← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يقول د. دراز:" لا نصادف منذ آدم حتى موسى إلى آخر عهده أية إشارة في أي مكان إلى حياة بعد الموت كأن الم يكن العقيدة الحياة الأخرى مكان في أديانهم" (١). وقد أرجع بعض الباحثين خلو التوراة إلا إشارات عن اليوم الآخر لعدة أسباب منها: ١ - معرفة بني إسرائيل لهذه العقيدة التي لا تحتاج إلى تكرار، وصرح بهذا ابن كمونة اليهودي (٢) ٢ - أن ثواب الآخرة مما يستدل عليه بالعقل، فاختصرت التوراة الحديث عنه، اتكالاً على العقل. ٣ - أن النبوة من شأنها الكلام عن الحوادث والقريبة للحاجة إليها وتختصر في الحوادث البعيدة، وهذا السببان أشار إليهما سعد الفيومي (٣). في حين أرجع بعض الباحثين إهمال اليهود لعقيدة الإيمان باليوم الآخر لمجموعة من الأسباب منها: ١ - الرغبة في التسلط على الشعوب الأخرى. ٢ - اهتمامهم البالغ بأمور الحياة الدنيا. ٣ - التطلع إلى الخلاص من الاضطهاد. أما الأسباب التي ذكرت لخلو التوراة من الحديث عن اليوم الآخر إلا إشارات، فهي أسباب غير مقبولة، بل إن خفاء مثل هذه الحقائق الأساسية التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، دليل واضح وبرهان بيّن على دخول يد التحريف في صياغة عبارات التوراة، التي كتبت بعد موسى ﵇، في حين ما ذكره ابن كمونة اليهودي غير مُسَلّم، إذ لا يصح الاعتماد على معرفة الناس، فضلاً عن عقولهم كما يقول الفيومي، خاصة في أمر البعث والمعاد. وهنا ينبغي أن يُعلم أن النصوص القليلة، والإشارات النادرة، التي وردت في العهد القديم والأسفار، ويُعبر عنها بيوم القيامة ضمناً، يراد بها أحد أمرين:

стр. 247

الأول: هو البعث على حقيقته، وهو المعاد والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، وهذا ورد عن جماعة من علماء اليهود ومفكريهم، كما جاء على لسان سعد الفيومي:" إن إحياء الموتى الذي عرفنا ربنا أنه يكون في دار الآخرة للمجازاة، فذلك مما أمتنا مجمعة عليه ... إلى أن قال: لأن المقصود من جميع المخلوقين هو الإنسان، بسبب تشريفه بالطاعة وثمراتها الحياة في دار الجزاء" (١). ومع الخلاف الذي ذكرناه في طوائف اليهود في تصور اليوم الآخر، ينتقض الإجماع الذي حكاه الفيومي، من أن أمته اليهودية مجمعة على الإيمان باليوم الآخر، وهذا يتبين بالمراد الثاني من التعبير الوارد في نصوصهم المضمن ليوم القيامة. الثاني: أنه بعث قومي لشعب اليهود يكون في الدنيا، فيفسرون الآخرة والبعث بهذا المعنى، ويصرحون بإنكار البعث الحقيقي يوم القيامة، وذكرنا أنهم الصدوقيون والإصلاحيون، وقد ذكر إنجيل (متّى) أن الطائفة المكذبة بالقيامة، في ذلك اليوم جاء إليه صادوقيون، الذين يقولون لا قيامة وأجاب عيسى عن سؤال أحد تلامذته القائل: أيذهب جسدنا الذي لنا إلى الجنة؟ فقال له عيسى ﵇:" احذر يا بطرس من أن تصير صدوقيا فإن الصدوقيين يقولون: إن الجسد لا يقوم أيضاً، وإنه لا توجد ملائكة لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة" (٢). ومع هذا الخلاف في البعث إلا أن غالب طوائف اليهود على الإيمان بالبعث وإن اختلفت في بعض تفاصيله ولذا يقول الإمام الشوكاني:" وأهل الكتاب إلى عصرنا هذا يقرون بالمعاد والجنة والنار والحساب والعقاب والنعيم والثواب، ولا ينكر ذلك منهم منكر، ولا يخالف فيه مخالف" (٣).

стр. 248

وأما تلمود اليهود: وهو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سراً جيلاً بعد جيل، ثم دونت بعد ذلك خوف الضياع، فأصبحت تعبر عن ديانة وآداب اليهود (١). والتلمود اليهودي الذي واجه الإحراق والإعدام لاعتباره أهم مصدر من المصادر اليهودية التي أدت إلى مقاومة اليهود للسلطة والدين المسيحي سرا وعلانية، فقامت حملات الملوك والباباوات ضد التلمود لاعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود، وأصدرت الأوامر بإتلافه وإحراقه، وفي أواخر العصر الوسطى اكتفت السلطات الحاكمة والكنيسة بالرقابة على طبعه دون حرقه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة (٢). والتلمود وردت فيه إشارة غير صريحة باليوم الآخر، فقد ورد فيه:) أن الجنة مأوى الأرواح الزكية، لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء) (٣)، فهذا النص محتمل أن يقصد به: البعث الدنيوي على ما تعتقده بعض فرق اليهود (٤). وفي نصوص التلمود: "أن اليهود الذين يرتدون عن دينهم، بقتلهم يهودياً آخر، لا يدخلون الجنة، وإنما تدخل أرواحهم في الحيوانات والنباتات، ثم تذهب إلى الجحيم وتعذب عذاباً أليماً مدة اثني عشر شهراً، ثم تعود ثانية لتدخل في الجمادات ثم في الحيوانات ثم في الوثنيين، حتى ترجع إلى جسد يهودي بعد تطهيرها" (٥).

стр. 249

وهذا هو التناسخ الباطل الذي يقوله أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد، ويزعمون أن الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوانات والحشرات والطيور التي كانت تناسبها وتشاكلها، فإذا فارقت هذه الأبدان، انتلقت إلى أبدان الحيوانات، فتنعم فيها وتعذب، ثم تفارقها وتحل في بدن آخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهلم جرا، فهذا معادها عندهم، ونعيمها وعذابها، لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفق عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو كفر بالله وباليوم الآخر (١).

стр. 250

المبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: عقيدة نبي الله عيسى ﵇ وقومه في المعاد. المطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد الجديد.

стр. 251

المطلب الأول عقيدة نبي الله عيسى ﵇، وقومه في المعاد: أخبرنا القرآن الكريم عن اتفاق كافة الرسالات السماوية على أمر البعث والمعاد، قال جل وعلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران:١١٣ - ١١٤]. فوصف جلّ وعلا أهل الكتاب ببعض الصفات المحمودة المرضية، وذكر أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من المشتركات التي جاءت الرسل ﵈ بالإيمان بها. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١]. فهنا اعتراف صريح من الكافرين بقيام الحجة عليهم، وذلك أن الرسل ﵈، جاؤوهم يخوفونهم لقاء الله جل وعلا، فقيل لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ ... [الزمر:٧١].

стр. 252

وهذا الأمر المتفق عليه بين كل الشرائع، جاء في آيات القرآن الكريم عن نبي الله عيسى ﵇، ما يدل على الإيمان بالبعث والمعاد الأخروي: ١ - قال سبحانه جل وعلا عن نبيه عيسى ﵇، حين تكلم في مهده: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم:٣٣]. فعيسى ﵇، سلّم على نفسه في هذه الأوقات، وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته، أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع، فأخبرهم أنه سيموت، وأنه سيبعث حيا (١). ففي الآية الكريمة "إثبات منه لعبوديته لله ، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق" (٢). ٢ - أخبر الرب جل وعلا: أن عيسى ﵇، علم للساعة، وشرط من أشراط وقوعها، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [الزخرف:٦١] أي: وإن ظهور عيسى، علم يعلم به قرب قيام الساعة، أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة (٣).

стр. 253

٣ - قال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران:٥٥]. والمعنى: أن الله تعالى بشّر عيسى ﵇، بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، والدرجات الرفيعة العالية، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به، وبين الجاحدين برسالته (١). ٤ - وقال عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران:٤٢] فهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهوداً في الدنيا ويعرفه المؤمنون بذلك، وجيهاً في الدنيا والآخرة، أي: له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهوراً في الدنيا، ويعرفه المؤمنون بذلك. (وجيهاً في الدنيا والآخر) أي: له وجاهة ومكانه عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم (٢)، وهو من المقربين عند الله يوم القيامة (٣).

стр. 254

٤ - وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة:١١٦]. اختلف المفسرون في وقت هذا الخطاب، هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟ فذهب إلى الأول: السدي وصوبه ابن جرير الطبري، وأن الخطاب كان حين رفعه إلى السماء. وذهب إلى الثاني قتادة، ورجحه ابن كثير، وقال:"والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر والله أعلم: أن ذلك كائن إلى يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة " (١). وهذه العقيدة الصافية التي ذكره القرآن الكريم، هي العقيدة التي أكدها المسيح ﵇، وبين أنه في الآخرة سيمضي الناس فريقين: هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية. ثم ذكر المسيح شيئاً من عذاب الآخرة فقال: إن أعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، وإن أعثرتك عينك فاقلعهما خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور، من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ. وكذلك ذكر المسيح شيئاً من نعيم الآخرة، وأن في الآخرة، منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكاناً (٢).

стр. 255

فعقيدة النصارى التي لم تتبدل، كانت تؤمن باليوم الآخر، ويبعث الأجساد ورد في قاموس الكتاب المقدس: تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامة الأجساد، وتغيير هذه الأجساد، وبقاؤها إلى الأبد، ثم قال: ولقد علم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون (١). وهذه النصوص والإشارات وغيرها، وإن كانت لا تفصل تفصيلاً دقيقاً كما في نصوص المسلمين المستفيضة في أخبار البعث والمعاد والدار الآخرة، إلا أنها أقرب في التصور إلى الإسلام من اليهود، الذين اعترفوا بخلو أسفارهم من الكلام حول البعث والمعاد، ولذا كان المعاد في التصور المسيحي أظهر مما هو عليه في التصور اليهودي. المطلب الثاني المعاد في العهد الجديد: اصطلح القوم على تقسيم الكتاب المقدس عند المسيحيين إلى قسمين: ١ - العهد القديم. ٢ - العهد الجديد. فالعهد القديم: وهو مجموع الأسفار والكتب التي يعظمها اليهود والمسيحيون، مما كتب بعد موسى ﵇، وهو مدار إيمان اليهود ويؤمن به المسيحيون كتمهيد للجديد. وينقسم العهد القديم إلى ثلاثة أسفار رئيسة: أ. الأسفار التاريخية، وتحوي سبعة عشر سفراً، أهمها خمسة وهي: سفر التكوين، وسفر الخروج , وسفر اللاويون، وسفر العدد، وسفر التثنية. وكانت تسمى بأسفار موسى الخمسة، لاعتقاد الأقدمين من أهل الكتاب أن موسى هو كاتبها. ب. الأسفار الشعرية، وتحوي خمسة أسفار. ج. أسفار الأنبياء، وتحوي سبعة عشر سفراً. وجرى خلاف بين طوائف اليهود في الأسفار من حيث القبول والرد فالسامريون لا يعترفون بشيء من كتب العهد القديم إلا بما يعرف بأسفار موسى الخمسة، وما عدا هذه الخمسة يُدنس الأيدي عندهم. والعهد الجديد: يطلق على مجموع الأسفار التي يقدسها المسيحيون فقط وهو ما كان من الكتاب بعد ميلاد المسيح، ولا يؤمن اليهود بشيء منه. وهذا الاسم مقابل ما يسمى بالعهد القديم. ويتكون العهد الجديد من الأناجيل الأربعة:

стр. 256

(إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا). وهناك سفر خامس يطلقون عليه: أعمال الرسل، واثنتان وعشرون رسالة (١). وأناجيل العهد الجديد، وردت فيها نصوص، دلالاتها واضحة على البعث والمعاد في اليوم الآخر، إلا أنها لا ترقى أن تقارن بما جاء في القرآن الكريم من نصوص المعاد في الوضوح والتكامل، ومع ذلك فهي تعطي صورة من التقارب المعرفي بين النصوص فيما يتعلق باليوم الآخر. وبعد أن لخص د. محمد الصادقي ما في هذه الأناجيل حول القيامة وأحوالها وعدد المواضيع التي تحدثت عن اليوم الآخر، والتي تقارب العشرين موضعاً قال:" إنني بعد التصفح التام في الأناجيل الأربعة، لم أجد تصريحات بالنسبة للمعاد إلا هذه" (٢). ومن أكثر ا لكتب التي تحدثت عن الجنة والنار، إنجيل برنابا، ولكن النصارى يكذبون بهذا الإنجيل الذي ظهر أخيراً في عصرنا هذا (٣). وهذا كتاب لا سند له ولا تاريخ (٤). ونشير في هذا المقام إلى أن معتقد النصارى عن اليوم الآخر وإن كان في مجمله تصوراً صحيحاً إلا أنه نقل عنهم الخلاف في بعض المسائل منها: ١ - هل البعث يوم القيامة يكون بعثاً جسدياً أم روحياً؟ ذهب البعض: إلى أن الاعتقاد العام لدى النصارى هو الإيمان بالبعث بنوعيه الروحاني والجمساني، وهو الذي تدل عليه النصوص الواردة في الأناجيل. وذهب البعض الآخر: إلى أن الاعتقاد الذي عليه النصارى هو: الإيمان بالبعث الروحي دون الجسدي.

стр. 257

يقول الإمام الرازي:" واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني" (١). ويقول العلامة الشهرستاني:" وفي النصارى من قال بحشر الأرواح دون الأبدان، وقال: إن عاقبة الأشرار في القيامة غم وحزن الجهل، وعاقبة الأخيار سرور وفرح العلم " (٢). ويقول العلامة البغدادي:" وأنكرت الحلولية وأكثر النصارى إعادة الأجسام، وزعموا أن الثواب والعقاب إنما يكون للأرواح " (٣). والأقرب من الرأيين، أن الذي عليه العامة من النصارى هو القول بالبعث الجسماني والروحي، جاء في قاموس الكتاب المقدس: "تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامة الأجساد، وتغير هذه الأجساد وبقاؤها إلى الأبد .. "ثم قال": ولقد علم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون" (٤). "والإيمان بالقيامة من الأموات يتعدى الفكرة القائلة بخلود النفس فالكتاب المقدس يعلم أن الروح بعد الموت لن تبقى عارية بلا جسد إلى الأبد بل ستلبس الروح جسداً من جديد، وتقوم به لتعيش حياة دائمة مجيدة، كما قال الكتاب:" فإن سيرتنا نحن هي في السموات التي منها أيضاً ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده "، أما أساس عقيدة القيامة، والدليل الواضح على صحتها، فهي قيامة الرب يسوع المسيح نفسه من بين الأموات، لأنه أين كان المسيح قد قام فالجميع أيضاً سيقومون" (٥).

стр. 258

٢ - اختلفوا في النعيم الأخروي، هل يكون حسيا، بمأكول ومشروب والتذاذ بنكاح، أم هو نعيم ومتعة روحية فقط؟ الذي عليه مذهب جماهيرهم ومعظمهم، ومن ينتسب إلى التدين منهم، أن الخلق لا بد أن يجتمعوا في القيامة، وأن عيسى محاسبهم، فينعم ويعذب ... لكن ليس عذاباً بنيران وسلاسل وأغلال، وغير ذلك مما نعتقده نحن وليس ... أيضاً بمأكول ومشروب والتذاذ بنكاح (١). وقال العلامة الشهرستاني:" وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل وشرب" (٢). وإنكارهم هذا يعود إلى أنهم يرون أن الأجساد يوم القيامة، ستكون أجساداً روحانية، لا تحتاج إلى الطعام والشراب، وليس فيها شهوة الجماع ولا فرق فيها بين جسد المرأة وجسد الرجل (٣). وقد ذكر منكرو النعيم الحسي في الجنة شبهاً متهافتة، رد عليها العلماء وبينوا وجه الخطأ فيها، ومما ذكروه من شبه قولهم: إن كان في الجنة أكل وشراب ونكاح ولباس، لزم أن يكون في الجنة غائط وبول وولادة وتمزيق ثياب وتخريقها، وكل ذلك محال أن يكون في الجنة. قيل: هذا جهل، ولا يلزم شيء مما ذكر، بل يقال: هناك أكل وشرب وليس هناك غائط ولا بول، وهذا غير منكر، إذ لا يلزم في كل طعام أن يكون له فضلة، لو سلمنا أن تكون له فضلة، لما لزم أن يكون فضلة مستقذرة، بل قد تكون فضلات كثيرة طيباً يتطيب به، وشراباً يشرب، مثل المسك، فإنه دم حيوان أو رجيعه، أو العسل فإنه فضلة حيوان معروف وليس شيء من ذلك مستقذراً، بل هو مستطاب مستلذ، ولا يبعد أن تكون فضلات الجنة هكذا بل هو هكذا. وأما الحمل: فلا يلزم شيء منه، إذ قد نجد من النساء العواقر، وهن اللواتي لا يلدن، فكذلك نساء أهل الجنة، لا يلدن ولا يحضن.

стр. 259

وأما اللباس: فلا يتمزق ولا يفنى، وفي لباس بني إسرائيل في المفاز، دليل على بطلان ما يخيل هذا السائل، فالذي يبقي الثياب إلى مدة، قادر على أن يبقيها أبد الآبدين (١). واستدل المنكرون لنعيم الجنة الحسي بنص من إنجيل متى، يقول فيه المسيح: لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء، وقد ورد أيضاً في إنجيل مرقس ولوقا (٢). وهذا يرد عليه من جهتين (٣): الأولى: أنه يخالف ما ورد في إنجيل متى (١٩/ ٢٩): وكل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أمّا أ, أو امرأة أو أولاداً من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبدية. وبالجمع بين النصين، يظهر المراد، فقوله في الإنجيل: ومن ترك زوجة من أجلي في الدنيا فإنه يعطى مائة ضعف، ويرث الحياة الدائمة، كان هو السبب في تشمير كثير من أتباع المسيح في طلب هذا التضعيف، فترهبوا وانقطعوا عن النساء والشواغل. الثانية: أن النص المنسوب إلى المسيح ليس فيه سوى نفي الزواج، وليس فيه نفي لبقية الملذات من الطعام والشراب واللباس وغيرها، وقد ثبت في نصوص الأناجيل إثبات الطعام والشراب في الآخرة. ويمكن أن يقال عما ورد في الإنجيل من نفي التزوج بالنساء في الجنان، من أنه لا يلزم منه نفي التنعم بهم في الجنان، إذ يحتمل أن يراد به أنهم لا يتزوجون الزواج المعروف المألوف، من قاعدة النكاح والزواج الدنيوي، وهو تقدم الخطبة وبذل الصداق والعقد والشروط وغير ذلك مما فيه حرج وكلفة على الناكح، بل يمنحون ذلك ويتملكونه ويرثونه وراثة وتملكاً (٤).

стр. 260

وكذا يقال: إن العقل يدل على جوازه، إذ ليس في ذلك إلا أن الذي خلقنا أول مرة، ومكننا أن نتنعم نعيماً محسوساً، ونتأمل ألماً محسوساً قادر على أن يعيدنا بعد أن يغنينا كما بدأنا، فإن الإعادة إنما هي خلق ثان، ومن قدر على الخلق الأول، قدر على الخلق الثاني، وهذا معلوم بنفسه (١). والنصوص الواردة في الأناجيل تدل على النعيم الحسي في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة تكون برؤية الله فقط، بل بكل أنواع النعيم الحسية كذلك، فهذا المسيح يقول لتلاميذه في العشاء الأخير بعد أن أخذ الكأس وشكر، وأعطاهم فشربوا مهنا كلهم، وقال لهم: الحق أني أقول لكم إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم، حينما أشربه جديداً في ملكوت الله (٢). وقال المسيح: إن في الآخرة منازل كثيرة، وإلا فإني قد قلت لكم: أنا أمضي لأعد لكم مكاناً (٣). وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الدلائل الشرعية والعقلية، أن النعيم يكون في الآخرة روحيا وحسيا، وكذا الشقاء يكون حسيا وروحانيا " قال الإمام الأوزاعي: واعلم أنا بيّنا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون وبالجواري يتمتعون" (٤).

стр. 261

وبعد أن ذكر شيخ الإسلام بعض الدلالات على نعيم الجنة، من مثل قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧]، وقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى: ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ (١) ... قال الشيخ:" وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم ينكرون أن يكون في ا لجنة، أكل وشرب ولباس وانكاح ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن" (٢). ومن دلالة العقل: أن الله تعالى خلق جواهرنا وطباعنا، تلتذ بالمأكل والمشرب، والروائح، والملابس والأصوات الموافقة لجوهرنا، والوطء وقد علمنا، النفس هي الملتذة بذلك، وأن هذه الحواس الجسدية هي الموصلة لهذه الملاذ إلى النفس، فهذه طبيعة جواهر أنفسنا التي لا سبيل في وجودها دونها، فإذا جمع الله يوم القيامة في دار الجزاء بين أجسادنا بعد تصفيتها من كل كدر وبين أنفسنا عادت الطبيعة كما كانت، فجوزيت هنالك ونعمت بملاذها وبما تستدعي طباعها التي لم توجد قط إلا لذلك، إلا أن الطعام غير معان بتار، ولا ذو آفات، ولا مستحيل كما أخبرنا تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة:١٩] (٣). فظهر بما ذكر أن ما انتحلوه من إنكار النعيم والعذاب المحسوس باطل بشهادة العقول، وبنصوص كلام الأنبياء المنقول (٤).

стр. 262

وهذا الذي أنكره النصارى من النعيم الحسي، هو الذي دعا جماعة من أهل العلم إلى تفسير قوله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]: إن النصارى واليهود مع أنهم يؤمنون بالمعاد، إلا أنه نفى عنهم الإيمان في هذه الآية؛ لأنهم لما أنكروا ما أخبر به الرسول ﷺ -من الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر (١). وللشيخ الطاهر بن عاشور تفسير آخر للآية، يخالف ما ذُكر، أشار إليه في تفسيره (٢).

стр. 263

المبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الفلاسفة وانحراف طوائفهم في المعاد. المطلب الثاني: أقوال الفلاسفة في المعاد.

стр. 264

المطلب الأول الفلاسفة وانحراف طرائقهم في المعاد والشرائع: الفلسفة: لفظ أعجمي مركب، مشتقة من كلمة يونانية، وهي: فيلاسوفيا وتفسيرها: محبة الحكمة، فلما عربت قيل: فيلسوف، ثم اشتقت الفلسفة منه، ومعنى الفلسفة: علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، وقيل: هو معرفة الإنسان نفسه، وقيل: علم الأشياء الأبدية (١). وأصبح تعريف الفلسفة عند الإطلاق، وفي الاصطلاح العام، يطلق على مجموعة أراء محددة، ونظرات خاصة للكون والوحي، والنبوات والإلهيات ونحو ذلك، ويعرفها بعض أنصارها تعريفاً يعتبر مضاداً للإسلام ... ومصادماً للسنة، قالوا: هي النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج، وقدرته على مسايرة منطقة إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغاً ما بلغ وجه التباين بينها وبين أوضاع العرف، وعقائد الدين ومقتضيات التقاليد، من غير أن نتصدى لمقاومتها أو التنكيل بها سلطة ما وهي بهذا المعنى تعتبر من أخطر الطواغيت، وأشدها شراسة في محاربة الإيمان والأديان (٢). والفلاسفة هم الحكماء، واشتد نكير الإمام أبي حيان على الإمام الرازي في نقله كثيراً عن الفلاسفة الذين يسميهم (حكماء الإسلام) فقال أبو حيان:" وكثيراً ما ينقل هذا الرجل عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوباً إليهم، وتارة مستنداً به، ويُعنى بحكماء الفلاسفة: الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأن يسموا سفهاء جهلاء، من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء، والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى " (٣). والفلاسفة كما يقول الإمام الغزالي:" أنهم على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون والطبيعيون، والإلهيون " (٤).

стр. 265

وأشار العلامة الشهرستاني إلى جملة فرق الفلاسفة قال:" ضمن الفلاسفة حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلاً، ومنهم: حكماء العرب وهم شرذمة قليلون، ومنهم حكماء الروم، وهم منقسمون إلى القدماء الذين هم أساطير الحكمة، وإلى المتأخرين وهم: المشاءون وأصحاب الرواق وأصحاب أرسطو طاليس وإلى فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم " (١). ومذهب الفلاسفة من أخبث المذاهب، وهم من أضل الناس وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، واتباع سبيل المؤمنين، وغالب علومهم النظر في العقليات، وأما ما كان عليه الرسل فلا يعرفونه، ولذا كانوا يعارضون ما بلغهم من النقليات بما عندهم من العقليات، بآرائهم الفاسدة وأوهامهم الكاسدة، فليسوا في الحقيقة من أهل الإسلام وعلومهم في شيء (٢)، إذ كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفاسد كلام الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة (٣). ولذا فإن الفلاسفة ليسوا أمة واحدة، لها مقالة في العلم والإلهي والطبيعي وغيرهما، بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف - ما لا يحصيه إلا الله تعالى - أعظم مما بين الملة الواحدة، كاليهود والنصارى أضعافاً مضاعفة. فاختلاف الفلاسفة لا يحصره أحد، وليس بين الفلاسفة اتفاق، ومتى قال الرازي في كتبه: (اتفقت الفلاسفة) فيراد بهم: اتباع أرسطوا الأولين وأشهرهم ثلاثة: برقلس، والاسكندر الافرديوس، وثامسطيوس وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون، وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضاً (٤).

стр. 266

وقد زعم الفلاسفة أن عندهم علماً يستغنون به عما جاء به الأنبياء والدهريون كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، ولما سمع سقراط بموسى ﵇ قيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ويروي أن جالينوس قال لعيسى ﵊: بعثت لغيرنا (١) ... ولذا قال بعض أهل العلم: إن قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر:٨٣] يتناول الفلاسفة، وذلك أنه لما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد، وتطهير النفس من الرذائل، لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به (٢). "إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء، وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات، انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤] (٣). ولذا فإن مسلك الفلاسفة في الإلهيات مشوب بالشكوك والشبهات والأوهام، فالحكمة الحقيقية في الكتاب والسنة لا في علوم الفلاسفة، إذ إن " أكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها، لم يكمل بذلك، ولم يزك نفسه "؛ لأن الفلاسفة يأخذون من كل دين -بزعمهم- محاسن ما دلت عليه العقول (٤).

стр. 267

وإنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة، من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء (١). ومن هنا نهى العلماء عن قراءة كتبهم، قال الإمام أبو الوليد الباجي في النصيحة الولدية: "وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد، والبعد عن الشريعة والإبعاد" (٢). قال الإمام أبو حيان: "وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، نُهِى عن قراءة التوراة، مع كونها كتاباً إلهياً، فلأن يُنهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق. وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عُرِّي عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها ولا تكاد تلقى أحداً منهم يحفظ قرآناً ولا حديثاً عن رسول الله ﷺ " (٣). وحين قرأ بعض المسلمين كتب الفلاسفة، اعجبوا بها رغم ما فيها من نظريات تعارض الشرع القويم، حتى حاول البعض المواءمة بين العلوم الفلسفة، وبين ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى أدت بهم إلى اختراع تعاليم جديدة، تبتعد في حقائقها عن الحقائق الشرعية المأثورة. ولذا كان انبهار بعض الناس، ببراعة الفلاسفة في القضايا الكونية والطبيعية طريقاً لتلبس أفكارهم في الإلهيات (٤)، ومن هنا قال الإمام الشافعي:" ما جهل الناس واختلفوا إلا بتركهم مصطلح العرب، وأخذهم بمصطلح أرسطو طاليس " (٥).

стр. 268

فإذا كان أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، وهو ممن أشقى حياته بالنظر في كتبهم، قد آل أمره إلى الحيرة والضلال والشك، فكيف بمن يأتي بعده، قال ابن رشد الحفيد في كتابه، تهافت التهافت:" ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟ " (١). ومن هنا قال الإمام أبو حنيفة لما قيل له: "ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة" (٢). والناظر في كتب الفلاسفة ومقالاتهم، يجد أنهم في أصول الإيمان التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أعظم الناس لها إنكارًا، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله، ولا رسله، ولا كتبه، ولا ملائكته، ولا باليوم الآخر (٣). ومن المواضع التي اضطربت فيها أقوال الفلاسفة، وكانت سبباً في تكفيرهم هو: إنكارهم حشر الأجساد، فقد قال الإمام الغزالي:" فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعاً، إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد، ورد ذلك عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل من تعلق به، وهو مذهب أكثر الفلاسفة،" وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن الإمام الغزالي قد جزم في هذا الموضع بكفر هؤلاء، وكفرهم كذلك قد جزم به سائر علماء المسلمين (٤).

стр. 269

ويتبين حقيقة قولهم في المعاد، في المطلب الثاني: ونخلص من هذا المطلب: أن الفلاسفة هم حكماء اليونان، وكل أمه من أهل الكتب المنزلة وغيرهم لهم حكماء بحسب دينهم، كما للهند المشركين حكماء، وكان الفرس المجوس حكماء، وحكماء المسلمين هم: أهل العلم بما بعث الله به رسوله ﷺ -وأهل العمل به، فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة، صار هذا مطلقاً على كل من سلك سبيل أولئك اليونان واتبعهم في حكمتهم، ومتى ذُكرت هذه الحِكم على وجهها، ظهر فيها من الباطل ما ينفر عنها كل عاقل عرف دين الرسل عليهم الصلاة والسلام (١). فالمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يجب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس، مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين (٢). وهنا يُشار إلى أن أساطين الفلاسفة ومتقدميهم، كانوا معظمين للرسل والشرائع، موجبين لاتباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بما جاؤوا به وراء طور العقل، وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم، وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات، ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل، ويقولون: علومنا إنما هي: الرياضيات والطبيعيات وتوابعها، وكانوا يقرون بحدوث العالم، وإثبات الصانع، ومباينته للعالم، وأنه فوق العالم، وفوق السموات بذاته، كما حكاه عنهم أعلم الناس في زمانه بمقالاتهم، أبو الوليد بن رشد في كتابه (مناهج الأدلة) (٣).

стр. 270

المطلب الثاني قول الفلاسفة في المعاد: مما تقرر في هذا المقام: أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة في ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام، أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى (١). وكذلك اتفقت كلمة المسلمين على القول بالبعث في القيامة، بقول الإمام ابن حزم:" اتفق أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة ... وعلى تكفير من أنكر ذلك " (٢). وكذلك القول الذي كان عليه عامة علماء السلف، وجمهور العقلاء: أن البعث يكون بالروح والجسد (٣). والفلاسفة بالنسبة للمعاد إثباتاً ونفياً على أقسام: ١ - الفلاسفة المنكرون للمعاد واليوم الآخر إنكاراً تاماً، وهؤلاء هم الفلاسفة الدهريون الدوريون، المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة، يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذه قد تكررت مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (٤). قال عنهم الإمام الغزالي: "الدهريون: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان ... وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الزنادقة" (٥). وحكى صاحب المواقف أقوال الناس في المعاد، ثم قال: "والرابع: عدم ثبوت شيء منهما، أي: المعاد الروحاني والجسماني، وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين" (٦).

стр. 271

وهؤلاء لا يعتد بهم في المسألة، ولا في الفلسفة، فهم زعموا أنه هذا الهيكل المحسوس بماله من المزاج والقوى والأعراض، وأن ذلك يفنى بالموت وزوال الحياة، ولا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة، وأنه لا إعادة للمعدوم. وهذا معلوم الفساد، وفيه تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة، وتكذيب للشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة (١). يقول جل وعلا في بيان حقيقة المكذبين بالبعث والمعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية:٢٤] وهذه الآية تشمل طائفتين من الفلاسفة المنكرة للمعاد: الأولى: الفلاسفة الدهرية والطبائعية. الثانية: الفلاسفة الدهرية الدورية. وللسلف في معنى الآية الكريمة تفسيران: الأول: معنى قولهم: (نموت ونحيا): أي: يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبداً، وهو قول الطائفة الأولى. والثاني: أنهم عنوا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم، ويتكرر ذلك منهم أبداً، ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية (٢). ٢ - الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهو قول الفلاسفة الإلهيين ... فقالوا: إن الأجساد لا تحشر وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية (٣).

стр. 272

قال الإمام ابن الجوزي: "وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنة ونار جسمانيين، وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس، ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمدياً أبداً، إما في لذة لا توصف وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النفوس المثلوثة" (١). فهؤلاء المتفلسفة يقولون: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة، لتفهيم المعاد العقلي، واللذة والألم العقليين، فيجعلون النصوص الشرعية الواردة في البعث والمعاد من قبيل التخييل والتمثيل الخالية عن الحقائق، وإنما جاء بها الأنبياء والرسل من ربهم جل وعلا لأمور: ١ - لتفهيم المعاد الروحاني، وما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم. ٢ - أن فيه مصلحة العامة، حتى يرتدعوا، ولذا صرحوا بأن الرسل تكذب للمصلحة. ٣ - وفيه تفيهم لمعنى الرب والملائكة وغير ذلك (٢). وقولهم هذا: أن الحقائق في مقام الأمثال، هو تحكم بلا دليل (٣)، مخالف لاعتقاد المسلمين كافة، قال الإمام الغزالي: "ولقد صدقوا في إثبات الروحانية، فإنها كائنة أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به" (٤).

стр. 273

وقد تتبع الإمام الغزالي حجج الفلاسفة في إنكارهم حشر الأجساد، وإنكارهم اللذات الجسمانية في الجنة، والآلام الجسمانية في النار، وإنكار وجود جنة أو نار، ورد عليها وفندها، والسبب الذي حملهم على إنكار هذه الأمور هو استحالتها بالدليل العقلي، فطالبهم بإظهارها، ثم رد عليها في كتابه "تهافت الفلاسفة" (١). واحتجوا في إنكارهم لحشر الأجساد، ببعض الشبه العقلية منها: ١ - استحالة إعادة المعدوم. ٢ - استحالة عدم تناهي الأبعاد. أما دليلهم الأول: وهو استحالة إعادة المعدوم، فيجاب عنه بأوجه: الأول: أنه لا دليل على امتناع إعادة المعدوم، بل الدليل دل على إمكانه. الثاني: أن المعاد ممكن التحقق لتحققه في المبتدأ، والله جل وعلا يقول: ... ﴿ ... كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعرف:٢٩]. الثالث: أن إعادة المعدوم يراد منه: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك. الرابع: أن هذا مبني على قاعدتين وهميتين، وهما: إنكار القدرة، وإنكار العلم بالجزئيات، وعليهما بنى منكر وحشر الأجساد من الفلاسفة، ولذا فالقرآن قرر المعاد بهذه الأصول وهي كمال القدرة، وكمال العلم، وكمال الحكمة الإلهية (٢). وأما دليلهم الثاني: وهو استحالة عدم تناهي الأبعاد، والقائلون به على جهتين: - منهم من قال: الإنسان قديم بالنوع، والنفوس الناطقة غير متناهية كالأبدان، فلو قيل بالحشر الجسماني يلزم اجتماع تلك الأبدان غير المتناهية في الوجود، إذ لا بد لكل نفس من بدن مستقل، فيلزم بعد غير متناه، لتجتمع فيه تلك الأبدان غير المتناهية. - ومنهم من قال: إن الإنسان أفراده غير متناهية، والعناصر متناهية فأجزاؤها لا تفي بتلك الأبدان فكيف يحشر؟ (٣).

стр. 274

وهذه مع كونها شبهة متهافتة، إلا أن هذا الزعم الذي تفوه به الفلاسفة زعم باطل، لأنهم يقولون بقدم العالم، وهذا يعني: وجود أبعاد زمانية لا تتناهى في القدم، ويقولون بأن المادة لا تفنى، وهذا يعني أيضاً: وجود أجسام لا تتناهى، فهذا يرد على دعواهم الباطلة، مع كون القول بقدم العالم عقيدة فاسدة، إلا أن مسلّمات الخصم، وهي لازم قولهم تبطل دعواهم (١). وثانياً: أن الازدحام والتصادم والتضايق، هو من خصائص الأجسام الدنيوية، وليس في الأجسام الأخروية ازدحام وتضايق، فأحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، وصفة الأرض المحشورة تختلف عن صفة الأرض الدنيوية، والقرآن نص على أنهم مجموعون، مما يدل على اتساعها للجميع قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ (قُلْ إن الأوّلين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) الواقعة: ٥٠ (٢). ٣ - بعض أعيان الفلاسفة لهم آراء خاصة فيما يتعلق بالمعاد الروحاني: أ - نقل شيخ الإسلام عن الفارابي، أن له ثلاثة أقوال متناقضة في معاد النفوس والأرواح: فتارة يقول: إنما تُعاد النفوس العالمة دون الجاهلة، وهذا أيضاً قول يقوله بعض أعيانهم، وتارة يقول: بمعاد الأنفس مطلقاً، وتارة يقول: بإنكار معاد الأنفس مع معاد الأبدان (٣). ب - ونُقل عن جالينوس: التوقف في هذه المسألة، فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس، هل هي المزاج فينعدم عن الموت فيستحيل إعادتها، أو هي جوهر باق بعد فساد البنية، فيمكن المعاد حينئذ (٤).

стр. 275

ج - ونقل عن ابن سينا: أنه كان يقول بإنكار المعاد الجسماني، ولذا حَصَر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً كفره في ثلاثة منها، وهي قوله: بقدم العالم، وعدم المعاد الجسماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعة في البواقي. وقد نقل القاضي شهاب الدين المعروف بابن أبي الدم: اتفاق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم، ونفى المعاد الجسماني، وأنه أثبت المعاد النفساني، ونقل عنه أنه قال: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي وإنما يعلمها بعلم كلي، وقطع علماء زمانه، ومن بعده الأئمة المعتبرة أقوالهم أصولاً وفروعًا من الحق بكفره، ويكفر أي نصر الفارابي بهذه المسائل الثلاث واعتقاده بها بما يخالف اعتقاد المسلمين (١). ويقول الإمام ابن تيمية:" ثم المتفلسفة الدهرية كالفارابي، وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع " (٢). ونقل ابن خلدون عن ابن سينا في كتابه (المبدأ والمعاد) قوله:" إن المعاد الروحاني وأحواله هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس، لأنه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة، فلنا في البراهين عليه سعة، وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان، لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية، فلينظر فيها، وليرجع في أحواله إليها " (٣).

стр. 276

أخذا البعض من هذا النص عن ابن سينا أنه رجع عن قوله بإنكار المعاد الجسماني، واختلفت الأنظار في توجيه قوله السابق، والنظر بالنسبة لمصداقية ابن سينا في هذه المقالة، فذهب البعض إلى أن الباعث له على هذا الأمر هو الرجوع للحق وقبوله إياه، في حين ذهب آخرون إلى الباعث له هو التقية من متكلمي المسلمين في ذلك الزمان، لأنهم يعتبرون أن مسألة المعاد الجسماني من ضروريات الدين الإسلامي، ومن أنكرها كفر (١). وهذا الاضطراب الذي جرى في كلام ابن سينا في البعث الجسماني، جعل البعض يناقش الإمام الغزالي في تكفيره لابن سينا، ولم يسلّم له بذلك، ولذا قال أبو الوليد ابن رشد مجيباً له تكفير الغزالي للفلاسفة كابن سينا والفارابي:" الظاهر من قوله في ذلك، أنه ليس تكفيره إياها في ذلك قطعاً، إذ قد صرح في كتاب التفرقة، أن التكفير بخرف الإجماع فيه احتمال" (٢). والذي عليه أئمة الإسلام في هذه المسألة، في حيال هذه الأقوال الشاذة الخارجة عن الإسلام، مما يتفوه به الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، من أن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا تعذب، أن هؤلاء كفار بإجماع المسلمين (٣). وقد ذكر المؤرخون ما يتعلق بتوبة ابن سينا عموماً، ورجوعه للشرائع واعتقادها، فنقل جماعة منهم خبر توبته وإنابته، في حين تردد فيها جماعة آخرون. فقال تقي الدين الغزي:" والناس في اعتقاده فرقتان له وعليه، والظاهر أنه تاب قبل موته، والله أعلم بحاله" (٤)،في حين ألمح الإمام ابن كثير إلى ضعف خبر توبته فقال:" ويقال إنه تاب عند الموت، فالله أعلم" (٥).

стр. 277

ونقل ابن الأهدل عن اليافعي قال:" طالعت كتاب الشفا، وما أجدره بقلب الفاء قافاٌ، لاشتماله على فلسفة لا يشرح لها قلب متدين، والله أعلم بخاتمته وصحة توبته، وقد كفره الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال" (١) د - أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد): يُثبت المعاد، ويذكر اتفاق الشرائع عليه فيقول: والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع، وقامت عليه البراهين عند العلماء، ثم ذكر ابن رشد الأدلة العقلية والنقلية على المعاد. والإشكال عند أبي الوليد، أنه لا يعد الخلاف في الشيء المعاد، أهو الروح أم الجسد؟ شيئاً مهما، بل لكل إنسان أن يعتقد ما أدى إليه نظره واجتهاده بيد أن المقام هنا مقام نص لا نظر واجتهاد، فنصوص الوحيين متضافرة على إثبات المعاد الجسماني، والتأكيد عليه، فبعث الناس يوم القيامة غرا محجلين وبعثهم حفاة عراة غرلاً بهما، فيها دلالة واضحة، وبرهان ساطع على البعث والمعاد الجسماني، لأنها أوصاف للجسد، والروح تبع (٢). يقول شيخ الإسلام مبيناً منهجه: "كان ابن رشد في مسألة حدوث العالم ومعاد الأبدان، مظهراً للوقف، ومسوّغاً للقولين " (٣). وقد دخل على بعض القائلين بمعاد الأرواح فقط، القول بالتناسخ، فمنهم من يقول: بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين، أو أبدان الحيوان مطلقاً، أو في موضع الأجسام النامية، ومنهم من يقول بالتناسخ للأنفس الشقية فقط، على أن الكثير من محققيهم ينكر التناسخ (٤).

стр. 278

المبحث السادس: عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: المصريون القدماء واليوم الآخر. المطلب الثاني: بعض الديانات الهندية واليوم الآخر.

стр. 279

المطلب الأول قدماء المصريين واليوم الآخر يحكى التاريخ قصة الحضارة عند قدماء المصريين، وأن هذه الحضارة ومعالمها التي سطرها يراع المؤرخين، تقف بجانبها الشواهد التاريخية على مدى أزمان متطاولة تصدق هذا المسطور، وتؤكد ما فيه من منشور. إن القدماء المصريين كغيرهم من الشعوب سيطرت على أفكارهم بعض العقائد المتعلقة بالخلود، ولهذا اعتقد المصريون أيام الأسرة الخامسة منذ عام (٢٦٠٠ ق م) بحياة أخرى (١)، وأنها باقية بعد هذه الحياة الفانية. وأكد الباحث الأثري عبد الرحيم ريان: أن المصري القديم اهتم بمصيره بعد الموت، وما يمكن أن يلاقيه من أهوال، حتى يصل إما للنعيم أو الجحيم وذلك في نقوش على جدران المعابد، وفي كتب قدماء المصريين (٢). فمصادر التاريخ المصري، تحكي لنا قصة هذه العقيدة، التي تؤكد أن فكرة الخلود والحياة بعد الموت، تحتل مكان الصدارة فيها، وأوسع ا لمصادر الدينية حظاً فيما تضمنته من عقائد مكان الصدارة فيها، وأوسع المصادر الدينية حظاً فيما تضمنته من عقائد ما بعد الموت هي: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وكتب الموتى التي كانت تكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي، وتحفظ مع المتوفى في تابوته، أو توضع بين أكفانه (٣).

стр. 280

وقد أقيم في هذه العصور المتأخرة في بريطانيا، معرض تحت عنوان: رحلة إلى العالم الآخر، كتاب الموتى عند المصريين القدماء، وجمع المتحف البريطاني مجموعة فريدة من أوراق البردي، التي كتب عليها قدماء المصريين التفاصيل الدقيقة لما بعد الحياة، وقال أمين المتحف جون تايلود: الهدف الرئيسي حقا هو إعطاء الناس فهما أعمق لمعتقدات المصريين القدماء عن الحياة بعد الموت ... وإلقاء المزيد من الضوء على آمالهم ومخاوفهم. وبردية جرينفلد: هي أكبر كتاب للموتى إذ يبلغ طولها سبعة وثلاثون متراً، وتعرض في المتحف البريطاني لأول مرة (١). وهذا ما دعا المؤرخ اليوناني هيرودوت إلى أن يقول:" إن المصريين هم أول الشعوب التي اعتقدت بخلود النفس، فقد عُثر على نقوش مدونة على الأهرامات: أن النفس خالدة لا تموت" (٢). ولم تكن بعض المعالم والعوالم التي يشاهدها المصريون في حياتهم، بمعزل عن الإيحاء إليهم، بإمكان تجدد الحياة والبعث. ومن تلك المعالم التي كانوا يشاهدونها عياناً، نهر النيل، فهم يرون فيضانه يتجدد كل عام في موسم لا يخلفه، فيخصب التربة، وينبت البذرة، ويدفع دورة الحياة الزراعية دائماً دفعات جديدة، فبعد طول تأمل وتدبر، قدروا أن من يتعهد طبيعتهم بالحياة بعد وفاتهم، طالما أحبهم وأحبوه، وتقربوا إليه وقدسوه. وكذا لم يغب عن خيالهم ما يرونه من عوالم الكون ومعالمه، فحين لاحظوا ما للشمس من أثر في دورة الحياة اليومية، وارتباط شروقها ببقية الكائنات بعد النوم، وبالحركة بعد الخمول، والرؤية بعد قلة الرؤية، فقدروا أن من يسيَّر الشمس لنفعهم في الدنيا، قادر على أن يوجهها لنفعهم في الآخرة (٣).

стр. 281

فالمصري منذ أقدم العصور، كان يعنى بموتاه عناية فائقة، ولا يدخر وسعاً في سبيل المحافظة عليهم، كما أن الميت كان يزود في مقبرته بما يلزمه من متاع يحمل على الظن بأن اعتقاد المصري في حياة ثانية، كان اعتقاداً راسخاً وأن ... هذه الحياة تشبه حياته الأولى (١). وكان لهذه الحياة العقيدة التي اعتقدوها أثر في حياتهم، بما أجروه من طقوس تتمثل في التحنيط الذي كان يستهدفون من ورائه الإبقاء على الجسم سليماً واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه وضماناً لبعثه، وتشجيعاً لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه، وكذا ما كان يتمثل في النقوشات والرسومات التي وجدت في معابدهم (٢). المطلب الثاني بعض الديانات الهندية واليوم الآخر بلاد الهند بلاد واسعة، كثيرة العجائب، ذات تاريخ وحضارة عريقة، إلا أنها غيرت وطمست على إثر غزاة آريون فحملوا معهم ديانة غير الديانة القديمة، وقد تفرقت بأهلها الأهواء، ودخلت عليهم الآراء، وتشتتوا فرقاً ومللاً حتى قال بعضهم:" ملل الهند اثنتان وأربعون ملة، منهم من يثبت الخالق ، والرسل، ومنهم من ينفي الرسل، ومنهم النافي لكل ذلك" (٣)، ومنهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يبيح الزنا (٤). وقد ظهرت جملة من الملل والديانات الوضعية في الهند، نتيجة الصراعات المستمرة، والحروب الطاحنة بين القبائل الهندية، وكان لهذه الحروب أثر على جميع الميادين السياسية والثقافية والحضارية والعقدية. ففي حين كانت معتقدات الآريين وطقوسهم المخترعة، وتقسيمهم البشر إلى فئات مختلفة، وعلى رأسهم (البراهمة) الذين هم أصل الآريين منتشرة ظهر (البوذا) ليحارب جميع هذه المعتقدات والطقوس.

стр. 282

فنشأت في الهند الأديان الكبرى من البراهمة والبوذية والجينية والسيخية والهندوسية، وفي حين أن كل واحد من هذه الأديان لها مؤسس، فالبوذية أسسها البوذا، والجينية أسسها الماهبير سوامي، والسيخية أسسها كرونانك إلا أن الهندوسية لم يسجل لها اسم شخص معين يقال له: إنه مؤسس الديانة الهندوسية؛ لأنها كما يُعبر بعض فلاسفة الهندوس (رادها كرشنا): أن الديانة الهندوسية لا تنتمي إلى شعب من الشعوب، بل هي ثمرات لتجارب الأمم التي أدت دورها في تكوين الفكر الهندوسي (١). وقد ذكر من رأى من المؤرخين عياناً، أن بعض أهل الهند من أصحاب بعض هذه الديانات من يحرق نفسه بالنار، وذكروا في ذلك أموراً عجيبة ومبني فعلهم هو قولهم بالتناسخ، وتمكنه في قلوبهم، وزوال الشك منه عنهم (٢). وحكى أبو عبد الله ابن بطوطة في رحلته بعض المشاهد في تحريقهم أنفسهم بل وإغراق أنفسهم في نهر الكنك، وهو الذي يحجون إليه، وفيه يرمى برماد المحرقين، وهم يقولون: إنه من الجنة، وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه يقول لمن حضره: لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا، أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كُساي، وكُساي: بضم الكاف والسين المهمل: اسم الله بلسانهم، ثم يغرق نفسه، فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في هذا البحر (٣).

стр. 283

لقد كان الأقدمون " يعتقدون أن هناك عالماً آخر، هو عالم الأموات، وأن الأحياء إذا ماتوا، وآلهتهم عنهم راضية، تمنح أرواحهم معرفة الغيب وقدرة على التأثير في الكون، والمشاركة في تصريفه وتدبيره، بمجرد مغادرتها الأجسام، وقد استمرت هذه الديانة حتى جاءت ديانة الفاتحين، وهي البرهمية، فنسختها وحلت محلها " (١). والبرهمية الهندوسية ثم من بعدها البوذية، انتحلتا القول بالتناسخ أو جولان الروح، قال الشهرستاني: "التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول، والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها، والأعمال التي نحن فيها، إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية " (٢). ولما قرر الشهرستاني مذاهب القائلين التناسخ قال: "وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ، وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك، فأما تناسخية الهند فأشد اعتقاداً لذلك" (٣). وممن نُسب إليهم القول بالتناسخ: فرقة الحرنانية من الصابئة، وكذا بعض اليهود، وفرقة البيانية التي تنسب إلى بيان بن سمعان، والحربية أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي وكذا فريق من السمنية،" أجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان" (٤)، وكذا المانوية أتباع ماني، قد ذهبت إلى القول بالتناسخ، ونقل بعضهم عن سقراط وأفلاطون وأتباعهما من الفلاسفة القول بتناسخ الأرواح (٥).

стр. 284

وذهب بعض الباحثين إلى أن مسألة التناسخ لم تكن موضع اتفاق لدى فلاسفة الهندوس في بداية الأمر، وكذا بعض المحدثين من علمائهم، أنكروا هذه العقيدة واستخرجوا بعض النصوص من الفيدات، للدلالة على البعث والنشور، لا على عقيدة التناسخ (١). وكما نقل الإمام ابن حزم عن جماعة القول بالتناسخ فقال:" افترق القائلون بتناسخ الأرواح إلى فرقتين، فذهبت الفرقة الأولى إلى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت وهذا قول أحمد بن حابط، وأحمد بن ناتوس تلميذه، وأبي مسلم الخراساني ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب صرح بذلك في كتابه الموسوم بالعلم الإلهي وهو قول القرامطة" (٢). فالقول بتناسخ الأرواح عند العقائد البرهمية والبوذية، هو طابع امتازت به النحلة الهندية، حتى قال البيروني في ذلك: " كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصارى، والإسبات علامة اليهود كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعد في جملتها" (٣).

стр. 285

" وعن هذه الديانات الوضعية أخذت بعض فرق الباطنية، كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز معتقد تناسخ الأرواح، واستغلته لنسخ مبدأ المعاد، وإنكار الجنة والنار، والطعن بالفرائض وإباحة المحرمات" (١). وممن ذهب إلى القول التناسخ القاديانية والبهائية (٢)، وأما البابيون فإنهم ينكرون جميع أمور الآخرة، ولا يعتقدون بالقيامة المعهودة المعروفة عند أهل الأديان السماوية، بل القيامة عندهم، هي قيام القائم، أي النبي والرسول أو المظهر حسب مصطلحهم (٣). ونُقل عن بعض الأعيان أنهم كانوا يقولون بمذهب التناسخ مثل أحمد بن حمد القحطي الذي كان في زمان الجبائي، فإنه جمع بين القول بالاعتزال والتناسخ، وكذا عبد الكريم بن أبي العوجاء كان في السر على دين المانوية وكان يقول بالتناسخ، وكان في الظاهر ينتسب إلى القدرية والرافضة (٤). ونسب الشهرستاني القول بالتناسخ إلى غلاة الرافضة، فقال:" وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه والبداء والرجعة والتناسخ" (٥). والرافضة ينازعون في نسبة التناسخ لمذهبهم، ويحكون إنكاره، ولا يقبلون بالتلازم بين الرجعة والتناسخ، ويذهبون إلى أن الرجعة تختلف عن التناسخ وتفارقه ذاتاً وجوهراً، وأن القول بالتناسخ هو قول الغلاة منهم، فيتبرؤون منهم، لأن القول بالتناسخ يؤدي إلى إنكار الجنة والنار (٦). وقد فرّق الإمام أبو الحسن الأشعري في مسألة الرجعة عند الرافضة بين فرقتين:
следующие страницы →