخوله قولُه: «وإِنْ يُقدَّمْ». قال الصَّيْمَريُّ (٥): يجوز: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ، ولا يجوز: زيدٌ قام الرجلُ؛ لأن "نِعْمَ" لمَّا كانت تعمل في الجنس صار بمنزلة ما فيه عائدٌ إلى المبتدأ؛ لأن معناه: زيدٌ ممدوحٌ في الرجال، وليس كذلك: زيدٌ قال الرجلُ؛ لأنه لا تقديرَ فيه أكثرُ من لفظه (٦). واجْعَلْ كبئْسَ سَاءَ واجْعَلْ فَعُلا ... من ذِي ثلاثةٍ كنعمَ مُسْجَلا (خ ١) * [«من ذي ثلاثة»]: حقُّه أن يقول: من ذي ثلاثةٍ يجوز التعجُّب منها (٧). (خ ٢) * [«واجعل كـ"بِئْسَ": "ساءَ"»] قال في "شرح العُمْدة" (٨): وقد اجتَمعا في قوله

стр. 911

تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (١). ع: الظاهر أن "ساء" هنا ليست من هذا؛ بدليلِ أنَّ "المرتَفَق" مذكرٌ، والفعلَ مؤنثٌ، وإنما الضمير عائدٌ على ما تقدَّم (٢). * قولُه: «ساء»: ع: كان يغني عنه: «واجعلْ "فَعُلَا"» البيتَ؛ لأن "ساء" "فَعُلَ". ذكر في "شرح العُمْدة" (٣) أن "فَعُلَ" يخالف "نِعْمَ" و"بِئْسَ" بأمور: أنه متضمِّن معنى التعجُّب. الثاني: أنه يجوز جرُّ فاعلِه بالباء الزائدة، وهذا الوجه ناشئٌ عن الأول. الثالث: أنه يجوز مجيئُه بغير "أَلْ". الرابع: أنه يجوز عودُه إذا كان مضمرًا على ما قبله. والرابع (٤): مجيئه مطابقًا لمفسِّره. ع: هذا معنى كلام شرحِه، وإيضاح (٥) وتقسيمُه. وفي نصِّ "العُمْدة" (٦): ويُلحَق بـ"بِئْسَ": ساء، وبها وبـ"نِعْمَ": "فَعُلَ"، بوضعٍ أو تحويلٍ عن "فَعَلَ" و"فَعِلَ"، ويكثر انجرارُ فاعلِه بالباء، وتجرُّدُه من "أَلْ"، وإضمارُه على وفق ما قبله (٧). * [«"فَعُلَا"»]: ع: ينبغي أن يُستثنى من هذا: ما عينُه أو لامُه ياءٌ، وهذا -وإن

стр. 912

كان قد حُكي فيه خلافٌ- لا ينبغي أن يُرتَكب تجويزُه؛ لعدم (١) الاعتداد بما جاء من "فَعُلَ" بضم العين مما عينُه ياءٌ، نحو: هَيُؤَ، وكذلك ينبغي أن يُستثنى من ذلك: المضاعفُ، أعني: ما عينُه ولامُه من واحد (٢) واحدٍ؛ لقلَّة ما جاء من ذلك، نحو: لَبُبْت (٣) (٤). * قولُه فيما تقدَّم (٥): «واجعلْ "فَعُلَا"» البيتَ: إذا وجدنا "فَعِلَ" أو "فَعَلَ" قد حُوِّلا إلى "فَعُلَ" عَلِمنا -ولا بدَّ- إرادةَ معنى المبالغة فيهما، وأنهما أُجريا مُجرى "نِعْمَ" و"بِئْسَ"، فأَوْجبنا لفاعلهما ما وجب لفاعلهما. وإذا وجدنا "فَعُلَ" الوضعيَّ وفاعلُه غيرُ فاعلِهما، كـ: شَرُفَ زيدٌ، وكَرُمَ عمرٌو؛ وعلمنا (٦) عدمَ إرادة إدخالِهما في باب "نِعْمَ" و"بِئْسَ". وإن وجدنا فاعلَهما كفاعلهما احتَمل أن يكون ذلك بطريق الاتفاق أو القصدِ، فيحمل (٧) الدخولَ في باب "نِعْمَ" وعدمَ الدخول فيه، ومن ثم احتَمل نحو: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ (٨) أن يكون تعجُّبًا وألَّا يكون، وكذلك: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (٩) جوَّزوا فيه الوجهين، وإذا كان المقام مَقامَ استغرابٍ واستعظامٍ ترجَّحَ الحملُ على التعجُّب، فافْهَمْه (١٠). ومثلُ نِعم حبَّذَا الفاعِلُ ذَا ... وإن تُرِد ذَمًا فَقُل لَّا حبَّذا

стр. 913

(خ ١) * قال (١): أَلَا حَبَّذَا عَاذِرِي فِي الهَوَى ... وَلَا حَبَّذَا الجَاهِلُ العَاذِلُ (٢) (٣) (خ ٢) * جَعْفَرُ (٤) بنُ أبي طالبٍ ذو الجَنَاحَيْن ﵁: يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا وَالرُّومُ رُومٌ قَد دَّنَا عَذَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا (٥) (٦) * قولُه: «الفاعلُ "ذا"» قولُ سيبويهِ والخَلِيلِ (٧)؛ فإن سيبويهِ ﵀ قال: وزعم الخَلِيلُ أن "حبَّذا" بمنزلة: حَبَّ الشيءُ، ولم يخالفه في ذلك، وغلَّط ابنُ الحاجِّ (٨) مَنْ نَسب إلى سيبويهِ غيرَ هذا المذهبِ. قال: فيدلُّ على بقاء "ذا" على معناها: مجيءُ التمييز بعدها؛ ليفسِّر إبهامَها،

стр. 914

ولولا ذلك لم يجئ تمييزٌ، ووجب النصبُ على الحال، وامتنع دخول "مِنْ" (١). * ع: يقال: حَبَبت زيدًا، بالفتح، بمعنى: أحببته، وفيه شذوذٌ من ثلاثة أوجه: أحدها: الاستعمال؛ فإن الأكثر في الاستعمال: أَحْبَبت. الثاني: في مضارعه، وهو يُحِبُّ، بالكسر، مع أن "فَعَلَ" المضاعفَ المتعديَ إنما قياسُه: يَفْعُلُ، بالضم. الثالث: استغناؤهم عن اسم فاعلِه، وهو "حابٌّ"، باسم الفاعل المزيد فيه، وهو "مُحِبٌّ"، وعكسوا في اسم المفعول، واستغنوا بـ"مَحْبُوب" و"حَبِيب" عن "مُحَبٍّ"، على أنهم ربَّما قالوه، كقوله (٢): مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ (٣) وأَذْكَرَني هذا الموضعُ مسألةَ "رَسَا" و"أَرْسى": قال ابنُ دُرَيدٍ في كتاب "الجَمْهَرة" (٤) في باب: ما لم يَعْرفه الأَصْمَعيُّ وعَرَفه أبو زيدٍ وأبو عُبَيْدةَ: إن "أَرْسى" مَقُولٌ بمعنى: رَسَا؛ إلا أن العرب لم تَقُلْ: مُرْسٍ، بل اجتَزَأت بـ: راسٍ. ونَقَل هذا أبو عَلِيٍّ البَغْدَاديُّ في كتابه "فَعَلت وأَفْعلت" (٥)، إلا أنه أخطأ؛ إذ استدلَّ على "أَرْسى" بقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ (٦)، وإنما هذه همزةُ النقل، مثلُها في: جَلَس وأَجْلسته، وأقام (٧) وأَقَمته (٨).

стр. 915

* ابنُ الحاجِّ (١): قيل: "حبَّذا" اسم منقول عن جملةٍ، وبه قال أبو العَبَّاسِ في "المُقْتَضَب" (٢)، وقال: إنه مبتدأ. وقال الأَخْفَشُ في "الأَوْسَط" (٣): أصلُ "حبَّذا" أن يُرفَع "ذا" بـ"حَبَّ"، ثم رُكِّبا، وارتفع (٤) "زيدٌ" بـ"حبَّذا"، كما يرتفع بـ"ضرب". وقال الجَرْميُّ في "الفَرْخ" (٥): "حَبَّ" فعلٌ رَفع "ذا"، ثم جُعلا بمنزلة فعلٍ، فرَفع "زيدًا". وقال السِّيرَافيُّ في "الإقْنَاع" (٦): "حبَّذا" مبتدأٌ، و"زيدٌ" خبرٌ، كما قال المُبَرِّدُ، وبه قال صاحبُ "اللُمَع" (٧). وقال ابنُ كَيْسَانَ (٨): "حَبَّ" فعلٌ، و"ذا" فاعلٌ، و"زيدٌ" كمخصوصِ "نِعْمَ". وكذا قال الفارِسيُّ في الجزء الأول والثاني من "التَّذْكِرة" (٩). قال ابنُ كَيْسَانَ: وأشرتَ بـ"ذا" إلى أمرٍ قد جرى، فصَوَّرْتَه كالحاضر، وأردتَّ: حبَّذا الأمرُ أمرُ زيدٍ، فحذفتَ المضافَ.
следующие страницы →