← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وتظهر آثار تلك القدرة الإلهية الشاملة، كما في قوله سبحانه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران:٢٧]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام:٩٥]. ٢ - بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم، وأنه يسير إليه رغماً عنه دون اختياره وإرادته، قال جل وعلا مبينا هذا الموقف الرهيب وهذا الضعف الإنساني العجيب: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]. والآية سيقت لبيان عجزهم الميت وأهله، وذكر قدرته عليهم (١). فالميت يُساق إلى الله جل وعلا، ثم إلى الجنة أو إلى النار بأمر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]، يجتمع على الميت كرب الموت، وهول المطلع، قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه والملائكة يجهزون روحه (٢).

стр. 317

٣ - تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات، فهو في كل ليلة يعاين الموت الأصغر وذلك حين يخلد للنوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر:٤٢]، والمسلم كلما أوى إلى فراشه تذكر هذا المصير، وهو يقول في ذكره: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ «(١). وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإِذَا قَامَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ بطرق أنه قال: «النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» (٣). وذكرت كتب التاريخ والسير أن النبي ﷺ لما صدح بدعوة الحق كان مما قال: «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون» (٤). وقال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وقال عمر: النوم أخو الموت (٥).

стр. 318

فمن نتائج الاهتمام القرآني بذكر الموت، المسارعة لخلاص النفس من أهوائها وانفكاكها عن شهواتها، والاستعداد للقاء ربها جل وعلا، وعدم الوقوع في الندم في هذه الساعة العصيبة. ٤ - أن في التذكير بالموت، تهديد للطغاة والمتجبرين والمتكبرين، ونذير شر إن لم يقلعوا عن غيهم، ويرجعوا إلى رشدهم، يقول جل وعز: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]، يقول المولى جل وعز ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وسكراته، يقال لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ وتقريع، والجواب في الآية محذوف لعظم الأمر، أي: ولو رأيت الظالمين في هذه الحال، لرأيت عذاباً عظيماً (١). والخطاب في الآية لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له، والمراد: كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولاً أولياً (٢). "وهذا مشهد كئيب مكروب رعيب، يجلله الهوان، ويصاحبه التنديد والتأنيب، جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب " (٣).

стр. 319

وبعد نهاية هذا المطلب نستعرض ما ذكره الإمام ابن تيمية في رسالته الواسطية، حيث قال: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت" (١). فالموت سابق لهذه الأمور المذكورة بعده، وهو حق، قال جل وعلا: ... ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] قيل في معنى الحق هنا: الموت والتقدير: وجاءت سكرة الموت بالموت، فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه (٢). وختاماً: فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، وإنما هو حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية، وحالة اجتماعية فالدين يعتبره: مفارقة الروح للجسد ... وبدء حساب الآخرة، والانتظار للبعث. وفي نظر القانون يعتبره: انتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية وانتهاء قدرة على التملك، وعلى التعامل بيع وشراء، وكذلك هو خلو منصب، وفراغ من عمل. وهو من الناحية الاجتماعية: توقف نوع نشاط، وفراغ مجال، وانقطاع علاقات، وترمل أزواج، وتيتم أبناء، وفراق أصدقاء (٣). ولذا كان الحديث عن الموت ضرورياً ملحاً، فقد جاء به مصرحاً ومضمناً وبالإشارة تارة، والتلميح أخرى، مع تقريبه للأذهان، ليحصل الاستعداد التام لهذه الساعة الرهيبة.

стр. 320

المبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: فتنة القبر، وفيه أربع مسائل: ١ - حكاية الإجماع على حصول فتنة القبر. ٢ - تواتر الأخبار في إثبات الفتنة في القبر. ٣ - معنى فتنة القبر. ٤ - بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر. المطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه، وفيه خمسة مسائل: ١ - حكاية الإجماع على وقوع عذاب القبر. ٢ - تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر. ٣ - أدلة إثبات عذاب القبر. ٤ - المنكرون لعذاب القبر. ٥ - شبهات المنكرين لعذاب القبر.

стр. 321

المبحث الثاني الحياة البرزخية: المطلب الأول: فتنة القبر: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية:" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: " فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني ومحمد ﷺ نبيّي. وأما المرتاب فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق" (١). ما قرره الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة من فتنة القبر، هو الأمر المستقر في الشريعة، الذي انعقد عليه إجماع الأمة، ودلت عليه النصوص الشرعية ولذا فهذه الأسطر من هذه العقيدة انتظمت جملة من المسائل، تحريرها كالآتي: المسألة الأولى: حكاية الإجماع على حصول الفتنة في القبور: نقل الإجماع على وقوع فتنة القبر جماعة من أهل العلم: يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته" (٢). وقد ذكر العلامة البغدادي: أن من الأصول التي اتفق عليها أهل السنة، وأجمعوا عليها: إثبات السؤال في القبر. وقال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر" (٣).

стр. 322

وقال أحمد بن القاسم للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: نعم، سبحان الله نقر بذلك ونقوله: قلت: هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا، أو تقول ملكين؟ قال: نقول: منكر ونكير، وهما ملكان، وعذاب القبر (١). وأشار الإمام ابن تيمية إلى أن جماعات أهل الكلام ينصرون ما ظهر من مذاهب أهل السنة، كفتنة القبر وعذابه، فقال:" وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ينصرون ما ظهر من دين الإسلام، كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فينصرون إثبات الصانع النبوة والمعاد ونحو ذلك وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة، كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم، ينصرون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة ... وأن فتنة القبر حق، وعذاب القبر حق ... وأمثال من الأقوال التي شاع أنها من أصول أهل السنة والجماعة " (٢). وقال الإمام ابن عبد البر:" وأهل السنة والجماعة مصدقون بفتنة القبر وعذاب القبر، لتوافر الأخبار بذلك عن النبي ﷺ " (٣). وقد تواترت كلمة العلماء واستفاضت على إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين: قال الإمام المزني: " ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون " (٤). وقال الإمام البربهاري في بيان عقائد أهل السنة: "والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، وترسل فيه الروح، حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه" (٥).

стр. 323

وقال الإمام أبو عبد الله بن أبي زمنيين: "وأهل السنة يؤمنون بأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن النبي ﷺ كيف شاء الله، ويصدقون بذلك بلا كيف" (١). وقال الإمام ابن قدامة: "وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق " (٢). وقال الإمام الطحاوي: "ونؤمن ... وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه" (٣). وقال الإمام أبو حنيفة: "سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر" (٤). وقال الإمام النووي في شرحه لحديث عمرو بن العاص وهو في سياق الموت: فيه فوائد منها:" إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق" (٥). وقال الإمام ابن بطال في شرح حديث أنس: (إذا وضع العبد في قبره):" وفيه: أن فتنة القبر حق، وهو مذهب أهل السنة" (٦). والنقول عن أهل السنة في هذا الباب تطول جداً؛ لأن فتنة القبر من الأصول المتفق عليها بين أهل السنة والجماعة (٧). فيجب الإيمان بها والتصديق بلا كيف، قال الإمام الغزالي:" وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، وأوله: سؤال منكر ونكير" (٨).

стр. 324

المسألة الثانية: تواتر الأخبار والنصوص في إثبات فتنة القبر: قد تواترت الأحاديث الشريفة المنيفة عن رسول الله ﷺ -في فتنة القبر ومسألة منكر ونكير يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي ﷺ " (١). ويقول الإمام ابن القيم:" وأحاديث المسألة في القبر كثيرة ... وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة" (٢). ويقول الإمام السيوطي:" باب فتنة القبر وسؤال الملكين: قد تواترت الأحاديث بذلك مؤكدة من رواية أنس والبراء وتميم الداري وبشير بن الكمال وثوبان وجابر بن عبد الله وعبد الله بن رواحة وعبادة بن الصامت وحذيفة وضمرة بن حبيب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعثمان بن عفان وأبي رافع وأبي سعيد الخدري وأبي قتادة وأبي هريرة وأبي موسى وأسماء ... وعائشة ﵃ أجمعين - " (٣). وقال الإمام ابن أبي عاصم:" وهي أخبار ثابتة توجب العلم، وتنفي الريب والشك " (٤). فأحاديث فتنة القبر مع كثرتها وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على روايتها (٥). إلا أن بعض الناس أنكر سؤال منكر ونكير في القبر (٦). ومع وفرة هذه الأحاديث الصحيحة المشهور التي رواها الأئمة إلا أن المخالفين من المعتزلة اتبعوا القياس، وأعرضوا عن الآثار الصحيحة، مع أن المنقول عن القاضي عبد الجبار المعتزلي إثباته، كما حكى هو ذلك عن نفسه وأسلافه، وأورد الأدلة على إثبات عذاب القبر (٧). واحتج المخالفون بجملة من الأدلة التي يظنونها عقلية صحيحة منها:

стр. 325

أ. قالوا: إن المساءلة والخطاب إنما تكون لمن هو حي يسمع ويجيب، فأما إذا مات فقد زالت الحياة، وانتقضت البنية، وذلك يمنع من صحة السؤال والجواب، وإن قلتم: إنه تعاد حياته إليه، وروحه إليه، فذلك بعيد أيضاً من جهة، أنه لا سبيل إلى معرفة هذا. ب. وقالوا: ما ذكرتموه من أمور هي ثابتة بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تفيد العلم ولا توجبه، وهذه المسألة من مسائل العلم، فلا يقبل فيها خبر الواحد. ج. وبالغ بعضهم في دليل النفي فقالوا: إنا ندفن الميت ثم نأتي بعد أيام فنكشفه فنراه على الهيئة التي دفناه عليها، لا يتغير عما ترك عليه، ووضع بعضهم على صدر ميته شيئاً من الدفن، ثم كشفه بعد أيام فرأى الدفن في الموضع الذي تركه، قالوا: ولو كان يزول على ما هو عليه لزال الدفن عن محله إلى أرض اللحد، وإذا امتحن هذا بالاعتبار فلم يوجد له أصل، لم يثبت ذلك. وأجاب العلماء عن هذه الشبهات بما يلي: ١ - أما قولهم إن من شرط السؤال والجواب الحياة فصحيح، ولذا ورد في الأخبار الصحيحة، أنه تُعاد إليه روحه، فيخاطب وهو حي.

стр. 326

يدل عليه ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ -قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ «(١). قال الإمام أبو الوليد الباجي: "وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته" (٢). وقال العلامة العيني:" وفيه دليل على أن الميت تعود إليه روحه، لأجل السؤال، وأنه يسمع صوت نعال الأحياء، وهو في السؤال " (٣). وقد ذكر الإمام عبد الحق الإشبيلي جملة من الأحاديث الواردة في فتنة القبر وعذابه، وترجم له بقوله:" باب في عذاب القبر والمساءلة بعد الموت" (٤).

стр. 327

٢ - وأما قولهم: إنها أخبار آحاد، فليس بصحيح من جهة أنها أخبار قد ظهرت واشتهرت في الصحاح، وتلقتها الأمة بالقبول، وعمل بها الناس ومثل هذا إذا وجد في الأحاديث وجب العلم. ٣ - وأما قولهم: إن الميت امتحن ووضع على صدره شيئاً من الدفن، ثم كشف بعد أيام، ولا يزال الدفن في الموضع الذي ترك فيه، فيقال: أولاً: هذا ليس بصحيح من جهة أن القادر على إقامته، وإعادة الروح إليه في قبره، قادر على أن يعيده ويعيد ما على صدره على ما كان عليه. ثانياً: أنا لا نقبل القياس المعقول إذا عارض الأخبار الصحيحة المشهورة (١). فالذي عليه أئمة السلف إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، على ما ثبت في النصوص، قال الإمام ابن تيمية: "وقد ثبت أن القبور يُسال ويمتحن، وأنه يؤمر بالدعاء له " (٢)، وقال: "وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ -في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃ " (٣). ولذا صار إنكار فتنة القبر وسؤال الملكين من شعار أهل البدع، قال الإمام ابن عبد البر:" وأما قوله: أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم، فإنه أراد فتنة الملكين، منكر ونكير، حين يسألان العبد: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ والآثار في هذا متواترة، وأهل السنة والجماعة كلهم على الإيمان بذلك، ولا ينكره إلا أهل البدع " (٤). وقال الشيخ عبد الواحد الشيرازي في جزئه في "امتحان السني من البدعي: "يُسأل عن منكر ونكير، وضغطة القبر، فإن آمن به فهو سني , وإن أنكره فهو معتزلي، حشيشي، كافر بالله " (٥).

стр. 328

وما ذكره الشيخ عبد الواحد من كفر من أنكر منكر ونكير، أو عذاب القبر ونعيمه أمر مختلف فيه بين العلماء، ويشار في هذا المقام إلى جملة من الضوابط الشرعية في هذا الباب: أ. أن التكذيب أو الرد لحديث الرسول ﷺ -كفر صريح ظاهر، لأنه طعن في مقام الرسالة، ولذا قرر الأئمة أن من رد حديثاً صحيحاً أو كذبه كفر. قال الإمام إسحاق بن راهوية: "من بلغه عن رسول الله ﷺ -خبر يقر بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر" (١). ويقول العلامة ابن الوزير: "إن التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديثه كفر صريح " (٢). ب. أن جحد أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بحيث يعرفه الخاصة والعامة، يعتبر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام، بشرط أن يكون هذا الأمر المجمع عليه مشتهراً في الدين. يقول العلامة القرافي: "ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين حتى صار ضرورياً، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعاً لا يعلمه إلا خواص الفقهاء فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفراً " (٣). ج. أن التأويل المذموم هو التأويل المصادم لما ثبت بقاطع، فمن تأول تأويلاً يخالف قاطعاً من الكتاب والسنة واتفاق الأمة لا شبهة فيه، فإنه زنديق، "فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب، سواء قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلاً فاسداً، لم يسمع ممن قبله، فهو الزنديق" (٤). وحكم التأويل على ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون صادراً عن اجتهاد وحسن نية، بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه، لأن هذا منتهى وسعه.

стр. 329

الثاني: أن يكون صادراً عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية، فهو فسق وليس بكفر، إلا أن يتضمن نقصاً أو عيباً في حق الله، فيكون كفراً. الثالث: أن يكون صادراً عن هوى وتعصب، وليس له وجه في اللغة العربية فهذا كفر؛ لأن حقيقته التكذيب، حيث لا وجه له (١). وبناءً على ما تقدم يقال: إذا كان الإنكار لسؤال الملكين وعذاب القبر لمجرد الإنكار والتكذيب والرد للنصوص دون شبهة، فهذا يُعدّ كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه انطوى تحته تكذيب لحكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ وخروج عما اتفقت عليه الأمة، وعليه يحمل كلام الأئمة في التكفير في هذا الباب: يقول الإمام ابن أبي يعلى بعد أن ذكر الإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير من معتقد السلف: " فتلزم القلب أنك ميت، ومضغوط في القبر، ومساءل في قبرك، ومبعوث من بعد الموت فريضة لازمة، من أنكر ذلك فهو كافر " (٤) يقول الإمام ابن الملقن: " فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله في خبرهما " (٢). ويقول العلامة الخادمي: " والذي تقتضيه القاعدة، هو كفر إنكار عذاب القبر، على أنه لا يبعد أن يكون من قبيل الضرورات الدينية، يعرفه العامي والخاص ... وقد قيل: ظني الدلالة مع قطعي الدلالة للآحاد يفيد الفرضية وقد قيل: إن جميع أخبار الآحاد الموافقة للكتاب، حجة قطعية، فينتظم بها الاستدلال على الفرضية مطردا " (٣).

стр. 330

وقال العلامة الكشميري: " عذاب القبر ثبت متواترا، تواتر القدر المشترك ومنكر التواتر هذا لا ريب في تبديعه، ومنكر التواتر بالقدر المشترك كافر، إن كان التواتر بديهيا، وفاسق مبتدع إن كان نظريا " (١) قال الشيخ عليش:" واعلموا أيها الإخوان: أن عذاب القبر ونعيمه حق ... كما صحت به الأحاديث الصحيحة، ولكن الله تعالى يأخذ بأبصار الخلائق وأسماعهم من الإنس والجن عن رؤية عذابه ونعيمه لحكمة إلهية، ومن شك في ذلك فهو ملحد " (٢). وفي سؤال ورد للجنة الإفتاء في السعودية مفاده: "ما حكم من ينكر عذاب القبر بحجة أنها - أي الأحاديث الواردة في عذاب القبر - أحاديث آحاد وحديث الآحاد لا يؤخذ به مطلقاً، وهم لا ينظرون إلى حديث صحيح أو ... حسن أو ضعيف، ولكن ينظرون إليه من جهة كونه آحاداً أو مرويا بطرق مختلفة، فإذا وجد حديث آحاد لم يأخذوا به، فما هو الرد عليهم؟ جـ: إذا ثبت حديث الآحاد عن الرسول ﷺ كان حجة فيما دل عليه اعتقاداً وعملاً لإجماع أهل السنة، ومن أنكر الاحتجاج بأحاديث الآحاد بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، وارجع في الموضوع إلى كتاب الصواعق لابن القيم أو مختصره للموصلي" (٣). مناط الكفر في هذه الفتوى كما يُلاحظ، هو رد السنة الصحيحة المستلزم التكذيب لها، ومما يؤيد هذا: الفتوى الأخرى الصادرة عن نفس اللجنة، في كيفية التعامل مع من ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين لحديث عذاب القبر ونعيمه والمعراج والسحر والشفاعة والخروج من النار وهل يصلى وراءهم؟ أو يتبادل معهم السلام أو يعتزلوا؟ فأجابوا:

стр. 331

"يبحث معهم أهل العلم بالحديث رواية ودراية، ليعرفوهم بصحتها وبمعانيها، فإن أصروا بعد ذلك على إنكارها، أو تحريف نصوصها عن معناها الصحيح تبعاً لهواهم، وتنزيلاً لها على رأيهم الباطل فهم فسقة ... ويجب اعتزالهم وعدم مخالطتهم اتقاءً لشرهم، إلا إذا كان الاتصال بهم من أجل النصح لهم وإرشادهم، أما الصلاة وراءهم فحكمها حكم الصلاة وراء الفاسق، والأحوط: عدم الصلاة خلفهم، لأن بعض أهل العلم كفرهم" (١). ولذا فمن كانت له شبهة تأويل أو اجتهاد، فرد بعض النصوص أو تأولها فإنه لا يكفر على الصحيح، ونص العلماء على تبديعه وتفسيقه: يقول الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن المقالات: " إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها، إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها، ممن لم يعرف أن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم، فتدبره فإنه نافع " (٢). ويقول الإمام الغزالي: " فاعلم أن كل من أنكر عذاب القبر، فهو مبتدع محجوب عن نور الله تعالى، وعن نور القرآن، ونور الإيمان " (٣). ويقول يقول الإمام ابن بطال: " ولا ينكره إلا مبتدع " (٤). ويقول العلامة العيني: " ولا ينكره إلا مبتدع. ومن لا علم له بذلك لا يأثم " (٥).

стр. 332

يقول العلامة ابن عابدين:" واعلم أن الحكم بكفر من ذكرنا من أهل الأهواء ونحوهم مع ما ثبت عن أبي حنيفة والشافعي، من عدم تكفير أهل القبلة من المبتدعة كلهم، محملة: أن ذلك المعتقد نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر، وإن لم يكفر بناء على كون قوله ذلك عن استفراغ وسعة، مجتهداً في طلب الحق ... وعلى هذا يجب أن يحمل المنقول على ما عدا غلاة الرافضة ومن ضاهاهم، فإن أمثالهم لم يحصل منهم بل وسع في الاجتهاد ... فلا يتأتى من مثل الإمامين العظيمين أن لا يحكما، فأنهم من أكفر الكفرة، وإنما كلامها في مثل من له شبهة فيما ذهب إليه، وإن كان ما ذهب إليه عند التحقيق في حد ذاته كفراً، كمنكر الرؤية، وعذاب القبر، ونحو ذلك، فإن فيه إنكار حكم النصوص المشهورة والإجماع، إلا أن لهم شبهة قياس الغائب على الشاهد، ونحو ذلك مما علم في الكلام " (١). وقال الشيخ عبد الرحمن أفندي الحنفي:" لكن المعتزلة أنكروا عذاب القبر فلا يصح إكفارهم في صحيح الأقوال " (٢). وقال البكري:" ومثل ما ذكر من سبق اللسان وما بعده، الاجتهاد فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه، كاعتقاد المعتزلة عدم رؤية الباري في الآخرة أو عدم عذاب القبر أو نعيمه، فلا يكفرون بذلك، لأنه اقترن به اجتهاد" (٣). وقال شهاب الدين النفراوي:" من أنكر فتنة القبر وسؤال الملكين مبتدع يؤدب، فإن أصر على إنكاره لا يجوز قتله، ويضرب أدباً، كما فعله عمر ﵁، ببعض الناس " (٤).

стр. 333

المسألة الثالثة معنى فتنة القبر . المراد بفتنة القبر: يقول الإمام ابن تيمية:" وأما الفتنة في القبور، فهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان " (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل في بيان عقيدة أهل السنة:" وأن لله تعالى ملكين يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، يلجان إثر الميت في قبره، فإما يبشرانه وإما يحذرانه " (٢). وهذا المعنى قد أطبق عليه العلماء، قال الإمام السيوطي:" أطبق العلماء على أن المراد بقوله: يفتنون، وبفتنة القبر، سؤال الملكين منكر ونكير والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمي ملكا السؤال الفتانين " (٣). وقال الإمام ابن حزم:" بل كل ميت، فلا بد من فتنة وسؤال، وبعد ذلك سرور أو نكد إلى يوم القيامة، فيوفون أجورهم، وينقلبون إلى الجنة أو النار " (٤). قال بعض العلماء: إضافة الفتنة إلى القبر أو المقبور لا مفهوم له، فلا يعني ذلك أن غير المقبور لا يسأل، بل كل ميت يسأل قبر أو لم يقبر (٥). وهذا السؤال والجواب في القبر يستلزم عودة الروح إلى الجسد، وهو الصحيح الذي دلت عليه النصوص الشرعية، فقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه، وفي بيان الميت وحاله، أن روحه تعاد إلى جسده، مع العلم بأنها غير مستمرة فيه، وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية (٦). والحياة في القبر ثابتة بالسنة المطهرة، والمراد بها: "أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافاً لمن رده، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره، للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثاً، وهو خلاف النص!

стр. 334

والجواب: بأن يراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا، التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة، لفائدة الامتحان، فهي إعادة عارضة" (١). واحتج المنكر أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]، قال: ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين. والجواب: أن ذلك وصف لأهل الجنة، والضمير فيها للجنة، والمعنى: لا يذوق أهل الجنة في الجنة الموت، فلا ينقطع نعيمهم، فلا دلالة في الآية على انتفاء موته أخرى بعد المسألة، وقبل دخول الجنة. وقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعلق بالمحال، كأنه قيل: لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى، لذاقوا في الجنة الموت، لكنه لا يمكن بلا شبهة، فلا يتصور موتهم فيها. وقد يقال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: للجنس لا للوحدة، وإن كانت الصيغة صيغة الواحد، وليس فيها نفي تعدد الموت، لأن الجنس يتناول المتعدد أيضاً. (٢) قال الإمام القرطبي:" إلا الموتة الأولى، على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الموتة الأولى ذاقوها في الدنيا. وقيل: إن (إلا) بمعنى: بعد. وقيل: (إلا) بمعنى سوى، أي: سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا " (٣). وقد ورد في السنة المطهرة التنصيص على فتنة القبر:

стр. 335

فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ تقول: قام رسول الله ﷺ -خطيباً فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة (١) ... وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ : «استعاذ بالله جل وعلا من فتنة القبر «(٢). وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ، صلى على جنازة ودعا وقال ضمن دعائه: «وقه فتنة القبر، وعذاب القبر «(٣). وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، ﵃، أن النبي ﷺ : «استعاذ بالله من فتنة المحيا والممات «(٤). وذكر شراح الحديث أن هذه الاستعاذة تحتمل أمرين: أحدهما: حالة الموت، فإن الشيطان يفتن الآدمي حينئذ، تارة بتشكيكه في خالقه وفي معاده، وتارة بالتسخط على الأقدار، وتارة بإعراضه عن التهيؤ للقدوم إلى ربه بتوبة من زلة، واستدراك لهفوة.

стр. 336

والثاني: أنها فتنة القبر بعد الموت. وعليه يجوز أن يكون المراد: الفتنة عند الموت، وأضيفت إليه؛ لقربها منه، ويجوز أن يراد بها: فتنة القبر. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسماء ﵂، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ «(١).

стр. 337

قال الإمام الغزالي عن سؤال الملكين في القبر: "وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به؛ لأنه ممكن، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب، وذلك ممكن في نفسه، ولا يدفع ذلك: ما يشاهد من سكون أجزاء الميت، وعدم سماعنا للسؤال له، فإن النائم ساكن بظاهره، ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبيه " (١)، وقال العلامة الشهرستاني:" وما ورد به السمع من الأخبار من الأمور الغائبة، فيجب إجراؤها على ظاهرها، والإيمان بها كما جاءت، إذ لا استحالة في إثباتها، وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر والثواب والعقاب فيه حق يجب الاعتراف بها، وإجراؤها على ظاهرها، إذ لا استحالة في وجودها " (٢). وهذا هو مذهب أهل الحق من الإسلاميين، كما نص عليه العلماء (٣). المسألة الرابعة بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر ذكر العلماء في هذا الباب جملة من المسائل، بعضها يفتقر إلى شاهد يعضده وأثر يوضحه، وبعضها جرى فيها نزاع بين أهل القبلة. ولما كانت فتنة القبر من الأمور الغيبية التي خفيت عن جملة البشر، كان لا بد حين الكلام في أخبارها وأحداثها من أدلة صحيحة، يمكن الاعتماد عليها في إثبات بعض أحكام الآخرة. ومن المسائل التي ذكرها العلماء في هذا الشأن: ١ - هل فتنة القبر خاصة بهذه الأمة؟ اختلف العلماء على قولين مشهورين:

стр. 338

الأول: أن سؤال الملكين خاص بهذه الأمة، ذكره الإمام ابن عبد البر دون جزم، فقال:" وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»، ومنهم من يرويه «تُسأل في قبورها»، وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك، وهو أمر لا يقطع عليه" (١). وجزم بهذا القول الحكيم الترمذي وقال:" كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمداً رحمة للعالمين، أمسك عنهم العذاب وقَبِل الإسلام ممن أظهره، سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيّض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين " (٢). واحتجوا بحديث زيد السابق: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا «(٣) وبحديث عائشة عند أحمد بلفظ: «أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ: فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ «(٤). الثاني: أن السؤال لهذه الأمة ولغيرها، اختاره جماعة من أهل العلم منهم: الإمام عبد الحق الإشبيلي والإمام القرطبي والإمام ابن القيم. واحتجوا بعموم الأحاديث الدالة على سؤال منكر ونكير لكل مقبور. وتعقب الإمام ابن القيم ما استدل به الأولون فقال:" قوله «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ «: إما أن يراد به: أمة الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة.

стр. 339

وإما أن يراد به: أمته الذي بعث فيهم، فإن كان هذا هو المراد، لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم، بل قد يكون ذكرهم، إخباراً بأنهم مسئولون في قبورهم، وأن ذلك لا يختص بمن قبلهم، لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم". ثم قال: "والظاهر والله أعلم: أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة " (١). وقال بعضهم: إن الأدلة محتملة في ذلك وليست قاطعة في الاختصاص ولذا يتوقف في هذه المسألة، وهو قول جماعة، منهم الإمام ابن عبد البر (٢). ٢ - هل السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين؟ أم يشمل الكفار أيضاً؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: أن السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين دون الكافرين. وذهب إلى هذا القول الإمام ابن عبد البر، وقال في التمهيد:" الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل أن الفتنة في القبر، لا تكون إلا لمؤمن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوباً إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يُسأل عن هذا أهل الإسلام " (٣). وتأول الإمام ابن عبد البر، النصوص الواردة في عذاب القبر بأن هذا عذاب واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة، وهذا غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض للمؤمن، ومن الجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر، انتصر له الإمام السيوطي (٤).

стр. 340

الثاني: أن الكل يسأل، فالسؤال عام شامل للجميع، وهو اختيار جماعة من الأئمة منهم: القرطبي وابن الجوزي وابن القيم، وهو الصحيح الذي تؤيده النصوص. واحتجوا بالنصوص الواردة في سؤال الملكين، وفي بعض ألفاظ الأحاديث الواردة كما في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ... «وزاد البخاري: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ «(١). فالسؤال فتنة وعذاب، والكافر أحرى بذلك من المسلم، فهو من جملة المسئولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر سبحانه أنه يسأل الكافر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص:٦٥] وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢] وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يسألون في قبورهم (٢). وترجم له الإمام البيهقي في كتابه (إثبات عذاب القبر) بباب:" إخبار المصطفى ﷺ -بأن المؤمن والكافر جميعاً يسألان، ثم يثبت المؤمن ويعذب الكافر" (٣). ٣ - اختلف الناس في سؤال الملكين للمقبور، هل هو على الروح أم على البدن أم عليهما؟ إلى ثلاثة أقوال:

стр. 341

الأول: أن السؤال واقع على الروح فقط، وهذا القول نصره الإمام ابن حزم وغيره، وقال:" وأما من ظن أن الميت يحيي في قبره فخطأ، لأن الآيات التي ذكرناه تمنع من ذلك، ولو كان ذلك لكان تعالى قد أماتنا ثلاثاً، وأحيانا ثلاثاً، وهذا باطل، وخلاف القرآن، إلا من أحياه الله تعالى آية لنبي من الأنبياء" (١). وذكر الإمام ابن حزم، أنه لم يصح في خبر قط عن رسول الله ﷺ أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، ويحكى عن ابن عقيل وابن الجوزي وابن هبيرة (٢). الثاني: أن السؤال واقع على الجسد فقط، وأنكره جمهور أهل السنة، وهو قول ابن الزاغوني، وحكي عن ابن جرير (٣). الثالث: أن السؤال واقع على الروح والجسد، وهو قول جمهور أهل السنة وذهب إليه المحققون من أهل العلم، كالإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهما، وهو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة، وتشهد له البراهين الصحيحة. يقول الإمام ابن تيمية: "مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن " (٤)، وبعد أن ذكر الإمام ابن القيم حديث البراء بن عازب الطويل في عذاب القبر، وفيه: (فتعاد روحه في جسده) قال: "وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف " (٥)، ثم رد على الإمام ابن حزم في استدلاله على قوله: بأن السؤال واقع على الروح دون البدن.

стр. 342

٤ - ما يتعلق بسؤال الملكين للمقبور وإقعاده، حق ثابت في النصوص وإنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في الدنيا، وتحكيمه بإطلاق غير صحيح لقصوره وإمكان خرق العوائد، إما بفتح القبر حتى يمكن إقعاده، أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول، فالله جل وعلا جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه (١)، ولذا "أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى" (٢). ٥ - واختلف الناس في سؤال القبر، كم مرة يكون؟ فقيل: ثلاث مرات، وقيل: المؤمن يسأل سبعة أيام، والكافر أربعين صباحاً وقيل: مرة واحدة، وهو الذي استظهره ابن عبد البر، فقال: "والآثار المرفوعة كلها في هذا المعنى، تدل على أن الفتنة - والله أعلم - مرة واحدة" (٣). ٦ - واختلف الناس في سؤال الأطفال، هل يُسألون ويمتحنون أم لا؟ على قولين مشهورين: الأول: أنهم يمتحنون وكذا المجنون، وهو قول أكثر أهل السنة. واحتجوا بما ورد من الدعاء للطفل: «اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٤)، قالوا: وهذا يدل على أنه يفتن. وكذا احتجوا بما ثبت عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ صلى على صبي أو صبية، فقال: «لَوْ كَانَ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ» (٥).

стр. 343

وقالوا: إن الله يكمل لهم عقولهم، ليوفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، قال الإمام القرطبي: "وهذا مما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليه كما ينضم على الكبار ... عن أبي هريرة ﵁، قال: إن كان ليصل على النفوس ما أن عمل خطيئة قط، فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر" (١) (٢). وقالوا: وقد دلت الأحاديث الكثيرة أنهم يمتحنون في الآخرة، فإذا امتحنوا في الآخرة، لم يمتنع امتحانهم في القبور. الثاني: أنهم لا يمتحنون ولا يسألون، وأفتى به جماعات من أهل العلم (٣) فهم آمنون من ذلك، لأنهم غير مكلفين. وقالوا: إنما يكون السؤال لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟ وأجابوا عما ورد في الأثر، بالدعاء للطفل بأن يقي عذاب القبر: بأنه ليس على ظاهره، فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبته ولا السؤال، بل قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله، ففي القبر من الآلام والهموم والحسرات، ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب (٤).

стр. 344

٧ - استدل بحديث النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (١)، على أن وقت السؤال عقيب الدفن (٢)، وفيه رد على أهل البدع كأبي الهذيل والمريسي القائلين: إن السؤال يقع بين النفختين (٣). يقول الشيخ العثيمين في إجابة عن تساؤل:" متى تكون هذه الفتنة؟ هل هي بخروج الروح؟ أو بتسليم الإنسان إلى عالم الآخرة؟ والجواب: الثاني أما مجرد خروج الروح، فلا يحصل به فتنة؛ لأن النبي ﷺ -كان إذا أراد أن يدفن الميت يقول: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا .. » (٤). وهذا يدل على أنها لا تصل إلى ذلك الخير، ما دامت في أيديهم، وعلى هذا: فإذا مات ميت ووضع في الثلاجة للتحقق من موته وأسبابه، فإنه لا يفتن ولا يأتيه ملكان حتى يدفن " (٥). ٨ - أن الفتنة عامة لكل ميت إلا الشهيد، ومن مات مرابطاً في سبيل الله وكذلك الرسل على الصحيح لا يسألون؛ لأنهم هم المسؤول عنهم.

стр. 345

وتتبع الأئمة رحمهم الله تعالى الأحاديث التي ورد فيها الاستثناء من فتنة القبر وسؤاله، فذكر جملة منها الإمام القرطبي في التذكرة، ثم قال:" اعلم رحمك الله أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصها، وبين من لا يسأل في قبره، ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد ﷺ " (١). ٩ - سؤال الملكين حق، يجب الإيمان به والاستعداد له، فمن أجاب نجا ومن تعثر خسر، يقول الإمام الرازي في حكمة سؤال الملكين: "أن الملائكة لما طعنت في بني آدم، بعث الله إليه ملكين يسألانه عن ربه ودينه، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، فيقول الله: انظروا إليه أخذت روحه وماله وزوجته: فماله لعدوه، وزوجته تحت غيره، ومع ذلك فهو مقر بتوحيدي وتنزيهي، لتعلموا أني أعلم ما لا تعلمون" (٢). المطلب الثاني عذاب القبر ونعيمه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه، ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى" (٣). وما قرره الإمام ابن تيمية في هذا المقام من وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، هو الموافق والمستقر لما أجمعت عليه الأمة وتواترت على القول به وهو الموافق لظواهر النصوص الشرعية. وهذه الجملة من كلام الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة تحوي جملة من المسائل، تحريرها في الآتي:

стр. 346

المسألة الأولى: حكاية إجماع أهل السنة على وقوع عذاب القبر ونعيمه: حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع اتفاق أهل السنة والجماعة على الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، فقال: العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها (١). وقال رحمه الله تعالى:"اعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم والعذاب " (٢). وتتابع العلماء على حكاية إجماع الأمة على القول بعذاب القبر، فقال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا أن عذاب القبر حق، وقال: وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون" (٣). وقال الإيجي: "وعذاب القبر للكافر والفاسق كلها حق عندنا، واتفق عليه سلف الأمة قبل ظهور الخلاف" (٤). وقال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه" (٥). وقال ابن أبي العز:" وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة" (٦). وقال المناوي: "وقد أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى" (٧).

стр. 347

وقال الآمدي: "وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف على إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين"، وقال أبو بكر بن مجاهد:" وأجمع أهل السنة أن عذاب القبر حق، وصرح الزاهدي بالاتفاق على عذاب القبر (١). وترجم جماعة من الأئمة في مصنفاتهم في هذا الباب: فترجم الإمام البخاري في صحيحه فقال: "باب ما جاء في عذاب القبر ... باب التعوذ من عذاب القبر، باب عذاب القبر من الغيبة والبول" (٢). وترجم الأئمة لصحيح الإمام مسلم: "باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه" (٣). وكذا تتابع الأئمة من أهل التصانيف الحديثية والعقائدية على الترجمة لهذا الباب، وأن الإيمان به واجب، وحتم لازم: قال الإمام أبو محمد بن أبي زمنين: "باب في الإيمان بعذاب القبر" (٤). وقال الإمام ابن البناء: "باب الإيمان بعذاب القبر" (٥). وقال الإمام اللالكائي: "سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق والإيمان به حق" (٦). وقال الإمام البيهقي: "باب الإيمان بعذاب القبر، نعوذ بالله من عذاب القبر ومن عذاب النار" (٧). وقد تواترت أقوال أئمة السلف ومن بعدهم على ضرورة الإيمان بعذاب القبر، وأنه حق، وردت به النصوص: قال الإمام أبو حنيفة: "وعذابه حق كائن للكفار كلهم، ولبعض عصاة المؤمنين حق جائز "،

стр. 348

وسأله ابن حماد عن عذاب القبر أحق هو؟ فقال: هو حق، أتت به السنة وجاءت به الآثار " (١). وقال الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث: "ويقولون إن عذاب القبر حق، يعذب الله من استحقه إن شاء، وإن شاء عفا عنه " (٢). وقال الإمام عبد الغني المقدسي: "والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم". وقال الإمام القرطبي: والإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب والتصديق به لازم " (٣). "وقال الإمام المروزي: قال أبو عبد الله: عذاب القبر حق، لا ينكره إلا ضالّ مضلّ" (٤). وقال الإمام النووي:" ومذهب أهل الحق: إثبات عذاب القبر للكفار ... ولمن شاء من العصاة" (٥). وقال الإمام ابن الجوزي: " واعلم أن الإيمان بعذاب القبر واجب للأحاديث الواردة فيه" (٦). وقال الإمام الشافعي: "وإن عذاب القبر حق "، وقال الإمام ابن حزم: وأن عذاب القبر حق" (٧). فعذاب القبر حق، يجب الإيمان به وإن جهلنا معناه، فإنه لا يُطلع على حقيقة ذلك، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات للإحساس، لم يبق إلا التسليم. قال العلامة العيني:" عذاب القبر حق، يجب الإيمان به والتسليم له" (٨).

стр. 349

المسألة الثانية تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر: تكاثرت النصوص واستفاضت في الحديث عن عذاب القبر ونعيمه، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، ولذا يقول الإمام ابن عبد البر: "والآثار في ... عذاب القبر لا يحوط بها كتاب" (١). وقد روى أحاديث عذاب القبر عن رسول الله ﷺ جملة من أصحاب النبي ﷺ فرواه عن رسول الله ﷺ : " علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي ﷺ وأختها أسماء، وغيرهم" (٢)، ﵃ وأرضاهم. وقد نص على تواتر أحاديث عذاب القبر واستفاضتها وشهرتها جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية:" فأما أحاديث عذاب القبر فكثيرة متواترة عن النبي ﷺ " (٣). ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وقد روي عن النبي ﷺ ، من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه، ﵃ أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعاً من أصحاب النبي ﷺ " (٤). ويقول الإيجي: "والأحاديث الدالة عليه أكثر من أن تحصى، بحيث تواتر القدر المشترك" (٥). وقال حنبل: "قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها. ونقر بها، كلما جاء عن النبي ﷺ ، إسناد جيد، أقررنا به " (٦).

стр. 350

ويقول العلامة ابن أبي العز: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ -في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً " (١)، ويقول الإمام أبو حيان:" والأحاديث الصحيحة قد استفاضت بعذاب القبر، فوجب القول به واعتقاده" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر" (٣). ويقول الإمام ابن الملقن: "وهو مما نقلته الأمة تواتراً " (٤). ويقول الإمام الشوكاني: "وقد جاءت الأحاديث المتواترة بإثباته ". ويقول الإمام أبو المظفر الإسفراييني:" وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم تبلغ حد التواتر في اللفظ" (٥). وهذه النقول كلها تدل على أحقية مذهب أهل السنة في إثبات عذاب القبر الذي تظاهرت عليه وتظافرت فيه نصوص ودلائل الكتاب والسنة، ولم يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمتنع عقلاً، وورد به الشرع، وجب قبوله والتسليم به (٦). يقول العلامة الدماميني: "وقد كثرت الأحاديث فيه، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها، لم يصح شيء من أمر الدين " (٧).

стр. 351

والأحاديث الواردة في عذاب القبر صحيحة لا مطعن فيها، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: " وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة، ولا مطعن فيها، ولا معارض لها" (١). "فالأحاديث الصحاح هنا بالغة إلى حد التواتر المعنوي " (٢). المسألة الثالثة أدلة إثبات عذاب القبر اجتمعت كل الدلائل السمعية على إثبات عذاب القبر، فدلت نصوص الكتاب والسنة على إثباته، وقد أورد بعض الأئمة تساؤلاً، وأجابوا عنه مفاده: ما الحكمة في عدم التصريح بذكر عذاب القبر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به، ليحذر وليتقى؟ والجواب: أن القرآن مليء بالأدلة المثبتة لعذاب القبر، بعضها صريح والآخر ضمني، وإذا نظرت في الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه ... وجدتها تفصيلاً وتفسيراً لما دل عليه القرآن. يقول القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره:" قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر". "وقال قتادة: عذاب القبر في القرآن" (٣)، ويقول الإمام ابن رجب: "وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع آخر " (٤)، ويقول الإمام السيوطي عن عذاب القبر: "وقع ذكره في القرآن في عدة أماكن كما بينته في الإكليل في استنباط التنزيل" (٥). ومن الأدلة القرآنية التي استدل بها أهل السنة في إثبات عذاب القبر: ١ - قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].

стр. 352

أكثر المفسرين على أن هذا في القبر، لأن العرض إنما يكون في القبر (١)، وإذا ثبت في حق هؤلاء، ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق (٢). وثبت هذا التفسير عن جماعة من السلف منهم: مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب، كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا (٣) ... قال أبو البركات النسفي:" وهذا الآية دليل على عذاب القبر " (٤). وقال الإمام ابن كثير:" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (٥). وقال العلامة البقاعي: "وهذه الآية نص في عذاب القبر، كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب" (٦). وقال العلامة الكرماني في هذه الآية أنها:"أدل دليل على عذاب القبر، لأن المعطوف غير المعطوف عليه " (٧). وقال الإمام ابن القيم عن الآية:" فذكر عذاب الدارين، ذكراً صريحاً لا يحتمل غيره" (٨).

стр. 353

٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور:٤٧]، قال ابن عباس: ﵄: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾، وهو مروي عن البراء بن عازب وعلي أيضاً ﵁ (١). ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه:١٢٤]، قال أبو سعيد الخدري ﵁، في قوله تعالى: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: عذاب القبر، وهو المروي أيضاً عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄، وهو قول جماعة من أهل التفسير كأبي صالح والسدي (٢)، ورجحه الإمام الطبري فقال:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هو عذاب القبر" (٣)، وصحح هذا القول الإمام القرطبي، وقال مجاهد في تفسيره:" ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيّقه يضيّق عليه قبره " (٤). وجاء في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ : أنه فسر فيه المعيشة الضنك، بعذاب القبر، وجوّد إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره (٥). ولذا قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: "فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة على عذاب القبر " (٦).

стр. 354

٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]. فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت (١). ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم ﴿اليوم تجزون﴾ (٢). ٥ - وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة:١٠١]. قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر وهو المروي عن ابن عباس ﵄، وقتادة (٣)، وروي عن مجاهد (٤)، وروي عن الحسن وابن زيد (٥). وقال الإمام الطبري: "والأغلب في إحدى المرتين، أنها في القبر" (٦).

стр. 355

٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة:٢١]. استدل بعض السلف بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، وممن استدل بها على ذلك: ابن عباس والبراء بن عازب، وأبو عبيدة – ﵃ – وروي عن مجاهد، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر (١). ٧ - وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥] استدل بعض العلماء بهذه الآية كذلك على إثبات عذاب القبر، وهو المروي عن عطاء والحسن بن أبي الحسن، قال العلامة النسفي في معنى الآية:" لأذقناك عذاب الآخرة، وعذاب القبر مضاعفين" (٢). قال العلامة الزمخشري: "فإن قلت: كيف حقيقة الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار " (٣). والعذاب المضاعف في الآية: إما أن يراد به: العذاب المضاعف في القبر، أو العذاب المضاعف في الآخرة بعد البعث، وهي أقوال لأهل التفسير، والآية تشمل الجميع، كما قاله العلامة الأمين الشنقيطي (٤). ٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ [غافر:١١].
следующие страницы →