← Гариб и словари

Гариб и словари · id 5644

الزاهر في معاني كلمات الناس

ابن الأنباري

Полный текст (915 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقال ابن قتيبة (٢٨٢) : معنى الحديث: لقي الله مجذوماً. ورد على أبي عبيد (٢٨٣) قوله، وقال: اليد ليس لها ذنب في نسيان القرآن، وإنما يعاقب ناسي القرآن بالجذام، لأن القرآن كان يدفع عن جميع جسده العاهات، فلما نسيه أصابه الداء الذي يفسد جميع جسده، لتكون العقوبة على حسب الذنب، كما عوقب اللسان بالقطع، وكما عوقب الخطباء المذمومون بتقريض الشفاه في النار، وغير هذا مما يطول تعديده. وقول أبي عبيد هو الصواب عندي، وقول ابن قتيبة خطأ من ثلاثة أوجه: أحدهن الحديث الذي فسر فيه الأجذم الذي ليست له يد، وقد تقدم ذكره. والحجة الثانية: أن لعقاب لو كان لا يقع إلا بالجارحة التي باشرت المعصية، لم يعاقب الزاني بالنار في الآخرة، وبالجلد والرجم في الدنيا. لأنه إذا جُلِدَ ظهره كان غير العضو الذي باشر المعصية، وكذلك إذا أحرقت النار يديه ورجليه، (٣٠٣) أحرقتهن وهن غير مباشرات للزنا، ومثل هذا كثير. والحجة الثالثة: قول النبي: (يحشر الناس يوم القيامة بُهْماً) (٢٨٤) . أي: يحشرون أصحاء الأجسام لخلود الأبد، إمّا في الجنة وإمّا في النار، ليست بهم عاهة من عمىً ولا جُذام ولا بَرَص. هذا تفسير أبي عبيد (٢٨٥) . وقد اعترف ابن قتيبة بصحته. فمن علم أن الناس يحشرون أصحاء من العاهات، كيف يخبر أن ناسي القرآن يحشر مجذوماً، والجذام من أعظم العاهات؟ فإذا احتج علينا بأن انقطاع اليد عاهة، احتججنا عليه بأنّ " اليد " يُراد بها: الحُجَّة، أي: بلقاء الله تعالى أقطع الحجة، ويده في ذاتها صحيحة. والعرب تسمي " الحجة " في المجاز " يداً "، فتقول: الصحيح اليد، ويقول الرجل لمخاطبه: ٢٢٠ / أقطعت يدي ورجلي، / أي: ذهبت بحجتي وما أعول عليه. ومنه قولهم: مالي بهذا

стр. 807

يد، ويدان، أي: مالي به تمسك وثبات، قال عروة بن حزام (٢٨٦) : (تحمَّلتُ زفراتِ الضُحى فأطقتُها ... وما لي بزفراتِ العَشّيِّ يدانِ)

стр. 808

٧٧٣ - وقولهم: رجل أَجْنَبِيٌّ (١) (٣٠٤) قال أبو بكر: معناه: غريب، ليست بينه وبين المذكور قرابة. يقال: رجل جُنُبٌ، وجانب، وأجنبي: إذا كانت هذه صفته. ويقال: ما يزورنا فلان إلا عن جنابة، يراد: عن بعد. وكذلك قيل للغريب: أجنبي، لبعده عن وطنه: قال الله : ﴿فبَصُرَتْ به عن جُنُبٍ﴾ (٢) ، أراد: عن بعد. وقال : ﴿والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُب والصاحبِ بالجَنْبِ وابنِ السبيلِ﴾ (٣) ، فأراد بالجنب ما وصفناه. والصاحب بالجَنب: في تَفسيره قولانَ: أحدهما: الرفيق في السفر، والآخر: المرأة. وابن السبيل: الضعيف (٤) . وقال الشاعر: (ما كانَ يشقى بهذا غير مُغْتربٍ ... حادٍ ولا الجارُ ذو القُربى ولا الجُنُبُ) (٥) وقال الآخر: (ما ضَرّها لو غدا بحاجتِنا ... غادٍ قريبٌ أو زائرٌ جُنُبُ) (٦) وقال الآخر (٧) : (أتيتُ حُرَيْثاً زائراً عن جنابةٍ ... فكانَ حُرَيْثٌ عن عطائي جامِدا) ٧٧٤ - وقولهم: هم في غمراتِ الموتِ (٨) قال أبو بكر: قال اللغويون: سميت الغمرات غمرات، لأنّ أهوالَها

стр. 809

يغمرن (٩) من يقعن به، من ذلك قولهم: دخل في غِمار الناس (١٠) ، أي: في كثرتهم (٣٠٥) وسترهم. وواحد " الغمرات ": غَمْرة، وفتحت " الميم " في الجمع، لأن سبيل " فَعْلَة " إذا كانت اسماً، أنْ تُجمع بالتحريك، كقولهم: نَخْلَة ونَخَلات، وضَرْبة وضرَبَات. ومن الغمرات قولهم: قد غمر الماء اللبن: إذا غلب عليه، وستر أكثر صورته. ويقال في جمع الغمرة أيضاً: غِمار. ويجوز أن يقال: غَمْرات الموت، على لغة مَنْ يقول: نخلة ونَخْلات، وضَرْبة وضَرْبات. أنشد الفراء: (علَّ صروفَ الدهرِ أو دُوْلاتِها ... ) يُدلننا اللمَّةَ مِن لمّاتها ... ) (فتستريحَ النفسُ من زَفْراتِها ... ) (١١) [قال أبو بكر: علّ معناه: لعل. قال الأضبط بن قريع (١٢) : (ولا تعادِ الفقيرَ علَّكَ أنْ ... تركعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ) أراد: لعلّك. وتركع معناه: تخضع، سمي الراكع راكعاً، لخضوعه لله ] (١٣) . ٧٧٥ - / وقولهم: قد نَصَرْتُ فلاناً (١٤) ٢٢٠ / ب قال أبو بكر: معناه: قد نَفَعْتُه، وأوصلت إليه خيراً، كاني أَحْيَيْتُهُ به. يقال: قد نَصَرَ المطرُ أرضَ بني فلان: إذا جادَها، وعمَّها، وأحياها.

стр. 810

(٣٠٦) أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا الطوسي للراعي (١٥) : (إذا انسلخ الشهرُ الحرامُ فودِّعي ... بلادَ تميمٍ وانصُري أرضَ عامِرِ) [أراد] : أحييها بسقيك إياها. ويقال: قد نصرت الرجل: إذا وصلته بمال وأَغنيته. [قال أبو عبيدة (١٦) ] : وقف أعرابي يسأل الناس فقال: مَنْ ينصرني نَصَرَه الله. يريد: مَنْ يُصِرْ إليّ بعضَ مالِهِ. وفَسَّر قولَ الله : ﴿مَنْ كانَ يظُنُّ أن لن ينصرَهُ الله في الدنيا والآخرة﴾ (١٧) على هذا المعنى، فقال: تقديره مَنْ كان يظن أن لن يرزقه الله، وأن لن يتفضل عليه، فليصنع هذا الذي ذكره الله . فجعل " الهاء " عائدة على " مَنْ ". وقال الفراء: (١٨) " الهاء " تعود على محمد، ومعناها: مَنْ كانَ يظن أنْ لن ينصر الله محمداً بإظهار الدين والغلبة، فليفعل هذا الذي ذكره، فلينظر أَيَذْهَبُ غيظُه أمْ لا؟ ٧٧٦ - وقولهم: قد وَقَعْتُ في حبالِ فُلانٍ (١٩) قال أبو بكر: معناه: قد وقعت فيما يعلقني به، ويضطرُّني إلى الكينونة في ناحيته. والحبل توقعه العرب على السبب، وما يوصل الرجل بالرجل، تشبيهاً بالحبل المعروف. قال الله : ﴿واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تَفَرَّقوا﴾ (٢٠) ، أراد: بعهده، وما يصلكم به. وقال : ﴿ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقفوا

стр. 811

إلاّ بحبلٍ من الله﴾ (٢١) ، أراد: إلا أن يعتصموا بعهد من الله. فأضمر الفعل، (٣٠٧) وأقام " الحبل " مقام " العهد ". وقال الشاعر: (فلو حبلاً تناول من سُلَيْم ... لَمَدَّ بحبلِها حبلاً متينا) (٢٢) أراد بالحبل: العهد. وقال الآخر: (٢٣) (وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قبيلةٍ ... أَخّذَتْ من الأُخرى إليكَ حِبالَها) أراد بالحبال: العهود، و " السبب " المذكور في القرآن هو " الحبل "، سماه الله " سبباً "، لأنه يُوصل مَنْ تَمّسَّك به إلى الأمر الذي يَؤمُّهُ. وكذلك: الأسباب المعروفة / هي وُصلات وأسباب تَصِلُ شيئاً بشيء. ٢٢١ / أ يقال: فلانٌ سببُ فلان، يراد به: مُوصِلُه، وعاقدُ الأمر بينه وبينه. قال الله عز ذكره: ﴿وتَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ﴾ (٢٤) ، فمعناه: الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا، وتنعقِدُ المودّات بينهم من أجلها. ٧٧٧ - وقولهم: رجلٌ واشٍ (٢٥) قال أبو بكر: في الواشي ثلاثة أقوال: أحدهن أنَّهُ سُمي: واشياً، لاستخراجه الأخبار، وتوصُّله إلى معرفتها وإشاعتها. من قول العرب: فلان يستوشي الخبر: إذا كان يستخرجه. قال الشاعر: (٢٦) (يُوشُونهُنَّ إذا ما آنسوا فَزَعاً ... تحت السَّنَوَّر بالأعقاب والجذَم) (٣٠٨)

стр. 812

أراد: يستخرجون ما عندهن من الجري بالأعقاب والجذم. وقال الآخر: (وصهباء يستوشي بذي اللُبِّ ميلُها ... قرعتُ بها نفسي إذا الديكُ أعتما) (تَمزّزتُها صِرْفاً وقارعتُ دنَّها ... بعود أراكٍ هزّهُ فترنَّما) (٢٧) الصهباء، عني (٢٨) بها الخمر التي عُصِرت من عنب أبيض. ويوشي (٢٩) يستخرج. قال جندل بن الراعي: (٣٠) (جُنادِفٌ لاحِقٌ بالرأس مَنْكِبُهُ ... كأنَّهُ كَوْدَنٌ يُوشَى بكُلاَّبِ) أي: يستخرج ما عنده من الجري. والقول الثاني: أن " الواشي " سمي: واشياً، لتحسسه الأخبار، وتجويده ما ينقل من الألفاظ والكلام. من قولهم: ثوب مُوَشَّى: إذا كان مُحَسَّناً بما فيه من النقوش وغيرها. وإنما سُمي الوشي من الثياب وَشْياً، لهذه العلة. والقول الثالث: أن " الواشي " سُمي: واشياً، لأنه يجعل نفسه علامة للوصف بالقبيح. فأخذه من: وشيت الثوب: إذا جعلته علامة بما أصنعه فيه. قال الله : (لا شِيَةَ فيها) (٣١) ، معناه: لا علامة فيها، ولا لون يخالف لون سائر جلدها. وقال النابغة (٣٢) : (من وحش وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أكارعُهُ ... طاوي المصير كَسَيْفِ الصيْقَلِ الفَرِدِ) أراد بالموشي: المُعْلَم بما فيه من الألوان المختلفة. (٣٠٩) ويقال: قد وشى يشي وشياً: إذا نمَّ، فهو واشٍ، من قوم وشاة، وواشين. قال كثير (٣٣) :

стр. 813

(فيا عَزَّ إنْ واشٍ وشابي عندكم ... فلا تُكْرميه أنْ تقولي له مَهْلا) (كما لو وشى واشٍ بعَزَّةَ عندنا ... لقُلنا تَزَحْزَح لا قريباً ولا سَهْلا) / وقال النابغة (٣٤) : ٢٢١ / ب (حلفتُ فلم أَتْرُكْ لنفسِكَ ريبةً ... وليسَ وراءَ اللهِ للمرءِ مَذْهَبُ) (لَئِنْ كنتَ قد بُلَّغْتَ عني خيانةً ... لمُبْلِغُكَ الواشي أَغَشُّ وأَكْذَبُ) وقال الآخر (٣٥) : (إنّ الوشاة كثيرٌ إنْ أَطَعْتَهُمُ ... لا يرقبونَ بنا إلاًّ ولا ذِمَمَا) وقال الآخر: (لقد فَرَّقَ الواشونَ بيني وبينَها ... فقَرَّتْ بذاكَ الوصلِ عيني وعَيْنُها (٣٦) ٧٧٨ - وقولهم: قد استكانَ الرجلُ (٣٧) قال أبو بكر: معناه: قد خضع وذل، قال الله : ﴿فما استكانوا لربِّهمْ وما يتضرَّعونَ﴾ (٣٨) . وقال الشاعر (٣٩) : (لا أستكينُ إذا ما أَزْمَةٌ أَزَمَتْ ... ولن تراني بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ) قال أبو بكر: وفي اشتقاقه قولان (٤٠) : أحدهما: أنه " استفعلوا "، من " كان يكونُ "، أصله: استكونوا، فحُوِّلت فتحة " الواو " إلى " الكاف " وجُعلت " الواو " " ألفاً "، لانفتاح ما قبلها، وتحركها في (٣١٠) الأصل، كما قالوا: استقام، وأصله: استقوم. والقول الآخر: أن " استكان " " افتعل " من " السكون "، لأن من صفة

стр. 814

الخاضع تقليل الكلام. فكان أصل الحرف على هذا الجواب: استكن الرجل، فوصلت فتحة الكاف بالألف، لأن العرب ربما وصلت الضمة بالواو، والفتحة بالألف، والكسرة بالياء. فمن وصلهم الضمة بالواو، ما أنشدنا أبو العباس عن سلمة بن الفراء: (لو أنَّ عَمْراً همَّ أنْ يرقُودا ... ) (فانهض فشُدَّ المِئزَرَ المعقودا ... ) (٤١) أراد: أنْ يَرْقُدَ، فوصل ضمة القاف بالواو. وأنشدنا أبي ﵀ قال: أنشدنا الرستمي: (الله يعلمُ أنّا في تلفُّتِنا ... يومَ الفراقِ إلى إخوانِنا صُورُ) (وأَنَّني حيثما يثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فأَنْظُورُ) (٤٢) أراد: فأنظر، فوصل الضمة بالواو. وأنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا الرستمي: (لا عهد لي بنيْضالْ ... ) (أصبحتُ كالشَنَّ البالْ ... ) (٤٣) ٢٢٢ / أ / أراد: بنضال، فوصل كسر النون بالياء. وقال الآخر: (قلتُ وقد جرَّت على الكلكالِ ... ) (يا ناقتي ما جُلْتِ من مجالِ ... ) (٤٤) [أراد: على الكَلْكَل، فوصل فتحة الكاف بالأف] . وأنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا الرستمي: (٣١١) (كأني بفتخاءَ الجناحينِ لقوةٍ ... على عجلٍ مني أطأطِىء شيمالي) (٤٥)

стр. 815

أراد: شمالي، فوصل الكسرة بالياء. وقال عنترة (٤٦) : (ينباعُ من ذِفْرى غضوبٍ جسْرةٍ ... زيّافةٍ مثل الفنيقِ المُكْدمِ) أراد: ينبع، فوصل فتحة الباء بالألف. هذا قول أكثر أهل اللغة. ووزن " ينباع " على هذا " يفعل ". وقال لي أبي ﵀ قال لي أحمد بن عبيد: " ينباع ": " ينفعل " من: باع يبوع: إذا جرى جرياً ليِّناً، وتثّنى وتلوّى. قال: وإنّما يصف الشاعر عِرْقَ الناقة، وأنه يتلوى من هذا الموضع. فأصله: ينبوع. فصارت الوالو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها. ٧٧٩ - وقولهم: فلانٌ يَتَبَجَّحُ (٤٧) بكذا وكذا قال أبو بكر: معناه: يتعظم ويترفع. وهو " يتفعَّل " من " بَجَحَ ". وبَجَحَت نفسُه. إذا عظُمت وارتفعت. وفي حديث أمّ زرع (٤٨) : (أن المرأة الحادية عشرة قالت: زوجي أبو زَرْع، فما أبو زرع! أَناسَ من حُليٍّ أُذُنّي، وملأ من شحم عضُدَيّ، وبجَّحني فبَجَحَتْ إليّ نفسي) . أي: عظّمني ورفع من قدري فعظمت عندي نفسي، قال الشاعر: (٤٩) (٤٥) لامرىء القيس، ديوانه ٣٨ وفيه: صيود من العقبان طأطأت شملال. ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والفتخاء: اللينة الجناحين، واللقوة: السريعة من العقبان، والشملال: السريعة. وانظر شرح القصائد السبع ٣٣٢.

стр. 816

(٣١٢) (وما الفقرُ من أرض العشيرةِ ساقَنا ... إليكَ ولكنّا بقُرباكَ نَبْجَحُ) أي: نفخرُ ونتعظَّمُ. ٧٨٠ - وقولهم: رجل أَوْقَصُ (٥٠) قال أبو بكر: الأوقص: القصير العنق، المائلها، الذي كأن عنقه كُسِرَت بتقصيرها عن أعناق الناس، أُخِذَ من " الوَقص "، وهو الكسر. من ذلك قولهم: قد وقص فلان: إذا سقط عن دابته، فاندقت عنقه. ومنه حديث رسول الله: (أن رجلاً كان واقفاً معه فوقَصَتْ به ناقته في لخاقيق جِرذان فماتَ) (٥١) . ومنه حديث علي (رض) : (أنّه قضى في القارِصَةِ والقامِصَةِ والواقِصَةِ بالدية أثلاثاً) (٥٢) . وفسّر أنّهُنَّ ثلاثُ جوارٍ كُنّ يلعبن، فركبت واحدةٌ منهن واحدةً، فقرصت الثالثةُ المركوبةَ فقمصت، فسقطت الراكبة، فاندقت عنقُها، فماتت. فجعل (٥٣) ٢٢٢ / ب الدِية أثلاثاُ: ثُلثاً على المركوبة، وثلثاً على القارصة، وأسقط / ثلُثَ الراكبة، لأنّها أعانت على نفسها بركوبها. وقال ابن مقبل (٥٤) يذكر ناقة: (فبعثتُها تَقِصُ المقاصِرَ بعدما ... كَرَبَتْ حياةُ النارِ للمُتَنَوِّرِ) " المقاصر " من: قصر العشي. وقال أبو عبيد (٥٥) : هو من اختلاط الليل وظلمته.

стр. 817

٧٨١ - وقولهم: لا أراني اللهُ بِكَ غِيَراً (٥٦) (٣١٣) قال أبو بكر: " الغِيَر " من: تغيُّر الحال، وهو اسم واحد بمنزلة: النِطَع والعِنَب وما أشبههما. ويجوز أن يكون جمعاً، واحدته: غيرة. قال بعض بني كنانة: (فمَنْ يشكرِ الله يلقَ المزيدَ ... ومَنْ يكفرِ اللهِ يَلْقَ الغِيَرْ) (٥٧) ويقال للدية: غير، لأنها تغير من القود إلى الرضا بها، فسميت غيراً لذلك. ومن ذلك الحديث الذي يُروى: (أن رجلاً قُتِلَ له حميمٌ، فطالب بالقَود، فقال له رسول الله: ألا تقبل الغِيَرَ؟) (٥٨) . ومن ذلك حديث عمر وعبد الله [بن مسعود] : (أن امرأةً قُتِلَتْ، فعفا بعضُ أوليائها، وأقام بعضهم عل المطالبة بالقَوَد. فأراد عمر أن يقيدَ مَنْ لم يعفُ، فقال له عبد الله: لو غَيَّرْتَ بالدية، كان في ذلك وفاء لِمَنْ [لم] يعفُ، وكنتَ قد أَتْمَمْتَ للعافي عَفْوَهُ. فقال عمر: كُنَيْفٌ مُلئَ عِلماً) (٥٩) . فالكنيف تصغير " الكنف "، وهو الوعاء. وهذا التصغير معناه التعظيم، كما قال لبيد (٦٠) : (وكلُّ أناسٍ سوفَ تدخلُ بينهم ... دُوَيْهِيَهٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ) فصغّر الداهية تعظيماً (٦١) لها. وقال أبو محمد الفقعسي (٦٢) : (يا جُملُ أسقاكِ البُرَيْقُ الوامِضُ ... ) (والدِّيَمُ الغاديةُ الفضافِضُ ... ) فصغر البرق على جهة التعظيم له. وقال الآخر (٦٣) حجة لأن (٦٤) الغِير: الدية: (٣١٤)

стр. 818

(لَنَجْدَعَنَّ بأيدينا أنوفَكُمُ ... بني أُمَيْمَة إنْ لم تقبلوا الغِيَرا) أراد بالغِيَر: الدِية. قال الكسائي (٦٥) : " الغِيَر " اسم واحد مذكّر، وجمعه: أَغْيار. وقال أبو عمرو (٦٦) : " الغِيَر " جمع: غِيرة. ٧٨٢ - وقولهم: قد استعمل النُورَةَ (٦٧) قال أبو بكر: النورة سميت: نورة، لأنها تنير الجسد وتُبّيِّضُهُ. وهي مأخوذة من " النور ". وكذلك نَوْر النبات، سمي: نوراً، لبياضه وحسنه. وسميت المَنَارة (٦٨) : مَنَارة، لأنها آلةُ ما يضيء وينير من السراج. قال لبيد (٦٩) يصف بقرة بيضاء: ٢٢٣ / أ (/ وتُضِيءُ في وجهِ الظلامِ منيرةً ... كجمانةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نظامُها) الجمانة: اللؤلؤة. وقوله: سُل نظامُها، معناه: انسلّت من خيطها، وسقطت من بين اللؤلؤ، فكان ذلك أبين لضوئها. وقال طرفة (٧٠) : (وتَبْسِمُ عن أَلْمى كأَنَّ مُنَوِّراً ... تخلَّل حُرَّ الرملِ دِعْصٌ له نَدِي) أراد بالمنور: النبات الذي قد ظهر نَوْره. ونَوْرُهُ، ونوارُهُ. زهره الأبيض منه.

стр. 819

٧٨٣ - وقولهم امرأة أَرْمَلَةٌ (٧١) (٣١٥) قال أبو بكر: الأرملة: التي مات زوجها. سميت أرملة، لذهاب زادها، وفقدها كاسبها، ومن كان عيشها صالحاً به. من قول العرب: قد أرمل الرجل: إذا ذهب زاده. وكذلك: أقتر وأنفض، وأقوى. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي لابن محكان (٧٢) : (ومرملو الزادِ مَعْنيٌّ بحاجَتِهِم ... مَنْ كانَ يرهبُ ذمّاً أو يقي حَسَبا) وفي حديث أم معبد (٧٣) : (أن رسول الله وأصحابه طلبوا منها لحماً وخبزاً ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم مُرَمِلينَ مُشتين) (٧٤) . فالمرملون: قد مضى تفسيرهم، والمشتون: الداخلون في الشتاء، والشتاء عند العرب: وقت الجَدَبِ. قال الشاعر (٧٥) : (إذا نَزَلَ الشتاءُ بجارِ قومٍ ... تجنَّبَ جار بيتِهِم الشتاءُ) أي: مجاورهم يأمن الجدب، لكرمهم وإفضالهم عليه. ولا يقال للرجل إذا ماتت امرأته: أرمل، إلاّ في شذوذ وقلة من الكلام؛ لأن الرجل لا يذهب زاده بموت امرأته، إذا لم تكن قَيِّمة عليه، وهو قَيِّمٌ عليها، تلزمه عيلولتها، ومؤونتها، والإنفاق عليها، ولا يلزمها شيء من ذلك. وقال ابن قتيبة: إذا قال الرجل: قد أوصيت بمالي للأرامل، وأوصي بمالي للأرامل، أُعطي منه الرجال الذين مات أزواجهم، والنساء اللاتي مات أزواجهن؛ لأنه يقال: رجل أرمل، وامرأة أرملة. (٣١٦)

стр. 820

وقال: حدثنا إسحاق بن راهويه (٧٦) قال: حدثنا وكيع (٧٧) عن سفيان (٧٨) عن طلحة الأعلم (٧٩) عن الشعبي في رجل أوصى بماله للأرامل من بني حنيفة، قال: (يعطى منه مَنْ خَرَجَ من كَمرِة حنيفة) (٨٠) قال إسحاق: وأنشدنا غير وكيع: ٢٢٣ / ب (/ هذي الأرامل قد قَضَّيْتَ حاجتَها ... فمَنْ لحاجِة هذا الأَرملِ الذكرِ) (٨١) وأنشد ابن قتيبة: (أُحبُّ أنْ اصطادَ ضَبّاً سَحْبلا) (رعى الربيعَ والشتاءَ أرملا ... ) (٨٢) قال: تمناه أرمل، لأنه إذا سفد قلّ شحمه، وإذا لم تكن له أنثى، ولم يسفِد، كثر شحمه. وقال: قال الرقاشي: قيل لأعرابي: تمن، فقال: ضّبٌّ أعورُ عِنِّين في أرضٍ كَلْدَةٍ. فتمناه أعورَ لِقِلَّةِ تَلَفُّتِهِ، وتمنّاه عنِيناً لكثرة شحمه. [قال أبو بكر] (٨٣) : وقول ابن قتيبة (٨٤) في هذا غير صحيح؛ لأن الرجل لا يوصف بأرمل إلا في الشذوذ، وحمل هذا الكلام على الأعرف والأشهر أولى. وقد (٣١٧) نقض ابن قتيبة هذا على نفسه فقال: لو قال رجل: أوصي بمالي للجواري من بني فلان، لم يُعْطَ الغلمان منه شيئاً، كذلك لو قال: أوصي بمالي للغلمان من بني فلان، لم يُعْطَ الجواري منه شيئاً، وإنْ كانت الجارية يقال لها: غُلامة، لأن قولهم للجارية: غُلامة، شاذٌّ ولا يحمل الكلام على الشذوذ.

стр. 821

قال أبو بكر: فشذوذ " الأرامل " في وصف الرجل كشذوذ " الغلامة " في وصف الجارية بها. وقد سمع في " الغلامة " من الأبيات أكثر مما سمع في " الأرامل ". وكذلك لو قال: أوصي بمالي للكهول من بني فلان، لم يعط النساء منه شيئاً، وإن كانت المرأة يقال لها: كهلة، لشذوذ هذا القول. وكذلك لو قال: أوصي بمالي للشيوخ منهم، لم يُعْطَ العجائز منه شيئاً، وإن كانت العجوز يقال لها: شيخة، لأن هذا القول قليل، والأشهر والأعرف سواه (٨٥) . قال الشاعر: (فَلَمْ أَرَ عاماً كان أكثرَ هالِكاً ... ووجه غلامٍ يُشْتَرى وغُلامَه) (٨٦) وقال الآخر: (٨٧) (وتضحكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيّةٌ ... كأنْ لم تَرَى قبلي أسيراً يمانيا) وأما البيت الذي أنشده ابن قتيبة فلا حجة له فيه، لأنه أراد بالأرمل: الذاهب الزاد، الفقير، أي: فمن لحاجة هذا الفقير الذكر. ولا حجة له أيضاً في البيت الآخر، لأن الأرمل ليس من صفة الضَبّ، إنما هو من صفة الشتاء، معناه: رعى الربيع والشتاء الأرمل، أي: المذهب أزواد الناس، / فلما أسقط الألف واللام منه، نصبه على القطع من الشتاء، لتنكيره ٢٢٤ / أوتعريف الشتاء.

стр. 822

(٣١٨) ٧٨٤ - وقولهم: إنْ فعلتَ ما أريدُ فبها ونِعْمَتْ، إلاّ فاستعمل رأيَكَ قال أبو بكر: معنى قولهم: فبها، فبالوثيقة أخذت، فكنى عن الوثيقة، ولم يتقدم لها ذكر، لوضوح معناها. قال الله : ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (٨٨) أراد: حتى توارت الشمس، فكنى عنها، ولم يتقدم ذكرها. وقال النبي لعلي (رض) : (إنّ لكَ بيتاً في الجنة وإنّكَ لذو قَرْنَيْها) (٨٩) . أراد: ذو قرني هذا الأمة، فكنى عن " الأمة " من غير ذكر تقدم لها. ومعنى الحديث: أن علياً (رض) ضُرب على رأسه في الله ضربةً بعد ضربةِ، الأولى منهما ضربة عمرو بن وُدٍّ، والثانية ضربة ابن ملجم، كما ضُربَ ذو القرنين على رأسه ضربة بعد ضربة. ويقال: معناه: وأنك ذو قَرْنَى الجنة، أي: جانبيها. وقال طرفة (٩٠) : (على مثلِها أمضي إذا قالَ صاحبي ... ألا ليتني أَفَدِيكَ منها وأَفْتَدِي) أراد: من هذه الفلاة. فكنى عنها من غير ذكر تقدم لها. وقولهم: ونعمت، معناه: ونعمت الخصلة هي. والتاء في " نعمت "، كالتاء في " قامت " و " قعدت "، ولا يُوقف عليها، ولا تُكتب بالهاء، ومَنْ فعل ذلك لزمه [أنْ] يعربها في الوصل، ويقول: ونعمةٌ، كما يعرب " النِعمة " من " النِعَم ". وحدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري (٩١) قال: (٣١٩) حدثنا شعبة (٩٢) عن قتادة عن الحسن عن سمرة (٩٣) قال: قال رسول الله (مَن تَوَضَّأ يومَ الجمعةِ فبها ونعمت، ومَنْ اغتسل فالغُسل أفضلُ) (٩٤) .

стр. 823

فمعنى الحديث: من توضأ يوم الجمعة فبالرُّخْصِة أخذ، ونعمت الخَصلة هي. وبعض الناس يقول: و " نعمت " على معنى الدعاء، أي: نَعَّمَكَ اللهُ. ٧٨٥ - وقولهم: ما مَنَعَ فلانٌ الذِّمارَ (٩٥) قال أبو بكر: معناه في كلام: ما يلزم الإنسان أن يحميه. وقال أحمد بن عبيد: إنما سُمي ذِماراً، لأن الإنسان يذمرُ نفسَه، أي: يحضُّها على القيام به. يقال: ذمرت الرجل أذمره: إذا حرَّضته. ويقال للشجاع: ذِمْرٌ، وللجميع: أَذْمار. قال عمرو بن كلثوم (٩٦) : (ونُوجَدُ نحنُ أمنعهم ذِماراً ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا) وقال عنترة (٩٧) : (/ لما رأيتُ القومَ أقبلَ جَمْعُهُم ... يتذامرون كررتُ غيرَ مُذَمَّم) ٢٢٤ / ب أي: يخصّ بعضهم بعضا. وقال الفرزدق (٩٨) : (فجرّ المخزياتِ على كليبٍ ... جريرٌ ثُمَّ ما مَنَع الذِّمارا) ٧٨٦ - وقولهم: قد أَخَذَ منه أَرْشَ الثوب (٩٩) . قال أبو بكر: الأرش الذي يأخذه الرجل من البائع، إذا وقف على عيب في (٣٢٠) الثوب، لم يكن البائع وقفه عليه، سُمي: أرشاً، لأنه سبب من أسباب الخصومة والقتال والتنازع، فسُمي باسم الشيء الذي هو سببه. يقال: فلان يُؤرّش بين القوم: إذا كان يوقع بينهم الشر والفساد. ويقال:

стр. 824

يا هذا، لا تؤرِّش بين صديقيك (١٠٠) ، يراد به: لا تفسدّنَّ بينهما. والعرب قد تسمي الشيء باسم الشيء، إذا كان من سببه. من ذلك: المُزابنة في البيع: [هو] (١٠١) أن يشتري الرجل ثمرة نخلته بتمر. فسمي: مزابنة، لأن المشتري إذا صرم النخلة، فقصّر ثمرها عما كان قدَّره، شارَّ البائع، وخاصمه، ونازعه. ولذلك نهى رسول الله عنها، لما فيها من البلاء، ولأنها غرر، يشتري الرجل منها ما لا يدي ما هو. وهي مما يكال ويوزن، والمَكيل والموزن إذا اشتريا بمثلهما من جنسهما، لم يكن الثمر إلاّ مِثْلا بمثل ويداً بيد. وإذا اشترى التمر بالتمر، فقد اشترى ما لا يعرف حقيقة كيله، ومبلغ وزنه. واشتقاق " المزابنة " من قول العرب: الناقة تزبنُ الحالبَ، أي: تضربه برجلها. و " الزبانية " سموا: زبانية، لأنهم يعملون بأيديهم وأرجلهم. وقد نهى رسول الله عن المزابنة، والمحاقلة، والملامسة، والمنابذة (١٠٢) . فالمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، والزرع في سُنْبله. والحَقْل هو القراح عند أهل الشام وغيرهم. ويقال له أيضاً: الحَقْلَة، أو لقطعة (١٠٣) منه، ويقال في مثل: لا يُنْبتُ البقْلَةَ إلاّ الحَقْلَة (١٠٤) ويقال: احقل لي. أي: ازرع لي. ويقال: المحاقلة: اكتراء الأرض بالحنطة. ويقال: المحاقلة: اكتراء الأرض بالنصف والربع وأقلّ وأكثر. (٣٢١) والمنابذة: أن يقول الرجل للرجل: إذا نبذت إليك الثوب، فقد وجب البيع، من قبل أن تنظر إليه، وتدري ما هو. ويقال: المنابذة: أن يقول الرجل للرجل: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع. والملامسة: أن يقول الرجل للرجل: إذا لمستَ الثوب، من قبل أن تنشره ٢٢٥ / أوتعرفه، / فقد وجب البيع.

стр. 825

ويقال: الملامسة: أن يقول الرجل للرجل: إذا لمست ثوبي، أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع. والمخابرة: المزارعة بالثلث والربع وأقل وأكثر. سميت: مخابرة، لأن النبي دفع خيبر إلى أهلها، بعد أنْ ظَفِرَ بهم، بالنصف. ثم عصوا الله تعالى، ونكثوا، فحظرَ ذلك بنهيه عن المخابرة، ثم جازت قبلُ وبعدُ. ويقال: " المخابر " مأخوذ من " الخبير " والخبير: الأكّار. والمواكرة: المزارعة أيضاً، بالنصف والربع وأكثر وأقل، والأكّار: هو الذي يزارع، وهو " فعّال " من " المواكرة ". والمخاضرة: بيع التمر وهو أخضر، لم يصفَرّ، ولم يحمرّ. وجاءت هذه الحروف كلها على " مفاعلة " لأنها من اثنين، يشترك فيها فاعلان، فجرت مجرى المُضاربة، والمُشاتمة، والمُقابلة. ٧٨٧ - وقولهم: قد تلألأ وجهُ فلانٍ (١٠٥) قال أبو بكر: معناه: قد حَسُنَ وأضاء، فأشبه بشدة اضاءته اللؤلؤ. و" تلألأ ": تَفَعْلَلَ من " اللؤلؤ ". قال الله : ﴿الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرِّيّ﴾ (١٠٦) . فقال أصحاب هذه القراءة: " الدُّرِّيّ " منسوب إلى " الدُّّر "، شبه الله الزجاجة، في صفائها وإضاءتها، بالدُّرّ. وقال الذين قرأوا: ﴿دريءُ﴾ ، بالهمز: هو من قول العرب: قد درأ الكوكب: إذا جرى في أفق السماء، والعرب تسمي الذي يصنع اللؤلؤ: لآلأ، (٣٢٢) ويجوز: لأآء، بهمزة في آخر الحرف. قال عبيد الله بن قيس الرقيات (١٠٧) :

стр. 826

(حبذا الحَجُّ والثريا ومَنْ بالخَيْفِ ... من أَجلِها ومُلقى الرِّحالِ) (يا سُليمان إنْ تلاقِ الثريا ... تَلْقَ عيشَ الخلودِ قبلَ الهلالِ) (دُرّةٌ من عقائلِ البحرِ بِكْرٌ ... لم تَنَلْها مثاقِبُ اللآل) (تعقدُ المِئزَرَ السُخامَ من الخزْزِ ... على حقْوِ بادنٍ مكسالِ) ٧٨٨ - وقولهم: قد شَمِطَ الرجلُ، وفي رأسِهِ شَمَطٌ (١٠٨) قال أبو بكر: " الشمط " معناه في كلام العرب: اختلاط البياض بالسواد. ويقال لليل إذا خالطه بياض الصبح: شَميطٌ. ويقال للقَتِّ إذا خُلط بن التبن: شَميطٌ أيضاً. قال طُفيل (١٠٩) : (شميطُ الذُّنابي جُوِّفَتْ وهي جَوْنَةٌ ... بنُقْبَةِ دِيباجٍ ورَيْطٍ مُقَطَّعِ) ٢٢٥ / ب / وقال الآخر: (فإني على ما كنتَ تعهدُ بينَنَا ... وليدَيْنِ حتى أنتَ أَشمطُ عانِسُ) (١١٠) وأنشدنا أبو العباس عن سلمة بن الفراء: (إمّا تَرَيْ شَمَطاً في الرأس لاحَ بِه ... من بعدِ أسودَ داجي اللونِ فَيْنانِ) (فقد أروعُ قلوبَ الغانياتِ به ... حتى يملنَ بأجياد وأَعْيانِ) (١١١) وإذا كان السواد والبياض نصفين، أو شبيهاً بهما، قيل: قد أَخلَسَ الشعر (٣٢٣) فهو مُخْلس. قال الشاعر: (والرأس قد صار خَلِيسَيْن اثنين ... ) (من البياضِ والسوادِ نِصْفَيْن ... ) (١١٢)

стр. 827

وقال الآخر: (لمّا رأتْ شيبَ قذالي عِيسا ... ) (وحاجتيّ أعقبا خَلِيسا ... ) (قَلَتْ وصالي واصطَفَتْ إبليسا ... ) (وصامَتِ الاثنين والخَميسا ... ) (١١٣) أي: صامت هذين اليومين كراهية لقربى منها. وقال المّرار (١١٤) : (أَعَلاقةً أُمَّ الوُلَيِّدِ بعدما ... أفنانُ رأسكَ كالثُّغامِ المُخْلسِ) " الثغام " جمع: ثغامة، و " الثغامة " في قول أبي عبيد: شجرة لها نَوْرٌ أبيض، يُشَبَّهُ به الشيء. وقال غيره: الثغامة: شجرة تَبْيَضُّ إذا أصابها المحل، ويسوَدُّ بعضها، فتوصف بالإِخلاس لذلك. وإذا غلب البياض على السواد فهو أغثم. قال الشاعر (١١٥) : (إمَّا تَرَيْ شيباً علاني أَغْثَمُهْ) (لَهْزَمَ خَدَّيَّ به مُلَهْزِمُهْ) ٧٨٩ - وقولهم: فُلانة سُرِّيَّةُ فُلان (١١٦) قال أبو بكر: في الاعتلال لتسميتهم السرِّيَّةُ: سرية، قولان: أحدهما: أنّها سُميت بذلك، لاتخاذ صاحبها إيّاها للنكاح. وهي " فُعْلَّيةٌ " من " السِرّ " والسِرُّ عند العرب: الجماع. قال الله : ﴿ولكنْ لا تُواعِدوهنَّ سِرّاً﴾ (١١٧) ، فمعناه: جماعاً. وقال امرؤ القيس (١١٨) :

стр. 828

(٣٢٤) (ألا زَعَمَتْ بسباسَةُ اليومَ أنني ... كبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِن السِرَّ أمثالي) وقال الأعشى (١١٩) : (فلن يطلبوا سِرَّها للغِنى ... ولَنْ يُسْلموها لأَزهادِها) ٢٢٦ / أ / خَبَّر عنهم أنّهم لا يطلبون نكاحها ليستغنوا بمالها، ولا ينصرفون عنه لفقرها. وإنما سُمي النكاح سِرّاً، لأنه يُخْفَى، ويُغَيَّبُ، ويُسْتَرُ عن الناس، فشُبِّه بالسِرّ من القول. ورُبَّما سَمَّتِ العرب الزنا سِرّاً، قال الشاعر (١٢٠) : (ويحرُمُ سِرُّ جارتهِم عليِهِم ... ويأكلُ جارُهُم أُنُفَ القِصاعِ) أراد بالسر: الزنا. وقال العجاج (١٢١) : (إني امرؤٌ عن جارتي كَفِيُّ ... ) (عن الأذى إنَّ الأذى مَقْلِيُّ ... ) (وعن تَبَغَّي سِرِّها غَنِيُّ ... ) (عفٌّ فلا لاصٍ ولا مَلْصِيُّ ... ) اللاصي: القاذف، والملصي: المقذوف. يقال: لصيتُ الرجل: إذا قذفته، وافتريت عليه. وقال رؤبة (١٢٢) : (فعَفَّ عن أسرارِها بعد العَسَقْ ... ) (ولم يضعها بينَ فِرْكٍ وعَشَقْ ... ) أراد بالأسرار: الزنا. والقول الآخر: أنها سُميت " سُرِّيَّة " لسرورِ صاحبها بها، وهي " فُعْلِّيَّة " من " السُّر ". أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: السر عند العرب هو السرور بعينه.

стр. 829

وقال بعضهم: يجوز أن تكون " السرية ": فُعُّولة من " السرور "، وأصلها: سُرُّورة، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث راءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، وأبدلوا من الواو ياء، وأدغموها في الياء التي بعدها، فصارتا ياء مشددة، وكسروا ما قبل الياء لتصحّ. (٣٢٥) ويقال: سُرِّيَّة، وسِرِّيَّة، بالضم والكسر، وفي الجمع: سراري، وسرارٍ، بتثقيل الياء وتخفيفها. فمن ثقّلها أثبتها في الخط؛ ومن خففها حذفها، لسكونها، وسكون التنوين في الرفع والخفض. فأما باب النصب فإنها ثابتة فيه من الخط على اللغتين كلتيهما، كقولهم: رأيت سراريَ فلان، وسراري. وكذلك مع الألف واللام، تثبت في المذهبين جميعاً، كقولهم: رأيت السراري، وقام السراري، ومررت بالسراري. ومثلهن: القَماري، والدّناسي، والذَّراري، والأماني. ٧٩٠ - وقولهم: قد عدا فلان مِلءَ فروجِهِ (١٢٣) قال أبو بكر: أخبرني أبي ﵀ عن أحمد بن عبيد قال: قال أبو زيد الأنصاري: العرب تقول: جرت الدابة ملءٌ فروجُها وفروجها: ما بين قوائمها. فالفروج رفع بِملء. ويقال في المذكر: جرى الفرس مِلءَ فروجه، وهي ما بين قوائمه، أي: من شدة / إسراعه في الجري امتلأ ما بين قوائمه ٢٢٦ / أبالغبار والتراب. والعرب تسمي ما بين القوائم: خواء، وكذلك يسمون كل فرجة بين شيئين. أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا الطوسي لبشر بن أبي خازم (١٢٤) في صفة فرس:

стр. 830

(نَسوفٍ للحِزام بِمِرْفَقَيْها ... يَسُدُّ خواءَ طُبْيَيْها الغبارُ) يعني أن الفرس من شدة إسراعها، يرتفع الغبار فيسد ما بين طبييها. ويقال: قد (٣٢٦) خوى البعير: إذا تجافى عن الأرض في بَرْكِهِ. قال العجاج (١٢٥) : (خوَّى على مستوياتٍ خَمْسِ ... ) (كِرْكِرَةٍ وثَفِناتٍ مُلْسِ ... ) ويروى عن البراء (١٢٦) أنّه سُئل عن صلاة رسول الله (١٢٧) فرفع عجيزته وخوَّى. فمعناه: أنه تجافى عن الأرض. والعجيزة أصلها للمرأة، ثم تستعمل للرجل بمعنى " العجُز ". ويُروى عن البراء انه قال: (كان رسول الله إذا سجد جخَّى بمرفقيه عن جَنْبَيْهِ) (١٢٨) . فمعنى جخَّى. تقوَّس وتفتّح. أنشدنا أبو شُعَيْب قال: أنشدنا يعقوب بن السِّكَّيت: (لا خَيْرَ في الشيخِ إذا ما اجْلَخّا ... ) (وسالَ غَرْبُ عيْنهِ وجخَّا ... ) (١٢٩) وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي: (لا خيرَ في الشيخَ إذا ما اجَلَخَّا ... ) (وسالَ غَرْبُ عينهِ ولَخَّا ... ) (وكان أكلاً قاعداً وشَخَّا ... ) (تحتَ رواقِ البيتِ يخشى الدُخّا ... ) (وانثنت الرجلُ فصارتْ فخَّا ... ) (وعادَ وصلُ الغانياتِ أَخّا ... ) (١٣٠)

стр. 831

" اجلخ " معناه سقط، فلا ينبعث، ولا يتحرك. و " لخا " معناه كمعنى " سال "، و " الدخ " هو الدخان، وفيه لغتان: دُخّ، ودَخّ. وقوله: وعاد وصل الغانيات أخا، معناه: أفَّ وتُفَّ. ٧٩١ - وقولهم: لا سَمِعَتْ أُذنُ فُلان الرَّعْدَ (١٣١) قال أبو بكر: قال اللغويون: الرعد: صوت السحاب، والبرق: ضوء ونور يكونان مع السحاب، ورُبَّما كانا أمارةً للمطر. وقال أبو عبيدة (١٣٢) : (٣٢٧) العرب تقول: (جونٌ هَزِيمٌ رَعْدُهُ أَجَشُّ ... ) يريدون بالجون: السحاب الأسود، والأجش: الذي فيه بَحَّةٌ وجُشَّةٌ. قال الشاعر: (ولا زالَ من نَوْءِ السماكِ عليكما ... أَجَشَّ هزيمٌ دائمُ الوَكَفانِ) (١٣٣) / وقال ابن عباس (١٣٤) : " الرعد " اسم مَلَك. ٢٢٧ / أ واحتج بعض أهل اللغة لأن الرعد: صوت السحاب، بقول الله عز ذكره: ﴿ويُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِهِ والملائكةُ من خِيفَتِهِ﴾ (١٣٥) ، قال: فذكره الملائكة بعد الرعد يدلّ على أن الرعد ليس بملك. والذين قالوا: الرعد ملك، يحتجون بأن الله ذكر الملائكة بعد الرعد، وهو من الملائكة، كما يذكر الجنس بعد النوع، والكثير بعد القليل. قال الله ﵎ ﴿ولقد آتيناكَ سبعاً من المثاني والقرآن

стр. 832

العظيم﴾ (١٣٦) ، فذكر " القرآن " بعد " السبع "، وموضع " السبع " من " القرآن " كموضع " الرعد " من " الملائكة ". وأصحاب الحديث، وكبراء أهل العلم من الصحابة والتابعين، يقولون: الرعد ملك، أو صوت ملك. وحدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا عون بن عمارة (١٣٧) قال: حدثنا (٣٢٨) سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب (١٣٨) قال: الرعد صوت ملك يقول: سبحان ربي العظيم. وأخبرنا محمد بن عثمان قال: حدثنا منجاب (١٣٩) قال: أخبرنا بشر بن عمارة (١٤٠) عن أبي رَوْق (١٤١) عن الضحاك عن ابن عباس قال: الرعد: ملك من الملائكة، وهو الذي تسمعون صوته، والبرق سوط من نور، يزجر به المَلَكُ السحابَ. وحدثنا أبو جعفر التمتام (١٤٢) قال: حدثنا علي بن الجعد (١٤٣) قال: حدثنا شعبة (١٤٤) قال: أخبرنا الحكم (١٤٥) عن مجاهد قال: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته. وأخبرنا أحمد بن الحسين قال: حدثنا عثمان أبي شيبة قال: حدثنا بشر بن

стр. 833

المفضل (١٤٦) عن عمر بن الوليد (١٤٧) عن عكرمة (١٤٨) قال: الرعد: ملك مُوكّل بهذا السحاب، يسوقه كما يسوق راعي الإِبل إبله. وأخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبو داود (١٤٩) قال: حدثنا إبراهيم بن سعد (١٥٠) عن أبيه قال: كنت جالساً مع حميد بن عبد الرحمن، إذا عرض شيخ في ناحية المسجد، فقال: يابن أخي وَسِّع لهذا الشيخ بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله في بعض أسفاره. فوسعت (٣٢٩) له، فجلس بيننا. فقال حميد له: الحديث الذي تذكره في السحاب، فقال: سمعت رسول الله يقول: (إن الله يُنشيء السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك) (١٥١) . فذكر أن منطقه الرعد، وضحكه البرق. فهذا شاهد لأقوال اللغويين. وحدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا أبو نُعيم (١٥٢) قال: حدثنا / بشير بن ٢٢٧ / ب سلمان النهدي (١٥٣) عن أبي كثير (١٥٤) عن أبي الجلْد (١٥٥) قال: البرق: الماء (١٥٦) . وأخبرنا أحمد بن الحسين قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا ابن

стр. 834

إدريس عن الحسن بن الفرات عن أبيه قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن الرعد والبرق، فكتب إليه أبو الجلد: الرعد: الريح، والبرق: الماء (١٥٧) . وحدثنا أبو جعفر التمتام قال: حدثنا قبيصة (١٥٨) قال: حدثنا سفيان عن سلمة بن كُهيل (١٥٩) عن ابن أشوع (١٦٠) عن ربيعة بن أبيض (١٦١) عن علي (١٦٢) (رض) (٣٣٠) قال: البرق: مخاريق الملائكة. و " المخاريق " عند العرب "، جمع: مخراق، وهو ثوب يلفه الصبيان، ويضرب به بعضهم بعضاً. فشبه السوط الذي يضرب به الملائكة السحاب بالمخراق الذي يلعب به الصبيان، ويضرب به بعضهم بعضاً. قال عمرو بن كلثوم (١٦٣) : (كأنَّ سيوفَنا فينا وفيهم ... مخاريقٌ بأيدي لاعِبينا) وحدثنا أبو جعفر التمتام قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن عثمان بن الأسود (١٦٤) عن مجاهد (١٦٥) قال: البرق: مَصْعُ مَلَكٍ، فالمصع معناه: التحريك، والضرب. فكأنه شبه زجر السحاب بالسوط بالتحريك والضرب. قال القطامي (١٦٦) : (تراهم يصدقون مَن استركّوا ... ويجتنبونَ مَنْ صَدَقَ المصاعا) ٧٩٢ - وقولهم: أصابت القومَ صاعِقَةٌ (١٦٧) قال أبو بكر: قال مقاتل بن سليمان وغيره: الصاعقة: الموت. وقال آخرون: الصاعِقَةُ: كل عذاب مهلك. قال الله : ﴿فأخذتكم

стр. 835

الصاعِقَةُ وأنتم تنظرونَ﴾ (١٦٨) . وفيها ثلاث لغات: صاعِقَة، وصَعْقَة وصاقعَة. ويقال: هي الصواعِق، والصواقِع. وقد صُعِقَ القوم، وصُعقوا (١٦٩) . قال الشاعر (١٧٠) : (أعدَّ اللهُ للشعراءِ مني ... صواقعَ يَخضعونَ لها الرقابا) (٣٣١) وأنشدنا إدريس بن عبد الكريم قال: أنشدنا سلمة بن عاصم: (ترى الشيبَ في رأس الفرزدق قد علا ... لهازمَ قردٍ رَنَّحَتْهُ الصواقعُ) (١٧١) وأنشدنا إدريس أيضاً قال: أنشدنا سلمة: (يحكون بالمصقولة القواطع ... ) (تشقٌّ قَ البرق عن الصواقع ... ) (١٧٢) وقال بعض اللغويين: الصاعقة: العذاب، والصَعْقَة: الغَشْية، ويقال في / جمعها: صَعَقات. ٢٢٨ / أ ٧٩٣ - وقولهم: قد أصابت القومَ زَلْزَلَةٌ (١٧٣) قال أبو بكر: الزلزلة، معناها في كلام العرب: التخويف والتحذير. من ذلك قول الله : ﴿وزُلزلوا حتى يقولَ الرسولُ﴾ (١٧٤) ، أراد: خُوّفوا وحُذِّروا. وقال عمران بن حطان (١٧٥) : (فقد أَظَلَتْكَ أيامٌ لها حَمَسٌ ... فيها الزلازلُ والأهوالُ والوَهَلُ) الحمس: الشدّة، والوهل: الفزع. ت

стр. 836

ويقول بعضهم: " الزلزلة " مأخوذة من " الزلل في الرأي. فإذا قيل: قد زلزل القوم، فمعناه: أنهم صُرفوا عن الاستقامة، وأوقعَ في قلوبهم الخوف والحذر. والأصل فيه: زُللّوا، فأبدلوا من اللام الثانية زاياً، كراهية للجمع ين اللامات، كما قالوا: قد صرْصر الباب: إذا صوّت، وأصله: صَرَّر. ونظائر هذا كثيرة، قد مضى بعضها أو أكثرها. والعرب تقول: قد أُزِلَّ الرجل في رأيه حتى زَلَّ، وأُزيل عن موضعه حتى زالَ. (٣٣٢) ٧٩٤ - وقولهم: قد أصابتهم الرّجْفَةُ (١٧٦) قال أبو بكر: الرجفة، معناها في كلام العرب: تحريك الأرض، يقال: قد رجف الشيء: إذا تحرك. قال الشاعر: (تحنَّى العظامُ الراجفات من البلى ... وليس لداءِ الرُكبتيْنِ طبيبُ) (١٧٧) ٧٩٥ - وقولهم: ما في الثَقَلَيْنِ مِثْلُهُ (١٧٨) قال أبو بكر: الثقلان: الجن والإنس. وإنما قيل لهما: ثقلان، لأنهما كالثقل للأرض وعليها. و" الثَقَل " بمعنى " الثِقْل " وجمعهما: أثقال. ومجراهما مجرى قول العرب: مِثْل ومَثَل، وشِبْه وشَبَه، [ونجْس ونجس] وقِتْبٌ وقَتَب، ونِكْل شرٍّ ونَكل شرٍّ. حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا سهل بن بكار (١٧٩) قال: حدثنا أبو عوانة (١٨٠) عن قتادة عن خليد بن عبد الله العصري (١٨١)

стр. 837

عن أبي الدرداء - أحسبه وقع (١٨٢) الشك في الحديث - قال: (ما طلعتِ الشمسُ قَطُّ إلاّ وبجنبتيها ملكان يناديان وإنهما ليُسمِعان مَنْ على الأرض، إلاّ الثقلين: يا أيُّها الناس هلموا إلى ربكم، فإنّ ما قلَّ وكفى خيرٌ حما كَثُرَ وألهى، وما غَرِبتِ الشمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، [و] إنهما ليسمعان من على الأرض، إلا الثقلين: اللهم عَجَّلْ / لُمنفِقٍ خَلفاً، وعجَّل لِمُمْسِكٍ ٢٢٨ / ب تلفاً) (١٨٣) . قال الله : ﴿وأخرجتِ الأرضُ أثقالَها﴾ (١٨٤) ، فمعناه: ما (٣٣٣) فيها من كنوز الذهب والفضة، وخرج الموتى بعد ذلك، ومن أشراط الساعة أن تلقي الأرض أفلاذ كبدها، أي: ما فيها من الكنوز، فشُبّه ذلك بقطع الكبد، إذ كانت الكبد يشتمل عليها البطن. وواحد الأثقال: ثِقل، وثَقل، وواحد الأفلاذ: فِلْذ، وفلذ. والفلذ: قطعة من الكبد. يقال: أطعمني فِلْذاً، وفِلْذةً، وحُزَّةً من الكبد، وحِذْيةً من اللحم، وهي قطعة صغيرة، وفِلْعة من السنام، وشطبة وسائغة بمنزلة الحِذْية من اللحم. وكانت العرب تقول للفارس الشجاع: ثِقْلٌ على الأرض، فإذا قُتل أو مات، سقط بذلك عنها ثِقْل. قال الشمردل بن شريك (١٨٥) يرثي أخاه أُبَيّاً: (وحَلَّتْ به أثقالَها الأرضُ وانتهى ... لمثواه منها وهو عفٌّ شمائلُهْ) وقالت الخنساء (١٨٦) ترثي أخاها صخراً: (أَبَعْدَ ابن عمروِ من آلِ الشريْدِ ... حَلَّت به الأرضُ أثقالَها) أي: لما كان شجاعاً سقط بموته عنها ثقل. ويقال: معناه: زيَّنت به موتاها، من الحِلية، والحُلي.

стр. 838

وأمّا الإِنس (١٧٨) فسُموا: إنساً، لإِيناسهم. وسُمي الجنّ: جنّاً، لاستتارهم. وكذلك سمّت العرب الملائكة جِنّاً، وجِنَّة، لتواريهم عن أعين الناس. قال الله : ﴿وجعلوا بينَهُ وبينَ الجِنَّةِ نَسَباً﴾ (١٨٨) . معناه: من قبيلٍ من الملائكة، يقال لهم: الجِنّ. وقال الأعشى (١٩٠) في صفة سليمان بن داود ﵉ (١٩١: (وسَخَّرَ من جِنِّ الملائِك تسعةً ... قياماً لديه يعملون بلا أجرِ) أراد بالجن: الملائكة، وأضافِهم إليه لاختلاف اللفظتين (١٩٢) . واشتقاق " الجن " من قول العرب: قد جنَّ عليه الليل، وأجنَّهُ. وربما قالوا: جَنَّهُ، فأسقطوا الألف، وعدّوا الفعل. قال الشاعر (١٩٣) : (يُوصِّلُ حَبْلَيْهِ إذا الليلُ جنَّهُ ... ليرقى إلى جاراتِهِ بالسلالِمِ) وربما أوقعت العرب " الجن " على " الإنس "، و " الإنس " على " الجن "، إذا فهم المعنى، ولم يدخله التباس. قال الله : ﴿في صدور الناس من ٢٢٩ / أالجِنَّةِ والناسِ﴾ (١٩٤) ، أراد: / في صدور الناس، جنِّهِم وناسِهِم. وقال أيضاً: ﴿وأنّه كانَ رجالٌ من الإِنس يعوذونَ برجالٍ من الجِنِّ﴾ (١٩٥) . وقال الفراء: قال بعض العرب في كلامه: فجاء قوم من الجن، فوقفوا، فقيل لهم: من أنتم؟ فقالوا: أُناسٌ من الجِنِّ.

стр. 839

٧٩٦ - وقولهم: لا تَقُل له إلاّ كذا وكذا قَطْ (١٩٦) قال أبو بكر: " قط " معناه في كلام العرب: حَسْبُ وطاؤها ساكنة، لأنها بمنزلة " هَلْ " و " بَلْ " و " أَجَلْ ". وكذلك: " قَدْ " (١٩٧) ، يقال: قَدْ عبد الله درهمٌ، وقَطْ عبد الله درهمٌ. يُراد بهما: حَسْبُ عبد الله درهمٌ، أي: يكفي عبد الله (٣٣٥) درهم. قال الشاعر: (قَدِ القلبَ من وجدٍ بها برّحَتْ به ... قَدِ القلبِ من وجدٍ بها أبداً قَدِ) (١٩٨) ويروى: قِدِ القلبِ، بالخفض. فمَنْ خَفَضَ، وأضافَ الحرفين إلى نفسه، قال: قَدِي، وقطي. ومن نصب بهما، وأضاف (١٩٩) إلى نفسه، قال: قَدْني وقَطْني. قال أبو النجم (٢٠٠) : (امتلأ الحوضُ وقالَ قطني ... ) (سَلاًّ رويداً قد ملأتَ بطني ... ) وقال الآخر (٢٠١) : (قَدْنيَ من نصرِ الخبيبين قَدِي ... ) ( [ليَسَ الإمامُ بالشحيحِ المُلحدِ] ... ) (٢٠٢) وقال الآخر: (قَطْني من قتلِ الحُسَيْنِ قَطني ... ) (٢٠٣)

стр. 840

ومن العرب من يقول: قَطْن عبدَ اللهِ درهمٌ، فيزيد نوناً على " قط "، وينصب بها، ويخفض، ويضيف إلى نفسه، فيقول: قطني. ولم يُحْك ذلك في " قَدْ "، والقياس فيهما واحد. (٣٣٦) ٧٩٧ - وقولهم: فلانٌ متوانٍ (٢٠٤) قال أبو بكر: معناه مُفَرّطٌ، ضعيف السّعي فيما يُراد منه السَّعيُ فيه. من قول العرب: قد ونى الرجل يني وَنْياً: إذا ضعف وفتر. قال الله : ﴿ولا تَنِيا في ذكري﴾ (٢٠٥) . وأنشد الفراء: (وَزَعْتُ بكالهراوةِ أعوجيٍّ ... إذا وَنَتِ الركابُ جرى وثابا) (٢٠٦) ٧٩٨ - وقولهم: قد صارَ فضيحةً في الغابرين (٢٠٧) قال أبو بكر: الغابر في كلام العرب: الباقي، وهو الأشهر عندهم. وقد يقال أيضاً للماضي: غابر، قال الشاعر (٢٠٨) في أعرف المعنيين: (فما وَنَى محمدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ ... ) (له الإلهُ ما مضى وما غَبَرْ ... ) وقال الله : ﴿إلاّ عجوزاً في الغابرين﴾ (٢٠٩) ، أراد: في الباقين. وقال الشاعر: ٢٢٩ / ب (/ مخافةَ ألاّ يجمعَ اللهُ بينَنَا ... ولا بينها أخرى الليالي الغوابِرِ) (٢١٠)

стр. 841

أراد: البواقي. وقال الآخر (٢١١) : (تَعَزَّ بصبرٍ لا وجَدِّكَ لن ترى ... سنامَ الحِمى أُخرى الليالي الغوابِرِ) (كأن فؤادي من تذكُّرِهِ الحِمى ... وأهلَ الحمى يهفو به ريش طائِر) (٣٣٧) وقال الآخر: وهو محكي عن عبد الله بن عباس: (أحياؤهم خِزْيٌ على أمواتهم ... والمَيتونَ فضيحةٌ للغابرِ) (٢١٢) وقال الآخر: في أقلّ المعنيين، وهو الأعشى (٢١٣) : (عضَّ بما أبقى المواسي له ... من أُمِّهِ في الزمنِ الغابِرِ) أراد: في الزمن الماضي. ٧٩٩ - وقولهم: طيرُ اللهِ لا طَيْرُكَ (٢١٤) قال أبو بكر: معناه: فعلُ اللهِ وحُكْمُهُ، لا فِعلك [وما] نتخوفه منك. قال أبو عبيدة (٢١٥) : الطائر عند العرب: الحظُّ، وهو الذي تسميه العوام: البخت. وقال الفراء (٢١٦) : الطائر معناه عندهم: العمل. قال الله : ﴿وكلُّ إنسان ألزمناه طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ (٢١٧) ، أي: عمله. قال أبو بكر: فيجوز أن يكون أصله: البخت، ثم أوقع بعد ذلك على العمل. قالت رقيقة بنت أبي صيفي (٢١٨) تعني النبي: (مَنَّاً من اللهِ بالميمونِ طائِرُهُ ... وخَيرِ مَنْ بُشِّرَتْ يوماً به مُضَرُ)

стр. 842

وأخبرني أبي ﵀ قال: أخبرنا الطوسي وابن الحكم عن اللحياني قال: يقال: طيرُ اللهِ لا طيرُكَ، وطيرَ اللهِ لا طيرَكَ، وطائرُ اللهِ لا طائرُك، وطائرَ اللهِ (٣٣٨) لا طائرَكَ، وصباحُ اللهِ لا صباحُك، وصباحَ اللهِ لا صباحَك، ومساءُ اللهِ لا مساؤكَ، ومساءَ اللهِ لا مساءَكَ. قال اللِّحياني: يقولون هذا كله إذا تطيَّروا من الإنسان. قال أبو بكر: فالرفع على معنى: هذا طائرُ اللهِ، والنصب على معنى: نُحبُّ طائرَ اللهِ، ونريدُهُ. ٨٠٠ - وقولهم: هو جالسٌ في البَهْوِ (٢١٩) قال أبو بكر: قال الأثرم: قال أبو عمرو: البهو عند العرب: الصُفَّة الواسعة. وأنشد لرؤبة (٢٢٠) : (أجوفَ بهّى بَهْوَهُ فاستَوْسعا ... منه كِناسٌ تحتَ عينٍ أينعا) ٢٣٠ / أ / فقوله: بهّى بهوه، معناه: جعله ذا بَهْوٍ، أي: عمل فيه ما يشبه الصُفَّةَ الواسعة. ويُروى: تَحتَ عينٍ، وتحتَ غَيْنٍ، [وتحت غِينٍ] . فمن رواه: تحت عَين، قال: العين: مطر أيام لا يُقلع. ويقال: العين ماعَن يمين القبلة وشمالها من الغيم. قال العجاج (٢٢١) : (سارٍ سرى من قِبَلِ العينِ فَجَرْ ... ) (عِيطَ السحابِ والمرابيعَ الكُبَرْ ... ) العيط: سحائب طويلات العناق، والمرابيع: سحائب ينشأن [في الربيع] . ومَنْ رواه: تحتَ غَيْنٍ، قال: الغين: إطباقُ الغيمِ السماء (٢٢٢) . يقال:

стр. 843

غينَتِ [السماءُ] غَيْناً: إذا ألبسها الغيم وسترها. ومن ذلك قول الشاعر (٢٢٣) : (كأني بين خافِيتَيْ عُقابٍ ... أصابَ حَمامةً في يوم غَيْنِ) (٣٣٩) ومنه قول النبي: (إنّه ليُغانُ على قلبي حتى أستغفر الله) (٢٢٤) . ومن رواه: تحت غين، قال: الغين: أشجار كثيرة الورق، ملتفة الأغصان، واحدتها: غيناء. أنشد الفراء: (لَعِرْضٌ من الأعراض يُمسي حمامُهُ ... ويضحى على أفنانِهِ الغينِ يهتفُ) (أَحبُّ إلى قلبي من الديكِ ريَّةً ... وبابٍ إذا ما مال للغلقِ يصرِفُ (٢٢٥) ٨٠١ - وقولهم: به بَهَقٌ (٢٢٦) قال أبو بكر: قال أبو الحسن الأثرم: البهق: بياضٌ كَدِرٌ، وكلُّ بياض كدر يقال له: بَهَقٌ. وأنشد لرؤبة (٢٢٧) : (بل بلدٍ يُكسى الشعاعَ الأَبهَقَا ... ) (من السرابِ والقَتامِ الأَعْبَقَا ... ) الشعاع: المنتشر من السحاب، ويقال: هو قِطَعٌ من السراب. والأعبق: الملتزق. ويقال: للكَدِر: أَرْمَد، وأَرْبَد، وأَطْحَل، وأَغْثَر. قال النبي: (يُؤتى بالموتِ يومَ القيامةِ كَبْشاً أَغْثَرَ) (٢٢٨) . فإن كانت الغثرة تضرب إلى الصفرة، فهي: غُبْسَةٌ، والموصوف: أَغْبَس، وإنْ كانت تضرب إلى الحمرة، فهي: قُتْمَة، والموصوف: أَقْتَمْ.

стр. 844

٨٠٢ - وقولهم: قد تيامَنَ الرجلُ (٢٢٩) قال أبو بكر: العامة تخطئ في معنى " تيامن "، فتظن أنه اخذ على (٣٤٠) يمينه، وليس كذلك معناه عند العرب، إنما يقولون: تيامن: إذا أخذ ناحية اليمن، وتشاءم: إذا أخذ ناحية الشام، ويامن: إذا أخذ على يمينه، وشاءم: ٢٣٠ / ب إذا / أخذ على شماله. قال النبي: (إذا نشأتْ بَحْرِيَّة ثم تشاءَمَتْ فتلكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ) (٢٣٠) . أراد: إذا ابتدأت السحابة من ناحية البحر، ثم أخذت ناحية الشام، فتلك أمطار أيام لا تُقْلعُ. والغديقة: الكثيرة، من قول الله : ﴿ماءً غَدَقاً﴾ (٢٣١) . ويقال: قد أَشْأم الرجل: إذا أتى الشام. وقد أيمن: إذا أتى اليمن، ويامن أيضاً. وقد انحجز، واحتجز: إذا أتى الحجاز. وقد أمنى، وامتنى: إذا أتى منىً. وقد جَلَسَ: إذا أتى نجداً، ويقال لنجد: جَلْسٌ. وقد نزل: إذا أتى منى (٢٣٢) . وقد أعمن، وأعرق، وأغار، وأخاف، وأنجد: إذا أتى العراق، وعُمان، والغور، وخيف منى، ونجداً. يقال: (أَنْجَدَ مَنْ رأى حَضَناً) (٢٢٣) . وحضن: اسم جبل (٢٣٤) ، أي: من رأى هذا الجبل فقد دخل نجداً. ويقال: قد أتهم: إذا أتى تهامة، وقد أجبل، وأسهل: إذا صار إلى الجبل والسهل. وعالى: إذا صار إلى العالية. وساحل: إذا أخذ على الساحل. وألوى: إذا صار إلى اللّوى من الرمل. وأجد: إذا صار إلى الجدَدَ. قال الشاعر (٢٣٥) : (شِمالُ مَنْ غارَبِهِ مُفْرعاً ... وعن يمينِ الجالسِ المُنْجِد)

стр. 845

أراد بالجالس: الذي أتى نجدا. وقال الآخر (٢٣٦) : (قلْ للفرزدق والسفاهةُ كاسمِها ... إنْ كنتَ تاركَ ما أمرتُكَ فاجلسِ) (٣٤١) أي: فأتِ جَلْساً. وقال الآخر (٢٣٧) : (أنازلَةٌ أسماءُ أمْ غيرُ نازِلَهْ ... أبيني لنا يا أسمَ ما أنتِ فاعِلَهْ) وقال الآخر (٢٣٨) (وافيتُ لمّا أتاني أنّها نَزَلَتْ ... إنّ المنازلَ مما تَجْمَعُ العَجَبا) وقال لبيد: (٢٣٩) (فصُوائِقٌ إنْ أَيْمَنَتْ فمظِنَّةٌ ... منها وِحافُ القَهْرِ أو طِلْخامُها) أراد بأيمنت: صارت إلى اليمن. وقال الآخر (٢٤٠) : أراد بأيمنت: صارت إلى اليمن. وقال الآخر (٢٤٠) : (نبيٌّ يرى ما لا ترون وذِكرُهُ ... أغارَ لعمري في البلادِ وأَنْجَدا) فيقال: أغار: أتى (٢٤١) الغور، ويقال: أغار: أسرع. ويروى: (...... ...... وذكره ... لعمري غار في البلاد...... ...... ..) وقال الآخر (٢٤٢) : (فإنْ تُتْهموا أُنْجِدْ خِلافاً عليكم ... وإنْ تُعْمِنوا مُسْتَحقبي الحربِ أُعْرِقِ) / وإذا أمرت الرجل أن يأخذ على يمينه، قلت له: يامِنْ، وعلى شماله: ٢٣١ / أشائِمْ. وإذا أخبرت عنه، قلت: يامَنَ، وشاءَمَ. ويقال: قد كوَّف، وبصَّر: إذا أتى الكوفة، والبصرة. ويقال أيضاً: أكافَ. قال الشاعر (٢٤٣) : (٣٤٢) (أُخَبِّرُ مَنْ لاقيتُ أني مُبَصِّرٌ ... وكائِنْ ترى قبلي من الناس بَصَّرا)
следующие страницы →