← Гариб и словари

Гариб и словари · id 5644

الزاهر في معاني كلمات الناس

ابن الأنباري

Полный текст (915 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٦٦٤ - وقولهم: قد تَمَنَّيْتُ كذا وكذا (٦٠) قال أبو بكر: معناه: قد قدَّرته، وأحببت أن يصير إلي. من المَنَى، وهو ١٧٨ / ب القدَر. يقال: / منى الله لك ما تحب يمني مَنْياً، أي: قدّره لك. قال الله جل اسمه: ﴿من نُطفَةٍ إذا تُمنى﴾ (٦١) ، أراد: إذا تُقَّدر. قال الشاعر (٦٢) : (لَعَمْر أبي عمروٍ لقد ساقَهُ المَنَى ... إلى جَدَثٍ يُوزى له بالأهاضبِ) وقال الآخر (٦٣) : (مَنَتْ لكَ أنْ تُلاقيني المنايا ... أُحادَ أُحادَ في الشهرِ الحلالِ) وقال الآخر (٦٤) : (ولا تقولَنْ لشيءٍ سوفَ أفعَلُهُ ... حتى تَبَيَّنَ ما يَمني لكَ الماني) وتمنَّى، يقع على معان ثلاثة: أحدهن: تمنّى: قدّر شيئاً أحب أن يبلغه، وهو الذي قدمنا ذكره. والمعنى الثاني: تمنى: تلا، وقرأ، قال الله جل اسمه: ﴿إذا تمنّى ألقى (١٦٠﴾ الشيطانُ في أُمْنِيَّتِه (٦٥)) ، أراد: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. وقال الشاعر يرثي عثمان بن عفان: (تمنّى كتابَ اللهِ أولَ ليلِهِ ... وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادرِ) (٦٦) وقال الآخر: (٦٧)

стр. 667

(تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ ... تمنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ) والمعنى الثالث: تمنَّى: كَذَب، ووضع حديثاً لا أصل له. قال الفراء: قال رجل لابن دَأْبٍ (٦٨) ، وهو يحدِّث: (أهذا شيءٌ رويتَهُ أم شيءٌ تَمَنَّيْتَهُ؟) (٦٩) ، فمعناه: افتعلته، لا أصل له. وقال الله جل وعلا: ﴿لا يعلمونَ الكتابَ إلاّ أمانيَّ﴾ (٧٠) ، أراد: إلا أَنّهم يتمنّون على الله الباطل. ويقال: الأماني، معناها: التلاوة. ويقال: هي الأحاديث المفتعلة الموضوعة. وفي " الأماني " لغتان، يقال: هي الأمانيّ، بالتشديد، وهي الأماني، بالتخفيف. قال كعب بن زهير (٧١) : (فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ ... إنّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليلُ) وقال جرير (٧٢) : (تراغيتمُ يومَ الزبير كأّنكم ... ضِباعٌ بذي قارٍ تَمنَّى الأمانِيا) ٦٦٥ - وقولهم: قد أَشْكَلَ عليَّ الأمرُ (٧٣) (١٦١) قال أبو بكر: معناه: قد اختلط بغيره. والأشكل عند العرب: اللونان المختلطان. / قال الشاعر (٧٤) : ١٧٩ / أ (فما زالتِ القتلى تمورُ دماؤها ... بدجلةَ حتى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ) والشُكْلة: حمرة تخالط بياض العين، فإذا خالطت السواد فهي شُهْلَة (٧٥) .

стр. 668

قال الشاعر: (لا عيبَ فيها غير شُكْلَةِ عينِها ... كذاكَ عِتاقُ الطير شُكْلاً عيونُها) (٧٦) وأخبرنا أبو العباس: قال: يقال: أشكل علي الأمر، واشتكل، وأحكل، واحتكل: بمعنى. ٦٦٦ - وقولهم: فلانٌ مُخَنَّثٌ (٧٧) قال أبو بكر: معناه: متثنّ متكسّر، يقال للمرأة: خُنَث، لتكسّرها وتثَّنيها. وجاء في الحديث: (نهى رسول الله عن اختناثِ الأسقيةِ) (٧٨) . فمعناه: نهى أن يثنى فم السقاء، ثم يشرب منه، كراهة أن يكون فيه دابة أو تنين. ومن ذلك الحديث المروي عن عائشة: (أنها ذكرت وفاة رسول الله، فقالت في بعض قولها: فانخنثَ في حجري، ولم أشعر به) (٧٩) . تريد: انثنى. وتذهب إلى الرأس أو غيره. (١٦٢) ٦٦٧ - وقولهم: قد تكمَّش الجلدُ (٨٠) قال أبو بكر: معناه: قد تقبّض واجتمع. وكذلك: انكمش في الحاجة، معناه: اجتمع فيها. قال الشاعر (٨١) : (كميشُ الإِزارِ خارجٌ نصفُ ساقِهِ ... صبورٌ على الجَلاّء طلاعُ أَنْجُدِ) الكميش الإزار: المشمر الإزار، الذي قد جمعه وقبضه. والأنجد: جمع

стр. 669

نَجْد، والنجد: ما ارتفع من الأرض. والجلاّء (٨٢) : الخصلة الجليلة العظيمة، إذا فُتح جيمها مُدَّت، وإذا ضُمّت قُصِرَت. ٦٦٨ - وقولهم: قد بدَّدتُ الشيءَ (٨٣) قال أبو بكر: معناه: قد فرّقته، وأزلت عنه الاجتماع. من قول العرب: قد أبددتهم العطاء: إذا فرقته فيهم، ولم أجمع اثنين منهم في عطية. قال أبو ذؤيب (٨٤) يذكر الصائد والحُمُر، وأنه فرّق السهام فيها، ولم يجمعها: (فأبدَّهُنَّ حتوفَهُنَّ فهاربٌ ... بذَمائِهِ أو بارِكٌ مُتَجَعْجِعُ) معناه: فرق الحتف فيهن: والذَّماء (٨٥) : بقية النفس، ممدود. والذماء: ضرب / من المشي أو السير، يقال: مر يذمي ذَماءً (٨٦) ، ممدود ١٧٩ / ب أيضاً. والذَّمَى (٨٧) : الريح المنتنة، مقصور، يكتب بالياء، يقال (٨٨) : ذَمَتْهُ ريح (١٦٣) الجيفة تذميه ذمياً. أنشدنا أبو العباس لخِداش بن زهير (٨٩) : (سيُخبِر أهل وَجٍّ مَنْ كتمتم ... وتذمى مَنْ أَلّم بها القبورُ) ومن " الإبداد " حديث أم سَلَمَة: (أنّ مساكين سألوها، فقالت لخادمها: أَبِدِّيهم تمرةً تمرةً) (٩٠) .

стр. 670

وقال رجل من العرب: (إنّ لي صِرْمَةً أمنحُ منها، وأطرِقُ، وأبِدُّ، وأفقِرُ، وأقرُنُ) (٩١) . فالصرمة: القطعة من الإِبل. وأمنح: أهب ألبانها. وأطرق: أعطي الفحل منها القوم يضرب في إبلهم. وأبد: أفرق منها. وأفقر: أعير بعضها وأهبه، فيركب من فِقار ظهره. وأقرن: أضم البعير إلى البعير، فأهبهما، أو أعيرهما. ٦٦٩ - وقولهم: الخَضِرُ عبدٌ صالحٌ من صالحي عبيدِ الله (٩٢) قال أبو بكر: قال أهل العربية: هو الخَضِر، بفتح الخاء وكسر الضاد. واختلف في العِلّة التي من أجلها سمي خضراً: فيروى عن النبي أنه قال: (جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتزُّ من تحته خضراء) (٩٣) . وأخبرنا أحمد بن الحسين أبو جعفر (٩٤) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة (٩٥) (١٦٤) قال: حدثنا عبيد الله بن موسى (٩٦) والفضل بن دُكين (٩٧) عن سفيان (٩٨) عن منصور (٩٩) عن مجاهد قال: كان إذا صلّى في موضع اخضرّ ما حوله. وأخبرنا أحمد قال: حدثنا عثمان قال: حدثنا معاوية بن هشام (١٠٠) قال: حدثنا شَريك (١٠١) عن سِماك (١٠٢) عن عِكرمة قال: إنما سمي الخضر خضراً، لأنه

стр. 671

كان إذا جلس أخضر ما حوله (١٠٣) . وقال آخرون، إنما سمي خضراً، لحسنه واشراق وجهه. لأن العرب تسمي الحسنَ، المشرقَ، المقتبلَ: خَضِراً، تشبيهاً بالنبات الأخضر الغض. قال الله ﵎: ﴿فأخرجنا منه خَضِراً﴾ (١٠٤) . ويقال: قد اختضر الرجل: إذا مات شاباً، لأنه يؤخذ في وقت (١٠٥) الحسن والاشراق. قال بعض الرواة (١٠٦) : كان شيخ من العرب قد أولع به شاب من الحي يقول له: قد أجزَزْتَ يا أبا فلان. يريد: قد حان لك أن تُجزَز، أي: تموت، فكان يقول له الشيخ: يا ابن أخي، وتختضرون، أي: تموتون شباباً. ويجوز في العربية: الخِضر، على تحويل كسرة الضاد إلى الخاء، بعد إزالة الفتحة عنها، كما قالت العرب: الكِبْد، والكِلْمة، والأصل: الكَبِد، والكَلِمة. قال عروة بن حزام (١٠٧) : (فويلي على عفراءَ ويلاً كأنّه ... على الكِبْدِ والأحشاءِ حدُّ سِنانِ) (١٦٥) / وقال الآخر (١٠٨) : ١٨٠ / أ (وكِلْمة حاسد في غيرِ جُرْمٍ ... سمعت فقلتُ مُرِّي فانفُذيني) (فعابوها عليه ولم تَعِبْني ... ولم يعرقْ لها يوماً جَبِيني) ومن العرب من يقول: الكَبْد، فيترك الكاف على فتحها، ويسقط عن الباء كسرتها، ميلاً إلى التخفيف أيضاً. (١٠٢) سماك بن حرب الكوفي. ت ١٢٣ هـ. (ميزان الاعتدال ٢ / ٣٢، تهذيب التهذيب ٤ / ٢٣٢) .

стр. 672

٦٧٠ - وقولهم: هذا كلام مُسْتَأْنَفٌ (١٠٩) قال أبو بكر: معناه: مبتدأ، لم يتقدم قبل هذا الوقت. من قول العرب: كأس أُنُفٌ: إذا لم يُشرب بها قبل ذلك، وروضة أُنفُ: إذا لم تُرع قبل ذلك الوقت الذي وصفت فيه بهذا. والروضة: ماء ونبات في موضع مطمئن مُتَسَفِّل، فإذا كان فيه ماء وشجر فهو حديقة، وليس بروضة. يقال: قد أراض المكان، واستراض: إذا كثرت رياضه. ويقال في جمع الروضة: رَوْض، ورياض. والروضة أيضاً: بقيَّةٌ تبقى في الحوض من الماء (١١٠) ، قال الشاعر: (١١١) (وروضةٍ في الحوض قد سَقَيْتُها ... ) (نِضْوِي وأرضاً قَفْرَةً طَوَيْتُها ... ) وقال عنترة (١١٢) : (١٦٦) (وكانّ فارةَ تاجرٍ بقسيمةٍ ... سَبَقَت عوارضَها اليكَ من الفمِ) (أو روضةً أُنُفاً تضمَّنَ نبتَها ... غيثٌ قليلُ الدِّمْنِ ليسَ بَمعْلَمِ) أراد بالأنف: مثل الذي وصفنا. وإنما خصها دون غيرها، لأنها إذ لم ترع كان أطيب لريحها. ويقال: أرض أنيفة. إذا كان نباتها يسبق نبات غيرها، وهذه الأرض آنَفُ من تلك الأرض، أي: نباتها أسبق. ويقال: أنف الأرض: ما استقبل الشمس من الجلد، والضواحي (١١٣) من الجبال.

стр. 673

٦٧١ - وقولهم: استراحَ مَنْ لا عقلَ له (١١٤) قال أبو بكر: فيه قولان: أحدهما: أن المقصود بهذا هو الأحمق، إذا كان يصرف همه إلى المأكول والمشروب والمنكوح، فإذا استقام له ذلك لم يفكر في عاقبة، فعيشُهُ رغدٌ، وبالُهُ رَخِيٌّ. والعاقل ليس كذلك، لفكره في العواقب، واهتمامه بالحوادث والنوازل. وشبيه بهذا قولهم: همُّ الدنيا على العاقل. والقول / الآخر: أن المقصود بهذا هو الصبي الذي لا يفكر في شيء ١٨٠ / ب مستقبل، ولا يهتم إلا بما يأكله أو يشربه أو يلهو به. قال الراعي (١١٥) : (ألِفَ الهمومُ وِسادَهُ وتجنَّبت ... كسلانَ يُصبحُ في المنامِ ثقيلا) أي تجنبت هذا الأحمق، الذي لا يزعجه ما يزعج العاقل، فيحول بينه وبين النوم. وقال امرؤ القيس (١١٦) : (ألا انعمْ صباحاً أيُّها الطللُ البالي ... وهل يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُر الخالي) (١٦٧) (وهل ينعمن إلاّ سعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قليلُ الهمومِ ما يَبِيتُ بأَوْجالِ) أراد: بالسعيد المخلد: الحمق. ويقال: أراد به الصبي الذي يلبس الخُلْدَة والخلدة: القرط والسوار. قال الله ﵎: ﴿يطوف عليهم وِلدانٌ مخلَّدون﴾ (١١٧) . قال بعض المفسرين (١١٨) : المخلدون: المُسوَّرون، وقال آخرون: هم المقرَّطون، قال الشاعر: (ومُخلَّداتٍ باللُجَيْنِ كأنّما ... أعجازُهُنَّ أقاوزُ الكُثبانِ) (١١٩)

стр. 674

اللجين: الفضة، والأقاوز، جمع: القَوْز، وهو شبيه بالأكمة والجبيل الصغير من الرمل، والكثيب: الجُبَيْل من الرمل. وقال بعضهم: مخلدون: دائم شبابهم، لا يتغيرون عن تلك السن، يقال للرجل إذا علت سنه، وبقي عليه سواد شعره، وصحة أسنانه: إنه لمُخَلَّد. فيكون مخلد، بمعنى: مُخْلِد، لأن " فَعّل " و " أَفْعَل " قد يتضارعان. ويقال (١٢٠) : هو السِّوار من الحُليِّ، والسُّوار، والأُسوار. ويقال: هو الأُسوار، والإِسوار: للرجل الرامي، وهو الواحد من أساورة الفرس. قال الشاعر: (والله لولا صِبْيَةٌ صِغارُ ... ) (كأنَّما وجوهُهم أَقمارُ ... ) (أخافُ أنْ يمسهم إقتارُ ... ) (أو لاطِمٌ ليسَ له أُسوارُ ... ) (لما رآني مِلكٌ جَبّارُ ... ) (ببابِهِ ما وَضَحَ النهارُ ... ) (١٢١) (١٦٨) ٦٧٢ - وقولهم: هي عَيْبَةُ المتاعِ (١٢٢) قال أبو بكر: العيبة، معناها في كلام العرب: التي يجعل فيه الرجل أفضلَ ثيابه، وحُرَّ متاعه، وأنفَسَه عنده. من ذلك قول النبي: (الأنصار كَرِشي وعَيْبَتي، ولولا الهجرةُ لكنتُ امرءاً من الأنصارِ) (١٢٣) .

стр. 675

فجعل الأنصار عيبته، لخصوصيته إياهم، ولأنه يُطلِعُهم على أسراره. ومعنى قوله كَرِشي: صحابي (١٢٤) وجماعتي الذين أعتمد عليهم. وأصل ١٨١ / أالكرش في كلام العرب: الجماعة. يقال: هم (١٢٥) كَرِشٌ منثورةٌ. ومن العيبة الحديث المروي: (كانت خزاعةُ عَيْبَة النبي مؤمنهم وكافرهم) (١٢٦) للحلف الذي كان بينه وبينهم. ٦٧٣ - وقولهم: هذا أَدْمُ الخُبْزِ (١٢٧) قال أبو بكر: الأَدْم، معناه في كلام العرب: الذي يُطيِّب الخبز، ويُصلحه، ويلتذّ به الآكل له. من قول العرب: أَدَمَ الله بينهما يأدِم، وآدم يؤدم، أي: جمع بينهما على محبة ورضىً من كل واحد بصاحبه. أخبرنا أبو العباس قال: قيل لأعرابي: ما طعمُ الخبز؟ فقال: أَدمُهُ. قال أبو العباس: يقول: إنْ أدمته بحامض وجدته حامضاً، وإن أدمته بحلو وجدته حلواً. و" الأُدم " جمع: الإدام، وفيه وجهان: أُدُم، وأُدْم، كما تقول: كِتاب وكُتُب [وكُتْب] . فالذي يأتي بالضمتين يخرج الحرف على أصله، والذي يسكن (١٦٩) الدال يستثقل الضمتين، فيؤثر التخفيف. ويقال: أدمت الطعام فأنا آدِم، والطعام مأدوم. من ذلك قول امرأة دُريد بن الصِّمَّة، وأراد دريد تطليقها: (يا فلان أتطلقني؟ فواللهِ لقد أطعمتُكَ مأدومي، وأبثثتُكَ مكتومي، وأتيتُك باهِلاً غيرَ ذاتِ صِرارٍ) (١٢٨) .

стр. 676

فقولها: لقد أطعمتك مأدومي، معناه: خصصتك بمحض ما أجده من الطعام، وخصصتك بأفضله. والباهل: التي يُباح لبنها، ولا يُصَرُّ ضَرعُها. فضربته مثلاً لما تبذله من مالها وما تناله يدها. وقولها: وأبثثتك مكتومي، معناه: أطلعتك على سري. وفيه لغتان: يقال: أبثثتك سري وبثثتك سري (١٢٩) ، بألف وبغير ألف، وينشد هذا البيت: (أبثكِ ما ألقى وفي النفسِ حاجةٌ ... لها بين لحمي والعظامِ دَبِيبُ) (١٣٠) ويروي: أبثّكَ ما ألقى. وقال الآخر: (١٣١) (والبيضُ لا يُؤدَمْنَ إلاّ مُؤدَما ... ) أي: لا يُحببن إلاّ مُحَبَّباً. وقال النبي للمغيرة بن شعبة (١٣٢) وخطب امرأة: (لو نظرتَ إليها كانَ أحرى أنْ يُؤدَمَ بينكما) (١٣٣) . أي يُجمع بينكما على اتفاق ورضى. ٦٧٤ - وقولهم: هو من قومي (١٣٤) قال أبو بكر: قال الفراء: " القوم " في كلام العرب: رجال لا امرأة ١٨١ / ب / ١٧٠ فيهم. وكذلك / الملأ، والنفر، والرهط. فإذا قال القائل: هو من قومي، أراد: من رجالي الذين أفخر بهم. يدل على صحة هذا القول قول الشاعر (١٣٥) : (وما أدري وسوفَ إخالُ أدري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نساءُ) فإن احتج محتج بقوله جل وعلا: ﴿إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومِهِ﴾ (١٣٦) فقال: أرسل إلى الرجال دون النساء (١٣٧) .

стр. 677

قيل له: إرسال الله إياه إلى الرجال والنساء، إلا أنه اكتفى بذكر الرجال من ذكر النساء، لأن الغالب على النساء اتباع الأزواج. فكان ذكرهم يكفي من ذكرهن. وقال أبو عبيدة (١٣٨) : الملأ، بالقصر والهمز: الرؤساء والأشراف. واحتج بقوله ﵎: ﴿أَلَمْ ترَ إلى الملأ من بني إسرائيل﴾ (١٣٩) ، وبالحديث الذي يروى عن النبي: (أنه سمع رجلاً من الأنصار بعد وقعة بدر يقول: إنما قتلنا عجائزَ صُلْعاً. فقال له النبي: أولئك الملأ من قريش، لو احتَضَرْتَ فَعالَهم احتقرتَ فعالَك مع فعالهم) (١٤٠) . وقال كعب بن مالك (١٤١) : (فدونَكَ واعلمْ أنّ نقض عهودِنا ... أباه الملا منا الذين تبايعوا) (أباه البراءُ وابنُ عمروٍ كلاهما ... وأسعدُ يأباه عليكَ ورافعُ) فإنما أوقع " الملأ " على " سادة " وترك همز " الملا " لضرورة الشعر، وحقه الهمز. (١٧١) والملا (١٤٢) ، الذي لا يهمز: المتسع من الأرض، كقول الشاعر: (ألا غنَّياني وارفعا الصوتَ بالملا ... فإنّ الملا عندي يزيدُ المدى بُعدا) (١٤٣) ٦٧٥ - وقولهم: قد شَمَّتُ العاطِسَ (١٤٤) قال أبو بكر: معناه: قد دعوت له، فقلت: يرحمك الله. وفيه لغتان معناهما كلتيهما الدعاء: شمّت العاطس، وسمّته، بالشين والسين، والشين أعلى وأفصح.

стр. 678

جاء في الحديث: (أن النبي عطس عنده رجلان، فشّمت أحدهما ولم يشمّت الآخر، فسُئل عن ذلك فقال: إنّ هذا حمد الله فشمته، وإن هذا لم يحمد الله فلم أشمته) (١٤٥) . ويدل على أن " التشميت " معناه: الدعاء، حديث النبي: (أنه لما أدخل فاطمة على عليِّ، قال لهما، لا تحدثا شيئاً حتى آتيكما. فأتاهما فدعا لهما، وشمَّت عليهما، وانصرف) (١٤٦) . فشمت، معناه كمعنى (١٤٧) " دعا "، إلا أنه نُسق عليه، لخلافة لفظه. ٦٧٦ - وقولهم: هو من بني الأصفر (١٤٨) ١٨٢ / أ / قال أبو بكر: معناه: هو من الروم. وإنما قيل للروم: بنو الأصفر، (١٧٢) لأن حبشيّاً غلب على ناحيتهم في بعض الدهور، فوطىء نساءهم، فولدن اولاداً فيهن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكن صفُراً لُعساً. فنسب الروم إلى الصفر والأصفر لذلك. قال عدي بن زيد (١٤٩) : (أينَ كسرى كسرى الملوكِ أبو ساسانَ ... أمْ أينَ قبلَهُ سابورُ) (وبنو الأصفرِ الكرامُ ملوكُ الرْرُومِ ... لم يبقَ منهم مذكورُ) ٦٧٧ - وقولهم: جاء فلان على رِسْلِهِ (١٥٠) قال أبو بكر: معناه: على استهانة منه بالمجيء. وكذلك: قال كذا وكذا على رِسْلِهِ. ويقال للرجل إذا أكثر الكلام: على رِسْلِك، أي: استهن ببعضه (١٥١) وانتظر.

стр. 679

جاء في الحديث: (أنّ الجَفاء والقسوَة في الفدّادين. إلاّ مَنْ أعطى في نَجْدَتِها ورِسلِها) (١٥٢) . فالفدّادون: المكثرون من الإِبل، الذين يملك الواحد منهم المائتين منها. وكانوا أهل خُيلاء وكبر وعجب، واحدهم: فدَّاد. يُروى في الحديث أيضاً: (أن الأرض إذا دفن فيها الرجل، قالت له: ربما مشيت على فدّاداً ذا مالٍ كثيرٍ وخُيلاء) (١٥٣) . والنجدة: كثرة شحوم الإبل ولحومها. فإذا كثر ذلك فيها، كان نجدة لها، تمتنع به من النحر، لأن ربَّها إذا رآها كذلك، ضَنَّ بها، وداخلته النفاسة [فيه] (١٥٤) والإشفاق فلم ينحرها. قال الشاعر (١٥٥) . (ولا تأخُذ الكومُ الجلادُ رماحَها ... لتوبةَ في صِرِّ الشتاءِ الصَّنابِرِ) أي: لا يُضَنُّ بها إذا كانت شحومها كالرماح في الدفع عنها. وقال النمر بن (١٧٣) تولب (١٥٦) : (أيامَ لم تأخذ إليّ رماحَها ... إبلي لجِلَّتِها ولا أبكارِها) وقال الفرزدق (١٥٧) : (فمكَّنت سيفي من ذواتِ رماحِها ... غِشَاشاً ولم أَحْفَلْ بكاءَ رِعائِيا) والرسل: قلة شحومها ولحومها، وهوانها عليه في ذلك (١٥٨) . فكأنه قال: إلاّ مَنْ أعطى في سمنها وهُزالها، وفي صعوبة الإعطاء وهوانه عليه. (ويقال: الرسل اللبن، أي: إلاّ مَنْ أعطى حقَّ الله منها، في وفور شحومها ولحومها، وكثرة لبنها. ولم يذكر الهزال وقلة اللبن، لأن من أعطى النفيس من ماله، كان أجدر أن يُعطي الحقير، فاكتفى به منه.

стр. 680

وقال الأصمعي (١٥٩) : الغدادون الرجال الذي ترتفع أصواتهم في حروثهم ١٨٢ / ب / وأموالهم ومواشيهم، وما يعالجون منها، وواحدهم: فدّاد. وقال أبو عمرو (١٦٠) هي الفدَادِين، بتخفيف الدال، والنون معربة. يُراد بها البقر التي تحرث، واحدها: فدان فاعلم. قال طرفة (١٦١) : (إذا نحنُ قُلنا أَسْمِعِينا انبَرتْ لنا ... على رِسْلِها مطروفةً لم تَشَدَّدِ) ٦٧٨ - وقولهم: تركته يَتَضَوَّرُ (١٦٢) (١٧٤) قال أبو بكر: معناه: يظهر الضُرَّ الذي قد وقع به، بالتقلقل والاضطراب والصياح. جاء في الحديث: (دخل رسول الله على امرأة يقال لها: أمّ العلاء، عائداً، وهي تضوَّر من شدة الوجع والحمّى، فقال لها: إنَّ الحمى تنقِّي خَبَثَ المؤمن كما تُنقِّي النارُ خَبَثَ الحديد) (١٦٣) . ويتضور: " يتفعّل " من " الضَّوْر "، و " الضور " بمعنى " الضُرّ ". يقال: ضرَّني يضرُّني ضَرَّاً، وضارني يضيرني ضَيْراً، وضارني يضورني ضَوْراً: بمعنىً (١٦٤) . قال الأعشى (١٦٥) : (كناطحٍ صخرةً يوماً لِيَفْلِقَها ... فلم يَضِرْها وأوهي قرنَهُ الوَعِلُ) قال أبو بكر: فهذا من الضَّيْر. وكذلك قراءة مَنْ (١٦٦) قرأ: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يَضِرْكُمْ كيدُهم شيئاً﴾ (١٦٧) .

стр. 681

ويجوز: ﴿لا يَضُركم﴾ (١٦٨) ، بضم الضاد وتسكين الراء، وما نعرف له إماماً. ومَنْ قرأ: " لا يضرُّكم "، ضم الراء، على الإتباع لضمة الضاد. وموضع الفعل جزم، لأنه جواب الجزاء. ويجوز أن تكون في موضع رفع على ن (لا) في موضع ليس، وجواب الجزاء فاء مضمرة، والتقدير: وإنْ تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئاً. قال أبو ذؤيب (١٧٠) : (وقيلَ تَحمَّلْ فوقَ طَوْقِك إنّها ... مُطَبَّعَةٌ من يأْتِها لا يغيرُها) أراد: فليس يضيرها. قال أبو بكر: وقال أبو العباس: التضور: التضعّف، من قولهم: رجل (١٧٥) ضورة: إذا كان ضعيفاً، وامرأة ضورة: كذلك. أخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال (١٧١) : سمعت أعرابياً من بني عامر يقول: أَحَسِبْتَني ضُورةً [لا أَردُّ عن نفسي؟] . ٦٧٩ - وقولهم: هو من الأَبناءِ (١٧٢) قال أبو بكر: قال الفراء: الأبناء قوم آباؤهم من الفرس، وأمهاتهم من اليمن. سموا بالأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم؛ كما قيل: ذُرِّيَّة، لقوم كان آباؤهم من القِبط / وأمهاتهم من بني إسرائيل. فأُلزموا هذا الاسم، لخلاف ١٨٣ / أالأمهات جنس الآباء. قال الله ﵎: ﴿فما آمن لموسى إلاّ ذُرِّيَّةٌ من قومه على خوف من فرعونَ وملائِهِم أنْ يفتِنَهُم﴾ (١٧٣) . فالذرية، كانوا سبعين أهل بيت، أمهاتهم من غير جنس آبائهم.

стр. 682

وإنما قال: وملائهم، فجمع، لأن فرعون كان ملكاً، والملك [إذا] ذُكر، ذهب الوهم إليه وإلى أتباعه. الدليل على هذا قولهم: قد قَدِمَ الخليفة المدينة، فكثر الناس بها، وغلتِ الأسعار. يراد بالخليفة [الخليفة] وأتباعه. ٦٨٠ - وقولهم: هذا سِفاحٌ غيرُ حلالٍ (١٧٤) قال أبو بكر: السفاح، معناه في كلام العرب: الزنا. قال الشاعر: (وما ولدتكمْ حيَّةُ ابنةُ مالكٍ ... سِفاحاً وما كانت أحاديثَ كاذب) (١٧٦) (ولكِنْ نرى أقدامَنا في نِعالِكم ... وآنُفَنا بين اللَّحى والحواجبِ) (١٧٥) وقال الله جل وعلا: ﴿مُحْصَنِينَ غيرَ مُسافِحينَ﴾ (١٧٦) ، أراد: غير مُزانين. وقيل للزنا: سِفاح، لأن سبيل الفاعل له أن يسفح عليه الماء، فجعل كناية عنه. فكان الرجل منهم في الجاهلية يقول للمرأة سافحيني، يريد: زانيني، استقباحاً للتصريح (١٧٧) بالزنا، وتقديراً ان (١٧٨) هذا أحسن. ويمكن أن يكون الزنا سمي سفاحاً، لما يسفحه الرجل من مائه عند الجماع، وتفعل المرأة مثله. ومعنى " السفح " في اللغة: الصبُّ. قال الله : ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ (١٧٩) ، أراد: مصبوباً. قال الشاعر (١٨٠) : (أقولُ ونِضوي واقِفٌ عندَ رِمْسِهَا ... عليك سلامُ اللهِ والعينُ تَسْفَحُ) وشبيه بالسفاح: الشِغار، وهو على مثاله في اللفظ. قال النبي: (لا

стр. 683

جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغارَ في الإسلام) (١٨١) . فالشغار تفسيره: أن الرجل في الجاهلية كان يقول للرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، فلا يكون بينهما مهر سوى هذا. وكذلك: زوجني أختك على أن أزوجك أختي، وزوِّجني المرأة التي أنت وليها على أن أزوجك المرأة التي أنا وليها. فحرَّم رسول الله هذا. وسمي الشغار شغاراً، من قول العرب: قد شَغَرَ الكلب يَشْغَرُ: إذا رفع رجله وبال (١٨٢) . فكنى به عن هذا الجماع (١٨٣) المحرَّم. (١٧٧) والجَلَب (١٨٤) : أن يُسابق الرجل بالفرس، ويتبعه بالجَلَبة والصياح، ليشيطه، فيزداد في الجري. والجَنَب (١٨٥) : أن / يُسابق الرجل على الفرس، ويجنب خلفه فرساً آخر، فإذا ١٨٣ / ب شارف الغاية، استوى على الفرس الآخر، فسبق عليه، لأنه أقل تعباً وكَلالاً. ويكون الجلب: أن يقدم المصدِّق الموضع، فيقيم به، ويوجِّه إلى أهل النواحي فيحضروا أموالهم، من الإبل والبقر والغنم، فيأخذ الصدقة منها. فهذا محظور غير جائز، لأنه يجب عليه أن يمضي هو إلى كل ناحية، فيأخذ الصدقة من الأموال في مواضعها. ٦٨١ - وقولهم: هي طالقٌ (١٨٦) قال أبو بكر: معناه مُرسَلة مُخلاة. من قول العرب: أطْلَقْتُ الناقة فطلقت: إذا كانت مشدودة، فأزلت الشدَّ عنها وخلَّيتها. فشُبِّه ما يقع بالمرأة بذلك، لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب كالشد لها والعقل، فلما طلقها قطع الأسباب. يدل على هذا قولهم: هي في حبال فلان، أي: أسبابها متصلة به.

стр. 684

ويقال: قد طلَقَتِ المرأةُ وطَلُقَت. وقد طَلَقت الناقة وطَلُقَت طَلْقاً عند الولادة. وهي طالق من الطلاق، على غير بناء على الفعل، وهي طالقة، على البناء على: طَلَقَت تطلقُ. قال الأعشى (١٨٧) : (يا جارتي بِيني فإنّكِ طالِقَة ... كذاك أمورُ الناسِ غادٍ وطارقَه) (١٧٨) ٦٨٢ - وقولهم: قد استَلَمَ الحَجَرَ (١٨٨) قال أبو بكر: معناه: قد أخذه، ومسّه بيده. ووزن " استلم ": افتعل، من " السلمة "، والسلمة: الحجر، والصخرة. قال الشاعر (١٨٩) : (ذاك خليلي وذو يُعاتبني ... يرمي ورائي بالسهم وامْسَلِمَه) أراد (١٩٠) : والسَلِمه، فأبدل " الميم " من اللام ". ويقال في جمع " السلمة ": سِلام. قال لبيد (١٩١) : (فمدافِعُ الريانِ عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها) ويكون " استلم ": افتعل، من " المسالمة "، يراد به: أخذ الحجر، وضمه إليه، وفعل به مثل ما يفعل المسالم بمن يسالمه. ويكون " استلم ": استفعل، من " اللأمة "، واللأمة السلاح، يراد به: حصَّن نفسه بمسِّ الحجر وأخذه من عذاب الله، لأن السلاح إنما يُلبس ليُمتنع به من الأعداء، ويُحَصَّنَ به البدن مما لعله يصيبه من السلاح. قال امرؤ القيس (١٩٢) : (إذا ركبوا الخيلَ واستلأموا ... تحرَّقَتِ الأرضُ واليومُ قَرّ) [ف: الولاد] .

стр. 685

والأصل في " استلم " على هذا المعنى الثالث: استلأم، فحوَّلوا فتحة الهمزة إلى اللام / وأسقطوا الهمزة، كما قالوا: خابية، بلا همز، وأصلها: خائبة، لأنها ١٨٤ / أ / ١٧٩ " فاعلة " من " خبأت "، وكما قالوا: النبيّ، بلا همز، وأصله: النبيء بالهمز (١٩٣) ، لأنه من: أنبأ عن الله إنباءً. وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: يقال: استلمت الحجر، واستلأمته (١٩٤) ، بالهمز، وبترك الهمز. (فَمَنْ قال: هو " استفعل " من " اللأمة "، قال: الهمز فيه هو الأصل، وترك الهمز تخفيف واختصار، ومَنْ قال: هو " افتعل " من " السَلِمة " و " المُسالمة "، قال: ترك الهمز هو الصحيح المعروف، والهمز شاذّ قليل، يغلط فيه قوم من العرب، فيلحق بحروف همزوها ولا أصل لها في الهمز. منها قولهم (١٩٥) : لبأْتُ بالحج، والصحيح: لَبَّيت. وكذلك: حلأّت السَوِيق، ورثأت الميت، واستنشأت الريح، الصحيح: استنشيت، وحلّيت، ورثيت. وقرأ (١٩٦) الحسن: ﴿ولا أدراتكم به﴾ ، فله مذهبان: أحدهما: ولا أَدْرأْتُكم، على الغلط في همز ما ليس أصله الهمز، فلُيِّنَت الهمزة، فأُبدلت الألف منها. والمذهب الآخر (١٩٧) : أن يكون الأصل فيه: ولا أدريتكم، فجُعلت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها، على لغة مَنْ يجعل كل ياء ساكنة قبلها فتحة ألفاً، فيقول: السلام علاكم، يريد: عليكم، ويقول في تصغير " دابة ": دُوابة، والأصل: دُوَيْبة.

стр. 686

٦٨٣ - وقولهم: قد صَلَّيْتُ العَصْرَ (١٩٨) قال أبو بكر: معناه: قد صليت صلاة العَشِيّ، وصلاة آخر النهار. يقال للعَشِيّ: عَصْر، وقَصْر. ويقال: القَصر: حين يدنو غروب الشمس. (١٨٠) قال الحارث بن حلزة (١٩٩) : (أنَسَتْ نبأةً وأَفْزَعَها القَنْنَاصُ ... عَصْراً وقد دنا الإِمساءُ) ويروى: قَصْراً. أراد: حسّت النعامة وسمعت صوتاً وحركة. ويقال للغداة والعشي: العصران (٢٠٠) . ويقال (٢٠١) : الليل والنهار. قال الشاعر: (وأَمْطُلُهُ العصرينِ حتى يملّني ... ويرضى بنصف الدَّيْنِ والأنفُ راغِمُ) (٢٠٢) والعصر أيضاً: الدهر (٢٠٣، وفيه لغتان: عُصُرٌ وعَصْرٌ (٢٠٤) ، قال الله جل اسمه: ﴿والعصر إنّ الإنسانَ لفي خُسْرٍ﴾ (٢٠٥) ، أراد بالعصر: الدهر (٢٠٦) . ويُروى عن علي (رض) : (والعصرِ ونوائبِ الدهرِ) (٢٠٧) ، فهذا كشف للمعنى. وقال امرؤ

стр. 687

القيس (٢٠٨) : (ألا انعَمْ صباحاً أيُها الطلل البالي ... وهل ينعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخالي) ويقال في جمع العصر: أعصر، وعصور. قال الطائي: (تذكرت ليلى والشبيبة أعصُراً ... وذكرُ الصبا بَرْحٌ على مَنْ تذكّرا) (٢٠٩) (١٨١) / وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي: ١٨٤ / ب (تَعَفَّفْتُ عنها في العصورِ التي خَلَتْ ... فكيفَ التصابي بعدما كلأَ العُمْرُ) (٢١٠) يريد الخمر: ويقال لصلاة العصر: الصلاة الوسطى. قال النبي يوم الأحزاب: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم ناراً) (٢١١) . ويقال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح، لأنها وسط بين الليل والنهار. ويقال: هي صلاة المغرب لمثل تلك العلة. ويقال: هي صلاة الظهر، لأنها في وسط النهار، وقال الله جل اسمه: ﴿حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى﴾ (٢١٢) ، فقال المفسرون في الصلاة الوسطى الأقوال الأربعة التي قدمناها. وإنما أفرد الله الصلاة الوسطى من الصلوات، وهي داخلة في جملتها، للاختصاص والتفضيل؛ كما أفرد جبريل وميكال من الملائكة فقال: ﴿مَنْ كانَ عدواً لله وملائكتِه ورُسُلِهِ وجبريلَ ومِيكالَ فإن الله عدوٌّ للكافرينَ﴾ (٢١٣) .

стр. 688

٦٨٤ - وقولهم: قد تَشَتَّت القومُ (٢١٤) قال أبو بكر: معناه: قد تفرقوا. من قول العرب: شَتَّان زيدٌ وعمروٌ، يراد بهما. متفرقان. والشتات: التفرق. قال سُدَيف (٢١٥) : (١٨٢) (حضرَ الشرُّ يا أُمَيَّةُ فانعَيْ ... عيشَ دُنياكِ وائذني بالشَّتات) (أنعيمٌ زمانَ جورُكِ يَتْرى ... ونَعِيم زمانَنَا هيهاتِ) وقال امرؤ القيس (٢١٦) : (وللهِ عيناً مَنْ رأى من تَفَرُّقٍ ... أَشَتّ وأنأى من فِراقِ المُحَصَّبَ) ٦٨٥ - وقولهم: ما فيهما حظٌّ لمُختارِ (٢١٧) قال أبو بكر: معناه: كلا الأمرين مذموم، والضرورة تدعو إلى الصبر على أحدهما. وأول من تكلم بهذا الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة. قال جماعة من الرواة: لما طال ترداد امرىء القيس بالجبلين، وأعوزته النصرة، وكان يستنصر الناس على بني أسد، سما إلى قيصر، فمر في طريقه بالسموأل بن عادياء اليهودي (٢١٨) وهو في حصنه الأَبلق الفَرد بتيماء، وأودعه سلاحه وأمتعته، ومضى إلى قيصر فتعرف إليه بالملك والملوك ترافد، واستمده، واستنصره، وكان معه عمرو بن قميئة (٢١٩) .

стр. 689

قال أبو عمرو الشيباني: فأخبرني أبو برزة (٢٢٠) أن امرأ القيس مر في طريقه ببكر بن وائل (٢٢١) ، فضرب / قبابة فيهم، وقال: يا معشر بكر بن وائل، أما فيكم ١٨٥ / أشاعر؟ قالوا: بلى، شيخ من بني قيس بن ثعلبة، فسألهم أن يأتوه به ينشده، فجاءوا به، فاستنشده، فأنشده، فأعجب به، وقال له: اصحبني في طريقي إلى قيصر، فأجابه. فلما صعدا الدرب، وأوغلا في بلاد الروم، بكى عمرو بن قميئة، (١٨٣) فقال امرؤ القيس (٢٢٢) : (بكى صاحبي لما رأى الدرب دونَهُ ... وأيقنَ أنَّا لاحقانِ بقَيْصَرا) (فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنّما ... نُحاولُ ملكاً أو نموتَ فنُغْذَرا) ثم هلك عمرو بن قميئة، فسمعته ربيعة: الضائع. وبلغ الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأكبر، ما خلفه امرؤ القيس عند السموأل بن عادياء من السلاح والمتاع، فوجه إليه رجلاً من أهل بيته، يقال له: الحارث بن مالك، فلما دنا من حصنه أغلقه، فقال له: أعطني سلاح امرىء القيس وودائعه، فقال: لا سبيل إلى ذلك، وكان للسموأل ابن خارج الحصن يتصيد، فلما رجع قال له الحارث: إن أعطيتني ما طلبت وإلا قتلت ابنك، فقال: لا سبيل إلى اعطائك ما تطلب، فاصنع ما أنت صانع. فقتل ابنه. فضربت العرب بالسموأل المثل في الوفاء (٢٢٣) ، فقال أعشى بني قيس (٢٢٤) : (كنْ كالسموألِ إذ سارَ الهُمامُ له ... في جَحْفَلٍ كهزيعِ الليلِ جرّارِ) (بالأبلق الفَرْدِ من تيماءَ منزلُهُ ... حِصْنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدّارِ) (خَيَّرَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فقال له ... مهما تقولن (٢٢٥) فإني سامعٌ حارِ) (فقال ثُكْلٌ وغَدْرٌ أنتَ بينهما ... فاختر وما فيهما حظٌّ لمُختارِ)

стр. 690

(فشكّ غيرَ طويلٍ ثم قالَ له ... اقتلْ أسيرَكَ (٢٢٦) إنِّي مانعٌ جارِي) (١٨٤) وقال الآخر (٢٢٧) : (وفاء السموألِ لا بلْ تزيدُ ... كما يفضُلَنَّ خميسٌ عَشِيرا) وقال الآخر: (فاعتبرْ بابن عادياءَ أخي الحِصْن ... بتيماءَ من سَراةِ يهودِ) (إذ أتاهُ الهُمامُ فابتاعَ منه ... خُفْرَةَ الدهرِ بابنِهِ المودودِ) (فابتنى بالوفاءِ مَكْرُمَةَ الدهرِ ... ولم يرضَ باللَّفَاءِ الزهيدِ) (أيّ عقْدٍ شدَّ السموألُ لو أَخْلَدَ ... حيّاً وفاؤه بالعهود (٢٨٨) ١٨٥ / أ / وصار امرؤ القيس إلى قيصر، فأكرمه ونادمه، ووعده أن يعينه ويمده فقال امرؤ القيس (٢٢٩) في ذلك: (ونادمتُ قيصرَ في ملكِهِ ... فأوجهني ورَكِبْتُ البريدا) (إذا ما ازدحمنا على سِكَّةٍ ... سبقتُ الفُرانِقَ سَبْقاً شديدا) ثم إن قيصر وجه معه جيشاً، فيهم أبناء الملوك من الروم. فبلغ ذلك بني أسد، فراعهم، وأقلقهم، ووجهوا الطماح، وهو منقذ بن طريف الأسدي، إلى قيصر، فوشى بامرىء القيس، وصغر شأنه، وأخبره بعهره. فكتب قيصر إلى امرىء القيس: أني قد وجهت إليك بحلتي التي ألبسها يوم الزينة، ليُعرف بذلك فضل منزلتك عندي، فالبسها على بركة الله، واكتب إلي من كل منزل بخبرك، وما تعزم عليه. ووجه الحلة مع الكتاب، وكانت حلة منسوجة بالذهب، مسمومة. (١٨٥) فلما قرأ امرؤ القيس الكتاب، سره ما تضمن (٢٣٠) ، ولبس الحلة، فأسرع فيه

стр. 691

السم، وسقط جلده، وتنقب لحمه. فالعرب تسميه: ذا القروح. وأنشأ يقول: (تأوَّبني دائي القديمُ فغَلَّسا ... أُحاذِرُ أنْ يزدادَ دائي فأُنْكَسا) (٢٣١) إلى آخر القصيدة. وقال هشام بن الكلبي: الذي أتاه (٢٣٢) بالحلة المسمومة الطمّاح، من بني سُليم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. ثم سار امرؤ القيس على ما به حتى نزل أنقرة، فاشتد وجعه، ومات. فقبره ثَمَّ. وقال المدائني: لما وصل إلى أنقرة، نظر إلى قبر امرأة من بنات الملوك، فسأل عنها، فأُخبر، فأنشأ يقول، وهو آخر ما قال من الشعر: (أجارتنا إنّ المزارَ قريبُ ... وإنِّي مُقيمٌ ما أقامَ عَسِيبُ) (أجارتَنا إنّا غريبانِ ها هُنا ... وكلُّ غريب للغريبِ نسيبُ) (٢٣٣) فأنشد عمر بن الخطاب ﵀ هذين البيتين، فأعجب بهما، وقال: وددت أَنّها عشرة، وأنّ علي بذلك كذا وكذا. ٦٨٦ - وقولهم: زَيْتٌ رِكابيٌّ (٢٣٤) قال أبو بكر: معناه في كلام العرب: المحمول على الرِكاب، وإليها نسب. والركِّاب: الإِبل، واحدتها: راحلة، على غير لفظها، وليس لها واحد من لفظها. (١٨٦) [ف: وتثقب] .

стр. 692

١٨٦ - / أوكذلك: الغَنَم، / والنَّعَم (٢٣٥) ، والشاء (٢٣٦) ، والبقر، والقوم، لا واحد لهؤلاء الجموع من ألفاظهن. والرَّكْب: الركاب، أصحاب الإِبل. يقال لهم (٢٣٧) : رَكْب: إذا كانوا نحو عشرة، وركب في الجمع، كقولهم: طائر وطَيْر، وصاحب وصَحْب، وسافر وسَفْر. أنشدنا أبو العباس: قال: أنشدَنا عبد الله بن شبيب لأبي صخر (٢٣٨) : (ألا أيُّها الرَّكْبُ المُخِبونَ هل لكم ... بساكنِ أجراعِ الحِمَى بَعْدَنا خُبْرُ) وقال متمم (٢٣٩) يرثي أخاه ويصفه: (وإنْ تَلْقَهُ في الشَرْبِ لا تلقَ فاحشاً ... على الكأسِ ذا قاذورةٍ مُتَزَبعا) والأُركوب (٢٤٠) أكثر من الرَّكْب، وجمعه: أراكيب، ولاواحد له من لفظه. والرَّكَبَة أقلُّ من الراكب، وواحدهم: راكب. ومثل رَكَبَة في جمع: راكب، قولهم: كامِل وكَمَلة، وكافِر وكَفَرة، وحافِد وحَفَدة، وهم الخدام. قال الله جل اسمه: ﴿وجعل لكم من أزواجِكم بنينَ وحَفَدَة﴾ (٢٤١) . ٦٨٧ - وقولهم: قد أدّى فلانٌ الزكاةَ (٢٤٢) (١٨٧) قال أبو بكر: الزكاة، معناها في كلام العرب: الزيادة والنماء. فسميت زكاة لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه، وتوفره، وتقيه من الآفات. يقال: زكا المال يزكو زكاء: إذا زاد ونمى (٢٤٣) . ويقال: قد زكت النفقة: إذا زادت. وفلان زكيّ،

стр. 693

معناه: متزايد في الخير. وهذا أزكى من ذاك، أي: أزيد فضلاً منه. وقد زكّى القاضي العدول: إذا بيَّن زيادتهم في الفضل. قال الله جل اسمه: ﴿أقتلت نفساً زَكيّةً بغير نفسٍ﴾ (٢٤٤) ، أراد: زائدة الخير، لم تذنب، ولم تكن منها خطيئة. قال نابغة بني شيبان (٢٤٥) : (وما أَخَّرْتَ من دنياكَ نقصٌ ... وإنْ قدَّمْتَ كانَ لك الزكاءُ) أراد بالزكاء: الزيادة، وهو حرف ممدود، فإذا قُصر، فقيل: زكا، فمعناه: زوجان ذكر وأنثى، أو شيئان مصطحبان، يجريان مجرى الذكر والأنثى. قال الشاعر (٢٤٦) : (إذا نحن في تعدادِ خَصْلِكَ لم نَقُل ... خَسَا وزَكَا أَعْيَيْنَ منا المُعَدَّدا) وقال الآخر (٢٤٧) : (لأَدْنَى خَسَا أو زَكا من سِنيكَ ... إلى أربعٍ فبَقَوْكَ انتظارا) أراد بخسا: فَرْداً، وبزكا: زوجين. وقال الآخر (٢٤٨) : (كانوا خَسَا أو زَكَا من دونِ أربعةٍ ... لم يَخْلَفوا وجدودُ الناسِ تَعْتَلجُ) / وقال الآخر (٢٤٩) : ١٨٦ / ب / ١٨٨ (ومُجَوَّفٍ بَلَقاً ملكتُ عِنانَهُ ... يعدو على خَمْسٍ قوائِمُهُ زَكَا)

стр. 694

٦٨٨ - وقولهم: قد أعتَقْتُ العبدَ (٢٥٠) قال أبو بكر: معناه: قد خلَّيته، وأزلت عنه المِلك الذي كان محبوساً به. من قول العرب: قد عَتَقَت عليَّ يمين، أي: سَبَقَت ومَضَت. ويقال: قد عتق فرخ القطاة: إذا طار فذهب. وقد عَتَق الفرس: إذا سبق. قال أعرابي في كلام له: هذا أوان عتقت الشقراء، أي: سبقت [ومضت] (٢٥١) . ويقال: أعتقت العبد، فعتق هو. وقول الله جل اسمه: ﴿وليَطَّوَّفوا بالبيت العتيق﴾ (٢٥٢) ، في تفسير " العتيق " أقوال (٢٥٣) : أحدهن: أن الله أعتق البيت من الجبابرة، فلم يقصده جبَّارٌ إلاّ قصمه وأهلكه. فهذا يوافق معنى: أعتقت العبد فهو مُعْتَقٌ، وعَتِيق. ويقال: إنما وصف بيت الله بأنه عتيق، لأن الله أعتقه من الغرق في زمان الطوفان، فغرقت الأرض كلها، ورفعه إلى السماء، وألزم الملائكة حجه في السماء، كما كان يحج في الأرض. فهذا القول يشبه اشتقاقه اشتقاق الأول. وقال آخرون: إنما قيل لبيت الله عتيق، لأنه أقدم مساجد الأرض وأعتقها، قال الله جل اسمه: ﴿إنّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ للذي ببَكَّةَ مباركاً﴾ (٢٥٤) ، أراد: إن أول مسجد وضع للناس بيت الله ببكة. (١٨٩) وقال آخرون: قيل لبيت الله: عتيق، لكرمه. من قول العرب: حسب عتيق: إذا كان كَريماً. وكذلك: فرس عتيق. أنشد الفراء (٢٥٥) : (أما واللهِ أن لو كنتَ حرّاً ... وما بالحرِّ أنتَ ولا العتيقِ)

стр. 695

وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي: (وما استخبأت من رجل خَبيئاً ... كدينِ الصِّدْقِ أو حسبٍ عتيقِ) (٢٥٦) ٦٨٩ - وقولهم: (قد قِيلَ ذلكَ إنْ حقّاً وإنْ كَذِباً ... فما اعتذارُكَ من شيءٍ إذا قِيلا) (٢٥٧) قال أبو بكر: معناه: قد قيل ما لزمك عيبه عند بعض السامعين له، فمتى اعتذرت، لم تمح ما استقر في نفوسهم (٢٥٨) . وأول من قال هذا، وتمثل به، النعمان بن المنذر يخاطب به الربيع بن زياد العبسي. وكان أبو براء (٢٥٩) ، وهو عامر بن مالك بن جعفر مُلاعب الأسنة، وإنما سمي ملاعب الأسنة، لقول الشاعر (٢٦٠) في أخيه طفيل بن مالك: / ١٨٧ / أ (فِراراً وأسلمتَ ابنَ أُمِّكَ عامِراً ... يُلاعبُ أطرافَ الوشيجِ المُزَعْزَعِ) وفد في رهط من بني جعفر على النعمان بن المنذر، ومعهم لبيد بن ربيعة (٢٦١) ، وهو يومئذ غلام. فوجدوا عند النعمان الربيع بن زياد العبسي - وكانت أمه فاطمة ابنة الخُرْشُب الأنمارية من [بني] (٢٦٢) أنمار بن بغيض، وهي أم الكَمَلَة: عمارة (١٩٠) الوهاب، وأنس الفوارس، وقيس الحفاظ، والربيع الكامل - مع تاجر من تجار الشام، يقال له: سرجون بن توفيل، وكان له حريفاً (٢٦٢) يبايعه، وكان أديباً، حسن الحديث والمنادمة، فاستخفه النعمان، فكان إذا أراد أن يخلو على شرابه، بعث إليه، وإلى النطاسي، متطبب كان له، وإلى الربيع. وكان الربيع من ندمائه.

стр. 696

فلما قدم الجعفريون على النعمان، كانوا يحضرون مجلسه لحوائجهم، فإذا خرجوا من عنده، وخلا به الربيع، طعن عليهم، وذكر معايرهم (٢٦٣) ، فصده عنهم. وإنهم دخلوا يوماً على النعمان، فرأوا منه جفاء وتغيراً، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدم مجلسهم، فانصرفوا من عنده غضاباً - ولبيد متخلف في رحالهم، يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم في كل صباح فيرعاها - فجعلوا يتذاكرون ما يلقون من الربيع، فجاءهم لبيد، فألفاهم يتذاكرون ذلك، فسألهم عما هم فيه، فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعاً، ولا أسرح لكم بعيراً، أو تخبروني بالذي كنتم في ذكره - وكانت أم لبيد امرأة من عبس، يتيمة في حجر الربيع - فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك، وصد بوجهه عنا. فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه، فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا: وهل عندك من ذلك شيء؟ قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة - لبقلة بين أيديهم دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى: التربة - فقال: (هذه التّربة التي لا تُذكي ناراً، ولا تُؤْهِل داراً، ولا تسرُّ جاراً. عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل. أقبح البقول مرعىً، وأقصرها فَرْعاً، (١٩١) وأشدها قَلْعاً. فالقوا بي أخا بني عَبْسٍ، أرده عنكم بتَعْسٍ، وأدعه من أمره في لَبْسٍ) (٢٦٤) . قالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال لهم عامر: انظروا غلامكم، فإن رأيتموه نائماً، فليس أمره بشيء، إنما يتكلم بما جاء على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً، فهو صاحبه. فرمقوه بأبصارهم، فرأوه قد ركب رحلاً، وتكدم واسطه، حتى ١٨٧ / ب أصبح. فقالوا له: / أنت صاحبه، وعمدوا إليه، فحلقوا رأسه، وأبقوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة (٢٦٥) ، ودخلوا على النعمان وهو يتغدى، والربيع يأكل معه، وليس يأكل معه سواه، والدار والمجالس مملوءة بالوفود. فلما فرغ أذن للجعفريين، وقد كان أمرهم [قد] تقارب. فذكروا ما قصدوا له من حاجتهم، فاعترض الربيع

стр. 697

عليهم، فأخذ لبيد (٢٦٦) يرتجز ويقول: (يا رُبَّ هيجا هي خيرٌ من دَعَهْ ... ) (أكلَّ يومِ هامتي مُقَزَّعَهْ ... ) (لا تمنع الفتيان من حسن الرِّعَهْ ... ) (نحنُ بني أمِّ البنين الأَربعَهْ ... ) أم البنين بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة، ولدت لمالك ابن جعفر: عامراً مُلاعبَ الأسنة، وطُفيلا فارس قُرْزُل (٢٦٧) ، وربيعة ربيع المقترين وهو أبو لبيد، ومعاوية معوّد الحكماء، وعبيدة الوضاح وهو (٢٦٨) صَدقٌ وبرٌّ - وكان يجب أن يقول: نحن بني أم البنين الخمسة، فاضطره الشعر إلى " الأربعة "، ونصب " بني أم البنين " على المدح لنحن. (ونحنُ خيرُ عامر بنِ صَعْصَعَهْ ... ) (المُطعمونَ الجَفْنَةَ المُدَعْدَعَهْ ... ) (والضاربونَ الهامَ وَسْطَ الخَيْضَعَهْ ... ) (١٩٢) الخيضعة صوت القتال والسلاح، وكذلك الغَمْغَمة. [والمدعدعة المملوءة حتى تطفح ويسيل بعضها] . (مهلاً أبيتَ اللعنَ لا تأكلْ مَعَهْ ... ) (إنّ استهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ ... ) (وإنّهُ يُدخِلُ فيها إصبَعَهْ ... ) (يُدْخِلُها حتى يُواري أَشْجَعَهْ ... ) (كأنَّه يطلبُ شيئاً ضَيَّعَهْ ... ) (٢٦٩) " الأشجع " واحد " الأشاجع "، والأشاجع: أصول العظام المتصلة بالأصابع من الراحة. ويقال: الأشاجع: عروق ظاهر الكف.

стр. 698

فلما سمع النعمان الشعر نظر إلى الربيع شزراً، وقال: أكذاك أنت؟ فقال: لا والله، لقد كذب ابن الحمِق اللئيم، فقال النعمان: أُفٍّ لهذا الطعام، لقد خبثت على طعامي. فقال الربيع: أبيتَ اللعنَ، أما إني قد فعلتُ بأُمِّهِ، فقال لبيد: هو لهذا الكلام (٢٧٠) أهلٌ، وهي من نسوة غير فُعُل، ومثلُهُ فعلَ بيتيمةٍ في حجره. فغضب الربيع، وغضبت لغضبه بنو فُقيم، ونهشل، وضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن (٢٧١) بن نهشل، وكان أبرصَ، وكانت بنو كلاب قد أسروه فمنوا عليه، فقال لبيد (٢٧٢) يرجز (٢٧٣) بضمرة: ١٨٨ / أ (/ يا ضَمْرَ يا عبدَ بني كلابِ ... ) (يا أيرَ كلبٍ عَلِقٍ ببابي ... ) (تمكو استُهُ من حَذَرِ الغُرابِ ... ) (يا وَرَلاً أُلقي في سَرابِ ... ) (أكانَ هذا أولَ الثوابِ ... ) (لا يَعْلَقَنكُم ظفري ونابي ... ) (إنِّي إذا عاقبتُ ذو عقابِ ... ) (بصارمٍ مُذَكَّرِ الذُّبابِ ... ) ثم خرج الجعفريون، ومعهم لبيد، من عند النعمان، وخرج الربيع من عنده أيضاً، فبعث إليه النمان بضعف (٢٧٤) ما كان يحبوه به، وقال: الحق بأهلك. فكتب إليه: قد علمت أنه قد وَقَر في نفسك (٢٧٥) شيء مما قال لبيد، فلست برائم حتى تبعث إلي مَنْ يجردني، فيعلم من حضر أن الأمر ليس كما قال لبيد، فبعث إليه النعمان: لست صانعاً بانتفائك مما قال لبيد شيئاً، ولا رادّاً ما زَلّت به الألسن،

стр. 699

فالحق بأهلك. فلحق بأهله، وكتب إلى النعمان: (لئِنْ رحلتُ جمالي إنّ لي سَعَةً ... لا مثلُها سَعَةٌ عَرْضاً ولا طُولا) (بحيث لو وُزِنَتْ لَخْمٌ بأجمعِها ... ما وازَنَتْ ريشةً من ريشِ سَمْويلا) لخم: قبيلة النعمان. وسمويل: طائر، ويقال: سمويل بلدة كثيرة الطير. (ترعى الروائمُ أحرارَ البقولِ بها ... لا مثلَ رعيكُمُ ملحاً وغسْويلا) الروائم: العواطف على أولادهن. والغسويل: نبت في السِّباخ (٢٧٦) . (فابرقْ بأرضِكَ بعدي واخْلُ متكِئاً ... مع النّطاسي طوراً وابنِ تَوْفيلا) (٢٧٧) فأجابه النعمان (٢٧٨) (شرِّدْ برحلك عني حيثُ شئتَ ولا ... تُكثر عليَّ ودعْ عنكَ الأباطيلا) (فقد ذُكِرْتَ به والركبُ حامِلُهُ ... ما جاورَ الغِيلَ أهلُ الشام والنيلا) (١٩٤) (فما انتفاؤك منه بعدما جَزَعَتْ ... هُوجُ المطيِّ به أبراقَ شَمليلا) جزعت: قطعت، وشمليل موضع (٢٧٩) . (قد قيلَ ذلكَ إنْ حقّاً وإنْ كذِباً ... فما عتذارُكَ من شيءٍ إذا قيلا) (فالحقْ بحيثُ رأيتَ الأرضَ واسعةً ... فانشر بها الطرفَ إنْ عرضاً وإن طولاً) وقال لبيد (٢٨٠) يرجز بالربيع: (ربيعٌ لا يَسُقكَ نحوي سائقٌ ... ) (فتُطلَب الأذحالُ والحنائقٌ ... ) (/ ويعلمُ المُعيا به والسابقُ ... ) ١٨٨ / ب (ما أنت إنْ ضُمَّ عليكَ المأْزقُ ... )

стр. 700

المأزق: الضيق، والمكان الشديد الضيق. (إلاّ لشيءٍ عاقَهُ العوائِقُ ... ) (إنّكَ حاسٍ حُسوةً فذائِقُ ... ) (لا بُدَّ أنْ يُغْمَزَ منك الفائِقُ) (غمزاً ترى أنك منه ذَارِقُ) الفائق (٢٨١) : عظم في مؤخرة الرأس. والذارق: المُلقي أَذَى بطنِهِ. ٦٩٠ - وقولهم: نارُ الحُباحِب (٢٨٢) قال أبو بكر: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: كان الحباحب من أحياء العرب، وكان رجلاً بخيلاً، فكان لا يوقد ناراً بليل، كراهية ان يراها راء، (١٩٥) فينتفع بضوئها. فإذا احتاج إلى إيقادها فأوقدها، ثم بصر بمستضيء بها، أطفأها. فضربت العرب بناره المثل، وذكروها عند كل نار لا ينتفع بها. (وقال غيره: نار الحباحب: هي النار التي توريها الخيل بسنابكها من الحجارة إذا وطئتها وقدحتها. وقال آخرون: الحباحب طائر يطير بين المغرب والعشاء، أحمر الريش، يخيل إلى الناظر إليه أن في جناحيه ناراً. قال الله جل اسمه: ﴿والعاديات ضَبْحاً فالمُورياتِ قَدْحاً﴾ (٢٨٣) ، أراد بالموريات: الخيل التي توري النار بسناكبها. وقال النابغة (٢٨٤) يذكر السيوف: (تجذُّ السلوقي المضاعفَ نَسْجُهُ ... ويُوقِدْنَ بالصُّفاحِ نارَ الحُباحِبِ)

стр. 701

٦٩١ - وقولهم: نَدِمَ ندامةَ الكُسَعِيّ (٢٨٥) قال أبو بكر: قال بعض الرواة: الكسعي رجل من أهل اليمن. وقال آخرون: الكسعي من بني سعد بن ذيبان. وقال آخرون: الكسعي رجل من بني كسع، ثم أحد بني محارب، يقال له: غامد بن الحارث، كان يرعى إبلاً له بواد كثير العشب والخَمْط (٢٨٦) ، فبينا هو يرعاها، بصر بنبعة في صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه النبعة قوساً، فجعل يتعهدها ويقومها في كل يوم، حتى إذا استوت وأدركت، قطعها، وحفَفَّها، واتخذ منها قوساً، وأنشأ يقول: (يا ربِّ وفقني لنحتِ قَوْسي ... ) (فإنّها من لَذَّتي لنفسي ... ) (/ وانْفع بقوسي ولدي وعِرسي ... ) ١٨٩ / أ / ١٩٦ (انحتُها صفراءَ مثل الوَرْسِ ... ) (صلداءَ ليست بقسِيِّ النُكْسِ ... ) (٢٨٧) ثم خطمها بوتر، واتخذ من بُرايتها خمسة أسهم، وأنشأ يقول: (هنَّ وربي أسهمٌ حِسانُ ... ) (يَلَذُّ للرامي بها البَنانُ ... ) (كأنما قوَّمها ميزانُ ... ) (فأبشروا بالخِصْبِ يا صبيانُ ... ) (إن لم يَعُقْني الشُّؤْمُ والحِرمانُ ... ) ثم أتى قُتْرَةً (٢٨٨) على مواردِ حمير (٢٨٩) ، فمرَّ به قطيع منها، وهو كامن في القترة،

стр. 702

فرمى عَيْراً منها بسهم فأصابه، وأَمْخَطَه السهم، أي: نفذ منه، فصار إلى الجبل، فأورى فيه ناراً، فظن أنه أخطأ ولم يصب، فأنشأ يقول: (أعوذُ باللهِ العزيزِ الرحمنْ ... ) (من نَكَدِ الجَدِّ معاً والحِرمانْ ... ) (مالي رأيتُ السهمَ بين الصَّوَّانْ ... ) (يُوري شراراً مثلَ لونِ العِقْيانْ ... ) (فأَخْلَفَ اليومَ رجاءَ الصبيانْ ... ) ثم مرَّ به قطيع آخر منها، فرمى عيراً منه بسهم، فأصابه، ونفذ السهم منه إلى الجبل، وصنع مثل صنيعه (٢٩٠) الأول، وأنشأ يقول: (لا بارك الرحمن في رمي القُتَرْ ... ) (أعوذُ بالرحمن من شرِّ القَدَرْ ... ) (أنمخطَ السهمُ لإِرهاقِ الضَّرَرْ ... ) (أم ذاكَ من سوءِ احتيالِ ونَظَرْ ... ) (٢٩١) ثم مرَّ به قطيع آخر، فرمى عَيْراً منه بسهم، فأصابه، ونفذ السهم منه إلى (١٩٧) الجبل، وصنع صنيعة (٢٩٢) الأول، وأنشأ يقول: (يا أسفا والشؤمُ للجَدِّ النَّكِدْ ... ) (أخلفَ ما أرجو لأهلٍ وَولَدْ ... ) ثم مرَّ به قطيع آخر، فرمى عَيْراً منه بسهم، فأصابه، وصنع مثل صنيعه الأول، وأنشأ يقول:

стр. 703

(ما بالُ سهمي يُوقِدُ الحُباحِبا ... ) (قد كنتُ أرجو أنْ يكونَ صائِبا ... ) (وأمكنَ العَيْرُ وأبدى جانِبا ... ) (فصارَ رأيي فيه رَأْياً خائِبا ... ) ثم مرَّ به قطيع آخر، فرمى عَيْراً منه بسهم، فأصابه، وصنع مثل صنيعه الأول، فأنشأ يقول: (/ أبعد خَمْسٍ قد حفظتُ عدَّها ... ) ١٨٩ / ب (أحملُ قوسي وأريد رَدَّها ... ) (أخزى الإِلهُ لِينَها وشدَّها ... ) (واللهِ لا تسلُم مني بعدَها ... ) (ولا أُرَجَّي ما حَييتُ رِفْدَها ... ) ثم أخذ القوسَ، فضرب بها حجراً، فكسرها، ثم بات. فلمّا أصبح، نظر فإذا الحُمرُ مُطَرَّحة حوله مُصرَعَّة (٢٩٣) ، وأسهمه بالدماء مُضَرَّجَة، فأسف، وندم على كسره القوس، وقطع إبهامه، وأنشأ يقول: (نَدِمْتُ ندامةً لو أنّ نفسي ... تُطاوعني إذاً لقطعتُ خَمْسي) (تبيَّنَ لي سَفَاهُ الرأيِ مني ... لَعَمْرُ أبيك حينَ كسرتُ قوسي) وضربت العرب بندامة الكسعي المثل. فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن خلف ابن خليفة البصري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو عبيدة قال: حدثني أبو (١٩٨) شفقل (٢٩٤) راوية الفرزدق قال: أنشدني الفرزدق (٢٩٥) لما بانت منه النوار امرأته:

стр. 704

(ندمتُ ندامة الكُسعي لمّا ... غدَتْ مني مُطلّقةً نوارُ) (فما فارقْتُها شبعا ولكن ... رأيتُ الدهر آخذ ما يُعارُ) (فكنت كفاقىء عَيْنَيْه عمْداً ... فأصبحَ ما يُضيءُ له النهارُ) (وكانت جنّتي فخرجتُ منها ... كآدم حين أخرجه الضّرارُ) (فلا يُوفي بحبِّ نوارَ عندي ... ولا كلفي بها إلاّ انتحارُ) (ولو أَنّي ملكتُ يدي وقلبي ... لكانَ عليَّ للقدرِ الخيارُ) ٦٩٢ - وقولهم: سَبَقَ السيفُ العَذَل (٢٩٦) قال أبو بكر: معناه: قد فرط من الفعل وسبق ما لا سبيل إلى الرجوع عنه. وأول من قال هذا، وتمثل به، ضبَّة بن أُدّ. أخبرني أبي ﵀ قال: حدثنا (٢٩٧) أبو بكر العبدي محمد بن عبد الله ابن آدم وأحمد بن عبيد قالا: حدثنا ابن الأعرابي قال: قال المفضل بن محمد (٢٩٨) : إن ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر كان له ابنان، يقال لأحدهما: سعدٌ، وللآخر: سُعيْد، ابنا ضبة (٢٩٩) . وإنّ إِبلَ ضبّة نفرت تحت الليل. فخرجا ١٩٠ / أيطلبانها، فلحقها سعد، فجاء بها. / وأما سعيد، فذهب فلم يرجع. فكان ضبة (١٩٩) بعد ذلك، إذا رأى سواداً تحت الليل مقبلاً، يقول: أسعْدٌ أم سُعيدٌ. فذهب قوله مثلا (٣٠٠) . قال أبو عبد الله بن الأعرابي: يضرب عند الرجل تسأله عن حاله، او تراه أقبل من حاجة فتقول: أَنجحٌ أمْ خيْبةٌ، أَخيْرٌ عندك أم شَرٌّ. ثم أتى على ذلك ما شاء الله أن يأتي، لا يرجع سعيد، ولا يعلم له خبر. ثم إنّ ضَبَّة، بعد ذلك، بينما هو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحرم، وهما

стр. 705

يتحادثان، إذ مرّا على سَرْحَة بمكان، فقال الحارث: أترى هذا المكان، فإني لقيت فيه شاباً من صفته كذا وكذا، فقتلته - ووصف صفة سعيد - وأخذت برداً كان عليه، من صفة البرد كذا وكذا - ووصف صفة البرد - وسيفاً كان عليه، فقال له ضبة: فما صفة السيف؟ قال: ها هو ذا علي. فقال: أرنيه، فأراه إياه، فعرفه ضبة، وقال: إنّ الحديث لذو شجون، ثم ضربه به فقتله. فذهب قوله: (إنّ الحديثَ لذو شجون) مثلاً (٣٠١) . فمعناه إن الحديث لذو شعب وتفرق، كشجون الوادي، وهي طرقه، واحدها: شجن. قال أبو بكر (٣٠٢) : قال لي أبي: وقال لي العبدي: ثم استعملوا " الشجن " في الحاجة والحب. فصار القائل يقول: بمكان كذا وكذا شجن، يريد: حباً وحاجة (٣٠٣) . وأنشدني أبي ﵀ قال: أنشدني العبدي: (إنّي سأُبدي لك فيما أُبدي ... ) (لي شجَنانِ شَجَنٌ بنَجْدِ ... ) (وشَجَنٌ لي ببلاد السندِ ... ) (٣٠٤) قال أبو عبد الله (٣٠٥) بن الأعرابي: إنَّ (الحديث لذو شجون) يضرب مثلاً (٢٠٠) للرجل (٣٠٦) يكون في أمر، ثم يرى أمراً فيشغله عنه. [قال] (٣٠٧) : فلام الناس ضبة، وقالوا: قتلت (٣٠٨) رجلاً في الشهر الحرام! فقال سَبَقَ السيفُ العَذَلَ. فأرسلها مثلاً. يضرب عند الرجل يأتي أمراً قد كان
следующие страницы →