← Адаб

Адаб · id 564

المحاسن والمساوئ

إبراهيم البيهقي

Полный текст (254 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال: وحدثنا الوضّاح بن محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا بديل بن حبيب يقول: كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو يومئذٍ ولي عهد، ففعلنا ذلك يوماً فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها فقبلتها، فضرب يدي بيده، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتاباً صغيراً تستره الكف، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه: إذا قرأت كتابي هذا فاستأذن إلى ضياعك بالري، فرجعت فاستأذنت فقلت: يا أمير المؤمنين ضياعي بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها. فقال: لا ولا كرامة، فخرجت ثم عدت إليه اليوم الثاني فكلمته، فردّ عليّ مثل الجواب الأول، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك، فقال: إذا شئت، فقلت: يا أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها. قال: قلت: أحتاج إلى خلوة، فنهض القوم وبقي الربيع، فقلت أحلني، قال: ومن الربيع؟ قلت نعم، فتنحى الربيع فقال: إن جدت لي بدمك ومالك، فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أنا ومالي إلا من نعمتك؟ حقنت دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك، فقال: إنه يهجس في نفسي أن المرار بن جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده فإذا رأيته يهمّ بخلعي فاكتب إليّ ولا تكتبن على بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلاناً القطان في دار القطن فهو يوصل كتبك، قال: فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرّار فقال: أفلتّ؟ قلت: نعم والحمد لله، ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ما كان المنصور ظن به، فكتبت إليه بذلك، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام، فقال: نجّاك الله من الفاجر؟ قلت: نعم، وأرجو أن تقع عينه عليّ أبداً، فكنت أعرّض به فيزيدني مما عنده، ثم قال لي: هل لك أن تخرج إلى متنزه طيب؟ قلت: نعم، فخرجت أنا وهو نتساير حتى صرنا إلى موضع مشرف قد بنيت له عليه قبة، فأحدّ النظر إلى ما هناك ثم قال: يا أبا بديل أترى الفاجر يظن أني أعطيه طاعة أبداً ما عشت؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت خفّي هذا من رجلي! قال: فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره، قال: وقد كنت أعددت تسعة فرسان من بني يربوع ورجلاً من بني أسد فواطأتهم أن نبطش به وكتبت إلى المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه، قال: وأخذ المرّار الدواء في ذلك اليوم، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال: احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه والمنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟ قال فتضاحكت وقلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد علمت فيك حيلته! ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء وقال: لا ترم، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعاً، فقال الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضييّ، فوجّه خيلاً في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتاباً مكشوفاً، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه.

стр. 72

عليّ بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البرّ إليه، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد الله وهي تقول: ما أعرف مكانه، ودعا بالدَّهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: امسكوا عنها، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟ قالوا: الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب: ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها؟ قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم، ثم قال: أوتعرفين فلاناً البقال؟ قالت: نعم هو في بني فلان، قال: هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمةً لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء وورقاً، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد. قيل: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى حضرته، فلما أُخرجوا كثر عليهم البكاء، فقال عبد الله: أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء الحق وإماتة الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف، فالحمد لله الذي جعل منايانا جهاداً ولم يجعلها مهاداً. وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال: قال لي المأمون: نُبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ ومحاسن ساداتي، قال: فهات ما عندك، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟ قلت: لا أعلم، قال: لبابة بنت سنان. ثم قال: ما اسم أبي عون؟ قلت: لا أدري، قال: فلان. فوالله ما زال يسائلني عن خفيّ أمر الدولة ولا يجد عندي جواباً ولا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ذلك زاد في عينيّ وضعفت عند نفسي، قال فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متمّ كأنه أتاها آتٍ في منامها فقال لها: يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا.

стр. 73

وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوماً في الجمعة يحضرون مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يوماً فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم، وكان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ما عندي، وقال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولاً لما زاد على معرفته، وقال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال: تسبيح حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمَع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجّا وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله وصلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيراً من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: وما تصنع بهذا وقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلاً رجلاً حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟ قال: وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا المأمون يوماً من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلاً وأعفهم عفة؟ قال: فقلنا وأكثرنا، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعدّدنا ما نعرف من مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنّا لم نردها ولا أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: اعرف القصة في عمر بن الخطاب، ﵀، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاماً ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها خراجها وبها أموالها جمّة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة آلاف ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إليّ أنه عرضت عليه أموال لو عرضت عليّ أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخرّيج نعمتي.

стр. 74

وقال بشر بن الوليد: كان والله المأمون الملك حقاً، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب، قال فقال لي يوماً: صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم أره، فوصفته له، فاستحسن صفته وقال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل عليّ وقال: ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبّره وأبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه! قال: لكني أدريه وأُدريك ولا والله ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلاً أشرتَ به قضاء الأبلّة وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه...... وولينا رجلاً آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، وولينا رجلاً أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدماً وخصياناً بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: ألم أعلمك؟ ثم قال: وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحداً والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب، قلت: فاغدُ به عليّ، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟ فقال: لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال: فأنكرت عليه وأظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر، فانصرفت بالأمس على أن أحضره، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبّل رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعدّ الذي دعي إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله، فقلت: جزاك الله خيراً عن إمامك أحسن ما جزى امرأً عن إمامه وهم دينك ونفسك، قال بشر: فبهتّ وانقطعت ولم أُحر كلمةً..... فقال: لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها والله ما غير ولا بدّل، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء، ميل إلينا من أموال الحشوية أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟ قال بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عمّاله وعن دفين أسرار حكّامه فحصاً شافياً، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امريء وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره، فقال المأمون: إن أهمّ الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أجوع يوماً وأشبع يوماً.

стр. 75

حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبّى المعتصم بالله خيله تعبيةً لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيهٌ بها، وأمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القوّاد وأعطى كلّ واحد منهم مصافّه، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القوّاد وأصحابهم في أجمل زيّ وأحسن هيأة فلزموا مصافّهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسيّ بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدّها، ولبس ثيابه وجلس على كرسيّ ينتظر مضيّ القواد، فلما انقضى أمرهم تقدّم إلى الرجّالة في المسير بين يديه فتقدّم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زيّ مخالف لزيّ الباقين وأربعة آلاف من المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدّتهم أربعة آلاف، وركبت لا أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إليّ وقال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر تلقّاه القواد وأصحاب المصافّ يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم عليه بالخلافة فردّ ﵇ فقال: كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف كنت في أيامك؟ اركب، فركب، فلما جاوزه التفت إليّ فقال: يا حمدون! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: تذكر، قلت: أي والله يا سيدي، وأمسك، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر شيئاً في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص عليّ يومي وما رأيت من حسنه وسروري بالمرتبة التي أهلني بها، وقلت: الخلفاء لا يعاملون بالكذب ولا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب ولا حقيقة، وتخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجماً في طريقي إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن يسألني، فلما استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القوّاد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فمضيت فلما دخلت ضحك إليّ وقال: يا حمدون رأيت؟ قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد لله الذي بلغ بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك بأجلّ منه ولا أبهى ولا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: رأيت سلامه عليّ وردّي عليه ونزوله إليّ؟ قلت: نعم، فقال: إنه لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى المصلّى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلّمت عليه فردّ عليّ مثل ما رددته حرفاً حرفاً على ما قال لي، قال: فدعوت له وانفرج عني ما كنت فيه وتخلّى عني الغمّ والكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئاً وأنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هنالك فاجلس إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل بي فعلي به في هذا اليوم وانظر إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على حقيقته واصدقني عنه وعجّل ولا تحتبس، قلت: نعم يا سيدي، فمضيت وقد دُفعتُ إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن إبراهيم لو كان من حجرٍ لأثر فيه هذا القول وتغيّر وظهر منه ما يكره، وخفت أن يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ما أمرني به وأنا مبادر خوفاً من خادم يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين الأمر وما يظهر لي منه، فقلت لإبراهيم: كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم، أما أعجبك حسنه وما كان من تعبية أمير المؤمنين؟ قال: بلى والله إنه أعجبني فالحمد لله الذي بلّغنيه وأرانيه، وأطنب في الدعاء للمعتصم، فلما أمسك قلت: يا سيدي أذكرك في أيامك وقد ركبت فعبّيت شبيهاً بهذه التعبية وقسمت الطريق مثل هذه القسمة فوقع لأمير المؤمنين الموضع الذي

стр. 76

وقع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف ملياً، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سروراً ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه. قع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف ملياً، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سروراً ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه. مساوئ التيقظ وتركه قيل لبعض بني أمية: ما كان سبب زوال ملكهم؟ فقال: قلة التيقظ وشغلنا بلذّاتنا عن التفرغ لمهمّاتنا ووثقنا بكفاتنا فآثروا مُوافقهم علينا وظلم عمّالنا رعيتنا ففسدت نيّاتهم لنا وحُمل على أهل خراجنا فقلّ دخلنا وبطل عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا واستدعاهم أعداؤنا فأعانوهم علينا وقصدنا بّغاتنا فعجزنا عن دفعهم لقلة نصّارنا، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا فزال ملكنا عنّا بنا. محاسن الرسل يقال إن ملوك العجم كانت إذا احتاجت إلى أن تختار من رعيتها من تجعله رسولاً تمتحنه أولاً بأن توجهه إلى بعض خاصتها ثم تقدم عيناً على الرسول يحضر ما يؤدّيه من الرسالة ويكتب كلامه، فإذا رجع الرسول بالرسالة جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته فقابل بها الملك ألفاظ ذلك الرسول فإن اتفقت معانيها عرف بها الملك صحة عقله وصدق لهجته ثم جعله رسولاً إلى عدوه وجعل عليه عيناً يحفظ ألفاظه ويكتبها ثم يرفعها إلى الملك فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يزد عليه جعله رسولاً إلى ملوك الأمم ووثق به ثم بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة ويصدّق قوله. وكان أردشير يقول: كم من دمٍ سفكه الرسول من غير حله ولا حقه وكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت ومال قد انتهب وعهد قد نقض بجناية الرسول وأكاذيبه، وكان يقول: على الملك إذا وجه رسولاً إلى ملك آخر أن يردفه بآخر وإن وجه رسولين أتبعهما بآخرين، وإن أمكنه أن لا يجمع بينهما في طريق ولا ملاقاة وألا يتعارفا فيتفقا ويتواطآ في شيء فعل، ثم عليه إن أتاه رسول بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر أن لا يحدث حدثاً في ذلك حتى يكتب إليه مع رسول آخر ويحكي به كتابه الأول حرفاً حرفاً، فإن الرسول ربما خرم ما أُملي عليه وافتعل الكتب وحرّض المرسل على المرسَل إليه وأغراه به وكذب عليه، ومنها قال أبو الأسود وقد سمع رجلاً ينشد: إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه فقال: قد أساء القول، أيعلم الغيب؟ إذا لو يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ ألا قال: إذا أرسلت في أمر رسولاً ... فأفهمه وأرسله أديبا ولا تترك وصيته لشيءٍ ... وإن هو كان ذا عقل أريبا وإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علِم الغيوبا

стр. 77

وقال يحيى بن خالد البرمكي: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الهدية والرسول والكتاب. مساوئ الرسول وحكي عن الإسكندر أنه وجّه رسولاً إلى بعض ملوك المشرق فجاءه رسوله برسالة فشكّ في حرف منها فقال له الإسكندر: ويحك إن الملوك لا تخلو من مقوّم ومسدّد إذا مالت بطانتها وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ بيّنة العبارة غير أن فيها حرفاً ينقضها، أفعلى يقينٍ أنت من هذا الحرف أو أنت شاكّ فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين، قال: فأمر الإسكندر أن تكتب ألفاظه حرفاً حرفاً وتعاد إلى الملك مع رسول آخر فيقرأ عليه ويترجم له، فلما قرأ الكتاب على الملك فمرّ بذلك الحرف أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف، فوضعها، فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكين، فقطع من الكتاب، وكتب إلى الإسكندر: رأس المملكة صحة فطنة الملك وأسّ الملك صدق لهجة رسوله إذ كان عن لسانه ينطق وإلى أذنه يؤدّي، وقد قطعت بسكيني ما لم يكن من كلامي إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلاً، فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر دعا الرسول الأول فقال: ما حملك على كلمةٍ أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذاك كان لتقصير رآه من الموجّه إليه، قال الإسكندر: فأراك سعيت لنفسك لا لنا فلما فاتك بعض ما أملت جعلت ذلك ناراً في الأنفس الخطيرة الرفيعة! ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه. محاسن الحجاب يقال إن ملوك العجم كانت تأخذ أبناءها بأن يعاملوها بما تعامل به عبيدها، وأن لا يدخل أحد من الولد عليها إلا عن إذنها، وأن يكون الحجاب عليهم أغلظ منهم على من دونهم من بطانتها وخدمها لئلا تحملهم الدّالة على تعدّي ميزان الحق، فإنه يقال إن يزدجرد رأى بهرام بموضع لم يكن له فقال له: مررت بالحاجب؟ قال: نعم، قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم، قال: فاخرج إليه فاضربه ثلاثين سوطاً ونحّه عن الستر ووكّل بالحجاب أزاذمرد، ففعل بهرام ذلك وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، ولم يعلم الحاجب فيم غضب عليه الملك، فلما جاء بهرام بعد ذلك ليدخل دفع أزاذمرد في صدره دفعة أوقذه منها وقال له: إن رأيتك بهذا الموضع ضربتك ستين سوطاً لجنايتك على الحاجب الأول وثلاثين لئلا تطمع في الجناية عليّ، فبلغ ذلك يزدجرد فدعا بازاذمرد فخلع عليه ووصله. ويقال: إن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب، فكان إذا أراد الدخول عليه قال لبعض جواريه: انظري هل تحرك أمير المؤمنين، فجاءت الجارية حتى فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره مصحف وبين يديه جارية تصفّح عليه، فأخبرت يزيد بذلك، فجاء يزيد حتى دخل على معاوية، فقال: يا بني إنما جعلت بيني وبينك باباً كما بيني وبين العامة لتدخل عليّ وقت إذنك فهل ترى أحداً يدخل عليّ من ذلك الباب؟ قال: لا، قال: فكذلك إذنك. وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته. وذكروا أن المأمون لما اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك فاطّلع عليه من ثقب في ذلك الباب، فجاء حتى اطّلع عليه وتأمله وانصرف. وحكي عن إيتاخ أنه بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضع لم يكن له أن يقرب منه ولا أن يقف به فزبره وقال: تنحّ فوالله لولا أني لم أتقدم إليك لضربتك مائة سوط. وكانت الأعاجم تقول: ما شيء بأضيع للملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة الحجاب، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت من الوالي بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت على الظلم وركب القويّ منهم الضعيف، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب. قال: وقال خالد بن عبد الله القسريّ: لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيّ فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك، وإما رجل مشتمل على سوءة فهو يكره أن يطّلع الناس على ذلك فيه، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه. قيل: واستأذن أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان، ﵀، فحجبه، فقيل له: حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.

стр. 78

قال: وقال الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة: يا بشر صن طلاقة اسمك بحسن فعلك واحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فِكره، ولا تستخفنّ بذوي المروءة والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبّوا وإن ذُمّوا أزالوا. وذكروا عن الربيع الحاجب أن المنصور دعا محمد بن عيسى بن علي إلى الغذاء فقال: يا أمير المؤمنين قد أكلت، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل وضربه كما يضرب الصبيان، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك، فخرج يبكي إلى أبيه، فجاء أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح، فقال: ما أمرت بذلك ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر، فلما سئل الربيع عن ذلك قال: أمرته أن يتغدّى معك فقال قد أكلت، وإنما دعوته لتشرّفه وترفع منه ولم تدعه لتشبعه، فأدّبته إذ لم يؤدّبه أبوه، فقال المنصور: أحسنت! قد علمت أنك لا تخطيء. قال: وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبة: إني موليك ستر وجهي وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدّم أبناء الدعوة وثنّ بالأولياء واجعل للعامة وقتاً إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكّث، وكان أول من حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع، وكان الهادي ولّى حجبته الفضل بن الربيع بعد الربيع وقال له: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية، ولا تلق إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً فإن ذلك يوهن الملك ويضرّ بالرعية. قيل: وقال الواثق لابن أبي دؤاد: من أولى الناس بالحجبة؟ فقال: مولّى شفيق يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه، فنظر إلى إيتاخ وكان واقفاً على رأسه فقال: قد ولاّك أبو عبد الله الحجبة، فكان إيتاخ يعرف ذلك له ويتقدّم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته. قال: وقال رجل لزياد: إن حاجبك إنما يبدأ بالإذن لمعارفه، فقال: قد أحسن، المعرفة تنفع عند الكلب العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصؤول، كن من معارفه، فقد قيل: التعارف نسب وقبّح الله معرفة لا تنفع. وكان ليحيى بن خالد حاجبٌ قبل الوزارة، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه تثاقل عن حجابته فقيل له: لو اتخذت حاجباً غيره، قال: كلا، هذا يعرف إخواني القدماء، وقال الشاعر في مثله: هشٌ إذا نزل الوفود ببابه ... سهلُ الحجاب مؤدِّب الخدّام وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام وقال خيط القنديل في محمد بن عبد الله بن طاهر: يا أيها الملك المحجوب آمله ... وراء بابك همٌ غير مشترك وكم أقول فلا يجدي فينجدني ... ولا أرى مدنياً من قبة الملك وقد تحصّن مني في محصَّنةٍ ... خلقاء خلف وشيج السمر والحسك أصبحت كالشمس لا تخفى على أحدٍ ... لكنّ مطلعها في سرّة الفلك يا ليت ريح سليمانٍ مسخرةً ... إليه تحملني أو منكبي ملك فلست دون أناسٍ كان سهمهم ... سهم النّجيح فنالوا غاية الدّرك فإن ظُلمتُ ولم أُنصف فقد ظلمت ... بنت النبي كما قد قيل في فدك مساوئ الحجبة

стр. 79

قال ثمامة: جلس المأمون يوماً وقد حضر الناس فأمر عليّ بن صالح بإدخال إسماعيل بن موسى فغلط وأدخل إسماعيل بن جعفر، وكان المأمون من أشدّ الناس له بغضاً فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم ابدلني بعليّ بن صالح مطيعاً ناصحاً فإنه بصداقته لهذا آثر هواه على هواي، فلما دنا قبّل يده، فقال: هات حوائجك، فقال: ضيعتي بالفتنة قُهرتها وغُصبت عليها، فأمر بردها عليه ثم قال: اذكر حاجتك، فقال: دينٌ كثير قد لحقني في جفوة أمير المؤمنين إياي، فأمر بقضاء دينه، وقال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير المؤمنين في الحج؟ قال: قد أذنّا لك، وحاجتك أيضاً؟ قال: وقف أبي كان في يدي فأُخرج عني، قال: يردّ عليك إن رضي ورثة أبيك، ثم قال: الذي أمكننا في أمرك قد جدنا به ووقف أبيك إلى ورثته، ثم قال لعلي بن صالح: يا عبد الله ما لي ولك! متى رأيتني أنشط لإسماعيل بن جعفر وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب عني إسماعيل بن موسى، قال: ذهب عنك ما كان يجب عليك حفظه وحفظت ما كان يجب أن لا تحفظه، فأما إذ أخطأت فلا تُعلم إسماعيل بن جعفر القصة، فظن أنه عنى إسماعيل بن موسى فأخبر إسماعيل بن جعفر حرفاً حرفاً فأذاعها إسماعيل وبلغ المأمون فقال: الحمد لله الذي وهب لي هذه الأخلاق التي أحتمل عليها علي بن صالح وأبا عمران الطوسيّ وحميد بن عبد الحميد ومنصور بن النعمان. وحدثنا مسعود بن بشر عن ابن داحة قال: خرج إلينا يعقوب بن داود من عند المهدي ونحن على بابه فقال: ما صدر هذا البيت: ومحترسٍ من مثله وهو حارس فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند أحد منهم جواب. فقلت: أنا أخبرك، قال البردخت الشاعر، والبردخت الفارغ بالفارسية: أقلي عليك يا اللوم يا أم مالك ... وذمي زماناً ساد فيه الفلافس كساعٍ إلى السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس الفلافس من بني نهشل بن دارم كوفيّ وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وقال الأشهب بن رميلة النهشلي: يا حار يا ابن أبي ربيعة إنه ... يزني إذا اختلط الظلام ويشرب جعل الفلافس حاجبين لبابه ... سبحان من جعل الفلافس يحجب فدعا به الحارث وقال: قد علمت أنه كذّب عليك ولكن لا حاجة لي فيك فاخرج عني، وقال الشاعر في مثله: سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى تلين قليلا إذا لم نجد للإذن عندك موضعاً ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا وقال آخر: سأترك باباً أنت تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك فلولا كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعاً نحو مالك وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف: لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم متى ينجح الغادي لديك بحاجةٍ ... ونصفك محجوب ونصفك نائم وكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر: إذا كان الجواد له حجابٌ ... فما فضل الجواد على البخيل فأجابه: إذا كان الجواد قليل مالٍ ... ولم يقدر تعلّل بالحجاب وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عيينة إلى صديق له: أتيتك زائراً لقضاء حقٍّ ... فحال الستر دونك والحجاب ولست بساقطٍ في قدر قومٍ ... وإن كرهوا كما يقع الذباب وقال آخر: وأحضر باب إبراهيم جهلاً ... بما فيه وأرشو الحاجبين فأخرج إن خرجت بغير شيءٍ ... وأدخل إن دخلت بدرهمين وقال آخر: يدلّ على أنه كاتب ... سوادٌ بأظفاره راتب فإن كان هذا دليلاً له ... فإسكافنا كاتبٌ حاسب حجابٌ شديدٌ لأبوابه وليس لباب استه حاجب وقال آخر: لقلع ضرسٍ وضنك حبسٍ ... ونزع نفسٍ وردُّ أمس وأكل كفٍّ وضيق خفٍّ ... وفقد إلفٍ وإلف فلس وقود قردٍ ونسج بردٍ ... ودبغ جلدٍ بغير شمس وشرب سمٍ وقتل عمٍ ... وكلُّ غمٍ ويوم نحس ونفخ نارٍ وحمل عارٍ ... وبيع جارٍ بربع فلس

стр. 80

أيسر من وقفةٍ ببابٍ ... يلقاك بوّابه بعبس وقال: لما رأيتك ذاهباً ... ورأيتني أُجفى ببابك عدّيت رأس مطيتي ... وحجبت نفسي عن حجابك وقال آخر: لئن كان التشرف في الحجاب ... لقد أصبحت في الشرف اللباب لقد عاتبت نفسي في وقوفي ... فقلت لها: وقفت بأيّ باب ببابٍ تُسلب الموتى عليه ... ويُستلب العراق من الكلاب؟ منصور بن باذان: أما وزمر ابن شيبه ... وقبح لحية عقبه كأنما شعر قردٍ ... ملصَّقٌ حول ذنبه ووجهه حين يبدو ... كقبح أول شربه لئن أطلت حجابي ... ما أنت إلا ابن قحبه وكيف تبني المعالي ... يا نجل كلبٍ لكلبه وهل يكون كريماً ... يا قوم حمّال قربه! وله: يا ذا الذي قصّر في مجده ... وزاد في عدّة حجّابه أقسمت لا أقرب باب امريءٍ ... يحجبني البوّاب عن بابه فأدخل الله رؤيس امريءٍ ... يحجب مثلي في است بوّابه ولأبي عبد الله مريقة في علي بن أحمد المعروف بابن الحواري شاعر وكان حجبه فتعرض له وقد ركب فقال: أسَلُ الذي صرف الأعنّ ... ة بالمواكب نحو بابك وأراك نفسك دائماً ... ما لم يكن لك في حسابك وأذل موقفي العزي ... ز عليّ في أقصى رجائك ألا يطيل تجرّعي ... غصص المنية من حجابك محاسن الولايات قال إبراهيم بن السندي: بعث إليّ المأمون فأتيته فقال: يا إبراهيم إني أريدك لأمر جليل والله ما شاورت فيه أحداً ولا أشارك بك أحد، فاتق الله ولا تفضحني، فقلت: يا سيدي لو كنت شر خلق الله ما تركت موضع قادح فكيف ونيّتي في طاعة أمير المؤمنين نية العبد الذليل لمولاه؟ قال: قد رأيت أن أوليك خبر ما وراء باب داري فانظر أن تعمل بما يجب عليك لله جل وعز ولي ولا تراقب أحداً، فقلت: يا سيدي فإني أستعين بالله على مرضاته ومرضاتك، فبعثت أصحاب الأخبار في الأرباع ببغداد فرفع إليّ بعضهم أن صاحب ربع الحوض أخذ امرأة مسلمة مع رجل نصراني من تجار الكَرخ فافتدى نفسه بألف دينار، فرفعت إليه ذلك فدعا عبد الله بن طاهر فقال له: انظر في هذا الذي رفعه إلي صاحب الخبر، فقرأه وقال: رفع يا أمير المؤمنين الباطل والزور وأغراه بي فعمل قوله فيّ وملأ قلبه، فبعث إلي وقال: يا إبراهيم ترفع إلي الكذب وتحملني على عمّالي؟ فكتبت رُقعَة دفعتها إلى فتحٍ الخادم ليوصلها إليه قلت فيها: إنّما يحضر الأخبار في الأرباع المرأة والطفل وابن السبيل وغير ذلك، ولو كانت الأخبار لاترفع إلا بشهود عدول ما صحّ خبرولا كتب به، ولكن مَجرَى الأخبار أن يحضرها قوم على غير توطّؤ، فإن أمرني أمير المؤمنين أن لا أكتب إليه بخبر إلاّ بعدول وبرهان فعلت ذلك، وعلى هذا فلا يرتفع في السنة خبر واحد. فلّما قرأ الرقعة فكّر فيها ليلته وجاءني رسولُه مع طلوع الشمس، فأتيتُه من باب الحمّام فلمّا رآني قال: اطمأنن. وقام فصلى ركعتين أطال فيهما ثم سلّم والتفت إليّ وليس في المجلس غيري فقال: يا إبراهيم إنما قمت للصلاة ليسكن بهرك ويقوى متنك ويُفرخ روعك فتمكن في قعودك، وكنت قاعداً على ركبتي، فقلت: لا أضع قدر الخلافة يا سيدي ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه. ثم قام فصلى ركعتين دون الأوليين ثم قال: هذه رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما كتبت به ولكني امرؤٌ أداري عمّالي مداراة الخائف وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجّة البيضاء سبيلاً، فاعمل على حسب ذلك ولِن لهم تسلم منهم وفي حفظ الله إذا شئت. فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم والرفق بهم واللين لهم.

стр. 81

وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال: دخل محمد بن واضح دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغبٌ إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلي أعمالاً من أعمال السواد، فدعا به المأمون فقال: يا أمير المؤمنين اعفني من عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه، فقال: قد أعفيتك، واستعفى من عمل آخر وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة وهو قائم على رجله، فخرج وما في يده شيء من عمله، فقال المأمون لسلم الحوائجي: إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه، وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله فنظر فإذا لا يتّبعه إلا غلام له بغاشية، فرجع إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم لو تجمّلوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه! ثم تمثل فيهم: ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير ام عامر ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلاً حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين. وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان، قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال: ولّيت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق، والله لئن أعدته علينا لنعصينك، فإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت أرحامنا، ولئن قوينا عليك لنعصينك ملكك! قال: فانصرف والزم بيتك ولا تذكرنّ من هذا شيئاً، قال: فقدم إلى منزله وأصبح الحجاج غادياً على الوفد في منازلهم يجزيهم الخير، ثم أتى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيراً فقد أبدلني بكم خيراً لي منكم وأبدلكم بي غيري وولاني العراق. وعن الوضّاحيّ عن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عندما استعفى أهل العراق من الحجاج بن يوسف قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم يعني أخاه محمد بن مروان أو ابنه عبد الله مكان الحجاج، فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق استعفوا من سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فأعفاهم منه فساروا إليه من قابل فقتلوه، فقال عبد الملك: صدق ورب الكعبة، وكتب إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له. مساوئ الولايات قال: كتب عبد الصمد بن المعذّل إلى صديق له وليَ النفّاطات فأظهر تيهاً: لعمري لقد أظهرت تيهاً كأنما ... توليت للفضل بن مروان منبرا وما كنت أخشى لو وليت مكانه ... علي أبا العباس أن تتغيرا بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة ... فكيف به لو كان مسكاً وعنبرا دع الكبر واستبق التواضع إنه ... قبيح بوالي النفط أن يتكبرا قال: وسئل عمّار بن ياسر عن الولايات فقال: هي حلوة الرضاع مرة الفطام، ولابن المعتز في مثله: كم تائهٍ بولاية ... وبعزله يعدو البريد سكر الولاية طيبٌ ... وخمارها صفع شديد ولغيره: لا تجزعن فكلُّ وال يُعزل ... وكما عزلت فعن قريبٍ يعزل إن الولاية لا تدوم لواحدٍ ... إن كنت تنكره فأين الأول وكذا الزمان بما يسرك تارةً ... وبما يسوءك مرةً يتنقل محاسن بُعد الهمة قال: حدثّنا أحمد بن إسحاق التُستري قال: دخل أحمد بن أبي دؤاد على الواثق فقال له الواثق: بالله يا أبا عبد الله إني حنثت في يمين فما كفارتها؟ فقال: مائة ألف دينار، فقال ابن الزيات: والله ما سمعنا بهذا في الكفارات إنما قال الله جل وعز، وتلا الآية في كفارة الأيمان، فقال: تلك كفارة مثله في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه، إنما تكون كفارة اليمين على قدر جلال الله من قلب الحالف بها ولا نعلم أحداً الله جل وعز في قلبه أجل من أمير المؤمنين فقال الواثق: تحمل إلى أبي عبد الله يتصدق بها.

стр. 82

قال: ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوماً وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضُم إليه من كتّابه، وأجابه، فقال: ما حال ابني هذا؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر في كذا وكذا قال: ليس عن هذا سألت، قالوا: قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا قال: ولا عن هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في أعناق الرجال منناً وحبّبتموه إلى الناس؟ قالوا: لا قال: فبئس العشراء أنتم والأصحاب، هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم! ثم أمر بحمل خمس مائة ألف درهم إليه ففرقت على قوم لا يدري من هم. قال: وقال المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم: اعتبروا في علوّ الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلابأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن دناءة الهمة وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئاً ما لم تعطوه حقه، وأنشده: نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌ ... من معشرٍ كنا لها أنكالا ونرى القروم مخافةً لقرومنا ... قبل اللقاء تقطِّر الأبوالا نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا وإذا البلاد على الأنام تزلزلبت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا ولبعضهم في أبي دلف: له هممٌ لامنتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر له راحةٌ لو أن معشار جودها ... على البرّ كان البر أندى من البحر ولو أن خلق الله في مسك فارسٍ ... فبارزه كان الخليَّ من العمر أبا دلفٍ بوركت في كل وجهةٍ ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر ولغيره: لا تهدمن بنيان قومٍ وجدتهم ... بنوا لك بنياناً وكن أنت بانيا وإن زهد الأقوام في طلب العلى ... فسام بكفّيك الندى والمعاليا عبد الله بن طاهر: فتىً خصه الله بالمكرمات ... فمازج منه الحيا والكرم إذا همةٌ قصّرت عن يدٍ ... تناول بالمجد أعلى الهمم ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليثني زوّاره عن نعم بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلّل عنهم شباة العدم وذكّره الحزم غِبَّ الأمور ... فبادر قبل انتقال النّعم

стр. 83

قال: وحدّثنا بعض أهل ذي الرئاستين قال: كان ذو الرئاستين يبعث بي وبأحداث من أهل بيته إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلموا منه الحكمة، فكنا نأتيه ونستفيد منه الآداب، فلما كان بعد ذلك قال لنا: أنتم أدباء وقد تعلمتم الحكمة ولكم نعمة فهل فيكم عاشق؟ فاستحيينا من قوله وسكتنا، فقال: اعشقوا فإن العشق يطلق لسان البليد ويسّخي البخيل ويشّجع الجبان ويبعث على التلطف وإظهار المروءة في المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك، وانظروا أن تعشقوا أهل البيوتات والشرف. قال: فخرجنا من عنده وصرنا إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما أفادنا فهبناه أن نخبره، فقال: تكلموا، فقلنا: تكلموا، فقلنا: إنه أمرنا بكذا وكذا، فقال: صدق وبرّ، أتعلمون من أين قال لكم ذلك؟ قلنا: يخبرنا به الوزير، فقال: كان لبهرام جور ابنٌ قد رشحه للملك من بعده واعتمد عليه في حياته، وكان خامل المروءة ساقط الهمة فضم إليه عدة من المؤدبين والحكماء والعلماء ومن يتعلم الفروسية، فبينا بهرام في مجلسه إذ دخل عليه بعض أولئك المؤدبين المضمومين إلى ابنه، فسأله عن خبر ابنه وأين بلغ من الحكمة والأدب، فقال: أيها الملك قد كنت أرجو أن يتوجه أو يعي بعض ما ألّفته وأُلقيه إليه حتى حدث من أمره ما آيسني منه، قال: وما هو؟ قال: بصر بابنة فلان المرزبان فهويها فهو الآن يهذي بها ليله ونهاره، فقال: الآن رجوت فلاحه، اذهب فشجّعه بمراسلة المرأة وخوّفه بي، فذهب المؤدب فانتهى إلى ما أمره به، وبعث بهرام إلى أبي الجارية ودعاه فقال له: إني مزوج ابني ابنتك فأتها ومرها أن تراسل ابني وتطمعه في نفسها فإذا استحكم طمعه فيها ورجا الالتقاء تجنّت عليه وقالت: إني لا أصلح إلا لملك عظيم القدر بعيد الهمة حسن المودة أديب النفس شجاع البطش ولست كذلك ولا هناك، ثم عرّفني الكائن منك في ذلك. فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك، فراسلت الفتى وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفاً شديداً وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأساً في ذلك، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصّته إلى أبيه يشكو تخلف حاله وقصور يده عما يشتهيه، فوقّع له أبوه بإزاحة علّته والتوسعة عليه، ثم بعث إلى المؤدب فدعاه فقال: قل لابني يرفع إليّ قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة المرزبان، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله، فأمر الملك بإحضار المرزبان وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل، وجهّزها الملك بأجلّ ما يكون من الجهاز وقال لابنه: إذا أنت خلوت بها فلا تُحدثن شيئاً حتى آتيك، فلما كان ذلك الوقت دخل الملك على ابنه فقال: يا بني إياك وأن تصغر شأن هذه المرأة عندك فإنها من أعظم الناس منّة عليك، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان عن أمري وبإذني وتدبيري، فاعرف حقّها وحقّ أبيها وأحسن معاشرتها وبرّها، ثم خرج الملك وخلا الفتى بأهله، ثم قال ذو الرئاستين: سلوا الآن الشيخ عن السبب الذي حمله على ما أمركم به، قال: فسألناه فحدّثنا بحديث ذي الرئاستين. مساوئ سقوط الهمة

стр. 84

قال: وكان القاسم بن الرشيد ساقط الهمة دني النفس، وكان المأمون على أن يعهد إليه ويؤكد له ما كان الرشيد جعله له من ولاية العهد، وكان لا يزال يبلغه عنه ما يكره مرة في نفسه وأخرى في حشمه، قال: فرفع إليه في الخبر يوماً أنه قال لقوّام حمّامه: نوّروا الناس بالمجان، ففعلوا ذلك فلم يبقَ محتاج إلا جاء يتنوّر، فلما علم أنهم كثروا أخرج عليهم الأسد من باب كان يدخل منه إلى الحمّام فخرج الناس عراةً مغمىً عليهم مع ما عليهم من النّورة هاربين من الأسد فصاروا إلى شارع قصره وقد أشرف عليهم وهو يضحك، فحدّثنا الحسن بن قريش قال: دعاني المأمون وقال: يا هذا ما لي ولهذا الفتى، إلى كم أحتمل منه هذا الأذى؟ قال: فقلت قوّمه يا أمير المؤمنين إن رأيت في ذلك صلاحاً، قال: نعم، فقلت: يا سيدي إنه عضوٌ منك وأنت أولى الناس بتقويمه، قال: فجعل ينهاه ويأبى لا ينتهين، فلما كثر هذا من فعله عزم على خلعه فكتب إلى هرثمة بن أعين في ذلك كتاباً نُسخته: أما بعد فإن أمير المؤمنين يستوفق الله جل وعز في جميع أموره ويستخيره فيها خاصّها وعامّها، لطيفها وجليلها، استخارة من يوقن أن البركة وخيرة البدء والعاقبة في قضائه وما يلهمه من إرشاد وتسديد رأي وإثبات صواب، وقد رأى أمير المؤمنين عندما استخار الله تبارك اسمه فيه من أمر القاسم بن الرشيد فيما كان إليه من ولاية العهد خلعه عن ذلك وصرفه عنه، فأظهر ذلك فيمن بحضرتك وأمُرْ بالكتاب إلى العمّال في نواحي عملك وثغورك وولاة الأمصار، فقد أمل أمير المؤمنين أن يكون ذلك توفيقاً من الله تبارك اسمه ورشداً ألهمه إياه إذ كان به توفيقه وعليه معوّله وإليه رجوعه فيما يبرم ويمضي، فامتثل ما حدّه لك أمير المؤمنين وانته إليه واكتب بما يكون منك فيه إن شاء الله. قال: ونظر المأمون يوماً إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم، فابنه العباس يتّخذ المصانع ويبني الضياع والمعتصم يتّخذ الرجال، فقال شعراً: يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين قرىً وبين رجال قلقٌ بكثرة ماله وضياعه ... حتى يفرّقه على الأبطال وأنشد في مثله: لما رأيتك لا تجود بنائلٍ ... وتظنّ بالمعروف ظنَّ الساقط ورأيت همّتك التي تعلو بها ... سوط الثريد وشمَّ ريح الغائط وإذا تكلّف حاجةً ضيّعتها ... بتغافلٍ عنها كأنك واسطي لا للمكارم تشرئبّ بنهضةٍ ... ولدى المكاره كالحمار الضارط أيّست نفسي من رجائك دهرها ... ونقشت شبهك صورة في حائط وقال آخر، سامحه الله : إذا أنت لا تُرجي لدفع ملمةٍ ... ولا أنت في المعروف عندك مطمه ولا أنت ذو جاهٍ يعاش بجاهه ... ولا أنت يوم الحشر ممن يشفّع فموتك في الدنيا وعيشك واحدٌ ... وعود خلالٍ من نوالك أنفع ولآخر، سامحه الله وعفا عنه: كلما قلت ويك للكلب إخسأ ... لحظتني عيناك لحظة تهمه أتراني أظنّ أنك كلبٌ ... أنت عندي من أبعد الناس همّه محاسن كرم الصحبة

стр. 85

قال ابن طاهر: حدثوني عن عبد الله بن مالك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي وكان يبعث إليّ في ندماء الهادي ومغنّيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له عنهم، فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم، فلا ألتفتُ إلى ذلك وأمضي إلى ما يأمر به المهدي، فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إليّ يوماً فدخلت عليه متكفّناً متحنّطاً، فإذا هو على كرسي والنطع والسيف بين يديه، فسلّمت فقال: لا سلم الله عليك! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّاني لما أمر أمير المؤمنين، ﵁، بضربه فلم تجبني في فلان وفي فلان، وجعل يعدّ ندماءه، ولم يلتفت إلى قولي؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أيسرك أن ولّيتني ما ولاني أبوك وأمرتني بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر يخالف أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك وكذا لأبيك وأخيك. فاستدناني فقبّلت يده وأمر بخُلع فصبّت عليّ وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشداً. فخرجت من عنده وصرت إلى منزلي مفكراً في أمره وأمري وقلت حدثٌ والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب وقد أزالوه عن رأيه فيّ وحملوه في أمري ما كنت أتخوّفه، قال: فإني لجالس وبين يديّ بنيّة لي والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأطعمه الصبية حتى توهّمت أن الدنيا قد اقتلعت بي وزلزلت لوقع حوافر الدواب وكثرة الضوضاء فقلت: هاه كان والله ما ظننت! فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلما رأيتهم وثبت عن مجلسي مبادراً وقبّلت يده ورجله وحافر حماره، فقال: يا أبا عبد الله إني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أني إذا شربت وجاءني أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأؤنسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي فهات اطعمني ما كنت تأكل وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسُّكُرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي زللتها لأبي عبد الله من مجلسي، فأدخل إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم، فقال: هذه زلّتك فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك فلعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري، وانصرف راجعاً. فأخبرني موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره فبنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى القيام عليها مدّة حياة الهادي.

стр. 86

وحدّث من حضر مجلس المأمون وقد أمر بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما حضر قال: يا عباس خذ هذا إليك واستوثق منه ولا يفوتنك وبكّر به واحذر كل الحذر. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يُحَبّ أن يكون معي إلا في بيتي، ثم سألته عن قصته وحاله من أين هو، فقال: من دمشق، فقال: جزى الله دمشق وأهلها خيراً، فمن أنت من أهلها؟ قال: لا تزيد أن تسألني، فقلت له: أتعرف فلاناً؟ فقال: ومن أين عرفت ذلك الرجل؟ فقلت: كانت لي قصة معه، فقال: ما أنا بمعرّفك خبره أو تعرّفني قصتك، فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يُدلي في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وجميع أصحابه وهربت فيمن هرب، فإني لفي بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله! فقال: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة، فدخلتها، وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون: هو والله عندك! فقال: دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، فصاحت المرأة وانتهرتهم، فانصرفوا وخرج الرجل فجلس على باب داره ساعة وأنا قائم في الحجلة خائفاً، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال: لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى، فقلت له: جزاك الله عني خيراً! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها ولا يفتر من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت الفتنة وهدأت، فقلت له: أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي فلعلي أن أقف لهم على أثر أو خبر، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا لا يعرفني ولا يعرف اسمي ولا مخاطبتي بغير الكنية، ثم قال لي: ما تعزم؟ فقلت: قد عزمت على الشخوص إلى بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام وقد تفضلت عليّ هذه المدة فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه، فقال: بصنع الله ، ثم قال لغلام له أسود: انعل الفرس الفلاني، وتقدم إلى من في منزله بإعداد السفر، فقلت في نفسي: ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي، فوقعوا يومهم ذلك في تعبٍ وكدّ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحَر وقال: يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: ما أعطاني شيئاً مما سألته، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إليّ خفاتين مقطوعة جدداً وراناتٍ وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدّم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إليّ نسخةً بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم وقدّم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي: اركب وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري، وركب معي فشيعني، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان. فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أتاك الله بمن تريد مكافأته بلا مؤونة عليك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا والله ذلك الرجل! ثم قال لي: ما أثبتك! فتعرّف إليّ وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبّلت رأسه وقلت له: ما الذي أصارك إلى هذا؟ فقال: هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إليّ وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحُملت إليه وأمري عنده غليظ جداً وهو قاتلي لا محالة، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدّم إليه بما أريد، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي. قال فقال العباس: بصنع الله، ثم قال: علي بحدّادين، فأتوا بهم، فحلّ قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ثم قال: عليّ بمولاه، فأنفذ في طلبه من يحضره. قال الرجل: فلما أن أخذ شعري

стр. 87

أدخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشراً، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئاً قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد. دخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشراً، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئاً قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد. قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرّغ العباس لنفسه واغتسل وتحنّط وتكفن. قال العباس: فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا: أمير المؤمنين يقول هات الرجل، فسكتّ وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه، فقال: الرجل! فسكتّ، فقال: ويحك الرجل! فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، فقال: أعطي الله عهداً لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك! فقلت: لا والله ما هرب، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا وكذا، وقصصت عليه القصة وعرّفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت: أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك! لا جزاك الله خيراً عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحرّ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه بعد المعرفة بهذا! لم لا عرّفتني خبره فكنت أكافيه عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه والله هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج إلى حضوره حضر، قال: وهذه والله منه أعظم من الأولى، فاذهب إليه الآن وطيّب نفسه وسكن روعه وتعبر به إليّ حتى أتولى مكافأته عنك. فصرت إليه وقلت: ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدّثه حتى حضر الغداء، ثم قال: الطعام، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه، ثم قال المأمون: علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها وبعشر بدر وبعشر تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم، فدُفع ذلك إليه، وكتب إلى عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ كتبه وصرفه إلى بلده. قال العباس: فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون: يا عباس هذا كتاب صديقك.

стр. 88

وحدّث رجل عن جعفر العطار قال: بينما يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان موسى والشمس عن يمينه والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في الطريق الذي جاء منه، فلما انتهى إلى الموضع الذي قصده قال يحيى: إنك جئت وعن يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا حيث كنت أنت، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على أذى الشمس ساعة؟ فقال: والله لا بدّ من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من الظل كما أخذت منه! فصار المأمون في موضعه وصار يحيى في موضع المأمون وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى صار إلى المجلس. وحدّث رجل من آل اسوار بن ميمون عن عمه عبد الله بن اسوار قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي يوماً فقال: اجلس، وكنت أحد كتّابه فقلت: ليست معي دواة، فقال: ويحك! في الأرض صاحب صناعة تفارقه آلته؟ وأغلظ لي في حرف علمت أنه أراد به خطّي وأراني بعض التثاقل في الكتاب ظهر لي به أنه أراد خطي على الأدب لا غير، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتاباً منه إلى الفضل ابنه، ورأى مني بعض الضجر في ما كتبت فتوهّم أن ذلك من أجل الكلمة التي كلمني بها، فأراد أن يمحو عن قلبي ما توهّمه عليّ فقال: عليك دين؟ قلت: نعم، قال: من دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فوقع بخطه إلى الفضل في الكتاب: وكلُّكم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه ثم قال: إن عبد الله ذكر أن عليه ديناً يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم فإذا نظرت في كتابي هذا وقبل أن تضعه من يدك فأقسمت عليك لمّا حملت ذلك إلى منزله من أخصّ مال قِبلك. قال: فحملها الفضل إليّ وما أعلم لها سبباً إلا تلك الكلمة. وحدّث إبراهيم بن ميمون قال: حدثني جبريل بن بختيشوع قال: اشتريت ضيعة فنقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه فدخلت على يحيى وعنده ولده وأنا أفكّر فقال لي: ما لي أراك مفكراً؟ فقلت: أنا في خدمتك وقد اشتريت ضيعة بسبع مائة ألف درهم ونقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه. فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل سبع مائة ألف درهم. ثم دفع الكتاب إلى ولده فوقّع فيه كل واحد منهم بثلاثمائة ألف درهم، فقلت: جعلت فداك! قد أدّيت عامة الثمن وإنما بقي عليّ أقلّه، فقال: اصرف ذلك في بعض ما ينوبك. ثم صرت إلى الرشيد فقال: ما أبطأ بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين كنت عند أبيك وإخوتك ففعلوا بي كذا وكذا، قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى فقال له: يا أبت خبّرني جبريل بما كان فما حالي من بين ولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين مُر له بما شئت يحمل إليه، فأمر بحمل مال إلى جبريل. وكان إبراهيم بن جبريل على شرطة الفضل فوجّهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة ثم ولاه سجستان، فلما انصرف منها كان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغويين استزار الفضل بن يحيى ليريه نعمته عليه وأعد الهدايا والطُّرف وآنية الذهب والفضة والوصفاء والوصائف والدواب والقباب والثياب وما تهيأ لمثله ووضع الأربعة الآلاف الألف الدرهم في ناحية من الدار، فلما تغدّى الفضل قدّم إليه تلك الهدايا، فأبى أن يقبل منها شيئاً وقال: لم آتك لأسلبك! فقال: أيها الأمير إنها نعمتك علي! قال: ولك عندنا مزيد. قال: فلم يزل يطلب إليه فأخذ من جميع ذلك سوطاً سِجزياً، فقال: هذا من آلة الفرسان، فقال إبراهيم: أيها الأمير فهذا المال من مال الخراج تأمر بقبضه؟ قال: هو لك، فأعاد عليه القول مراراً، فقال: ما لك بيتٌ يسعه، فوهب له المال بعد أن كان قد صار إليه ألف ألف درهم.

стр. 89

قال: ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه عليه فرأى منهم رجلاً عليه سوادٌ خلقٌ فقال له: يا فلان ما لي أرى سوادك منقطعاً، أما تقبض رزقك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك ديناً فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال: أعد عليّ ما قلت، فأعاده، فقال: ما أحسن ما فعلت! اغد عليّ في غدٍ، فغدا عليه فوجد الربيع جالساً على الكرسي، فقال: قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل، فدخل فوجده قائماً يصلي، فقضى صلاته وقال: ألم آمرك أن تغدو؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي، قال: خذ ما تحت تلك المُضَرّبة، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه، فرفعت المضربة فإذا دنانير، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له هو وخرجت، فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج، فدعا لي فقال لي: انظر ما على السرير، فإذا دينار فأخذته، فقال: ادن مني، فدنوت منه فعرك أذني تعريكاً شديداً فقال: تترك ديناراً وفيه نفقة يومك؟ قال: فأخذت الدينار، ووزنت الدنانير وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون ديناراً في عافية وأخذت واحداً بعرك الأذن. قيل: وقال علقمة بن لبيد لابنه: يا بني إن نازعتك نفسك يوماً إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإذا نزلت بك نازلة مانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت به شدد صولك. اصحب من إذا مددت يدك لفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلمة سدها. اصحب من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق. وقال بعض الحكماء: إذا رأيت كلباً ترك صاحبه وتبعك فارجمه بالحجارة فإنه تاركك كما ترك صاحبه. وقال آخر: اصحب من خوّلك نفسه وملّكك خدمته وتخيّرك لزمانه فقد وجب عليك حقه وذمامه، وكان يقال من قبل: صلتك، فقد باعك مروءته وأذلّ لقدرك عزّه. وقال بعضهم: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل. وقال بعضهم: أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء. قيل: وقال ابن أبي دؤاد لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات: ما خبرك مع صاحبك؟ قال: لا يقصر في الإحسان إليّ، قال: يا هذا إن لسان حالك يكذّب لسان مقالك. مساوئ الصحبة قال: كان يوسف بن عمر يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، وكان مذموماً في عمله فحدّث المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهماً فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضُرب أهلها مائة سوط. قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد؟ اضربوا عنقه! فضربت عنقه. قال: وقال لهمّام بن يحيى وكان عامله: يا فاسق أخربت مهرجانقذق! قال: إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه دينار وتقول أخربت مهرجانقذق! فلم يزل يوسف يعذّبه حتى قتله. قال وقال لكاتبه: ما حبسك عني؟ قال: اشتكيت ضرسي، قال: تشتكي ضرسك وتقعد عن الديوان؟ ودعا له بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه.

стр. 90

وعن المدائني قال: حدثني رضيعٌ كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه وعن حرمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ودعا بخصيٍّ أسود يقال له حديج فقرّب إليه واحدةً فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أشخصك معي؟ فقالت: صحبة الأمير أحبّ إليّ ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخفّ عليّ، قال: أحببت التخلف للفجور! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمره أن يأتيه بأخرى قد رأت ما لقيت صاحبتها، فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلّفك أم أخرجك؟ قالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئاً بل يخرجني، قال: أحببت الجماع ما تريدين أن يفوتك! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمر بالثالثة أن يأتيه بها وقد رأت ما لقيت المقدمتان، فقال لها: أريد الخروج أفأخلّفك أم أشخصك؟ قالت: الأمير أعرف أي الأمرين أخف عليه، قال: اختاري لنفسك، قالت: ما عندي لهذا اختيار فليختر الأمير، قال: قد فرغت أنا الآن من كل شيء ومن كل عمل ولم يبق عليّ إلا أن أختار لك! أوجع يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال الرجل: وكأنما يضربني من شدة غيظي عليه، فولّت الجارية وتبعها الخادم، فلما بعدت قالت: الخيرة والله في فراقك، ما تقرّ والله عين أحدٍ بصحبتك! فلم يفهم يوسف كلامها، فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا، قال: يا ابن الخبيثة من أمرك أن تخبرني؟ يا غلام خذ السوط من يده وأوجع به رأسه! فما زال يضرب حتى اشتفيت. محاسن السخاء روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكرياء، ﵇، إبليس فقال له: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك، قال: أحب الناس إليّ كل مؤمن بخيل وأبغض الناس إلي كل منافق سخي، قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له. وقال، ﷺ : السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهلٌ سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل. وعن النبي، ﷺ ، قال: ما أشرقت شمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان وإنهما ليعرّفان الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس: اللهم عجّل لمنفقٍ خلفاً، اللهم عجل لممسكٍ تلفاً، وملكان يناديان: يا أيها الناس هلمّوا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. وعن الشعبي قال: قالت أم البنين بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز: لو كان البخل قميصاً ما لبسته ولو كان طريقاً ما سلكته، وكانت تعتق كل يوم رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله، وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة. قيل: وأعتقت هند بنت المهلب في يوم واحد أربعين رقبة. وروي عن أم ذر قالت: أرسل ابن الزبير إلى عائشة بثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فقسمته بين الناس حتى أمست وما عندها من جميع ذلك درهم واحد، فقالت: يا جارية هلمّي فطّريني، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها: يا عائشة أما استطعت مما قسمت أن تشتري لحماً بدرهم؟ فقالت: لا تغضبي فلو ذكرتني لفعلت، وقيل: إنها تصدّقت بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقّع. وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان وإتلاف ومذمة. وقال علي بن أبي طالب، ﵁: قال رسول الله، ﷺ : يا علي كن شجاعاً فإن الله جل وعز يحب الشجاع، يا علي كن سخياً فإن الله يحب السخاء، يا علي كن غيوراً فإن الله يحب الغيور، يا علي وإن سائل سألك حاجة ليس لها بأهل فكن أنت لها أهلاً. وقال، ﷺ : السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من أخذ منها بغصن قاده ذلك الغصن إلى الجنة. قيل: وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بالله لكان عظيماً. وقال، ﷺ : تجافوا عن ذنب السخي فإن الله جل وعز يأخذ بيده كلما عثر. وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به من المواهب الجليلة النفيسة والنسيم والريح وما وعدهم في الجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطنعه لنفسه.

стр. 91

قال: وقال الموبذ لأبرويز: أكنتم أنتم وآباؤكم تمنّون بالمعروف وتترصدون عليه المكافأة؟ قال: لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك لأنفسنا؟ وفي كتاب ديننا: إن من أظهر معروفاً خفياً ليتطاول به على المنعَم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا يعد في الأبرار ولا يُذكر في الأتقياء والصالحين. قال: وسُئل الإسكندر: ما أكثر ما سررت به من ملكك؟ قال: اقتداري على اصطناع الرجال والإحسان إليهم. قال: وقال أرسطاطاليس في رسالة له إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الآثار وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس وأودع قلوبهم محبة بمآثره يبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك. قيل: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: أنت في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة فتكلم بكلام تُذكر به، فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثاً حسناً فافعل. قيل: وتنازع رجل من أبناء الأعاجم وأعرابي في الضيافة فقال الأعرابي: نحن أقرى للضيف، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لم يملك إلا بعيراً فإذا حل به ضيف نحر له، قال العجمي: فنحن أحسن مذهباً في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال: نسمي الضيف مِهمان، ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به. قال بعض الحكماء: قام بالجود من قام بالمجهود. وقيل: من لم يضنّ بالموجود هو الجواد. وقال المأمون: الجود بذل الموجود، والبخل سوء الظن بالمعبود. قيل: وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالساً بين بابين فقال للرجل: اغلق هذا الباب، فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت؟ قال: لا، قال: فافتحه، ففتحه، فجعلت الرياح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق إنك إذا غلّقت الباب لم تدخل الريح وكذلك إذا أمسكت لم يأتك. قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه، فبلغ ذلك المأمون فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت المال لا تقوم لهذا! فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود. وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويجٍ، فقال له قولاً ضعيفاً فيه وعد وقلة طمع، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال: أعطه أربعمائة دينار، فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه رداً ظننا أنك تعطيه شيئاً قليلاً فإذا أنت قد أعطيته أكثر مما أمّل! فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي. وبحاتم يضرب المثل في السخاء، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال: كان حاتم جواداً شاعراً، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفّراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقدح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل واحد أمه، ولما بلغ حاتماً قول التلمّس: وأعلم علم حقٍ غير ظنٍ ... وتقوى الله من خير العتاد لحفظ المال خيرٌ من بغاه ... وطوفٍ في البلاد بغير زاد قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد قال: ما له، قطع الله لسانه، حرّض الناس على البخل؟ أفلا قال: فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد فلا تلتمس رزقاً بعيش مقتّرٍ ... لكل غدٍ رزقٌ يعود جديد ألم تر أن الرزق غادٍ ورائحٌ ... وأن الذي يعطيك غير بعيد قيل: ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفرٍ من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره، فقال: والله لأحلفن للعرب أني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل، وجعل يضرب برجله قبره وهو يقول: أعجل أبا سفانةٍ قراكا ... فسوف أنبي سائلي ثناكا فقال بعضهم: ما تنادي رمة! وباتوا مكانهم، فقام صاحب القول من نومه فزعاً فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتماً أنشدني: أبا الخيبريّ وأنت امرؤٌ ... ظلوم العشيرة شتّامها أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرةٍ صخبٍ هامها تبغي لي الذمّ عند المبيت ... وحولك غوثٌ وأنعامها

стр. 92

فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي المطيَّ فنعتامها قيل: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره قرىً فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه ثم قال له: إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم عليّ، قال: راحلتين، قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى، قال: فلك أربعون، ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ضيفه. وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجةً، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار، قال: ويلك والله ما أنا في بلادي وما معي شيء وقد أسأت أن توهمت بي! فذهب إلى العنزيّين فساومهم به واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداه، ففعلوا، فأتاهم بفدائه. وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن مامة، وكان من إياد، وبلغ من جوده أنه خرج في ركب وفيهم رجل من أهل النمر بن قاسط في شهر ناجرٍ، والنجر العطش، فضلوا وتصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعباً نصيبه قال: اعط أخاك يصطبح، فيؤثره على نفسه، حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حتى رفعت له أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد، فغلبه العطش فمات ونجا رفيقه. وقيل في المثل: هو أسمح من لافظة، وهي العنز تُستدعى للحلب فتجيء إليه وهي تلفظ بجرّتها فرحاً بالحلب، وقال الشاعر: يداك يدٌ خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظه فأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظه وأما التي شرها يتقى ... فنفس العدوّ بها فائظه قيل: وخرج معاوية بن أبي سفيان ذات يوم فقام إليه رجل فقال: قد أمّلتك لمهمٍ فما عوضي من ذلك؟ قال: إبلاغك أمنيتك فتمنّ، قال: ألف دينار، قال: هي لك ومثلها استظهاراً لبقاء النعمة عليك. وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وكان يقول لولده: لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إليّ، ثم قال متمثلاً: إنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود ويقول: ابتداء الفضل يدٌ موفورة والبذل بعد الطلب يدٌ مقبوضة. فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي قال: حدثني علي بن صالح قال: كنت يوماً على رأس الهادي وأنا غلام وقد جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر العقار فيها، فدخل عليه الحرانيّ فقال: يا أمير المؤمنين إن العامة لا تقاد، أو قال: لا تنقاد لما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إليّ فقال: يا علي ائذن للناس عليّ بالجفلى لا بالنقرى، فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قال لي، فقلت: أرجع فأسأله عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي؟ ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى، فقال: الجفلى جفالة الرجال والنقرى ترتيبهم، فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوض المجلس قلت: يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره لي وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين، فقال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، فقلت: يا أمير المؤمنين أعرابي جلفٌ وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه! فقال: ويحك أجود وتبخل؟

стр. 93

قال: وحدثنا عبد الله بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه كان يأكل مع الهادي وينادمه وكان يدعو له بتكاءٍ وما كان يفعل ذلك في مجلسه بغيره، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع، قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح وجّه قهرمانه إلى باب موسى وقال له: الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج إليك كتاباً إلى الديوان فتدبره ثم تفعل فيه كذا وكذا، فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولاتعرض لها، قال: فبينا موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب ما غير من حاله شيئاً وقد بررناه بالأمس لنرى أثر ذلك عليه؟ فقال إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين تعرضت له بشيء من أمره، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب وأخذنا في حديثه إلى أن عرض له موسى بذكر ذلك فقال: أرى ثوبك غسيلاً وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الثوب الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة وقال: عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأُحضرت وجلعت بين يديه. وقال الحسن بن يحيى بن عبد الخالق: حدثني محمد بن القاسم بن الربيع قال: أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال: حدثني أبي قال: جلس الهادي مجلساً خاصاً فدعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة بن مسلم والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم للهادي أسود يقال له أسلم، إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدي: ائذن له، فدخل وسلم عليه وقبل يده وجلس عن يمينه بعيداً، فأطرق موسى ثم التفت إليه وقال: يا هارون كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد، تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى إنك إن تجبرت وُضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت خُتلت، وإني أرجو أن يفضي إليّ الأمر فأُنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأصيّر أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي، فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا وقبل يده ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال: لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي، فأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال: يا حرانيّ احمل إلى أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف واعرض عليه ما في الخزانة اخاصة وسائر الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ منه ما أراد، قال: ففعل ذلك، فلما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط، قال عمرو الرومي: وكان هارون يأنس به، قلت: يا سيدي ما الرؤيا التي قال لك؟ قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً وإلى هارون قضيباً أورق من قضيب موسى وأعلى منه، فأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره وكان قضيب موسى دون قضيب ذلك، فدعا المهدي الحكم بن موسى العنزي وهو الذي بنى أبوه واسطاً للحجاج فقال له: عبّر هذه الرؤيا، قال: يملكان جميعاً فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيامٍ وأنضرها ودهره أحسن دهر، قال: فلم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات موسى وتولى الأمر هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة من إسماعيل ووفى بكل ما قال، فكان دهره أحسن الدهور. حدثنا محمد بن علي بن الحسين العلوي قال: كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في اليوم الذي عقد فيه المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب ولابنه العباس على الشام والجزيرة ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك وعند عمر جماعة من الهاشميين فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر: فرق أمير المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ما لم يفرق مثله أحدٌ منذ كانت الدنيا، أمر لأخيه أبي إسحاق بخمس مائة ألف دينار ولابنه العباس بخمس مائة ألف دينار ولعبد الله بن طاهر بخمس مائة ألف دينار، فمن سخت نفسه بمثل هذا؟

стр. 94

وكان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن لأحد من الناس منها، إنهم كانوا يخرجون بالليل سراً ومعهم الأموال يتصدقون بها، وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف والأكثر من ذلك والأقل، وربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ما ألقي فيها. ومنهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال: حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوماً وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وإخراج دوابه إلى الخضرة ونحن قيام بين يديه: من يخرج مع هذه الدواب؟ قال أبي: أنا، وليس أحد يجتريء أن يتكلم، فقال: اخرج معها، فخرجت وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثري فيها، فقلت: أيها الأمير لي حاجة، فقال: وما حاجتك؟ قلت: ثلاثة آلاف درهم، قال: ثلاثة آلاف درهم؟ قلت: نعم، قال: اعطوها ثلاثة آلاف درهم، وقال لي: اشترها الآن واعتقها، ثم قال: ما تريد؟ قلت: الحج أحج وتحج هي أيضاً، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت: نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن الخادم، قلت: نحتاج إلى ثمن كسوة، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لكسوتهم، فلم أزل أقول وأعد شيئاً شيئاً حتى قلت: وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس، وهو يقول اعطوه ثلاثة آلاف درهم، حتى أخذت ثلاثين ألف درهم. قال: وحدثنا يزيد البرمكي قال: كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق عليه من كسوته إلا طيلسان خلق، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت يزيد وكانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودةً وحسناً وسعة، وكان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أسبغ ثوب وأتمه، فوضع بين يديه فنظر إليه ثم رفع رأسه إلي فقال: يا يزيد كيف ترى هذا الطيلسان؟ قلت: ما رأيت مثله وإن بالأمير إليه لحاجة، قال خالد: اصنع به ماذا شئت، قلت: تلبسه أيها الأمير، قال: أنا والله إلى غير هذا أحوج، قلت: وما هو؟ قال: أن تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حرّ من أحرارهم فتتحفه به فيقوم فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول هذا كسوة خالد، هذا والله أفضل وأشرف من لبسي إياه، قال: فكساه بعض عفاته. يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن الحسين الأشقر عن عبد الله بن أسوار قال: كنت أخط بين يدي يحيى وكان خطي يعجبه، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله رجل كتاباً فثنى أعلاه وجعل يقرؤه، فدخل الفضل ابنه فسلم وجلس ثم أقبل على رجل يحدثه وطرف يحيى في الكتاب الذي بيده، فقال الفضل لذلك الرجل: إني لأعجب كثيراً من أمر نحن فيه! كان الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه وعشيرته فيكتفون بها ونرى ذلك في وجوههم ويتبين عليهم أثره ونحن نصل الرجل بالخمس المائة الألف الدرهم والأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم! فالتفت إليه يحيى وقطع قراءة الكتاب فقال: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف درهم وأعطيته خمس مائة ألف لم تقع منه موقعاً وإنما يرى في وجه الرجل ما بلغ به الأمل، فعجب أهل المجلس من كرمه وقوله وما زالوا يحكونه عنه. وحدّث ابن مزروع عن أبيه قال: كنت أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل من العامة ومعه كتاب فقال: أصلح الله الأمير، اختم هذا الكتاب، فبادر إليه الشاكرية يزجرونه من حواشي موكبه، فقال: دعوه قبل أن لا تنتفع به، يعني خاتمه، واستدناه فختمه له، وتعجب مسايروه من اغتنامه المعروف وعمله بأفعال الرجال.

стр. 95

وحدّث صالح بن سليمان قال: وذكر ليحيى وهو مجاور بمكة أن بجدّة قوماً يصيدون السمك ويبيعونه ويشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيداً مكثوا أياماً لا يأكلون يشدّ الرجل على بطنه حجراً ولا يسألون الناس شيئاً وربما مات أحدهم جوعاً، فقال: هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم، فبعث فحُمل إليه بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال: وكم أنتم؟ فذكر عدة، فقال: وكلكم على هذه الطريقة؟ قال: نعم، قال: فما يغنيكم؟ قال: تحفر لنا بركة يجتمع فيه ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له مصنعة فيشرب منها ويبيع فضلها وينتفع بثمنه، قال: فبكم يكتفي أحدكم في الشهر؟ قال: بأربعة دراهم لكل رجل وللمرأة ستة دراهم، قال: فإني قد أجريت لكل رجل عشرة دراهم ولكل امرأة ثمانية عشر درهماً، فهل تتزوجون؟ قال: نعم، قال: فكم مهور نسائكم؟ قال: أربع مائة درهم، قال: فإني آمر بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع سنين ولمهور نسائكم عشرين ألف درهم، قال: من يدفع هذا المال إلينا؟ فأشار إلى غلام أمرد معه فقال: ادفع إلى هذا المال، فدفع إليه، فقال: أتأذن أن أشتري، أصلحك الله، من هذا المال تابوتاً أجعله فيه؟ قال: نعم، وأمر باتخاذ بركة لهم بلغت النفقة عليها عشرين ألف درهم. وحدثنا يزيد البرمكي قال: قدم الوافدي من المدينة بأسوإ حال فصار إلى يحيى وهو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه، فركب يحيى وخرج فرآه جالساً على باب داره في زي القضاة، فقام الواقدي وأثنى عليه ودعا له، ومر يحيى في موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم انصرف وإذا الواقدي في مجلسه ذلك، فقام إليه ودعا له وأثنى عليه، فدخل منزله وجلس الواقدي، فسأل يحيى عنه وقال: من هذا الشيخ الرثّ الهيأة؟ فلم يعرفه أحد. فقال: ويحكم لا أشك إلا أنه شيخ أصيل معه علمٌ وفقه، ودعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار وأمر وكيلاً له أن يدفعها إليه، وكان قصارى الواقدي ومناه أن يصله بألف درهم، فخرج الرسول ووضع الكيس في حجره، فلما رأى عظم الكيس أقبل يدعو ليحيى ويثني عليه ثم قام وانصرف إلى منزله وقد أخذته الرعدة والحرص أن يرى ما في الكيس فيعرف منتهاه، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزاناً وصنجات ثم فتح الكيس وإذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور، فرمّ من حاله واتخذ ثياباً سويةً وعمد على أن ينصرف إلى المدينة. فلما كان من الغد بكّر على يحيى ليودعه فدخل وأنشد فرآه عالماً فقيهاً مسامراً بليغاً فأعجب به، فقام ليودعه فقال: أقم عندنا ولك في كل حول هذا المقدار، فأقام عنده.

стр. 96

وحدثنا يعقوب بن إسحاق قال: رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا، وكان يحيى على حال الخوف والوجل من الهادي، فقص الرؤيا على أبيه، فقال: يا بني هذه والله رؤيا عجيبة وأخلق به لأن الرشيد في حجره وولاية العهد له، قال: يا أبت أفترى أن أخبره بها؟ قال: يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه وهو يرميه بالزندقة وأنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا الوقت، فعصى الرجل أباه وأتاه، قال الرجل: فلما دخلت عليه رأيت المصحف بين يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن الأجمل وأقبح به أن يلتمسه على هذا وربما تذكره مما يشبهه! فخرجت من عنده وقد سقط وجهي، فأتيت أبي فأعلمته، فقال: بُعداً لك وسحقاً! قد نصحت لك فلم تقبل، ثم أقبل يشتمه وتشتمه أمه وأهله ويقولون: نشهد عليك أنك من الزنادقة المعطلين! قال: ثم لم يلبث أن توفي الهادي وأفضى الأمر إلى الرشيد وصار يحيى إلى ما صار إليه، فبينا هو في موكبه يوماً إذ بصر بي فوجه إليّ ودعاني، فدخلت عليه وهو على كرسي قد طرح ثوبه وجعل يمسح وجهه، فلما دنوت منه قال: أين كنت عنا؟ قلت: أعزك الله، والله ما لقيت منك ما يدعو إلى إتيانك! قال: ويحك إنك أتيتنا ونحن في حال كنا نتخوف الجدُر أن يكون فيها من يسعى بنا والإخوان أن يسعوا بنا ويحتالوا علينا، ولم يكن الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك، ووالله ما فارقني الفكر في العناية بك والإيجاب لك والمعرفة بحقك منذ وقعت عليك عيني. ثم أمر سلاماً بإحضار عشرة آلاف درهم فأُحضرت، وأمر بالكتاب إلى سليمان بن راشد بأرمينية فدفع المال إليّ وحملني وخلع عليّ وقال: اذهب فاصلح شأنك وتعال فتسلم كتبك، وأمر لي بعشر من دواب البريد، فانصرفت إلى منزلي وتحتي دابة وعلي خلعة ومعي عشرة آلاف درهم، فقال أبي: ما هذا يا بني؟ فأعلمته الخبر، فما زلت وأهلي وأبي ندعو له ونشهد أنه من الصديقين والشهداء والصالحين، فقلت لبعض جيراننا: ما أصنع بعشر دواب البريد؟ فقال: أكرِها فإنك تصيب في السكك من تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك، قال: فلما كان من الغد عدت إليه فأخذت كتبي وجوازي، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلاً كبيراً قد وجّه إلى تلك الناحية ولم يكتف بما حمل عليه من الدواب، فأكريت منه ثماني دواب وخرجت على دابتين، أنا على دابة وغلامي على أخرى، ولم أزل في حشم المكتري حتى صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن رجلاً من حاله كيت وكيت وله عندي أيادٍ فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره وافعل به وافعل، قال: فوجه سليمان قائداً في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا اتصل به دنوّي استقبلني في وجوه أهل البلد، فلما دنا منا بادر إلى الرجل المكتري مني ولم يشكّ أني هو وسأله، فأعلمه المكتري أنه فلان بن فلان، فقال سليمان: توهمتك فلاناً! قال: لست هو لكنه ذاك، وأشار إليّ، فأقبل سليمان ركضاً إليّ وتضاءلت منه حياء لرثاثة حالي، فسألني وأعلمني أنه وجه إليّ وكيله وحمل معه هدايا، فقلت: ما وصل ذلك إليّ، فلما نزلنا وحططنا في بعض تلك المنازل إذا وكيله قد وافى بهداياه وإذا دواب وبغال موقرة وتخوت وثياب، فدخلت البلد وقد حسنت حالي ووكّد عليّ في كتابه وليس عندي إلا إطلاق العمل لك، وهاهنا نشوى الكبرى ونشوى الصغرى وهما من أجلّ الأعمال بأرمينية ونواحيها وإن شئت أن تخرج إليها فاخرج وإن شئت فهاهنا من يبذل عنهما خمس مائة ألف درهم، قلت: لا والله أبقاك الله إلا الخمس المائة الألف عجّلها لي فأنصرف إلى أب شيخ كبير وعيال قد خلّفتهم ورائي، قال سليمان: ذاك إليك، فلما خرج سليمان سألت عن نشوى ونشوى قال فقيل مقاطعتهما خمس مائة ألف درهم ويصير إلى المقاطع مثلها، ثم لم ألبث من الغد أن أتى رسوله بالمال فخرجت وأهديت إلى يحيى هدايا كثيرة وألطافاً جليلة مما كان برّني به سليمان، فلما دخلت إليه تبسم لي وقال: إنا لم نوجهك لننتفع بك وإنما وجّهناك لتنتفع بنا وسيتصل معروفنا إليك فالزمنا، فكسبت تجاهه مع ما وصل إليّ منه ولم يزل يصلني به عشرين ألف ألف درهم.

стр. 97

وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال: جاء يحيى ومعه ابنه جعفر إلى عبد الصمد بن علي فسلم عليه وببابه فتىً من ولد عبد الله بن علي فقام إلى جعفر فقبل يده، فقال له: ائتني وارفع إليّ حوائجك إلى أمير المؤمنين وقد أمرت لك بخمسة آلاف دينار، فقال يحيى: وقد أمرت لك بمثلها وأجريت عليك ثلاثة آلاف درهم في كل شهر فابعث بمن يقبض ذلك. فلما انصرف دعاه عبد الصمد فقال: لم فعلت ما فعلت؟ فقال: أنا ابن أخيك وإنما تصلني في السنة بأربعة آلاف درهم، وقد أغناني هذا وأبوه في ساعة واحدة فكيف تلومني على ذلك؟ وحدّث يحيى بن محمد قال: لما خرج الرشيد إلى القاطول قال ليحيى: يا أبت لا تفجعني بك وكن معي في هذا الوجه لآنس بك، فعمد على الشخوص معه، فقال لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته: كم عند وكلائنا من المال؟ قال: سبع مائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك، فغدا إليه فقبّل يده ومنصور بن زياد عنده، فلما خرج رجاء قال لمنصور: قد ظننت أن رجاء توّهم أنا وهبنا له هذا المال وإنما أمرناه بقبضه ليكون معنا في هذا الوجه، فقال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول: فقل له يقبل يدي كما قبلت يده، فلا تقل له شيئاً، وترك المال له. وكان يحيى يقول: اسرف فإن الشرف في السرَف. ومنهم الفضل بن يحيى البرمكي، فإنه حدثنا محمد بن علي بن عيسى بن ماهان عن محمد بن زيد أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد خرج من الحمّام بعد العصر وهو يقول: أعوذ بالله من النار! فقلت: جعلت فداك! اشتر هذا الوجه الحسن من النار. فدعا بخمس مائة ألف درهم وقال: اشتر بها وجهي الساعة، فقلت: جعلت فداك! الوقت ضيق ولكن غداً إن شاء الله، فقال: لا والله إلا الساعة، فوجهت إلى القضاة في الجانبين بثلاثمائة ألف درهم وحملت إلى أبي محمد السمرقندي منها صدراً وأمرتهم عنه بتفريقه وفرقت البقية بحضرتي، فلم تغب الشمس حتى فرّق ذلك كله. وحدّث محمد بن الحسين بن مصعب قال: وقف الفضل بن يحيى بخراسان موقفاً لم يقفه أحد قط، خرج إلى الميدان ليضرب بالصوالج فأمر بدفاتر البقايا التي على الناس فأحضرت وأمر الحاجب بالخروج إلى الناس وإعلامهم أنه قد وهبها لهم ثم أمر بها فضربت بالنار، وكان مبلغ ذلك أكثر من عشرين ألف ألف درهم. وحدث بعض الهاشميين عن خلف المصري قال: مررت يوماً بباب يحيى بن معاذ فوجدته مغلقاً ولم أر بالباب أحداً، فأنكرت ذلك، فدنوت إلى الباب واستفتحت ففتح لي ودخلت عليه وسألته عن حاله فذكر أنه توراى عن غرمائه، فقلت: وكم لديّانك عليك؟ فقال: ثلاثمائة ألف درهم، ثم مضيت إلى الفضل بن يحيى فأخبرته فسكت، فلما انصرف إلى منزلي كتب إلي: إنك دللتنا على مكرمة فشكرناك على ذلك وأمرنا لك بمائة ألف درهم لدلالتك وبعثنا إليك بثلاثمائة ألف درهم لتوصلها إلى يحيى بن معاذ، فأوصلتها إليه فقضى دينه بها. قيل: ودفع حمزة بن جعفر بن سليمان إلى أبي النضير الشاعر رقعةً ليوصلها إلى الفضل يسأله فيها الإذن في ابتياع ضيعة بفارس، وكان مبلغ ما يوزن في ثمنها مائة ألف درهم، قال أبو النضير: فأخذتها منه فدفعتها إلى الفضل فنظر فيها ووضعها فاغتممت لما رأيت من قلة نشاطه لها، فلما أصبحت قيل لي: خزّان بيت المال يطلبونك، فظننت أنه نظر لي بشيء في خاصتي، فأتيتهم فقالوا لي: أحضر من يحمل المائة الألف إلى صاحب الرقعة، فحملتها إلى حمزة، قال حمزة: فصرت إليه فقلت: أصلح الله الأمير! وصلت إلي صلتك ولا والله ما أدري كيف أشكرك إلا بقول أبي النضير فيك: وللناس معروفٌ وفيهم صنائعٌ ... ولن يجبر الأحزان إلا جدا الفضل إذا ما العطايا لم تكن برمكيةً ... فتلك العطايا ما تمرّ وما تُحلى قال أبو النضير: فالتفت إليّ الفضل فقال: يا أبا النضير جزاؤك عندي، فوصلني حتى أغناني.

стр. 98

وحدث أحمد بن علي الشيقي وغيره ممن ينزل بنهر المهدي قال: أقبل الفضل بن يحيى يوماً على نهر المهدي يريد منزله بباب الشماسية، فاستقبله فتىً من الأبناء قد أملك ومعه جماعة كثيرة قد ركبوا معه في السواد والسيوف، وهكذا كانوا يفعلون، يركبون مع الرجل عند إملاكه ويستعيرون الدواب ويسيرون خلفه ويطرّقون بين يديه، قال: فترجل الفتى للفضل وقبل يده ورجله، فسأله عن شأنه فأخبره، فقال: كم أصدقت أهلك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدعا قهرمانه وقال: احمل إليه الساعة أربعة آلاف درهم لصداق أهله وأربعة ألاف درهم لشراء منزل ينزله وأربعة آلاف درهم لنفقة تحويل أهله وأربعة آلاف للنفقة على الوليمة وأربعة آلاف درهم ليتصرف بها في معيشته، قال أحمد بن علي: فأشاروا على الفتى أن يسأله أن يأمر قوّاده وحشمه بإتيانه، فأمرهم بذلك فأتوه وجعلوا يطرحون العشرة الآلاف الدرهم والخمسة الآلاف الدرهم والأقل والأكثر في مجلسه حتى اجتمع له خمسون ألف درهم سوى ما أعطاه الفضل. وحدث أحمد بن علي قال: حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل بن يحيى مرّ به في يوم صائف منصرفاً من المدينة يريد منزله فقال الرجل: لا والله إن في منزلي قليل ولا كثير، فعطس الفضل، فقلت: يرحمك الله، وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب، فانصرفت بها إلى منزلي، فقالت لي امرأتي: والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلاً ولا كثيراً، فمن أين سرقت هذا؟ قال: فأعلمتها القصة فلم تصدقني قولي واستراب الجيران بحالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وأخذني فحبسني، فقلت له: إنه كان من أمري كيت وكيت، فوقع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أُحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي ووصلني بخمسة آلاف أخرى وبعشرة أثواب وقال: تعهد بما ننفعك، فلم يزل ينفعه حتى حدث من أمرهم ما حدث. وعن أحمد بن محمد بن عبد الصمد أن رجلاً كان ينزل على نهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت فلم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج، فأضر به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى البقال بقصعة له ليرهنها عنده على خبز، فانتهره البقال وقال: ما أصنع بهذه القصعة؟ وأبى أن يعطيه عليها شيئاً، قال: فعاد إلى منزله مغموماً لا حيلة له، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبداً من عبادك تحبه يفرج عني ما أمسيت فيه، فما شعرت إلا والباب يدقّ عليّ فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال لي: كم عيالك؟ قلت: كذا وكذا، فأعطاني كيساً قدرت أن فيه خمسة آلاف درهم، فقلت: الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني، فقال لي: وما كان قولك ودعاؤك؟ فخبّرته الخبر بصنيع البقال وما دعوت الله جل وعز به، فاستحلفني أني دعوت بهذا الدعاء، فحلفت له، فأمر لي بمائة ألف درهم، فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر على ما أمر لي به أم لا، فقال: هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، فسكتّ إلى ذلك وانصرفت إلى منزلي، ومضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال. وحدث خلف بن عمر المصري قال: كنا عند الفضل ذات ليلة فقال: أتعرفون رجلاً كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه؟ فقال الأشعري، وكان قاضياً: أعرف، أصلحك الله، رجلاً شريفاً من آل خالد بن عبد الله القسري بالكوفة قد أضرت به الحاجة، وسماه له، فكتب إلى عامل الكوفة: احمل إليّ فلاناً على البريد فقد بعثت بجوازه، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد ووجهه إليه، فلما قدم عليه دعاه وسأله عن حاله وأمر له بمائة ألف درهم وقال: أقم بها مروءتك حتى أنظر في أمرك وأدبر لك ما يصلح حالك، ثم ولاه كرمان، فصار إليها وحسنت حاله، ثم إن كتاب صاحب البريد بها ورد على الفضل بن يحيى بوفاة الكوفي فقال لنا: أتدرون ما قال الفارسي في مثل له؟ فذكر المثل بالفارسية ثم فسره بالعربية فقال: إلى أن يُدرك الحشيش قد مات الحمار، أردت بهذا الرجل الغنى فمات قبل ذلك، واغتم لوفاته ولما فاته من الإحسان إليه بعد الذي قد كان أعطاه وأكبسه من مرافق العمل الذي ولاه، وتقدم بحمل جميع ما خلّفه إلى أهله فحُمل إليهم.

стр. 99

وحدثنا أبو طالب الجعفري قال: حدثني سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يوماً وكان قد ركبه دين وحمل حقة فيها جوهر، فلما وصل إليه قال: قد لزمني دين أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم، وعلمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها وإن وثقنا الرهن ولك معاملون وتجار مطيعون ومعي رهن فإن رأيت أن تأمر بقبضه وحمل هذا المال إلينا فأنت أولى بذلك، فقال الفضل: نعم لنا تجار يطيعوننا ويسارعون إلى أمرنا، ولكن ما هذا الرهن؟ فوضع الحقة بين يديه، ففتحها حتى نظر إليها فأُعجب بالجوهر الذي فيها، ثم أمر بإعادتها إلى حالها وقال: ضع خاتمك عليها، فختمها، قال فقال الفضل: إن نُجح الحاجة أن تقيم في منزلي الذي أنا فيه، فقال: يشق عليّ المقام، فقال: وما يشق عليك؟ إن رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئاً دعوت لك به وإلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به، فأقام عنده، ونهض الفضل فدعا وكيله وأمر أن يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ألف ألف درهم مبدرة ويضعها قبالة مجلسه ليراها إذا دخل، ففعل الوكيل ذلك، وانصرف محمد إلى منزله مع المغرب، فلما دخل وقعت عينه على المال فقال: ما هذا؟ قالوا: وجه به الفضل، قال: أحسن الله جزاءه فإنه وإن كان وجه بذلك على ما رهنّاه فقد ظهر لنا من عنايته ما قدّرناه فيه، قالوا: وما الرهن؟ قال: الحقة، قالوا: قد ردها تحت خاتمك، فقال: أين هي؟ فأُتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها وفرح فرحاً شديداً فعدا إلى الفضل فوجده قد سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفاً ينتظره حتى خرج الفضل من باب آخر فصار إلى منزله وشكر له ما كان منه وانصرف عنه، فلما دخل منزله وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى، فقال: ما هذا؟ قالوا: بعث به الفضل، فأتاه فقال له: جعلت فداك! أما كان فيما وجّهت به أمس كفاية حتى أردفته بمثله؟ فقال: إنه والله طالت عليّ ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين وأعلمته حالك فأمرني بالتقدير لك فقدّرت مائة ألف دينار، فما زال يقول ويماكسني حتى وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حُمل المال إليك، فقال محمد: لست أجد لك شكراً أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد بن علي وعليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبداً حتى ألقى الله جل وعز ولا أسأل أحداً حاجة ما بقيت سواك، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل ولا يقف بباب أحد غيره.

стр. 100

ومن كرمه ما حُدّث به المأمون فكبر عنده واستحسنه وعجب من جوده وسعة صدره، فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال: رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن عبد الله يمتّ فيها بحرمه ويزعم أنه من أهل النعمة والقدر وأنه مولى ليحيى بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ضياعه قُبضت فيما قبض للبرامكة وزالت نعمته بحلول النقمة عليهم، فدفعها المأمون إلى ابن أبي خالد وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن إليه، ففعل ذلك به وصاحت حاله وتراجع أمره وصار نديماً لابن أبي خالد لا يفارقه، فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له، فبعث إليه فاحتجب عنه، فغضب عليه ابن أبي خالد وأمر بحبسه وتقييده وإلباسه جبة صوف، فمكث لذلك أياماً، فسأله المأمون عنه، فقص عليه قصته وعظم عليه جرمه وشكا ما يراه عليه من التيه والصلف والافتخار بالبرامكة والسمو بآبائهم، فأمره بإحضاره، فأُحضر في صوفه، فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغراً لقدره مسفهاً لرأيه وعظّم في عينه إحسان ابن أبي خالد إليه مع طعن على البرامكة ووضع منهم، فأطنب في ذلك، فقال محمد: يا أمير المؤمنين لقد صغّرت من البرامكة غير مصغّر ووضعت منهم غير موضوع وذممت منهم غير مذموم، ولقد كانوا شفاء أسقاهم دهرهم وغياث إجداب عصرهم، كانوا مفزعاً للملهوفين وملجأً للمظلومين، وإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ويقف على جميل أخلاقهم ومحمود مذاهبهم في عصرهم والأفعال الشريفة والأيادي النفيسة! قال: هات، قال: ليس بإنصاف محدّث مقيّد في جبة صوف، فأمر فأُخذ قيده، فقال: يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بيني وبين الحديث، فأمر فخلع عليه، ثم قال: هات حديثك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان ولائي وانقطاعي إلى الفضل، فقال لي الفضل يوماً بمحضر من أبيه وأخيه جعفر: ويحك يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه والخليل خليله، فقلت: جلعت فداك! شأني أصغر من ذلك ومالي يعجز عنه وباعي يقصر عن ذلك وداري تضيق عنه ومُنّتي لا تقوم له، قال: دع عنك ذلك فلا بد منه، فأعدت عليه الاستعفاء، فرأيته جاداً في ذلك مقيماً عليه، وسألا ذلك وأعلماه قصور يدي عن بلوغ ما يجب ويشبه مثله، فقال لهما: لست بقانعٍ منه دون أن يدعوني وإياكما لا رابع معنا، فأقبل عليّ يحيى وقال: قد أبى أن يعفيك وإن لم يكن غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا واطعمنا من طبيخ أهلك فنحن به راضون وعليه شاكرون، فقلت: جعلت فداك! إن كنت قد عرضت عليّ ذلك وأبيت إلا هتكي وفضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب، فقال: استأجل لنفسك، فقلت: سنة، فقال: ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة؟ فقال يحيى: أفرطت في الأجل، ولكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت أيضاً، فقلت: احكم وفقك الله للصواب وتفضل عليّ بالاستظهار والفسح في المدة، فقال: قد حكمت بشهرين، فخرجت من عندهم وبدأت برمّ داري وإصلاح آلتي وشراء ما أتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك وهو في ذلك لا يزال يذكرني ويعدّ الأيام عليّ، حتى إذا كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي: يا محمد قد قرب الوقت ولا أحسبه بقي عليك إلا الطعام، قلت: أجل يا سيدي، فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما انبسطت به يدي ومقدرتي، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي في صبيحته الدعوة فقال لي: إلى أين بلغت وهل تأذن بالركوب؟ قلت: نعم بكّر، فبكّر هو ويحيى وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم، فلما دخلوا أقبل عليّ الفضل وقال: يا محمد إن أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها، فقم بنا إليها حتى أدور فيها وأقف عليها، فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج إلى الخزائن وصار إلى بيوت الشراب وخرج في الاصطبلات ونظر إلى صغير نعمتي وكبيرها ثم عدل إلى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر قدراً منها، فأقبل على أبيه وقال: هذا قِدرك الذي يعجبك ولست أبرح دون أن تأكل منه، ثم كره أن يأكل فيثلم عليّ في أكله ويفسد طعامه، فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول أباه ثم فعل ذلك بأخيه ودعا بخلال، وخرج إلى الدار ووقف في صحنها مفنناً طرفه في فنائها وبنائها وسقوفها وأروقتها ثم أقبل عليّ وقال: من جيرانك؟ قلت: جعلت فداك! عن يميني فلان بن فلان التاجر، وعن شمالي فلان بن فلان الكاتب، وفي ظهر

стр. 101

داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئاً في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقاً لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا باباً، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سبباً، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت داراً حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلساً من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلاً فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفراً قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيراً عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يداً أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه. ري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئاً في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقاً لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا باباً، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سبباً، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت داراً حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلساً من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلاً فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفراً قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيراً عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يداً أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه.

стр. 102

وحدثنا غيره قال: اصطحب رسول للفضل ورجل كوفي في طريق خراسان فأقبل الكوفي يسأل عن أفعال الفضل، فأخبره بإنهابه الأموال الجليلة في العطايا، فقال له الكوفي: خبرني عن هذه الأموال التي يهبها يراها وينظر إليها؟ فقال: لا، قال: فمن هناك تهون عليه. فلما وصلا إلى الموضع دعا الفضل بالرسول وسأله عما رأى في طريقه وعما سمع، فأقبل يخبره حتى انتهى إلى خبر الكوفي فذكر له ما قال وكان متّكياً فاستوى جالساً ثم قال: يا غلام ائت صاحب بيت المال فاسأله عن حاصله، فقال: هو عشرة آلاف درهم، فقال تُحمل الساعة إلى دار العامة وتشقّ عنها البِدَر شقاً وتنثر في وسط الدار، قال: ففعل ذلك بها، ثم قال للرسول: هات صاحبك الكوفي، فأُتي به، وأمر الفضل بتفريق ذلك المال على زواره رجلاً رجلاً واسماً اسماً على مقاديرهم وما وقع لكل رجل منهم، ثم أمر للكوفي بمائة ألف درهم وقال: هذه لك لتنبيهك إيايّ على هذا الفعل، ومما قيل في ذلك: كريمٌ كريم الأمهات مهذَّبٌ ... تحلّب كفاه الندى وأنامله هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجّته المعروف والجود ساحله جوادٌ إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها، فليتق الله سائله وللبحتري في ذلك: لو أن كفك لم تجد لمؤملٍ ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل أو أنّ مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سوددٍ عن أول علي بن يحيى النديم قال: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور قال: أنشدني قول عمارة في أهل بغداد، فأنشدته: من يشتري مني ملوك المخرِّم ... أبع حسناً وابني هشامٍ بدرهم وأعطي رجاءً بعد ذاك زيادةً ... وأمنح ديناراً بغير تندّم وإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... أبا دُلفٍ والمستطيل ابن أكثم فقال المتوكل: ويلي على ابن البوّال على عقبيه يهجو شقيق دولة بني العباس! قلت: يا سيدي من شقيق دولة بني العباس؟ فقال: القاسم بن عيسى فهل عندك من مديحه شيء؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قول الأعرابي الذي يقول: أبا دلفٍ إن السماحة لم تزل ... مغلَّلةً تشكو إلى الله غلَّها فبشّرها ربي بميلاد قاسمٍ ... فأرسل جبريلاً إليها فحلّها ولبكر بن النطاح في أبي دلف: بطلٌ بصدر حسامه وسنانه ... أجلان من صدرٍ ومن إيراد ورث المكارم وابتناها قاسمٌ ... بصفائحٍ وأسنةٍ وجياد يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حياً إذاً كانت بغير عماد إن العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد وإذا رميت الثغر منك بعزمةٍ ... فتّحتَ منه مواضع الأسداد وكأن رمحك منقعٌ في عصفرٍ ... وكأن سيفك سلّ من فرصاد لو صال من غضبٍ أبو دلفٍ على ... بيض السيوف لذبن في الأغماد أذكى ونوّر للعداوة والهوى ... نارين نار دمٍ ونار رماد وقال أبو هفان: أنشدته عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فبرّني ثم قال: هل خلق مثله؟ قلت: لا. ولغيره في أبي دلف: ولو يجوز لقال الناس كلهم ... لولا أبو دلفٍ ما أورق الشجر قرمٌ إذا ما حوى في كفه حجراً ... يفيض في كفه من جوده الحجر وأنشد أيضاً، ﵀: خِلٌّ إذا جئته يوماً لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا وأنشد: يداك يدٌ غيثها مرسلٌ ... وأخرى لأعدائها غائظه فأما التي سيبها يرتجى ... فأجود بالمال من لافظه وأما التي شرّها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه آخر: فتىً عاهد الرحمان في بذل ماله ... فليس تراه الدهر إلا على العهد فتىً قصرت آماله عن فعاله ... وليس على الحر الكريم سوى الجهد آخر:

стр. 103

عاد السرور إليك في الأعياد ... وسعدت من دنياك بالأسعاد رفقاً بشكر جلّ ما أوليته ... رفقاً فقد أثقلته بأيادي ملأ النفوس مهابةً ومحبةً ... بدرٌ بدا متغمراً بسواد ما إن أرى لك مشبهاً فيمن أرى ... أمُّ الكرام قليلة الأولاد ولآخر: إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر له في ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر محاسن صلات الشعراء قيل: دخل جرير على عبد الملك بن مروان وقد أوفده إليه الحجاج بن يوسف، فدخل محمد بن الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير مادحك وشاعرك، فقال: بل مادح الحجاج وشاعره، فقال جرير: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده مدحة فيه، قال: هات ابدأ بالحجاج، قال: بل بك يا أمير المؤمنين، فقال: هات ابدأ بالحجاج، فأنشده: صبرت النفس يا ابن عقيلٍ ... محافظةً فكيف ترى الثوابا ولو لم ترض ربك لم ينزّل ... مع النصر الملائكة الغضابا إذا شعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا فقال: صدقت كذاك هو، ثم قال للأخطل: قم فهات مديحاً، فقام فأنشد وأجاد وأبلغ، فقال: أنت شاعرنا وأنت مادحنا، قم فاركبه، فألقى النصراني ثوبه وقال: خبّ يا ابن المراغة، فساء ذلك من حضر من مضر وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النصراني لا يركب الحنيف المسلم! فاستحيا عبد الملك وقال: دعه، قال جرير: فانصرفت أخزى خلق الله، حتى إذا كان يوم الوداع دخلت لأودعه فأنشدته: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح فقال: بلى نحن كذلك، أعد، فأعدت وأسفر لونه وذهب ما كان في قلبه، فالتفت إلى محمد بن الحجاج فقال: أترى أم حزرة يرويها مائة من الإبل؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين إن كانت من فرائض كلبٍ فلم يروها فلا أرواها الله، فأمر لي بمائة من الإبل. وحدثنا المدائني عن كيسان عن الهيثم قال: حج عبد الملك بن مروان ومعه الفرزدق، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر به علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعليه مطرف خزّ، فقال عبد الملك: من هذا يا فرزدق؟ فأنشأ يقول: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلُّ والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم إذا رأته قريشٌ قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ينمي إلى ذروة العزّ التي قعدت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم مشتقةٌ من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم في كفه خيزرانٌ ريحه عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شمم ينشقّ نور الدجى عن نور غرّته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلَّمُ إلا حين يبتسم من معشرٍ حبهم دينٌ وبغضهم ... كفرٌ وقربهم منجىً ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويُستربّ به الإحسان والنعم لا يستطيع جوادٌ بُعد غايتهم ... ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا إن عُدَّ أهل الندى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم مقدَّمٌ بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل برٍ ومختومٌ به الكلم قال: فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك: أورافضيّ أنت يا فرزدق؟ فقال: إن كان حبّ أهل البيت رفضاً فنعم، فحرمه عبد الملك جائزته، فتحمّل عليه بأهل بيته فأبى أن يعطيه، فقال له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ما كنت تؤمل أن يعطيك؟ قال: ألف دينار في كل سنة، قال: فكم تؤمل أن تعيش؟ قال: أربعين سنة؟ قال: يا غلام علي بالوكيل، فدعاه إليه، وقال: اعط الفرزدق أربعين ألف دينار، فقبضها منه.

стр. 104

قيل: ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين، فقالت له: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول: بنفسي من تجنُّبُهُ عزيزٌ ... عليّ ومن زيارته لِمام ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك ما هو أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد فقالت: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول: يا بيت عاتكةَ الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميَل فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد وعندها جوارٍ كالتماثيل، فأخذت جارية منهن بقلبه، فقالت سكينة: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول: إن العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا فقال: يا بنت رسول الله إن لي حقاً بإقبالي عليك من مكة ولا أزال تدعيني أُسمعك شعري ولا تزيديني على التكذيب مع أني لأخاف لما بي أني لا أبرح ميتاً ولي حاجة، قالت: فما هي؟ قال: إن أنا مت تأمرين بتكفيني في ثياب هذه، وأشار إلى الجارية، فقالت: هي لك، وضمت إليها جائزة وكسوة. وعن أبي الزناد قال: اجتمع جرير والفرزدق وكثيّر ونصيب في منزل سكينة بنت الحسين، فخرجت جارية ومعها قرطاس وقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت الذي يقول: أبيت أمنّي النفس أن سوف نلتقي ... وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا ... ففيها شفاء النفس منها وداؤها قال: نعم، قالت: قولك أحسن من منظرك! وأنت القائل: ودّعنني بإشارة وتحيةٍ ... وتكرنني بين الديار قتيلا لم أستطع رد الجواب عليهم ... عند الوداع وما شفين عليلا لو كنت أملكهم إذاً لم يبرحوا ... حتى أودّع قلبي المخبولا قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل: هما دلّتاني من ثمانين قامةً ... كما انقضّ بازٌ أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا: ... أحيٌّ فيرجى أم قتيل نحاذره فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا ... وولّيتُ في أعجاز ليلٍ أُبادره أحاذر بوّابين قد وكلا بها ... وأحمر من ساجٍ تبصّ مسامره فأصبحت في القوم القعود وأصبحت ... مغلقةً دوني عليها دساكره قال: نعم، قالت: سوءة لك! قضيت حاجتك فأفشيت عليها وعلى نفسك، فضرب بيده على جبهته وقال: نعم فسوءة لي! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جرير؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل: رُزقنا به الصيد الغزير ولم نكن ... كمن نبله محرومةٌ وحبائله فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات حيٌّ بالعقيق نواصله قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! وأنت القائل: كأن عيون المجتلين تعرّضت ... وشمساً تجلّى يوم دجنٍ سحابها إذا ذُكرت للقلب كاد لذكرها ... يطير إليها واعتراه عذابها قال: نعم، قالت: أحسنت! وأنت القائل: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلَّ مرام طرقتك صائدةُ القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام لو كان عهدك كالذي حدثتني ... لوصلت ذاك فكان غير ذمام تجري السّواك على أغرّ كأنه ... بردٌ تحدّر من متون غمام قال: نعم، قالت: سوءة لك! جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها حجاباً، ألا قلت: طرقتك صائدة القلوب فمرحباً ... نفسي فداؤكِ فادخلي بسلام قال: نعم فسوءة لي! ودخلت وخرجت وقالت: أيكم كثيّر؟ فقال: ها أنا ذا، فقالت: أنت القائل: وأعجبني يا عزّ مكن خلائقٌ ... حسانٌ إذا عُدّ الخلائق أربع دُنوُّكِ حتى يطمع الصبُّ في الصِّبا ... وقطعك أسباب الصبا حين تقطع

стр. 105

فوالله ما يدري كريمٌ مَطلتهِ ... أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرع قال: نعم، قالت: أعطاك الله مناك! وأنت القائل: هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت فما أنا بالداعي لعزة في الورى ... ولا شامتٍ إن نعل عزة زلّت وكنت كذي رجلين، رجلٍ صحيحةٍ ... ورِجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نُصَيب؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل: ولولا أن يقال صبا نصيبٌ ... لقلت بنفسي النّشأ الصغارُ ألا يا ليتني قامرت عنها ... وكان يحلّ للناس القمار فصارت في يدي وقمرت مالي ... وذاك الربح لو علم التِّجار على الإعراض منها والتواني ... فإن وعدت فموعدها ضمار بنفسي كل مهضومٍ حشاها ... إذا قهرت فليس لها انتصار إذا ما الزُّلُّ ضاعفن الحشايا ... كفاها أن يُلاث بها إزار ولو رأت الفراشة طار منها ... مع الأرواح روحٌ مستطار قال: نعم، قالت: والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن أن تتوضأ! لا حاجة لنا في شعرك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جميل؟ قلت: أنا، قالت: أنت القائل: لقد ذرفت عيني وطال سفوحها ... وأصبح من نفسي سقيما صحيحها ألا ليتنا كنا جميعاً وإن نمت ... يجاور في الموتى ضريحي ضريحها أظل نهاري مستهاما ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها فهل لي في كتمان حبي راحةٌ ... وهل تنفعنّي بوحةٌ لو أبوحها قال: نعم، قالت: بارك الله فيك! وأنت القائل: خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهلها ... وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل فيا ربّ إن تهلك بثينة لا أعش ... فواقاً ولا أفرح بمالي ولا أهلي ويا رب إن وقّيت شيئاً فوقّها ... حتوف المنايا ربّ واجمع بها شملي قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... بوادي القرى إني إذاً لسعيد لكل حديثٍ عندهن بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهنّ شهيد ويا ليت أيام الصبا كنّ رجّعاً ... ودهراً تولّى يا بثين يعود إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابتٌ ويزيد وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به ... تناءت وقالت ذاك منك بعيد فما ذكر الخلاّن إلا ذكرتها ... ولا البخل إلا قلت سوف تجود فلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً ... ولا حبها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويزيد قال: نعم، قالت: لله أنت! جعلت لحديثها ملاحة وبشاشة وقتيلها شهيداً. وأنت القائل: ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني ... بثينة لا يخفى عليّ مكانها قال: نعم، قالت: قد رضيت من الدنيا أن تقودك بثينة وأنت أعمى أصم؟ قال: نعم، ثم دخلت وخرجت ومعها مدهن فيه غالية ومنديل فيه كسوة وصرّة فيها خمس مائة دينار فصبّت الغالية على رأس جميل حتى سالت على لحيته ودفعت إليه الصرة والكسوة وأمرت لأصحابه بمائة مائة.

стр. 106

وقال سوار بن عبد الله: قال رؤبة بن العجاج: أرسل إليّ سليمان بن علي وهو بالبصرة فقال: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدّم في إشخاصك، قلت: سمعاً وطاعة، أرجع إلى أهلي فأصلح من شأني، قال: ليس إلى ذلك سبيل، ثم التفت إلى الحرسي فقال: هذا صاحبك فشأنك، فلم أُنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع الجمعة الأخرى فأُدخلت سرادقاً فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم على قوابع سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزراً ولا يكلمه إلا همساً، ثم اختُرق بي سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم، فقلت في نفسي: أحسبه تذكّر عليّ بعض قولي في بني أمية فأراد قتلي، فأيست عند ذلك من الحياة، ثم خرجت إلى سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه، فقال لي: أنت رؤبة ابن العجاج؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك أيها الأمير! فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، فحقق فيّ نفسي ما كنت قدّرت وظننت، ثم قلت: بل أنشدك، جعلت فداك: لبيك إذ دعوتني لبّيكا ... تطلب حقاً واجباً عليكا فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل عليّ فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، قلت بل أنشدك قولي: ما زال يبني خندقاً ويهدمه ... وعسكراً يشرعه ويهزمه ومغنماً يجمعه ويقسمه ... مروان لما غرّه منجّمه فأمسك حتى فرغت ثم قال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ، فقلت بل أنشدك: ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره حتى أقرّ الملك في قراره ... مشمّراً لا يُصطلى بناره فقال: أنشدني ويحك يرمي الجلاميد! فأنشدته: وقاتم الأعماق خاوي المحترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق فأنصت حتى انتهيت إلى قولي: يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ فوقفت، فقال: إن أمير المؤمنين وجّهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من الرجال فدمّثتها حتى جعلتها دهساً فلم أجد لي مثلاً إلا قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، أنا والله ذلك الجلمود، اذكر حاجتك، قلت: جعلت فداك، حاجتي أن تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم على وجل، فقال: يا غلام عليّ ببدرةٍ، فكأنها لم تزل بين يديه، فقال: يا أبا الجحّاف إنك أتيتنا والأموال مشفوهة وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت العرب عقيبك، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتبّ، ولك عودة وعلينا معوَّل. قال رؤبة: فوالله ما دريت بما أجيبه، ثم قال يردّ على السير الذي جاء عليه: فما شعر بي سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال: يا أبا الجحّاف هذه ديتك وربحت نفسك. قال: وحدثني عبد الله بن عمرو بن عبيد الله قال: حدثني عبيد الله قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه: أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثةُ الأعمام أجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان: بسبعين ألفاً راشني من حبائه ... وما نالها في الناس من شاعرٍ قبلي فحدثنا إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال: كان سبب اتصال مروان بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور فأنشدته شعراً لمروان يمدح به السّريّ بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس، فسألها لمن الشعر فأخبرته، فأمر بإحضار مروان، فوافاه بالربذة حاجاً فلقي الربيع، والمنصور عليل العلة التي مات فيها، فقال: كن قريباً حتى ندعو بك. فلم تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان. فقال له الربيع: الحق بالمهدي ولا تتخلف عنه. وانصرف مروان إلى اليمامة فجعلها طريقاً وعليها بشر بن المنذر والياً، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل رجل ألف درهم. فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله: صحا بعد جهدٍ فاستراحت عواذله ... وأقصر عنه حين أقصر باطله وقوله: طاف الخيال وحيّه بسلام ... أنى أُلم وليس حين لمام وقوله: اعص الهوى وتعزّ عن سعداكا ... فلمثل حلمك عن هواك نهاكا وقوله: مرى العين شوقٌ حال دون التجلد ... ففاضت بأسرابٍ من الدمع حشَّدي

стр. 107

حشّدي من الحشاد، يريد أنه يخلطها به. قال إدريس: فأعطي مروان المهدي ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة فطلب الوصول بيعقوب بن داود، فأقام نحواً من سنة، وغضب المهدي على يعقوب بن داود. قال إدريس: فحدثني مروان قال: بينا أنا واقف على باب المهدي إذ خرج خالد بن يزيد بن منصور فقال: يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفاً وهو يراك أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا. قال: فانصرفت مغموماً ثم تذكرت رجلاً أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه، فأتيت يزيد بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد، فقال: أدلك على رجل صدوق له رقةٌ لعله ينفعك. قلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إلى الحسن فشكوت إليه ما حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين. فقال: قل في يعقوب بن داود. فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت ترجو أن يكون ذلك مفتاحاً لما أنا فيه؟ قال: ذاك كما أقول لك. فانصرفت وقلت: أتاني من المهديّ قولٌ كأنما ... به احتز أنفي مدمن الضّعن جادع وقلت، وقد خفت التي لا شوىً لها ... بلا حدثٍ: إني إلى الله راجع وما لي إلى المهدي لو كنت مذنباً ... سوى حلمه الصافي من الناس شافع ولا هو عند السخط منه ولا الرضى ... بغير الذي يرضى به الله صانع عليه من التقوى رداءٌ يكنّه ... وللحق نورٌ بين عينيه ساطع يُغضّ له طرف العيون وطرفه ... على غيره من خشية الله خاشع هل الباب مفضٍ بي إليك ابن هاشمٍ ... فعذري إن أفضى بي الباب ناصع أتيت امرأً أطلقته من وثاقه ... وقد أُنشبت في أخدعيه الجوامع وجلّى ضباب العدم عنه وراشه ... وأنهضه معروفك المتتابع فقلت وزيرٌ ناصحٌ قد تتابعت ... عليه بإنعام الإمام الصنائع وما كان لي إلا إليك ذريعةٌ ... وما ملكٌ إلا إليه الذرائع وإن كان مطوياً على الغدر كشحه ... فلم أدر منه ما تجنّ الأضالع وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسفٌ ... لإخوته قولاً له القلب نائع تنفّس فلا تثريب إنك آمنٌ ... وإني لك المعروف والقدر جامع فما الناس إلا ناظرٌ متشوّفٌ ... إلى كلّ ما تسدي إليّ وسامع قال وقد قلت في قصيدة أخرى: سيحشر يعقوب بن داود خائباً ... يلوح كتابٌ بين عينيه كافر خيانته المهدي أودت بذكره ... فأمسى كمن قد غيبته المقابر بدا منك للمهدي كالصبح ساطعاً ... من الغش ما كانت تجنّ الضمائر وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه ... فجاب الدجى من ظلمة الليل ساتر أمنزلةٌ فوق التي كنت نلتها ... تعاطيت، لا أفلحت مما تحاذر قال: ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال: ما صنعت؟ فأنشدتهما إياه. قال: اكتبهما لي. فقلت: قد فعلت. فقال: هاتهما. فتناولهما وقال: لست واضعهما من يدي حتى أضعهما في يد المهدي. ثم مضى وأتيته من الغد فقال: ما وضعتهما من يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما فرقّ لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم الاثنين. فحضرت فخرج عليّ فقال: قد علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحبّ أن يجعل لك يوماً يشرّفك فيه ويبلغ بك. قلت: فمتى بأبي أنت وأمي؟ قال: يوم الخميس. فعدت إليه يوم الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي، فلما تتام المجلس دعاني فدخلت، فسلمت فرد علي السلام، فقال: إنما حبسك عن الدخول انقطاعك إلى الفاسق يعقوب بن داود. فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب فأنشدته ثم أشدته قولي فيه: طرقتك زائرة فحيّ خيالها. فأُعجب بذلك وقال: جزاك الله خيراً. فقلت: اشهدوا هذا والله الشرف، أمير المؤمنين يجزيني خيراً، ثم أنشدته: أعادك من ذكر الأحبة عائد، فلما صرت إلى قولي: أيادي بني العباس بيضٌ سوابغٌ ... على كل قوم بادئاتٌ عوائد فهم يعدلون السمكَ من قبة الهدى ... كما يعدل البيت الحرام القواعد

стр. 108

سواعد عزّ المسلمين وإنما ... ينوء بصولات الأكف السواعد يزين بني ساقي الحجيج خليفةٌ ... على وجهه نورٌ من الحق شاهد يكون غراراً نومه من حذاره ... على قبةِ الإسلام والخلق راقد كأن أمير المؤمنين محمداً ... لرأفته بالناس للناس والد على أنه من خالف الحق منهم ... سقته به الموت الحتوف الرواصد أشار إليّ فأمسكت. فقال: يا بني العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي فيكم فآتوا إليه ما يسره. فقلت: ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا رأيه أن يصلوني من أموالهم. فقال: أنا فارض عليهم لك مالاً، ففرض على موسى ابنه خمسة آلاف درهم وعلى هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على كل رجل منهم. فقال أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه، فجعل عليه ألفاً وعلى الربيع ألفين، فتمت أربعين ألفاً. فقلت: يا أمير المؤمنين من لي بهذا المال؟ قال: هذا، وأشار إلى الربيع، ثم قال: إن أمير المؤمنين يعطيك من صلب ماله، فأمر لي بثلاثين ألف درهم في ثلاث بدر، فجيء بهن فطرحن قريباً، فدعوت وشكرت فقال: يا ابن أبي حفصة ستجيئك صِلاتي وبرّي ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى. قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما سأزداد به شعراً وستسمع ويبلغك، وقلت: يا أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني لشاعر بعدي. قال: أجل. قلت: وآذنّي في زيارتك. قال: نعم. قلت: يا أمير المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن رأى أمير المؤمنين أن يُجعل لأحد عليّ سلطان دونه. قال: لا سلطان عليك دون أمير المؤمنين. فقلت: اكتب إليّ بذلك كتاباً. فأمر بالكتاب بذلك، فانصرفت، فلما صرت خلف الستر خرج إليّ خادم بمنديل فيه أربعة أثواب: ثوب وشيٍ وثوب خزّ وجبة بياض محشوة وقميص، فقال: ألبسوه وأعيدوه إلي، فلبست الخز والوشي على الثياب التي كانت عليّ وألقيت القميص على أحد منكبي والجبة على المنكب الآخر. فقال لي: يا ابن أبي حفصة أتدخل على أمير المؤمنين هكذا وقد مثلت بنفسك؟ فقلت: والله لو كانت كرامة أمير المؤمنين أُحد لما خلعت منها شيئاً أطيق حمله، ثم دخلت. فلما رآني تبسم ثم قال: مطرف، فأبطأوا به، فقال: المطرف! وأنا قائم، ثم قال الثالثة المطرف، فلما أبطأوا انصرفت وقعدت خلف الستر، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج أمير المؤمنين على دابة، فقمت إليه، فلما رآني قال: المطرف! فما برح حتى أُتي به فنشر عليّ بين يديه، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية السواد، فبعت القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ولجامه. قال: فلم يزل مروان على باب المهدي حتى هلك. وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على المهدي وهو بالمدينة فقال: أنشدوني. فأنشد المغيرة: وللناس بدرٌ في السماء يرونه ... وأنت لنا بدرٌ على الأرض مقمر فبالله يا بدر السماء وضوءه ... تزال تكافي عُشر ما لك أضمر وما البدر إلا دون وجهك في الدجى ... يغيب فتبدو حين غاب فتقمر وما نظرت عيني إلى البدر ماشياً ... وأنت فتمسي في الثياب فتسحر وأنشد ابن أخت الأحوص: قالت كلابة: من هذا؟ فقلت لها: ... هذا الذي من أعدائه زعموا إني امرؤٌ لجّ بي حبٌّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم وأنشده العثماني المخزومي: رمى القلب من قلبي السواد فأوجعا ... وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا وغرّد حادي البين وانشقت العصا ... فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجّعا كفى حزناً من حادث الدهر أنني ... أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلاً ... فيا لك بيناً ما أمرّ وأوجعا وأنشده أبو السائب:

стр. 109

أصيخا لداعي حبّ ليلى فيمِّما ... صدور المطايا نحوها فتسمعا خليلي إن ليلى أقامت فإنني ... مقيمٌ وإن بانت فبِينا بنا معا وإن انثنت ليلى بربعٍ يحوزها ... قعيدكما بالله أن تتزعزعا فقال: والله لأغنينكم الليلة! ثم قال للمغيرة: هل لك من حاجة؟ فإنه بلغني أنك بعت جاريتك في دين كان عليك. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد فعلت ذلك. قال: فلأردنها عليك، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار إلا ابن لؤلؤ الرطب فإنه سار معه، فمرّ بدار فقال: لمن هذه الدار؟ فقال: للأحوص الذي يقول: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل وأراك تفعل ما هويت وبعضهم ... مدق الحديث يقول ما لا يفعل فقال: عزّ عليّ لم تأخذ شيئاً، ثم قال للربيع: اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت عشرة آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار، فقبضها وخرج. قال: ودخل ابن الخياط على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها بين الناس وأنشأ يقول: لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي فأعطاه لكل درهم ديناراً. قال: ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال: أليس أحق الناس أن يدرك الغنى ... مرجّي أمير المؤمنين وسائله لقد بسط المهدي عدلاً ونائلاً ... كأنهما عدل النبي ونائله فقال: أما ما ذكرت يا سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله، ﷺ ، أحد وإني لأتحراه جهدي، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، ثم وفد عليه في السنة الثانية فأنشده: إن الخلافة لم تكن بخلافة ... حتى استقرت في بني العباس شدّت مناكب ملكهم بخليفةٍ ... كالدهر يخلط لينه بشماس فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوباً، فلما كان في العام الثالث وفد عليه فأنشده: أفنى سؤال السائلين بجوده ... ملِكٌ مواهبه تروح وتغتدي هذا الخليفة جوده ونواله ... نفد السؤال وجوده لم ينفد فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوباً. وعن أحمد بن بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يوماً نصف النهار: اخرج وانظر من بالباب. فخرجت فإذا بشيخ واقف، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً غير أمير المؤمنين، فتركته ودخلت على المهدي، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك حاجة فاذكرها. قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني غير دفعة عن حاجة فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً دون أمير المؤمنين، فقلت: أيدخل؟ قال: نعم ومره بتخفيف، فخرجت وقلت له: ادخل وخفف. فدخل وسلم بالخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين إنا قد أُمرنا بالتخفيف: فإن شئت خففنا فكنا كريشةٍ ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب وإن شئت ثقّلنا فكنا كصخرةٍ ... متى تلقها في حومة البحر ترسب وإن شئت سلمنا فكنا كراكبٍ ... متى يقض حقاً من سلامك يعزب فضحك المهدي وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك. فقضى حاجته ووصله بعشرة آلاف درهم.

стр. 110

قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتياناً كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكرٌ منهم وقال: كنا قد اكترينا داراً شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا من اللباس ألينه ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار، وإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نُخلّ بالنبيذ في عسرٍ ولا يسر ولو نبيع الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يوماً إذا بفتىً يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد وادخل، فإذا رجل حلو الوجه سريّ الهيئة تنبّيء رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أُدرجتم جميعاً في قلب واحد فأحببت أن أكون واحداً منكم وأن لا تحتشموني. قال: وصادف ذلك منا إقتاراً من القوت وإكثاراً من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق وأُشنان وأخلّة ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعاً إذا حُدث وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويُرى ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس أخباره، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل، فقال لنا يوماً بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جاريةً في جواركم وكانت مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها في الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبّرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضاً فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه فخبرنا بمكانها. فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها. قال: يا إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما قدّرت فيها حراماً قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ الله جل وعز بثروةٍ فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه على غاية السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممضّ ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلاً نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافياً قد طاب لبابه، وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغمّ بمحادثته، فكنا فيه كما قال القائل: يذكرنيهم كلّ خيرٍ رأيته ... وشرٍ فما أنفك منهم على ذكر
следующие страницы →