٤ - الإقسام به في أكثر من موضع، دليل اهتمام وعناية بِشأن المعاد، وقد أقسم الله تعالى على الجزاء والوعد والوعيد، قال جل وعلا: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ١ - ٦].
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨].
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧].
وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يُقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس:٥٣]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ:٣]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧].
قال الإمام ابن القيم:" فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها، يأمر نبيه أن يُقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد " (١).
ولما كانت النفوس في أشد الحاجة لمعرفة أمر المعاد والإيمان به، أقسم عليه ... وأمر رسوله أن يقسم عليه، وقرره بأبلغ تقرير، وبينه بأحسن بيان.
стр. 177
٥ - إقامة البراهين القطعية الدالة على المعاد واليوم الآخر، سواء كانت هذه البراهين والدلائل نقلية، وهي كثيرة مستفيضة، وقد جاءت بأوجه متعددة أم كانت براهين ودلائل عقلية، أم براهين ودلائل حسية مشاهدة فالقرآن الكريم أكثر من ذكر هذه البراهين القطعية، ليقطع الطريق على المكذبين، ويوقظ فطر المنحرفين.
والناظر والمتأمل فيما حكاه الله تعالى عن الآيات التي أيّد الله تعالى بها أنبياءه ورسله، والدالة على صدقهم، يجد أنها متضمنة لدلائل أخرى منطوية تحت هذه الآية، فالمعجزة، لا تقتصر دلالتها على إثبات صدق النبي، بل إن علماء السلف يرون أنها موصلة إلى إثبات توحيد الربوبية، وإثبات صفاته تعالى وإثبات المعاد (١).
فالعصا الجماد التي كان موسى ﵇ يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، قلبت عينها إلى حية تسعى بقدرة الله تعالى، فهي مع كونها دالة على صدق نبوة نبي الله موسى ﵇ إلا أنها تدل على جملة من الدلائل والبراهين العقائدية، كإثبات القدرة الإلهية، والدلالة على الربوبية ,إثبات المعاد، إذ الذي جعل الحياة في جماد، قادر على الإعادة مرة أخرى.
وناقة نبي الله صالح ﵇ -آية له ـ تدل على صدق دعواه، فهي آية عظيمة تدل على النبوة والرسالة، وتدل على البعث والمعاد، فمن أخرجها من صخرة صماء من غير عادة ولا طبيعة، فهو قادر على إعادة البشر مرة أخرى بعد موتهم (٢).
المسألة الثانية: أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:
وأما أسباب العناية بالمعاد واليوم الآخر في القرآن الكريم فكثيرة، يجدها المتبع والدارس لتاريخ الجاهلين وبقايا أهل الكتاب وغيرهم ممن بُعث إليهم النبي ﷺ فالجاهليون وبقايا أهل الكتاب وغيرهم من بُعث إليهم النبي ﷺ فالجاهليون كانوا أشد الناس إنكاراً وتكذيباً للمعاد، وإن كان قد وجد فيهم من يقر به، إلا أن الغالبية العظمى منهم كانوا ينكرونه، ويجادلون فيه.
стр. 178
وبقايا أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالمعاد إيماناً عاماً مجملاً، يجهلون كثيراً من حقائقه، ولا يقرون بحقوقه، ولذا قال تعالى عنهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].
وهنا أورد سؤالاً مفاده: كيف يُفهم معنى هذه الآية الكريمة، مع ما عُلم من أن أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟
فأجيب عنه بأوجه (١):
١ - بأنهم لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، فصار إيمانهم كلا إيمان، فإنهم في اليوم الآخر على خلاف ما يجب، حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب، ولا نكاح، واعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجساد.
قال أبو حيان:" والمنقول عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يعتقدون البعث الروحي" (٢)، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر (٣).
٢ - أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم الجرم.
٣ - أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب بجميع حقوقه، فكانوا يترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرب به.
٤ - أنه ذمهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في الذم بالكفر كغيرهم.
وأسباب العناية باليوم الآخر في القرآن كثيرة منها:
стр. 179
١ - بروز راية المنكرين للبعث والمعاد، فإن المنكرين له كثيرون، بخاصة في زمن التشريعات المكية، التي كانت راية الإنكار فيه ظاهرة ... وبروز المجادلة فيه بينة، فلما كان المنكرون له كثيرون، وكان النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، وكان قد بُعث هو والساعة كهاتين وكان هو الحاشر المقفي، بين تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء (١).
ومن هنا كان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول ﷺ في مواجهة السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر (٢).
ومن المناهج الجدلية في القرآن التي عالجت هذا الجانب المفرط في التكذيب والإنكار لليوم الآخر:
- إيراد الحجج والبراهين الدامغة في الرد عليهم.
- إيراد الشبه والدعاوي الباطلة التي ترد على ألسنة هؤلاء المكذبين والمشككين، فيتولى القرآن الكريم دحضها والرد عليها.
وكان من الممكن أن يعرض القرآن الكريم عن مجادلة منكري البعث فيثبت حقيقته مباشرة بمختلف الأدلة الحسية والعقلية دون الالتفات إلى ما أثاره المشركون من شبه، ولكنه عمد إلى عرض شبه المنكرين وجادلهم لمرامي عظيمة، تهدف إلى الإجابة عن كافة التساؤلات التي من الممكن أن تشغل الفكر الإنساني على مر الزمان (٣).
٢ - حاجة الناس الملحة لمعرفة بعض المعارف الإلهية المتعلقة بالمعاد، فكما أن الفكر الإنساني تطلع لمعرفة المبدأ، فكذلك كان هو أشد تطلعاً لمعرفة المعاد وكيف يكون؟ وما فيه من أخبار وأحوال؟
ولما كان الوصول لهذه المعارف محصوراً في الوحي دون غيره من مفيدات العلم، ومدركات المعرفة أفاض القرآن الكريم بذكر أخبار المعاد وتفاصيله ومجريات أحداثه، على وجه يكشف الحجب عما تطلعت إليه النفس البشرية من معارف.
стр. 180
٣ - الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة، فحين كانت الدنيا بحلاوتها وخضرتها وجمالها سببا في تشبث النفوس بها، وتعلق القلوب بما فيها ... المؤدي إلى نسيان الآخرة أو التغافل عنها، أكثر القرآن الكريم من ذكر أوصاف الآخرة بما فيها من نعيم وجحيم، لتكون حصناً منيعاً، وسدا مشيداً، يقف أمام شهوة النفس البشرية، ليمنعها من الوقوع في ملهيات الدنيا والسقوط التام في شهواتها، ومن هنا نفهم مدى العلاقة في الربط بين المعصية في القرآن وبين إنكار اليوم الآخر أو التغافل عنه.
وقد أظهرت الآيات الكريمات التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، فحين جاءت محذرة من الانخراط التام في الدنيا، لم تغفل حاجة النفس البشرية والفطرية للتعامل الدنيوي، فجاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
وحين يكون الركون إلى الدنيا سبباً للتثاقل عن أمر الله تعالى، يكون هذا الركون مذموماً، فتأتي الآيات الكريمات بذمه والتحذير منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة:٣٨].
ولذلك تأتي الآيات الشريفات لتؤكد "على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يوماً يجازى في المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى، والمصير مجهول، ولا وازع نفسي، ولا ضمير حي" (١).
ومن هنا " جاءت الأغلبية العظمى من آيات القرآن الكريم وسوره، تؤكد طلب الإيمان بالبعث، والعمل والاستعداد له، وتستأصل شأفة الشبه التي تقوم في سبيل تحققه وصدقه ووقوعه" (٢).
стр. 181
المسألة الثالثة: نتائج العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:
وأما نتائج هذه العناية القرآنية بذكر أخبار المعاد وتفاصيل وأحداث اليوم الآخر، فتتمثل فيما يجده المرء من سعادة واطمئنان، وراحة وأمن وأمان.
وإن من نتائج العناية القرآنية بذكر الدار الآخرة:
١ - تحقيق السعادة الدنيوية: وذلك أن السعادة في الدنيا تحقق بالالتزام بشرع الله تعالى، والاهتداء بسنة نبيه ﷺ ومن أكبر الدوافع والحوافز التي تحقق هذه الغاية، هي التبشير باليوم الآخر وما فيه من النعيم المقيم، والتحذير منه وما فيه من ألوان العذاب والجحيم، وهذه أسباب تبعث على الاستقامة، والسير على الطريق المستقيم، وهي خير باعث لفعل الخير، وأحسن رادع عن السوء والشر.
٢ - تخليص النفس البشرية من القيود التي تدعو إلى الشر والفتنة، وتحريرها منها، فلا سبيل للتخلص من هذه القيود، ,التي منها قيود الشهوة والغضب والرغبات النفسية الجامحة، إلا بتهذيبها من خلال مبدأ الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب، ونتيجة لهذا المبدأ ستنشأ سلوكيات وأعمال ثم تكن لتنشئ لولا هذا الإيمان بهذا الركن العظيم.
٣ - السعي لتهذيب النفس الإنسانية، وتربيتها التربية الصحيحة، وبناء الشخصية الإسلامية التكاملية وهذا مع وجود الحسن الغائب، والحسن الغائب في حياة الناس، هو الحس الأخروي، فحين نعيب الحس الأخروي عن حياة الناس ويفقد، فلا تسل عن محاسن الأخلاق، وفضائل الأعمال فمع غياب الحس الأخروي، تغيب كثيراً من معاني الرحمة والشفقة وتندرس بعض مبادئ العدل والإحسان، وتنشئ حينئذ أرض خصبة تظهر فيها معالم الظلم والطغيان، ويخيم على أهلها سحابة مليئة بالقلق والاكتئاب والحيرة واضطراب الوجدان.
ولذا كان الإيمان باليوم الآخر هو المحرك الدائم للنفس البشرية للارتقاء نحو الأكمل، والتطلع للحياة الأفضل، ومن هنا يظهر أهمية الإيمان بالآخرة في تحويل العقيدة الدينية إلى حركة، وعمل وسلوك، تسعى إلى التهذيب والصفاء والنقاء.
стр. 182
فهذه النتائج وغيرها، يمكن تأملها بإلقاء نظرة فاحصة لآيات الكتاب العزيز تبين مدى ما يحصله المؤمن بهذا اليوم والقائم بحقوقه وواجباته، من أمن واهتداء وما يعود غليه من أجر وبر وثواب وجزاء، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران:١٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف:٥٧] وهذا الخطاب وإن كان موجهاً ليوسف ﵇ إلا أن ظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق.
ولذا أنشدوا:
أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
ومعنى الآية: أن ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع (١). ولذا كل من أراد الآخرة وما فيها من السرور والنعيم، وسعي في طلبها، مصدق بالثواب والجزاء، كان سعيه مشكوراً مقبولاً عند الله تعالى مثاباً عليه، فإيمانه الثابت، ونيته الصادقة، وعمله الخالص المصيب، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء:١٩] (٢)، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] ويرغب فيها، وجعلها جل وعلا لعباده المؤمنين ... المتواضعين المخبتين المنيبين، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣].
стр. 183
المبحث الثاني: اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صور العناية النبوية باليوم الآخر.
المطلب الثاني: أسباب عناية السنة النبوية باليوم الآخر.
المبحث الثاني اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة
حفلت السنة النبوية المطهرة بذكر أخبار المعاد واليوم الآخر، وتفاصيل أحداثه، على وجه لا يعهد مثله عند بقية الأمم، وما ذاك إلا لأن النبي ﷺ خاتم الأنبياء، وأمته خاتمة الأمم، فهي وارثة علوم السابقين، وحائزة فضل التقدم يوم الدين.
ولما كانت رسالة الأنبياء والمرسلين، تقوم على دلالة أممهم على الخير وتحذيرهم من الشر، كما قال ﵊: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ «(١).
قال الإمام أبو العباس القرطبي:" أي: حقا واجباً، لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان" (٢).
وهي الحكمة في إرسال الرسل ﵈ ليسوقوا العباد إلى نفعهم ودفع ما يضرهم (٣).
فقد قام بهذا النهج النبي الأمي الكريم الأكرم خير قيام فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حتى أتاه اليقين ﵊.
وقد أخرج الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً، مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ " (٤).
стр. 184
وثبت عن سلمان ﵁ أنه قيل له:" قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ فَقَالَ:" أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ" (١).
وقال الإمام النووي:" ومراد سلمان ﵁ أنه علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل، فإنه علمنا آدابها فنهانا فيها عن كذا وكذا " (٢).
وهذا دليل من أدلة كمال هذه الشريعة الغراء، فهي ولله الحمد كاملة من كل وجه، ليس فيها نقص، ولا تحتاج إلى أحد يكملها، وفيه رد على السفهاء الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية إنما تنظم العبادة بين الله وبين الخلق فقط، وأما المعاملات بين الناس بعضهم بعضاً، فإن الشريعة لا تعتني بها، فيقال لهؤلاء: تباً لكم، وسفهاً لعقولكم، أطول آية في كتاب الله العزيز كلها في المداينة في التعامل بين الناس، وهل بعد هذا من اعتناء، وما أكثر الآيات في القرآن الكريم في تنظيم المال وإصلاحه، وما أشبه ذلك، وكذلك في السنة فالشريعة الإسلامية ولله الحمد كاملة من كل وجه (٣).
ومما سبق يتبين مدى عناية النبي صلى الله عليهم وسلم ببيان كل ما يحتاجه المسلم من أمور معاشه ومعاشه معاده، وقد برزت صور من العناية الفائقة ببيان أخبار الآخرة في السنة النبوية، وهذا البيان الباهر، والاعتناء الظاهر بأحوال اليوم الآخر له صور وأسباب.
стр. 185
المطلب الأول صور العناية النبوية باليوم الاخر
أ. إن صور العناية النبوية باليوم الآخر، قد اتخذت أشكالاً متعددة يصعب حصر أفرادها، وتظهر صور هذه العناية في:
(١): حرص النبي ﷺ على بيان أخبار الدار الآخرة، وما يتعلق بها في كل ... مناسبة ومحفل، ومن أمثلتها:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» (١).
ولذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.
فهذه صورة من صور العناية والاهتمام، من النبي ﷺ باليوم الآخر، ينتهز فيها الفرص، ويترقب الأحيان المناسبة، ليوجه ويبين ويحذر، ولذا سرت هذه العناية لأصحابه الكرام ﵃، فأولوا الآخرة عناية فائقة تظهر آثارها لكل من طالع سيرهم وأخبارهم.
(٢): استخدامه ﵊ لأسلوب المقارنة أثناء التوجيه والتعليم، ليقرب المعاني إلى الأذهان، وذلك حين يقارن بين:
- الدنيا والآخرة (٢).
فروى الإمام مسلم عن قيس قال: سمعت مستورداً، أخا بني فهر، يقول: قال رسول الله ﷺ : «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (٣).
стр. 186
قال الإمام النووي في بين معنى الحديث:" ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها، وفناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها، إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر" (١).
- وحين يقارن بين مريد الدنيا، ومريد الآخرة:
روى الإمام الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (٢).
- وحين يقارن بين أهل الدنيا من أصحاب النار، وأشدهم بؤساً من أهل الجنة:
روى الإمام مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (٣). فهذه كلها صور من العناية النبوية، ببيان أحوال الآخرة.
(٣): ربط الأعمال الصالحة بثوابها وجزائها يوم القيامة، ومن أمثلتها:
стр. 187
ما أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ» (١).
قال الإمام ابن بطال: " قوله: لا يكلم: يعني: لا يجرح، الكلوم: الجراح وفيه: أن الشهيد يبعث في حاله وهيئته التي قبض عليها" (٢).
وقال الإمام ابن عبد البر: "وفيه دليل أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة - إن شاء الله- وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة" (٣).
وظاهر هذا الحديث الشريف: أنه لا فرق في ذلك بين أن يستشهد أو تبرأ جراحته، لقوله: كل كَلْم، والحكمة في ذلك: أن يكون معه شاهد فضيلة وبذله نفسه في طاعة الله تعالى (٤).
وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس ﵄، أن محرماً أوقصته ناقته فمات، فقال رسول الله ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٥).
قال الإمام النووي:" قوله ﷺ : «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً وملبداً ويلبي» معناه: على هيئته التي مات عليها، ومعه علامة لحجه، وهي دلالة الفضيلة كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً " (٦).
стр. 188
وأخرج مسلم في صحيحه عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢).
(٤): ربط الأعمال السيئة القبيحة بجزائها يوم القيامة، ومن أمثلتها:
ما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ :
«مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٣). قال الإمام ابن الجوزي في معنى (طوقه) ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يخسف به الأرض بعد موته، أو في حشره، فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق.
والثاني: أن يكلف حمل ذلك، فيكون من تطويق التكليف، لا من تطويق التقليد.
والثالث: أن يريد به تطويق الإثم (٤).
وذكر الحافظ ابن حجر في معنى التطويق خمسة أوجه، ثم قال:" ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، بحس قوة المفسدة وضعفها" (٥).
стр. 189
وأخرج الشيخان عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا (١).
قال الإمام الخطابي:" في هذا بيان أن هدايا العمال سحت، وأنها ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة " (٢).
وقال النووي: "وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول، لأنه خان ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة كما ذكر مثله في الغال" (٣).
(٥): ربط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله تعالى، وذلك في أحاديث كثيرة منها:
стр. 190
ما أخرجه الشيخان: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ... » (١).
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» (٢).
قال العلامة العيني عن سر هذا الاقتران:" ومنها ما قيل: لم خصص من بين ما يجب به الإيمان هذين اللفظين: الإيمان بالله واليوم الآخر أي القيامة؟
أجيب: بأن الأول إشارة إلى المبدأ، والثاني إلى المعاد، والبواقي داخلة تحتهما " (٣).
стр. 191
وذكر الشيخ ابن عثيمين المقصود من هذا الاقتران والترابط فقال:" فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريماً حقاً، فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك " (١).
فهذه صور متنوعة تدل على شمول الشريعة وكمالها، تدل على عنايتها الفائقة بذكر أخبار المعاد واليوم الآخر، وهي نماذج وشواهد، وإلا فالمتتبع للسنة النبوية المطهر يجد الكم الهائل من الأحاديث التي عنيت ببيان الآخرة وأحوالها وتفاصيلها.
وبما أن السنة كانت ولا زالت وستزال، معيناً صافياً، ينهل منه كل وارد تبهر العقول بنصوصها، وتنير الدروب بوضوحها، فلا عجب حينها من تضافر النصوص، وتكاثر الشواهد، واستفاضة الأخبار المتعلقة بالدار الآخرة.
وهذه السنة المطهرة التي نقلت لنا تفاصيل الشرائع وفروع الأحكام، يظهر فيها بوضوح أن ما نقلته من هذه الأصول والأحكام، تشير إلى أمر المعاد وتدل عليه.
فالأذان مع كونه من شعائر الإسلام الظاهرة إلا أن فيه دلالة على المعاد يقول الحافظ ابن حجر: "ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد " (٢).
وكذا بقية الأركان والأصول، ففي تشريعاتها هداية للآخرة والمعاد، ففيها صلاح للدنيا والآخرة، ولذا كان من دعاء المؤمنين:" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر" (٣).
стр. 192
قال العلامة الطيبي:" إصلاح المعاد: اللطف والتوفيق على طاعة الله وعبادته، وطلب الرحة بالموت، فجمع في هذه الثلاثة، صلاح الدنيا والدين والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق" (١).
قال العلامة الصنعاني عن هذا الحديث:" تضمن الدعاء بخير الدارين وليس فيه دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دل على سؤال أن يجعل الموت في قضائه عليه، ونزوله به راحة من شرور الدنيا، ومن شرور القبر لعموم كل شر، أي من شر قبله وبعده " (٢).
وأهل الإيمان يعملون، احتساباً للأجر ورجاء ما عند الله تعالى، مصدقين بوعده وثوابه الذي وعد به، والله لا يخلف الميعاد.
المطلب الثاني أسباب عناية السنة النبوية باليوم الآخر
ب - من أسباب العناية النبوية باليوم الآخر:
١ - مجادلة المنكرين والمعاندين، ولذا جاءت الأحاديث النبوية بتثبيت عقيدة المعاد، والرد على الجاحدين، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: خطب النبي ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (٣).
стр. 193
وكان من دعاء النبي ﷺ -إذا قام يتهجد من الليل « ... وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ -حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» (١).
قال الإمام ابن بطال: وقوله: ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، والإقرار بالجنة والنار (٢).
٣ - التشجيع على الأعمال الصالحة، وقد تكاثرت الأحاديث النبوة الشريفة في أبواب الشريعة، لحث المسلمين وتحفيزهم لفعل الخير، مع ذكر الجزاء الأخروي، الذي يشجع للقيام بهذه الأعمال الصالحة، ومن أمثلتها:
فضل قراءة القرآن: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (٣).
стр. 194
فضل الأذكار: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (١)، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. » (٢).
فضل الأوقاف في سبيل الله تعالى: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣).
قال الحافظ ابن حجر:" قوله: وتصديقاً بوعده: أي: الذي وعد به من الثواب على ذلك، وفيه إشارة إلى المعاد " (٤).
وثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (٥).
стр. 195
قال الإمام ابن الجوزي:" المخطومة: المزمومة بالخطام، وإنما سمي خطاماً لأنه يقع على الخطم، والخطم والمخطم: الأنف، واعلم أن هذا الثواب على الحسنة أمر معلوم عند ا لله ، وقد جعل لنا على الحسنة من تلك المقادير عشراً، فهذا الاسم الراتب، وقد يضاعف ذلك للمؤمن على قدر إخلاصه ورضاه عنه إلى سبعمائة وإلى سبعين ألفاً وأكثر، كما قال أبو هريرة في قوله: فيضاعفه له أضعافًا كثيرة، قال: ألفي ألف وألفي ألف " (١).
وقال الإمام النووي في توجيه الحديث:" قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر " (٢).
فضل السنن الرواتب: عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه، بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول ا ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ عَنْبَسَةُ: "فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ"، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: "مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ" وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: "مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ". (٣).
ويصعب على المتتبع حصر الأحاديث التي تحدثت عن فضائل الأعمال التي قرن بها أجرها في الآخرة، مما يدل على عناية السنة النبوية بأمر المعاد والآخرة
٣ - بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، ونبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
стр. 196
عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة، وقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (٢). ... وأخرج الترمذي في جامعه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (٣).
ولخيرية هذه الأمة وفضلها بنبيها، أكرمها الله تعالى، بأن جعلها نصف أهل الجنة، فعن ابن مسعود ﵁، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ ﷺ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ» (٤).
٤ - تحذير الأمة من الغفلة أو التغافل عن هذا اليوم العظيم:
стр. 197
أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، قال: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ... «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (١).
ولذا كان النبي ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ»، (٢).
وفي هذا الحديث من الفوائد:" تنبيه الناس من سِنَةِ الغفلة، وتحريضهم على الطاعات" (٣).
وفي خاتمة هذا الفصل:
стр. 198
نشير إلى أن نصوص الوحيين [الكتاب والسنة]، جاءت متضافرة متوافرة في ذكر اليوم الآخر، وما يحويه من أحداث ومشاهد، فقد برزت أوجه العناية بأخبار المعاد في نصوص الوحيين، ماثلة أمام الجميع، فقد عنيت" بمشاهد القيامة، البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وحيّاً متحركاً، وبارزاً شاخصاً، وعاش المسلمون مع هذا العالم الآخر، عيشة كاملة في شعورهم ووجدانهم، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولفحهم من النار شواظ، ورف إليهم من الجنة نسيم، ومن ثم باتوا يعرفون هذا العالم تمام المعرفة، قبل اليوم الموعود " (١).
ومن خلال هذه المباحث نلحظ تظافر هذه الدلائل والشواهد النقلية والعقلية لإثبات المعاد واليوم الآخر.
ولذا لا نجد شيئاً أكثر مناكفة وأشد عداء للمنطق والعقل الإنساني من أن نسلم بوقوع حادث في الحال، وننكره في المستقبل، كما يقوله بعض المفكرين إذ وجود الإنسان حياً أولاً، ثم وجوده كذلك ثانياً بعد موته، وجودان متماثلان، دون فرق بينهما إلا في التقدم والتأخر، والأول منها ممكن حتماً ولذلك وجد، إذ لو كان مستحيلاً لما وجد، وإذا كان أحد المتماثلين ممكناً كان الوجود الآخر ممكناً أيضاً، بحكم تماثلهما.
والعلم الحديث يثبت حقيقة علمية، تؤيد هذه الدلائل والشواهد، وتلقم حجراً كل منكر للمعاد، لا يؤمن إلا بالتجريبيات، فإنه قد أصبح من الثابت علمياً اليوم أن الموت لا يأتي على كل خلايا الجسد، وإنما يصيب معظمها ويظل بعض منها يحمل الحياة في أعماقه، وإن بدا لنا أنه مات.
стр. 199
وأكدت التجارب هذه الحقيقة، فقد قام طبيب ألماني اسمه [آزفين سانتو] باستخراج بعض البكتيريا من جسم مات من ثلاثة آلاف وخمس مائة سنة ووضعها في محاليل غذائية معينة، محلول (الليتوم) لمدة سبع عشرة ساعة، ثم وضعها تحت المجهر، فلاحظ أنها تتحرك، وعاشت بعد تلك المدة.
وفي سنة ١٩٥١، أعلنت عالمة روسية اسمها [البشكايا] أن بعض الخلايا يمكن إحياؤها مرة أخرى، وأن من بين الخلايا نوعا منها (ناقلة الحياة).
من الممكن أن تقفز من كريات دموية متآكلة، وأنه لا شيء يموت كله، وإنما يموت بعضه، وتظل هناك خلايا تحمل بشعل الحياة.
وهذا يعني بالضبط: أن الجسم إذا مات لم يأت الموت على كل ما فيه، بل يبقى فيه نوع من الحياة الكامنة، أو الحياة المتحفزة، فإذا توافرت لها ظروف مواتية، ومناخات صالحة، فإنها ستعيش من جديد، تماماً كحبة القمح التي تكمن في أعماقها، حياة متحفزة، ولو مضى عليها زمن طويل وهي يابسة لا حياة فيها، كما تبدو لنا، فإذا توافرت لها ظروف ملائمة وتربة صالحه غرست فيها، دبت فيها الحياة، ونبتت وأعطت ثمارها، وإلى هذه الحقيقة أشار الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥]، وهذا يقرب لنا فهم إعادة الإنسان إلى الحياة في اليوم الآخر (١).
стр. 200
الفصل الثالث: اليوم الآخر عند الأديان والمِلل والنِحل ،
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اختلاف الناس في البعث والمعاد.
المبحث الثاني: مشركو العرب والبعث.
المبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر.
المبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر.
المبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر.
عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية.
стр. 201
المبحث الأول اختلاف الناس في البعث والمعاد، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أقوال الناس في البعث والمعاد.
المطلب الثاني: الشبه المتوهمة لإنكار المعاد، وفيه أربع مسائل:
١ - حكاية القرآن الكريم لشبه المنكرين للمعاد.
٢ - أسباب استبعاد المشركين للبعث والمعاد.
٣ - الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد.
٤ - شبهات منكري البعث.
стр. 202
إن مصير الإنسان ومعاده بعد موته من كبريات المسائل التي شغلت الفكر الإنساني من حين وجوده، ولذا اختلفت تصرفات الأمم في تعبيرهم عن مصائر البشرية، ومن منطلقات وتفكير كل أمة في مصائرهم، أصبح تعاملهم تجاه أجسادهم مرهوناً به، ولذا فإن من ا لحقائق الكبرى التي أجمع عليها مؤرخو الأديان هي أنه ليس هناك جماعة إنسانية، بل أمة كبيرة ظهرت وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وفي تعليل ظواهر الكون وأحداثه (١).
وقد تأثرت سلوكيات هذه الأمم واختلفت طبيعة تعاملاتها، بناء على نتاج الفكر الإنساني، وما توصل إليه في أمر المعاد بعد الموت، ولذا ظهرت لبعضهم طقوس خاصة تتعلق بدفن الإنسان بعد موته، أو تحريقه وغير ذلك مما يتناسب مع الفكر والديانة التي تحملها كل طائفة.
وتظهر حقيقة هذه الأفكار حين يتعمق الإنسان في البحث عن مصادر الفكر الإنساني في العصر الحاضر وفي الزمن الماضي السحيق، فتظهر له حقيقة هذه الأفكار والعقائد، وتتبين له طبيعة الحياة التي كانوا يعيشونها فالتعرف على عقائد هذه الأمم يميز بوضوح أصالة العقيدة الإسلامية منذ نشأة الإنسان، وتميزها على الشرائع والديانات.
стр. 203
المبحث الأول اختلاف الناس في أمر البعث والمعاد
اختلف الناس في أمر البعث والمعاد اختلافاً واسعاً، وقد حكى القرآن الكريم جملة من أقوال منكري البعث من الدهريين وأتباعهم، الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية:٢٤]، فقد قالوا ما قالوا، على ظن وشك لا عن علم ويقين، بل هي أوهام وخيالات (١).
ثم ذكر شبهتهم على إنكار البعث فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥]، وهذه جرأة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا، صدق الرسول متوقف على الإتيان بآبائهم، وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسول، لا بيان الحق (٢).
وقولهم هذا، قول آفن، وكلام لا ينبغي أن يصدر من عاقل، فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء في الحال كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا امتناعه فيما بعد إذا قامت القيامة، وبعث الله الموتى من قبورهم للعرض الحساب (٣).
стр. 204
ثم أمر الله تعالى رسوله ﵊، أن يرد عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦]، أليس الله ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة، وفق سنن إنشاء الحياة؟ فهذه هي المعجزة التي يريدون أن يشاهدوها في آبائهم، ها هي ذي تقع أمام أعينهم بعينها وبذاتها، والله هو الذي يحي، وهو الذي يميت فلا عجب إذن في أن يحي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة، ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم (١).
المطلب الأول أقوال الناس في المعاد
اختلف الناس في المعاد على أقوال (٢):
القول الأول: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعاً، وأن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة أو معذبة، ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى.
وهذا هو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار، وهذا القول تؤيده دلائل الكتاب والسنة، وحكي فيه إجماع أهل الملة.
القول الثاني: إثبات معاد الأبدان فقط، وهو قول طائفة من متكلمة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهذا القول فاسد، ذمهم عليه السلف والأئمة.
القول الثالث: إثبات معاد الأرواح فقط، وهو قول الصابئة والفلاسفة.
القول الرابع: إنكار المعادين جميعاً، معاد الأبدان والأرواح، وهو قول أهل الكفر من العرب واليونان والهند والترك وغيرهم.
стр. 205
قال الشيخ عبد الواحد الشيرازي: وإن أنكره فهو حشيشي، معطلي دهري (١).
ومع إنكار هؤلاء للمعاد، نجد أن الله تعالى بيّن" في كتابه، وعلى لسان رسوله أمر معاد الأرواح والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بياناً تاماً غاية التمام والكمال" (٢)، فقرر حقيقة البعث وأخبر عن وقوعه وإمكانه، ورد على شبه المنكرين الجاحدين له، بإيراد الأدلة والبراهين اليقينية القاطعة، وحاجهم بالأدلة العقلية، وألزمهم بما لا يمكن الانفكاك عنه.
وقد عمد القرآن الكريم في استدلالاته على البعث والمعاد،" بالأمور الحسية البديهية، التي لا يعجز العقل البشري عن إدراكها، يقرؤها الدهماء فلا تعلو على أفهامهم، ويمعن النظر فيها العلماء والحكماء، فيستنبطون منها الحقائق الصادقة، والحجج الملجمة، وكلما ازداد فيها المتبصر نظراً، زادته استبصاراً وعلماً على ما يهتدي إليه بنفسه" (٣).
ولذا وبخ الله الكافرين المنكرين الجاحدين لأمر البعث والمعاد، فقال سبحانه لنبيه ﵊: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الرعد ٥، أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك، بعدما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة، فقولهم عجب يعجب منه الخلق، لأن الإعادة في معنى الابتداء (٤).
стр. 206
"فإنكار المعاد عجب من الإنسان، وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه" (١).
ولما كان العبث قد قامت عليه البراهين القطعية، صار منكره كمنكر البديهيات، ومن هنا حكم العلماء بكفره، قال الإمام ابن العربي: فإن اليوم الآخر عرفناه بقدرته وبكلامه - تعالى - فأما علمنا له بقدرته: فإن القدرة على اليوم الأول، دليل على القدرة على اليوم الآخر، وأما علمنا له بالكلام: فبإخباره أنه فاعله، فإذا أنكر أحد البعث فقد أنكر القدرة والكلام، وكفر قطعاً بغير كلام (٢).
وقال الإمام الرازي: وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم، من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق، ولما كان كل هذه الأشياء كفراً، ثبت أن إنكار البعث كفر بالله (٣).
المطلب الثاني الشبه المتوهمة لإنكار البعث
المسألة الأولى: حكاية القرآن الكريم لشبه المنكرين للبعث والمعاد:
حكى القرآن الكريم حال منكري البعث، وأشار إلى مدى تخبطهم، وسرعة تقلبهم، ثم أظهر وأبان كمال القدرة الإلهية على إحياء الموتى، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج:٣ - ٤]. فأخبر القرآن عن بعض من انطمست فطرته واتبع هواه، وأعرض عن الحق، أنهم يتركون ما أنزل الله على رسوله ﷺ -من الحق المبين، ويتبعوا أقوال الضالين المضلين فيجادلون بغير علم صحيح وإنما اتباعاً لناعق الشيطان، وقد كتب الله جل وعلا على من اتبعه وقلده، أن يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير (٤).
стр. 207
ولما وجد أمثال هؤلاء المجادلين المشككين في أمر البعث والمعاد، وُجد في القرآن الكريم ما يرد على أقوالهم، ويفند شبههم.
فالله يخاطب هؤلاء المشككين لعلهم يفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من رقدتهم، فيقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام:٢] وذلك أنهم لما أنكروا البعث وقالوا: من يحي العظام وهي رميم؟ أعلمهم الله تعالى بهذه الآية، أنه خلقهم من طين، وهو القادر على إعادة خلقهم وبعثهم بعد الموت، أثم بعد هذا البيان تمترون وتشكون وتختلفون، بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم، وأن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر (١).
وهكذا نجد أن القرآن الكريم يأتي على شبه المنكرين الجاحدين لأمر البعث شبهة شبهة، فيُبين ضعفها، ويكشف عوارها، ويقضي عليها (٢).
والمنكرون للبعث والمعاد لا يستندون إلى دليل، ولا يعتمدون في دعواهم إلى برهان، فغاية دعواهم، وأساس شبهتهم استبعادهم العودة إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن تبلى أجسادهم وتصير تراباً، وقد حكى القرآن الكريم دعواهم الفاسدة، فقال : ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء:٤٩]، وإنما قال المشركون المنكرون للبعث الجاحدون لأمر المعاد ما قالوا، إنكاراً واستبعاداً، وأقسموا على ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [النحل:٣٨].
стр. 208
وأخبر أنه سيظهر لهم ما كانوا يختلفون فيه من أمر البعث، ليعلموا أن ما أقسموا عليه من إنكار البعث هم فيه كاذبون، فقال سبحانه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل:٣٩].
ولما كانوا كاذبين فيما أقسموا عليه من نفي البعث، أخبر سبحانه القادر على كل شيء، قدرته على أمر البعث فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل:٤٠].
وفي الحديث القدسي الشريف، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: قال الله: ﴿كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا﴾ (١).
قال الإمام العراقي:" المراد هنا عبيد مخصوصون، وهم منكرو بعث الأجسام وهم كفرة العرب، وجعلوا مكذبين لله ، لتكرار إخباره على ألسنة رسله ببعث العباد كلهم، وإعادة الأرواح إلى أجسادها " (٢).
ويدخل في الخطاب غيرهم ممن كذب بالبعث من عباد الأوثان، والدهرية والفلاسفة، والباطنية وأصحاب الديانات الفاسدة، التي تؤمن بالتناسخ وغيرهم.
"وكل ذلك كفر وتكذيب بالآيات القرآنية الدالة على الإعادة الجسمانية.
خلافاً لما ذهب إليه حمقى ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ولذا رد عليهم بقوله:" وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، بل هما يستويان في قدرتي، بل الإعادة أسهل " (٣).
стр. 209
وكلا الأمرين خطيئة عظيمة، لكن التكذيب أعظم، لما في التكذيب والشتم الفظاعة والهول، أن المكذب منكر للحشر، يجعل الله كاذباً والقرآن المجيد الذي هو مشحون بإثباته مفترى، ويجعل حكمة الله في خلقه السماء والأرض عبثاً، والشاتم يحاول إزالة المخلوقات بأسرها، ويزاول تخريب السماوات من أجلها (١).
ولذا يقول في سورة التين: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين:٧ - ٨].
والخطاب في الآية موجه لبني آدم: "يعني: يا ابن آدم ما يكذبك بالجزاء في المعاد، وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ " (٢).
"وقيل: الخطاب موجه للكافر، توبيخاً وإلزاماً للحجة، أي: إذا عرفت أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك النبي ﷺ به" (٣).
وصوّب الإمام ابن تيمية قول من قال: إن مرجع الخطاب هو: النبي ﷺ فقال: "والصواب ما قاله الفراء والأخفش وغيرهما، وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره من العلماء كما تقدم وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء فقال: إنه خطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له، أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا" (٤).
وخلاف الأئمة في (ما)، من قوله: (فما يكذبك) كما يلي (٥):
стр. 210
- مذهب بعضهم إلى أن (ما) على بابها، والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب، أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين.
- وذهب البعض الآخر إلى أن (ما) بمعنى (من)، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحج والبراهين والآيات واستبعد السمعاني هذا القول وقال:" القول الأول هو القول المعروف، وهو أولى، لأن (ما) بمعنى (من) يبعد في اللغة " (١).
وعلى كلا القولين، فإن العجب كل العجب، من شاهد وعاين الآيات ثم عاند وكذب، فأي دليل أظهر وأوضح من دليل تدرج أحول الإنسان على قدرة الخالق العظيم على الحشر والنشر.
يقول الإمام الرازي عن بيان وجه التعجب في هذه الآية:" أن خلق الإنسان من النطفة، وتقويمه بشراً سوياً، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ثم تنكسيه إلى أن يبلغ أرذل العمر، دليل واضح على قدرة الخالق على الحشر والنشر، فمن شاهد هذه الحالة، ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه" (٢).
والعجب كل العجب، ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة ... وعجباً ممن ينكر البعث والنشور، وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا، يعني: في النوم واليقظة (٣).
وعجباً ممن يكابر في المعاد، وهو يرى في كل لحظة أمام عينيه من دلائل القدرة الإلهية ما يبهر العقول ويأخذ بالألباب.
ولما قصّ الله جل وعلا قصة الرجل الذي مر بقرية، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فأراه الله من دلائل القدرة الإلهية، في طعامه وشرابه وحماره عياناً، ما يكون سبباً في الإيمان واليقين فعند ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ أي أنا عالم بهذا وقد رأيته عياناً فأنا أعلم أهل زماني بذلك.
стр. 211
وقال بعضهم في معنى الآية: هو أمر له بالعلم، وعلى قراءة (قال اعْلمْ) على معنى: الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت (١).
المسألة الثانية أسباب استبعاد المنكرين للبعث والمعاد
ذكر الله : أن من الأسباب التي تحول من قبول الحق والإذعان إليه، عدم الإيمان باليوم الآخر والتكبر، قال جل وعلا بعد إقامة الحجة على المشركين بتوحيده: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢].
وعدم الإيمان باليوم الآخر، له أسباب تحول دونه، منها:
- إتباع الشهوات والملذات، وتقديم الهوى على داعي الإيمان والعقل ... والفطرة، ولذا فسد الاعتقاد وانجرف المنهج، مع ما في النفس من الرغبة الجامحة للتفلت من التكاليف الشرعية، التي يعتبرونها تقييداً لحرياتهم، مع الترف الذي يعيشونه، فإن إيمانهم بالمعاد يحد من ترفهم.
- ما يبثه الشيطان في أنفسهم من شكوك وشبهات، تؤدي بهم إلى التشكيك في المعاد، وإنكار البعث والحساب والجزاء.
- أن المنكرين كانوا أصحاب نفوذ وسلطة، وإيمانهم بالمعاد تنازع سلطتهم وتجد من نفوذهم.
وقد تجرأت بعض الطوائف المنحرفة عن الصراط المستقيم، فأنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه، وهذه هي الزندقة المطلقة (٢)، فيقال لهؤلاء وأمثالهم:
стр. 212
بناء على القانون الذي اخترعتموه، وآمنتم به إيماناً جازماً، فيما يتعلق بالعلوم الكونية، وهو قانون (القصور الذاتي) الذي ينص على: أن كل ساكت يبقى على سكوته حتى يحركه محرك، وكل متحرك يمضي في حركته واتجاهه، فلا يقف عن حركته، ولا يلوي عنها إلا بعامل يسكنّه، أو يحوله عن اتجاهه، وهذا يعني: أن الجسم الساكن سوف يظل ساكناً، والمتحرك يبقى متحركاً ما لم تؤثر فيه قوة تحركه (١).
فبناء على هذا القانون يرد هذا التساؤل:
عناصر الأرض الميتة (أوكسجين + أوروجين) وهما جماد، كما تقولون - ونحن معكم أيضاً - فإذا نزل الماء الجماد المركب من عنصرين ميتين على الأرض الميتة، سرت فيها الحياة -كما تقولون في علم الأحياء ونحن معكم- وقد سبق القرآن العزيز بتقرير ذلك أكثر من مرة: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٢٤]، فمن الذي أخرج الماء الميت المركب من عناصر ميتة، والأرض الميتة من موتها؟ ومن الذي بعث الحياة في هؤلاء العناصر والأموات؟
فإن أجبتم بأنه القوي الباطن الذي لا تدركه الأبصار القادر الظاهر البارئ، لما نرى من مخلوقات وآثار، الذي وصف نفسه بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أكملنا بكم الآية الكريمة من سورة الروم ١٩ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وهنا لزمكم الاعتراف بالخالق الباعث. وإن عجزتم عن الإجابة: أحلتكم عن مواطن الإجابة مسطورة ومنشورة ومرئية ومسموعة، لكي تنظروا بأعينكم في هذا الكون المملوء بالآيات والآثار والظواهر والأسرار، ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... [يونس:١٠١] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات:٢٠].
стр. 213
وإن نكلتم عن الإجابة وأصررتم على العناد، فلا سبيل لإقناعكم أو هدايتكم ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦] (١).
ومع هذا الإنكار السافر للمبدأ أو المعاد، فقد اعترفت طائفة أخرى بالمبدأ لكنها أنكرت المعاد، وكفرت باليوم الآخر، فيقال لأمثال هؤلاء:
إن آمنتم بأن للعالم إلهاً حقاً، وجب عليكم الإيمان بكل ما أخبر به، مما جاء في وحيه، على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ومما أخبر به الإله الحق المبين قضايا اليوم الآخر والبعث والجزاء، فإما:
أن تصدقوا، أو تكذبوا، فإن صدقتم فأنتم مؤمنون، وإن كذبتم وأنكرتم رجعتم إلى حال الطائفة الأولى التي كفرت بالله واليوم الآخر، لأن أركان الإيمان متلازمة، فالإيمان بها متلازم، والكفر بأحدها كفر بها جميعاً، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ ... [النساء:١٥٠].
وفي مقابل هاتين الطائفتين، طائفة أخرى أثبتت المبدأ والمعاد، وإلا أنهم قصروا في فهم حقيقة المعاد، فأثبتوا جزءاً من المعاد، وأنكروا جزءاً منه فأثبتوا المعاد الروحي، وأنكروا المعاد الجسماني.
وهذا مع كونه انحرافاً عن المعتقد الصحيح، إلا أنه مخالف أيضاً للنصوص المتكاثرة والمتضافرة والمستفيض من الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثباته المعاد البدني (٢).
стр. 214
وقال المتكلمون في معرض ردهم على الفلاسفة: ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات العاد البدني، وهذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني، كما قال شيخ الإسلام، إلا أنهم قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك بالقرآن وبالأخبار وبإجماع السلف (١).
فحق بعد هذا أن يقال: إن إنكار المعاد عجب من الإنسان، إذ هو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه (٢).
قال الإمام الرازي مبينا أن من مساوئ القول بإنكار الحشر والنشر، الشك في حكمة الله تعالى: " ولما بيّن الله تعالى على سبيل الإجمال، أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى، بين ذلك على سبيل التفصيل فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨]، وتقديره: أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشرة ونشر ونعاد، فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحاً في الحكمة، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله " (٣).
فثبوت المعاد معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ولا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقا لزم:
- إما جحد كون الرسول ﷺ ، أخبر به.
- وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق، علم بالضرورة أن المعاد حق (٤).
стр. 215
المسألة الثالثة الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد:
الدلائل اليقينية الدالة على إثبات المعاد ووقوعه كثيرة، وهي تدل على صحة القول بالمعاد. ومما يدل على صحة القول بالمعاد أمور (١):
أ - أن العقلاء اختلفوا في وقوعه، وقال بإمكانه عالم من الناس وهم جمهور أرباب الملل والأديان، وما كان معلوم الامتناع بالبديهة، امتنع وقوع الاختلاف فيه.
ب - أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، وغرضنا عليها: أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضاً هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى.
ج - أنه كر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر:٩].
و ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج:٥ - ٦].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر:٢١].
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ٢١ - ٢٣].
فهذه الآيات الكريمات فيها إشارة ظاهرة بينة للمعاد تظهر للعيان حين نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، وترى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف، ثم إن الله تعالى ينزل المطر عليا وقت الشتاء والربيع فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة، ففيها تنبيه على أمر المعاد.