سلْ هذه الكواكب العظيمة الخلق " من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها، وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء، وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفاته وكماله وربوبيته وحكمته ووجدانيته أعظم دلالة، فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر، فهي هداية في طريق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته، والمبدأ والمعاد والنبوة " (١).
ومن أعجب آيات الله الكونية الدالة على المعاد: الليل والنهار، قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (فصلت (٣٧)، " فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل الليل سكناً ولباساً، يغشى العالم فنسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسبتها وتطلعت إلى معيشتها وتصرفها، جاء فالق الإصباح النهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم، فإذا هم يبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر" (٢).
стр. 142
فالنظر في آيات الله تعالى ومخلوقاته، دليل يهدي إلى الحق والصواب، فكما أن في المفعولات من المصالح والحكم والغايات المحمودة الدالة على حكمته سبحانه، فكذا ما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دليل على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكانه (١)، ولذا كانت هذه الحياة بما فيها دليلاً على الحياة يوم المعاد (٢).
(٤) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الناس لهذا العالم المشاهد:
القرآن الكريم حافل بذكر النماذج والشواهد الدالة على إمكان المعاد وذلك بتحقق وجوده في الواقع الدال على عدم امتناعه، فقد ورد في النصوص ما يدل على البعث، استناداً إلى تحققه بالفعل في هذه
الحياة، وأنه إذا كان الله قد بعث بعض من مات في هذه الحياة، فهذا دليل على الإمكان الخارجي لبعث الأموات بعد موتهم (٣).
فالقرآن لم يكتف في بيان مكان المعاد بمجرد الإمكان الذهني، بل بين الأدلة التي تؤكد - يقيناً - وقوع المعاد فعلاً، وهو الإمكان الخارجي في الواقع (٤).
والوقائع المذكورة في القرآن الكريم التي حصل فيها الإحياء بعد الموت كثيرة، وهي أمثلة حسية مشاهدة، فيميتهم ربهم جل وعلا ثم يحييهم ليُبين لهم قدرته على ذلك، وهي أدلة محكمة لا تدع مجالاً للشك، ولا سبيلاً للتردد
(أ): قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
стр. 143
قال الربيع بن أنس: قوله " ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ": فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك كان عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليوفوا آجالهم (١).
والقائلون هذا الكلام، هم السبعون الذي حملهم موسى إلى الطور ليسمعوا كلام الله تعالى، فإنهم لما سمعوا كلام الله قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي: عياناً، "فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ" أي الموت. "وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت (٢).
وهذا دليل واضح، وبرهان ساطع، على إمكان وقوع المعاد، قال النحاس: وهذا احتجاج على من لا يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذا أخبروا بهذا (٣).
(ب): وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣].
فالشاهد من قصة قتيل بني إسرائيل: أن الله تعالى أحيا ميتهم بعد موته، فشهد على قاتله، ثم سقط ميتاً، وهذه من أعظم الآيات والدلائل على كمال القدرة الإلهية، فمن قدر على إحياء النفس واحدة، قدر على إحياء الأنفس كلها (٤) ١)، ففي الآية دليل على البعث في الآخرة.
وسواء كان الخطاب موجهاً لقوم موسى ﵇ أو كان موجهاً لمشركي قريش، فهو حجة ظاهرة بينة على البعث والمعاد.
стр. 144
"كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى": أي: إحياء كمثل هذا الإحياء (١)، الذي تشاهدونه وترونه واقعاً، ولا تدرون كيف وقع، ومثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر، إن المسافة بين طبيعة الموت، وطبيعة الحياة مسافة هائلة قدير الرؤوس، ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير، كيف؟ هذا مالا أحد يدريه، ولا يمكن لأحد إدراكه، إن إدراك الماهية الكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه في عالم الفانين، وإن كان في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بهما (٢)
(ج): وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة:٢٤٣].
أخبر الله تعالى أن أهل هذه القرية خرجوا من ديارهم ومنازلهم فارين من الطاعون. وقيل: من الجهاد في سبيل الله، فنزلوا وادياً أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فميزوا إلى حظائر، وبنا عليهم جدران وقبور وفنوا وتمزقوا، فلما كان بعد دهر، مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي حلماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة (٣)
стр. 145
ففي هذه القصة: تنبيه على المعاد، وأنه كائن لا محالة (١)، واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا (٢).
قال ابن كثير:" وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة " (٣).
(ء) وقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة:٢٥٩].
آية عظيمة من آيات الله الشاهدة على كمال القدرة، تفيد علماً جازماً قاطعاً بأن الذي يقدر على إحياء الرحم عن الرحم الحيواني، لقادر على إحياء النفس الميتة (٤)، فهذا الرجل جرت عليه هذه الأحداث المشاهدة، فأخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقن ذلك بالمشاهدة فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، أي: أعلم أن هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينه (٥).
(هـ) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى .... ﴾ [البقرة:٢٦٠].
стр. 146
أحب خليل الرحمن إبراهيم ﵊ الذي ملئ قلبه إيماناً ويقيناً أن يترقى في درجات اليقين من العلم إلى المشاهدة والمعاينة، فهو يعلم من كمال قدرة الله ، أنه يحيي ويميت، ولذا ناظر بها النمرود فقال: "ربي الذي يحيي ويميت"، فأحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة (١)، فقال: " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ".
قال الإمام الرازي: "وهي أيضاً دالة على صحة البعث" (٢).
ومع ما في هذه الآية الكريمة من دلالة على ولايته تعالى للمؤمنين، إلا إن فيها دليلاً واضحاً، وبرهاناً ساطعاً على فضل نبي الله إبراهيم، قال أبو السعود: وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل، وعن القرعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال عل أيسر ما يكون من الوجوه (٣).
فهاتان الآيتان المتتاليتان دليلان عظيمان محسوسان في الدنيا قبل الآخرة على البعث والجزاء، واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح، كما تدل عليه الآية الكريمة، والآخر على يد خليله إبراهيم (٤).
(و) وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ (الكهف (١٠ - ١٢)، وقال : ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ .... ﴾ [الكهف:١٩].
стр. 147
ما حصل لأهل الكهف من أحداث تُعد من كراماتهم، وإسباغ ألطاف الله تعالى عليهم، وهي في ذاتها دليل يقيني على البعث والمعاد، ولذا أشار لهذا المقصد الأساس من سرد أحداث هذه القصة فقال: " وكذلك أعثرنا عليهم" أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم، وكذلك أعثرنا عليهم، أي: أطلعنا عليم الفريق الذي كانوا في شك من بعث الأجساد، ليعلموا أن وعد الله حق: أي: في بعث الأجساد يوم القيامة. وأن الساعة لا ريب فيها: أي إتيانها لا شك فيه (١).
وقد ذكر غير واحد من السلف، أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث، وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك (٢)، فأطلعهم الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلوا بهم على صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل، يشبه من يموت ثم يبعث (٣) والنوم أخو الموت.
إن العبرة في خاتمة هؤلاء الفتية، هي في دلالتها على البعث، بمثل واقعي محسوس، يقرب إلى الناس قضية البعث، فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق وأن الساعة لا ريب فيها، وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومهم، وأعثر قومهم عليهم (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فإن قصة أصحاب الكهف هي من آيات الله، فإن مكثهم نياماً لا يموتون ثلاثمائة سنة آية دالة على قدرة الله ومشيئته، وأنه يخلق ما يشاء، وهي آية دالة على معاد الأبدان" (٥).
стр. 148
فهذه الشواهد الحية المذكورة في القرآن العزيز، مع ضميمة ما أثبته القرآن من معجزة المسيح عيسى ﵇ من إحياء الموتى بإذن الله، قال تعالى عن المسيح: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ..... ﴾ [آل عمران:٤٩].
فهذه الأمور التي قصها الله من إحياء الآدميين من بعد موتهم مرة بعد مرة ومن إحياء الحمار، ومن إبقاء الطعام والشراب مائة عام لم يتغير، ومن إبقاء النيام ثلاثمائة وتسع سنين، ومن تمزيق الطيور الأربعة، وجعلهن أربعة أجزاء على الجبال، ثم إتيانهن سعياً لما دعاهن إبراهيم الخليل ﵇ فيها أنواع من الاعتبار، منها: أن هذا من أعظم الدلالة عل إمكان معاد الأبدان، وإعادة الأرواح إليها، فإنه لا أدل على إمكان الشيء من وقوعه، أو وقوع نظيره، فلما كان هذا واقعاً، علم أنه ممكن (١).
(٥): أن الله أثبت إمكان الحشر والنشر، بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة (٢). فقد احتج على إمكان المعاد في هذه السورة بأمور أربعة:
الأول: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩].
وهذا احتجاج على المكذبين بالبعث بالقدرة على ابتداء الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس:٧٨] (٣)
стр. 149
ووجه الحجة عليهم: بهذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: أي: أأنتم تخلقون هذا المني حتى يصير فيه الروح، ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢) أي: بل نحن الخالقون.
قال الأزهري: " إن الله احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت في هذه الآية، وذلك أن المني الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه شخصًا حياً، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرون للإحياء بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة يلزمهم أن يقروا بإعادة الحياة في ميت، ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا " (١).
وقال الإمام الرازي في تقرير هذه الحجة بوجه بديع مفاده: " أن أجزاء المني الحاصل من فضلة الرحم يجمع أجزاء طلبه، وأن تلك الأجزاء كانت متفرقة، فكانت أولاً في أطراف العالم، فجمعها المولى سبحانه في بدن ذلك الحيوان، وكذا كانت متفرقة في أطراف بدن الحيوان، فجمعها الله في أوعية المني، ثم أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة، فجمعها الله سبحانه في أوعية المني، ثم أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم، وكوّن منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى" (٢).
الثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٤].
وهذه حجة أخرى على منكري البعث ووجهها:
стр. 150
أن هذا خطاب للمكذبين بالبعث يقول فيه المولى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر، أنتم تنبتونه وتحصلونه زرعاً، فيكون فيه السنبل والحب أم نحن نفعل ذلك؟ وإنما منكم البذر وشق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم (١).
فالقصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل ندرة، والخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق، ولو شاء لم تبدأ رحلتها، ولم تتم قصتها، ولجعلها حطاماً قبل أن يؤتى ثمارها، ولكن هي بمشيئته تعالى تقطع رحلهاً من البدء إلى الختام، وهي وصرة من صور الحياة التي تنشئها القدرة الإلهية وترعاها.
فماذا في النشأة الأخرى من غرابة، وهي هي النشأة الأولى؟ (٢)
الثالث: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].
ووجه هذه الحجة على المكذبين بالبعث:
أن الله تعالى يقول لهم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي: السحاب ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ أي: بل نحن المنزلون، فهو سبحانه ينبههم على عظيم قدرته (٣)، فكأنه يقول لهم: فإذا عرفتم بأني أنزلته، فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولم تنكرون قدرتي على الإعادة (٤).
стр. 151
وذكر الإمام الرازي (١) وجه الدلالة من الآية في الحجة على المكذبين بالبعث من عدة أوجه كلها تدل على جواز الحشر:
أولها: أن الماء جسم ثقيل بالطبع، واصعاد الثقيل، أمر على خلاف الطبع، فلا بد من قاهر يقهر الطبع، ويبطل الخاصية، ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول.
ووجه دلاله هذا الدليل على جواز الحشر: أن صعود الثقيل قلب للطبيعة، فإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء؟
ثانيها: أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها، فلما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها، فلِمَ لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟
ثالثها: تسييرها بالرياح، فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض الأجزاء المتجانسة إلى بغض، فلم لا يجوز ها هنا؟
رابعها: إنزالها في مظان الحاجة، والأرض الجرز، فإذا أنشأ السحاب لحاجة الناس، فهاهنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى.
الرابع: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٢].
قال أبو حيان:" والنار من أعظم الدلائل على البعث، وفيها انتقال من شيء إلى شيء، وأحداث شيء بعد شيء" (٢).
ووجه الدليل والحجة من الآية: هذه النار التي تظهر منها بالقدح من الشجر الرطب: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ أي: المخترعون الخالقون، فإذا عرفتم قدرتي فاشكروني، ولا تنكروا قدرتي على البعث (٣).
стр. 152
"فإن النار صاعدة، والشجرة هابطة، وأيضاً النار لطيفة، والشجرة كثيفة، وأيضاً نورانية، والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة، والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية، فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها " (١)!
إن أدلة إثبات المعاد وإمكانه كثيرة، ولها طرق عديدة، فمن طرقه التي يثبت بها غير ما ذُكر:
(أ) أن أسماء الله تعالى وصفاته، مستلزمة لإثبات المعاد واليوم الآخر، فمن تأمل" ما أخبر به الله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه، وظهور عزته تعالى وعظمته، وعدله، وفضله ورحمته، وأثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا لدار البقاء، لتعطلت وكماله سبحانه ينفي ذلك، وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسمائه وصفاته على وقوع المعاد" (٢).
فمن تأمل اسم الله السلام، وجده متضمنا للكمال السالم من كل ما يضاده فمن عرفه هذا الاسم، ووفاه معناه، وجده مستلزماً لإرسال الرسل ... وإنزال الكتب، وشرع الشرائع، وثبوت المعاد (٣).
وكذا اسمه الحميد المجيد ، يمنع ترك الإنسان سدى مهملاً معطلاً، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك (٤).
فهذه من موجبات أسمائه الحسنى ومقتضياتها الدالة على المعاد.
(ب) أن النظر في المفعولات، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف، ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد (٥).
стр. 153
(ج) ... أنك إذا فكرت في الأكل والشرب واللباس والجماع والراحة وسائر ما يستلذ به، رأيته يدفع بها ما قابله من الآلام والبليات، أفلا تراك تدفع بالأكل ألم الجوع، وبالشرب ألم العطش، وباللباس ألم الجحر والبرد، وكذا سائرها، ومن هنا قال بعض العقلاء: أين لذاتها لنا، هي دفع الآلام لا غير فأما اللذات الحقيقية فلها دار أخرى، ومحل آخر غير هذه، فوجود هذه الآلام واللذات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد، وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارين، دار خالصة للذات لا يشوبها ألم ما ودار خالصة للآلام لا يشوبها لذة ما، والدار الأول الجنة والدار الثانية النار (١).
(د) أن خلق آدم ﵇ من تراب، من أبين الأدلة على المعاد، وكذا قصة يحيى وعيسى ﵉، فإنه تعالى استدل على إمكانهما، بعين ما استدل به على جواز الحشر، حيث قال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم:٩]. ومن تأمل طريقة القرآن الكريم في إثبات المعاد واليوم الآخر، وجدها مغنية، كافية شافية، موصلة إلى المطلوب، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.
فالله يضرب الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه تارة أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة إلى إمكان المعاد، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه (٢).
وقد أشارت آيات سورة ياسين مجتمعة على أدلة البعث وإمكانه (٣).
стр. 154
فلما جاء المجادل المشرك المعاند المكذب، سرد له القرآن جملة أدلة المعاد، فذكّره مبدأ خلقه، ليدله به على النشأة الثانية، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] فهذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، فأجيب عن سؤاله حين سأل متعنتاً ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فهذا جواب ساطع، واستدلال قاطع على تكبره وتكذيبه، ثم أكد هذا المعنى بالإخبار بعموم علمه لجميع الخلق.
ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جلي، متضمن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس:٨٠] فالذي أخرج النار من ... الشجرة الخضراء، قادر على إخراج الأموات من قبورهم.
ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كل دليل، وهو خلق السموات والأرض مع عظمها وسعتها، وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما، فمن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم!
ثم قرر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه المستلزمة لما أخبر به فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) فكونه خلاقاً عليماً يقتضى أن يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من الخلق.
ثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها، لا يقصر عنه و، ولا عن شيء أبداً، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢] فلا يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذر عليه، بل يأتي طائعاً منقاداً لمشيئته وإرادته.
стр. 155
ثم زاده تأكيداً وإيضاحاً بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس:٨٣]، فنزه نفسه عما نطق به أعداؤه المنكرون للبعث والمعاد، معظّماً لها، بأن مُلك كل شيء بيده، يتصرف فيه تصرف المالك الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أي تنصرف شاءه فيه.
ثم ختم السورة بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ فكما أنهم ابتدؤوا منه هو فكذلك مرجعه إليه، فمنه المبدأ وإليه المعاد؟ وأن إلى رب المنتهى.
المطلب الثاني الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر
١ - دليل العدالة:
إن كمال العدالة الإلهية تقتضي وجود يوم آخر، يُحاسب في الناس على أعمالهم الحسنة والسيئة.
فإذا كان المخلوق منا يرفض التسوية بين الظالم والمظلوم، والمطيع والعاصي والمحسن والمسيء، والقاتل والمقتول، ويبذل جهذه لإقامة العدل (١)، فإن هذا أولى في مقتضى عدل الله تعالى، ولذا نجد القرآن يشير إلى هذه القضية ويؤكدها، بأنه لا مساواة بين المحسن والمسيء، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت:٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨].
стр. 156
وعليه: فلا بد من يوم يُثاب فيه المحسن، ويعذب ويعاقب فيه العاصي ويُميّز أحدهما عن الآخر (١)، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ... ﴾ [يونس:٤]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥] وقد بين الله جل وعلا مقر هذا الجزاء على الأعمال ووقته فقال: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ففي هذا اليوم العظيم تظهر آثار أسماء الله تعالى وصفاته، ويظهر فيه تمام عدله، وكمال ملكه .
ولما لم تكن هذه الحياة الدنيا صالحة لتحقيق معنى العدالة التامة من إثابة المطيع، وعقاب العاصي، كان لا بد من وجود يوم آخر يتحقق فيه معنى هذه العدالة، فيجازى كل بما كسب، قال تعالى عنه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢] وحيث إن الكثيرين من الطغاة في الدار الدنيا يدركهم الموت قبل أن يجرى الله فيهم عدله، فلا بد أن يكون من وراء الغيب وضع آخر يقوم فيه العدل الكامل، الأمر الذي يُنير للعقول الطريق إلى إثبات الحياة الثانية (٢).
٢ - دليل الحكمة:
إن كل ما يصدر عن الله تعالى له حكمة ظاهرة أو خفية تقتضيه، والله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم سدى، فحكمة الله البالغة تأبى ذلك، يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون ١١:٥ - ١١٦].
стр. 157
فالله تعالى يقول للمكذبين بالبعث ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: لغير بعث ولا حساب، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ أي: قد حسبتم ذلك فإنا لم نخلقكم عبثاً، وإنما خلقناكم للبعث والحساب (١).
فلم يخلق الخلق لعباً وعبثاً لا لحكمة، ولذا قال جل وعلا ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة:٣٦]، أي: لا يؤمر ولا يُنهى، وإنما خلقوا للعبادة وإقامة أوامر الله تعالى، والتي يقوم العقاب والحساب عليها، فالأساس الذي خلق الله لأجله الخلق من إنس وجن هو عبادته سبحانه وحده، وبها يثبت ويعاقب. وإلا لكان هذا الخلق عبثاً لا غاية له ولا هدف (٢)، ومن هنا لو كان الإنسان إنسان هذه الدنيا فحسب ينتهي بنهايتها، لكانت حياته تافهة لا معنى لها، رغم أن الله سبحانه سخر له كل شيء، ولم يُسخر لشيء أبداً ووهبه جميع أسباب الكمال من العقل والإرادة والقدرة، ولكانت الحكمة ناقصة، وغير كاملة فيما يتصل بخلقه ووجوده، ما لم يتدارك هذا النقص في الحكمة من وجوده في هذه الدنيا في عالم آخر وراء هذه الحياة، ليستوفي كل إنسان جزاء عمله، خيراً أم شراً (٣).
ومع التسليم بأن الإنسان قد خلق لحكمة وهدف ومقصد وغاية، إلا أنه متى قصر نظره على الحياة الدنيا، فلم يجد لوجوده حكمة أو معنى، إذ لا بدّ من حياة أخرى تتمم الحياة الأولى، وتعطي للوجود الإنساني قيمته ومعناه فلا يظهر معنى للوجود الإنساني إلا بالإيمان بهما (٤).
стр. 158
٣ - دليل الفطرة:
إن من طرق العلم ومفيداته التي توصل بها المرء إلى العلم بشيء من الأشياء، هو معرفته الوجدانية، وإحساسه الداخلي، وشعوره المتمثل في ألمه وفرحه وحزنه ورضاه وسعادته، وهذا الوجد والشعور مما فطر عليه البشر، ولذا فهم يسعون إلى ما يُلائم طباعهم الفطرية البشرية، ليستجلبوا أبواب السعادة والرضا.
ولما كانت هذه الحياة الدنيا مليئة بالمنغصات والمكدرات التي ربما أحلت السخط مكان الرضا، والبغض مكان الحب، والتي ربما عجز البعض عن إيجاد سبل للمواءمة بين يؤملون، مع ما طبعت عليه الحياة من الأكدار:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذار والأكدار
ومتكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (١).
فلما كانت طبيعة الحياة الدنيا قائمة على الكبد والمنغصات سعت النفس البشرية بما فطرت عليه للتطلع إلى حياة خالدة ولو في غير هذا العالم، تحيل السعادة فيها محل الشقاء، والفرح محل الحزن، والرضا محل السخط، والحب محل البغض، فجاءت الأديان السماوية تبشر بوجود حياة أخرى بعد الموت مليئة بكل معاني الفرح والحبور والسرور لمن أحسن العمل في دنياه. فهذا الشعور العام الذي ينازع النفس ويخالجها، دال على وجود حياة ثانية (٢).
ومن سرد هذه الأدلة يُعلم: أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل وواقع بالسمع، فإن الله نبه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب وذكر بما هو مستقر في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشد الإنكار وهذا شيء مشاهد محسوس (٣).
стр. 159
ولذا فالمؤمن الذي يمعن النظر في مشاهدة هذا الكون ونواميسه، ويلمس فيه ما يذهب بلبه، يملك عليه شعوره من العظمة والإتقان، يجد كل الطمأنينة والحق في إثبات الحياة الآخرة، ويجد أن الحياة الأخروية ليست مما يخرج عن طاق القدرة الإلهية، قدرة مبدع هذا الكون ومدبره، ولا عن حكمته السامية (١).
وقد أشار بعض الفضلاء إلى أن أدلة البعث تنتظم الجواز والوجوب، قال الإمام عبد الرحمن بن نجم العبادي الحنبلي: " والأدلة على البعث جوازاً ووجوباً: أما الجواز، فالنظائر الحسية، وأما الوجوب، فما وعد الله تعالى به من البعث والإعادة، وإكرام الطائعين بجنته، وإهانة المجرمين بعقوبته، وما اقتنع للخلق بتكرير وعده الصادق حتى حلف على ذلك في عدة مواضع " (٢).
стр. 160
الفصل الثاني: اليوم الآخر في الكتاب والسنة
، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان.
المطلب الثاني: اليوم الآخر في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صور العناية النبوية باليوم الآخر.
المطلب الثاني: أسباب عناية السنة باليوم الآخر.
стр. 161
المبحث الأول: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان.
المطلب الثاني: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه ثلاث مسائل:
١ - صور العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.
٢ - أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.
٣ - نتائج العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.
стр. 162
المبحث الأول (اليوم الآخر في الكتاب العظيم)
المطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان:
لما كان القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم والمهيمن على كل الكتب السماوية السابقة، كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .... ﴾ [المائدة:٤٨].
فالقرآن الكريم مهيمن، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩] (١).
والقرآن الكريم: تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، حث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة (٢).
فلما كان القرآن الكريم بهذه المثابة العظيمة، جعله الله كتاب نور وهداية، يجد فيه كل حيران بغيته، ويرد كل هائم إلى مورده، قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... ﴾ [الإسراء:٩].
فهذه الآية الكريمة، أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خير الدنيا والآخرة (٣).
وهداية القرآن تمتاز بأنها: عامة وتامة وواضحة، أما عمومها: فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.
стр. 163
وأما تمام هذه الهداية: فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية، وعرف التاريخ من هدايات الله والناس، وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها، وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذي يعيش فيه، ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد.
وأما وضوح هذه الهداية: فلعرضها عرضاً رائعاً مؤثراً، توافرت فيه كل وسائل الإيضاح، وعوامل الإقناع (١).
ومن هذا المنطلق: يمكننا الوصول إلى بعض مكامن النور والحق والهداية والبيان في هذا القرآن العظيم، ونبين أوجه وطرق هداية القرآن، وبيانها للأدلة النقلية العقلية التي تخاطب الشعور والوجدان تارة، وتخاطب العقول تارة أخرى، فمن مميزات طرق الهداية في القرآن الكريم:
شمولها في البيان، فما احتاج الناس لشيء مما يهمهم، أو يشغل بالهم إلا وفي القرآن بيانه، سواء كان فيما يحتاجونه من أمور معاشهم أو معادهم. ولذا نجد أن القرآن في شموله تحدث عن:
الإلهيات وما يتعلق بها، وأفاض في ذكر الشواهد الدالة عليها، ودحض شبه المنكرين لها، كل ذلك بأوجه إقناعية ميسرة، إذ القرآن الكريم، يميل ... إلى اليسر والسهولة وينأى عن التعقيد والصعوبة. (٢)
وتحدث القرآن عن المعاد واليوم الآخر وما فيه من أهوال وشدائد، كل ذلك بأسلوب عقلي يوافق الفطر السليمة، وتتوافق معه النفوس المستقيمة.
وقد قيل: إن للقرآن طريقة موحدة في التعبير، يتخذها في أداء جميع الأغراض على السواء، حتى أغراض البرهنة والجدل، تلك هي طريقة التصوير التشخيصي، بوساطة التخييل والتجسيم (٣).
стр. 164
وهذه الطريقة تصدق على بعض المعاني القرآنية دون بعض، فالمعاد لما كان إثبات وقوعه وإمكانه ثابتاً، وجدنا أن القرآن الكريم، أثبته بصور عقلية تارة وبصور حسية تارة أخرى.
ولذا نجد في القرآن صورة تشخيصية ماثلة أمام منكري البعث حينما قالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء:٤٩] فاستبعدوا بعقولهم الفاسدة، البعث بعد الموت، بعد أن تصبح عظامهم تراباً وحطاماً فكان منبع قولهم الإنكار، فرد الله تعالى عليهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ .. ﴾ [الإسراء:٥١] أي: قل لهم يا محمد كونوا حجارة أو حديداً، في الشدة والقوة، وليس هذا بأمر إلزام، بل هو أمر تعجيز، أي استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديدا في القوة، أو خلقاً مما يكبر في صدوركم، فقيل: السماء والأرض والجبال، وقيل: إنه الموت، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: ولو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ من يبعثنا بعد الموت. ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: خلقكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة (١).
وأيضاً تحدث القرآن عن النبوات، وما جرى للأنبياء مع أقوامهم، وسرد أدلة وبراهين أدلة إثبات النبوة والرسالة بما أجرى على أيديهم من المعجزات، وما تمثل في أشخاصهم الشريفة الطاهرة، التي علم الله تعالى، نزاهتها وصلاحها للرسالة فاختارها جل وعلا لرسالته فقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ .. ﴾ [الأنعام:١٢٤].
ومن مميزات طرق الهداية في القرآن الكريم:
стр. 165
- ما اشتمل عليه القرآن العظيم من صور الإعجاز، فالقرآن لما كان المصدر الرئيسي للمعرفة، تجلى إعجازه في أمور كثيرة: في نظمه وبلاغته، وقصصه وأخباره، وما نطوى عليه من الغيبيات، وما أشار إليه من حقائق هذا الكون الفسيح "ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز" (١).
- وكيف لا يكون معجزاً، وقد احتوى على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة.
- وكيف لا يكون معجزاً، وهو محفوظ عن الزيادة النقصان، محروس عن التبديل والتغيير على تطاول الأزمان، بخلاف سائر الكتب.
- وكيف لا يكون معجزاً، وفيه من حسن تأليفه، وإلتئام كلمه، وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه، ووجوه إيجازه وبلاغته، ما لا يوجد له نظير (٢).
- أن إعجاز القرآن الكريم يظهر في أسلوبه، وبلاغته، وبيانه وتشريعاته (٣).
وكذا ما تميز به القرآن الكريم من أوجه الإقناع وأساليب مخاطبة العقل فالقرآن يعتبر رسالة إقناعية خاطبت العقل البشري من خلال استراتيجيات محددة، وأساليب إقناعية.
ومن بين تلك المداخل المختلفة للإقناع: محاولة التغيير في البناء النفسي للفرد فإثارة حاجياته أو دوافعه أو اتجاهاته، ومن تلك الأنواع الشائعة في هذا المجال: إثارة توقعات المتلقي، بأن قيامه بسلوك معين، سوف يجنيه أخطاراً أو حرماناً، أو يؤدي إلى فقدانه القبول الاجتماعي، ويظهر هذا جلياً في أسلوب الترغيب والترهيب في القرآن الكريم (٤).
стр. 166
والإقناع القرآني يقوم على: اعتماد التأثير الوجداني بمخاطبة النفوس والضمائر من خلال الترغيب والترهيب، ومخاطبة العقل بالحجج والبراهين العقلية المنطقية (١).
ومن الأدلة القرآنية التي تنطوي على نوع من الإقناع المباشر:
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء:٥٠]، ضرب الله مثلاً بالحجارة في الصلابة، ووصفها بالقسوة، وقارب بينها وبين الحديد وهي صفات يعرفها عامة الناس، ويلمسونها في حياتهم اليومية، ولذلك فإن لها قوة الإقناع المباشر (٢).
ومن الوسائل الإقناعية في القرآن الكريم:
الأمثال، والقسم والجدل: ذلك أن الإقناع إما بالتقريب والإبراز للمعقول في صورة المحس، وذلك هو المثل، وإما بتوكيد الخبر، وطريقة القسم، وإما بالحجة وطريقة الجدل (٣).
وأخذ أسلوب الحوار وعرض الآراء في القرآن الكريم، جانباً واسعاً منه إذ هو سبيل للوصول إلى الحقائق، وكشف الشبهات، ولذا دعا القرآن الكريم إلى الحوار مع الآخرين حواراً رفيعاً مهذباً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] (٤).
تجلت في هذه الآيات صورة من صور الحوار الهادف المقنع، وذلك أن صاحب الجنتين افتخر على صاحبه بأنه أكثر خدماً وحشماً وولداً، ولذا دخل جنته وهو ظالم لنفسه، أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وذلك اغتراراً منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: وما أظن الساعة قائمة، أي كائنة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً: أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا، لأني محظيّ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، حينها قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالله خلقتك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .. ﴾ [البقرة:٢٨]، أي: كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه معدوماً ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستنداً إلى شيء من المخلوقات، لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولذا قال: (لكنا هو الله ربي) (١).
ومن بيان القرآن وهدايته، حكاية المجادلات وإقامة الحجج والبراهين الساطعة، فإذا تأملت القرآن رأيته مملوء من جدال أهل الباطل وحجاجهم بأحسن طريق، وأوضح برهان، وأقوم حجة، وأبين دليل، ورأيت معارضته لشبه أهل الباطل، وذكرها ونقضها بما يشفي ويكفي، وهو دافع لأهل الباطل (٢).
стр. 169
وقد حكى القرآن الكريم جملة من المناظرات، وأوجها من المجادلات منها حكاية المناظرة بين الملائكة وإبليس، وكذا المناظرة بين إبراهيم الخليل والنمرود، قال الإمام القرطبي بعد حكاية هذه المناظرة: " وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير ممن تأمله " (١).
ومن أوجه الهداية والبيان في طرائق القرآن الكريم:
معالجة القرآن الكريم لكثير من القضايا المجتمعة عن طريق السؤال والجواب، والقرآن فيه الكثير من هذه الإجابات لكثير من الأسئلة التي كانت تلامس حياة الناس، وقد تميزت إجابات القرآن الكريم بمجموعه ميزات وخصائص (٢) منها:
- اتصالها بالواقع إذ تستمد الإجابات من واقع السائلين، ومما يدور ويجري في حياتهم، فإذا سألوا عن الخمر والميسر، كانت الإجابة موجهة للرجوع إلى الواقع، والنظر إلى ما تحدثه الخمر وما يؤدي إليه الميسر في واقع حياتهم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة ٢١٩]، ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
- والإقناع العقلي، فلا تجد العقول غضاضة في قبولها والتسليم بها.
стр. 170
- واغتنام الفرص للتوجيه والإرشاد والإصلاح، فحين سأل القوم عن الأهلة ناسب التوجيه نحو السلوك الصحيح ومجانبة السلوك غير السوي، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة:١٨٩].
- والتوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية فيما لا طائل تحته، كمن يسأل عن أمور لا يستطيع العقل إدراكها وفهمها لأنه أكبر من قدراته مهما بلغت، وأعظم من أن يصل إليها بعلومه ومعارفه، قال تعالى: ... ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء:٨٥].
ومن أوجه البيان والهداية في طرائق القرآن الكريم:
ما انطوى عليه هذه الكتاب العزيز من معالم الأكوان والغائبة والشاهدة، والماضية والحاضرة والمستقبلة، وما فيه من سرد أخبار الماضيين، وبيان عوالم يوم الدين، كل ذلك بأسلوب أخّاذ، يهذب النفوس، ويجذب القلوب وينير العقول.
نجد هذه المعالم والعوالم مبثوثة في كتب الله تعالى، تتكرر في أكثر من موضع لا يجد القارئ إملالاً من كثرة التكرار، فإن في التكرار يتعاظم النفع من الزجر والوعظ (١).
ولما كان المقصود الأعظم من القرآن بيان المبدأ والمعاد (٢)، استفاضت أخباره وتكرر في القرآن بيان أحواله. فالقرآن الكريم يشير إلى المعاد بطرق كثيرة ويتحدث عن الآخرة بأساليب عديدة.
стр. 171
فيخبر عن المعاد بطريق مباشر، وذلك: ببيان إمكانه، والإخبار بتحقق وقوعه، وإقامة البراهين الكافية لإثباته، بما يدفع كل لبس وشبهة، ويسقط معها كل جدال وافتراء، وكذا يخبر القرآن عن المعاد بطريق غير مباشر حيث يتمثل في تصوير واستعراض مشاهد القيامة، غير ملتفت إلى المنكرين وإن كان المقصود في النهاية التأثير عليهم (١).
وكذا يخبر القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم، فيجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع، بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان:٣٣] ... (٢).
ولذا فإن في القرآن من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل (٣).
إذن: فخصائص القرآن الكريم ومميزاته وطرائقه تقوم على أمور منها (٤):
١ - الثراء والتنوع والتكرار الجاذب للنفوس.
٢ - ملاءمته للفطرة، وخلوها من التعقيد، ومناسبتها للجميع.
٣ - اليسر في المضمون، والوضوح في اللفظ والمعنى.
٤ - حشد الأدلة البراهين للدلالة على المقصود، بأسلوب مقنع، مستند على المنطق السليم، والبرهان الصحيح.
стр. 172
٥ - رد كل الشبهات والشكوك، ومجادلة المخالفين بالحجة والبرهان، ودحض ادعاءات المنكرين والمكذبين بأسئلة تتوخي زعزعة تقاليدهم ومعتقداتهم الباطلة، وتهدف إلى توجيههم للنظر في آيات الله، من أجل بناء قناعات ومواقف صحيحة (١).
المطلب الثاني اليوم الآخر في القرآن الكريم
حظي ركن الإيمان باليوم الآخر، بعناية خاصة، ورعاية فائقة، ولذا نجد القرآن الكريم "كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال اليوم الآخر وتفاصيل ما فيه، وتقرير ذلك بأصدق الأخبار، وضرب الأمثال للاعتبار" (٢).
ومن هنا حظيت "عقيدة المعاد بنصيب وافر من الآيات القرآنية، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلم عن عالم الآخرة حتى إنه قيل: إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح، قد بلغ أكثر من ألف آية" (٣).
ولما كان النبي ﷺ آخر الأنبياء والمرسلين، وعلى أمته تقوم الساعة، كثر الحديث عن الآخرة، والبحث من تفاصيلها، حتى جاء مفصلاً مبيناً موضحاً بأخبار لا تقبل التشكيك ولا الرد، ولا التأويل ولا الصد.
"والمتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة، يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدافعة لمنكري اليوم الآخر " (٤).
وكذا المتتبع يرى أن القرآن الكريم،" قد أحاط بكل شبهات المشركين ورد مقولاتهم الآثمة، وأراهم المستقبل أمامهم كأنهم يشاهدونه في الدنيا حتى لا تبقى لهم حجة ولا شبهة " (٥).
стр. 173
وهذه العناية والرعاية بقضايا وأحوال اليوم الآخر لها صور وأسباب ونتائج: المسألة الأولى: صور العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:
فأما صور العناية بالمعاد واليوم الآخر، في القرآن الكريم، فقد أخذت عدة أشكال، يلحظها كل من وقف وتأمل في أساليب القرآن العجيبة.
المسألة الأولى صور عناية القرآن الكريم باليوم الآخر:
١ - الإكثار من ذكر أسماء القيامة وأوصافها، فلا تكاد تمر على موضع من القرآن الكريم إلا وفيه ذكر وإلماح، إما لأسماء الآخرة، وما تحويه من معان عظيمة، يخفق القلب، ويرتجف الفؤاد حين سماعها، أو تلاوتها، وإما لأوصاف ويشاهد وأحوال الآخرة، وما فيها من الأهوال.
ولما كان المشركون المنكرون لبعث الأجساد، يعيشون في محيط تنزل الشرائع في مكة قبل الهجرة للمدينة، نجد أن غالب السور المكية امتازت عني غيرها من السور المدينة بخصائص منها: الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء، وذكر القيامة وهولها والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية (١).
٢ - الترابط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر، فالقرآن الكريم ذكر هذا الترابط في أكثر من آية، مما يدل على أهميته.
قال تعالى في ثنايا سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة:٦٢].
стр. 174
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة:١٢٦].
وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧].
وقال سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..... ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .... ﴾ [البقرة:٢٣٢].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .... ﴾ [البقرة:٢٦٤].
ومن أسرار هذا الترابط الوثيق بين هذين الركنين، أن من آمن بالله تعالى واليوم الآخر، وعلم علم اليقين بوقوع الجزاء والحساب، استقام في هذه الحياة على طاعة الله تعالى، فتكرار الاقتران دليل الأهمية، إذ إن اليوم الآخر هو محل الترغيب والترهيب للعبد، الموجب للقيام بحق الله تعالى.
٣ - كثرة الآيات الدالة على المعاد واليوم الآخر بالتصريح أو التلميح.
والقرآن الكريم مليء بمثل هذه الآيات الدالة على أمر المعاد، ومن أمثلتها:
стр. 175
قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤]، "قال مجاهد: ملك يوم الدين أي: يوم الحساب " (١).
فهو مالك يوم البعث والجزاء وذلك "أنه لا بدّ من الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء. واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم، ثم إنه لا ينتقم منه، فذلك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضياً بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا، وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا" (٢).
قال الإمام ابن مفلح:" ومالك يوم الدين، يدل على المعاد " (٣).
وقال الإمام ابن القيم عن هذه السورة العظيمة (الفاتحة) التي وردت فيها هذه الآية: "اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنها أكمل تضمن ... وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حسنها وسيئها، وتفرد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق وكون حكمه بالعدل، وكل هذا تحت قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ " (٤).
فلما كان علم المعاد من أشرف علوم الخلائق أكثر الله تعالى من ذكره، وأبان بعض أحواله، قال الإمام ابن القيم:" أشرف علوم الخلائق: علم الأمر والنهي، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر " (٥).
стр. 176
٤ - الإقسام به في أكثر من موضع، دليل اهتمام وعناية بِشأن المعاد، وقد أقسم الله تعالى على الجزاء والوعد والوعيد، قال جل وعلا: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ١ - ٦].
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨].
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧].
وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يُقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس:٥٣]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ:٣]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧].
قال الإمام ابن القيم:" فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها، يأمر نبيه أن يُقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد " (١).
ولما كانت النفوس في أشد الحاجة لمعرفة أمر المعاد والإيمان به، أقسم عليه ... وأمر رسوله أن يقسم عليه، وقرره بأبلغ تقرير، وبينه بأحسن بيان.
стр. 177
٥ - إقامة البراهين القطعية الدالة على المعاد واليوم الآخر، سواء كانت هذه البراهين والدلائل نقلية، وهي كثيرة مستفيضة، وقد جاءت بأوجه متعددة أم كانت براهين ودلائل عقلية، أم براهين ودلائل حسية مشاهدة فالقرآن الكريم أكثر من ذكر هذه البراهين القطعية، ليقطع الطريق على المكذبين، ويوقظ فطر المنحرفين.
والناظر والمتأمل فيما حكاه الله تعالى عن الآيات التي أيّد الله تعالى بها أنبياءه ورسله، والدالة على صدقهم، يجد أنها متضمنة لدلائل أخرى منطوية تحت هذه الآية، فالمعجزة، لا تقتصر دلالتها على إثبات صدق النبي، بل إن علماء السلف يرون أنها موصلة إلى إثبات توحيد الربوبية، وإثبات صفاته تعالى وإثبات المعاد (١).
فالعصا الجماد التي كان موسى ﵇ يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، قلبت عينها إلى حية تسعى بقدرة الله تعالى، فهي مع كونها دالة على صدق نبوة نبي الله موسى ﵇ إلا أنها تدل على جملة من الدلائل والبراهين العقائدية، كإثبات القدرة الإلهية، والدلالة على الربوبية ,إثبات المعاد، إذ الذي جعل الحياة في جماد، قادر على الإعادة مرة أخرى.
وناقة نبي الله صالح ﵇ -آية له ـ تدل على صدق دعواه، فهي آية عظيمة تدل على النبوة والرسالة، وتدل على البعث والمعاد، فمن أخرجها من صخرة صماء من غير عادة ولا طبيعة، فهو قادر على إعادة البشر مرة أخرى بعد موتهم (٢).
المسألة الثانية: أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:
وأما أسباب العناية بالمعاد واليوم الآخر في القرآن الكريم فكثيرة، يجدها المتبع والدارس لتاريخ الجاهلين وبقايا أهل الكتاب وغيرهم ممن بُعث إليهم النبي ﷺ فالجاهليون وبقايا أهل الكتاب وغيرهم من بُعث إليهم النبي ﷺ فالجاهليون كانوا أشد الناس إنكاراً وتكذيباً للمعاد، وإن كان قد وجد فيهم من يقر به، إلا أن الغالبية العظمى منهم كانوا ينكرونه، ويجادلون فيه.
стр. 178
وبقايا أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالمعاد إيماناً عاماً مجملاً، يجهلون كثيراً من حقائقه، ولا يقرون بحقوقه، ولذا قال تعالى عنهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].
وهنا أورد سؤالاً مفاده: كيف يُفهم معنى هذه الآية الكريمة، مع ما عُلم من أن أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟
فأجيب عنه بأوجه (١):
١ - بأنهم لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، فصار إيمانهم كلا إيمان، فإنهم في اليوم الآخر على خلاف ما يجب، حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب، ولا نكاح، واعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجساد.
قال أبو حيان:" والمنقول عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يعتقدون البعث الروحي" (٢)، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر (٣).
٢ - أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم الجرم.
٣ - أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب بجميع حقوقه، فكانوا يترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرب به.
٤ - أنه ذمهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في الذم بالكفر كغيرهم.
وأسباب العناية باليوم الآخر في القرآن كثيرة منها:
стр. 179
١ - بروز راية المنكرين للبعث والمعاد، فإن المنكرين له كثيرون، بخاصة في زمن التشريعات المكية، التي كانت راية الإنكار فيه ظاهرة ... وبروز المجادلة فيه بينة، فلما كان المنكرون له كثيرون، وكان النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، وكان قد بُعث هو والساعة كهاتين وكان هو الحاشر المقفي، بين تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء (١).
ومن هنا كان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول ﷺ في مواجهة السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر (٢).
ومن المناهج الجدلية في القرآن التي عالجت هذا الجانب المفرط في التكذيب والإنكار لليوم الآخر:
- إيراد الحجج والبراهين الدامغة في الرد عليهم.
- إيراد الشبه والدعاوي الباطلة التي ترد على ألسنة هؤلاء المكذبين والمشككين، فيتولى القرآن الكريم دحضها والرد عليها.
وكان من الممكن أن يعرض القرآن الكريم عن مجادلة منكري البعث فيثبت حقيقته مباشرة بمختلف الأدلة الحسية والعقلية دون الالتفات إلى ما أثاره المشركون من شبه، ولكنه عمد إلى عرض شبه المنكرين وجادلهم لمرامي عظيمة، تهدف إلى الإجابة عن كافة التساؤلات التي من الممكن أن تشغل الفكر الإنساني على مر الزمان (٣).
٢ - حاجة الناس الملحة لمعرفة بعض المعارف الإلهية المتعلقة بالمعاد، فكما أن الفكر الإنساني تطلع لمعرفة المبدأ، فكذلك كان هو أشد تطلعاً لمعرفة المعاد وكيف يكون؟ وما فيه من أخبار وأحوال؟
ولما كان الوصول لهذه المعارف محصوراً في الوحي دون غيره من مفيدات العلم، ومدركات المعرفة أفاض القرآن الكريم بذكر أخبار المعاد وتفاصيله ومجريات أحداثه، على وجه يكشف الحجب عما تطلعت إليه النفس البشرية من معارف.
стр. 180
٣ - الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة، فحين كانت الدنيا بحلاوتها وخضرتها وجمالها سببا في تشبث النفوس بها، وتعلق القلوب بما فيها ... المؤدي إلى نسيان الآخرة أو التغافل عنها، أكثر القرآن الكريم من ذكر أوصاف الآخرة بما فيها من نعيم وجحيم، لتكون حصناً منيعاً، وسدا مشيداً، يقف أمام شهوة النفس البشرية، ليمنعها من الوقوع في ملهيات الدنيا والسقوط التام في شهواتها، ومن هنا نفهم مدى العلاقة في الربط بين المعصية في القرآن وبين إنكار اليوم الآخر أو التغافل عنه.
وقد أظهرت الآيات الكريمات التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، فحين جاءت محذرة من الانخراط التام في الدنيا، لم تغفل حاجة النفس البشرية والفطرية للتعامل الدنيوي، فجاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
وحين يكون الركون إلى الدنيا سبباً للتثاقل عن أمر الله تعالى، يكون هذا الركون مذموماً، فتأتي الآيات الكريمات بذمه والتحذير منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة:٣٨].
ولذلك تأتي الآيات الشريفات لتؤكد "على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يوماً يجازى في المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى، والمصير مجهول، ولا وازع نفسي، ولا ضمير حي" (١).
ومن هنا " جاءت الأغلبية العظمى من آيات القرآن الكريم وسوره، تؤكد طلب الإيمان بالبعث، والعمل والاستعداد له، وتستأصل شأفة الشبه التي تقوم في سبيل تحققه وصدقه ووقوعه" (٢).