← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال سوار بن عبد الله: قال رؤبة بن العجاج: أرسل إليّ سليمان بن علي وهو بالبصرة فقال: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدّم في إشخاصك، قلت: سمعاً وطاعة، أرجع إلى أهلي فأصلح من شأني، قال: ليس إلى ذلك سبيل، ثم التفت إلى الحرسي فقال: هذا صاحبك فشأنك، فلم أُنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع الجمعة الأخرى فأُدخلت سرادقاً فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم على قوابع سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزراً ولا يكلمه إلا همساً، ثم اختُرق بي سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم، فقلت في نفسي: أحسبه تذكّر عليّ بعض قولي في بني أمية فأراد قتلي، فأيست عند ذلك من الحياة، ثم خرجت إلى سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه، فقال لي: أنت رؤبة ابن العجاج؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك أيها الأمير! فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، فحقق فيّ نفسي ما كنت قدّرت وظننت، ثم قلت: بل أنشدك، جعلت فداك: لبيك إذ دعوتني لبّيكا ... تطلب حقاً واجباً عليكا فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل عليّ فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، قلت بل أنشدك قولي: ما زال يبني خندقاً ويهدمه ... وعسكراً يشرعه ويهزمه ومغنماً يجمعه ويقسمه ... مروان لما غرّه منجّمه فأمسك حتى فرغت ثم قال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ، فقلت بل أنشدك: ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره حتى أقرّ الملك في قراره ... مشمّراً لا يُصطلى بناره فقال: أنشدني ويحك يرمي الجلاميد! فأنشدته: وقاتم الأعماق خاوي المحترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق فأنصت حتى انتهيت إلى قولي: يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ فوقفت، فقال: إن أمير المؤمنين وجّهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من الرجال فدمّثتها حتى جعلتها دهساً فلم أجد لي مثلاً إلا قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، أنا والله ذلك الجلمود، اذكر حاجتك، قلت: جعلت فداك، حاجتي أن تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم على وجل، فقال: يا غلام عليّ ببدرةٍ، فكأنها لم تزل بين يديه، فقال: يا أبا الجحّاف إنك أتيتنا والأموال مشفوهة وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت العرب عقيبك، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتبّ، ولك عودة وعلينا معوَّل. قال رؤبة: فوالله ما دريت بما أجيبه، ثم قال يردّ على السير الذي جاء عليه: فما شعر بي سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال: يا أبا الجحّاف هذه ديتك وربحت نفسك. قال: وحدثني عبد الله بن عمرو بن عبيد الله قال: حدثني عبيد الله قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه: أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثةُ الأعمام أجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان: بسبعين ألفاً راشني من حبائه ... وما نالها في الناس من شاعرٍ قبلي فحدثنا إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال: كان سبب اتصال مروان بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور فأنشدته شعراً لمروان يمدح به السّريّ بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس، فسألها لمن الشعر فأخبرته، فأمر بإحضار مروان، فوافاه بالربذة حاجاً فلقي الربيع، والمنصور عليل العلة التي مات فيها، فقال: كن قريباً حتى ندعو بك. فلم تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان. فقال له الربيع: الحق بالمهدي ولا تتخلف عنه. وانصرف مروان إلى اليمامة فجعلها طريقاً وعليها بشر بن المنذر والياً، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل رجل ألف درهم. فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله: صحا بعد جهدٍ فاستراحت عواذله ... وأقصر عنه حين أقصر باطله وقوله: طاف الخيال وحيّه بسلام ... أنى أُلم وليس حين لمام وقوله: اعص الهوى وتعزّ عن سعداكا ... فلمثل حلمك عن هواك نهاكا وقوله: مرى العين شوقٌ حال دون التجلد ... ففاضت بأسرابٍ من الدمع حشَّدي

стр. 107

حشّدي من الحشاد، يريد أنه يخلطها به. قال إدريس: فأعطي مروان المهدي ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة فطلب الوصول بيعقوب بن داود، فأقام نحواً من سنة، وغضب المهدي على يعقوب بن داود. قال إدريس: فحدثني مروان قال: بينا أنا واقف على باب المهدي إذ خرج خالد بن يزيد بن منصور فقال: يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفاً وهو يراك أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا. قال: فانصرفت مغموماً ثم تذكرت رجلاً أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه، فأتيت يزيد بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد، فقال: أدلك على رجل صدوق له رقةٌ لعله ينفعك. قلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إلى الحسن فشكوت إليه ما حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين. فقال: قل في يعقوب بن داود. فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت ترجو أن يكون ذلك مفتاحاً لما أنا فيه؟ قال: ذاك كما أقول لك. فانصرفت وقلت: أتاني من المهديّ قولٌ كأنما ... به احتز أنفي مدمن الضّعن جادع وقلت، وقد خفت التي لا شوىً لها ... بلا حدثٍ: إني إلى الله راجع وما لي إلى المهدي لو كنت مذنباً ... سوى حلمه الصافي من الناس شافع ولا هو عند السخط منه ولا الرضى ... بغير الذي يرضى به الله صانع عليه من التقوى رداءٌ يكنّه ... وللحق نورٌ بين عينيه ساطع يُغضّ له طرف العيون وطرفه ... على غيره من خشية الله خاشع هل الباب مفضٍ بي إليك ابن هاشمٍ ... فعذري إن أفضى بي الباب ناصع أتيت امرأً أطلقته من وثاقه ... وقد أُنشبت في أخدعيه الجوامع وجلّى ضباب العدم عنه وراشه ... وأنهضه معروفك المتتابع فقلت وزيرٌ ناصحٌ قد تتابعت ... عليه بإنعام الإمام الصنائع وما كان لي إلا إليك ذريعةٌ ... وما ملكٌ إلا إليه الذرائع وإن كان مطوياً على الغدر كشحه ... فلم أدر منه ما تجنّ الأضالع وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسفٌ ... لإخوته قولاً له القلب نائع تنفّس فلا تثريب إنك آمنٌ ... وإني لك المعروف والقدر جامع فما الناس إلا ناظرٌ متشوّفٌ ... إلى كلّ ما تسدي إليّ وسامع قال وقد قلت في قصيدة أخرى: سيحشر يعقوب بن داود خائباً ... يلوح كتابٌ بين عينيه كافر خيانته المهدي أودت بذكره ... فأمسى كمن قد غيبته المقابر بدا منك للمهدي كالصبح ساطعاً ... من الغش ما كانت تجنّ الضمائر وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه ... فجاب الدجى من ظلمة الليل ساتر أمنزلةٌ فوق التي كنت نلتها ... تعاطيت، لا أفلحت مما تحاذر قال: ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال: ما صنعت؟ فأنشدتهما إياه. قال: اكتبهما لي. فقلت: قد فعلت. فقال: هاتهما. فتناولهما وقال: لست واضعهما من يدي حتى أضعهما في يد المهدي. ثم مضى وأتيته من الغد فقال: ما وضعتهما من يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما فرقّ لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم الاثنين. فحضرت فخرج عليّ فقال: قد علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحبّ أن يجعل لك يوماً يشرّفك فيه ويبلغ بك. قلت: فمتى بأبي أنت وأمي؟ قال: يوم الخميس. فعدت إليه يوم الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي، فلما تتام المجلس دعاني فدخلت، فسلمت فرد علي السلام، فقال: إنما حبسك عن الدخول انقطاعك إلى الفاسق يعقوب بن داود. فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب فأنشدته ثم أشدته قولي فيه: طرقتك زائرة فحيّ خيالها. فأُعجب بذلك وقال: جزاك الله خيراً. فقلت: اشهدوا هذا والله الشرف، أمير المؤمنين يجزيني خيراً، ثم أنشدته: أعادك من ذكر الأحبة عائد، فلما صرت إلى قولي: أيادي بني العباس بيضٌ سوابغٌ ... على كل قوم بادئاتٌ عوائد فهم يعدلون السمكَ من قبة الهدى ... كما يعدل البيت الحرام القواعد

стр. 108

سواعد عزّ المسلمين وإنما ... ينوء بصولات الأكف السواعد يزين بني ساقي الحجيج خليفةٌ ... على وجهه نورٌ من الحق شاهد يكون غراراً نومه من حذاره ... على قبةِ الإسلام والخلق راقد كأن أمير المؤمنين محمداً ... لرأفته بالناس للناس والد على أنه من خالف الحق منهم ... سقته به الموت الحتوف الرواصد أشار إليّ فأمسكت. فقال: يا بني العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي فيكم فآتوا إليه ما يسره. فقلت: ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا رأيه أن يصلوني من أموالهم. فقال: أنا فارض عليهم لك مالاً، ففرض على موسى ابنه خمسة آلاف درهم وعلى هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على كل رجل منهم. فقال أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه، فجعل عليه ألفاً وعلى الربيع ألفين، فتمت أربعين ألفاً. فقلت: يا أمير المؤمنين من لي بهذا المال؟ قال: هذا، وأشار إلى الربيع، ثم قال: إن أمير المؤمنين يعطيك من صلب ماله، فأمر لي بثلاثين ألف درهم في ثلاث بدر، فجيء بهن فطرحن قريباً، فدعوت وشكرت فقال: يا ابن أبي حفصة ستجيئك صِلاتي وبرّي ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى. قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما سأزداد به شعراً وستسمع ويبلغك، وقلت: يا أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني لشاعر بعدي. قال: أجل. قلت: وآذنّي في زيارتك. قال: نعم. قلت: يا أمير المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن رأى أمير المؤمنين أن يُجعل لأحد عليّ سلطان دونه. قال: لا سلطان عليك دون أمير المؤمنين. فقلت: اكتب إليّ بذلك كتاباً. فأمر بالكتاب بذلك، فانصرفت، فلما صرت خلف الستر خرج إليّ خادم بمنديل فيه أربعة أثواب: ثوب وشيٍ وثوب خزّ وجبة بياض محشوة وقميص، فقال: ألبسوه وأعيدوه إلي، فلبست الخز والوشي على الثياب التي كانت عليّ وألقيت القميص على أحد منكبي والجبة على المنكب الآخر. فقال لي: يا ابن أبي حفصة أتدخل على أمير المؤمنين هكذا وقد مثلت بنفسك؟ فقلت: والله لو كانت كرامة أمير المؤمنين أُحد لما خلعت منها شيئاً أطيق حمله، ثم دخلت. فلما رآني تبسم ثم قال: مطرف، فأبطأوا به، فقال: المطرف! وأنا قائم، ثم قال الثالثة المطرف، فلما أبطأوا انصرفت وقعدت خلف الستر، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج أمير المؤمنين على دابة، فقمت إليه، فلما رآني قال: المطرف! فما برح حتى أُتي به فنشر عليّ بين يديه، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية السواد، فبعت القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ولجامه. قال: فلم يزل مروان على باب المهدي حتى هلك. وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على المهدي وهو بالمدينة فقال: أنشدوني. فأنشد المغيرة: وللناس بدرٌ في السماء يرونه ... وأنت لنا بدرٌ على الأرض مقمر فبالله يا بدر السماء وضوءه ... تزال تكافي عُشر ما لك أضمر وما البدر إلا دون وجهك في الدجى ... يغيب فتبدو حين غاب فتقمر وما نظرت عيني إلى البدر ماشياً ... وأنت فتمسي في الثياب فتسحر وأنشد ابن أخت الأحوص: قالت كلابة: من هذا؟ فقلت لها: ... هذا الذي من أعدائه زعموا إني امرؤٌ لجّ بي حبٌّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم وأنشده العثماني المخزومي: رمى القلب من قلبي السواد فأوجعا ... وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا وغرّد حادي البين وانشقت العصا ... فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجّعا كفى حزناً من حادث الدهر أنني ... أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلاً ... فيا لك بيناً ما أمرّ وأوجعا وأنشده أبو السائب:

стр. 109

أصيخا لداعي حبّ ليلى فيمِّما ... صدور المطايا نحوها فتسمعا خليلي إن ليلى أقامت فإنني ... مقيمٌ وإن بانت فبِينا بنا معا وإن انثنت ليلى بربعٍ يحوزها ... قعيدكما بالله أن تتزعزعا فقال: والله لأغنينكم الليلة! ثم قال للمغيرة: هل لك من حاجة؟ فإنه بلغني أنك بعت جاريتك في دين كان عليك. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد فعلت ذلك. قال: فلأردنها عليك، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار إلا ابن لؤلؤ الرطب فإنه سار معه، فمرّ بدار فقال: لمن هذه الدار؟ فقال: للأحوص الذي يقول: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل وأراك تفعل ما هويت وبعضهم ... مدق الحديث يقول ما لا يفعل فقال: عزّ عليّ لم تأخذ شيئاً، ثم قال للربيع: اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت عشرة آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار، فقبضها وخرج. قال: ودخل ابن الخياط على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها بين الناس وأنشأ يقول: لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي فأعطاه لكل درهم ديناراً. قال: ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال: أليس أحق الناس أن يدرك الغنى ... مرجّي أمير المؤمنين وسائله لقد بسط المهدي عدلاً ونائلاً ... كأنهما عدل النبي ونائله فقال: أما ما ذكرت يا سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله، ﷺ ، أحد وإني لأتحراه جهدي، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، ثم وفد عليه في السنة الثانية فأنشده: إن الخلافة لم تكن بخلافة ... حتى استقرت في بني العباس شدّت مناكب ملكهم بخليفةٍ ... كالدهر يخلط لينه بشماس فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوباً، فلما كان في العام الثالث وفد عليه فأنشده: أفنى سؤال السائلين بجوده ... ملِكٌ مواهبه تروح وتغتدي هذا الخليفة جوده ونواله ... نفد السؤال وجوده لم ينفد فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوباً. وعن أحمد بن بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يوماً نصف النهار: اخرج وانظر من بالباب. فخرجت فإذا بشيخ واقف، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً غير أمير المؤمنين، فتركته ودخلت على المهدي، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك حاجة فاذكرها. قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني غير دفعة عن حاجة فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً دون أمير المؤمنين، فقلت: أيدخل؟ قال: نعم ومره بتخفيف، فخرجت وقلت له: ادخل وخفف. فدخل وسلم بالخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين إنا قد أُمرنا بالتخفيف: فإن شئت خففنا فكنا كريشةٍ ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب وإن شئت ثقّلنا فكنا كصخرةٍ ... متى تلقها في حومة البحر ترسب وإن شئت سلمنا فكنا كراكبٍ ... متى يقض حقاً من سلامك يعزب فضحك المهدي وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك. فقضى حاجته ووصله بعشرة آلاف درهم.

стр. 110

قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتياناً كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكرٌ منهم وقال: كنا قد اكترينا داراً شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا من اللباس ألينه ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار، وإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نُخلّ بالنبيذ في عسرٍ ولا يسر ولو نبيع الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يوماً إذا بفتىً يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد وادخل، فإذا رجل حلو الوجه سريّ الهيئة تنبّيء رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أُدرجتم جميعاً في قلب واحد فأحببت أن أكون واحداً منكم وأن لا تحتشموني. قال: وصادف ذلك منا إقتاراً من القوت وإكثاراً من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق وأُشنان وأخلّة ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعاً إذا حُدث وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويُرى ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس أخباره، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل، فقال لنا يوماً بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جاريةً في جواركم وكانت مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها في الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبّرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضاً فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه فخبرنا بمكانها. فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها. قال: يا إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما قدّرت فيها حراماً قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ الله جل وعز بثروةٍ فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه على غاية السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممضّ ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلاً نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافياً قد طاب لبابه، وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغمّ بمحادثته، فكنا فيه كما قال القائل: يذكرنيهم كلّ خيرٍ رأيته ... وشرٍ فما أنفك منهم على ذكر

стр. 111

فغاب عنا عشرين يوماً لا نلتذهنّ، ثم نحن يوماً مجتازون في الرصافة فإذا به وقد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصر بنا انحطّ عن دابته وانحط غلمانه ثم قال: يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم ولست أماطلكم بحديثي وخبري حتى نبلغ المسقر، ثم مال بنا إلى مسجد فقال: أعرفكم أولاً نفسي، أنا العباس بن الأحنف وكان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي والمسودة قد أحاطت بي فمُضي بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك، وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تستفزه الصبابة، فقل شعراً تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه، وأُعطيت قرطاساً ودواة فاعتراني الزمع ونفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما تغبّني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. وفي قدر ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقّبت بالبيتين فكتبت: العاشقون كلاهما متغضّب ... وكلاهما متوجِّدٌ متجنّب صدت مغاضبةً وصد مغاضباً ... وكلاهما مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيَّم قلّ ما يتجنب إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلوُّ له فعزّ المطلب ثم كتبت تحت ذلك: لا بد للعاشق من وقفةٍ ... تكون بين الوصل والصرم حتى إذا الهم تمادى به ... راجع من يهوى على رغم

стр. 112

قال: ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد، فقال: والله ما رأيت شعراً أشبه بما نحن فيه من هذا، والله لكأني قصدت به. فقال يحيى: فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة. فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي: راجع من يهوى على رغم، استفرغ ضاحكاً ثم قال: إني والله أراجعها على الرغم، وقال: يا غلام نعليّ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء. فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية الموافقة. قال: إذاً أوقّعه. ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه. فقال: يا عباس أمسيت أنبل الناس، أتدري ما سارني به هذا الرسول؟ قلت: لا. قال: ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت: كيف كان هذا يا أمير المؤمنين؟ فأعطاها الشعر وقال: هذا الذي جاء بي! قالت: فمن يقوله؟ قال: العباس بن الأحنف. قالت: فبكم كوفيء؟ قال: ما فعلت شيئاً. قالت: إذاً والله لا أجلسنّ حتى يكافأ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فضحك وقال: هذا أحسن من شعرك. فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر. ثم قال لي الوزير: تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤثّل لك بهذا المال، فاشتريت لي ضياع تُغلّ عشرين ألف درهم ودفع إلى بقية المال. فهذا هو خبري الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق بينكم المال. فقلنا: هنأك الله مالك، كلنا يرجع إلى نعمة من أبيه وأهله. فأقسم وأقسمنا فقال: أنتم إسوتي فيه. قلنا: أما هذا فنعم، فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. قال: فمضينا إلى صاحبتها، وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئاً أكثر مما بها من الظرف، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار، فاستامت بها صاحبتها خمس مائة دينار فأجبناها بالتعجب فحطت مائة. فقال لنا العباس: يا فتيان إني أحتشم والله أن أقول بعد ما قلتم ولكن هي جارية في نفسي بها يتم سروري، إن هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها وأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار. قلنا: قد حطت مائة! قال: وإن فعلت. فصادفت مولاتها رجلاً حراً وأخذت من الثمن ثلاثمائة وجهزتها بالباقي فما زال لنا عشيراً حتى فرق بيننا وبينه الموت.

стр. 113

وعن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة وكان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب ولا يوازيني في نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادماً لشعري. وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، وكانت البرامكة ويزيد بن مزيد الشيباني ومحمد بن منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن يحتال حتى يعد في ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتّى لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل الزائل والسراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين أفتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به؟ إنما هذا الذي أنت فيه عارض عرض لك، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من أجلّ ملوك العجم وكان حكيماً يقول: الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة للقلب، ومن أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، وقد قالت الحكماء: بالسرور يطيب العيش ومع الهم يتمنى الموت. وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، ومن لا يستشر يندم، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط واندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري وقال: يا أمير المؤمنين خلّفت بالباب آنفاً رجلاً من أخوالك الأنصار متقدماً في شعره وأدبه وظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ويذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف، يبعث والله على الصبابة والفرح ويباعد عن الهم والترح، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين وسعادة جده لأن يكون مبرئاً من هذه الشكوى زائداً في سرور أمير المؤمنين مستدعياً له صلة رحمه والتشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور والقلق إلى دخوله عليه واستماع قصيدته وجعل يتابع الرسل بعضهم في إثر بعض حتى دخل. وكان حلو الشمائل، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سناً، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرف، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ، فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني، والرشيد الذي سماه بهذا الاسم، والقصيدة هي هذه: أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي فما جزعي أني أموت صبابةً ... ولكن على من لا يحل لها قتلي أُحب التي صدّت وقالت لتربها: ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي بلى ربما وكلت عيني بنظرةٍ ... إليها تزيد القلب خبلاً على خبل كتمت تباريح الصبابة عاذلي ... فلم يدر ما بي واسترحت من العذل ومانحةٍ شّرابها الملك قهوةٍ ... يهودية الأصهار مسلمة البعل ربيبة شمس لم تُهجن عروقها ... بنارٍ ولم يجمع لها سعف النخل بعثنا لها منا خطيباً لبضعها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل قد استودعت دناً لها فهو قائمٌ ... بها شفقاً بين الكروم على رجل فوافى بها عذراء خلٌ أخو ندىً ... جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وغل معتقةٍ لا تشتكي دم عاصرٍ ... حروريةً في جوفها دمها يغلي أغارت على كف المدير بكونها ... فصارت له منها أنامل كالذبل

стр. 114

أماتت نفوساً من حياةٍ قريبةً ... وماتت فلم تُطلب بوترٍ ولا تبل شققنا لها في الدنّ عيناً فأسبلت ... كما أخضلت عين الخريدة بالكحل كأن فنيقاً بازلاً شقّ نحره ... إذا أسفرت منها الشعاع على البزل ودارت علينا الكأس من كف ظبية ... مبتلةٍ حوراء كالرشإ الطفل كأن ظباءً عكفاً في رياضها ... أباريقها أوجسن قعقعة النبل وحن لنا عودٌ فباح بسره ... فكان عليه ساق جاريةٍ عطل تضاحكه طوراً وتبكيه تارةً ... خدلَّجةٌ هيفاء ذات شوىً عبل إذا ما علت منا ذؤابة واحد ... تمشت به مشي المقيد في الوحل فلا نحن متنا موتة الدهر بغتةً ... ولا هي عادت بعد علٍ ولا نهل سأنقاد للّذات متبع الهوى ... لأمضي همّاً أو أصيب فتىً مثلي هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل قيل: وأدخل الفضل بن يحيى أبا نواس إلى عند الرشيد فقال له الرشيد: أنت القائل: عُتقت في الدنّ حتى ... هي في رقة ديني أحسبك زنديقاً! قال: يا أمير المؤمنين قد قلت ما يشهد لي بخلاف ذلك. قال: وما هو؟ قال قلت: أية نارٍ قدح القادح ... وأي حدٍ بلغ المازح لله درّ الشيب من واعظ ... وناصحٍ لو قبل الناصح فاغد فما في الحق أغلوطةٌ ورح لما أنت له رائح من يتق الله فذاك الذي ... سيق إليه المتجر الرابح لا يجتلي الحوراء من خدرها ... إلا امرؤٌ ميزانه راجح فاسم بعينيك إلى نسوةٍ ... مهورهن العمل الصالح فقال الفضل: يا سيدي إنه ليؤمن بالبعث ويحمله المجون على ذكر ما لا يعتقده، ثم أنشد: لقد دار في رسم الديار بكائي ... وقد طال تردادي بها وعنائي كأني مريعٌ في الديار طريدةً ... أراها أمامي مرةً وورائي فلما بدا لي حانٍ لا تهرّ كلابه ... عليّ ولا ينكرن طول ثوائي فما رمته حتى أتى دون ما حوت ... يميني وحتى ريطتي وحذائي وكأس كمصباح السماء شربتها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاء أتت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقط نورٍ من فتوق سماء ترى ضوءها من ظاهر البيت ساطعاً ... عليك ولو غطيته بغطاء تبارك من ساس الأمور بقدرةٍ ... وفضّل هاروناً على الخلفاء نراك بخيرٍ ما انطوينا على التقى ... وما ساس دنيانا أبو الأمناء إمام يخاف الله حتى كأنما ... يؤمِّل رؤياه صباح مساء أشمَّ طوال الساعدين كأنما ... يناط نِجادا سيفه بلواء

стр. 115

فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم والفضل بمثلها، فنظر إلى جارية تختلف كأنها لؤلؤة فقال: يا أمير المؤمنين أنا ميت في ليلتي هذه فإذا متّ فمُر أن أدفن في بطن هذه الجارية. فقال له الرشيد: خذها لا بارك الله لك فيها! قال أبو نواس: فأخذتها وانصرفت بمثل الشمس حسناً وفي منزلي غلامٌ مثل القمر، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال: أتيتك مهنئاً بما حباك به أمير المؤمنين. فقلت: نعمةٌ تتبعها نقمة. قال: ولم ذاك؟ فقلت: عندي غلام مثل القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتهما أتخوف ما تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن عليها وغلامي لا بد منه. قلت: اجعلها عند بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها. قلت: فلعل الحارس هو المتحرس منه. قال: فصيرها عند عجوز تثق بها، قلت: لعلي أسترعي الذئب! قال: ثم افترقنا، فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال له: يا محمد بن يسير ما على الأرض شر منك، شاورتك في أمر فلم تفتح عليّ فيه شيئاً فلما فارقتك ازدحم علي الرأي المصيب. قال محمد فماذا صنعت؟ قال: زوّجت الشمس من القمر فحصّلتهما لأقضي بهما وطري! قال: كان الشيء عليك حلال فجعلته حراماً. قال: يا أحمق شاورتك في الحلال والحرام! إنما قلت كيف الرأي في تحصيلهما! ثم أنشأ: زوّجت هذاك بهذه لكي ... أنكح ثنتين فثنتين أنكح هذه مرةً ثم ذا ... أُدير رمحاً بين صفين متعت نفسي بهما لذةً ... يا من رأى مطلع شمسين وحدثنا محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال: كان بالبصرة رجل من بني تميم وكان شاعراً ظريفاً وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت: يا أبا نزار أنت شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما أتحمل به. قلت: أنا أعطيك نجيباً فارهاً ونفقة سابغة تخرج إليه وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك. قال: والله أيها الأمير إني لا أظنك صادقاً. قلت: أجل، فدعوت بنجيبة فارهة. فقال: هذه إحدى الحسنيين فما بال الأخرى؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم. قال: وهذه الثانية، قال: أحسبك أيها الأمير قصّرت في النفقة. قال: هي لك كافية إن قبضت يدك عن السرف. قال: ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في أصاغرها؟ فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكري. فقلت له: ما صنعت شيئاً. قال: وكيف ذلك؟ قلت: تأتي الخليفة وأنت وافد فلا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خدّاعاً. أما والله ما لكرامتي حملتَني وجُدت لي بمالك الذي ما رامه أحد إلا جعل الله خدّه الأسفل ولكن لأذكرك! قلت: فأنشدني ما قلت. فأنشدني، فقلت: أُعنت وأجدت. فتركني وخرج حتى أتى الشأم والمأمون بسلغوس، فأخبرني قال: بينا أنا غزاة قرة قد ركبت نجيبتي ولبست أطماري وأنا أريد العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقرّ قراره ولا يدرك خطاه، فتلقاني مكافحة ومواجهة وقال: السلام عليكم، بكلام جهوري ولسان بسيط. فقلت: وعليكم السلام. فقال: قف إن شئت. فوقفت، فتضوعت منه رائحة المسك الأذفر. فقال: ممن؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم ماذا؟ قلت: من بني تميم. قال: وما بعدهم؟ قلت: من بني سعد. قال: هيه، فما أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة ولا أوسع باحة ولا أطول باعاً ولا أمدّ يفاعاً منه. قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذّ على أفواه الرواة ويحلو في أذن المستمعين. قال: فأنشدنيه. فمضيت وقلت: يا ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبّرته فتقول أنشدنيه؟ فقال: وما الذي تأمل فيه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي فألف دينار. قال: أنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيداً والكلام عذباً وأضع عنك العناء وطول الترداد، متى تصل أنت إلى الخليفة؟ بينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل. قلت: فلي عليك الله أن تفعل؟ قال: لك الله عليّ أن أفعل. قلت: ومعك مال؟ قال: بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره. قال: فغضبت وعارضتني مِرة بني سعد وخفة أحلامها وقلت: ما يساوي هذا البغل، هذا النجيب! قال: فدع عنك هذا ولك الله أن أعطيك ألف دينار، فأنشدته الأرجوزة وقلت: مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه

стр. 116

وقائد الكتيبة الكثيفه ... هل لك في أرجوزةٍ ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه ما ظُلمت في أرضنا عفيفه ... أميرنا شكّته خفيفه وما اجتبى شيئاً سوى الوظيفة ... فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه فوالله ما أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدّوا الأفق وهم يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأخذني القلق، ونظر إليّ بتلك الحال وشملي قد تبدد فقال: لا بأس عليك! قلت: يا أمير المؤمنين أمعذري أنت؟ قال: نعم. ثم التفت إلى خادم في جانبه وقال له: أعطه ما معك، فأخرج له كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار وقال: هاك سلام عليك، فكان آخر العهد به. حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم بالله فخرج علينا كالحاً فجاء إيتاخ وقال: الملهون على الباب مخارق وعلويه وفلان وفلان. فقال: اغرب، عليك وعليهم لعنة الله! قال: فتبسمت إلى محمد وتبسم إليّ. فقال المعتصم: مم تبسمت يا حسين؟ قلت: من شيء خطر لي، قال: هاته، فأنشدته: انف عن قلبك الحزن ... بدنوٍ من السكن وتمتع بِكَرّ طر ... فك في وجهه الحسن فدعا بألفي دينار، ألف لي وألف لمحمد بن عمرو. فقلت: يا أمير المؤمنين الشعر لي فما معنى ألف لمحمد؟ قال: لأنه جاء معك. وأمر الملهين بالدخول فأدخلوا، فما زال ينشد الشعر، ولقد قام يريد البول فسمعته يردده. قال أبو العيناء: أنشدني المعتصم بعقب مدحٍ جرى لبغداد: سقاني بعينيه كأس الهوى ... فظلت وبي منه مثل اللمم بعيني مهاةٍ شقيقته ... وشنبٍ عذابٍ وفرعٍ أحم قال أبو العيناء: فتوهمت أنه يعني سر من رأى ويكني عنها بذلك الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين قال مروان في جدك قريش: الأبلج ذو البهاء غيث العفاة غد الأنواء وهم زمام الدولة الزهراء. فقال: قل يا أبا عبد الله في مدح بني هاشم لك ولغيرك فلقد أصبت مقالاً، فأنشدته لمروان بن أبي حفصة: إلى ملكٍ مثل بدر الدجى ... عظيم الفناء رفيع الدعم قريع نزارٍ غداة الفخار ... ولو شئتُ قلتُ جميع الأمم له كفُّ جودٍ تفيد الغنى ... وكفُّ تبيد بسيف النِّقم فقال: زدني، فأنشدته: انتجعي يا ناق ملك غالب ... قريش بطحاء أولي الأهاضب والرأس ممدودٌ على المناكب ... مدَّ القباطيّ على المشاجب فقال: زدني، فأنشدته: يا قطب رجراجة الملحاء ... ومنزل البدر من السماء والمجتدي في السنة العجفاء فقال: حسبك يا أبا عبد الله. ثم التفت إلى جارية بين يديه فقال: عشر بدر ووصيفة وفرساً ومملوكاً وخمسين ثوباً الساعة، فجيء بذلك كله، فأعطاه إياه وانصرف. فقال له الناس: يا أبا العيناء ما هذا؟ قال: مال الله على يد عبد الله، الحمد لله والشكر لأمير المؤمنين ما دامت السماء وما حملت مقلتاي الماء. قال أحمد بن أبي طاهر: أخبرني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استُخلف المتوكل بعثت إليه بقصيدة مدحت فيها ابن أبي دؤاد وفي آخرها بيتان ذكرت فيهما ابن الزيات بين يدي ابن أبي دؤاد وهما: وقيل ليَ الزيات لاقى حمامه ... فقلت أتاني الله بالفتح والنصر لقد حفر الزيات بالغدر حفرةً ... فألقي فيها بالخيانة والغدر فلما صارت القصيدة في يدي ابن أبي دؤاد ذكر لك للمتوكل وأنشده البيتين، فقال: احضرنيه. قال: هو باليمامة. قال: يُحمل. قلت: عليه دين. قال: كم؟ قلت: ستة آلاف دينار. قال: يعطاها. فأُعطيت ذلك وحملت وصرت إلى سر من رأى وامتدحت المتوكل بقصيدة أقول فيها: رحل الشباب وليته لم يرحل ... والشيب حل وليته لم يحلل فلما صرت من القصيدة إلى هذا البيت: كانت خلافة جعفر كنبوةٍ ... جاءت بلا طلب ولا بتبخل وهب الإله له الخلافة مثلما ... وهب النبوة للنبي المرسل فأمر لي بخمسين ألف درهم.

стр. 117

قال: وكان علي بن الجهم يقع في مروان ويثلبه حسداً لمنزلته من أمير المؤمنين. فقال له المتوكل: يا علي أيكما أشعر؟ قال: أنا أشعر منه. قال: ما تقول يا مروان؟ قال: إذا حققت شعرك في أمير المؤمنين لم أبال بمن زيّف شعري. ثم التفت مروان إلى علي فقال: يا علي أنت أشعر مني؟ قال: نعم، تشكّ في ذا؟ قال أمير المؤمنين: بيني وبينك. قال: هو يحابيك. فقال المتوكل: هذا من عيّك. ثم التفت إلى حمدون النديم فقال: ذا حكم بينكما. فقال: يا أمير المؤمنين تركتني بين لحيي الأسد! قال: لا بد أن تصدقني قال: يا أمير المؤمنين أعرقهما في الشعر أشعرهما، فقال المتوكل: يا مروان اهجه. قال: لا أبدأه ولكن يقول. فقال علي: قد كظّني النبيذ ولست أقدر أن أقول. قال مروان: لكني أقول: إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني وإذا التقينا فاق شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني إن ابن جهمٍ ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما عاداني فقال المتوكل: يا مروان بحياتي لا تقصر! فقال: يا عليُّ يا ابن بدرٍ ... قلت أمي قرشيه قلت ما ليس بحقٍ ... فاسكتي يا نبطيه اسكتي يا بنت جهمٍ ... اسكتي يا حلقيه قال: فجعل المتوكل يضرب برجله ويضحك وأمر لي بألف دينار، قال مروان: صرت إلى المتوكل فقلت: سقى الله نجداً والسلام على نجد ... ويا حبذا نجدٌ على القرب والبعد نظرت إلى نجدٍ وبغداد دونها ... لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد ونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتي ... ولا شيء أحلى من زيارتهم عندي قال: فلما تممت إنشادها أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوباً وثلاثة من الظهر فرساً وبغلة وحماراً، فما برحت حتى قلت في شكره: تخيّر رب الناس للناس جعفرا ... فملّكه أمر العباد تخيّرا فلما صرت إلى هذا البيت: فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبّرا قال: لا والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي ولا تبرح أو تسأل حاجة. قلت: يا أمير المؤمنين الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها من اليمامة ذكر ابن المدبر أنها وقف من المعتصم. قال: فإني أقبّلكها بخراج درهم. قلت: لا يحسن أن يؤدي درهم. فقال ابن المدبر: فألف درهم. قلت: نعم. فأمضاها لي ثم قال: ليست هذه حاجة. قلت: فضياعي التي كانت لي وحال ابن الزيات بيني وبينها. فأمر بردّها عليّ. قال: وقال أبو يعقوب الخطابي: كنت جالساً عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال: يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، فبينا نحن نتحدث إذ أبصر أعرابياً يحط به الآل من خوخةٍ مشرفة له على الصحراء، فقال لحاجبه: إن كان هذا يريدنا فأدخله! فدخل الأعرابي وسلّم وأنشأ يقول: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فلا أطيق العيال إذ كثروا ألح دهرٌ رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فاضطرب، وقال: أرسلوك وانتظروا! يا غلام ما فعل بغلتنا الفلانية؟ قال: حاضرة. قال: كم هي؟ قال: ألف دينار. قال: اطرحها إليه. ثم قال: اذهب إليهم بما معك ثم إذا احتجت فارجع. وعن أبي يعقوب الخطابي قال: دخل أعرابي معه صبي صغير في نطع إلى معن بن زائدة وقال: سميتُ معناً بمعنٍ ثم قلت له ... هذا سميّ امريءٍ في الناس محمود أنت الجواد ومنك الجود أوله ... لا بل يمينك منها صورة الجود فأعطاه ألف دينار. قال: ودخل يزيد بن مزيد الشيباني أحد الأجواد مسجداً باليمن فوجد في قبلته مكتوباً: مضى معنٌ وخلاني ببثّي ... على معن بن زائدة السلام فسأل عن قائله، فإذا هو معهم، فقال: يا غلام أمعك شيء؟ قال: نعم ألف دينار. قال: فادفعها إليه. فخرج الرجل وهو يقول: رحم الله أبا الوليد وصلني حياً وميتاً. وحدثنا جعفر بن منصور بن المهدي قال: حدثني أبي قال: حج المهدي فنزل زبالة فدخل حسين بن مطير الأسدي عليه فقال: أضحت يمينك من جودٍ مصوّرةً ... لا بل يمينك منها صورة الجود

стр. 118

من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجري الماء في العود فقال له المهدي: كذبت. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لقولك في معن بن زائدة: ألِمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا فيا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا فلما مضى معنٌ مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا فكنت لدار الجود يا معن عامراً ... فقد أصبحت قفراً من الجود بلقعا أبى ذكر معنٍ أن يميت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماماً ومصرعا فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا فقال: يا أمير المؤمنين إنما معنٌ حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر هل بألف دينار ثم قال: سل حاجتك. فقال: بيضاء تسحب من قيامٍ فرعها ... وتغيب فيه وهو جعدٌ أسحم فكأنها فيه نهارٌ مشرقٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلم قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير. قال: ودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله إيصاله إلى الرشيد وأنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه وقد كان جعفر وصله بثلاثين ألف درهم كتب له بها إلى صالح الصيرفي وكانت فيها دراهم طبرية، فقال: ثلاثون ألفاً كلها طبريةٌ ... دعا لي بها لما رأى الصك صالح دعا بالزيوف الناقصات وإنما ... عطاء أبي الفضل الجياد الرواجح فقلت له لما دعا بزيوفه ... أألجدُّ هذا منك أم أنت مازح فلما أنشده ذلك جعفراً ضحك وقال: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده: كأن الشمس يوم أصيب معنٌ ... من الظلماء ملبسةٌ جدولا وكان الناس كلهم لمعنٍ، ... إلى أن زار حفرته، عيالا فقال جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله؟ قال: لا. قال: فلو كان حياً ثم سمعها منك بكم كان يثيبك؟ قال: بأربع مائة دينار. قال: أظن أنه كان لا يرضاها لك، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت وزدناك مثلها لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن لقبضها منه. قال: ودخل أعرابي على داود بن يزيد بالسند فقال: أيها الأمير تأهب لمديحي. فتأهب ثم قال: لئن أحسنت لأحسنن إليك ولئن أسأت لأردن شعرك عليك، فقال: أمنت بداودٍ وجود يمينه ... من الحدث المخشيّ والبؤس والفقر وأصبحت لا أخشى بداود نبوةً ... ولا حدثاناً إذ شددت به أزري فما طلحة الطلحات ساواه في الندى ... ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري له حكم لقمانٍ وصورة يوسفٍ ... وملك سليمانٍ وصدق أبي بكر فتىً تهرب الأموال من طلّ كفه ... كما يهرب الشيطان من ليلة القدر فقال: يا أعرابي أحسنت فاحتكم وإن شئت فاردد الحكم إليّ. فقال: ما عند الأمير ما يسعه حكمه. فقال: أنت في هذا أشعر. وأمر هل بعشرة آلاف درهم. قال: ودخل محمد بن الجهم على المأمون فقال: أنشدني أحسن ما سمعته في المديح. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قوله: يجود بالنفس إذ ضنّ البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود فقال: أنشدني أخبث ما سمعته في الهجو، فقال قوله: قُبحت مناظره فحين خبِرتَه ... حَسُنت مناظره لقبح المَخبر قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في المراثي، فقال قوله: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر ومثله: على قبره بني القبور مهابةٌ ... كما قبله كانت على ساكن القبر قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في الغزل، قال قوله: حبٌ مُجدٌّ وحبيبٌ يلعب ... وأنت ملقىُ بينهم معذَّب فاستحسن الأبيات ثم أمر بتقليدي الصيمرة والسيروان ومهرجانقذق والدينور ونهاوند، فانصرفت من عنده بولاية الجبل. مساوئ منع الشعراء والبخل قيل: كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم يدخلون ويخرجون، فقال:

стр. 119

إن الخيار من البرية هاشمٌ ... وبنو أمية أرذل الأشرار وبنو أمية عودهم من خِزوعٍ ... ولهاشم في المجد عود نضار أما الدعاة إلى الجنان فهاشمٌ ... وبنو أمية من دعاة النار وبهاشمٍ زكت البلاد وأعشبت ... وبنو أمية كالسراب الجاري فلم يؤذن له في الدخول على أبي العباس ولم يصله أحد من بني هاشم، فولّى وهو يقول: يا ليت جور بني مروان عاد لنا ... وأن عدل بني العباس في النار قال: وقال المؤمل المحاربي: شخصت إلى المهدي وهو بالري فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فرُفع الخبر إلى المنصور فبعث قائداً إلى جسر النهروان يستبري القوافل، فلما وردت عليه قال: من أنت؟ قلت: أنا المؤمل أقبلت من عند الأمير من الري. فقال: إياك أردت! ثم أخذ بيدي فأدخلني على المنصور وهو بباب الذهب، فقال: أتيتَ غلاماً غراً فخدعته! فقلت: بل أتيتُ غلاماً غراً كريماً فخدعته فانخدع. فقال: أنشدني ما قلته فيه، فأنشدته: هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير فهذا في الظلام سراج ليلٍ ... وهذا بالنهار سراج نور ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أميرٌ ... وماذا بالأمير ولا الوزير ونقص الشهر يخمد ذا وهذا ... منيرٌ عند نقصان الشهور فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور لقد سبق الملوك أبوك حتى ... تراهم بين كابٍ أو أسير وجئت وراءه تجري حثيثاً ... وما بك حين تجري من فتور فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق إلى الجدير فإن بلغ الصغير مدى كبيرٍ ... فقد خُلق الصغير من الكبير فقال: ما أحسن ما قلت ولكن لا يساوي ما أخذت، يا ربيع خذ منه ستة عشر ألفاً وخله وما سواها. قال: فحط والله الربيع ثقلي حتى أخذ مني ستة عشر ألفاً فما بقيت معي إلا نفيقة، فآليت على نفسي أن لا أدخل العراق وللمنصور بها ولاية، فلما بلغني موت المنصور واستخلاف المهدي قدمت بغداد وقد جعل المهدي على المظالم رجلاً يقال له ابن ثوبان، فرفعت إليه قصة أذكر فيها خبري فعرضها على المهدي، فضحك حتى استلقى وقال: هذه مظلمة أنا بها عارف، ردوا عليه ماله وزيدوا له عشرين ألفاً، فأخذتها وانصرفت. قيل: ودخل عون على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير بالباب يريد الدخول عليك. فقال عمر: ما أدري أن أحداً من أمة محمد، ﷺ ، يحجب عني. قال: إنه يريد إذناً خاصاً قال: أدخله. فخرج عون وأخذ بيده فأدخله، فشكا إليه طول المقام وشدة الحال وإلحاح الزمان وجهد العيال وسأله أن يأذن له في إنشاده شعراً. فقال: إن أمير المؤمنين لفي شغل عن الشعر. فقال: إنها رسالة من أهل الحجاز، قال: هاتها، فقال: قد طال قولي إذا ما كنت مجتهداً ... يا رب عاف قوام الدين والبشر خليفة الله ثم الله يحفظه ... عند المقام وإما كان في السفر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر بذَّ الخليفة أن كانت له قدَراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر ما زلت بعدك في دارٍ تؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني الذي نُبئت من خبري كم بالمواسم من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيمٍ ضعيف الصوت والنظر أمسى حزيناً يبكي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر إن تسه عنه فمن يرجو لفاقته ... أو تنح عنه فقد أنحيت من ضرر أنت المبارك والمهدي سيرته ... تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور ما ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا بادٍ على حضر

стр. 120

هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر فبكى عمر ثم رفع رأسه وقال: ما حاجتك يا جرير؟ قال: حاجتي ما عوّدتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذاك؟ قال: أربعمائة من الإبل برعاتها وتوابعها من الحملان والكسى. قال له عمر: أمن المهاجرين أنت؟ قال: لا. قال: فمن الأنصار؟ قال: لا. قال: فممن أنت؟ قال: من التابعين بإحسان. قال: إذاً نجري عليك كما نجري على مثلك. قال: فإني لا أريد ذاك. قال: فما أرى لك في بيت المال غيره. قال: إنما جئت أسألك من مالك! قال: فإن لي كسوة ونفقة وأنا أقاسمكهما. قال: بل أؤثرك وأحمدك يا أمير المؤمنين. فانصرف من عنده وهو يقول: وجدت رُقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا ولبعض الشعراء في مثله: إن حراماً قبول مدحته ... ومنع ما يرتجى من الصفد كما الدنانير والدراهم في ال ... صرف حرام إلا يداً بيد وقال: أبو نجدة في مثله: فلما أن بلوناك ... ولم نلقك بالناشط أطعنا فيك ميموناً ... فصورناك في الحائط إذا لم تك نفّاعاً ... فأنت النازح الشاحط سواء أنت في عيني ... بِجَي كنت أو واسط وروي في الحديث قال: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً. ويقولون: الشحيح أعذر من الظالم، وأقسم الله جل وعز بعزته لا يساكنه في جنته بخيل. وقال النبي، ﷺ : من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يُغلق عليه، وقال الشاعر في ذلك: ليس في كل ساعةٍ وأوان ... يتهيّا صنائع الإحسان فإذا أمكنت تقدّمت فيها ... حذراً من تعذر الإمكان وسئل بعض الحكماء: من أكيس الناس في زماننا؟ فقال: ابن أبي دواد حيث يقول فيه الشاعر: بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلل عنهم شباه العدم وحذّره الحزم صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النعم فليس وإن بخل الباخلو ... ن يقرع سناً له من ندم ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليمنع سُوّاله عن نعم ولكن ترى مشرقاً وجهه ... ليرتع في ماله مَن عدم وفصلٌ لبعضهم في هذا المعنى: إن لأيام القدرة على الخير غنائم فاصطنعها ما دامت راهنة لديك وأنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك. وفي المثل السائر في البخل: هو أبخل من قاذر. وهو رجل من بني هلال ابن عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه وقذر الحوض فسمي قاذراً، وذكروا أن بني فزارة وبني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك وتراضوا به، فقالت بنو هلال: يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار! فقالت بنو فزارة: لم نعرفه. وكان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا، فزاري وثعلبي وكلابي، فصادوا حمار وحش، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه وأكلاه وخبيا للفزاري جلد الحمار، فلما رجع قالا له: قد خبأنا لك فكل، فأقبل يأكل ولا يسيغه، فجعلا يضحكان، ففطن وأخذ السيف وقام إليهما فقال لهما: إن أكلتماه وإلا قتلتكما، فامتنعا، فضرب أحدهما فأبان رأسه، وتناوله الآخر فأكل منه، فقال فيهم الشاعر: نشدتك يا فزار وأنت شيخٌ ... إذا خيرت تخطيء في الخيار أصيحانية أدمت بسمنٍ ... أحب إليك أم جلد الحمار فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض وقذره بخلاً. فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين وأخذ الفزاريون منهم مائة بعير. وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر: لقد جلّلتْ خزياً هلال بن عامر ... بني عامرٍ طراً بسلحة قاذر فأفّ لكم لا تدركوا الفخر بعدها ... بني عامرٍ أنتم شرار المعاشر وفي المثل: هو أبخل من نار الحباحب، وهو رجل كان في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل.

стр. 121

ومنهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحاً خرج يوماً إلى الصيد فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه نجيح فتناول منها بعضها، فلم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها، فقال: يا هذا ما الذي بين يديك وكيف تستطيع حمله، ألك هو أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى! أجوادٌ أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟ فقال الأعمى: كيف تطلب مال رجل قد غاب منذ سنتين وهو سعد بن خشرم بن شماس؟ فأتني بسعد يعطك ما تشاء. فانطلق نجيح مسرعاً قد استطير فؤاده حتى وصل إلى محلته ودخل خباءه فوضع رأسه ونام لما به من الغم لا يدري من سعد، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل بن شيبان، فخرج وسأل عن بني محلّم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه، فحياه نجيح فردّ عليه. فقال له نجيح: من أنت؟ قال: خشرم بن شماس. قال: وأين ابنك؟ قال: خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي وذلك أن آتياً أتاه في منامه فحدثه أن مالاً له في نواحي بني يربوع لا يعلم له إلا نجيح، فضرب نجيح بطن فرسه وهو يقول: أيطلبني من قد عناني طلابه ... فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم أتيت بني يربوع تطلبني به ... وقد جئت كي ألقاك حي المحلّم فلما دنا من محلته استقبل سعداً فقال له: أيها الراكب هل لقيت سعداً في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدلّ على نجيح؟ قال: أنا نجيح، وحدثه بالحديث ثم قال: الدال على الخير كفاعله، وهو أول من قاله. فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان، فتوارى الرجل حين أبصرهما وترك المال فأخذه سعد كله. فقال له نجيح: يا سعد قاسمني! فقال له: اطو عن مالي كشحاً، وأبى أن يعطيه. فانتضى نجيح سيفه فجعل يضربه حتى برد، فلما وقع قتيلاً تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه، فلما رأى نجيح ذلك ولّى هارباً إلى قومه. قال: وكان أبو عميس بخيلاً فكان إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول له: كم من مدينة قد دخلتها ويدٍ قد وقعت فيها والآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار! ثم يرمي به في صندوقه فيكون ذلك آخر العهد به. وقيل: ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شقٍّ لا إله إلا الله، وفي شقٍّ محمد رسول الله، ﷺ ، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة، وقذفه في صندوقه. وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر فامتدحه فسعل سعلة فضرط، فأنشأ الشاعر يقول: أتيت المسيب في حاجةٍ ... فما زال يسعل حتى ضرط فقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط فولع به الصبيان، فكان كلما مر قالوا: من الضرط جاء الغلط. فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل. وكان أبو الأسود الدّئليّ بخيلاً وهو القائل لبنيه: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون فقير لفعل. وسمع رجلاً يقول: من يعشي الجائع. فعشاه، ثم ذهب ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي غيريمن المسلمين كما آذيتني! ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح. قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع فيلحّ عليه ويسأله الغداء عنده فيقول: لعلك تظن أني أتكلف لك شيئاً! والله لا أقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس في بيته إلا كسر يابسة وملح جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال: وسع الله عليك، فلم يذهب، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقنّ ساقك. فقال ابن المقفع للسائل: لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تردد كلمة ولم تقم طرفةً ببابه. المدائني عن خالد كيلويه قال: كنت نجاراً حاذقاً فذُهب بي إلى المنصور فقال: افتح لي باباً أنظر منه إلى المسجد وعجّل الفراغ منه. قال: ففتحت الباب وعلّقت عليه باباً وجصصته وفرغت منه قبل الصلاة، فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه فأعجبه عملي وقال لي: أحسنت بارك الله عليك! وأمر لي بدرهمين. قال: وقال المنصور للمسيب بن زهير: أحضرني بنّاء حاذقاً الساعة.

стр. 122

فأحضره، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال: ابن لي بإزائه طاقاً يكون شبيهاً بالبيت. فلم يزل يُؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوّده، ونظر إليه واستحسنه فقال للمسيب: اعطه أجره. فأعطاه خمسة دراهم فاستكثرها وقال: لا أرضى بذلك، فلم يزل حتى نقصه درهماً، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالاً. وحكي عن المنصور أنه لُدغ فدعا مولىً يقال له أسلم رقاءً فأمره أن يرقيه فرقّاه فبريء، فأمر له برغيف، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول: رقّيت مولاي فبريء فأمر لي برغيف! فبلغ المنصور ذلك فقال: لم آمرك أن تشنّع عليّ! قال: لم أشنّع إنما أخبرت بما أمرت. فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث صفعات. وعن الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ ذات يوم على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين أتنقض عليّ فمي وأنتم أهل بيت بركة؟ فلو أذنت يل لقبّلت رأسك لعل الله يشد فمي. فقال المنصور: اختر ذلك أو الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون عليّ من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكّة. ومنه مكاتبات: كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر. قيل: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب. فكتب إليه: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً، وإن كنت صادقاً فجعلك الله معذوراً. قال: وكتب بعضهم يصف رجلاً: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل، امتع الله بك، فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان الله، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله، وإن الرجاء لما يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله، إنه يرى الإقتار الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب الله عليه، والاقتصاد الذي أمر الله به هو الإسراف الذي يعذب الله عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل أحلامهم وقديم علم تدارسوه من آبائهم، وإن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة والهمة مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق والسخاء من همزات الشياطين، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه من إحدى الكبائر، وإن الله لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة على نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين قطع الله أدبارهم ونهى جل اسمه عن اتباع آثارهم، وإن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، وإن الريح العقيم أهلكت عاداً وثموداً لتوسعٍ كان فيهم، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم، رحمك الله، بمكانك واصبر على عسرك لعل الله أن يبدلنا خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً. ومنه فن آخر، وصف أعرابي رجلاً فقال له: بشر مُطمع ومطل موئس، فأنت منه أبداً بني اليأس والطمع، لا منع مريح ولا بذل سريح. وقال أعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم، ولست بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه. وذكر أعرابي رجلاً فقال: له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس. ويقال: سرعة اليأس أحد النجحين. وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق الخلّب، وأماني الكمّون، ونار الحباحب، وصلفٌ تحته راعدة. ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى: أما بعد فإن كثرة المواعيد من غير نجح عار على المطلوب، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا بالتعلل بها دون النجاح، كقول الأول: لا تجعلنا ككمّون بمزرعةٍ ... إن فاته الماء أروته المواعيد

стр. 123

ولآخر منهم: ما رأيت مثل طيب قولك أمرّه سوء فعلك، ولا مثل بسط وجهك خالفه ضيق تنكيدك، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها فرط مطلك، ولا مثل أنس بديهتك أوحش منه قبيح عواقبك، حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة، وكأنه زيّنك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل. وقال بعضهم: وعدتنا مواعيد عرقوب، ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور السراب، ومنيتنا أماني الكمّون. ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني متعلقاً بوعدك فالعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن كنت تريد الإنعام فأنجح وإن تعذرت الحاجة فأوضح وأعلمني ذاك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك. وذكروا أن فتىً من مراد كان يختلف إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: ألك امرأة؟ قال: لا. قال: أفتتزوج وعلي المهر؟ فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت: إذا حدّثتك النفس أنك قادرٌ ... على ما حوت أيدي الرجال فكذّب فتزوج ثم أتى عمرو بن العاص، فاعتلّ عليه ولم ينجز له وعده، فشكا ذلك إلى أمه، فقالت: لا تغضبن على امريءٍ في ماله ... وعلى كرائم مال نفسك فاغضب ولبعض الشعراء في هذا المعنى: أروح وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأُصبح منها غدوةً كالذي أمسي وقد كنت أرضى للصديق شفاعتي ... فقد صرت أرضى أن أُشفّع في نفسي ولأبي نواس: وعدتني وعدك حتى إذا ... أطمعتني في كنز قارون جئت من الليل بغسالةٍ ... تغسل ما قلت بصابون وأنشد لأبي تمام: يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاثٍ بغير تكذيب فكنز قارون أن يكون له ... وعمر نوحٍ وصبر أيوب ولآخر: إني لأعجب من قولٍ غررت به ... حلو يلذّ إليه السمع والبصر لو تسمع العصم في صم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعمٌ ولا حبر وكالسراب شبيهاً بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا أثر ولا ينبت العشب عن برق وراعدةٍ ... غرّاء ليس بها سيل ولا مطر ومما قيل من الشعر في البخل بالطعام لبعضهم: رأيت أبا عثمان يبذل عرضه ... وخبز أبي عثمان في أكرم الحرز يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحنّ إلى الخبز ولآخر: ما كنت أحسب أن الخبز فاكهةٌ ... حتى نزلت على عوف بن خنزير الحابس الروث في أعفاج بغلته ... بخلاً على الحبّ من لقط العصافير ولغيره: نوالك دونه خرط القتاد ... وخيرك كالثريا في البعاد ترى الإصلاح صومك لا لنسكٍ ... وكسراً للرغيف من الفساد أرى عمر الرغيف يطول جداً ... لديك كأنه من قوم عاد ولآخر: اللؤم منك على الطعام طباع ... فعيال بيتك ما حييت جياع وإذا يمرّ بباب دارك سائلٌ ... هرّت عليه نوابحٌ وسباع وعلى رغيفك حيةٌ مسمومةٌ ... وعلى خوانك عقرب وشجاع ولآخر: يا تارك البيت على الضيف ... وهارباً منه من الخوف ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع فكن ضيفاً على الضيف إذ ااشتهى الضيف طبيخ الشتا ... أتاه بالشهوة في الصيف وإن دنا المسكين من بابه ... شدّ على المسكين بالسيف ولآخر: يكتب بالحبر على خبزه ... والله لا يأكله الجار ويسأل الخادم من بخله ... أي رغيف فيه آثار ويختم القدر على أهله ... ويشعب العظم بمسمار والماء في منزله طرفةٌ ... يشربه الناس بمقدار ولآخر: أرى ضيفك في الدار ... وكرب الموت يغشاه على خبزك مكتوب ... سيكفيكهم الله ولآخر: لأبي نوحٍ رغيفٌ ... أبداً في حجر دايه أبداً يمسحه الده ... ر بكمّ ووقايه

стр. 124

وله كاتب سرٍّ ... خطّ فيه بعناية فسيكفيكهم الل ... هـ إلى آخر آيه ولآخر: الخبز يبطي حين يدعو به ... كأنه يقدم من قاف ويمدح الملح لأصحابه ... يقول هذا ملح سيراف سيّان أكل الخبز في داره ... وقلع عينيه بخطّاف ولآخر: فتىً لا يغار على عرسه ... ولكن يغار على خبزه فمنه يد الجود مقبوضةٌ ... وكفُّ السماحة في عجزه ولآخر: يصونون أثوابهم في التخوت ... وأزواجهم يخترقن السكك ينحّون من رام رغفانهم ... ويدنون من رام حلّ النكك ولآخر: ولو أن الذباب تراء يوماً ... عدت غرثى لصحفته تروم لنادى في العشيرة أدركوني ... ألا أين القماقم والقروم فيا ويل الذباب إن ادركوه ... وفي الهيجا عدوهم سليم ولآخر: أما الرغيف لدى الخوا ... ن فمن كريمات الحرم ما إن يُجسّ ولا يم ... سّ ولا يذاق ولا يشم فتراه أخضر يابساً ... بالي النقوش من الهرم ولآخر: أتينا أبا طاهرٍ مفطرين ... غلى رحله فرجعنا صياما وجاء بخبزٍ له حامضٍ ... وقلت دعوه وموتوا كراما وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: لا أعرف لمولَّد أهجى من قول أبي نواس: وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذباب شرابك كالسراب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب ولآخر: خان عهدي عمروٌ وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده ليس لي ما حييت ذنبٌ إليه ... غير أني يوماً تغديت عنده الخليل بن أحمد: كفّاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه فكفٌّ عن الخير مقبوضةٌ ... كما انقبضت مائةٌ تسعه ولآخر: أتيت أبا عمرو أٌرجّي نواله ... فزاد أبو عمروٍ على حزني حزنا فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فآب بلا أذنٍ ولم يستفد قرنا مساوئ من استدعى الهجاء ومن هجا نفسه قال أبو العتاهية: خرجت مع المهدي إلى الصيد فتفرق أصحابه وبقيت معه وقد أقبل علينا المطر، فانتهينا إلى ملاح معه زورق فقال لنا: ادخلا من هذا المطر. فدخلنا ووقعت الرعدة على المهدي من شدة البرد فقال له الملاح: هل لك أن ألقي عليك جبتي؟ فقال: نعم. فألقاها عليه. فما زال يتقرقف حتى نام، ثم أقبل الخدم والغلمان وألقوا عليه الخز والوشي، فلما انتبه أمر بدفع ذلك إلى الملاح وقال: يا أبا العتاهية ألا هجوتني! فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف تطيب نفسي بهجائك؟ قال: فإني أسألك بالله، فقلت: يا لابس الوشي على شيبه ... ما أقبح الأشيب في الداح فنقر نقرة ثم قال: زدني، فقلت: لو شئت أيضاً جُلت في خامةٍ ... وفي وشاحين وأوضاح فقال: ويلك زدني، فقلت: كم من عظيم الشأن في نفسه ... قد بات في جبة ملاح قيل: وشرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فلما ثمل قال: يا أخطل اهجني ولا تفحش، فأنشأ يقول: ألا اسلم سلمت أبا خالدٍ ... وحياك ربك بالعنقز وروّى عظامك بالخندري ... س قبل الممات ولم تعجز أكلت الدجاج فأفنيتها ... فهل في الحنانيص من مغمز ودينك حقاً كدين الحما ... ر بل أنت أكفر من هرمز فرفع يده ولطمه وقال: يا ابن اللخناء ما بكل هذا أمرتك! قال: ودخل أبو دلامة على المنصور وعنده المهدي وعيسى بن موسى، فقال له المنصور: اهج بعض من في المجلس. فقال في نفسه: من أهجو، الخليفة أم ابن أخيه؟ ما أحد أحق بالهجاء مني، فقال: ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ... غذاك اللؤم تتبعه الدمامه إذا لبس العمامة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إذا وضع العمامه فضحك المنصور وأمر له بجائزة.

стр. 125

قيل: وأتى أعرابي عبد الله بن طاهر فقال: أيها الأمير اسمع مديحتي. فقال: لست أنحاش له. قال: فاسمع شعري في نفسي. قال: هات، فقال: ليس من بخلك أني ... لم أجد عندك رزقا ذا لجدّي ولشؤمي ... ولحرفي المُبَقّى فجزاك الله خيراً ... ثم بعداً لي وسحقا فضحك ثم قال: تلطفت في الطلب، وأمر له بألف دينار. محاسن الرجال مدح أعرابي رجلاً فقال: فتىً آتاه الله الخير ناشئاً فأحسن لبسه وزين نفسه. ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان والله للأخلاء وصولاً وللمال بذولاً، وكان الوفاء بهما عليه كفيلاً، فمن فاضله كان مفضولاً. ومدح أعرابي رجلاً فقال: هو أكسبهم للمعدوم وآكلهم للمأدوم وأعطاهم للمحروم. ومدح أعرابي رجلاً فقال: ما زلت لأحسن ما يرجى من الإخوان منك راجياً وما زلت لأكثر ما أرجو منك مصدقاً. ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان والله تعباً في طلب المكارم وغير ضالّ في مصالح طرقها ولا متشاغل عنها بغيرها. ومدح أعرابي رجلاً فقال: لسانه أحلى من الشهد وقلبه سجن للحقد. ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك صحيح النسب مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته قابلك بكرم فعال وحسن مقال. ومدح أعرابي رجلاً فقال: إذا أنبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أني لك شاكر ولساني بثنائك ذاكر، وما يظهر الود السليم إلا من القلب المستقيم. ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان إذا نزلت به النوائب قام إليها ثم قام بها ولم تقعده علات النفوس عنها. ومدح أعرابي رجلاً وفرساً فقال: كان والله طويل العذار أمين العثار، إذا رأيت صاحبه عليه حسبته بازياً على مرقب معه رمح يقبض به الآجال. ومدح أعرابي رجلاً فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، وإذا أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه المسيء. قال: وقال أعرابي لرجل: أما والله لقد كنت لجاماً لأعدائك ما تفلّ شكيمتاه إذا كبح به الجموح أقعى على رجليه. قال: ولقي أعرابي أعرابياً فقال: كيف وجدت فلاناً؟ قال: وجدته والله رزين الحلم واسع العلم خصيب الجفنة، إن فاخرته لم يكذب وإن مازحته لم يحفظ. ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان يفتح من الرأي أبواباً منسدة ويغسل من العار وجوهاً مسودة. ومدح أعرابي قوماً فقال: أولئك غيوث جدبٍ وليوث حرب، إن قاتلوا أبلوا وإن أعطوا أغنوا. ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك من شجر لا يجف ثمره وماء لا يخاف كدره. مساوئ الرجال ذم أعرابي رجلاً فقال: يا نطفة الحمار ونزيع الظؤورة وشبيه الأخوال. وذم قوماً فقال: إن آل فلان قوم غدر شرّابون للخمر، ثم هذا في نفسه نطفة خمّار في رحم صناجة. وذم أعرابي رجلاً فقال: يقطع نهاره بالمُنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. وذم أعرابي رجلاً فقال: ما قنع كمياً سيفاً ولا قرى يوماً ضيفاً ولا حمدنا له شتاء ولا صيفاً. وقال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك وأشمت عاديك. وذم أعرابي رجلاً فقال: عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بفسقه، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال. وذم أعرابي رجلاً فقال: تسهر زوجته جوعاً إذا نام شبعاً، ولا يخاف عاجل عارٍ ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت ونكحت ما وجدت. وذم أعرابي رجلاً فقال: ذاك أعيا ما يكون عند الناس أبلغ ما يكون عند نفسه. ولام أعرابي رجلاً فقال: تقطع أخاك لأبيك وأمك! فقال: إني لأقطع الفاسد من جسدي وهو أقرب إلي من أخي وأعز فقداً منه. وذم أعرابي قوماً فقال: يا قوم لا تسكنوا إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنة بني فلان، وأنتم ترون الدماء تسيل من أفعالهم، قد جعلوا المعاذير ستوراً والعلل حجباً. وذم أعرابي رجلاً فقال: إذا سأل ألحف وإذا سُئل سوّف، يحسد أن يفضَّل ويزهد أن يفضِّل. وذم أعرابي رجلاً فقال: يكاد أن يعدي بلؤمه من تسمى باسمه. وذم أعرابي رجلاً فقال: تعدو إليه مواكب الضلالة وترجع من عنده بهلاك الأنام، معِدمٌ مما يحب مثرٍ مما يكره. وقال أعرابي لرجل: والله ما جفانكم بعظام ولا أجسامكم بوسام ولا بدت لكم نار ولا طلبتم بثار.

стр. 126

ورأى أعرابي رجلاً ظلوماً يدعو فقال: يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو مؤمنٍ ولست أحداً منهما، أراك تخفّ عليك الذنوب وتحسن عندك مقابح العيوب. وذم أعرابي رجلاً فقال: فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أنه أحب الخبر، ولا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو قذف لؤمه على الليل طمس نجومه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه. وسأل أعرابي رجلاً فقال: لقد نزلت بوادٍ غير ممطور وبرجل بك غير مسرور، فارتحل بندم أو أقم بعدم. وذم آخر رجلاً فقال: ما كان عنده فائدة ولا عائدة ولا رأي جميل ولا إكرام الدخيل. وقيل لأعرابي: ما بلغ من سوء خلقك؟ قال: تبدو لي الحاجة إلى الجار أو الصاحب في بعض الليل فأصبح غضبان عليه أقول كيف لم يعلمها؟ وذكر أنه تنافر رجلان من بني أسد إلى هرم بن سنان المرّيّ في الشرّ وعنده الحطيئة فقال أحدهما: إني بقيت زماناً وأنا أرى أني شر الناس وألأمهم حتى أتاني هذا فزعم أنه شر مني، فقال هرم: أخبراني عنكما. فقال أحدهما: لم يمر بي أحد قط إلا اغتبته ولا ائتمنني إلا خنته ولا سألني إلا منعته. وقال الآخر: أما أنا فأبطر الناس في الرخاء وأجبنهم في اللقاء وأقلهم حياء وأمنعهم خباء. فقال هرم: وأبيكما لقد ترددتما في الشر ولكن أخبركما بمن هو شر منكما! قالا: ما ولدت ذاك النساء! قال: بلى، هذا الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه ومن أعطاه ومن أحسن إليه، فقال لأبيه: لحاك الله ثم لحاك حقاً ... أباً ولحاك من عمّ وخال فبئس الشيخ أنت على النوادي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي جمعت اللؤم لا حياك ربي ... وأبواب المخازي والضلال وقال لأمه: تنحّي فاقعدي مني بعيداً ... أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحدثينا ألم أوضح لك البغضاء مني ... ولكن لا إخالك تعلمينا وقال لنفسه: أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشرٍّ فما أدري لمن أنا قائله أرى لي وجهاً شوه الله خلقه ... فقُبّح من وجهٍ وقبح حامله وقال لمن أعطاه: سألتُ فلم تبخل ولم تُعطِ نائلاً ... فسيّان لا ذمٌ عليك ولا حمد قيل: ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص. فقال: الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلّت به إلى الحضيض قدمه ... والشعر لا يسطيعه من يظلمه يريد أن يعربه فيعجمه فقيل له: أوص للمساكين بشيء. فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور. قيل: أوص فقد حضرك أمرك. فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث. قيل له: إن الله لم يأمر بهذا! قال: لكني آمر به. فقيل له: اعتق غلامك يساراً الأسود. قال: هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسيّ. قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: هذا المِحجن ما أطمع في خير، وأومأ إلى لسانه ثم جعل يبكي. فقيل له: ما يبكيك، أجزعاً من الموت يا أبا مليكة؟ قال: لا ولكن ويل للشعر من رواية السوء! ثم قال: أبلغوا الشمّاخ أنه أشعر غطفان على وجه الأرض، وإن متّ فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط. وفي غير هذه الرواية أنه قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو، ثم أنشأ يقول: لكل جديدٍ لذةٌ غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ له نكهةٌ ليست بطعم سفرجلٍ ... ولا طعم تفّاحٍ ولا بنبيذ ثم خرجت روحه، فلما مات قال فيه الشاعر: لا شاعرٌ ألأم من حطيه ... هجا بنيه وهجا المريه من لؤمه مات على فريّه

стр. 127

قال: وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: من رأيت شر الناس؟ فقال: علقمة ابن وائل الحضرمي، قدم على رسول الله، ﷺ ، فأمرني أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، فانطلقت معه وهو على ناقته وأنا أمشي في ساعة حارة وليس عليّ حذاء، فقلت: احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس عليّ حذاء. فقال: لستَ من أرداف الملوك. قلت: أنا ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول ذلك. قال فقلت: الق إليّ نعليك. قال: لا تقلّهما قدماك، ولكن امش في ظلّ ناقتي وكفى لك بذلك شرفاً، وإن الظل لك لكثير. فما مرّ بي مثل ذلك اليوم. ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سريري هذا وقضيت حوائجه. ومنهم دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمّرين قال: يا بني أوصيكم بالناس شراً، لا تتبعوا لهم خيراً، كلموهم نزراً والحظوهم شزراً ولا تقبلوا لهم عذراً ولا تقيلوهم عثرة، ثم أنشأ يقول: يا رُبّ نهبٍ صالحٍ حويته ... وربّ غيلٍ حسنٍ لويته لو كان للدهر بلىً أبليته ... أو كان قرناً واحداً كفيته اليوم يبنى لدريدٍ بيته محاسن ذكر التنعم يضرب المثل بخريم الناعم، وهو خريم بن عمرو من بني مرة بن عوف، قيل له الناعم لأنه كان يلبس الخلق في الصيف والجديد في الشتاء. وسأله الحجاج: ما النعمة؟ قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا ينتفع بنفسه ولا بعيشه. قال: زدني. قال: الغنى فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الصحة فإني رأيت السقيم لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الشباب فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: لا أجد مزيداً. قال: وقال زياد لجلسائه: من أنعم الناس عيشاً؟ قالوا: أمير المؤمنين. قال: هيهات فأين ما يلقى من الرعية؟ قالوا: فأنت أيها الأمير. قال: فأين ما يرد عليّ من الثغور والخراج؟ بل أنعم الناس عيشاً شاب له سدادٌ من عيشٍ وحظّ من دين وامرأة حسناء رضيها ورضيته لا يعرفنا ولا نعرفه. قال وقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ما بقي من شبابك وتلذذك؟ قال: والله ما بقي شيء يصيبه الناس من الدنيا إلا وقد أصبته، أما النساء فلا إرب لي فيهن ولا لهن فيّ، وأما الطيب فقد شممته حتى ما أبالي به، وأما الثياب فقد لبست من ليّنها وجيّدها حتى ما أبالي ما ألبس، فما شيء ألذّ عندي من شربة باردة في يوم صائف ونظري إلى بنيّ وبني بنيّ يدرجون حولي، فأنت يا عمرو ما بقي من لذتك؟ قال: أرض أغرسها فآكل من ثمرها وأنتفع بغلّتها. ثم التفت معاوية إلى وردان فقال: يا وريد ما بقي من لذتك؟ قال: صنائع كريمة أعتقدها في أعناق الرجال لا يكافئوني عليها تكون لأعقابي من بعدي. فقال معاوية: تباً لهذا المجلس يغلبنا عليه هذا العبد! قال: وقال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواء منشور وجلوس على السرير والسلام عليك أيها الأمير. وقال لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء في دارٍ قوراء وفرس بالفناء. وقيل لرجل من بني قشير: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية. قال: صدقت. وقد قيل: العيش في سعة الرزق وصحة الجسم وإقبال الزمان وعز السلطان ومعاشرة الإخوان. وقيل: نعيم المتوسطين لون مشبع وكأس مترع وصديق ممتع وغنىً مقنع. وقيل: راحة البدن النوم، وراحة الدار أن تسكن. وقال بعضهم: ليس سرور النفس بالجدة إنما سرورها بالأمل. وقيل لبعضهم: أي الأمور أمتع؟ قال: الأماني، وأنشد في ذلك: إذا تمنيت بتُّ الليل مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس لولا المنى متُّ من همٍ ومن جزعٍ ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء وحط الأعداء. وقال بعضهم: السرور توقيعٌ نافذ وأمر جائز. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: السرور إدراك الأماني. وقال آخر: السرور معانقة الأحبة والرجوع إلى الكفاية. وقال بعضهم: العيش محادثة الإخوان والانتقال إلى كفاية.

стр. 128

وقيل لطرفة: ما السرور؟ قال: مطعم شهي ومركب وطِيّ وملبس دفيّ. وقيل للأعشى: ما السرور؟ فقال: صهباء صافية تمزجها غانية بصوب غادية. وقيل لملك: ما السرور؟ فقال: حمىً ترعاه وعدوّ تنعاه. وقيل لراهب: ما السرور؟ قال: الأمان من الوجل إذا انقضت مدة الأجل. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: زوجة وسيمة ونعمة جسيمة. وقيل لمغنّ: ما السرور؟ قال: مجلس يقلّ هذره وعودٌ يصفو وتره وعقول تفهم ما أقول. وقيل لمظلوم: ما السرور؟ قال: كفاية ووطن وسلامة وسكن. وقيل لورّاق: ما السرور؟ قال: جلود وأوراق وحبر برّاق وقلم مشّاق. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: بنون أغيظ بهم أعدائي ولا تقرع معهم صفائي. وقيل: لفتاة: ما السرور؟ فقالت؟ زوج يملأ قلبي جلالاً وعيني جمالاً وفنائي جِمالاً. وقيل لطفيلي: ما السرور؟ فقال: ندامى تسكن صدورهم وتغلي قدورهم ولا تُغلق دورهم. وقيل لقانص: ما السرور؟ فقال: قوس مأطورة وشرعة مشزورة ونبال مطرورة. وقيل لمحبوس: ما السرور؟ فقال: فكاك يفجأ وإطلاق لا يرزأ. وقيل للوطي: ما السرور؟ فقال: شخص ناضر ودرهم حاضر. وقيل لعاشق: ما السرور؟ فقال: لقية تشفي من الفرقة واعتناق يداوي من الحرقة. وكان يقال إنه حكي عن الحكماء أن لذة الثوب يوماً ولذة المركب جمعة ولذة المرأة شهراً ولذة الضيعة سنة ولذة الدار الأبد. الشعر في هذا الفن أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واحتفالٌ على متون الجياد وأيادٍ تحبو بهنّ كريماً ... إن عند الكريم تزكو الأيادي ورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي على ميعاد وللخليع: أطيب الطيبات أمرٌ ونهيٌ ... لا يُردّان في الأمور الجسام وامتطاء الخيول في كنف الأم ... ن بغير الإقدام والإحجام وسماع الصهيل في لجب المو ... كب تحت اللواء والأعلام الموصلي: أطيب الطيبات طيب الزمان ... وندام المنعمات الغواني واحتساء العقار في غرة الصب ... ح على شدو ماهرات القيان وأمانٌ من الهموم ومالٌ ... ليس تفنيه نائبات الزمان محاسن الفقر روي في الحديث أن الفقير الصبور يدخل الجنة قبل الغني الشكور بأربعين عاماً. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لأن أموت وعليّ أربعة آلاف درهم أنوي قضاءها أحبّ إلي من أن أترك مثلها حلالاً. وقال سلمان الفارسي: قد خشيت أن أكون قد تركت عهد رسول الله، ﷺ ، قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنه قال من أراد أن يدخل الجنة فلا يكون زاده من الدنيا إلا كزاد الراكب، وأنا قد جمعت ما ترون. فقوّموا ما عنده فبلغ ثمانية عشر درهماً. وكان يقال: من أصبح آمناً في سربه معافىً في بدنه عنده قوت يومه فعلى الدنيا العفاء. وروي عن النبي، ﷺ ، أنه كان من دعائه: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة الفقراء، اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً. فسأل بعضهم: ما الكفاف؟ فقال: جوع يوم وشبع يوم. وروي أن عيسى بن مريم، ﵇، كان لا يأوي سقف بيت، فألجأه المطر ذات ليلة إلى غار، فدخله فإذا سبعٌ قد سبقه إليه، فكأن صدره ضاق فأوحى الله إليه: يا عيسى ضاق صدرك فوعزتي لأزوجنّك أربعة آلاف حوراء ولأولمنّ عليك ألف عام. قال: وكان الفضيل بن عياض يقول في دعائه: اللهم أجعتني وأجعت عيالي وتركتنا في ظلم الليل بلا مصباح وإنما تفعل هذا بأوليائك فبأي منزلةٍ نلت هذا منك يا رب؟ مساوئ الفقر قيل: أمر الله موسى، ﵇، فقال: ائت كورة كذا وكذا، فقال: يا رب إني قتلت منهم نفساً وأنا خائف، فقال الله جل وعز: إني قد أمتّ أقرباءه. فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول. فقال: يا رب هذا أخوه! قال: يا موسى إني جعلته فقيراً والفقير ميت من العقل وعند الناس ميت وعند الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر. وقيل: إنه إذا أيسر الفقير ابتُلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه وامرأته يتزوج عليها وداره يهدمها ويبنيها.

стр. 129

وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله يختلفون إليه فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم، ثم اختلّ أمره فأتاهم فحرموه، فأتى أهله كئيباً، فقالت له امرأته: ما حالك؟ فقال: دعيني عنك، وأنشأ يقول: دعي عنك عذلي ما من العذل أعجب ... ولا بد حالٌ بعد حال تقلب وكان بنو عمي يقولون مرحباً ... فلما رأوني مقتراً مات مرحب كأن مُقلاً حين يغدو لحاجةٍ ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب وقال بعضهم: رب مغبوطٍ بميسرةٍ هي داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه، والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن عتب على الدهر طالت معتبته. وقال الأضبط: إرض من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه قال: وسمع سفيان الثوريّ قوماً يقولون بعضهم لبعض: كيف حالك؟ فقال: لقد بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعاً على تغيير سوء حاله إذا أخبره. قال: وقال أوس بن حارثة: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع. قيل: ومرّ رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه، فقيل له: هل كانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكن ذو المال مهيبٌ، وقال: فيه الشاعر: أرى كل ذي مال يُجلّ لماله ... ومن ليس ذا مال يهان ويحقر ويخذله الإخوان إن قل ماله ... وليس بمحبوب بلى هو يهجر وأقنع بالمال القليل تكرماً ... لأغنى به عما لديك وأصبر وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن خرشة الضبيّ وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي، فلما توافوا إليه قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدّثون بما كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها، فتقاصر إليّ ما نحن فيه فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه فإن الغنى القناعة. قال غيلان: إن اقتصرت عليّ دون أصحابي حدثتك. قال: هات. قال: أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدةٌ حتى أكلوا القدّ من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء، قال: فطفت ثلاثاً ما أطعم فيهنّ شيئاً إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت على بطني حجراً من الجوع، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم فسلّمت. فقالوا: من هذا؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالوا: والله ما أبقت لنا هذه السنة قرىً ولا فضلاً. فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة: يا عبد الله دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها. فأممتها فلما دفعت إليها سلمت فقال لي: من هذا؟ فقلت: طارق ليل يلتمس قرىً، فقال رجل منهم: يا فلان هل عندك قرى؟ قال: نعم، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلاً لطارق ليل. ثم ثار إليها فناداها فانبعثت وتفاجّت عن مثل الظبي القنيص، فضرب زبونتها ثم حلب في علبةٍ معه حتى علتها رغوة اللبن، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع، فلقد سمعت الغناء الحذّاء فما سمعت شيئاً كان أحبّ إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة، ثم أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها، فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أُصبت بشرّ كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعاً عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله وهو يقول: صدق أخو بني قيس في قوله: هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشياً عليّ، فوالله ما أيقظني إلا برد السحر. فقال زياد: قطني قد اكتفيت بهذا، هذا والله غاية الجهد فالحمد لله الذي منّ علينا بمحمد، ﷺ ، وهدانا إلى الإسلام وجعلنا ملوكاً. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟ فقال: عامر بن الطفيل. فقال أبو علي: والله كان لها ولأمثالها.

стр. 130

قال وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لقد رأيتني في الجاهلية وأخية لي وإنا لنرعى ناضحاً لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عرياناً أسعى فنظلّ نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتةً من ذلك الهبيد فنتعشى فواخصباه! قال بعض جلسائه: فوالله لقد حسدته على ذلك. قال: وسئل عمر بن الخطاب، ﵁، عن جهد البلاء فقال: قلة المال وكثرة العيال. وكان الفضيل يقول: المال يسوّد غير السيّد ويقويّ غير الأيّد. وفي كتاب كليلة ودمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظن به حسناً، وإن أذنب غيره ظنوه به، وإن كان لسوء الظن والتهمة موضعاً حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، وأنشد في ذلك: إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه ... وأومت إليه بالعيوب الأصابع ولآخر: إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه وحار ولا يدري وإن كان حازماً ... أقدّامه خيرٌ له أم وراؤه إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... ولا خير في وجهٍ يقلّ حياؤه وقيل لأعرابي: ما أشد الأشياء؟ قال: كبدٌ جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة. وقيل لأعرابي: لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا والله نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كدّه. ومما قيل فيه من الشعر: أعظم من فاقةٍ وجوع ... مقام حرٍّ على خضوع فلا ترده ولا ترد ما ... أٌنيل بالذل والخشوع واطلب معاشاً بقدر قوتٍ ... وأنت في منزلٍ رفيع لعل دهراً غداً بنحسٍ ... يعود بالسعد في الرجوع ولآخر: الموت خيرٌ للفتى ... من أن يعيش بغير مال والموت خيرٌ للكري ... م من الضراعة للرجال ولآخر: بخلت وليس البخل مني سجيةً ... ولكن رأيت الفقر شرّ سبيل لموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى ... وللبخل خيرٌ للفتى من سؤال بخيل لعمرك ما شيء لوجهك قيمةٌ ... فلا تلق مخلوقاً بوجه ذليل ولا تسألن من كان يسأل مرةً ... فللموت خيرٌ من سؤال سؤول ولآخر: لاتحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أشد من هذا لذلّ السؤال ولآخر في معناه: من كان في الدنيا أخا ثروةٍ ... فنحن من نظارة الدنيا نرمقها من كثبٍ هكذا ... كأننا لفظٌ بلا معنى ولآخر: قد أراح الله من غ ... مٍ شديدٍ وعذاب واسترحنا من عيالٍ ... وعبيدٍ ودواب وضياعٍ ونخيلٍ ... وحصادٍ وكراب واسترحنا من وقوفٍ ... لبني الدنيا بباب وقنعنا وأقمنا ... وحططنا عن ركاب حبّذا الوحدة إن كا ... ن بصيراً بالحساب ولآخر: الحمد لله ليس لي مال ... ولالخلقٍ عليّ إفضال الخان بيتي ومشجبي بدني ... وخادمي والوكيل بقّال ولآخر: بقيت ومركبتي البرذون حتى ... أخفّ الكيس إغلاء الشعير وصرت إلى البغال فأعجزتني ... وصرت من البغال إلى الحمير فعزّتني الحمير فصرت أمشي ... أزجّي الرِّجل تزجية الكسير ولآخر: أتراني أرى من الدهر يوماً ... لي يوماً مطيةٌ غير رجلي وإذا كنت في جميعٍ فقالوا ... قرّبوا للرحيل قرّبت نعلي حيثما كنت لا أخلِّف رحلاً ... من رآني فقد رآني ورحلي أبو هفان: يا مولج الليل في النهار ... صبراً على الذّلّ والصّغار كم من حمارٍ له حمارٌ ... ومن جوادٍ بلا حمار الحمدوني: تسامى الرجال على خيلهم ... ورجلي من بينهم حافيه فإن كنت حاملنا ربنا ... وإلا فأرجل بني الزانية

стр. 131

قال: وكان أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن جيرانه أن له مالاً فقال: ليس إغلاقي لبابي أن لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا إنما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطرقا ليس لي فيه سوى باريةٍ ... وبلى أغلَقْتُ لِبداً خَلَقا منزلٌ داخله الفقر فلو ... دخل السارق فيه شرِقا ولآخر: يبيت يراعي النجم من جوع بطنه ... ويصبح يُلقى ضاحكاً متبسما ولآخر: وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ ... وأحسن أخلاق الرجال التفضّل ولا عار أن زالت على المرء نعمةٌ ... ولكن عاراً أن يزول التجمّل ولآخر: كم من فقيرٍ بعد جهدٍ وحاجةٍ ... هو اليوم محسودٌ وقد كان يُرحم ولآخر: قد يكثر المال يوماً بعد قلته ... ويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق ولآخر: كم من غنيٍّ رأيت الفقر أدركه ... ومن فقيرٍ غنياً بعد إقلال ولآخر: كم من غني كان بالمال مثرياً ... هو اليوم مرحومٌ وقد كان يُحسد ولآخر: كم من فتىً كان ذا ثروةٍ ... رمته الحوادث حتى افتقر ولآخر: إذا كان جدُّ المرء في الشيء مقبلاً ... تأتت له الأشياء من كل جانب وإن أدبرت دنياه عنه توعرت ... عليه وأعيته وجوه المطالب وإن قلّ مال المرء أقصاه أهله ... وأعرض عنه كلّ إلفٍ وصاحب وكذّبه الأقوام في كلّ منطقٍ ... وإن كان فيه صادقاً غير كاذب ولآخر: متى ما يرى الناس الفقير وجاره ... يقولون هذا عاجزٌ وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسّمت وجدود وقال عبد الأعلى القاضي: الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة. ولآخر: من كان ذا مالٍ كثيرٍ فلم ... يقنع فذاك الموسر المقتر الفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر وكتب بعضهم يستميح بعض الأغنياء: هذا كتاب فتىً أزرى الزمان به ... قد كاد تنفطر الأضلاع من هممه شطّت منازله عنه وضعضعه ... ريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه يذري الدموع بعينٍ غير جامدةٍ ... طوراً بدمعٍ ويبكي تارةً بدمه أضحى ببابك محزوناً له أملٌ ... يرجو بجودك أن يفتكّ من عدمه يا ذا المقدّم في الأفعال من كرمٍ ... أنت المداوي صريع الدهر من سقمه ولآخر: خُلقٌ واسعٌ ومالٌ قليل ... واعتداءٌ من الزمان طويل ما احتيال الفتى بدولة دهرٍ ... وعليه النائبات تدول كلما رام نهضةً أقعدته ... عائلات من الزمان تعول فيمن أثرى بعد الفقر أٌنشد لرجل من المحدثين: لئن كنتَ قد أُعطيتَ خزّاً تجرّه ... تبدّلته من فروةٍ وإهاب فلا تُعجبن أن تملك الناس إنني ... أرى أمّةً قد أدبرت لذهاب ولآخر: تاه على إخوانه بالغنى ... فصار لا يطرف من كبره أعاده الله إلى حاله ... فإنه يحسن في فقره ولآخر دعبل: عطاياه تغدو على سابحٍ ... وطوراً على بغلةٍ ندبه فلو خُصّ بالرزق بخل الكرا ... م ما نال خيطاً ولا هدبه ولكنه الرزق ممن يعي ... ش في رزقه الكلب والكلبه ولآخر: كنت إذ كنتَ عديماً ... لي خلاً ونديما ثم أثريت فأعرض ... ت ولم ترع قديما صار ما نلت من الما ... ل لنا ذنباً عظيما هكذا يفعل بالإخ ... وان من كان كريما ولآخر: صحبتك إذ أنت لا تُصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكِب وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ونفسُك نفسَك تستحجب وإذ أنت تكثر ذمّ الزمان ... ومشيك أضعاف ما تركب

стр. 132

فقلت كريمٌ له همةٌ ... ينال فأُدرك ما أطلب فنلتَ وأقصيتني جانباً ... كأني ذو عرّةٍ أجرب محاسن الثقة بالله قيل: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: الحمد لله الذي أنقذني من ناره بخلافته. وقال الوليد بن عبد الملك: لأشفعنّ للحجاج بن يوسف وقرّة بن شريك. وقال الحجاج: يقولون مات الحجاج! فمه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت! والله ما رضي الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه إبليس إذ قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وقال أبو جعفر المنصور: الحمد لله الذي أجارني بخلافته وأنقذني من النار بها. وحدثنا إبراهيم بن عبد الله رُفع الحديث إلى أنس بن مالك قال: دخلنا على فتىً من الأنصار وهو ثقيل في مرضه فلم نخرج من عنده حتى قضي عليه، وإذا عجوز عند رأسه، فالتفت إليها بعض القوم وقال: استسلمي لأمر الله واحتسبي. قالت: أمات ابني؟ قال: نعم. قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم. فمدّت يدها إلى السماء ثم قالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك وهاجرت إلى نبيك محمد، ﷺ ، رجاء أن تعينني عند كل شدة! اللهم فلا تُحملني هذه المصيبة اليوم! فكشف ابنها الثوب الذي سجّيناه به عن وجهه وما برحنا حتى طعم وطعمنا معه. وقيل: وبينا عمر بن الخطاب، ﵁، يعرض الناس إذا هو برجل معه صبي له. فقال له عمر، ﵁: ويحك ما رأيت غراباً أشبه بغراب مِن هذا بك! فقال: يا أمير المؤمنين والله ما ولدته أمه إلا وهي ميتة. فاستوى عمر، ﵀، جالساً وقال: ويحك حدثني! قال: خرجت في غزاةٍ وأمه حامل به، فقالت: تخرج وتدعني على هذه الحالة حاملاً مثقلاً؟ فقلت: أستودع الله ما في بطنك. فغبت ثم قدمت وإذا بابي مغلق، فقلت: ما هذا وما فعلت فلانة؟ قالوا: ماتت. فذهبت إلى قبرها وكنت عنده، فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي أتحدث وليس يسترنا من البقيع شيء، فرفعت لي نارٌ بين القبور، فقلت لبني عمي: ما هذه النار؟ فقال أحدهم: يا أبا فلان نرى على قبر فلانة كل ليلة ناراً! فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كانت صوامة قوّامة عفيفة، والله لأنبشنّ قبرها ولأنظرن ما حالها. فأخذتُ فأساً وأتيت القبر فإذا هو مفتوح والمرأة ميتة وهذا حي يدب حولها، فنادى مناد: أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك، أما إنك لو استودعته أمه لوجدتها! فأخذته وعاد القبر كما كان، وهو والله يا أمير المؤمنين هذا. مساوئ الثقة قال: قال عيسى بن مريم، ﵇: يا معشر الحواريين إن ابن آدم خُلق في الدنيا في أربعة منازل هو في ثلاثة منها واثق بالله وهو في الرابع سيء الظن يخاف خذلان الله إياه، فأما المنزلة الأولى فإنه خُلق في بطن أمه خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ينزل الله جل وعز عليه رزقه في جوف ظلمة البطن، فإذا خرج من ظلمة البطن وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراهاً ويوجره إيجاراً حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه، فإذا ارتفع من اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام بين أبويه يكتسبان عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه عن غير شيء عطف عليه الناس هذا يطعمه وهذا يسقيه وهذا يؤويه، فإذا وقع في المنزلة الرابعة واشتد واستوى وكان رجلاً خشي أن لا يرزق يثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعتهم ويكابرهم على أموالهم مخافة خذلان الله إياه. محاسن طلب الرزق بلغنا عن ابن السماك أنه قال: لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم مشغولاً بما أنت عنه غداً مسؤول، وإياك والفضول فإن حسابها طويل. وقال عمرو بن عتبة: من لم يقدّمه الحزم أخّره العجز. وقال الله ﵎: يا ابن آدم احدث لي سفراً أحدث لك رزقاً. وفي بعض الحديث: سافروا تغنموا، وقال الكميت: ولن يزيح هموم النفس إذ حضرت ... حاجات مثلك إلا الرَّحل والجمل وقال الطائي: وطول مقام المرء في الحيّ مخلقٌ ... لديباجتيه فاغترب تتجدد فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد

стр. 133

وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فإن الكريم محتال والدنيّ عيّال، وقال: فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا ولا ترض من عيشٍ بدونٍ ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا وتقول العرب: كلب جوّال خير من أسد رابض. وتقول أيضاً: من غلى دماغه صائفاً غلت قدره شاتياً. ووقع عبد الله بن طاهر: من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام. وقال الكسرويّ: أخذ من توقيع أنوشروان بالفارسية هرك روذ خرذ هرك خسيذ خاف وينذ، وأنشد: كفى حزناً أن النوى قذفت بنا ... بعيداً وأن الرزق أعيت مذاهبه ولو أننا إذ فرّق الدهر بيننا ... غني واحدٌ منا تموّل صاحبه ولكننا من دهرنا في مؤونةٍ ... يكالبنا طوراً وطوراً نكالبه ولآخر: إذا المرء لم يبغ المعاش لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأذنين كلاًّ وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكَّرا ولآخر: ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلغ عذراً أو ينال غنيمةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح ولآخر: وليس الرزق عن طلب حثيثٍ ... ولكن ألق دلوك في الدلاء تجيء بمثلها يوماً ويوماً ... تجيء بحمأةٍ وقليل ماء ولآخر: وقد علمت وعلم المرء ينفعه ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني ولآخر: لعمرك ما كل التبطّل ضائرٌ ... ولا كل شغلٍ فيه للمرء منفعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواءً فاغتنم لذّة الدّعه وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا كل ضيق في عواقبه سعه ولآخر: سهّل عليك فإن الأمر مقدور ... وكل مستأنفٍ في اللوح مسطور يأتي القضاء بما فيه لمدته ... وكل ما لم يكن فيه فمحظور لا تكذبنّ وخير القول أصدقه ... إن الحريص على الدنيا لمغرور ولآخر: لا يتعبنّك شيءٌ أنت تطلبه ... وقد تقدمك المقدور والقلم ولآخر: لا تعتبن على العباد فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه ولآخر: هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبرٌ على حال يوماً تريش خسيس القوم ترفعه ... دون السماء ويوماً تخفض العالي ولآخر: اصبر على زمنٍ جمٍّ تلوّنه ... فليس من شدةٍ إلا لها فرج تلقاه بالأمس في عمياء مظلمةٍ ... ويصبح اليوم قد لاحت له السُّرُج ولآخر: ألا رُبّ راجي حاجةٍ لا ينالها ... وآخر قد تُقضى له وهو آيس يجول لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي التي تُقضى له وهو جالس ولآخر: أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا وترضى بصرّافٍ وإن كان مشركاً ... ضميناً ولا ترضى بربك ضامنا كأنك لم تقنع بما في كتابه ... فأصبحت مدخول اليقين مباينا ولآخر: إني لأكرم نفسي أن أدنّسها ... بشين عرضي وبذل الوجه للناس والله ضامن رزقي ما حييت وما ... في ضمن ذي العرش من شكّ ولا باس إني رأيت سؤال الله مكرمةً ... وفي سؤال سواه أعظم الياس قيل: ووجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة فيه مكتوب: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى، ﵇، خرج يقتبس ناراً فنودي بالنبوة. وأنشد: ولما أن عييت بما ألاقي ... وأعيتني المسائل والقروض ذكرت الله لا أرجو سواه ... وربُّ العرش ذو فَرَجٍ عريض ولآخر: يا صاحب الغمّ إن الغمّ منقطعٌ ... أبشر بخيرٍ كأن قد فرّج الله اليأس يقطع أحياناً بصاحبه ... لا تيأسنّ فإن الصانع الله

стр. 134

إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... فكاشف الضرّ والبلوى هو الله ولآخر: كم رأينا من صحيحٍ قد هوى ... وأخي سقمٍ من السقم خرج لا تكن إن راب أمرٌ آيساً ... فلعند اليأس يأتيك الفرج ولآخر: وإذا تصبك من الحوادث نكبةٌ ... فاصبر فكلُّ ضبابةٍ تتكشّف مساوئ طلب الرزق لديك الجن: احْلُ وامرُرْ معاً ولِنْ تارةً واخ ... شن ورِشْ أنت وانتدب للمعالي وأغث واستغث بربك في الأز ... ل إذا جلحت صروف الليالي لا تقف للزمان في منزل الضي ... م ولا تستكن لرقة حال وأهن نفسك الكريمة للمو ... ت وقحّم بها على الأهوال فلعمري لَلموت أزين للح ... رّ من الذلّ ضارعاً للرجال أي ماءٍ يدور في وجهك الح ... رّ إذا ما امتهنته بالسؤال ثم لا سيما إذا عصف الده ... ر بأهل الندى وأهل النوال غاضت المكرمات وانقرض النا ... س وبادت سحائب الإفضال فقليل من الورى من تراه ... يُرتجى أو يصون عرضاً بمال وكذاك الهلال أول ما يب ... دو نحيلاً في دقة الخلخال ثم يزداد ضوءه فتراه ... قمراً في السماء غير هلال عاد تدميثك المضاجع للجن ... ب فعال الخريدة المكسال وادّرع يلمق اجتياب دجى اللي ... ل بطرفٍ مضبَّر الأوصال عامليّ النتاج تطوى له الأر ... ض إذا ما استُعُدّ للأنقال جُرشعٍ لاحق الأياطل كالأع ... فر ضافي السبيب غير مذال واتخذ ظهره من الذل حصناً ... نعم حصن الكريم في الزلزال لا أحب الفتى أراه إذا ما ... عضّه الدهر جاثماً في الضلال مستكيناً لذي الغنى خاشع الطر ... ف ذليل الإدبار والإقبال أين جوب البلاد شرقاً وغرباً ... واعتساف السهول والأجبال واعتراض الرقاق يوضع فيها ... بظباء النجاد والعمال ذهب الناس فاطلب الرزق بالسي ... ف وإلا فمت شديد الهزال محاسن استصلاح المال روي عن عبد الله بن جعفر قال: بعثني علي بن أبي طالب إلى حكيم بن خزام يسأله سلف ثلاثين ألف درهم، فأتيته فانطلق بي إلى منزله فوجد في الطريق صوفاً فأخذه ومرّ بقطعة كساء فأخذه فلما صار إلى منزله أعطاني طرف الصوف فجعلت أفتله ويرسل حتى فتلته، ثم دعا بغرارةٍ مخرقةٍ فرقعها بالكساء وخاطها بالخيط وصيّر فيها ثلاثين ألف درهم وحملت معي. قال: وأتى قومٌ قيس بن سعد بن عبادة يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيّده عن رديّه ويجعل كل صنف منها على حدته، فهموا أن يرجعوا عنه وقالوا: ما نظن عند هذا خيراً، ثم عزموا على لقائه فأقاموا حتى فرغ من حائطه فكلموه فأعطاهم. فقال رجل من القوم له: لقد رأيناك تصنع شيئاً لا يشبه فعالك! وأخبروه فقال: إن الذي رأيتم من صنيعي قضيت به حاجتكم. عبد العزيز بن أبان عن هشام الثقفي عن رجل أتى طلحة بن عبيد الله يسأله حمالة فرآه يهنأ بعيراً له فقال: يا غلام أخرج له بدرةً. فقبضها ثم قال: أردت أن أنصرف حين رأيتك تهنأ البعير. فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير. وكان يقال: من أنفق ولم يحسب عطب ولم يشعر. وقيل: الإفلاس سوء التدبير. الأصمعي قال: سمعت بعض الهالبيين يقول لبنيه: لا تشتروا الغنم فإنها مال الرقة ولا تشتروا البقر فإنها مال الذلة واشتروا الإبل واقتنوها فإنها رقوء الدم وصدقات الحرائر وسفن البرّ وفيها قضاء الحقوق، ولا تتزوجوا المميتات فإنهن يضربن على رؤوسكم من كان قبلكم وتزوجوا المطلقات فإنهن أضعف نفساً وإنكم تضربون على رؤوسهن من كان قبلكم. وقال بعضهم في جمع القليل إلى القليل: رب كبيرٍ هاجه صغير ... وفي البحور تُغرق البحور وقال آخر:

стр. 135

قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنما القرم من الأفيل وسحق النخل من الفسيل محاسن الدَّين قيل: قدم رجل مع إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة وهو على قضاء البصرة فأقام أكثر من سنة متعطلاً، فكثر عليه الدين لرجلٍ من أهل البصرة، فتوعده أن يقدمه إلى القاضي، فأتى الرجل إسماعيل فأخبره بما تخوّفه من حبس الرجل إياه. فقال: إذا قدّمك فأقرّ له بحقّه ثم قل أبيع داري وأقضيه، فإنه سيقول: لا دار لك، قل فأبيع دابتي وضيعتي، فإنه سينكر أن يكون لك شيء. ففعل فجرى بينهما ما قاله القاضي. فقال القاضي: قد أقررت أنه لا شيء له، فكيف أحبسه؟؟ فخلّ سبيله. قال: وكان لرجل من التجار صاحب عينةٍ على رجل من الجند مالٌ فخرج عطاء الجندي ولم يقض صاحبه. فأرسل إليه التاجر غلاماً يلزمه وعلى الغلام كساءٌ أحمر فلزمه. فجعل الرجل يتلو: " وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ". والغلام يتلو: " إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها ". فلما طال ذلك على الرجل واشتد إلحاح الغلام عليه أتى صاحبه فقال: مُنع الرّقاد فما أغمّض ساعةً ... من غمّ تعذيب الكساء الأحمر يتلو التي فيها الأمانة منهما ... لؤماً وأتلو آية المتيسر فضحك الرجل ووهب له ما كان عليه من دينه. مساوئ الدَّين قال أبو اليقظان: كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يسلّف الناس فإذا حلّ ماله ركب حماراً اسمه شارب الريح فيقف على غُرمائه ويقول: بني عمنا ردّوا الدراهم إنما ... يفرّق بين الناس حبُّ الدراهم وكان رجل من بني الدئل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال: فلو كنت الحديد لكسّروني ... ولكني أشدّ من الحديد فأقرضه الفضل بن العباس، فلما كان قبل المحل جاء فبنى معلفاً على باب داره، وكان يقال له عقرب. فلقي كلّ واحد منهما من صاحبه شدة فهجاه فقال: قد تجرت في سوقنا عقربٌ ... يا عجبا للعقرب التاجره قد ضاقت العقرب واستيقنت ... ليس لها دنيا ولا آخره فإن تعد ترجع بما ساءها ... وكانت النعل لها حاضره كلُّ عدوٍّ يتّقى مقبلاً ... وتُتّقى شِرّتها دابره إن عدواً كيده في استه ... لغير ذي كيدٍ ولا بادره قال: وقدّم أعرابيان غريماً لهما إلى قاض، فحلف ثم قال: ألم تعلما أني طموحٌ عنانه ... وأني لا يقضي عليّ أمير طمستُ الذي في الصك مني بحلفةٍ ... سيغفرها الرحمن وهو غفور ولآخر: أرى الغرماء قد كثروا وضجّوا ... إلى السلطان غير مُقصِّرينا فإن سألوا اليمين فقد ربحنا ... وإن سألوا الشهود فقد خزينا ولآخر: الدين حقاً كاسمه دويُّ ... قد يخضعُ المرء له القويُّ كم من شريفٍ غاظه غبيُّ محاسن إصلاح البدن قال: جمع الرشيد أربعة من الأطباء: عراقياً ورومياً وهندياً وسوادياً، فقال: ليصف كل واحد منهم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الرومي: الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الماء الحار. وقال العراقي: الإهليلج الأسود. وكان السوادي أبصرهم فقال له: تكلم. فقال: حب الرشاد يولد الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والإهليلج يرقّ المعدة. قال: فأنت ما تقول؟ قال: الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه. وقال بعضهم: سألت أسقف فارس فقلت: إنا قوم نغترب ويتغير علينا المياه فصف لنا ما نتعالج به. فقال: دعوا الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل، وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمّام ولبس الكتان. وعن الهيثم بن عدي قال: قلت لتياذوق وكان متطبب الحجاج: أوصني بشيء أحفظه عنك فإني مسافر. فقال: لا تنامن حتى تعرض نفسك على الخلاء، ولا تذوقن طعاماً وفي معدتك طعام، واتق ما تخرجه النعجة والنحلة، فإن اعتللت فأنا الضمين إلا علة الموت. وقال سوادة: سألت بختيشوع ما معنى البلغم؟ فقال: تفسيره بلاء وغم.

стр. 136

وقال بعض الفلاسفة: ينبغي للعاقل أن يتقي البرد في أول الشتاء وفي آخره. فقيل له: ففي وسطه؟ قال: ذاك يتقيه العاقل والأحمق. قيل: وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له: إياك أن تسير شبراً من الأرض وأنت حافٍ، ولا تذوقن نبتة ولا تشمنها حتى تعرفها، وإياك وأن تبول في شق الأرض فتخرج منه عليك داهية، ولا تشرب من فم قربة ولا إداوة حتى يكون الماء معيناً، واحذر مرافقة المعرفة ومن لا تعرف فلا تصاحبه، وإياك والسجود على بارية جديدة حتى تمسحها بكمك فرب شظية حقيرة فقأت عيناً خطيرة، ولا تنظرن في بئر عادية، ولا تشهدن من الحيوان الكبار ما هو في النزع، واقبل وصيتي ترشد ولا تدعها فتندم. قيل: ودخل أعرابي ذو كدنةٍ على معاوية بن أبي سفيان فأعجبه فقال: يا أعرابي مم هذا السمن؟ قال: لا آكل حتى أجوع وأستوثق من أطرافي في الشتاء وأغفل غاشية الهجر. وقال بعض الفلاسفة: اخضع للريح خضوعك للملك، وجاهد البلغم مجاهدة عدوك، ودار المرة مداراتك صديقك، وأنزل دمك في السنة مرة أو مرتين، وروّ مشاشتك من ماء لحوم الطير، وعليك بالشراب الأصفر فإنه حليف الروح. وذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل عن أحمد بن أبي الأضبع وكان كاتباً لأحمد عن يحيى بن ماسويه قال: أكل الفالوذ لصاحب النبيذ عندنا من شر الطب. وقيل: ما من أحد إلا وفيه أربعة عروق: عرق الجُذام وعرق البرص وعرق العمى وعرق الجنون، فإذا تحرك عرق الجذام قمعه الله بالزكام فأذهبه، وإذا تحرك عرق البرص سلط الله جل وعز عليه الدماميل فأذهبته، وإذا تحرك عرق الجنون سلّط الله عليه البلغم فقطعه، وإذا تحرك عرق العمى سلط الله عليه الرمد فأذهبه. وقد روي عن النبي، ﷺ : لا تكرهوا أربعاً لأربع، لا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عرق الجذام، وتكرهوا السعال فإنه يقطع عرق الفالج، ولا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عرق العمى، ولا تكرهوا الدماميل فإنها تقطع عرق البرص. وروي عن علي، ﵁، أنه قال: من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من السوء، ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه، ومن أكل سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، واللحم ينبت اللحم، والثريد طعام العرب، والسواك وقراءة القرآن يذهبان بالبلغم، والبقر لحومها داء وألبانها دواء وسمنها شفاء، والسمك يذيب الجسد، والشحم يخرج مثله من الداء، ولن يتداوى الناس بمثل السمن، ولن تستشفي النفساء بمثل الرطب، والمرء يسعى بجده والسيف يقطع بحده، ومن أراد البقاء ولابقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء. وخفة الرداء قلة الدّين. قيل: من بات والهندباء في جوفه بات آمناً من الدبيلة، ومن بات والفجل في جوفه بات آمناً من البشم، ومن بات والكرفس في جوفه بات آمناً من وجع الأضراس، ومن بات والجرجير في جوفه بات وعروق الجذام تتردد في صدره، ومن بات والكرّاث في جوفه بات آمناً من البواسير. وقال بعض الفلاسفة: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بالقليل من ثلاثة أشياء، بالقليل من النار والقليل من السلطان والقليل من السقم. وقال أبو هفان: حدثني العباس بن المأمون قال: كنت عند المأمون ذات يوم وعنده الموبذ فسأله: ما أنفع الأشياء؟ فقال: الاقتصاد في الطعم والشرب فإن كثيره يثقل الجسم ويوهن العلم والفهم ويكدّر صفاء البشرة ويفتح الأدواء ويخمد نار المعدة ويمحق شرف صاحبه. فقال المأمون: لو أسلمت يا موبذ ولم أستقضك كنت قد ضيعت حجة الله في أرضه. الحسن بن علي بن زيد قال: سمعت علي بن الجعد يقول: لما قدم بختيشوع الأكبر على أبي جعفر من السوس أمر له بالطعام، فلما وضع بين يديه الخوان قال: الشرب. قيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين. قال: لا آكل طعاماً ليس معه شراب. فأُخبر أمير المؤمنين بذلك، فقال: دعوه. فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين. فتعشى وشرب ماء دجلة. فلما كان الغد نظر إلى مائه فقال: ما كنت أحسب شيئاً يجري مجرى الشراب فهذا ماء دجلة يجري مجرى الشراب. يريد في المنفعة أنه مثله. مساوئ ما يفسد البدن

стр. 137

قال وقال رجل لعبد الملك بن أبجر: أشتهي أن أمرض. فقال له: كل سمكاً مالحاً واشرب نبيذاً حلواً واقعد في الشمس واستمرض الله فإن لم تمرض فأنت حمار. محاسن الندامة روي عن عائشة، ﵁، أنها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل وقد كانت أم سلمة حلفت أن لا تكلمها أبداً من أجل مسيرها إلى محاربة عليّ بن أبي طالب، فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين! فقالت: يا حائط ألم أنهك؟ ألم أقل لك؟ قالت عائشة: فإني أستغفر الله وأتوب إليه. كلميني يا أمر المؤمنين، قالت: يا حائط ألم أقل لك؟ ألم أنهك؟ فلم تكلمها حتى ماتت، وقامت عائشة وهي تبكي وتقول: وا أسفاه على ما فرط مني. قيل: وسئلت عائشة، ﵁، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه وهو أحب الناس إلى رسول الله، ﷺ ؟ لقد رأيت رسول الله، ﷺ ، قد جمع شملته على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة! وكان ذلك قدراً مقدوراً. وعن جميع بن عمير قال: قلت لعائشة حدثيني عن علي، ﵁، فقالت: تسألني عن رجل سالت نفس رسول الله، ﷺ ، في يده وولي غسله وتغميضه وإدخاله قبره، قلت: فما حملك على ما كان منك؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمرٌ كان قضي عليّ. قال: وقال ابن المعافى لأبي مسلم صاحب الدولة: أيها الأمير لقد قمت بأمر لا يقصر بك ثوابه عن الجنة في إقامة دولة بني العباس، فقال: خوفي من النار والله أولى من الطمع في الجنة، إني أطفيت من أمية جمرة وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فوا حزناً من الإلهاب! وحدّث أبو نملة عن أبيه قال: سمعت أبا مسلم بعرفات في الموقف يقول باكياً: اللهم إني تائب إليك مما لا أظن أن تغفره لي، فقلت: أيها الأمير أيعظم على الله غفران ذنبٍ؟ فقال: إني نسجت ثوباً من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخ وصارخة تلعنني عند تفاقم هذا الأمر، فكيف يغفر الله لمن هذا الخلق خصماؤه؟ قيل: ولما سخط عليه المنصور ووكل به شهرام المروزي قال له يوماً: الويل لك من الخليفة المنصور! فقال: الويل لي من ربي، وأين يقع ويل ساعة من عذاب الأبد؟ مساوئ الندامة قال: وإلى الكُسَعيّ يضرب المثل في الندامة وذلك أنه كان يرعى إبلاً له بوادٍ كثير العشب، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعة في صخرة فأعجبته، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوساً، فجعل يتعهدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها واتخذ منها قوساًن فأنشأ يقول: يا رب وفقني لنحت قوسي ... فإنها من لذّتي لنفسي وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... أنحتها صفراء مثل الورس صلباء ليست كقسيِّ النِّكس ثم دهنها وخطمها بوتر ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم فجعل يقلبها في كفه ويقول: هن وربي أسهم حسانُ ... يلذّ للرامي بها البنان كأنها قوّمها الميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان إن لم يعقني الشؤم والحرمان ثم خرج حتى أتى موارد حمر الوحش فكمن فيها فمرّ قطيع منها فرمى عيراً فأمخطه السهم حتى جازه وأصاب الجبل فأورى ناراً فظن أنه أخطأ فقال: أعوذ بالله العزيز الرحمان ... من نكد الجدّ معاً والحرمان ما لي رأيت السهم بين الصّوّان ... يوري شراراً مثل لون العقيان فأخلف اليوم رجاء الصبيان ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فصنع صنيع الأول فقال: لا بارك الله الرحمن في رمي القتر ... أعوذ بالرحمن من سوء القدر أأمخط السهم لإرهاق الضرر ... أم ذاك من سوء احتيال ونظر ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فقال: ما بال سهمي يوقد الحباحبا ... قد كنت أرجو أن يكون صائبا وأمكن العير وأبدى جانبا ... فصار رأيي فيه رأياً خائبا ومكث مكانه فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأصرد السهم فصنع صنيع الأول فقال:

стр. 138

أبعدَ خمسٍ قد حفظتُ عدّها ... أحمل قوسي وأُريد ردها أخزى الله لينها وشدّها ... والله لا تسلم عندي بعدها ولا أرجي ما حييت رفدها ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجراً فكسرها ثم بات، فلما أصبح إذا الحمر مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم، فندم على كسر قوسه وشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول: ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقطعت خمسي تبيّن لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي وقال الفرزدق: ندمت ندامة الكُسعيّ لما ... غدت مني مطلقةً نوار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لجّ به الضرار ومنه ما قيل في خفي حنين وكان حنين إسكافاً من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه واختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلما مر الأعرابي رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخفّ حنين ولو كان معه أخوه نزلت فأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ورجع إلى الأول. وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: أتيت بخفّي حنين، فضربته العرب مثلاً. وقال الشاعر في مثله: لتقرعنّ عليّ السنّ من ندمٍ ... إذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي محاسن الحنين إلى الوطن قال الله ﵎: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فقرن جل ذكره الجلاء عن الوطن بالقتل، وقال جل وتعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا "، فجعل القتال ثأراً للجلاء. وقال النبي، ﷺ : الخروج عن الوطن عقوبة. وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان. وقال جالينوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببلل المطر. وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها. ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضرة فقال له قائل: ما تشتهي؟ قال: محضاً روياً وضباً مشوياً. وحدث عن بعض بني هاشم قال: قلت لأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية! قلت: وأين تسكن منها؟ فقال: مساقط الحمى حمى ضرية لعمر الله ما نريد بها بدلاً ولا نبغي عنها حولاً نفحتها العذاوات وحفّتها الفلوات فلا يعلولج ترابها ولا يتمعّر جنابها ولا يملولح ماؤها، ليس بها أذىً ولا قذىً ولا موم، فنحن فيها بأرفه عيش وأنعم معيشة وأرغد نعمة. قلت: فما طعامكم؟ قال: بخ بخ عيشنا عيش تعلل جاذبه وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفثّ والهبيد والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والينمة والعراجين والحسلة والضِّباب واليرابيع والقنافذ والحيات وربتما والله أكلنا القدّ واشتوينا الجلد فما نعلم أحداً أخصب منا عيشاً ولا أرخى بالاً ولا أعمر حالاً، أوما سمعت قول شاعر وكان والله بصيراً برقيق العيش ولذيذه؟ قلت: وما قال؟ قال قوله: إذا ما أصبنا كل يومٍ مذيقةً ... وخمس تميراتٍ صغارٍ كوانز فنحن ملوك الناس خصباً ونعمة ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز وكم متمنٍّ عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حقّ فائز فالحمد لله على ما بسط من حسن الدعه ورزق من السعة وإياه نسأل تمام النعمة. وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً فيرفضّ عرقاً كأنه الجمان، ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى. ذكر من اختار الوطن على الثروة - قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك. وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان. وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة فإن ردفتها علة وإن أعقبتها قلة فتلك نفس مضمحلة. وقالت العرب: الغربة ذلة والذلة قلة.

стр. 139

وقال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة. وشبّهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأم له ولا أب يحدب عليه. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة ولكل كلب قنيصة ولكل رامٍ رمية. وكان يقال: الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاوٍ لا يثمر وذابل لا ينضر، وأنشد: ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنفس يستشفي برائحة الركب ولآخر: إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبةً للهماهم حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي ... وحلّت بها عني عقود التمائم وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حقَّ التقادم ولآخر: أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيامٌ بنجدٍ دونها الطرف يقصر وما نظري من نحو نجدٍ بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر أفي كل يوم نظرةٌ ثم عبرةٌ ... لعينيك يجري ماؤها يتحدر متى يستريح القلب؟ إما مجاورٌ ... حزينٌ وإما نازحٌ يتذكر الطائي: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل مساوئ من كره الوطن قال بعض الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً. وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيّق العطن. وقيل لآخر: ما أصبرك على الغربة! فقال: انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها. ومدح أعرابي رجلاً فقال: خرّجته الغربة ودربته التجربة وضرسته النوائب. وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلا لوصمةٍ في عقله ولا تنزع نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلا لاستيلاء الموق عليه. وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان ومغازلة القيان واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني. وقد قيل: من صبر على الغربة أمن من الكربة، وأفضل العدة الصبر على الشدة. وقالوا: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار. وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول. وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبَت عنه نفسك. وقريء على باب خان بطرسوس: ما من غريبٍ وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا الطائي: لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوقٍ إلى أهلٍ وأوطان تلقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران ولآخر: نبّت بك الدار فسر آمناً ... فللفتى حيث انتهى دار وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة المدينة لغيبة النبي، ﷺ ، فقال: تنكرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، وتنكر الناس فما هم بالناس الذين نعرف. وفي معناه قال الشاعر: فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف وأنشد: لا تقنعنّ ومطلبٌ لك ممكنٌ ... فإذا تضايقت المطالب فاقنع وقال آخر: كم المقام وكم تعتادك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل إن كنت تعلم أن الأرض واسعةٌ ... فيها لغيرك مرتادٌ ومرتحل فارحل فإن بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السهل والجبل الله قد عوّد الحسنى فما برحت ... عندي له نعمٌ تثري وتتصل إن صاق بي بلد هيا له عوضاً ... وإن نأى منزلٌ بي كان لي بدل وإن تغير لي عن وده رجلٌ ... أصفى المودة لي من بعده رجل لم يقطع الله لي من صاحبٍ أملاً ... إلا تجدد لي من بعده أمل لا تمتهن أبداً خدّيك من طمعٍ ... فما لوجهك نورٌ حين يبتذل

стр. 140

وابغ المكاسب من أزكى مطالبها ... من حيث تحمل حتى ينفد الأجل ولآخر: إذا ما أطال المرء مكثاً ببلدةٍ ... تقعبه من بعد حدّته نكس ولو أن هذي الشمس دام طلوعها ... أو البدر لم يُحبب ولا حُبّت الشمس فجل طالباً للرزق في الأرض واغترب ... ففي كل أرضٍ للفتى الأكل واللبس ولآخر: وإذا الديار تنكرت عن أهلها ... فدع الديار وأسرع التحويلا ليس المقام عليك حتماً واجباً ... في بلدةٍ تدع العزيز ذليلا ولآخر: إذا خفت من دارٍ هواناً فإنما ... ينجيك من دار الهوان اجتنابها ولآخر: اصبر على حدث الزمان فإنما ... فرج الحوادث مثل حلّ عقال وإذا رأيت من ابن عمك جفوةً ... فاشدد يديك بعاجل الترحال إن المقام على الهوان مذلةٌ ... والعجز آفة حيلة المحتال وقد قيل: في حب الوطن: أحق البلدان بنزعك إليه بلد امصّك حلب رضاعه. وقيل: احفظ بلداً أرشحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وقيل: لا تشكون بلداً فيه قبائلك ولا أرضاً فيها قوابلك. وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها توّاقة. قيل: ولما خرج الرشيد إلى خراسان وصار بعقبة همذان أنشأ يقول: حتى متى أنا في حلٍّ وترحال ... وطول همٍ بإدبارٍ وإقبال ونازح الدار لا ينفك مغترباً ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي في مشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعةٍ ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال وذكروا أن أبا دلفٍ لما ولي الشام طال مقامه فحنّ إلى وطنه فكتب لى يزيد بن مخش: أيزيد طالت غربةٌ ومقام ... وبكاً فأسعده البكاء حمام أيزيد هل من مطمعٍ في أوبةٍ ... لمتيّمٍ طالت به الأيام لعب الفراق بنومه فأفاته ... طيب الكرى فدموعه تسجام ما نام عنه وإن رقدتم شوقه ... والشوق يسري والعيون نيام والشوق ألزمه البكاء فنفسه ... حرّى وأذبل جسمه التّهمام يا طائفاً أهدى السلام إلى فتىً ... تهدي إليّ سلامك الأحلام أنى وكيف ينام صبٌ هائم ... أفضت إليه بسرّه الأقلام يا جانب الأهواز جادك وابلٌ ... وسقاك من ديم الربيع رهام كم فيك من شجنٍ ومأنس وحشةٍ ... ومحبّبٍ تُشفى به الأسقام فلئن أحلّكما الزمان ببلدةٍ من دونها القفرات والآكام وشواهقٌ تزع السحاب شوامخٌ ... ليست وإن دأب المطيّ ترام .. . . أرى الأيام تجمع بيننا ... والدهر فيه مسرةٌ وغرام أيزيد ساعدك الزمان وخاننا ... والدهر ليس لحالتيه دوام تمسي ضجيع خريدةٍ ومضاجعي ... عضبٌ حديد الشفرتين حسام وتجر أذيال النعيم مرفِّلاً ... وأظل يكسوني الشحوب قتام متسربلاً حلق الحديد يحفّني ... لجبٌ يضيق به الفضاء لهام من كل أشعث في الحديد مقنّعٍ ... ذرب الحسام كأنه ضرغام والحرب حرفتنا وليست حرفةً ... إلا لمن هو في الوغى مقدام نعري السيوف فلا تزال عريةً ... حتى تكون جفونهن الهام ما للزمان اعتاقنا من بينكم ... فجرت علينا للزمان سهام يا ليته إذ لم يدم إحسانه ... أن لا يكون لما أساء دوام فبلغ شعره المأمون فقال: حنّ القاسم بن عيسى إلى وطنه، فأمره بالانصراف. قال الأصمعي: قدم سعيد بن صمصم على الحسن بن سهل فأنشده القصيدة يصف فيها حنينه إلى سوء حاله بالبادية ويستميحه: سقياً لحيٍّ باللوى عهدتهم ... منذ زمانٍ ثم هذا ربعهم عهدتهم والعيش فيه غُرّةٌ ... ولم يناو الحدثان شعبهم

стр. 141

ولم يبينوا لنوىً قذافةٍ ... تقطع حبلي من وصال حبلهم فليت شعري هل لهم من مطلب ... أو أجدنّ ذات يوم بدلهم أو يعذرنّ بالبكاء إن بكى ... صبٌّ معنًّى مستحق إثرهم مكلّفٌ بالشوق لا ينساهم ... يمنحهم ودّاً ويرعى عهدهم وينذر النذور إن رآهم ... وعاد يوماً عيشه وعيشهم ولا رب العرش لا يلقاهم ... ولا يعود عيده وعيدهم وكيف يلقاهم كبيرٌ سنه ... وقد مضى الدهر وطاح نجمهم هيهات عدِّ النفس عن ذكراهم ... واقصد لنحو آخرين غيرهم هذا وقد رأيتني فلم ألُم ... رأيي إذا لام الرجال رأيهم أدعو ابن سهلٍ حسناً ومجده ... حين تعيّا بعيالي أمرهم أظل أدعو باسمه ودونه ... قومٌ كثيرٌ رغبةً تركتهم تخيراً إخترته عليهم ... ولا بهم بأس ولا ذممتهم ناموا فلما أن رأيت نومهم ... عني تحملت فما أيقظتهم يا ابن كرامٍ كابراً عن كابرٍ ... زانوك زيناً باقياً وزنتهم كانوا هم الأشراف سادوا كلهم ... ما في جميع العالمين مثلهم بنوا جميع المجد فيما قد مضى ... وأنت تبنيه كذاك بعدهم في شرفٍ مؤيّدٍ أركانه ... لم يبنه بانٍ سواهم قبلهم فيا ابن سهلٍ وابن آباءٍ له ... كانوا مناجيب قديماً فضلهم والله ما تصبح بين معشرٍ ... إلا وأنت شمسهم وبدرهم والناس آخاذٌ وماءٌ ناقعٌ ... وغدُرٌ تجري وأنت بحرهم والناس أجناس كما قد مُثلوا ... وفيهم الخير وأنت خيرهم حاشا أمير المؤمنين إنه ... خليفة الله وأنت صهرهم إليك أشكو صِبيةً وأمهم ... لا يشبعون وأبوهم مثلهم قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم ... وشربوا الماء فطال شربهم وامتذقوا المذاق فيا دنياهم ... والمضغ إن نالوه فهو حسُّهم لا يعرفون الخير إلا ذكره ... والدهر هيهات فليس عندهم وما رأوا فاكهةً في عيصها ... ولا رأوها وهي تهوي نحوهم وما لهم من كاسبٍ علمته ... على جديد الأرض غير جحشهم وجحشهم قد بات منهوي القرى ... ومثل أعواد الشكاعى كلبهم كأنني فيهم وإن وليتهم ... كانوا مواليّ وكنت عبدهم مجتهداً بالنصر لا آلوهم ... أدعو لهم يا رب سلم أمرهم وتارة أقول مما قد أرى ... يا رب باعدهم وباعد دارهم يأوون بالليل إذا ما أحرجوا ... وهي إلى ذرى اللهَيْم وهي قدرهم بها يطوفون إذا ما اجرنثموا ... وهي أبوهم عندهم وأمهم زغب الرؤوس قُرعت هاماتهم ... من البلاء وأسمأدّ سمعهم بل لو تراهم لعلمت أنهم ... قومٌ مساغيب قليلٌ نومهم وكالسعالي في مسوكها. .. ... فلو يعضّون لذكّى سمُّهم قد جرّسوا الدهر وقد بلاهم ... هذا وهذا دأبه ودأبهم ولا يعيشون بعيشٍ سابغٍ ... ولا يموتون وذاك قصرهم وقد رجونا يا ابن سهلٍ نائلاً ... منك يرمّ فقرهم وبؤسهم فإنما أنت حيا أمثالهم ... فجد لهم بنائلٍ لا تنسهم وأسْدِ نعماك إليهم واتخذ ... حمداً وشكراً كل ذاك عندهم هذا وأنت قد حرمت حظهم ... فلا تجودن لخلقٍ بعدهم

стр. 142

فقال له الحسن: سل ما شئت وتمن ما أحببت، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما كافأتك. فقال: تشتري لي غنيمات وتردني إلى البادية. فقال: نحن إلى مكان تصفه بهذه الصفة. قال: الوطن الوطن. فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف درهم ورده إلى وطنه. ومما قيل فيمن كره الغربة قال ابن أبي السرج: قرأت على حائط خانٍ بالأهواز: إن الغريب ولو يكون ببلدةٍ ... يُجبى إليه خراجها لغريب وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... أن يُستذلّ وقوله مكذوب قال: وقرأت على حائط خان بعسكر مكرم من الأهواز: إن الغريب إذا ينادي موجعاً ... عند الشدائد كان غير مُجاب فإذا نظرت إلى الغريب فكن به ... متراحماً لتباعد الأحباب قال: وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي: غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله كيف الطريق تعلّق بالسؤال بكل شيءٍ ... كما يتعلق الرجل الغريق فلا تجزع فكل فتىً ستأتي ... على حالاته سعةٌ وضيق قال: ووجدت على بابٍ مكتوباً: عليك سلام الله يا خير منزلٍ ... رحلنا وخلفناك غير ذميم فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فما أحدٌ من ريبها بسليم وأنشد: أقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرُّ العيش فرقة من هوينا ولآخر: أقمت بأرضكم بالكره مني ... فلما طاب لي فيها المقيل وأوطنت البلاد وحنّ قلبي ... بغزلانٍ بها أزف الرحيل ولآخر: وإن اغتراب المرء من غير فاقةٍ ... ولا حاجةٍ يسمو لها لعجيب فحسب الفتى بخساً وإن أدرك الغنى ... ونال ثراءً أن يقال غريب ولآخر: أيّ سرورٍ لعيش مغتربٍ ... فردٍ وحيدٍ نأى عن الوطن لا تطمع النفس في هواه ولا ... يكحل عيناً بمنظرٍ حسن ولآخر: سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد ردّ مثلك من غريب وسل الحزن عنك بحسن ظنٍّ ... ولا تيأس من الفرج القريب ولآخر: تصبّر ولا تعجل وُقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب فقلت وفي قلبي جوىً لفراقها ... ألا لا تعزّيني فلست أُجيب أعاذل حبي للغريب سجيةٌ ... وكلُّ غريبٍ للغريب حبيب لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيّتهم إني إذاً لكذوب بلى غُبَّرات الشوق أضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتيّ غروب ولآخر: إذا اغترب الكريم رأى أموراً ... محجلةً يشيب لها الوليد قال أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل: أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: ما كنتُ أحسب أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا بخل الزمان عليّ أن ... نبقى كما كنّا جميعا فأحلّني في بلدةٍ ... وأحلّك البلد الشسيعا قد كنت أنتظر الوصا ... ل فصرت أنتظر الرجوعا ولآخر: إلفان كانا لهذا الحب قد خلقا ... داما عليه فتمّ الوصل واتفقا كنا كغصنين في عودٍ فغالهما ... ريب الزمان وصرف الدهر فافترقا فاصفرّ عودهما من بعد خضرته ... وأسقط البين من عوديهما الورقا ولآخر: أتظعنُ والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطبٌ عظيم إذا ما كنت للحدثان عوناً ... عليك وللفراق فمن تلوم ولآخر: لقد شفّني أني أدور ببلدةٍ ... أخلايَ منها نازحون بعيد أُقلّبُ طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلاي الذين أريد ولآخر: قف بالمنازل وقفة المشتاق ... واسفح بها من دمعك المهراق لا تبخلنّ على الديار بأدمعٍ ... يجرين بين محاجرٍ ومآقي تلك الديار كما عهدت عميرةٌ ... لكنها صفرٌ من الطرّاق

стр. 143

لم يبقها أمدٌ تقادم عهده ... فالدمع ينطق والرسوم بواقي لهفي على زمنٍ مضت أيامه ... والعيش غضٌّ مورق الأوراق أيامنا ما كانت إلا خلسةً ... كسف الهلال عراه وجه محاق أو نظرةً من خائفٍ لم ينجه ... خوفٌ الحذار وشدة الإشفاق وكذاك أيام السرور قصيرةٌ ... لكن أيام البلاء بواقي كيف اللقاء وقد تطاوحت النوى ... شتان بين مشائمٍ وعراق يا ليت شعري كيف عهد أحبتي ... لما أظلهم وشيك فراقي ظني بهم حسنٌ وكيف بأوبةٍ ... تروي غليل متيمٍ مشتاق ومنها نجديات: ألا هل أرى حوراً تبرقعن بالحمى ... وهل أجتني بالعين من خدهم وردا لعلي أرى نجداً ومن حلّ بالحمى ... فأحسب من نجدٍ على كبدي بردا خليليّ قد داويت عقلاً سلبته ... بشحط النوى والبعد من قربهم عمدا فلم أر بعد الدار يشفي من الجوى ... ولا القرب أيضاً من ديارهم أجدى بلى إن في النأي التقطع والأسى ... وحبُّ سليمى القلب من بينهم أودى ولآخر: نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بليل على نجدٍ تذكرني نجدا أتاني نسيم السِّدر طيباً من الحمى ... فذكّرني نجداً وقطّعني وجدا ولآخر: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بصحراء من نجران ذات ثرىً مندي وهل أردنّ الدهر حصن مجاشعٍ ... وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجد ولآخر: أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة والضمار تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريّا روضه غبَّ القطار شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار وأما ليلهن فخير ليلٍ ... وأنضر ما يكون من النهار قال: وقال الفتح بن خاقان: ورد عليّ أعرابي من البادية نجديّ فصيحٌ فبات ليلةً عندي على سطح مشرف على بستان، فسمع فيه صوت الدواليب فقال: ما أشبه هذا إلا بحنين الإبل، وأنشدني: بكرتْ تحنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من شوقٍ إلى نجد فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي محاسن الدعاء للمسافر بأيمن طالع وأسرّ طائر، لا كبا بك مركبٌ ولا أشتّ بك مذهبٌ ولا تعذّر عليك مطلب، سهّل الله لك السير ويسر لك القصد وطوى البعد بمسرة الظفر وكرامة المذخر بأيمن طائر وأسعد جدّ على الطائر الميمون والكوكب السعد. وفي رسالة للبحتري: إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك. فصل: وخصصت بسهولة المطلب ونجاح المنقلب، كان الله لك في سفرك خفيراً وفي حضرك ظهيراً. آخر: بسعيٍ نجيح وأوبٍ سريع وسريح. آخر: قصّر الله محلّه وهدى رحله وسرّ بأوبته أهله ولا زال آمناً مقيماً وظاعناً. آخر: بأسعد جدٍّ وأنجح مطلب وأسرّ منقلب وأكرم بدأةٍ وأحمد عاقبة. فصل: فاشخص مصحوباً بالسلامة والكلاءة، آئباً بالنجح والغبطة، محوطاً فيما تطالعه بالعناية والشفقة في ودائع الله وضمانه وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذماره. وقال رجل للنبي، ﷺ : إني أريد سفراً. فقال: في حفظ الله وكنفه، زودك الله التقوى ووجهّك إلى الخير حيث كنت. كتب أبو العيناء: استخلف الله فيك واستخلفه منك. لابن أبي السرح: في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره وأنشد الآخر: فارحل أبا بشرٍ بأيمن طائرٍ ... وعلى السعادة والسلامة فانزل مساوئ الدعاء للمسافر بالبارح الأشأم والسانح الأعضب والصرد الأنكد للسفر الأبعد، لا استمرّت مطيته واستتبت أمنيته، ولا تراخت منيّته بنحسٍ مستمرٍ وعيش مرّ، لا قرى إن استضاف ولا أمن إن خاف.

стр. 144

ويقال: إن علياً لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثاً ولا سار إلا ريثاً ولا وافق إلا ليثاً، أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً على أثره، لا حط الله رحله ولا كشف محلّه ولا بشّر به أهله، لا زكا له مطلب ولا رحب له فيه مذهب، لا سقاه الله غماماً ولا يسّر له مراماً، لا فرّج الله همه ولا سرّى غمّه، ولا حلّ عقده ولا أورى زنده، جعله الله سفر الفراق وعصا الشقاق، وأنشد: بأنكد طائرٍ وبشرّ قال ... لأبعد غايةٍ وأخس حال بحدّ السند حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال غريباً تمتطي قدميك دهراً ... على خوف تحنّ إلى العيال الباهلي: إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درّت السحاب وحيث لا يُبتغى فلاحٌ ... وحيث لا يُرتجى إياب ابن أبي السرح: فسر بالنحوس إلى بلدةٍ ... تُعمّر فيها ولا ترزق ولا تمرع الأرض من نهرها ... ولا يثمر الشجر المورق تغيض البحار بها مرةً ... ويكدي السحاب بها المغدق الباهلي: أدنى خطاك الهند والصين ... وكلُّ نحسٍ بك مقرون بحيث لا يأنس مستأنسٌ ... وحيث لا يفرج محزون تهوي بك الأرض إلى بلدةٍ ... ليس بها ماءٌ ولا طين محاسن الرؤيا حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال: كان المأمون يبطّل الرؤيا ويقول: ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء، فلما رأينا إنما يصحّ منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن أكثرها لا يصح، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره فصلّى ذات يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال: أحدثكم بأعجوبة، رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه عصاً وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت: من أنت؟ فقال: رسول العباس بالسلامة، وناولني كتابه. فقال المعتصم: أرجو أن يخفق الله رؤيا أمير المؤمنين ويسره بسلامته. قال: ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً إلا وبصر بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال، فقال المأمون: هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته. قال: فدنا منه الرجل فنحّاه خدمه وصاحوا به. فقال: دعوه. فجاء الشيخ، فقال له: من أنت؟ قال: رسول العباس وهذا كتابه. قال: فبهتنا وطال منه تعجبنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه؟ قال: لا. وحدثنا عليّ بن محمد قال: حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله، ﷺ ، فرفعت رأسي ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فإذا قائل يقول: يمحي هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. فقلت: فأنا محمد، فابن من؟ قال: ابن عليّ. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس. فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله، ﷺ ، فرفع رأسه فإذا اسم الوليد، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله، ﷺ ، إلى اليوم، فدعا بكرسيّ فألقي له في صحن المسجد، فقال: ما أنا ببارحٍ حتى يُمحى ويكتب اسمي مكانه. فأمر بأن يحضر العمّال والسلاليم وما يحتاج إليه لذلك، فلم يبرح حتى غُيّر وكتب اسمه. قال: ورأى رجل أبا دلف فيما يراه النائم فقال: ما حالك؟ فقال: فلو أنا إذا متنا تُركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء قال: ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له: ما حالك؟ فقال: ما أنت وذاك لا أم لك! فقال: سفيهٌ في الدنيا سفيه في الآخرة!

стр. 145

وعن إسحاق بن إسماعيل بن علي قال: حدثني عمي عيسى بن علي قال: دخلت على المنصور فقال: يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة؟ قلت: يا أمير المؤمنين أي الرؤيا؟ قال: مثلك ينساها؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهبٍ في رقٍّ وتوصي بها بنيك وبني بنيك! قلت: فأخبرني بها يا أمير المؤمنين! قال: رأيت كأني بمكة إذ فُتح باب الكعبة فخرج رجل فقال: عبد الله بن محمد. فقمت وقام أخي. فقال الرجل: ابن الحارثية. فدخل أخي فأبطأ هنيهةً ثم خرج وفي يده لواء فخطا خطىً خمساً ثم سقط اللواء من يده. ثم خرج الرجل بعينه فقال: عبد الله، فقمت وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي وإذا رسول الله، ﷺ . فقال لي الرجل: ابدأ برسول الله، ﷺ ، فسلمت عليه فدعا بلواء فعقده لي ثم قال: هاك فيك وفي ولدك حتى تقتلوا به الرجال. فخطوت خطىً لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم. وحدثنا محمد بن يونس قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي جعفر قال: قال المنصور: رأيت في السنة التي وليَ فيها هشام بن عبد الملك كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن عظيم، وكان بالموصل رجلٌ يعبر الرؤيا، وحججت تلك السنة فرأيته بمنىً وقصصت عليه الرؤيا. فقال: أخبرني لمن هذه الرؤيا. فقلت: لرجل من أفناء الناس. قال: ما قلت الحق، اصدقني وأصدقك! فقلت: لرجلٍ من بني هاشم. قال: الآن جئت بالحق، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها خليفةً. قال: فانسلكت كالهارب خوفاً أن يظهر من قولي وقوله شيء. قال: فبينا الربيع ذات يوم قد دخل فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبّر يستأذن. قال: أدخله. فأدخله فلما رآه تبسّم وقال: هذا صاحبي. فدنا منه وقبّل يده. فقال: أتذكر رؤياي؟ قال: نعم، وهي التي حملتني إليك. قال: كيف كنت تأولتها؟ قال: قلت راكب حمار أسود والحمار جدّ الرجل وسواده سودد، قلت وكان على الحمار تبن فقلت الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه فقد ملك الأقوات فهذا رجل يملك الناس. قال: لله أبوك ما أحسن ما عبّرت وأسرع ما صححت! وأمر له بصلةٍ وقال: أقم عندنا وحوّل عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق تسعك وإياهم. ففعل ذلك. وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت: كنت مع عمر بن عبد العزيز وهو نائم فانتبه وقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. قلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: حتى أصبح. قال: فجاء المنادي فناداه بالصلاة فقام فصلّى بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه. فأتيته فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني بالرؤيا. فقال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضاً أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فبينا أنا كذلك إذ نادى مناد من القصر: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقام النبي، ﷺ ، فدخل القصر، فقلت: سبحان الله! إنا في ملإ فيهم رسول الله، ﷺ ، ولم أسلّم عليه! فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فقام أبو بكر، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله! إنا في جمع فيهم أبي ولم أسلّم عليه! فما لبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فقام عثمان، ﵀، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟ فقام عليّ فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فرأيت النبي، ﷺ ، قاعداً ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعثمان وعلياً بين يديه، فقلت: أين أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي، قال: فقعدت عند عمر بن الخطاب، فرأيت فيما بين النبي، ﷺ ، وأبي بكر شاباً حسن الوجه، فقلت: يا أبة من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ﵇. قال: فما لبثت إلا قليلاً حتى سمعت منادياً ينادي: يا عمر بن عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه. قال: ثم قمت فخرجت فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ عثمان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني. ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: الحمد لله الذي غفر لي! مساوئ الرؤيا
следующие страницы →