← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالمصري منذ أقدم العصور، كان يعنى بموتاه عناية فائقة، ولا يدخر وسعاً في سبيل المحافظة عليهم، كما أن الميت كان يزود في مقبرته بما يلزمه من متاع يحمل على الظن بأن اعتقاد المصري في حياة ثانية، كان اعتقاداً راسخاً وأن ... هذه الحياة تشبه حياته الأولى (١). وكان لهذه الحياة العقيدة التي اعتقدوها أثر في حياتهم، بما أجروه من طقوس تتمثل في التحنيط الذي كان يستهدفون من ورائه الإبقاء على الجسم سليماً واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه وضماناً لبعثه، وتشجيعاً لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه، وكذا ما كان يتمثل في النقوشات والرسومات التي وجدت في معابدهم (٢). المطلب الثاني بعض الديانات الهندية واليوم الآخر بلاد الهند بلاد واسعة، كثيرة العجائب، ذات تاريخ وحضارة عريقة، إلا أنها غيرت وطمست على إثر غزاة آريون فحملوا معهم ديانة غير الديانة القديمة، وقد تفرقت بأهلها الأهواء، ودخلت عليهم الآراء، وتشتتوا فرقاً ومللاً حتى قال بعضهم:" ملل الهند اثنتان وأربعون ملة، منهم من يثبت الخالق ، والرسل، ومنهم من ينفي الرسل، ومنهم النافي لكل ذلك" (٣)، ومنهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يبيح الزنا (٤). وقد ظهرت جملة من الملل والديانات الوضعية في الهند، نتيجة الصراعات المستمرة، والحروب الطاحنة بين القبائل الهندية، وكان لهذه الحروب أثر على جميع الميادين السياسية والثقافية والحضارية والعقدية. ففي حين كانت معتقدات الآريين وطقوسهم المخترعة، وتقسيمهم البشر إلى فئات مختلفة، وعلى رأسهم (البراهمة) الذين هم أصل الآريين منتشرة ظهر (البوذا) ليحارب جميع هذه المعتقدات والطقوس.

стр. 282

فنشأت في الهند الأديان الكبرى من البراهمة والبوذية والجينية والسيخية والهندوسية، وفي حين أن كل واحد من هذه الأديان لها مؤسس، فالبوذية أسسها البوذا، والجينية أسسها الماهبير سوامي، والسيخية أسسها كرونانك إلا أن الهندوسية لم يسجل لها اسم شخص معين يقال له: إنه مؤسس الديانة الهندوسية؛ لأنها كما يُعبر بعض فلاسفة الهندوس (رادها كرشنا): أن الديانة الهندوسية لا تنتمي إلى شعب من الشعوب، بل هي ثمرات لتجارب الأمم التي أدت دورها في تكوين الفكر الهندوسي (١). وقد ذكر من رأى من المؤرخين عياناً، أن بعض أهل الهند من أصحاب بعض هذه الديانات من يحرق نفسه بالنار، وذكروا في ذلك أموراً عجيبة ومبني فعلهم هو قولهم بالتناسخ، وتمكنه في قلوبهم، وزوال الشك منه عنهم (٢). وحكى أبو عبد الله ابن بطوطة في رحلته بعض المشاهد في تحريقهم أنفسهم بل وإغراق أنفسهم في نهر الكنك، وهو الذي يحجون إليه، وفيه يرمى برماد المحرقين، وهم يقولون: إنه من الجنة، وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه يقول لمن حضره: لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا، أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كُساي، وكُساي: بضم الكاف والسين المهمل: اسم الله بلسانهم، ثم يغرق نفسه، فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في هذا البحر (٣).

стр. 283

لقد كان الأقدمون " يعتقدون أن هناك عالماً آخر، هو عالم الأموات، وأن الأحياء إذا ماتوا، وآلهتهم عنهم راضية، تمنح أرواحهم معرفة الغيب وقدرة على التأثير في الكون، والمشاركة في تصريفه وتدبيره، بمجرد مغادرتها الأجسام، وقد استمرت هذه الديانة حتى جاءت ديانة الفاتحين، وهي البرهمية، فنسختها وحلت محلها " (١). والبرهمية الهندوسية ثم من بعدها البوذية، انتحلتا القول بالتناسخ أو جولان الروح، قال الشهرستاني: "التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول، والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها، والأعمال التي نحن فيها، إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية " (٢). ولما قرر الشهرستاني مذاهب القائلين التناسخ قال: "وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ، وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك، فأما تناسخية الهند فأشد اعتقاداً لذلك" (٣). وممن نُسب إليهم القول بالتناسخ: فرقة الحرنانية من الصابئة، وكذا بعض اليهود، وفرقة البيانية التي تنسب إلى بيان بن سمعان، والحربية أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي وكذا فريق من السمنية،" أجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان" (٤)، وكذا المانوية أتباع ماني، قد ذهبت إلى القول بالتناسخ، ونقل بعضهم عن سقراط وأفلاطون وأتباعهما من الفلاسفة القول بتناسخ الأرواح (٥).

стр. 284

وذهب بعض الباحثين إلى أن مسألة التناسخ لم تكن موضع اتفاق لدى فلاسفة الهندوس في بداية الأمر، وكذا بعض المحدثين من علمائهم، أنكروا هذه العقيدة واستخرجوا بعض النصوص من الفيدات، للدلالة على البعث والنشور، لا على عقيدة التناسخ (١). وكما نقل الإمام ابن حزم عن جماعة القول بالتناسخ فقال:" افترق القائلون بتناسخ الأرواح إلى فرقتين، فذهبت الفرقة الأولى إلى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت وهذا قول أحمد بن حابط، وأحمد بن ناتوس تلميذه، وأبي مسلم الخراساني ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب صرح بذلك في كتابه الموسوم بالعلم الإلهي وهو قول القرامطة" (٢). فالقول بتناسخ الأرواح عند العقائد البرهمية والبوذية، هو طابع امتازت به النحلة الهندية، حتى قال البيروني في ذلك: " كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصارى، والإسبات علامة اليهود كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعد في جملتها" (٣).

стр. 285

" وعن هذه الديانات الوضعية أخذت بعض فرق الباطنية، كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز معتقد تناسخ الأرواح، واستغلته لنسخ مبدأ المعاد، وإنكار الجنة والنار، والطعن بالفرائض وإباحة المحرمات" (١). وممن ذهب إلى القول التناسخ القاديانية والبهائية (٢)، وأما البابيون فإنهم ينكرون جميع أمور الآخرة، ولا يعتقدون بالقيامة المعهودة المعروفة عند أهل الأديان السماوية، بل القيامة عندهم، هي قيام القائم، أي النبي والرسول أو المظهر حسب مصطلحهم (٣). ونُقل عن بعض الأعيان أنهم كانوا يقولون بمذهب التناسخ مثل أحمد بن حمد القحطي الذي كان في زمان الجبائي، فإنه جمع بين القول بالاعتزال والتناسخ، وكذا عبد الكريم بن أبي العوجاء كان في السر على دين المانوية وكان يقول بالتناسخ، وكان في الظاهر ينتسب إلى القدرية والرافضة (٤). ونسب الشهرستاني القول بالتناسخ إلى غلاة الرافضة، فقال:" وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه والبداء والرجعة والتناسخ" (٥). والرافضة ينازعون في نسبة التناسخ لمذهبهم، ويحكون إنكاره، ولا يقبلون بالتلازم بين الرجعة والتناسخ، ويذهبون إلى أن الرجعة تختلف عن التناسخ وتفارقه ذاتاً وجوهراً، وأن القول بالتناسخ هو قول الغلاة منهم، فيتبرؤون منهم، لأن القول بالتناسخ يؤدي إلى إنكار الجنة والنار (٦). وقد فرّق الإمام أبو الحسن الأشعري في مسألة الرجعة عند الرافضة بين فرقتين:

стр. 286

الأولى: يزعمون أن الأموات يرجعون إلى الدنيا قبل قيام يوم الحساب وهذا الأكثر منهم. والثانية: وهم أهل الغلو: ينكرون القيامة والآخرة، ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة، وإنما هي أرواح تتناسخ في الصور، فمن كان محسناً جوزي، بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم، ومن كان مسيئاً جوزي: بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس شيء غير ذلك، وأن الدنيا لا تزال أبداً هكذا (١). إذن: "لا نجد في الديانات الهندوكية: ولا في الديانة البوذية، وهي عقيدة طائفة من الهنود، وعقيدة أهل سيلان، ومعظم اليابانيين، وكثير من الصينيين، لا نجد في هذه الديانات عالماً آخر للحساب والجزاء، إنما نجد مكانه النيرفانا، وهي الفناء في الروح الأعظم، وإن اختلفت وسائل الوصول إلى هذه المرتبة بين الديانتين" (٢). "فالقائلون بالتناسخ ينكرون أن تكون هناك حياة آخرة، يلقى فيها الإنسان جزاء، ولكن لابد من جزاء حتى يعتدل ميزان العدل، ويطمئن المحسنون إلى إحسانهم، ويخشى المسيئون جرائر سيئاتهم، وإذن فيكن هذا الجزاء على تلك الصورة التي صورها القائلون بالتناسخ فجعلوا الجزاء واقعاً في هذه الدنيا، فكان القول بالتناسخ هو مما ترضّ به عقولهم، أولئك الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء، فهو ضرب من ضروع الخداع للنفس، لا أثر له في محيط الواقع، ولا دليل عليه بين أيدي الناس، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان" (٣).فمذهب التناسخ مما فرضه العقل الإنساني فرضاً، واعتسفه اعتسافاً وليس له حقيقة، وإنما هو من الأساطير الخرافية، التي ولدتها الخيالات الشعرية (٤).

стр. 287

ونشير هنا إلى أن هناك بعض الديانات الشرقية لا تؤمن أصلاً بالبعث، ولا بالجنة والنار، إذ أن همهم منصب على إصلاح الحياة الدنيا، وهي الكونفوشيوسية الديانة القديمة للصينيين (١)، وكذا الديانة الطاوية الصينية القديمة، والتي لا تزال حية إلى اليوم، إذ ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، فليس لديهم بعث ولا حساب، وإنما يُكافأ المحسن بالصحة وطول العمر، بينما يجازي المسيء بالمرض والموت المبكر (٢). وقريبة من هذه العقائد، كانت عقائد العراقيين القدماء، فإن فكرة القيامة والبعث لم تكن لها ذكر في نصوصهم، ورجح الباحثون انتفاء الحساب من عالم الأموات، وبالتالي انتفاء الثواب والعقاب، وعليه: فإن عالم الأحياء في نظرهم هو دار الثواب والعقاب (٣).

стр. 288

الباب الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر على ضوء العقيدة الواسطية ، وفيه فصلان: الفصل الأول: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من الموت إلى ما قبل البعث وفيه مبحثان: المبحث الأول: الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه. . المبحث الثاني: الحياة البرزخية. الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قيام الساعة، وإعادة الأرواح للأجساد. المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى. المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.

стр. 289

المبحث الأول الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحا، وفيه مسألتان: ١ - تعريف الموت في اللغة. ٢ - تعريف الموت في الاصطلاح. المطلب الثاني: الموت في القرآن الكريم، وفيه ثلاث مسائل: ١ - أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت. ٢ - أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت. ٣ - نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.

стр. 290

المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحاً ، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف الموت لغة: أ. موت: قيل: ميّت في الأصل مَويِت، مثل سيّد وسَويِد، فأدغمت الواو في الياء ونقلت الياء، ويخفف ويقال مَيت (١). وقال بعضهم: ميت كان تصحيحه مَيْوِت على فَيْعِل، ثم أدغموا الواو في الياء. وقال الزجاج: الميت أصله الميت بالتشديد، إلا أنه يخفف فيقال: مَيْت وميّت، والمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما فقال: يقال لما لم يمت: ميّت بالتشديد، والميْت ما قد مات، وتعقب: بأنه ميّت بالتشديد يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]. وقال الشاعر في تصديق أن الميْت والميّت واحد: ليس من مات فاستراح بميّت إنما الميت ميت الأحياء فجعل الميْت كالميّت (٢). ب. أصل الموت في اللغة يدور حول عدة معاني منها: - ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: "الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة، وإنما قلنا: أصله ذهاب القوة، لما روي عن النبي ﷺ : «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا فإن كنتم لابد آكليها فأميتوها طبخاً «(٣) (٤). - ويطلق الموت على السكون، قال ابن منظور: وقيل: الموت في كلام العرب يُطلق على السكون، يقال: ماتت الريح، أي سكنت (٥).

стр. 291

- ويطلق أيضاً على النوم والبل، قال الفيروز أبادي: ومات: سكن، ونام وبلى (١). - ويطلق على الخضوع والاسترخاء، قال الصاحب بن عباد: وقيل: هو الخاضع الذليل، واستمات الشيء، استرخى (٢). فمدار لفظ (الموت) في لغة العرب يدور على هذه المعاني، وإن كان المعنى المشترك المستعمل في لفظ الموت في أكثر الموارد يراد به المعنى الأول، وهو ذهاب القوة عن الشيء، وإن كان لكل مورد لوازم تخصه، وتميزه عن الآخر. ج. وذكر الأئمة أن الموت يتنوع بتنوع الحياة (٣): - فموت يكون بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [ق:١١]. - وموت يكون بزوال القوة الحاسة نحو قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣]. - وموت يكون بزوال القوة العاقلة وهي الجهالة، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]. - وموت يكون بإزاء الحزن المكدر للحياة، نحو قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] د. وذكر بعض المفسرين أن الموت يرد في القرآن على أوجه عديدة منها (٤): - الموت نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. - والنطفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ البقرة ٢٨. - والجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران:١٤٣]. - والجماد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١].

стр. 292

- والكفر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧]. وقد ذكر العلامة أبو محمد البطليوسي في كتابه: الإنصاف (١):" أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ثلاثة عشر وجهاً: أحدها: الوجود والعدم، والثاني: مقارنة النفس الحيوانية الأجسام ومفارقتها إياها، والثالث: العز والذل، والرابع: الغنى والفقر، والخامس: الهدى والضلال، والسادس: الجهل والعلم، والسابع: الحركة والسكون ... والثامن: الخصب والجدب، والتاسع: اليقظة والنوم، والعاشر: اشتغال النار وخمودها، والحادي عشر: المحبة والبغضاء، والثاني عشر: الرطوبة واليبس، والثالث عشر: الرجاء والخوف"، ثم ذكر الشواهد التي تدل على هذه المعاني المشتركة. هـ. ويرادف لفظ الموت: الحتف، والمنون، والسأم، والحين، والحِمام والردى، والثكل، والوفاة والهلاك (٢). ولما كان كلاً من الموت والقتل إزالة للروح عن الجسد، فرق بينهما: بأن ما اعتبر فيه فعل المتولي لذلك قيل له: قتل، وما اعتبر فيه فوت الحياة قيل له: موت (٣). د. وقد اصطلح بعض أرباب التصوف على وصف الموت ببعض الألوان وبناء حكم عليه، ومنه قولهم: الموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأبيض: الجوع، لأنه ينور الباطن، ويبيض وجه القلب، والموت الأخضر: لبس الرقع من الخرق التي لا قيمة لها، والموت الأسود: احتمال أذى الخلق (٤). في حين وصف الموت في اللغة العربية ببعض الألوان، وهي تحمل في طياتها معان مختلفة عما ذكرها أرباب التصوف ومنها (٥):

стр. 293

الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول، فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء، والموت الأغبر: وهو الموت جوعاً؛ لأنه يغبر في عينيه كل شيء، والموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء، والموت الأبيض: وهو موت العافية، أو موت الفجأة؛ لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه. المسألة الثانية تعريف الموت في الاصطلاح الموت معروف وهو - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع فيه أحد وحقيقته كما قال العلماء: مفارقة الروح للبدن (١). فالموت بفتح الميم: انسحاب الروح من البدن ... عندما يصبح البدن غير أهل لبقاء الروح فيه (٢)، وقال الحافظ ابن حجر:" فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهراً وباطناً " (٣). وعليه فلا يلزم من قبض الأرواح: الموت؛ لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ» (٤)؛"لأن المعنى من قبض الروح هنا: قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهراً وباطناً، فمعنى قوله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ»: مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] (٥)، فالموت والحياة متناقضان تناقض النور والظلام ولذلك يعرفان في معاجم اللغة العربية، كل واحد منهما نقيض الآخر (٦).

стр. 294

والله تعالى سمى النوم موتاً، فهو موت أصغر بالنسبة للموت الحقيقي ... الذي يزول معه العقل والحركة، ولذا قال الزجاج:" والنفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس. وسُمي النوم موتاً؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً" (١). فالموت " ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك" (٢). قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:" وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثني من عجب الذنب" (٣). وقد عرف المتكلمون الموت بأنه: عدم الحياة عما من شأنه الحياة ... واستظهره الرازي (٤)، وقيل: عدم الحياة عمن اتصف بها (٥). وجعلوا هذا من باب تقابل العدم والملكة، فقالوا: الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها، يعني: أن الموت والحياة من باب العدم والملكة فإن الحياة هي الإحساس والحركة الإرادية والاضطرارية كالتنفس، والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له (٦). وهذا التعريف منتقد:

стр. 295

فقال بعضهم: تعريف الموت بأنه: زوال الحياة عما من شأنه الحياة، فيه تساهل؛ إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتاً. وانفُصِل عن هذا الإلزام: بأنه لا يلزم ذلك عند استعداده للحياة، فلا يكون موتاً (١). وقال بعضهم: هذا القيد في التعريف يلزم منه، عدم إطلاق هذا اللفظ على الجمادات، وهذا منقوض بورود وصف الجمادات بالموت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المتكلمين:" الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقبل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلاً من وجهين: أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت، وقد جاء القرآن بذلك قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل:٢١] فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت " (٢). وعليه فيكون التقابل بين الحياة والموت من قبيل تقابل السلب والإيجاب وهما النقيضان. ومعلوم أن الحياة والموت ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما، كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى تعين الآخر. (٣) واختلف الناس في الموت على جهتين: الأولى: - هل الموت صفة وجودية أم عدمية؟ الثانية: - هل الموت عرض أم جسم؟ أولاً: اختلف الناس في الموت هل هو صفة وجودية أم عدمية، على قولين: الأول: أن الموت صفة وجودية، وهذا القول هو قول المذهب السني في مقابل الفلاسفة والمعتزلة.

стр. 296

وهذا المذهب مستقى من إفادة القرآن، وتنصيصه على كون الموت مخلوقاً أي: كونه شيئاً وجودياً، ولذا التقت تعاريف هذا الفريق على هذا المعطى فقيل عن الموت: أنه صفة وجودية خلقت ضد الحياة، ونحو هذه العبارات (١). قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ... [الملك:٢]:" واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق" (٢)، وقال العلامة ابن أبي العز:" الموت صفة وجودية خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً " (٣)، وقال الإمام الرازي: "وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا على قولهم: بأنه تعالى قال: ... ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، والعدم لا يكون مخلوقاً، هذا هو التحقيق"، وقال:" فالإماتة والإحياء أمر وجودي، وهما من خواص الحيوان " (٤). الثاني: أن الموت صفة عدمية، وهذا مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المتكلمين، كما ذهب إليه الزمخشري والاسفراييني (٥)،" فالموت على هذا حالة عدم ينشئها انسحاب الحياة من الجسد " (٦). وأجابوا عن الآية التي استدل بها الأولون: بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعاً، ولو سُلّم، فالمراد بخلق الموت: إحداث أسبابه.

стр. 297

قال الطاهر بن عاشور:" وأما معنى خلق الموت: فإيجاد أسبابه، وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضاً للمخلوق عبّر عن حصوله بالخلق تبعاً " (١). والصحيح المعتبر: ما نص عليه أهل السنة من أن الموت صفة وجودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وأما تأويله بمعنى قَدَّر فبعيد بدلالة سياق الآية وسباقها، فإن المراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده، والتعليل بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ دليل على الوجود (٢). والموت والحياة نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فمتى ثبتت الحياة انتفى الموت، ومتى وجد الموت انتفت الحياة، لأن الشيء لا يخلو من الحياة أو الموت (٣)." فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية، يناسب دقة الصانع" (٤).

стр. 298

والآيات القرآنية الكريم شواهد على وجودية الموت، فإضافة المجيء والحضور إلى الموت دليل على وجوديته، كما قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ [المؤمنون:٩٩]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٣]. وثبت في السنة أن الموت يؤتى بصورة كبش أملح فيذبح (١)، وهذا صريح في كونه أمراً وجودياً. وذكر ابن عادل في تفسيره عن ابن الخطيب في الموت: أنه وجودي، ويوافقه ما نقله الصفوي عن صاحب الودّ: أن عدمية الموت كانت منسوبة إلى القدرية ففشت، ولذا قال ابن المنير تعقيباً على الزمخشري:"أخطأ في تفسير الموت .. أن الموت عدم، وهو خطأ صراح" (٢). ويُشار في هذا المقام: أن الإمام ابن تيمية ذكر في الأمور الوجودية التي تعلم بالحس كالحركة وغيرها كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، أنها أمور وجودية، فلا يلزم في مثل هذه الأمور الوجودية أن يكون ما يقابلها هو ضد ما ينافيها، أو عدمها من محلها؛ لأنه قد يكون عدم الشيء مستلزماً لأمر وجودي مثل الحياة مثلاً، فإن عدم الحياة مثلا، مستلزماً لأعراض وجودية ثم ذكر أن تنازع الناس في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ نزاع لفظي ووجهه: أن من يقول بأن الموت وجودي، يحتج بقوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ يكون النزاع لفظيا (٣).

стр. 299

وعليه يمكن أن يفسر الموت على هذا: بأن أخذ القوى والطاقات أمر وجودي؛ لأنه فعل وحركة، وإن كانت نتيجته عروض حالة عدمية على الإنسان، وأن الموت بما أنه انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن حياة دانية إلى حياة عالية، فهو بهذا المعنى وجودياً ليس عدمياً (١). ومما يوضح مسألة وجودية الموت، ويجعلها صورة ظاهر في الذهن، ذلك حين ينظر الإنسان إلى "موت أبسط الأحياء وهو النبات، فإنه يظهر لنا نظاماً دقيقاً وإبداعاً للخلق ما هو أعظم من الحياة نفسها أنظم منها، فموت الثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهراً تفسخاً وتحللاً في الحقيقة هو عبارة عن عجن لتفاعلات كيماوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكيل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إن هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل والنبات الجديدة، أزهاراً وأثماراً، بل هو بمثابة عين حياته الجديدة، فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة، وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني هو في حقيقة بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في أجزء الحياة الإنسانية الراقية، فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظاماً من حياة تلك الأغذية. فلئن كان موت النبات - وهو في أدنى طبقات الحياة - مخلوقاً منتظماً بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أرقى طبقات الحياة فلا شك أن موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ تماماً كالبذرة الموضوعة تحت التراب، والتي تصبح موتها نباتًا رائعاً في الجمال والحكمة في عالم الهواء " (٢). ثانياً: اختلف الناس في الموت هل هو عرض أم جسم؟

стр. 300

فذهب الرازي وجماعة من المتكلمين إلى أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة، ولذا تأولوا حديث الصحيح من صيرورة الموت كبشاً أملح، بأن المراد منه: التمثيل، ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت (١)، قال الإمام المازري: "الموت عند أهل السنة عرض يضاد الحياة"، ثم قال:" لا يصح أن يكون الموت كبشاً ولا جسماً من الأجسام، وإنما المراد بهذا التشبيه والتمثيل، وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم، ثم يذبح ويجعل هذا مثالاً، لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة" (٢). وذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، حتى قال الإمام ابن العربي:" استُشكِل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل، لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسماً، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقال طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت" (٣)، وكذا أجاب الشيخ العز بن عبد السلام، عن هذا التساؤل فقال: "إن الله خلق كبشاً وسماه باسم الموت، لا أنه نفس العرض " (٤).

стр. 301

وقال الشيخ علاء الدين الخازن: "اعلم أن الموت عرض ليس بجسم في صورة كبش أو غيره، فعلى هذا يتأول الحديث، على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم وهو حيوان فيذبح فيموت، فلا يبقى يرجى له حياة ولا وجود" (١). وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري في مقالاته، مقالة بعض المعتزلة القائلين إن الموت عرض، وصريح كلام الأشعري أنه عرض؛ لأن الكيفية عرض (٢). وذهب جماعة من أهل العلم والتحقيق إلى أن الموت جسم، ولو فرض بأنه عرَض، فإن الله جل وعلا يُنشئ من الأعراض أجساماً، ورجح هذا القول الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم وغيرهما من أهل العلم والتحقيق.

стр. 302

يقول الإمام ابن تيمية عن حديث ذبح الموت:" ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عرض، والأعراض لا تنقلب أجساماً ... قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب فلا تنقلب الحركة طعماً، والطعم لوناً، ولكن الأجسام في قولهم جنس واحد، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحاً ورماداً، قالوا: وإنما تتبدل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة، وأنكر ذلك على هؤلاء غيرهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإن الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله يقلب الجنس إلى الجنس الآخر، كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء ناراً ... فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجساماً كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله ﵇: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا «٥) (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأً قبيحاً وقال: الموت عرض والعرض لا يتجسم، فضلاً عن أن يذبح، وهذا لا يصح، فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح كما ينشئ من الأعمال صوراً يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساماً تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضًا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضاً، ومن الأجسام أجساماً " (٢).

стр. 303

ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح قولاً لم ينسبه فقال: "وقال غيره: لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجساداً يجعلها مادة لها" (١). قال المباركفوري عن هذا القول: "هو المعتمد" (٢). ولذا قال العلامة السفاريني:" الذي نذهب إليه: أن الموت أمر وجودي وأنه جسم لا عرض" (٣). وقال الإمام السيوطي: "وذهب جماعة إلى أن الموت جسم لا عرض، وأنه مخلوق في صورة كبش، والحياة في صورة فرس، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (الذي خلق الموت والحياة) الملك: ٢، وهذا هو المختار عندي في الجواب " (٤). المطلب الثاني الموت في القرآن الكريم الموت من حيث هو، فإنه حق، واقع لا مناص منه ولا مهرب، ولذا "اتفقت الديانات قاطبة على حقيقة الموت، وإن اختلفت فيما يكون بعد ذلك وكما يقول ديورانت: إن الموت هو أصل الديانات كلها" (٥). إن الموت سنة عامة، وحقيقة قطعية جارية على كل مخلوق، لا يتخلف عنه أحد، يقول جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويؤكد القرآن الكريم تمام التأكيد على هذه الحقيقة، وفي هذه الآية " يخبر تعالى إخباراً عاماً، يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت .. وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت" (٦). ولو كانت الحياة باقية لأحد لبقيت لرسول الله ﷺ ولكن الله جل وعلا يقول لرسوله ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].

стр. 304

وذكر ابن عطية في تفسيره:" أن رجلاً دخل على صلة بن أشيم، فنعى إليه أخاه، وبين يدي صلة طعام، فقال صلة للرجل: ادن فكُلْ، فإن أخي قد نُعي إلي من زمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ " (١). وقال تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء:٣٤] فالموت لا محيص عنه لإنسان، ولا محيد عنه لحيوان، وقد قال أمية بن أبي الصلت (٢): من لم يمت عَبْطة يمت هرماً للموت كأس والمرء ذائقها وقال آخر (٣): الموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار والجواب (٤): الدار دار نعيم إن عملت بما ... يرضي الإله وإن خالفت فالنار هما محلان ما للناس غيرهما ... فانظر لنفسك أي الدار تختار ما للعباد سوى الفردوس إن عملوا ... وإن هفوا هفوة فالرب غفار وقال بعضهم في الجواب (٥): لو كنت أعلم من يدري فيخبرني ... أجنة الخلد مأوانا أم النار

стр. 305

وتظل آيات القرآن الكريم المذكرة بفناء العباد، ورجوعهم إلى ربهم يوم المعاد، "قوية الهتاف والتذكير على مدى الدهر، بما احتوته من حقيقة، وبما انطوى فيها من توكيد، على أننا ننبه هنا، أنه ليس في هذه الآية أيضاً ما يدعو إلى نفض اليد من الدنيا ومتعها وطيباتها، والنشاط فيها في مختلف المجالات وإنما هدفها هو التذكير بحتمية الموت، وحث الناس والمسلمين بخاصة على الاستمساك بحبل الله وتقواه، والقيام بواجباتهم نحوه، ونحو الناس والاستكثار من العلم الصالح، الذي هو وحده النافع المنجي لهم في الحياة الأخروية " (١). وقد اتخذ القرآن الكريم منهجاً متميزاً فريداً، حين تحدث عن الموت وحقيقته وأهواله، وحين التأمل في الآيات الكريمة وسياقاتها، التي تحدثت عن حقيقة الموت، نجد أن ثمة أمور يمكن أن يسلط عليها الضوء لتكون عناوين رئيسة في حديث القرآن الكريم عن الموت، ويكفي أنك حين تقلب صفحات القرآن الكريم لا تكاد تقلب صفحة من صفحاته إلا وتقرأ آية فيها التذكير بالموت مباشرة، أوبأي شكل من أشكاله، وهذا فيه دلالة واضحة على اهتمام القرآن الكريم بهذا الموضوع المتعلق بكل ذي روح. المسألة الأولى أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت: من أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت (٢): ١ - الإكثار من ذكره على أوجه متنوعة وبأساليب مختلفة، فتارة يذكره خبراً مجرداً ليستعد المرء للقائه، وتارة يذكره مقروناً بحكم ونحوه، ليكون زاجراً له عن الوقوع في حدود الله تعالى.

стр. 306

٢ - ذكره باسمه ومشتقاته وأوصافه وأحواله بكثرة في القرآن العظيم، فقد ذكرت كلمة الموت وما اشتق منها في آيات القرآن الكريم: مائة وخمسا وستين (١٦٥) مرة، في مائة واثنتين وأربعين (١٤٢) آية، في ثلاث وخمسين (٥٣) سورة، منها أربعة وثمانون موضعاً (٨٤) مكيا، وواحداً وثمانون موضعاً (٨١) مدنيا (١). ٣ - التأكيد عليه في كل مناسبة تقتضي ذلك، وله صور كثيرة منها: - أنه في حال تكذيب المشركين بالبعث كما في قوله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠]، يؤكد القرآن قبض أرواحهم ورجوعهم إلى ربهم، يقول جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١]. ففي هذه الآية "أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي لا يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة" (٢). وقال الإمام الرازي:" فإن قيل: هم أنكروا الإحياء، والله ذكر الموت وبينهما مباينة؟ نقول: فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك دليل الإحياء، ودفع استبعاد ذلك فإنهم قالوا: ما عُدم بالكلية، كيف يكون الموجود عين ذلك؟ فقال: الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق، فجمع الأجزاء لا بُعد فيه، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضاً، فقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أي: الأرواح معلومة، فترد إلى أجسادها" (٣).

стр. 307

- التأكيد على حتمية الموت، وأنه حق واقع لا محالة، وقد أكده القرآن في مواضع منها قوله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]. وهذه الآية فيها معنى الشرط والجزاء، أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه (١). - التأكيد على شمولية الموت وعمومه، قال جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] يقول الإمام الطبري:" يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد ذو الجلال والإكرام" (٢). وذكر الإمام القرطبي وجه النعمة في الإفناء فقال:" وجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام، وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب" (٣). وأكد القرآن الكريم هذا المعنى، وهو شمولية الموت أتم تأكيد فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، في أكثر من آية؛ لتعلم كل نفس أنها واجدة مرارة الموت لا محالة، فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار (٤).

стр. 308

إن كل حادث فهو فان، وكل ماله بدء فله نهاية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾،" هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة وهذه هي السنة التي ليس لها استثناء، فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق، إنه الموت نهاية كل حي وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض وإلى الله يرجع الجميع" (١). ٤ - ومما يدل على اهتمام القرآن الكريم بأمر الموت، أن الله جل وعلا أضافه إليه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣]. فالله يميت جميع الخلائق، فلا يبقى حي سواه جل في علاه والوارث من صفات الله تعالى، قيل: الباقي بعد فناء الخلق، وقيل: معناه: أن مصير الخلق إليه (٢)، وهذا نظير قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم:٤٠]. قال ابن عطية في تفسيره: "وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ الآيات هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتاً، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حياً، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ أي: لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره " (٣).

стр. 309

وقد جاء لفظ المحيي بصيغة الفعل كثيراً في القرآن (١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ [الحج:٦٦]، وقوله تعالى: ... ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦]. ٥ - ومن أوجه الاهتمام بالموت في القرآن الكريم، ذكر بعض أحوال وأوصاف ومشاهد الموت في آيات كثيرة، وقد اجتمع في هذا الوجه مجموعة من الأمور: أ. أن للموت أجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر عنه، قال : ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١١]. فالكل ميت بأجله، حتى المقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى، وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب، والله خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة (٢) قال الإمام المزني:" والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم" (٣). ب. أن وقت الموت مجهول: جعل الله جل وعلا لكل شيء أجلاً، فقال عن الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام:٢].

стр. 310

فالمروي عن ابن عباس ﵄: أن الأجل الأول (الموت) والأجل الثاني المسمى (الآخرة)، وهذا الأجل غير معلوم، ولذا قال: ... (عنده) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] (١). وأكد القرآن الكريم على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان:٣٤]، فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى (٢). قال الخازن:" ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٥]، يعني: ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض، في بر أو بحر، في سهل أو جبل" (٣).

стр. 311

فـ"مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي، وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي، الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث، وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من اتصال بالجسد، والرقية في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله، وجملة وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه، وعبّر في الآية بقوله (بأي أرض تموت) ولم يقل: بأي وقت! لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإماطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أول دليل على جهله بموضوع موته " (١). فوقت موت الإنسان مجهول ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٥] كما لا تدري نفس في أي وقت تموت (٢). ج. أن العمل ينتهي بوقوع الموت: قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. وقال سبحانه جل في علاه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].

стр. 312

وجاء في السنة المطهرة ما يُبيّن ذلك ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا» (١). وأخرج مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢). وقد ذكر الله جل وعز أمنيات الكافرين في العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحاً واعترافهم بالتقصير في حق الله ، ولذا يقولون وهم في النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك ١٠]. وأما تمنيهم للرجعة فقد حكاها القرآن الكريم في أكثر من موضع فقال جل وعلا: - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [الأنعام:٢٧]. - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ [الأعراف:٥٣]. ولما علم الله جل وعلا أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والشرك بيّن ذلك فقال سبحانه: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام:٢٨].

стр. 313

د. الإشارة إلى الملائكة الموكلون بقبض الأرواح، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]. والقرآن الكريم اهتم بذكر الموت اهتماماً بالغاً، بينا بعض أوجه هذا الاهتمام ولهذا الاهتمام الكبير بهذا الموضوع الكبير أسباب ونتائج. المسألة الثانية أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت من أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت وأحواله وأهواله ما يلي: ١ - أن ينتبه المرء من غفلته ويرجع إلى ربه قبل أن يفجأه الموت، فيندم على ما فرط في جنب الله تعالى، ولذا حث القرآن على العمل قبل فوات الأجل فقال : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون:١٠]. ٢ - التنبيه للمسارعة إلى التوبة النصوح قبل فوات الأوان، لأن وقت التوبة محدود، ومتى جاءت ساعة الموت أغلق هذا الباب، قال جل وعلا: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء:١٨].

стр. 314

وقد حكى القرآن الكريم عن فرعون الطاغية أنه آمن قبل موته ولكن ذلك الإيمان لم ينفعه، لأنه لم يأت في وقته المحدد، قال جل وعلا: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]. ٣ - أن يحرص المرء أن تأتيه منيته وهو على الإسلام كما قال جل وعلا: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:١٠٢]، والمعنى: أي: حافظوا على الإسلام ودوموا عليه في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه (١). "والموت غيب لا يدري الإنسان متى يدركه، فمن أراد ألاّ يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً، وأن يكون في كل لحظة مسلماً. وذكر الِإسلام بعد التقوى يشير بمعناه الواسع: الاستسلام، الاستسلام لله طاعة له، واتباعاً لمنهجه واحتكاماً إلى كتابه، وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضوع منها" (٢).

стр. 315

٤ - أنه متى علم المرء أنه لا مناص من الموت ولا فرار منه، عاش بين جناحي الخوف والرجاء، وأحسن العلم ثم أحسن الظن بربه، فلا يستطيع أحد من البشر أن يدفع الموت عن نفسه، ولو جاء بكل الأسباب المادية لدفعه، ولهذا يقرر القرآن الكريم هذه القضية بأوضح بيان فيقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران:١٦٨]. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ [الأحزاب:١٦]. ومع هذا الواقع الحق أقام بعض الناس الدنيا ولم يقعدها، بحثاً عن أسباب تقي من هذا المصرع، وتخفف منه حتى اعتقد بعض الدارسين،" أن كثيراً من التقدم البشري، نتج عن الجهود البشرية للتغلب على أسباب الموت ومحاولة للقضاء على المرض ولكن الموت لا يتوقف على تطور معرفة السبب أو معالجة روافده" (١). المسألة الثالثة نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت وأما نتائج هذا الاهتمام البالغ من القرآن الكريم بذكر الموت وما يتعلق به فهي تظهر في الآتي: ١ - التذكير بكمال القدرة الإلهية وأن مقادير الأمور كلها بيده سبحانه جل في علا، وأنه سبحانه الفعال لما يريد، لا راد لأمره، ولا مبرم لقضائه جل في علاه، ويظهر ذلك جلياً في إضافة الإحياء والإماتة إليه سبحاه فقال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣].

стр. 316

وتظهر آثار تلك القدرة الإلهية الشاملة، كما في قوله سبحانه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران:٢٧]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام:٩٥]. ٢ - بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم، وأنه يسير إليه رغماً عنه دون اختياره وإرادته، قال جل وعلا مبينا هذا الموقف الرهيب وهذا الضعف الإنساني العجيب: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]. والآية سيقت لبيان عجزهم الميت وأهله، وذكر قدرته عليهم (١). فالميت يُساق إلى الله جل وعلا، ثم إلى الجنة أو إلى النار بأمر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]، يجتمع على الميت كرب الموت، وهول المطلع، قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه والملائكة يجهزون روحه (٢).

стр. 317

٣ - تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات، فهو في كل ليلة يعاين الموت الأصغر وذلك حين يخلد للنوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر:٤٢]، والمسلم كلما أوى إلى فراشه تذكر هذا المصير، وهو يقول في ذكره: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ «(١). وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإِذَا قَامَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ بطرق أنه قال: «النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» (٣). وذكرت كتب التاريخ والسير أن النبي ﷺ لما صدح بدعوة الحق كان مما قال: «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون» (٤). وقال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وقال عمر: النوم أخو الموت (٥).

стр. 318

فمن نتائج الاهتمام القرآني بذكر الموت، المسارعة لخلاص النفس من أهوائها وانفكاكها عن شهواتها، والاستعداد للقاء ربها جل وعلا، وعدم الوقوع في الندم في هذه الساعة العصيبة. ٤ - أن في التذكير بالموت، تهديد للطغاة والمتجبرين والمتكبرين، ونذير شر إن لم يقلعوا عن غيهم، ويرجعوا إلى رشدهم، يقول جل وعز: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]، يقول المولى جل وعز ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وسكراته، يقال لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ وتقريع، والجواب في الآية محذوف لعظم الأمر، أي: ولو رأيت الظالمين في هذه الحال، لرأيت عذاباً عظيماً (١). والخطاب في الآية لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، والمراد: كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولاً أولياً (٢). "وهذا مشهد كئيب مكروب رعيب، يجلله الهوان، ويصاحبه التنديد والتأنيب، جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب " (٣).

стр. 319

وبعد نهاية هذا المطلب نستعرض ما ذكره الإمام ابن تيمية في رسالته الواسطية، حيث قال: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت" (١). فالموت سابق لهذه الأمور المذكورة بعده، وهو حق، قال جل وعلا: ... ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] قيل في معنى الحق هنا: الموت والتقدير: وجاءت سكرة الموت بالموت، فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه (٢). وختاماً: فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، وإنما هو حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية، وحالة اجتماعية فالدين يعتبره: مفارقة الروح للجسد ... وبدء حساب الآخرة، والانتظار للبعث. وفي نظر القانون يعتبره: انتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية وانتهاء قدرة على التملك، وعلى التعامل بيع وشراء، وكذلك هو خلو منصب، وفراغ من عمل. وهو من الناحية الاجتماعية: توقف نوع نشاط، وفراغ مجال، وانقطاع علاقات، وترمل أزواج، وتيتم أبناء، وفراق أصدقاء (٣). ولذا كان الحديث عن الموت ضرورياً ملحاً، فقد جاء به مصرحاً ومضمناً وبالإشارة تارة، والتلميح أخرى، مع تقريبه للأذهان، ليحصل الاستعداد التام لهذه الساعة الرهيبة.

стр. 320

المبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: فتنة القبر، وفيه أربع مسائل: ١ - حكاية الإجماع على حصول فتنة القبر. ٢ - تواتر الأخبار في إثبات الفتنة في القبر. ٣ - معنى فتنة القبر. ٤ - بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر. المطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه، وفيه خمسة مسائل: ١ - حكاية الإجماع على وقوع عذاب القبر. ٢ - تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر. ٣ - أدلة إثبات عذاب القبر. ٤ - المنكرون لعذاب القبر. ٥ - شبهات المنكرين لعذاب القبر.
следующие страницы →