ومن هنا يتبين أن " حقائق وطبائع الأشياء الدنيوية، مختلفة عن حقائق وطبائع الأشياء الأخروية " (١) وإن اتفقت في الأسماء. ومن كمال الشوق إلى الجنة أن القرآن الكريم حين أخبرنا عن نعيم الجنة، أخبرنا بما هو معلوم لنا كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد:١٥]، وفي حديث النبي ﷺ الذي أخبر فيه عن إدام أهل الجنة، وفيه: ... «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ»، فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى» قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا «(٢).
" فهل عسل الدنيا كعسل الآخرة؟ وهل خمر الدنيا كخمر الآخرة؟ وهل المساكن والنساء في الدنيا، كالمساكن والنساء في الآخرة؟ بينهما فرق عظيم:
стр. 107
- العسل في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من بطون النحل.
- واللبن في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من ضروع البهائم.
- والنساء لا يمتخطون، ولا يتغوطون، ولا يتبولون، بخلاف نساء الدنيا " (١).
- إذن: " فإن الله أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات: من أصناف المطاعم، والملابس، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرا، وماء، ولحما، وحريرا، وذهبا، وفضة، وفاكهة وحورا، وقصورا، وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء " (٢).
فهذه الأمور كلها حق، وهي موافقة في الاسم لما في الدنيا من حيث المعنى لا في الحقيقة، " أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف:٣]،ولولا موافقته له في المعنى؛ ما فهمناه ولا عقلناه.
وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧]، وقوله في الحديث القدسي: ... ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ﴾ قال ابن عباس ﵄: " ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء " (٣).
فالاتفاق يكون في الأسماء والمعنى العام المشترك، أما الحقائق فهي مختلفة.
فإن قيل: ما الداعي لإثبات قدر مشترك بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؟
فالجواب: لو لم نثبت القدر المشترك، وهو الاتفاق في الاسم، وفي المعنى الكلي العام، لما فهم الخطاب (٤).
стр. 108
ويقول الشيخ العثيمين في شرحه لحديث الثور والنون في صحيح البخاري: " ولكن لاحظ أن الثور الذي ذُكر هنا ليس كالثور الذي نشاهده؛ لأن ما في الجنة من الأسماء، يتفق مع ما في الدنيا في الاسم فقط، أما الحقيقة فبينهما تباين عظيم " (١).
فـ " عالم الغيب عالم عجيب، لا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الوحي الصادق وليس لنا معه إلا الإيمان والتصديق، دون القياس والتجريب؛ لأن المسألة خارجة عن قوانين عالمنا الحسي " (٢)
стр. 109
المبحث الخامس أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر.
المطلب الثاني: مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر.
стр. 110
المطلب الأول مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر
الناس مختلفون في الإيمان باليوم الآخر، مع كثرة أدلته، ووضوح دلالته ووفرة الشواهد الحسية والعقلية على وقوعه وحتميته، ومع تأييد نبض النفس البشرية، والفطرة الإنسانية على حقيقته. رغم ذلك انحرفت بعض الفطر، وضلت بعض العقول، فأصبحت تعيش بأجسادها تهيم كالأنعام بل هم أضل.
ومع أن هذا المقام الغيبي، واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، إلا أن طوائف أنكرت، وأخرى تأولت، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: " افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:
- فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا، وبين ما في الآخرة وأن مباينة الله لخلقه أعظم
- والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة، من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام.
стр. 111
- والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر " (١).
فأهل الإيمان الحق، هم الذين آمنوا بكل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، من الأخبار. وما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ من الأخبار هو الصدق والعدل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام:١١٥]، والمقصود هو القرآن الكريم، وتمامه يكون في حججه ودلائله، وفي أحكامه وأوامره، وفي تمام كلامه، واستكمال صوره، وفي وعده ووعيده. فالقرآن صدقا فيما حكاه عدلا فيما قضاه (٢).
قال الإمام ابن كثير: "صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق ... وصدق، وعدل، وهدى، ليس فيه مجازفة، ولا كذب، ولا افتراء " (٣).
ولما كان خبره تعالى هو الصدق، وحكمه هو العدل، قال جل شأنه لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل:٦] " حكيم بتدبير خلقه، عليم بأخبارهم، وما فيه الخير لهم " (٤).
وكيف لا يكون صدقا وعدلا، وقد أنزله الله جل وعلا بعلمه، قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء:١٦٦].
فأهل الإيمان الحق يُسلمون لنصوص الوحيين، وما دلت عليه، ولا يُعارضون بعقل، أو قياس، أو عادة، ولا يردون بشبهة، أو هوى. فأخبار اليوم الآخر كلها على السواء، في التسليم والانقياد، ما ورد على وجه التواتر أو الآحاد. فالشريعة واحدة، ومصدرها واحد، فما جاء فيها من النصوص فهو حق، يجب الإيمان به، وتصديقه، وتقديمه.
стр. 112
ولذا كان مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم، بقبولهم كل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، من أخبار اليوم الآخر وغيره فآمنوا به علما وعملا.
المطلب الثاني مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر
وأما طوائف أهل الكلام، وبعض المنتسبين للإسلام، فقد خلطوا في قضايا الغيبيات التي يسمونها السمعيات، فمع إيمانهم بما ورد به السمع، مع تجويز العقل له، إلا أنهم ردوا بعض قضايا الغيب التي مبناها السمع؛ لوارد الشبهة التي بنوها، والقاعدة التي أصلوها.
ولهم في هذا المقام جملة من القواعد التي كانت نصب أعينهم، حين انطلقوا يقررون عقائدهم المتعلقة باليوم الآخر والمعاد منها:
- التفريق بين الأخبار الواردة عن طريق التواتر، والأخبار الواردة عن طريق الآحاد.
- والنظر بين ما يُجوِّزه العقل، وما لا يجوزه.
- والتسلسل في الماضي والمستقبل.
- والنظر إلى مبدأ العدل والاستحقاق.
- ونتيجة القاعدة التي توصلوا إليها في إثباتهم للصانع وهي: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فبناء على ما أصلوه من قواعد، وبنوه من أساسات، ظنوا أنها ضمان للعقائد من الانحراف والزيغ، وقعوا في التناقض، وفي نقيض ما ظنوه فردوا النصوص وأولوها؛ بناء على هذه الأسس عندهم.
فالجهمية:
أنكرت كثيرا من أمور الآخرة، كعذاب القبر ونعيمه، والصراط، والميزان والرؤية، والنداء والمناداة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما أهل الأهواء: فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، يكذب بما في البرزخ من النعيم والعذاب، ولا يقر بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضا وجود الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيما ولا عذابا، ولا ثوابا ولا عقابا إلا عند القيامة الكبرى، ... ومنهم من يزعم أنه يفنى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يفنيان كما يذكر ذلك عن الجهم بن صفوان، وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تفنى " (١)
стр. 113
وقال إمامهم الجهم بن صفوان بفناء الجنة والنار، وكذا أبو الهذيل العلاف إلا أنه اقتصر على القول بفناء حركات أهل الجنة والنار، بناء على قولهما: إمكان وجود ما لا يتناهى من الحوادث في الماضي والمستقبل، فمنعا ذلك مطلقا، ولذا كلاهما ينفي دوام الحدوث في المستقبل، كما نفاه في الماضي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل، فإن نعيم الجنة وعذاب النار دائمان، مع تجدد الحوادث فيهما، وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان، فزعم أن الجنة والنار يفنيان، وأبو الهذيل العلاف زعم أن حركات أهل الجنة، والنار تنقطع، ويبقون في سكون دائم.
وذلك أنهم لما اعتقدوا أن التسلسل في الحوادث ممتنع في الماضي، والمستقبل قالوا هذا القول الذي ضللهم به أئمة الإسلام " (١).
وبيَّن شيخ الإسلام أصل شبهتهما فقال: " فإن هذين أوجبا أن يكون لجنس الحوادث انتهاء، كما يجوز أن يكون لها عندهم ابتداء، وأكثر الذين وافقوهم على وجوب الابتداء، خالفوهم في الانتهاء، وقالوا لها ابتداء وليس لها انتهاء " (٢).
وقد حكم الإمام ابن حزم على قولهما بأنه مخالف للقرآن فقال: " وهذا خلاف القرآن، والثابت عن رسول الله ﷺ وخلاف إجماع أهل الإسلام المتيقن " (٣).
فهذا القول مما أنكره السلف والأئمة على الجهمية، وعدوه من كفرهم؛ لمخالفته صريح القرآن القاضي ببقاء نعيم الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥] (٤).
стр. 114
وقال البغدادي في الباب الذي حكى فيه إجماعات أهل السنة: " وأكفروا أبا الهذيل بقوله بانقطاع نعيم الجنة وعذاب النار، وأكفروا من قال من الجهمية بفناء الجنة والنار " (١).
فإنكار الجهم لقضايا اليوم الآخر، معلوم عند العلماء، لذا انبرو للرد عليه وبيان ضلاله، وكشف انحرافه.
وأما الخوارج والمعتزلة:
فأنكروا جملة من الغيبيات المتعلقة باليوم الآخر، فأنكروا الشفاعة للعصاة وإنما أنكرت المعتزلة الشفاعة للعصاة؛ لأنها ضد العدل والاستحقاق، فإن من أصولهم الخمسة: إنفاذ الوعيد، ومعناه عندهم: " أن فساق الملة مخلدون في النار، لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك " (٢)، قال الإمام ابن تيمية: " ومن أصول المعتزلة مع الخوارج: إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله تعالى لايقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج منهم أحد " (٣)، " وهذا لاعتمادهم على عقولهم الفاسدة، وأخذهم بالمتشابه من القرآن، وتركهم ... الأخبار المروية الثابتة في الصحاح " (٤)
وقد نص القاضي عبد الجبار المعتزلي، على أن الشفاعة خاصة للتائبين من المؤمنين (٥)، وبذا هو يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الشفاعة تكون لمذنبي أهل التوحيد، كما قال الإمام أبو عثمان الصابوني: " ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد، ومرتكبي الكبائر كما ورد بذلك الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ " (٦).
стр. 115
وقد نص الإمام ابن حزم على انكار المعتزلة والخوارج للشفاعة ثم قال: " وذهب أهل السنة، والأشعرية، والكرامية، وبعض الرافضة إلى القول بالشفاعة " (١).
ومما خالفت فيه الخوارج والمعتزلة جمهور المسلمين فيما يتعلق باليوم الآخر القول بأن الجنة والنار لم تُخلقا بعد. وقد ذكر الإمام الشهرستاني، أن من بدع هشام بن عمرو الغوطي قوله: " أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة " (٢).
وذَكر عن الجاحظ المعتزلي قوله في أهل النار: " إنهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول: النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها " (٣).
ومن بدع المعتزلة المتعلقة باليوم الآخر، إنكارهم لبعض معالم الآخرة، قال الإمام يحيى العمراني: " وعند أهل الحديث: أن الحسنات والسيئات للموحدين، توزن بميزان يوم القيامة، وأن الصراط حق، وأن حوض النبي ﷺ حق. وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله " (٤).
وأشار الدكتور مصطفى حلمي إلى أن من المآخذ التي " أخذها أهل السنة والجماعة على المعتزلة: ردهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول، فيجب ردها، كالمنكرين لعذاب القبر والصراط، والميزان، ورؤية الله في الآخرة " (٥).
стр. 116
وقد نسب التفتازاني وغيره إلى بعض المعتزلة إنكارهم للميزان والصراط (١) وكذا نسب جماعة من أهل العلم إنكارهم للحوض، وتأويلهم النصوص الصريحة في إثباته (٢).
وأنكرت المعتزلة، والإباضية من الخوارج، والرافضة، والزيدية، رؤية الله تعالى في الآخرة، فخالفوا كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ وإجماع سلف الأمة (٣).
ولذا كان الواجب الإيمان بها وإجراء النصوص على ظاهرها، قال الإمام الغزالي: " تعمق جماعة، فأولوا ما ورد في الآخرة من الميزان والصراط وغيرهما، وهو بدعة؛ إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية، وإجراؤه على الظاهر غير محال، فيجب إجراؤه على الظاهر" (٤).
стр. 117
وأما الأشاعرة: فوافقوا أهل السنة في جملة مسائل الغيبيات، إلا أنهم صرحوا في مسألة الرؤية في الآخرة، بأن الله تعالى يُرى لكن لا إلى جهة؛ لأن من أصول الأشاعرة، نفي الجهة عن الله تعالى، فهذا إمام الحرمين الجويني يُصرح بأن إثبات الرؤية، لا يستلزم الجهة، فالله تعالى يرانا ويبصرنا، وليس هو في جهة من المرئي (١)، مما ألَّب عليهم المعتزلة، وأوقعهم في التناقض، لأن من لوازم الرؤية، أن يكون الرائي في جهة من المرئي (٢). فالأشاعرة وافقوا أهل السنة في الإيمان بأحوال البرزخ، وأمور الآخرة من: الحشر والنشر والميزان، والصراط، والشفاعة، والجنة والنار؛ لأنها من الأمور الممكنة التي أقر بها الصادق ﷺ ، وأيدتها النصوص الشرعية (٣).
وأما غلاة الصوفية كابن عربي: فإنه ادعى أن أصحاب النار يتنعمون فيها كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وأنه يسمى عذابا من عذوبة طعمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المذهب: " وهو مما يُعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام " (٤).
فهذه صور من أوجه انحراف الفطرة السليمة، رغم وفرة الشواهد والنصوص التي لو تأملها المتأمل، لانقاد إلى الحقيقة، وعرف الجواب عن الأسئلة التي أشغلت أذهان البعض، لم أتيت؟ وإلى أين سأذهب؟.
فلو تفكر صاحب الهذيان الذي يقول في طلاسمه: (لست أدري) ... لاهتدى، ولو جلس مع نفسه في لحظة صفاء وتأمل لارتضى، ولكنه قال:
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت ... ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت ... كيف جئت؟ كيف طريقي؟ لست أدري!
стр. 118
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود ... هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود .... أتمنّى أنّني أدري ولكن ... لست أدري!
وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟ ... هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير ... أم كلانا وأقف والدّهر يجري؟ لست أدري!
أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا ... أتراني كنت محوا أم ترأني كنت شيّا
ألهذا اللّغز حلّ أم سيبقى أبديّا ... لست أدري ... ولماذا لست أدري؟ ... لست أدري!
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور ... فحياة فخلود أم فناء ودثور
أكلام النّاس صدق أم كلام الناس زور ... أصحيح أنّ بعض الناس يدري؟ .. لست أدري!
إن أكن أبعث بعد الموت جثمانا وعقلا ... أترى أبعث بعضا أم ترى أبعث كلاّ
أترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلا ... ثمّ هل أعرف بعد الموت ذاتي؟ ... لست أدري!
أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية ... أنا لا أعرف شيئا من حياتي ألآتية
لي ذات غير أني لست لأدري ما هيه ... فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟ لست أدري!
إنّني جئت وأمضي وأنا لا أعلم ... أنا لغز مبهم وذهابي كمجيئي طلسم
والّذي أوجد هذا اللّغز لغز مبهم ... لا تجادل ذو الحجى من قال إنّي ... لست أدري! (١)
فهذه جملة من مقطوعة طويلة، ضمنها قائلها جملة من التساؤلات التي حيرته، فهي أسئلة سجلت أفكار المنحرفين الضائعين التائهين، وبينت مدى اضطرابهم وقلقهم، وولدت لديهم شقاء لا ينتهي، وعذابا لا ينقضي. ... فهؤلاء وأمثالهم، يعيشون في جحيم لا يُطاق، ولذا فهم لا يعرفون لحياتهم معنى، ولا لأعمالهم مغزى؛ لأنهم لم يُذعنوا لداعي الفطرة، ولم يُسلموا لنصوص الشريعة.
стр. 119
وإنك لتعجب مما تجده من فقر روحي، وخواء إيماني، في جانب ما تعيشه الحضارة الغربية والشرقية من إنجازات مادية تبهر العقول، إلا أنهم كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم:٧] ومع هذا الخواء الإيماني، أصبحوا لا يقيمون لحياتهم وزنا، فهم يعيشون في تيه، ليس لهم هم إلا قضاء شهوة، أو كسب ملذة، وربما تخلص أحدهم من حياته، وهذا منتهى الضياع.
فحين تغيب عنهم صورة الدار الآخرة، فلا يدرون ما الهدف من وجودهم؟ ولا الغاية من خلقهم؟، فلن يتورعوا عن حرام، ولن يبالوا بنظام وحينها يفشو الظلم والاعتداء.
" ومن هنا اضطر كثير ممن لا يُؤمن بالدين، ولا بالآخرة كواقع ديني، إلى أن يصرحوا بأنه لا شيء غير عقيدة الآخرة، تصلح لمراقبة الإنسان وإخضاعه لسلوك طريق الحق، والعدل والإنصاف في جميع الظروف، مثل (كانت) و (فولتير) وغيرهما " (١).
فلو تفكر وتأمل من انحرفت فطرته، واجتالتها الشياطين، لوجد لأسئلته جوابا، ولاضطرابه وحيرته طريقا عدلا صوابا.
ولو حرك عقله السليم، ونظر في هذا الكون العظيم؛ لاهتدى هذا العقل واقتضى وجود يوم آخر، يحاسب فيه المحسن والمسيء، ويُميز فيه بين الظالم والمظلوم.
إن هذه الحياة الدنيا بما فيها من السعادة والألم، والشقاء والندم، والصحة والسقم، والوجود والعدم، والسرور والحزن والهم، مما كتبه الله على بني أدم لهي من أدل الشواهد، وأعلى الدلائل - لمن كان له عقل - على وجود حياة أخرى، فيها الخير والعدل، والكمال والفضل.
وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب، أن من المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، تكذيبهم ببعض ما أخبرت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن اليوم الآخر.
стр. 120
والناظر في مقالات القوم من المتقدمين والمتأخرين، الذين أصابتهم لوثة التحريف، أو التكذيب، و التأويل، يجد مدى إنكارهم لكثير من عقائد اليوم الآخر، فضلا عن سُخرية البعض الآخر من بعض هذه العقائد (١). وهذا يظهر جليا في مقالات أصحاب المذهب الحداثي.
ولهذا المذهب انحراف عقائدي ظاهر جلي، تجاه هذا الركن العظيم، ولذا اختلفت أنظارهم تجاه هذا الركن، ومن مظاهر هذا الانحراف العقائدي عند الحداثيين في اليوم الآخر:
١ - جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، ونفي البعث، واعتبار موت الإنسان فناء لا شيء بعده. (٢)
٢ - قولهم بأبدية الدنيا، أو بعض ما فيها (٣).
٣ - سخريتهم واستخفافهم باليوم الآخر وما وراءه (٤).
стр. 121
المبحث السادس: الأدلة الإجمالية لإثبات اليوم الآخر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر.
المطلب الثاني الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر.
стр. 122
المبحث السادس الأدلة العامة لإثبات اليوم الآخر
تمهيد
تبين مما سبق في أمر المعاد، أنه يُعلم بالعقل، كما يُعلم بالسمع، وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.
يقول الإمام ابن القيم: " والصحيح: أن العقل دل على المعاد، والثواب والعقاب إجمالا، وأما تفصيله فلا يُعلم إلا بالسمع، ودوام العقاب والثواب مما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما عُلم بالسمع " (١)، فالعقل يثبته إجمالا والوحي يسرد تفاصيل أحداثه.
وكما أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، فإن كمال الرب تعالى، وكمال أسمائه وصفاته، تقتضيه وتوجبه (٢)، ولذا فإن المولى جل وعلا يقرر المعاد بذكر كمال علمه، وكمال قدرته، وكمال حكمته (٣)، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه (٤)، ويقرن العلم بالخلق، فيقول جل شأنه في سياق آيات تقرير المعاد: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس:٨١] " فكونه خلاقا عليما يقتضي أن يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من الخلق " (٥).
وقد أقام القرآن الكريم الدلائل الواضحة، وأظهر البراهين الساطعة، على إثبات المعاد فـ"ليس تحت أديم السماء، كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية، من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد، والنبوات ورد النِحل الباطلة، والآراء الفاسدة، مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول " (٦).
ومن هنا " جاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه، والثاني: تقرير كمال قدرته، والثالث: كمال حكمته " (٧). فتضافرت هذه البراهين والشواهد النقلية والعقلية على إثبات اليوم الآخر.
стр. 123
ولذا حين تقلب صفحات القرآن الكريم، فإنك تعيش مشاهد القيامة واقعا حقيقيا، يلامس وجدانك، ويحرك شعورك، فتظهر صورتها ماثلة أمامك فيرجف فؤادك، ويخفق قلبك، وترتعد فرائصك، فتعلم أن كل تلك المشاهد، حق لا ريب فيها، وصدق لا مرية تعتريها، وهي واقعة قطعا شرعا وعقلا، حتى الفطر السليمة المستقيمة، تُسلم بوجود هذا اليوم العظيم الذي تنكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه الدقائق، يقول المولى جل وعلا: ... ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات:٩ - ١٠] قال الزجاج: " والمعنى: أفلا يعلم إذا بعث الموتى " (١)؛ ليتميز وينكشف حال المحسن والمسيء، ومن هنا قال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ فإن " كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أما في يوم القيامة، فإنه تنكشف الأسرار، وتنتهك الأستار، ويظهر ما في البواطن، كما قال ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق:٩] " (٢)، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات:١١] أي " لخبير عالم بما أعلنوا وما أسروا، فيجازيهم عليه " (٣).
إن القلب السليم، يعلم ويوقن بأن الله تعالى حق، والساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور (٤).
стр. 124
ومن هنا تجد أن مظاهر هذا الكون بأجمعه، تدل على أمر المعاد، وتشهد بوقوع يوم التناد، " وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين، مستلزمة للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف:٧٤] وهذه الآيات التي فصلها، هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته، وهي آيات أفقية وحسية، آيات في نفوسهم، وذواتهم، وخلقهم وآيات في الأقطار والنواحي، مما يحدثه الرب ﵎، مما يدل على وجوده، ووحدانيته، وصدق رسله، وعلى المعاد والقيامة " (١).
المطلب الأول أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر، (الأدلة النقلية)
" إن كل عاقل إذا أمعن النظر في الآيات القرآنية الكريمة، يجدها قد سلكت في إثبات الآخرة، والنشر، والحشر، والحساب، وجميع ما هنالك، أحسن الطرق التي تنير العقول، وتبصرها منهاج الوصول إلى اعتقاد ذلك والإذعان إليه " (٢).
إن القرآن الكريم أشار تصريحا وتلميحا، إلى ما لا يُعد ولا يُحصى من الشواهد، والدلائل، والأمارات، الواردة في القيامة والمعاد، ويذكرنا القرآن الكريم في توجيهاته ووصاياه، بأن خالقنا سينقلنا من هذا المشهد المؤقت الذي نعايشه، إلى المشهد الدائم في الحياة الآخرة، وأنه جل شأنه سيبدل هذه المملكة السيارة، القابلة للفناء، إلى تلك المملكة السرمدية المخلوقة للبقاء (٣).
وقد أبرزت النصوص القرآنية الشواهد الدالة على اليوم الآخر، ومنحت المفاتح العقلية الرشيدة للوصول إليه، وقررت أدلة المعاد أحسن تقرير وأبينه، وأبلغه، وأوصله إلى العقول والفِطر (٤).
ومن الطرق التي سلكها القرآن المجيد ففي إثبات المعاد واليوم الآخر ما يلي:
١) الإخبار عنه:
стр. 125
الإخبار عن اليوم الآخر، وتقرير المعاد، جاء مستفيضا في القرآن الكريم وقد أكثر الله جل وعلا من ذكره، وأعلى من شأنه، فأخبر عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى (١).
ومن أوجه ذكره في القرآن، والإخبار عنه:
أ الإقسام به: فقد أقسم المولى بيوم القيامة، في مواضع عدة في كتابه الكريم، فقال جل شأنه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة:١] قال الزجاج: " لا اختلاف بين الناس أن معناه: أقسم بيوم القيامة " (٢)، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ (٣) [القيامة:٣٦] وهذا بناء على أن (لا) في الآية زائدة، وأما على تقدير كونها نافية، فيكون تقدير محذوفها، فعل مناسب للمقام، وتقديرها هنا مثلا: لا صحة لما تزعمون أنه لا حساب ولا عقاب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة (٤)
" وقد أقسم الله جل شأنه في كتابه العزيز على أمور كثيرة، ترجع في جملتها إلى أمرين: الأول: أصول الإيمان، والثاني: حال الإنسان " (٥).
стр. 126
ومن أصول الإيمان التي أقسم الله تعالى بها، القسم على الجزاء، والوعد والوعيد، ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات:١ - ٦] ثم ذكر تفصيل الجزاء، وذكر الجنة والنار، وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون، ثم قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: (١)].
" ولم يرد في القرآن كله كلمة (أقسم) أبدا، وإنما استخدم لفظ (لا أقسم) و (لا) لتأكيد القسم، فقد يكون الشيء من الوضوح بمكان، بحيث لا يحتاج لقسم، وهذا تعظيم للشيء نفسه، وقد تعني (لا أقسم) أحيانا اكثر من القسم - زيادة في القسم " (٢).
وأقسم جل وعلا بمخلوقاته على جملة المعاد في كثير من الآيات:
- فقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى:١ - ٢] قسم " على إنعامه على رسوله، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد " (٣).
стр. 127
- وقوله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:١ - ٢] " فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها، على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ، وهو خلق الزمان والفاعلين، وأفعالهم على المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان، وخلق الفاعلين وأفعالهم، وجعلها قسمين خيرا وشرا، تأبى أن يسوي بينهم، وان لا يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته " (١).
- وقوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ [الانشقاق:١٦ - ١٨] قسمٌ، وجوابه ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق:١٩]، والمعنى هو تنقل الإنسان حالا بعد حال، من حين كونه نطفة، إلى مستقرة من الجنة أو النار. فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان، وعليه: فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبية الله تعالى وتوحيده، وصفات كماله، وصدقه، وصدق رسله، وعلى المعاد، ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الانشقاق:٢٠]؛ إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام (٢).
فالمتأمل في القسم الوارد في القرآن الكريم، يجد أنه ينبه العقول، ويوقظ الفطر، لأمر المعاد والآخرة، فهذا وجه من أوجه اهتمام القرآن الكريم بأخبار المعاد.
ووجه آخر في أمر القسم الذي يُؤكد به أمر المعاد، وهو أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات، فقال تعالى:
- ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ ... [يونس:٥٣].
- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
стр. 128
- ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) [التغابن:٧].
يقول الإمام ابن القيم: " وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء " (١)، فالنبي ﷺ أكد إخباره عن البعث والمعاد باليمين، فهو تهديدٌ له وقعٌ في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه كائن لا محاله (٢).
ب الإخبار المؤكد لقيام الساعة وإتيانها:
يقول المولى : ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر:٨٥]، فهي مؤكدة بـ ﴿وَإِنَّ﴾ (إن) واللام (٣)، وفيه " إشارة إلى حتمية الحساب والجزاء " (٤) " فإن ساعة إنفاذ الحق آتية لا محالة، فلا يريبك ما تراه من سلامة مكذبيك وإمهالهم " (٥).
يقول الشيخ الأمين الشنقيطي: " ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو ﴿وَإِنَّ﴾ (إن) وبلام الابتداء ... وذلك يدل على أمرين: أحدهما: إتيان الساعة لا محالة، والثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر " (٦).
والآيات الدالة على إتيان الساعة، وأنها كائنة وواقعة لا محالة كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى:
- ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٧].
стр. 129
- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم:٥٥].
فالتأكيد في هذه الآيات دليل على أمرين:
الأول: أن الساعة آتية لا محالة، والثاني: ليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها (١).
ج - تنويع الألفاظ والأساليب في الإخبار عن اليوم الآخر:
فقد أخبر المولى في كتابه الكريم، عن الآخرة بألفاظ مختلفة كلها تدل على إمكانها، وإثباتها، ووقوعها.
فذكر لفظ الآخرة فيما يزيد على مائة مرة، فجاء ذكرها في عدة مقامات:
- ففي مقام مدح المؤمنين، يقول جل شأنه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [[البقرة:٤].
- وفي مقام دعائهم وتضرعهم لربهم، يقول : ... ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة:٢٠١].
- وفي مقام مدح بعض عباده الصالحين، يقول تعالى مثنيا على نبيه وخليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة:١٣٠] وقال جل وعلا عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران:٤٥]،وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى:٤] " والمعنى: أي الذي أعطاك ربك في الآخرة، خير لك وأعظم من الذي أعطاك في الدنيا" (٢)، قال ابن إسحاق: " أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا" (٣)، " ولهذا كان رسول الله ﷺ -أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحا، كما هو معلوم بالضرورة من سيرته" (٤)
стр. 130
- وفي مقام آخر يمدح عباده المؤمنين، وأوليائه المتقين، فيقول جل شأنه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]. فالله تعالى ولي المؤمنين، وناصرهم، ومؤيدهم في الدنيا، ورافع شأنهم ومقامهم في الآخرة، يقول نبي الله يوسف ﵇ في مقام الخضوع والاعتراف: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١].
- وفي مقام آخر يمتن الله ﵎ على عباده، بأنه له الآخرة والأولى، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وذلك أن سياق الآيات الواردة في هذا المقام، تتحدث عن المشركين، حيث قال الله تعالى عن شأنهم: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ [النجم:٢٤]
قيل في معنى ذلك: هل له كل ما اشتهى؟، وقيل: للإنسان ما تمنى من البنين، أي يكون له
دون البنات، وقيل: أم للإنسان ما تمنى من شفاعة الأصنام (١) فجاء الجواب: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النجم:٢٥] " أي إنما الأمر كله لله ملك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن " (٢).
стр. 131
ولما كانت الآخرة والأولى بيده ، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل:١٣] أخبر أن الآخرة خير من الأولى فقال سبحانه: ... ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى:١٧] فـ " أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة، ومواهب الآخرة، خير لمن اتقى، وعلم واهتدى، ثم بين الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة باقية دائمة" (١)، فذكر أن " آخرة المتقي خير من دنياه " (٢)، فقال : ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء:٧٧] وقال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف:٣٥] ولهذا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، فيقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣] ... ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤] وهذا من مقتضيات حمده في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ:١].
- وفي مقام ذم المكذبين للمعاد، يقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ [المؤمنون:٧٤] قال ابن عباس ﵄: لناكبون: لعادلون، وقال الحسن: تاركون له، وقال قتادة: حائرون، وقال الكلبي: معرضون. قال الإمام أبو حيان بعد ذكر هذه الأقوال: " وهذه أقوال متقاربة المعنى " (٣).
стр. 132
- " وهكذا كل من خالف الحق، لا بد أن يكون منحرفا في جميع أموره " (١) قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص:٥٠] ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ ... [سبأ:٨].
فالتعبير بلفظ الآخرة ذُكر في القرآن الكريم مطولا، فتارة يُذكر في مقام المدح، وتارة في مقام الذم للمكذبين به، أو المتناسين شأنه.
د- الإخبار عنها بذكر شيء من أحداثها وتفاصيل ما يجري فيها:
فذكر سبحانه جل في علاه ما يتعلق بالبعث وأنه حق فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم: ٥٦]، وقال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون:١٦] , وقال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام:٣٦].
стр. 133
وأشار إلى أن بعثهم في قدرته كخلقهم سواء، فقال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان:٢٨] قال الإمام ابن الجوزي: "ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعاً في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعاً في القدرة إلا كبعث نفس واحدة، قاله مقاتل" (١)، ولذا قال جل شأنه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة:٣ - ٤]، قال الإمام ابن كثير: " أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه - وهي أصابعه مستوية " (٢).
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ [الطارق:٨]، قال ابن عباس وقتادة والحسن، وعكرمة: إنه على رد الإنسان بعد الموت لقادر (٣). فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة (٤).
стр. 134
وهذا أيضاً من الأدلة على البعث، وهي من الطرق التي يسلكها القرآن الكريم لإثبات المعاد، "يستدل على ذلك بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥]، وكما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يس (٧٨)، وكما في قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ (الإسراء (٩٨)، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم (٢٧) " (١).
ولذا لما أتى الكذاب أبي بن خلف بعظم بال ففركه أمام النبي ﷺ وقال: (من يحي العظام وهي رميم، أنزل الله تعالى البرهان الساطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (يس (٧٩)، فانصرف مبهوتاً ببرهان نبوته، قال الإمام ابن كثير: " وهذا أقطع للحجة، وهو استدلاله للميعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، قادر على إعادتهم " (٢).
وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (الأعراف (٢٩)، دليل على المعاد، قال الإمام ابن القيم: " فإن الآية اقتضت حكمين: أحدهما: أنه يعيدهم كما بدأهم على عادة القرآن في الاستدلال على الميعاد بالبداءة" (٣).
стр. 135
وكذلك من الأدلة التي كررها الرب في كتابه مراراً، الاستدلال بالنظير على النظير كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ (الروم (١٩)، فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر بلفظ الإخراج، أي: يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي " (١).
ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ (الحج (٥)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ (الحج (٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (الحج (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت:٣٩]، فقد جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها، نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلاً على خمسة مطالب:
أحدها: وجود الصانع وأنه الحق المبين، الثاني: أنه يحي الموتى، الثالث: عموم قدرته على كل شيء، الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها، الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور، كما أخرج النبات من الأرض (٢).
стр. 136
قال الإمام ابن القيم: وقد كرر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مراراً لصحة مقدماته، ووضوح دلالته، وقرب تناوله، وبعده عن كل معارضة شبهة، وجعله تبصرة وذكرى، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ (ق (٧) ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) ﴿ق (٨)(١).
ومن الأحداث التي عرض لها القرآن الكريم عرضاً وافياً:
(مشاهد القيامة): الحساب، والحشر، والعرض، والميزان، وغيرها من الأهوال والأحوال والصفات، ولذا فإن عقيدة المعاد قد حظيت بنصيب وافر من الآيات القرآنية، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلم عن عالم الآخرة، حتى إنه قيل: إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح، قد بلغ أكثر من ألف آية (٢).
ومما يستدل به على المعاد، تسمية اليوم الأخر بأسماء تدل على أهميته وتعظيمه، ولذا أكثر القرآن الكريم من عرضها وبيانها.
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (المدثر (٨): الناقور: والحسرة والبطشة الكبرى، والتغابن، والتناد، هذا كله يوم القيامة.
وقال قتادة: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾، ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة:١ - ٢]: حقت لكل عامل عمله، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ قال: تعظيماً ليوم القيامة، وقال السدي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤]: هو يوم الدين هو يوم الحساب. وقال سفيان بن عيينة: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]: يوم يغبن أهل الجنة أهل النار، ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر:٣٢] يوم ينادي أهل النار أهل الجنة، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر:١٥]، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض (٣).
стр. 137
٢) الاستدلال على المعاد بخلق السموات والأرض (قياس الأولى) (١):
وقد بين الله هذا الدليل في القرآن الكريم في أكثر من آية فقال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ [الإسراء:٩٩].
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ (يس (٨١) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ (الأحقاف (٣٣) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (غافر (٥٧)، وهذا أبلغ الأدلة على المعاد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فإنه من المعلوم ببداهة العقول، أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك" (٢).
فالله أكد هذا القياس بضربٍ من الأولى، فقد دلهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث، فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدر على خلقكم، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته (٣).
стр. 138
قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف (٥٤)، أي: لابتداع خلق السموات والأرض عندكم من خلق الناس - إن كنتم تستعظمون خلق الناس- ولكن أكثر الناس لا يعلمون: أي لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هيّن على الله وفي هذا تنبيه من الله لمن كذب بالبعث، فنبههم أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم وإعادتهم (١).
فالذي خلق السموات والأرض، ولم يكرثه خلقهن، بل قال لها: كوني فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير (٢).
ومن هنا استدل على المشركين المنكرين للبعث بهذه الآيات في قدرته على البعث، فقال : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (النازعات ٢٧ يعني: " أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد (٣).
قال الإمام ابن عطية: " وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور، لا يتعذر على قدرة الله تعالى" (٤).
стр. 139
فمن تأمل عرف الحقيقة، ومن تفكر توصل إلى النتيجة، فأي الأمرين أشد وأصعب في تقديركم " أخلقكم بعد موتكم أم خلق السماء على عظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها " (١). ولذا يقول الإمام ابن القيم: " ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها، إما إخبارا عن عظمها وسعتها، وإما إقساماً بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالاً منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة" (٢).
(٣) تنبيه القرآن الكريم إلى النظر في العوالم الكونية يؤدي إلى إثبات اليوم الآخر:
كثيرا ما يُذكر المولى بآياته الكونية التي أُمرنا التفكر والتأمل والتدبر فيها، كما قال : ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف:١٨٥]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران:١٩٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة:١٦٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس:٦].
стр. 140
فهذه الآيات الكونية تدل على " أن هذا العالم البديع المحكم والمصنوع المتقن، الذي يسير بنظام وإحكام، لا يجوز في مقتضيات العقول الصحيحة أن يكون أمره عبثاً، ولا أن يكون بناؤه بطالاً، ويستحيل عقلاً أن يكون ليس وراءه حكمة عليا هي نتيجة لحكمة خلقه ونشأته، بل لا بد وأن هناك نشأة أخرى وراءه هذه النشأة، تظهر فيها نتائج التكاليف الشرعية، ويميز الله تعالى فيها الخبيث من الطيب والصالح من الطالح، والمسيء من المحسن ولولا تلك النشأة الآخرة لضاعت حكمة خلق هذا العالم، ولكان أمره عبثاً باطلاً: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ (آل عمران (١٩١) بل ولولا حقيقة الآخرة لضاعت حكمة الشرائع الإلهية الحكيمة القويمة، لأنه حينئذ يتساوى الحق والباطل، والعدل والظلم، والفساد والصلاح، وهذا أمر باطل محال كإحالة وبطلان تساوي الظلمة والنور والعمى والبصر، والجهل والعلم، والأحياء والأموات، وإلى هذا نبه الله العقلاء فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ (الحجر (٨٥)، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ (الدخان (٣٨)، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص (٢٧) " (١)،
стр. 141
سلْ هذه الكواكب العظيمة الخلق " من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها، وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء، وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفاته وكماله وربوبيته وحكمته ووجدانيته أعظم دلالة، فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر، فهي هداية في طريق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته، والمبدأ والمعاد والنبوة " (١).
ومن أعجب آيات الله الكونية الدالة على المعاد: الليل والنهار، قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (فصلت (٣٧)، " فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل الليل سكناً ولباساً، يغشى العالم فنسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسبتها وتطلعت إلى معيشتها وتصرفها، جاء فالق الإصباح النهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم، فإذا هم يبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر" (٢).
стр. 142
فالنظر في آيات الله تعالى ومخلوقاته، دليل يهدي إلى الحق والصواب، فكما أن في المفعولات من المصالح والحكم والغايات المحمودة الدالة على حكمته سبحانه، فكذا ما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دليل على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكانه (١)، ولذا كانت هذه الحياة بما فيها دليلاً على الحياة يوم المعاد (٢).
(٤) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الناس لهذا العالم المشاهد:
القرآن الكريم حافل بذكر النماذج والشواهد الدالة على إمكان المعاد وذلك بتحقق وجوده في الواقع الدال على عدم امتناعه، فقد ورد في النصوص ما يدل على البعث، استناداً إلى تحققه بالفعل في هذه
الحياة، وأنه إذا كان الله قد بعث بعض من مات في هذه الحياة، فهذا دليل على الإمكان الخارجي لبعث الأموات بعد موتهم (٣).
فالقرآن لم يكتف في بيان مكان المعاد بمجرد الإمكان الذهني، بل بين الأدلة التي تؤكد - يقيناً - وقوع المعاد فعلاً، وهو الإمكان الخارجي في الواقع (٤).
والوقائع المذكورة في القرآن الكريم التي حصل فيها الإحياء بعد الموت كثيرة، وهي أمثلة حسية مشاهدة، فيميتهم ربهم جل وعلا ثم يحييهم ليُبين لهم قدرته على ذلك، وهي أدلة محكمة لا تدع مجالاً للشك، ولا سبيلاً للتردد
(أ): قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
стр. 143
قال الربيع بن أنس: قوله " ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ": فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك كان عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليوفوا آجالهم (١).
والقائلون هذا الكلام، هم السبعون الذي حملهم موسى إلى الطور ليسمعوا كلام الله تعالى، فإنهم لما سمعوا كلام الله قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي: عياناً، "فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ" أي الموت. "وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت (٢).
وهذا دليل واضح، وبرهان ساطع، على إمكان وقوع المعاد، قال النحاس: وهذا احتجاج على من لا يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذا أخبروا بهذا (٣).
(ب): وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣].
فالشاهد من قصة قتيل بني إسرائيل: أن الله تعالى أحيا ميتهم بعد موته، فشهد على قاتله، ثم سقط ميتاً، وهذه من أعظم الآيات والدلائل على كمال القدرة الإلهية، فمن قدر على إحياء النفس واحدة، قدر على إحياء الأنفس كلها (٤) ١)، ففي الآية دليل على البعث في الآخرة.
وسواء كان الخطاب موجهاً لقوم موسى ﵇ أو كان موجهاً لمشركي قريش، فهو حجة ظاهرة بينة على البعث والمعاد.
стр. 144
"كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى": أي: إحياء كمثل هذا الإحياء (١)، الذي تشاهدونه وترونه واقعاً، ولا تدرون كيف وقع، ومثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر، إن المسافة بين طبيعة الموت، وطبيعة الحياة مسافة هائلة قدير الرؤوس، ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير، كيف؟ هذا مالا أحد يدريه، ولا يمكن لأحد إدراكه، إن إدراك الماهية الكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه في عالم الفانين، وإن كان في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بهما (٢)
(ج): وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة:٢٤٣].
أخبر الله تعالى أن أهل هذه القرية خرجوا من ديارهم ومنازلهم فارين من الطاعون. وقيل: من الجهاد في سبيل الله، فنزلوا وادياً أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فميزوا إلى حظائر، وبنا عليهم جدران وقبور وفنوا وتمزقوا، فلما كان بعد دهر، مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي حلماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة (٣)
стр. 145
ففي هذه القصة: تنبيه على المعاد، وأنه كائن لا محالة (١)، واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا (٢).
قال ابن كثير:" وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة " (٣).
(ء) وقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة:٢٥٩].
آية عظيمة من آيات الله الشاهدة على كمال القدرة، تفيد علماً جازماً قاطعاً بأن الذي يقدر على إحياء الرحم عن الرحم الحيواني، لقادر على إحياء النفس الميتة (٤)، فهذا الرجل جرت عليه هذه الأحداث المشاهدة، فأخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقن ذلك بالمشاهدة فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، أي: أعلم أن هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينه (٥).
(هـ) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى .... ﴾ [البقرة:٢٦٠].