وقال بعضهم في معنى الآية: هو أمر له بالعلم، وعلى قراءة (قال اعْلمْ) على معنى: الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت (١).
المسألة الثانية أسباب استبعاد المنكرين للبعث والمعاد
ذكر الله : أن من الأسباب التي تحول من قبول الحق والإذعان إليه، عدم الإيمان باليوم الآخر والتكبر، قال جل وعلا بعد إقامة الحجة على المشركين بتوحيده: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢].
وعدم الإيمان باليوم الآخر، له أسباب تحول دونه، منها:
- إتباع الشهوات والملذات، وتقديم الهوى على داعي الإيمان والعقل ... والفطرة، ولذا فسد الاعتقاد وانجرف المنهج، مع ما في النفس من الرغبة الجامحة للتفلت من التكاليف الشرعية، التي يعتبرونها تقييداً لحرياتهم، مع الترف الذي يعيشونه، فإن إيمانهم بالمعاد يحد من ترفهم.
- ما يبثه الشيطان في أنفسهم من شكوك وشبهات، تؤدي بهم إلى التشكيك في المعاد، وإنكار البعث والحساب والجزاء.
- أن المنكرين كانوا أصحاب نفوذ وسلطة، وإيمانهم بالمعاد تنازع سلطتهم وتجد من نفوذهم.
وقد تجرأت بعض الطوائف المنحرفة عن الصراط المستقيم، فأنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه، وهذه هي الزندقة المطلقة (٢)، فيقال لهؤلاء وأمثالهم:
стр. 212
بناء على القانون الذي اخترعتموه، وآمنتم به إيماناً جازماً، فيما يتعلق بالعلوم الكونية، وهو قانون (القصور الذاتي) الذي ينص على: أن كل ساكت يبقى على سكوته حتى يحركه محرك، وكل متحرك يمضي في حركته واتجاهه، فلا يقف عن حركته، ولا يلوي عنها إلا بعامل يسكنّه، أو يحوله عن اتجاهه، وهذا يعني: أن الجسم الساكن سوف يظل ساكناً، والمتحرك يبقى متحركاً ما لم تؤثر فيه قوة تحركه (١).
فبناء على هذا القانون يرد هذا التساؤل:
عناصر الأرض الميتة (أوكسجين + أوروجين) وهما جماد، كما تقولون - ونحن معكم أيضاً - فإذا نزل الماء الجماد المركب من عنصرين ميتين على الأرض الميتة، سرت فيها الحياة -كما تقولون في علم الأحياء ونحن معكم- وقد سبق القرآن العزيز بتقرير ذلك أكثر من مرة: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٢٤]، فمن الذي أخرج الماء الميت المركب من عناصر ميتة، والأرض الميتة من موتها؟ ومن الذي بعث الحياة في هؤلاء العناصر والأموات؟
فإن أجبتم بأنه القوي الباطن الذي لا تدركه الأبصار القادر الظاهر البارئ، لما نرى من مخلوقات وآثار، الذي وصف نفسه بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أكملنا بكم الآية الكريمة من سورة الروم ١٩ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وهنا لزمكم الاعتراف بالخالق الباعث. وإن عجزتم عن الإجابة: أحلتكم عن مواطن الإجابة مسطورة ومنشورة ومرئية ومسموعة، لكي تنظروا بأعينكم في هذا الكون المملوء بالآيات والآثار والظواهر والأسرار، ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... [يونس:١٠١] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات:٢٠].
стр. 213
وإن نكلتم عن الإجابة وأصررتم على العناد، فلا سبيل لإقناعكم أو هدايتكم ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦] (١).
ومع هذا الإنكار السافر للمبدأ أو المعاد، فقد اعترفت طائفة أخرى بالمبدأ لكنها أنكرت المعاد، وكفرت باليوم الآخر، فيقال لأمثال هؤلاء:
إن آمنتم بأن للعالم إلهاً حقاً، وجب عليكم الإيمان بكل ما أخبر به، مما جاء في وحيه، على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ومما أخبر به الإله الحق المبين قضايا اليوم الآخر والبعث والجزاء، فإما:
أن تصدقوا، أو تكذبوا، فإن صدقتم فأنتم مؤمنون، وإن كذبتم وأنكرتم رجعتم إلى حال الطائفة الأولى التي كفرت بالله واليوم الآخر، لأن أركان الإيمان متلازمة، فالإيمان بها متلازم، والكفر بأحدها كفر بها جميعاً، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ ... [النساء:١٥٠].
وفي مقابل هاتين الطائفتين، طائفة أخرى أثبتت المبدأ والمعاد، وإلا أنهم قصروا في فهم حقيقة المعاد، فأثبتوا جزءاً من المعاد، وأنكروا جزءاً منه فأثبتوا المعاد الروحي، وأنكروا المعاد الجسماني.
وهذا مع كونه انحرافاً عن المعتقد الصحيح، إلا أنه مخالف أيضاً للنصوص المتكاثرة والمتضافرة والمستفيض من الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثباته المعاد البدني (٢).
стр. 214
وقال المتكلمون في معرض ردهم على الفلاسفة: ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات العاد البدني، وهذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني، كما قال شيخ الإسلام، إلا أنهم قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك بالقرآن وبالأخبار وبإجماع السلف (١).
فحق بعد هذا أن يقال: إن إنكار المعاد عجب من الإنسان، إذ هو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه (٢).
قال الإمام الرازي مبينا أن من مساوئ القول بإنكار الحشر والنشر، الشك في حكمة الله تعالى: " ولما بيّن الله تعالى على سبيل الإجمال، أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى، بين ذلك على سبيل التفصيل فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨]، وتقديره: أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشرة ونشر ونعاد، فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحاً في الحكمة، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله " (٣).
فثبوت المعاد معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ولا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقا لزم:
- إما جحد كون الرسول ﷺ ، أخبر به.
- وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق، علم بالضرورة أن المعاد حق (٤).
стр. 215
المسألة الثالثة الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد:
الدلائل اليقينية الدالة على إثبات المعاد ووقوعه كثيرة، وهي تدل على صحة القول بالمعاد. ومما يدل على صحة القول بالمعاد أمور (١):
أ - أن العقلاء اختلفوا في وقوعه، وقال بإمكانه عالم من الناس وهم جمهور أرباب الملل والأديان، وما كان معلوم الامتناع بالبديهة، امتنع وقوع الاختلاف فيه.
ب - أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، وغرضنا عليها: أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضاً هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى.
ج - أنه كر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر:٩].
و ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج:٥ - ٦].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر:٢١].
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ٢١ - ٢٣].
فهذه الآيات الكريمات فيها إشارة ظاهرة بينة للمعاد تظهر للعيان حين نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، وترى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف، ثم إن الله تعالى ينزل المطر عليا وقت الشتاء والربيع فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة، ففيها تنبيه على أمر المعاد.
стр. 216
٢ - ما يحده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن.
وإذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكوّن بعضه لم يمتنع أيضاً تكوّن كله، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة:٦١].
فهذه الأمور وغيرها، تدل على أن القول بالمعاد، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول، مع القول بأن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين:
أحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن، فوجب أن يكون هذا أيضاً ممكنا.
والثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه وأعلى حالاً منه، فهو أيضاً ممكن.
وكلا الطريقين مبين في القرآن الكريم بأوضح بيان، وأكمل برهان.
على أنه لو لم يحصل للإنسان معاد، لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وذلك أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام، تكون فارغة البال، طيبة النفس، لأنها ليس لها فكر وتأمل أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبداً في الأقوال الماضية والأقوال المستقبلة، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف، فلو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حلته، وتظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل سبباً لمزيد من الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر، ومعلوم أن كل ما كان كذلك، فإنه يكون سبباً لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة.
فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الإنسان أخس الحيوانات ولما كان ذلك باطلاً قطعاً، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، وأن الإنسان خلق للدار الآخرة لا للدنيا، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية، فلهذا السبب كان العقل شريفاً (١).
стр. 217
وخلاصة الأمر: فإن المعاد والبعث حق لا ريب فيه، وإن اختلاف المختلفين في الحق، لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحق في نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفاً يوجب الائتلاف، ويرفع عنا الاختلاف إذا كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة ونقلها إلى جبلة غيرها، صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه الحال هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾ [الأعراف:٤٣] (١).
وما ذكر من أن اختلاف المختلفين لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، يوجب ذكر شبه المنكرين، وتعلقات الجاحدين المكذبين، ليتبين ضعفها وسقوطها.
المسألة الرابعة شبهات منكري البعث:
تعلق منكرو البعث بجملة من الشبهات، قادتهم إلى إنكار البعث والمعاد ومجموع هذه الشبهات تنقسم إلى قسمين: إما شبهات عقلية، استبعد لأجلها المنكرون البعث والمعاد، وإما شبهات فلسفية، سودت بها الكتب في محاولة بائسة يائسة لإنكار ما عُلم من دين الرسل بالاضطرار، وما تواترت فيه نصوص الوحيين.
وقد تستجد حسابات المنكرين والجاحدين للبعث والمعاد، وتتغير أطروحاتهم وتتغير أسباب إنكارهم، بناء لما أشربت قلوبهم من شبهات وتعلقت نفوسهم من أهواء، ففي العصور المتأخرة ظهرت جماعات من المنكرين المنسلخين من تعاليم الدين، ممن يعرفون أنهم أهل العقول والفكر والفهوم، فتأولوا النصوص المثبتة للبعث والمعاد، إلى ما يوافق أهواءهم ويماشى مع رغباتهم.
стр. 218
"فالبعث في نظر صادم النيهوم، ليس سوى خروج الإنسان من عالمه الطفولي الغائب في ظلام اللاوعي إلى عالم العقل الحاضر في ضوء الصحوة واليقين. فالبعث لا يتحقق بإحياء رجل ميت، بل بإعادة الوعي إلى جيل غائب عن عالم الوعي، في حين يذهب حسن حنفي إلى مفهوم البعث عنده هو بعث للأمة والحزب، متأثراً بيساريته الثورية، محاولاً تأويل النصوص وتفسيرها تفسيراً مادياً (ماركسياً)، وهو يفسر البعث والمعاد بأن المعاد إنساني تكشف عنه رغبة الإنسان في مقاومة الموت واستمرار الحياة عن طريق إفعاله في الدنيا وآثاره في الناس، فيتحول وجوده الفردي إلى وجود جماعي، ويخلد الفرد في الجماعة، ويبقى في الأمة.
وكذا ذهب صادق جلال العظم إلى أن البعث إنما هو خرافة ميتا فيزيقية فلا بعث ولا نشور، لا ظاهرياً ولا باطنيا، إذا النصوص الدينية لا تستحق في نظره أن ينظر في مدلولاتها ومعانيها، إذا ما هي إلا أوهام اخترعها الإنسان لسد رغباته النفسية" (١).
وهذه الأقاويل الفاسدة، والتأويلات المنحرفة، مع كونها كذلك، إلا أنها مصادمة للنصوص الشرعية، ولإجماع أهل الديانات على إثبات المعاد. مع افتقاد هذه الأقوال إلى أدنى دليل يدل عليها، فهم يلقون الكلام على عواهنه دون قدرة على إقامة الأدلة على ما يذهبون إليه.
فهذه أقوال ساقطة، لا توجد لها أي دلائل علمية يعتمد عليها، على أن العقلاء وغيرهم على إمكان المعاد، قال شمس الدين السمرقندي: والدليل المطلق على المعاد الجسماني: أنه يمكن في نفسه، والصادق أخبر عنه، فوجب القول به.
أما الأول: فلأن الإمكان ها هنا بالنظر إلى القابل والفاعل، وهما حاصلان ... أما بالنظر إلى القابل، فلما قرّ في صدر الكتاب من جواز العود، وأما بالنظر إلى الفاعل فللزومه لأمرين حاصلين:
أحدها: كونه تعالى قادراً على الإيجاد.
стр. 219
والثاني: كونه عالماً بأعيان أجزاء كل شيء، لما قر أنه تعالى عالم الجزئيات ... وإنما قلنا: إن الصادق أخبر عنه لاتفاق قول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ذلك (١).
الشبهات العامة لمنكري البعث:
١ - قال منكرو البعث: إنه لا دليل على البعث والمعاد: وقال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية:٣٢].
فالله جلّ وعلا يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: البعث كائن، ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي القيامة لا شك في وقوعها، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾: أي: أي شيء هي! لا نعرفها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: أي إن نتوهم وقوعها إلا توهماً ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: أي: بمتحققين، فعاقبهم الله ، جزاء وفاقاً فقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ ... [الجاثية: ٣٣ - ٣٥].
٢ - قال منكرو البعث: إن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له:
قال الله تعالى حاكيا ذلك عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٣].
стр. 220
فهؤلاء المكذبون من المشركين قالوا مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث، قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً، فاستبعدوا ذلك وأنكروه، وقال: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت، فلم نر له حقيقة وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: يعني: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة.
ثم رد المولى جل وعلا على هؤلاء المنكرين بالبعث بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه، أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم، وإعادتكم خلقاً كما كنتم (١).
٣ - قال منكرو البعث: إن أمر البعث فرية لا صحية لها:
قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٧ - ٨].
стр. 221
هذا إخبار من الله تعالى عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم برسول الله ﷺ في إخباره بذلك، فقال قريش بعضهم لبعض ... ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمداً ﷺ وإنما نكروه مع أنه كان مشهوراً علماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم، تجاهلاً به وبأمره، (يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشؤون خلقاً جديداً، بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً، ويمزق أجسادكم البلاء كل ممزق، أنكم بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون، ثم قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: هذا الإخبار لا يخلو من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكنه لبّس عليه كما يلبس على المجنون والمعتوه، فكذبهم الله تعالى، ورد عليهم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا، بل محمد ﷺ ، هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء فهم في الكفر المقضي إلى عذاب الله، وفي الضلال البعد من الحق في الدنيا.
ثم ذكر الله جل وعلا لهم أية معانيه، فيها الدلالة لمن كان له عقل على البعث والمعاد، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ:٩].
فالله الذي خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السماوات والأرض ملكه وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون؟ (١).
стр. 222
٤ - الإنكار بذريعة إعادة الموتى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥].
فأخبر المولى جل وعلا، بأنهم إذا تليت عليهم الآيات، واستدل عليهم بها وتبين لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ) أي: إنكارهم للبعث، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقاً، ليشهدوا لنا بصحة البعث فرد الله تعالى عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦].
وهذه شبهة ضعيفة جداً، بل ساقطة، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول، لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق (١)
ولقد وقعت تلك الشبهة ذريعة لإنكار المعاد، فلو قام النبي ﷺ بإحياء أقارب الكافرين، لجاءته الطلبات تترى من كل حدب وصوب، ولعلق كل إنسان إيمانه بالمعاد بإحياء شخص من ذويه (٢).
٥ - قال منكرو البعث:
الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك بالتضاد ما بينهما.
стр. 223
قال الإمام ابن القيم:" وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها، ارتفع الموت وهذا الشجر الأخضر طبعه الرطوبة والبرودة، تخرج منه النار الحارة اليابسة " (١).
وها نحن أولاد أبناء البشر، مع ضعفنا وعجزنا قد استطعنا بما كشفنا من قوانين ونواميس وضعها رب هذا الكون في الكون، - وعلمناها بما شاء من وسائل التعليم - أن نعيد الحرارة بعد ذهابها بالضغط على (زر كهربائي) أفيجوز بعد ذلك أن نتساءل هذا التساؤل الساذج القائل: من ذا الذي يستطيع أن يوجد الحرارة بعد ذهابها من الجسم بموته، أو تمزقه، أو فنائه! (٢).
٦ - قال منكرو البعث: إن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه، وتناثرت وتفرقت في حوالى العالم، فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم، أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يُعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى!؟ وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى!
قال الإمام الرازي:" والجواب عنها: " أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته، أما إذا سلمنا كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات، فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى، ولما سلمنا كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، كان قادراً على إعادة التأليف والتركيز والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنه متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية" (٣).
стр. 224
٧ - قال منكرو البعث: إن إعادة الشيء الذي انعدم وفني مستحيلة فيكف تقولون بها؟
والجواب أن يقال: بمنع امتناع الإعادة، إذ الإعادة أسهل من البدء - في مقاييسنا نحن البشر - أما في قدرة الله تعالى، فالبدء والإعادة سواء، كلاهما على الله يسير، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم:٢٧].
قال التفتازاني: "ولو سلم فالمراد: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك، ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه " (١). ... ويشار هنا إلى إجماع أهل السنة إلى أن الأجسام الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها، كما نقله جماعة من أهل العلم منهم الإمام القرطبي (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان ين لوازم الإعادة ولوازم البدأة فرق" (٣)، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصاً وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخاً، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائماً في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المتغيرة (٤).
وذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أن أكثر المسلمين يقولون: إن المبتدأ في الدنيا هو المعاد في الآخرة (٥).
стр. 225
٨ - قال منكرو البعث: إن الإعادة أمر خارج عن نطاق القدرة، فهذا العالم أجهده وأعياه، فلا يستطيع رده بعدما أفناه، فإحياء الموتى أمر غير ممكن!
وجواباً عن هذه الشبهة السقيمة يقال: إنما يعيا ذو القدرة المحدودة، الذي يبذل جهداً في العمل، ويحتاج لآلة أو طاقة، أما الآلة القادر على كل شيء فهو كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢]، وحيث أن إحياء الموتى أمر ممكن وليس محالاً، فسعة القدرة الإلهية شاملة لهذا المورد، يقول تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ [هود:٤].
قال جل شأنه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة:١٤٨]، فذكر سبحانه أمر المعاد وأردفه بالعموم وشمول القدرة الإلهية، وذكر القدرة دليل على إمكان الإعادة.
٩ - قال منكرو البعث: أن المعاد أمر لا فائدة فيه، فما الداعي لتخريب هذا العالم بعد إبداله بعالم آخر! والحكمة تقتضي دوام النوع الإنساني شيئاً بعد شيء، هكذا أبداً، كلما مات جيل خلقه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم حييه بعد ذلك، فلا حكمة فيه!!
قال جواباً عن هذه الشبهة: إن حكمة الله تعالى وعظمته أكبر مما تجلى في هذا العالم الذي خلقه للفناء، ولو كانت حكمته محدودة بهذه الدنيا الفانية، لكان خلقها كالعبث واللعب، والله جل وعلا وتقدس منزه عن ذلك سبحانه.
١٠ - قال منكرو البعث: إذا أكل إنسان إنساناً آخر، وصارت أجزاء المأكول في أجزاء الأول: فكيف يعودان؟ إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء! بمعنى: أيعود الشخصان وقد صارا جثة واحدة؟ أم يعود واحد منهما فقط، فأين الثاني؟
стр. 226
جواب هذه الشبهة في قوله جل وعلا: (وهو بكل شيء عليم) ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية، وأجزاء فضلية، وفي المأكول هي ما كان له قبل الأكل، وهو بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للأكل، وينفخ فيها روحه، ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع، المبدّدة في الأصقاع بحكمته الشاملة، وقدرته الكاملة (١).
ويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق:٤].
ومعنى الآية الكريمة: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم إذا ماتوا، فلا يعزب ذلك عن علمه، وعندنا مع علمه بذلك كتاب حفيظ، أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ، قد أثبت فيه ما يكون (٢).
١١ - قال منكرو البعث: البعث أمر غيبي غير محسوس، ونحن لا نؤمن إلا بما تدركه الحواس، فلا نصدق بشيء وراء الحس (٣).
قيل لهم:
أولاً: أليس الله جل وعلا قد ضرب الأمثلة، وأقام الشواهد والنماذج المحسوسة التي تشاهدونها بأعينكم، فذكر جملة من هذه الدلائل والشواهد، لتفكروا بعقولكم التي تؤمنون بوجودها، مع أنكم لا تشاهدونها ولا تعرفون إلا آثارها، ومنها:
- اليقظة بعد النوم، فقد استدل به على جواز الحشر والنشر، فإن النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال جل شأنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠].
- وقصة أصحاب الكهف وبقرة بني إسرائيل وطيور إبراهيم وغيرها، فيها دلائل ظاهرة بينة على البعث والمعاد.
стр. 227
ثانياً: ماذا تريدون بالمحسوس الذي لا تؤمنون إلا به؟ أتريدون محسوساً يُرى بالعين أو يسمع بالأذن، أو يشم بالأنف، أو يذاق باللسان، أو يقبض عليه باليد؟
إن كثيراً من الأشياء موجودة، ولكنها لا رائحة لها، ولا مذاق لطعمها، ولا يمكن أن تمسك باليد، وأنتم تعرفونها ولا تنكرونها، وتستدلون على وجودها بآثارها.
ثالثاً: هذه الروح التي بين جنبيكم صفوها لنا، وبينوا لنا حقيقتها، أو لا تؤمنون بها، وهي تسري في أجسادكم.
حدثونا عن الأحياء الدقيقة، والفيروسات الخفية التي تعيش في ثنايا الكون، ولم تكتشف إلا في عهد قريب، هل تؤمنون بها أم لا؟ ونحن لا نعرف عنها إلا الشيء اليسير.
نجدكم تؤمنون بكثير من الحقائق التي لا تلامسونها، كالكهرباء والمغناطيس وهي من خلق الله تعالى، أفلا تؤمنون بالبعث الذي بينت شواهده، وكثرت دلائله.
١٢ - قال منكرو البعث: حركات الفلك مستديرة، والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد (١).
فالجواب: أن يُقال: إن الأصل في إبطال هذه الشبهات، أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق، ولهذا السر فإنه تعالى بدأ في بعض المواضع من القرآن كبداية سورة يونس ﵇، بذكر الدلائل الدالة على حدوث الأفلاك ثم أردفها بما يدل إلى صحة القول بالمعاد.
فهذه جملة من شبهات منكري البعث والمعاد، ترى كلها متهافتة ساقطة، لا تقوم في نفسها، فضلاً على أن تقوم في الاستدلال على غيرها.
وكذا من جملة ما ذكر يتبين أن منكري البعث والحشر على قسمين:
الأول: من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة، وإنما اكتفى بالاستبعاد، وادعى الضرورة، وهم الأكثر، وتدل عليه دلائل القرآن الكريم بالتي بينت استبعادهم للمعاد، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠].
стр. 228
والثاني: من ذكر شبهة، وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد (١).
وقد بين لنا القرآن الكريم سبب استبعادهم وكفرهم وعنادهم فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ ق ٥. والحق: هو القرآن , وقيل: الإخبار بالبعث، ولذا دلهم بعد هذه الآية على دلائل قدرته تعالى على البعث فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٦ - ١١] (٢).
فهذا هو المعاد الذي أخبرت به الرسل، فهو برئ من كل أنواع الاعتراضات، وضروب الإلزامات، فلا مطمع للعقل في الاعتراض عليه ولا يقدح فيه بشبهة واحدة (٣).
стр. 229
المبحث الثاني: مشركو العرب والبعث ،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العرب الجاهليون وإنكار البعث.
المطلب الثاني: إيمان بعض الجاهليين بالبعث.
стр. 230
المطلب الأول العرب الجاهليون وإنكار البعث:
العرب الذي بعث إليهم النبي ﷺ ، قد أنكروا جملة من الأمور، وجمعت أنواعاً من الكفر منها (١):
- إنكار البعث وجحده فقالوا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس:٧٨].
- وكان إنكار البعث عند مشركي العرب ظاهرة في أشعارهم، حتى قال بعضهم حياة وموت ثم نشر: حديث خرافة يا أم عمرو.
- ولبعضهم مرتبة في أهل بدر من المشركين: يقول فيها:
فماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزي تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (٢)
وقد جعل الشهرستاني الدهرية، الذين يسندون الحوادث إلى الدهر، وأن الدهر يستقل بالتأثير من المعطلة فقال: معطلة العرب أصناف:
- صنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني.
- وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة (٣).
لقد حكى القرآن الكريم تكذيب المشركين بالبعث واستبعاده، إذ كانوا يرون أن الموت نهاية، وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول، ولذا تعجبوا من قول النبي ﷺ بوجود البعث والحساب، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام:٢٩]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [النحل:٣٨]، ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون:٣٥ - ٣٦].
стр. 231
وها هو القرآن الكريم يحكي استبعادهم في صورة يأسهم منه، فيقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة:١٣]، قال العلامة السمعاني:" ﴿ ... قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: يئسوا من البعث بعد الموت، وهذا في المشركين ظاهر ... لأنهم كانوا ينكرون البعث، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ " (١).
وقال جل وعلا في سورة مريم [٦٦]: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وهذا القول خرج من بعض المشركين على وجه الإنكار والاستبعاد، ثم إن الله تعالى أقام الدلالة على صحة البعث بقوله سبحانه: ... ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم:٦٧]، أفلا يعيده وقد صار شيئاً (٢)، قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذ لا شك أن الإعادة أهون من الإيجاد أولاً (٣).
فقضية البعث والمعاد لاقت إنكاراً شديداً من قِبل المشركين، ولذا كان موضوع البعث أحد الموضوعات التي تندروا بها وسخروا منها، وكانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدخان ٣٥ - ٣٦].
ومن أنكر البعث على ما ذكره الأخباريون، قوم من قريش كانوا زنادقة أنكروا الآخرة والربوبية، أخذوا زندقتهم هذه من الحيرة (٤).
стр. 232
فرأي من أنكر الحشر والبعث من أهل الجاهلية، أن الحياة حياة واحدة، هي حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا، ولا يكون بعد الموت بعث ولا حساب نحيا ونموت، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، وما يميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر، فالحياة إذن: حياة وموت في هذه الدنيا، وهب استمرار للاثنين على مدى الدهر، يولد إنسان ثم يموت ليحل محله إنسان آخر، وهكذا بلا انتهاء (١).
ومن المعلوم أن الباعث والمحرك للعبادة هو إيمان المرء بيوم آخر يحاسب ويجازي على أعماله، وهنا يرد هذا التساؤل وهو: إذا كان أغلب أهل الجاهلية لا يؤمنون بثواب ولا عقاب ولا حساب، ولا يقيمون للبعث وزْناً ولا يعرفون له معنى، فلم يعيدون الأصنام ويقدمون لها القرابين والنذور!
والجواب يظهر جلياً في قوله جل وعلا: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة:٢٠٠].
قال الإمام القرطبي:" كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها، ولا يؤمنون بها" (٢).
فالعقلية الجاهلية لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء، ولا تتصور العاقبة السيئة إلا تصوراً مادياً، وهذا يفسر لنا تقربهم لآلهتهم المزعومة، إنما هي لمصالح ومنافع دنيوية، وخوفهم منها، لاعتقادهم أنها تضرهم وتهلكهم وتنزل بهم الشدة في هذه الدنيا (٣).
стр. 233
وهنا يؤكد القرآن الكريم على حقيقة مهمة، وهي أن كل من أنكر اليوم الآخر، أو مارى فيه بالأوهام والظنون، فإنه يعيش في وهم وفي ضلال بعيد قال جل وعلا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ:٨]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى:١٨].
فمن ينكر البعث فهو غداً في العذاب، واليوم في الضلال عن الصواب (١).
وهؤلاء المنكرون الذين يمارون في الساعة، ويجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي في جهل بيّن، لأن الذي خلق السموات والأرض قادر عل إحياء الموتى بطريق الأولى والأخرى (٢).
مع العلم أن المشركين لم يكونوا مطبقين على أن البعث غير آت، بل كان منهم من يقر بالبعث، ومنهم من يتشكك في أمره، كما قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ [النبأ:١ - ٣].
المطلب الثاني إيمان بعض الجاهليين بالبعث:
مع وجود التيار الجارف الذي كان يصب في عقول المنكرين للبعث، بأنه لا بعث ولا حساب، ولا حقيقة لما يقال من وجود يوم آخر، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، ومع هذا الركام العقائدي المنحرف، وُجد جمع من عقلاء العرب وحكمائهم، كانوا غير موافقين لما ابتدع، ولا متبعين لما شرع من عبادة الأصنام، وإنكار البعث والقيام لرب العالمين.
فكان فريق من الجاهليين العرب يؤمنون بالبعث وحشر الأجساد بعد الموت، وكان هذا ظاهراً في أشعارهم ومنهم:
١: يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته الطويلة:
стр. 234
يؤخر فيوضع في كتاب فيدّخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم (١)
قال الأصمعي:" جامع زهير قوماً من يهود، أي قاربهم، فسمع بذكر المعاد فقال قصيدته" (٢).
ويقول ابن قتيبة:" كان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ومن معلقته ما يحمل على القول إنه كان مؤمناً بالله وبالبعث وبالحساب، بدليل قوله:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم " (٣) يقول أحمد شوقي ضيف:" وإذا صحت نسبة البيتين إليه، كان ذلك دليلاً على أنه أحد من تحنفوا في الجاهلية، وشكوا في دينهم الوثني، وأغلب الظن أنه لم يفارق دين قومه، وإنما هي خطرات كانت تمر به" (٤). وقد ذكر عنه: أنه كان يمر بالعضاه وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم (٥).
قال ابن قتيبة عن زهير:" وهو جاهلي لم يلحق الإسلام " (٦).
٢: قس بن ساعدة الإيادي: كان يعتقد التوحيد، ويؤمن بيوم الحساب (٧) ... وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية (٨)، وقد ضرب به المثل في بلاغته فيقال: أبلغ من قس، وكان أبلغ العرب (٩)، وكان مما قال في مواعظه: ورب الكعبة، ليعودون ما باد، ولئن ذهب ليعودون يوماً. وقال أيضاً:
стр. 235
كلا بل هو الله إله واحد ... ليس بمولود ولا والد
أعاد وأبدى ... وإليه المآب غدًا
وأنشد في معنى الإعادة:
يا باكي الموتى والأموات في جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق
دعهم فإن لهم يوماً يصاح بهم ... كما ينبه من نوماته الصعق
حتى يجيئوا بحال غير حالهم ... خلق مضى ثم هذا بعد ذا خلقوا
منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الأزرق الخلق (١) وكان أيضاً من شعره في هذا المقام قوله:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يسعى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر (٢)
٣: أمية بن أبي الصلت: وهو الشاعر الوحيد الذي جاء أكثر شعره في نزعات دينية وفكرية، ذلك لأنه كان في شك من عبادة قومه، وكان على شاكلة غيره ممن سئم تلك العبادة، ينهى قومه عنها، ويسفه أحلامها، وفي شعره المنقاد بالجنة والنار والبعث، وبصحة البعث الجسماني، وبوجود الجنة والنار بالمعنى الحقيقي لا المجازي (٣).
وقد صدّقه النبي ﷺ ، في شعره، فعن عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ ، يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، وزاد في رواية: إن كان ليسلم، وفي حديث ابن مهدي: فلقد كاد يسلم في شعره (٤).
قال الأصحاب: ذهب أمية بن أبي الصلت في الشعر بعامة ذكر الآخرة (٥).
стр. 236
وقد ذهب البعض إلى أن غالب أشعار أمية الدينية، هي من الأشعار المنحولة، وكان مأخذهم في ذلك ما قيل عن بعض المستشرقين، من أن النبي ﷺ -اقتبس القرآن الكريم من شعر أمية بن أبي الصلت، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً، فالمعروف من سيرة أمية بن أبي الصلت، أنه قد تأثر بالديانتين اليهودية والنصرانية، واطلع على الكتب القديمة (١)، ولذا كان منبع شعره الموافق لما في القرآن الكريم، هو ما كان موجوداً في كتب الديانات القديمة، والتي فيها حق وباطل بعد النسخ والتبديل.
على أن أمية قد أدرك الإسلام ورأى رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، وسمع القرآن عن النبي ﷺ -ولكنه عاند وكفر، فروى الإمام الطبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه: أن أمية بن أبي الصلت قال له: إني أجد في الكتب صفة نبي يبعث من بلادنا، وكنت أظن أني هو ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف، قال: فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة، إلا أنه جاوز الأربعين، ولم يوح إليه فعرفت أنه غيره، قال أبو سفيان: فلما بعث محمد، قلت لأمية عنه فقال: أما إنه حق فاتبعه، فقلت له: فأنت ما يمنعك؟ قال: الحياء من نسيات ثقيف أني كنت أخبرهن أني هو، ثم أصير تبعاً لفتى من بني عبد مناف (٢).وقد كفر أمية بالنبي ﷺ بغياً وحسداً، وكان يحرض قريشاً بعد وقعه بدر، ويرثي من قتل بها (٣).
قال الشيخ علي القاري:" والغرض أنه ﷺ استحسن شعر أمية، واستزاد من إنشاده، لما فيه من الإقرار بوحدانية الله تعالى والبعث " (٤).
стр. 237
والشاهد فيما نحن بصدده: أن العلماء ذكروا أن أمية بن أبي الصلت، كان من يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث (١).
وذكر أهل العلم جماعات من الجاهليين ممن كانوا يؤمنون بالبعث والمعاد (٢) ولكن كانوا قله، خلافاً لما ذهب إليه محمد بن حبيب الأشمي في المحبر حيث قال: وكان أكثر العرب يؤمنون بالبعث (٣).
وهذا القول يخالف الوارد في القرآن الكريم من بيان أوجه البعث والمعاد وإمكان وضرب الأمثلة المشاهدة والمحسوسة، وما في ذلك إلا لكثرة المكذبين والمنكرين له، ولذا رد القرآن الكريم على منكريه في غالب سور القرآن، فأبان ووضح ووجه ودلل.
وما يستدل به الأخباريون بإيمان بعض الجاهلين بالبعث، ما يعرف عندهم بالعقدة أو البلية: وهي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت، يقول الشهرستاني:" وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها، فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي " (٤)، وذكروا في ذلك أشعارًا.
ويقول السهيلي:" البلية: الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها إذا مات حتى تموت جوعاً وعطشاً، ويقولون: إنه يحشر راكباً عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلاً، وهذا على مذهب من كان منهم يقول بالبعث وهم الأقل" (٥).
стр. 238
وكانت طريقتهم في ذلك: أن أحدهم إذا مات، بلوا ناقته، فعكسوا عنقها إلى مؤخرتها مما يلي ظهرها، أو مما يلي كللها أو بطنها، ويأخذون ولية فيشدون وسطها، ويقلدونها عنق الناقة، ويتركون الناقة في حفيرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت، وربما أُحرقت بعد موتها، وربما سلخت وملئ جلدها تماماً (١).
стр. 239
المبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عقيدة نبي الله موسى ﵇ وقومه في المعاد.
المطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد القديم والأسفار.
стр. 240
المطلب الأول عقيدة نبي الله موسى ﵇، وقومه في المعاد:
إن الشرائع السماوية جاءت بالإقرار على المشتركات، ومن تلك المشتركات المسلمة بين تلك الشرائع والأديان، الإيمان باليوم الآخر (البعث والحساب والجزاء) إلا أن في القرآن الكريم من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد، وعامة ما فيها الوعد والوعيد، ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد وقيام القيامة الكبرى، وقد قيل: إن ذلك مذكور في التوراة أيضاً، لكن لم يبسط كما بُسط في غير التوراة (١).
فالقرآن الكريم يحفل بكثير من خطابات موسى ﵇ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥].
ويقول جل وعلا على لسان موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦].
стр. 241
وقال تعالى مندداً بقوم موسى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف:١٤٦].
وقوله تعالى عن محاجة نبي الله موسى ﵇ لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ [القصص:٣٧].
وقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر:٢٧].
وذكر جل وعلا عن مؤمن آل فرعون أنه كان يحتج على فرعون وقومه بالمعاد، فقال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر:٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣].
وحين ذكر المولى جل وعلا قصة سحرة فرعون , وإيمانهم بالله جل وعلا قال حكاية لقولهم: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه:٧٣ - ٧٦].
стр. 242
والآيات في هذا المقام كثيرة تبين ما كان عليه نبي الله موسى ﵇ وقومه من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وهكذا القرآن، فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بياناً وتفصيلاً، وبين الأدلة والبراهين على ذلك" (١).
فأمر البعث والمعاد كان مشتهراً في أهل الكتاب، وكانوا يتحدثون به واستمر ذلك فيهم، ومن ذلك ما أخرجه ابن إسحاق عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلمة بن وقش قال: كان بين بيوتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال: ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت وذلك قبل مبعث رسول الله ﷺ فقالوا: ويحك يا فلان، أو ويلك، أو هذا كائن، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ ويجزون عن أعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، لوددت أن حظي من تلك النار، أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطينون عليّ وإني أنجو من تلك النار غداً (٢).
وبعد البعثة النبوية تروي أم المؤمنين عائشة ﵂: قالت: دخلت علي عجوزان من عُجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت: فكذبتهما ولم أنعم أصدقهما، فخرجتا ودخل عليّ رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال ﷺ :" صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم" (٣).
стр. 243
وكانت لليهود خيالات وأوهام نشأت من الفوقية التي يعيشونها والعنصرية البغيضة التي تلبسوا بها، وذلك أدى إلى انحراف ولا بد في العقائد التي شملت عليهم كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة:٨٠].
وقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة:١١١].
يقول الإمام ابن كثير:" يقول تعالى إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليم ذلك بقوله (قل أتخذتم عند الله عهداً) أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى "بأم" التي بمعنى "بل" أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه (١).
وجاء في الآية الأخرى قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران:٢٤].
فالذي حملهم على التولي والإعراض هو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وغرهم في دينهم، أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياماً معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطاناً (٢).
وعليه: فمن جملة المزاعم التي يزعمها اليهود في استحقاقهم الدار الآخرة خالصة لهم وحدهم دون سائر البشر:
стр. 244
١ - زعمهم: أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، لزعمهم أن الله قد غفر لهم ذنوبهم إلا ذنباً واحداً، وهو عبادة العجل، الذي سيعاقبهم الله عليه في كل أجيالهم، وذلك بتعذيبهم في النار أياماً حددوها بأنفسهم.
٢ - زعمهم: أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، فرد الله تعالى عليهم هذا الزعم الباطل فقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة ١١١ - ١١٢].
فاليهود أخلوا بركن الإيمان باليوم الآخر (١).
المطلب الثاني عقيدة الآخر في العهد القديم والأسفار:
بعد دخول التحريف في كتب اليهود، ظهر بوضوح خلوها إلا إشارات يسيرة عن الحديث عن اليوم الآخر، وما فيه من أحداث، ولذا ذكر الإمام ابن حزم أن مذهب اليهود فيه ميل وقرب من مذهب الدهرية، فيقول: " وإن دين اليهود ليميل إلى هذا ميلاً شديداً، لأنه ليس في توراتهم ذكر المعاد أصلا، ولا الجزاء بعد الموت، وهذا مذهب الدهرية بلا كلفة " (٢).
فالتحريف سمة من سمات اليهود، فقد حرفوا التوراة، فأخفوا بعض النصوص، وحذفوا البعض الآخر، ولذا فإن أسفارهم المقدسة لديهم تكاد تكون خالية منها (٣).
стр. 245
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: " وليس في التوراة التي في أيدي اليهود والنصارى بيان صريح للبعث والجزاء بعد الموت، وإما فيها وفي مزامير داود إشارات غير صريحة" (١).
وبعد حدوث التغيير والتبديل في العقيدة اليهودية التوراتية، التي كانت في أساسها تؤمن بالبعث الجسماني يوم القيامة، اختلفت فرق اليهود في عقائدها بشأن البعث، فانقسمت إلى طائفتين:
الطائفة الأولى:
وهي التي تنكر فكرة البعث والحساب والجنة والنار، ولا ترى حياة سوى هذه الحياة الدنيا، ومن طوائفهم التي تنكر البعث والمعاد، طائفة الصدوقيين وهي الطائفة التي اشتهرت بالإنكار، فأنكرت المعاد والملائكة والمسيح المنتظر، وغيرها، "ويبدو أن الأسينين أيضاً لم يكونوا يؤمنون بالبعث وبعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث، وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها" (٢)
الطائفة الثانية: الفريسيون، وبقية الطوائف اليهودية على وجه الإجمال يؤمنون باليوم الآخر، لكنه إيمان متذبذب؛ لقلة النصوص المتعلقة باليوم الآخر، والتي لا تعدو أن تكون إشارات عابرة (٣).
في حين يرى البعض أن فرقة الفريسيين، تعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض، ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان فهم ينكرون على هذا البعث يوم القيامة (٤).
стр. 246
يقول د. دراز:" لا نصادف منذ آدم حتى موسى إلى آخر عهده أية إشارة في أي مكان إلى حياة بعد الموت كأن الم يكن العقيدة الحياة الأخرى مكان في أديانهم" (١).
وقد أرجع بعض الباحثين خلو التوراة إلا إشارات عن اليوم الآخر لعدة أسباب منها:
١ - معرفة بني إسرائيل لهذه العقيدة التي لا تحتاج إلى تكرار، وصرح بهذا ابن كمونة اليهودي (٢)
٢ - أن ثواب الآخرة مما يستدل عليه بالعقل، فاختصرت التوراة الحديث عنه، اتكالاً على العقل.
٣ - أن النبوة من شأنها الكلام عن الحوادث والقريبة للحاجة إليها وتختصر في الحوادث البعيدة، وهذا السببان أشار إليهما سعد الفيومي (٣).
في حين أرجع بعض الباحثين إهمال اليهود لعقيدة الإيمان باليوم الآخر لمجموعة من الأسباب منها:
١ - الرغبة في التسلط على الشعوب الأخرى.
٢ - اهتمامهم البالغ بأمور الحياة الدنيا.
٣ - التطلع إلى الخلاص من الاضطهاد.
أما الأسباب التي ذكرت لخلو التوراة من الحديث عن اليوم الآخر إلا إشارات، فهي أسباب غير مقبولة، بل إن خفاء مثل هذه الحقائق الأساسية التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، دليل واضح وبرهان بيّن على دخول يد التحريف في صياغة عبارات التوراة، التي كتبت بعد موسى ﵇، في حين ما ذكره ابن كمونة اليهودي غير مُسَلّم، إذ لا يصح الاعتماد على معرفة الناس، فضلاً عن عقولهم كما يقول الفيومي، خاصة في أمر البعث والمعاد.
وهنا ينبغي أن يُعلم أن النصوص القليلة، والإشارات النادرة، التي وردت في العهد القديم والأسفار، ويُعبر عنها بيوم القيامة ضمناً، يراد بها أحد أمرين:
стр. 247
الأول: هو البعث على حقيقته، وهو المعاد والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، وهذا ورد عن جماعة من علماء اليهود ومفكريهم، كما جاء على لسان سعد الفيومي:" إن إحياء الموتى الذي عرفنا ربنا أنه يكون في دار الآخرة للمجازاة، فذلك مما أمتنا مجمعة عليه ... إلى أن قال: لأن المقصود من جميع المخلوقين هو الإنسان، بسبب تشريفه بالطاعة وثمراتها الحياة في دار الجزاء" (١).
ومع الخلاف الذي ذكرناه في طوائف اليهود في تصور اليوم الآخر، ينتقض الإجماع الذي حكاه الفيومي، من أن أمته اليهودية مجمعة على الإيمان باليوم الآخر، وهذا يتبين بالمراد الثاني من التعبير الوارد في نصوصهم المضمن ليوم القيامة.
الثاني: أنه بعث قومي لشعب اليهود يكون في الدنيا، فيفسرون الآخرة والبعث بهذا المعنى، ويصرحون بإنكار البعث الحقيقي يوم القيامة، وذكرنا أنهم الصدوقيون والإصلاحيون، وقد ذكر إنجيل (متّى) أن الطائفة المكذبة بالقيامة، في ذلك اليوم جاء إليه صادوقيون، الذين يقولون لا قيامة وأجاب عيسى عن سؤال أحد تلامذته القائل: أيذهب جسدنا الذي لنا إلى الجنة؟ فقال له عيسى ﵇:" احذر يا بطرس من أن تصير صدوقيا فإن الصدوقيين يقولون: إن الجسد لا يقوم أيضاً، وإنه لا توجد ملائكة لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة" (٢).
ومع هذا الخلاف في البعث إلا أن غالب طوائف اليهود على الإيمان بالبعث وإن اختلفت في بعض تفاصيله ولذا يقول الإمام الشوكاني:" وأهل الكتاب إلى عصرنا هذا يقرون بالمعاد والجنة والنار والحساب والعقاب والنعيم والثواب، ولا ينكر ذلك منهم منكر، ولا يخالف فيه مخالف" (٣).
стр. 248
وأما تلمود اليهود: وهو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سراً جيلاً بعد جيل، ثم دونت بعد ذلك خوف الضياع، فأصبحت تعبر عن ديانة وآداب اليهود (١).
والتلمود اليهودي الذي واجه الإحراق والإعدام لاعتباره أهم مصدر من المصادر اليهودية التي أدت إلى مقاومة اليهود للسلطة والدين المسيحي سرا وعلانية، فقامت حملات الملوك والباباوات ضد التلمود لاعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود، وأصدرت الأوامر بإتلافه وإحراقه، وفي أواخر العصر الوسطى اكتفت السلطات الحاكمة والكنيسة بالرقابة على طبعه دون حرقه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة (٢).
والتلمود وردت فيه إشارة غير صريحة باليوم الآخر، فقد ورد فيه:) أن الجنة مأوى الأرواح الزكية، لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء) (٣)، فهذا النص محتمل أن يقصد به: البعث الدنيوي على ما تعتقده بعض فرق اليهود (٤).
وفي نصوص التلمود: "أن اليهود الذين يرتدون عن دينهم، بقتلهم يهودياً آخر، لا يدخلون الجنة، وإنما تدخل أرواحهم في الحيوانات والنباتات، ثم تذهب إلى الجحيم وتعذب عذاباً أليماً مدة اثني عشر شهراً، ثم تعود ثانية لتدخل في الجمادات ثم في الحيوانات ثم في الوثنيين، حتى ترجع إلى جسد يهودي بعد تطهيرها" (٥).
стр. 249
وهذا هو التناسخ الباطل الذي يقوله أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد، ويزعمون أن الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوانات والحشرات والطيور التي كانت تناسبها وتشاكلها، فإذا فارقت هذه الأبدان، انتلقت إلى أبدان الحيوانات، فتنعم فيها وتعذب، ثم تفارقها وتحل في بدن آخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهلم جرا، فهذا معادها عندهم، ونعيمها وعذابها، لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفق عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو كفر بالله وباليوم الآخر (١).
стр. 250
المبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر ،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عقيدة نبي الله عيسى ﵇ وقومه في المعاد.
المطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد الجديد.