← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والأحاديث الواردة في عذاب القبر صحيحة لا مطعن فيها، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: " وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في عذاب القبر على الجملة، ولا مطعن فيها، ولا معارض لها" (١). "فالأحاديث الصحاح هنا بالغة إلى حد التواتر المعنوي " (٢). المسألة الثالثة أدلة إثبات عذاب القبر اجتمعت كل الدلائل السمعية على إثبات عذاب القبر، فدلت نصوص الكتاب والسنة على إثباته، وقد أورد بعض الأئمة تساؤلاً، وأجابوا عنه مفاده: ما الحكمة في عدم التصريح بذكر عذاب القبر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به، ليحذر وليتقى؟ والجواب: أن القرآن مليء بالأدلة المثبتة لعذاب القبر، بعضها صريح والآخر ضمني، وإذا نظرت في الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه ... وجدتها تفصيلاً وتفسيراً لما دل عليه القرآن. يقول القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره:" قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر". "وقال قتادة: عذاب القبر في القرآن" (٣)، ويقول الإمام ابن رجب: "وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع آخر " (٤)، ويقول الإمام السيوطي عن عذاب القبر: "وقع ذكره في القرآن في عدة أماكن كما بينته في الإكليل في استنباط التنزيل" (٥). ومن الأدلة القرآنية التي استدل بها أهل السنة في إثبات عذاب القبر: ١ - قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].

стр. 352

أكثر المفسرين على أن هذا في القبر، لأن العرض إنما يكون في القبر (١)، وإذا ثبت في حق هؤلاء، ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق (٢). وثبت هذا التفسير عن جماعة من السلف منهم: مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب، كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا (٣) ... قال أبو البركات النسفي:" وهذا الآية دليل على عذاب القبر " (٤). وقال الإمام ابن كثير:" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (٥). وقال العلامة البقاعي: "وهذه الآية نص في عذاب القبر، كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب" (٦). وقال العلامة الكرماني في هذه الآية أنها:"أدل دليل على عذاب القبر، لأن المعطوف غير المعطوف عليه " (٧). وقال الإمام ابن القيم عن الآية:" فذكر عذاب الدارين، ذكراً صريحاً لا يحتمل غيره" (٨).

стр. 353

٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور:٤٧]، قال ابن عباس: ﵄: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾، وهو مروي عن البراء بن عازب وعلي أيضاً ﵁ (١). ٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه:١٢٤]، قال أبو سعيد الخدري ﵁، في قوله تعالى: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: عذاب القبر، وهو المروي أيضاً عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄، وهو قول جماعة من أهل التفسير كأبي صالح والسدي (٢)، ورجحه الإمام الطبري فقال:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هو عذاب القبر" (٣)، وصحح هذا القول الإمام القرطبي، وقال مجاهد في تفسيره:" ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيّقه يضيّق عليه قبره " (٤). وجاء في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ : أنه فسر فيه المعيشة الضنك، بعذاب القبر، وجوّد إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره (٥). ولذا قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: "فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة على عذاب القبر " (٦).

стр. 354

٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]. فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت (١). ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم ﴿اليوم تجزون﴾ (٢). ٥ - وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة:١٠١]. قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر وهو المروي عن ابن عباس ﵄، وقتادة (٣)، وروي عن مجاهد (٤)، وروي عن الحسن وابن زيد (٥). وقال الإمام الطبري: "والأغلب في إحدى المرتين، أنها في القبر" (٦).

стр. 355

٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة:٢١]. استدل بعض السلف بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، وممن استدل بها على ذلك: ابن عباس والبراء بن عازب، وأبو عبيدة – ﵃ – وروي عن مجاهد، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر (١). ٧ - وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥] استدل بعض العلماء بهذه الآية كذلك على إثبات عذاب القبر، وهو المروي عن عطاء والحسن بن أبي الحسن، قال العلامة النسفي في معنى الآية:" لأذقناك عذاب الآخرة، وعذاب القبر مضاعفين" (٢). قال العلامة الزمخشري: "فإن قلت: كيف حقيقة الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار " (٣). والعذاب المضاعف في الآية: إما أن يراد به: العذاب المضاعف في القبر، أو العذاب المضاعف في الآخرة بعد البعث، وهي أقوال لأهل التفسير، والآية تشمل الجميع، كما قاله العلامة الأمين الشنقيطي (٤). ٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ [غافر:١١].

стр. 356

يقول الإمام الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر وتقرير الدليل: أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين، حيث قالوا: ربنا آمتنا اثنتين فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر، حتى يصير الموت الذي يحصل عقبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر" (١). ٩ - وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [المجادلة:١٥]. والمراد منه عند بعض المحققين: عذاب القبر (٢)، وقال بعضهم: أعد لهم عذاباً شديداً في جهنم، وهو الدرك الأسفل (٣)، قال ابن الخطيب:" لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القبر، وحملنا قوله جل ذكره: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ [المجادلة:١٦] على عذاب الآخرة، لا يلزم منه تكرار" (٤). ١٠ - وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. قال الإمام الطبري في معنى هذه الآية: "يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور، وعيداً منه لهم وتهديداً" (٥).

стр. 357

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (١)، قال الإمام الطحاوي عن هذا الأثر: "فكان هذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر" (٢). هذه جملة من الأدلة القرآنية التي تثبت عذاب القبر، وغيرها كثير في القرآن الكريم كلها تصب في معين واحد، وتدل على أمرين: الأول: أن القرآن الكريم حافل بالكثير من الأدلة الصريحة أو الضمنية على إثبات عذاب القبر. الثاني: أن عذاب القبر حق لا ريب فيه ولا شك، ومتى ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً، لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى (٣). أما الأدلة الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر، فهي كثيرة مستفيضة ومنها: - ما أخرج الإمام البخاري: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ» (٤).

стр. 358

- وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (١). قال الإمام الخطابي: "وفيه إثبات عذاب القبر" (٢). وقال الإمام تاج الدين الفاكهاني: "فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك" (٣). وقال الإمام ابن بطال:" أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة" (٤). - وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ... «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٥).

стр. 359

قال الإمام العراقي عن هذا الحديث:" فيه إثبات عذاب القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه، نوع عظيم من العذاب، وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولا يمتنع في العقل " (١). - وفي الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ (٢). ولما ذكر الإمام ابن القيم، حديث البراء بن عازب الطويل، والذي فيه وصف لحال المقبور في قبره، قال: "هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلاً من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه" (٣). وكما ثبت عذاب القبر بنصوص الكتاب والسنة، فهو كذلك جائز بالعقل يقول الإمام ابن قتيبة: "إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أن الله تعالى يبعث من في القبور، بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت، جاز أيضاً في المعقول، وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ" (٤).

стр. 360

ويقول الإمام المتولي: "عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير حق ثابت، والدليل عليه: أن العذاب والفتن في القبر ليس مما يستحيل عقلاً، وورد به السمع، فلا بد من إثباته " (١). وعذاب القبر يمكن في نفسه (٢)، ولو كان يستحيل ما تعوذ منه ﵊ (٣)، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع، وجب قبوله (٤). المسألة الرابعة المنكرون لعذاب القبر المنكرون لعذاب القبر أصناف متفاوتون، فمنهم من ينكره مطلقاً، ومنهم من ينكر وقوعه على البدن، ومنهم من ينكر وقوعه على الروح، ومنهم من قال بوقوعه على الكافرين دون المؤمنين. ١ - المنكرون لعذاب القبر ونعيمه مطلقاً: ونسب هذا القول إلى ملاحدة الفلاسفة والخوارج والجهمية أتباع الجهم بن صفوان، وبعض المعتزلة وبعض المرجئة. يقول الإمام القرطبي:" أنكرت الملاحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة: عذاب القبر، وأنه ليس له حقيقة" (٥). ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري:"واختلفوا في عذاب القبر: فمنهم من نفاه، ومنهم المعتزلة والخوارج" (٦). وقال العلامة الملطي:" وأنكر جهم عذاب القبر ومنكراً ونكيراً، وقال: أليس يقول: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) " (٧).

стр. 361

وقال الإمام ابن حزم:" ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني، أحد شيوخ المعتزلة، إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج" (١). ويقول الإمام العراقي:" وقد خالف في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة، ونفوا ذلك"، وقال الإمام ابن القيم: "وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأساً، مثل: ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل، وهو قول المريسي" (٢). وقال الإمام ابن الملقن:" وأما الباقون من المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن أبي كامل وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً. وإلى الإنكار أيضاً ذهبت الخوارج وبعض المرجئة " (٣). إن القول بإنكار عذاب القبر مشهور عن جماعة، منهم من ذكرنا، إلا أنه يشار في هذا المقام إلى أن نسبة الإنكار إلى عموم المعتزلة، فيه نظر، فإن القاضي عبد الجبار المعتزلي قال:" إنما أنكر ذلك أولاً: ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل، ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك ... بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك " (٤). وأكد ذلك جماعة من أهل العلم، فقال الإمام ابن حزم:" وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول؛ لصحة الآثار عن رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 362

وقد وقع إنكار شديد على المعتزلة، بناء على ماسُطر، على أنهم تتابعوا على القول بإنكاره، والحق ما ذكره علمائهم، وأيده علماء أهل السنة، يقول الحافظ ابن حجر بعد حكاية أقوال المنكرين لعذاب القبر:" وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم " (١). ولذا حكى العلامة ابن حجر الهيثمي: أنه وقع لسني أنه صلى على معتزلي فقال في دعائه: اللهم أذقه عذاب القبر، فإن كان لا يؤمن به، ويبالغ في نفسه ويُخطئ مثبته (٢). فهذا وأمثاله مبني على ما سبق الإشارة إليه، من تعميم بأن الإنكار لعذاب القبر هو منهج المعتزلة، ومن هنا قال العلامة مغلطاي بعد أن أشار إلى نسبة القول بالإنكار إلى عموم المعتزلة:" كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه، ويشبه أن يكون ذلك وهماً منهم على المعتزلة، لما ذكره القاضي عبد الجبار له عن المعتزلة". وقال العلامة التفتازاني:" وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه؛ لمخالطة ضرار إياهم، وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق" (٣). ٢ - المنكرون لوقوع عذاب القبر على البدن: وهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على النفس فقط، بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب ولا نعيم، وهو المنقول عن ابن ميسرة وابن حزم (٤). ويقول الإمام ابن تيمية:" وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور " (٥).

стр. 363

وهذا القول باطل، فقد ورد في الأحاديث الصحيحة وقوع العذاب على الجسد، "ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد، الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت، حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة، لم يختص العذاب بالقبر، ولم ينسب إليه" (١). ٣ - المنكرون لوقوع عذاب القبر على الروح: وهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على البدن فقط، كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، وهو قول طائفة من المعتزلة والأشعرية (٢). وهذا قول باطل "والحق أن الميت المعذب في قبره توضع فيه الحياة بقدر ما يحس بالألم" (٣). وذهب جماعة إلى جواز التعذيب على الموتى من غير إحياء؛ لأنها ليست شرطاً للإدراك، وهو المنقول عن الصالحي من المعتزلة، وابن جرير الطبري وطائفة من الكرامية، وقاله طائفة من أهل الحديث، وذكره ابن الزاغوني، وهذا القول خروج عن المعقول؛ لأن الجماد لا حس له، فكيف يتصور تعذيب. وذهب ابن الراوندي إلى أن الحياة موجودة في كل ميت، لأن الموت ليس ضدا للحياة، بل هو آفة كليه معجزة عن الأفعال الاختيارية، غير منافية للعلم. وهذا باطل لا يوافق أصول أهل الحق (٤). ٤ - المنكرون لوقوعه على المؤمنين: وذهب أصحاب هذا القول إلى وقوع عذاب القبر على الكافرين خاصة دون المؤمنين، وهو المنقول عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم والبلخي (٥) وذكر الإمام ابن قتيبة الأخبار الواردة في عذاب القبر، ثم قال: "وهذه الأخبار تدل على أن عذاب القبر للكافر" (٦).

стр. 364

وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام، كالسكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا ألماً، فإذا عاد إليهم عقلهم وجدوا تلك الآلام (١). وكل هذه الأقوال فاسدة، تردها الأحاديث الصحيحة الثابتة، والذي عليه جماعات أهل السنة ما يلي: ١ - إثبات عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد، يقول العلامة ابن حجر الهيتمي في جواب عن سؤال مفاده: هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟ فأجاب بقوله:" ذهب أهل السنة إلى أن الله يحيي المكلف في قبره، ويجعل له من العقل مثل ما عاش عليه، ليعقل ما يُسأل عنه، ويجيب عنه، وما يفهم به ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وبهذا نطقت الأخبار والأصح: أن العذاب على الروح والجسد" (٢). والأحاديث على إثبات هذا متضافرة، يقول الإمام ابن تيمية:" وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت من استقصائه، مما يبيّن أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب - إذا شاء الله ذلك - كما يشاء، وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن، ومنعمة أو معذبة " (٣). وهذا القول هو الذي أجمع عليه أهل السنة، يقول الإمام ابن تيمية: "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً، باتفاق أهل السنة والجماعة" (٤). ٢ - أن العذاب قد يكون على النفس متفردة أحياناً، يقول الإمام ابن تيمية:" تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن" (٥).

стр. 365

ويقول الإمام ابن رجب: "وقولهم: إن الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب، لا ينافي أن تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب، وقد تستقل الروح أحياناً بالنعيم والعذاب إما عند استحالة الجسد أو قبل ذلك" (١). ٣ - أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، بل يقع على عصاة الموحدين كذلك، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: "واعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله، وما ستوجبه بخطيئته وزلَلَه " (٢). ويقول الحافظ ابن حجر:" إثبات عذاب القبر وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من الموحدين " (٣). وقد ذكر الإمام ابن رجب أنواع عذاب القبر، وذكر منها: تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه ثم قال:" وقد ورد ما يدل عل أن التضييق عام للمؤمن والكافر، وصرّح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره " (٤). ومن أنواع عذاب القبر التي أوردها الإمام ابن رجب ودلل عليها غير ما سبق (٥): - الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره. - تسليط الحيات والعقارب عليه. - رض رأس الميت بحجر، أو شق شدقه أو نحو ذلك. ٤ - أن كل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر. فلوا أكتله السباع أو أحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب ... أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور (٦).

стр. 366

يقول الإمام النووي:" قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء، وإن أكلته السباع والحيتان " (١). ٥ - ذكر بعض أهل العلم: أن عذاب القبر نوعان: دائم ومنقطع: فالدائم: عذاب الكفار، وبعض العصاة، والمنقطع: هو عذاب من خفت جرائمه من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك (٢). وقد يكون عذاب القبر سببا موجبا لرفع العقوبة الأخروية، يقول الإمام ابن تيمية:" قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفر به الخطايا" (٣). وقال العلامة ابن أبي العز:" فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة: السبب الخامس: عذاب القبر" (٤). ٦ - تتبع العلماء واستقرؤوا النصوص الواردة في عذاب القبر، وذكروا الأسباب التي يعذب بها أصحابها وهي كثير ومنها: أ. النميمة والبول وترجم لها الإمام البيهقي في جزء: "إثبات عذاب القبر" (٥).

стр. 367

وذكر حديث الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: مرّ رسول الله ﷺ -على قبرين فقال: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (١)، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ» (٢). ب. النياحة على الميت، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يخاف من عذاب القبر في النياحة على الميت، قال بعض أهل العلم: إذا كان قد أوصى بها " (٣). عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» (٤). ج. الغلول من الغنيمة، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله: "باب ما يخاف من عذاب القبر في الغلول" (٥):

стр. 368

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، في قصة الرجل الذي أخذ الشملة من الغنيمة، قال عنه رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شِرَاكٌ - أَوْ شِرَاكَانِ - مِنْ نَارٍ» (١). فهذه الأسباب وغيرها كثير، هي من الأسباب المفصلة التي يعذب هاب أصحابها في القبور. وأما الأسباب المجملة التي تكون سبباً في العذاب هو: الجهل بالله جل وعلا، وإضاعة أمره، وارتكاب معاصيه، إذ إن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله تعالى وسخطه على عبده، فمن أغضب الله جل وعلا وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله تعالى وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر ومصدق ومكذب (٢). قال الإمام القرطبي:" قال علماؤنا: لا أبين في أحوال المعذبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان مناماً، فمنامات الأنبياء ﵈ وحي " (٣). ٧ - وكذا تتبع العلماء واستقصوا الأسباب التي تنجي من عذاب القبر وهي أسباب كثيرة وردت في السنة المطهرة ومنها: أ- الشهادة في سبيل الله، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" ما يرجى في ... الشهادة في سبيل الله من الأمن من عذاب الله في القبر " (٤).

стр. 369

عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» (١). ب - الرباط في سبيل الله تعالى، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يُرجى في الرباط من الأمان من فتنة القبر" (٢). عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (٣). ٣ - قراءة سورة الملك، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يرجى في قراءة سورة الملك من المنع من عذاب القبر " (٤). عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ» (٥).

стр. 370

وعن ابن عباس ﵄، أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال الرجل: بلي، قال: اقرأ: تبارك الذي بيده الملك، احفظها وعلمها أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها عن عذاب القبر (١)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: تبارك الذي بيده الملك منجية (٢). قال الإمام القرطبي: "اعلم رحمك الله، أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصصها ويبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد ﷺ " (٣). المسألة الخامسة شبهات المنكرين لعذاب القبر تعلق المنكرون لعذاب القبر بشبهات واهية متهافتة، لا قيام لها عند قدم التحقيق، لأنهم لم يسلموا لأخبار الله تعالى وأخبار رسوله ﵊، إذ الواجب على المكلف أن يذعن ويسلم لأخبار ونصوص الوحيين، ولا يعارضها بشبهات عقلية فاسدة، لأن عذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، دون أي معارض عقلي. يقول الإمام ابن رجب:" فإن عذاب القبر ليس من جنس عذاب الدنيا ... وإنما هو نوع آخر، يصل إلى الميت بمشيئة الله وقدرته" (٤).

стр. 371

ويقول الإمام القرطبي:" فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا مما لا خلاف فيه، ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئاً مما هنالك " (١). وشبه القوم تتلخص في الآتي: أ. شبه نقلية: ١ - زعموا أن القرآن الكريم لم يدل على عذاب القبر: الرد: هذا القول غلط، لأن هذا شأن من لم يتدبر القرآن، ولم يتأمل في معانيه، وإلا فإن القرآن الكريم مليء بذكر عذاب القبر تصريحاً وتلميحاً، كما سبق ذكره في الأدلة، يقول الإمام ابن تيمية عن هذا القول: "وهو غلط، بل القرآن قد بيَّن في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن، وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ " (٢). ٢ - زعموا أن القرآن الكريم يدل على نفي عذاب القبر، واحتجوا على نفي عذاب القبر بما يلي: قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، قال المنكرون: دلت هذه الآية على بطلان عذاب القبر، وذلك: أنه تعالى بيّن أنه يحييهم مرة في الدنيا، وأخرى في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، قالوا: ويؤكده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [َالمؤمنون:١٥ - ١٦]. ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحياتين.

стр. 372

الرد: أولا: اختلف المفسرون في تفسر الحياتين والموتتين، والذي عليه السلف وعلى رأسهم ابن مسعود وابن عباس ﵃، وجماعة التابعين، وجمهور أهل التفسير كقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري، ورجحه ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم، أن معنى الآية: أن الموتة الأولى: كونهم نطفاً وعلقاً ومضغاً، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة (١). ثانيا: لا يلزم من عدم ذكر حياة القبر في هذه الآية ألاّ تكون حاصلة، فقد وردت في آيات أخرى تدل عليها. ثالثا: يمكن قلب الدليل عليكم فيقال: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية، لأن قوله في (يحييكم) ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لِمَ صح أن يقول: (ثم إليه ترجعون) لأن كلمة (ثم) تقتضي التراخي والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً (٢). ب. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦]. قال المنكرون: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾، ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة. الرد: أولاً: أن معنى الآية الكريمة: أنه بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ يعني النشأة الآخرة فتحيون للجزاء (٣).

стр. 373

ثانياً: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة، فقد ورد ذكرها والإشارة إليها في مواضع أخر، على أن قوله جل وعلى في الآية (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون): فيه دلالة على حياة القبر، وذلك أن البعث هو الإطلاق، فكأنهم حبسوا مدة ثم أطلقوا (١). وثالثاً: أن الغرض هو ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء، والإماتة، والإعادة، والذي تُرك ذكره فهو من جنس الإعادة (٢). ج. قال الله تعالى ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾: [المؤمنون:١١٢ - ١١٣]. قال المنكرون: قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة، فما كانوا يقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. الرد: أولاً: معنى هذه الآية الكريمة: أن الله قال لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية، ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء، وطول مكثهم في القبور في العذاب، لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة، حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلا يوماً أو بعض يوم (٣). ثانيا: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.

стр. 374

ثالثاً: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على بعض، فيصح أن يكون جوابهم ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: عند أنفسنا. د. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ الصافات ٥٨ - ٥٩ قال المنكرون: قوله في هذه الآية، يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين. الرد: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): المراد منه: كل ما وقع في الدنيا وهذا الاستثناء في الآية، استثناء منقطع، والمعنى: أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا، وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ الدخان ٥٦ (١). ب. شبهة عقلية: ١ - ردهم النصوص الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر بناء على أنها أحاديث آحاد، وهي لا تفيد إلا الظن دون القطع الواجب في باب العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها (٢). الرد: تتابع العلماء في الرد على هذه الشبهة، ويكفي في ردها النظر في تراجم الأئمة في مصنفاتهم في بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل ... والعمل به. يقول الإمام البخاري في صحيحه:" كتاب أخبار الآحاد"، وذكر تحته عدة أبواب مضمنة لمجموعة من الآيات، كلها تدل على وجوب قبول خبر الواحد، فقال: - "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام - "باب بعث النبي ﷺ ، الزبير طليعة وحده". - "باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. فإذا أذن له واحد جاز". - "باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد"

стр. 375

- "باب وصاة النبي ﷺ وفود العرب أن يبلغوا من رواءهم". - "باب خبر المرأة الواحدة" (١). ويقول الإمام الدارقطني في سننه: "خبر الواحد يوجب العمل " (٢)،ويقول الإمام البيهقي في السنن: "الحجة في تثبيت خبر الواحد" (٣)، ويقول الإمام الخطيب البغدادي في الكفاية: "باب ذكر بعض الدلائل على صحة العمل بخبر الواحد ووجوبه" (٤). وقد حُكِي الإجماع في بيان وجوب العمل بخبر الواحد: يقول الإمام السمعاني:" ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد" (٥). ويقول الإمام أبو القاسم الأصبهاني: "إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات والأئمة وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة " (٦). ويقول الإمام القرطبي في بيان قبول خبر الواحد: "وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي ﷺ -في توجيهه ولاته ورسله آحاداً للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم ﷺ -من الأوامر والنواهي" (٧). وقال العلامة التفتازاني:" أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر، وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب وغير ذلك، مقبول بالإجماع، مع أنه لا يفيد إلا الاعتقاد، إذ لا يثبت به عمل من الفروع" (٨).

стр. 376

وقال الإمام ابن عبد البر:" أجمع العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت" (١). وقد أفرد جماعات من أهل العلم، مصنفات خاصة في بيان حجية أخبار الآحاد، كالإمام ابن عبد البر والإمام الخطيب البغدادي وغيرهما (٢). وعقد الأئمة ﵏ في مصنفاتهم أبواباً؛ لبيان الأدلة المستفيضة على حجية خبر الآحاد كالإمام الشافعي في كتابه الرسالة (٣). واحتج الأئمة يرحمهم الله تعالى بحديث الآحاد بشموله سواء فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد أو مسائل الأحكام فلم يفرقوا في التعامل به بنهما، كما جرت عليه بعض الطوائف، حيث أعملت خبر الآحاد فيما يتعلق بمسائل الأحكام، والغت حجيته في مسائل الاعتقاد، وهذا من قصورهم في التعامل مع السنة، وإلا فإن الأئمة احتجوا به في مسائل الأحكام ومسائل الاعتقاد. يقول الإمام السمعاني:" أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله ، وفي مسائل القدر والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي ﷺ -ومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك، مما يكثر عده وذكره، وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها " (٤).

стр. 377

ولذا فالتفريق بين أخبار والمتواترة والآحاد في العمل، والقول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، وأنه"لا بد من نقله بالتواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه بعض الفقهاء، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول" (١). والعجيب أن الفرق التي تفرق بين أخبار التواتر والآحاد في العمل، تجدها مع اختلاف طرائقها وعقائدها، تستدل كل فرقة منهم على صحة ما تذهب إليه بأخبار الآحاد. ولذا إذا قلنا: "إن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبي ﷺ أدى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من أصحابه ليؤدوه إلى الأمة، فإذا لم يقبل قول الراوي، لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدِّي - نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والاعتقاد القبيح - " (٢). وقد ذكر الإمام أبو عمرو الداني في رسالته الوافية في اعتقاد أهل السنة:" قولهم: إن من تمام السنة وكمالها، قبول خبر الواحد والاستمساك به والعمل بموجبه من الصحابة من الرجال والنساء، إذا حدَّث به الثقة المعروف عن مثله إلى أن يتصل الإسناد بالصحابي إلى النبي ﷺ وذلك إذا لم يعارضه خبر مثله، ولا نسخه أثر، ولا اتفق الجميع على ترك استعماله" (٣). وهذا الذي ذكره الإمام أبو عمرو الداني في قبول أخبار الآحاد، هو الذي اتفق عليه الأئمة، إلا أنه أشار إلى موجبات رد خبر الثقة، وقد أشار إليها الإمام الخطيب البغدادي، فقال:" إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور:

стр. 378

أحدها: ن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا. والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ. والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه. والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم. والخامس: أن ينفرد الواحد برواية ما جرت به العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية" (١). ومن الشواهد التي تدل على احتجاج الأئمة بخبر الواحد، ذكرهم قبول خبر الواحد في فوائد الأحاديث والآثار التي يتولون شرحها والتعليق عليها وهذا كثير لا يمكن حصره، ومنه: - استدل الإمام الشافعي بقبول خبر الواحد، ببعض الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب ﵁، فقال: "وكان عمر بن الخطاب يقضي أن الدية للعاقلة، ولا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع إليه عمر، وقال: وسأل عمر بن الخطاب من عنده علم عن النبي ﷺ في الجنين فأخبره حمل بن مالك أن النبي ﷺ قضى فيه بغرة، فقال عمر بن الخطاب: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا، أو قال: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، في كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد إذا كان صادقاً عند من أخبر" (٢).

стр. 379

وقال الإمام الخطابي في شرحه لحديث: "أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ " (١):" وفي الحديث دليل على قبول خبر الواحد" (٢). - وقال الإمام ابن بطال في شرحه لحديث ضمام في صحيح الإمام البخاري: " وفي حديث ضمام: قبول خبر الواحد؛ لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك عن النبي ﷺ حتى يأتينا من طريق آخر" (٣). - وقال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث عروة عن عائشة قالت:" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ " (٤). وفي رواية معمر لهذا الحديث عن ابن شهاب قال عمر لعروة: انظر ما تقول يا عروة، أو أن جبريل هو سن وقت الصلاة، فقال له عروة، كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .. وفيه دليل: على قبول خبر الواحد، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، فيما جهل من أمر دينه وهذا منا على التنبيه " (٥). وقال الإمام ابن الجوزي:" وفي الحديث السادس والأربعين بعد المائة: استدارة أهل قباء إلى القبلة بقول واحد، وهو أصل في قبول خبر الواحد إذا كان ثقة" (٦) (٣).

стр. 380

والشواهد تطول جداً في هذا الباب، في بيان احتجاج العلماء بالحديث الآحاد والحجة في إثبات خبر الواحد والعمل به قائمة من الكتاب والسنة، ودلائل الإجماع والقياس (١). - وينبغي أن يعلم في هذا المقام: أن التحقيق في مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو قبوله خبر الواحد، يقول الإمام ابن عبد البر:" وقد زعم قوم أن في قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان، دليل على أن عمر كان لا يقبل خبر الواحد العدل، حتى يقع إليه العلم الظاهر به كالشاهدين، ليس كما زعموا، لأنه معروف عن عمر من وجوه متواترة قبوله لخبر الواحد العدل، ومحال أن يقبل خبر الواحد العدل، وهو يدين برده" (٢). ولذا قال الإمام ابن بطال فيمن ذهب إلى هذا القول:" وهذا خطأ في التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من السلف" (٣). فخبر الواحد مقبول عند عمر، معمول به، وأما مراجعته لأبي موسى في حديث الاستئذان لم يكن إلا للاستظهار أو لغير ذلك من الوجوه (٤). وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن خبر الواحد قد يعلم صدقه بأنواع من الدلائل وقرائن تقترن بالخبر يعلم بها صدقه فمنها: - دلائل وقرائن قد تكون في المُخبِر، من علمه، ودينه، وتحريه للصدق (٥). والخلاصة: أن خبر الواحد المتلقي بالقبول، يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (٦).

стр. 381

٢ - قال المنكرون: قد ثبت في العقل يقيناً وقطعاً، أن الميت لا يحس ولا حياة فيه، وأن الألم في وصوله وحصوله، إنما هو مقيد مشروط بالحياة، فإذا عدمت الحياة زال الإحساس، وبطل العذاب، ومثل هذا لا يقبل بأحاديث الآحاد. الرد: أولاً: أن مثل هذا الكلام لا يقابل الأخبار الواردة الصحيحة الصريحة فيوقفها ولا تُترك لأجله. ثانياً: أن الذي جاء بإثبات هذا الأمر هو الذي جاء بالصلوات الخمس وغيرها، وليس لنا طريق إلا ما نقلوه من ذلك. ثالثاً: أن هذا من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، ولا قياس أو مقارنة بين الدنيا والآخرة، ولذا لو أن الله جل وعز أطلع الناس على العذاب لأدى إلى مفاسد منها: عدم التدافن، إذ أن سماع أصوات المعذبين يؤدي لذلك، ويؤيد ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» (١). ومعنى قوله: (لولا أن لا تدافنوا): أي: أنهم لو سمعوا عذاب القبر ... لتركوا التدافن حذراً من عذاب القبر، أو لاشتغل كل بخويصته، حتى يقضي بهم إلى ترك التدافن (٢). فالمانع من الدعاء: هو الخوف والحيرة والدهشة وانخلاع القلب، وقيل: المانع ترك الإعانة في التدافن (٣).

стр. 382

فلو كان عذاب القبر شهادة وحساً، لكان فضيحة للمعذب، ولكان هذا قلقاً على أهله وذويه، إذ يسمعون صياح صاحبهم، فلا يقر لهم قرار، لكن من رحمة الله تعالى، أن جعله غيباً لا يعلم عنه، ولو سمع الناس صراخ المعذبين لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان (١). رابعاً: أن الله جل وعز يجعل في الأجسام خاصة الإحساس مع الإنفراد عن الأرواح، وهذا أمر لا يعجزه ولا يمتنع في قدرته، فإذا وردت الآثار وجب ترك المعقول الظاهر معه (٢). ٣ - قال المنكرون: نحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يجلس ويقعد ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر له أثر؟ الرد: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاماً لا نحس نحن شيئاً منها، وكذا يجد اليقظان لذة وآلاماً لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرائيل يأتي النبي ﷺ فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلي (٣). فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به، والذي إلى جنبه لا يحس به، حتى قد يصيح النائم من شدة الألم، أو الفزع الذي يحصل له، ويسمع اليقظان صياحه، واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينيه مغمضة، ولو خوطب لم يسمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول ﷺ أنه يسمع قرع نعالهم، وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك، فلا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم، وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لإمكان ذلك (٤).

стр. 383

وعليه: فما يقال: أنا نشاهد الميت كما كان لم يتغير، حتى لو كان على بطنه قدح من ماء لم يتغير عن حاله! يقال لهم: إن مثل هذه الاستبعادات لا يعول عليها، وهو مثل استبعاد الكفرة إحياء العظم البالية، وإعادة الخلق بعد إفنائهم , والله جل وعلا قادر على أن يبقى صورته على حاله، والماء على بطنه ويكون هو معذباً، كما أنا نشاهد الرجل به الوجع الشديد والألم العظيم وهو على صفته (١). ٤ - قال المنكرون: نحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة، وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلاً ولا يتحرك، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير وبطون الحيتان وحواصل الطير وأقاصي التخوم ومدارج الرياح فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصور مساءلة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟ الرد: أولًا: لا يبعد أن تعاد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به، كما أنا نحسب المغمى عليه ميتاً، وكذلك صاحب السكتة وندفنه على حسبان الموت ومن تفرقت أجزاؤه، فلا يبعد أن يخلق الله الحياة في أجزائه ويعيده كما كان كما فعل بالرجل الذي أمر إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرى حتى تنسفه الرياح، وفيه: "فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، أو قال: مخافتك" (٢). ثانياً: يقال: ليس من شرط الحياة بنية مجتمعة، ولا جثة كبيرة، فإذا لم يكن كثر الجثة شرطاً، فالله تعالى يجمع منها جزءاً يعلمه، ويرد إلي الروح، ويتوجه إليه سؤال والعقاب، وليس ذلك بمستحيل.

стр. 384

فالبنية ليس بشرط عند أهل السنة، حتى لو كان متفرق الأجزاء، بحيث لا تتميز الأجزاء، بل هي مختلطة بالتراب، فإن عُذب، جعلت الحياة في تلك الأجزاء، وإن الله على كل شيء قدير (١). وفي ختام هذا المطلب، نؤكد إلى التفريق بين فتنة القبر وعذابه، كما فرق بينهما شيخ الإسلام في عقيدته إلى أهل واسط، وهذا الذي تدل عليه النصوص، وعليه نصوص أهل العلم. يقول الإمام ابن عبد البر:" وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر وقد ثبت عن النبي ﷺ -أنه كان يستعيذ من فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار في حديث واحد، وذلك دليل على أن عذاب القبر غير فتنة القبر " (٢). والفتنة ترد على أوجه منها: الامتحان والاختبار والعذاب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] فإن حملت الفتنة على العذاب اتحد المعنى، والأولى حمل الفتنة على الامتحان والاختبار ليحصل التغاير، لاسيما وقد ذكروا أن هذا هو أصل مدلول الفتنة، ذكره الإمام العراقي (٣). وقال بعضهم: الفرق بين عذاب القبر وفتنته، أن الفتنة تكون بامتحان الميت بالسؤال، وأما العذاب فعام يكون ناشئاً عن عدم جواب السؤال ويكون عن غير ذلك (٤).

стр. 385

وفسر العلماء قول النبي ﷺ : (ومن فتنة الممات)، في الدعاء الذي كان يدعو به في الصلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ «(١)، بفتنة القبر، وعلى هذا الوجه لا يكون هناك تكرار مع قوله: (عذاب القبر)؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب (٢).

стр. 386

الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد. المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى. المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.

стр. 387

المبحث الأول قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد ، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى ، وفيه مسألتان: ١ - حكاية الإجماع على وقوع القيامة الكبرى. ٢ - دلائل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على قيام القيامة الكبرى. المطلب الثاني: إعادة الأرواح للأجساد. المطلب الثالث: صفة قيام الناس من القبور (حفاة عراة غرلا)، وفيه ثلاث مسائل: ١ - حكاية أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة. ٢ - الأدلة على حشر الناس على هذه الصفة. ٣ - معنى قوله: (حفاة عراة غرلا). تمهيد: يقول شيخ الإسلام في الواسطية:" ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق " (١).

стр. 388

ما قرره الإمام ابن تيمية في الكلام السابق وحكى عليه الإجماع، هو الأمر المستقر عند علماء الأمة، فقيام الناس من قبورهم للحساب والعقاب حق دلت عليه جميع الدلائل العلمية من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وقد اشتملت العبارات السابقة في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على جملة من كبريات المسائل العلمية الاعتقادية من البعث وأهوال القيامة، وهذه المسائل منتظمة في المطالب التالية: المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى: القيامة الكبرى حق لا شك فيه، ويوم لا ريب فيه، أجمعت على وقوعه الأمة، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وفي هذا المطلب مسألتان: المسألة الأولى: حكاية الإجماع على القيامة الكبرى: تواترت كلمة العلماء، واشتهرت، واستفاضت في الحديث عن يوم القيامة وأنه حق، وأن الناس لهم موعد حق لن يُخلفوه، سيقف الجميع في موقف رهيب ويوم عصيب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:٦]. فذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، الأصول التي أجمع عليها السلف، وذكر منها اليوم الآخر وما فيه من الأهوال فقال: "وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة، ويصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلاً" (١). وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدته كما حكاها عنه السبكي:" ويشهد أن القيامة حق " (٢). ويقول الإمام ابن حزم:" اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم، على القول بالبعث في القيامة " (٣).

стр. 389

ويقول العلامة القصري في شعب الإيمان:" الشعبة الخامسة والستون: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يكون فيه بعث الأجساد وغيره من الكائنات الأخروية، والإجماع من أهل الإيمان عليه" (١). ويقول الإمام المزني في شرح السنة في بيان العقيدة في اليوم الآخر: "وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون " (٢). ويقول الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث:" والمعاد حق" (٣). ويقول العلامة جمال الدين الغزنوي:" اعلم بأن البعث بعد الموت حق والتصديق به واجب، وأن الله يحي الخلق بعد فنائهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧] " (٤). المسألة الثانية: دلائل القرآن والسنة على القيامة الكبرى: القيامة الكبرى حق، وهي المعاد الثاني، فإن الله سبحانه جعل لابن آدم معادين وبعثين: فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني. والبعث الثاني الذي يكون في القيامة الكبرى، قد دلت عليه دلائل الكتاب والسنة. وهذه الدلائل في إثبات القيامة في نصوص الوحيين، أخذت أوجها متعددة في بيان القيامة وإظهار أهوالها، فمن أوجه العناية والاهتمام بذكر القيامة الكبرى وإثباتها في القرآن والسنة ما يلي: ١ - إيراد الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، على إمكان القيامة وذكر ما يدل على وقوعها، فقد أكد القرآن الكريم هذه القضية في مناسبات مختلفة:

стр. 390

ففي حواره مع المنكرين، يخاطبهم بالدلالات العقلية، والنفسية، والأفاقية التي متى تأملها المرء قادته إلى الحقيقة التي لا ريب فيها، واليقين الذي لا شك فيه، وهو إثبات يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين ليجازيهم بما عملوا. ولذا لما ذكر الله دلالة الأنفس في سياق مجادلة المنكرين قال بعدها جل وعز:: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧]. ويؤكد القرآن الكريم على هذه القضية في أعقاب القصص القرآني، فحين قص القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف، أردفها المولى جل وعلا ببيان الحكمة العظمى من سردها وإيرادها، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، وهذا الحرف المشار إليه في هذه الآية الكريمة، قد تعدد وروده في القرآن لتأكيده وليدل على وقوع القيامة حتماً، فقال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران:٩].
следующие страницы →