← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد. المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى. المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.

стр. 387

المبحث الأول قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد ، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى ، وفيه مسألتان: ١ - حكاية الإجماع على وقوع القيامة الكبرى. ٢ - دلائل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على قيام القيامة الكبرى. المطلب الثاني: إعادة الأرواح للأجساد. المطلب الثالث: صفة قيام الناس من القبور (حفاة عراة غرلا)، وفيه ثلاث مسائل: ١ - حكاية أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة. ٢ - الأدلة على حشر الناس على هذه الصفة. ٣ - معنى قوله: (حفاة عراة غرلا). تمهيد: يقول شيخ الإسلام في الواسطية:" ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق " (١).

стр. 388

ما قرره الإمام ابن تيمية في الكلام السابق وحكى عليه الإجماع، هو الأمر المستقر عند علماء الأمة، فقيام الناس من قبورهم للحساب والعقاب حق دلت عليه جميع الدلائل العلمية من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وقد اشتملت العبارات السابقة في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على جملة من كبريات المسائل العلمية الاعتقادية من البعث وأهوال القيامة، وهذه المسائل منتظمة في المطالب التالية: المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى: القيامة الكبرى حق لا شك فيه، ويوم لا ريب فيه، أجمعت على وقوعه الأمة، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وفي هذا المطلب مسألتان: المسألة الأولى: حكاية الإجماع على القيامة الكبرى: تواترت كلمة العلماء، واشتهرت، واستفاضت في الحديث عن يوم القيامة وأنه حق، وأن الناس لهم موعد حق لن يُخلفوه، سيقف الجميع في موقف رهيب ويوم عصيب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:٦]. فذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، الأصول التي أجمع عليها السلف، وذكر منها اليوم الآخر وما فيه من الأهوال فقال: "وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة، ويصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلاً" (١). وقال الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدته كما حكاها عنه السبكي:" ويشهد أن القيامة حق " (٢). ويقول الإمام ابن حزم:" اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم، على القول بالبعث في القيامة " (٣).

стр. 389

ويقول العلامة القصري في شعب الإيمان:" الشعبة الخامسة والستون: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يكون فيه بعث الأجساد وغيره من الكائنات الأخروية، والإجماع من أهل الإيمان عليه" (١). ويقول الإمام المزني في شرح السنة في بيان العقيدة في اليوم الآخر: "وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون " (٢). ويقول الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث:" والمعاد حق" (٣). ويقول العلامة جمال الدين الغزنوي:" اعلم بأن البعث بعد الموت حق والتصديق به واجب، وأن الله يحي الخلق بعد فنائهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧] " (٤). المسألة الثانية: دلائل القرآن والسنة على القيامة الكبرى: القيامة الكبرى حق، وهي المعاد الثاني، فإن الله سبحانه جعل لابن آدم معادين وبعثين: فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني. والبعث الثاني الذي يكون في القيامة الكبرى، قد دلت عليه دلائل الكتاب والسنة. وهذه الدلائل في إثبات القيامة في نصوص الوحيين، أخذت أوجها متعددة في بيان القيامة وإظهار أهوالها، فمن أوجه العناية والاهتمام بذكر القيامة الكبرى وإثباتها في القرآن والسنة ما يلي: ١ - إيراد الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، على إمكان القيامة وذكر ما يدل على وقوعها، فقد أكد القرآن الكريم هذه القضية في مناسبات مختلفة:

стр. 390

ففي حواره مع المنكرين، يخاطبهم بالدلالات العقلية، والنفسية، والأفاقية التي متى تأملها المرء قادته إلى الحقيقة التي لا ريب فيها، واليقين الذي لا شك فيه، وهو إثبات يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين ليجازيهم بما عملوا. ولذا لما ذكر الله دلالة الأنفس في سياق مجادلة المنكرين قال بعدها جل وعز:: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧]. ويؤكد القرآن الكريم على هذه القضية في أعقاب القصص القرآني، فحين قص القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف، أردفها المولى جل وعلا ببيان الحكمة العظمى من سردها وإيرادها، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، وهذا الحرف المشار إليه في هذه الآية الكريمة، قد تعدد وروده في القرآن لتأكيده وليدل على وقوع القيامة حتماً، فقال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران:٩].

стр. 391

وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران:٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ [الأنعام:١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر:٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾ [النحل:٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت:٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى:٧]. ٢ - من الأدلة القاطعة في القرآن الكريم على وقوع القيامة: الإقسام بالآيات الكونية، فمن منهج القرآن الكريم في إثبات القيامة وتأكيد وقوعها: القسم بالآيات الكونية، وهو كثير الورود في القرآن العزيز. فأقسم الله في سورة القيامة، على وقوع القيامة فقال : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ [القيامة: ١ - ٣]، فالمقسم به في هذه الآيات هو يوم القيامة والمقسم عليه هو يوم القيامة، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن ثم لتحاسبن (١).

стр. 392

وأقسم جل وعلا على وقوع القيامة وتحققها بالطور فقال: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:١ - ٨]. وأقسم بالشفق فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٩]. وأقسم بالرياح المتتابعة فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ ... [المرسلات:١ - ٧]. وقال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ١ - ٥]، يقول الإمام القرطبي:" أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها على أن القيامة حق" (١). وقال جل وعز: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات:١ - ٦].

стр. 393

فهذه الآيات الكريمة وغيرها تدل على كينونة القيامة ووقوعها، وأنها حق لا ريب فيه، ولذا سميت القيامة بالواقعة، لأنه لا بد من وقوعها، قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة:١ - ٢]، فليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها (١)،إذ وقوع القيامة أمر حتمي، وحق ثابت لا ريب فيه، لا يستطيع أحد تكذيبه عند حدوثه، كما كان يحصل في الدنيا، ولا يملك أحد أن يرده أو يدفعه (٢). ٣ - أن يوم القيامة غيب يجب الإيمان به، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ... وأن وقتها المعلوم قد أخفاه الله تعالى عن البشر، واستأثر بعلمه فقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٤].

стр. 394

وقال ﵊ حين سأله جبريل ﵇ فقال له: متى الساعة؟ فقال ﵊: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ «(١)، ولذا جعل الله لها علامات وأمارات وشرائط تسبقها، وتدل على قربها قال جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] قال ابن عباس: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، يعني أشراط الساعة، وقال قتادة: قد دنت الساعة ودنا من الله فراغ العباد (٢). وقد أفاضت السنة النبوية في ذكر الأشراط التي تسبق القيامة وتدل على قرب وقوعها، حتى ترجم لها الأئمة في مصنفاتهم وذكروا الأحاديث الواردة فيها وهذه كلها تصب في بيان أوجه الاهتمام والعناية في نصوص الوحيين بأمر القيامة. ٤ - أن نصوص الوحيين حفلت بذكر الأهوال التي تسبق أو تصاحب القيامة، وبنظرة تأمل في النصوص يظهر جليا الاهتمام البالغ باليوم الآخر وما فيه من أحداث ومشاهد عظيمة، ولذا فالفزع يوم القيامة شديد، إذ القلوب يومئذ واجفة والأبصار فيه شاخصة والأعضاء شاهدة والمراضع ذاهلة، مشهد رهيب ويوم عجيب ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. ومع هذا المشهد العظيم، تظهر آثار خراب هذا الكون الفسيح، ونهاية عمران هذا العالم، يقول جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].

стр. 395

- ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن:٣٧]. - ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة:٧ - ٩]. - ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ [المرسلات:٨ - ١١]. - ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير:١ - ٧]. وغيرها من المشاهد الواردة في النصوص التي تدل على عظيم الموقف بين يدي الله تعالى، تمثله هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج:١ - ٢]. فزلزلة الساعة في القيامة شيء عظيم، وأمر كبير، وخطب جليل، وطارق مفزع، وحادث هائل، وكائن عجيب (١)، يُلقى في هذا اليوم من الهلع والفزع ما تذهل بسببه المرضعات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وتشيب فيه الولدان، مما يدل على عظيم الأمر وشدة الهول. ٥ - التصريح بذكر قيام الساعة وأنها الموعد الذي تنكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه العجائب، ويقضى فيه بين الخلائق، ففيه يبلس المجرمون، ويندم المفرطون، ويخسر ا لمبطلون، قال جل ذكره: - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ [الروم:١٢]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم:١٤].

стр. 396

- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم:٥٥]. - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦] ... ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ [الجاثية:٢٧]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:٦]. فهاهي الآيات تبين اللحظة التي يغفل عنها الغافلون، ويكذب بها المكذبون، إذ بها تجيء وتقوم، وهؤلاء المجرمون يائسون، لا أمل لهم في نجاة، ولا رجاء لهم في خلاص، ولا شفاعة لهم من شركائهم الذين اتخذوهم في الحياة الدنيا ضالين مخدوعين، فأصبحوا حائرين يائسين لا منقذ لهم ولا شفيع (١)، وإنما وصف الله جل وعلا شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد ويستعدوا له (٢). يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:" فتعاد الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة" (٣).

стр. 397

ومعلوم أن عود الأرواح إلى الأجساد إنما يكون بعد نفخة القيام، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر:٦٨]، تعاد الأرواح نفسها إلى الأبدان التي أنشأها الرب جل وعلا، فيجمع شتات الأبدان مما تفرق وتمزق ... ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه:١٠٨]، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق:٤١ - ٤٢]، ينادي صاحب القرن المكلف بالنفخ في الصور فيقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة والأجساد المتفرقة والأوصال المتقطعة ارجعي إلى ربك فإن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وهو اليوم الذي يسمعون فيه صيحة الحق - ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ ... [القمر: ٨]- ليوم الحق، للقيام للحق (١). المطلب الثاني إعادة الأرواح للأجساد (البعث) البعث والمعاد الجسماني والروحاني حق، وثبوته معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٢) وقد قرر القرآن الكريم البعث والمعاد بأنواع من التقرير (٣). وقد سبق بيان أدلة البعث ودلائلها وشبهات المنكرين والرد عليها ويتلخص مما سبق بحثه وبيانه فيما يتعلق بأمر البعث والمعاد ما يلي: ١ - أن الإيمان بالمعاد الجسماني أمر واجب، اتفقت عليه جميع الملل، يقول الإمام العراقي:"والإيمان بالمعاد الجسماني واجب وجحده كفر، وقد اتفقت عليه أهل الملل" (٤).

стр. 398

٢ - أن الدلائل على إثبات البعث كثيرة متواترة متضافرة، وقد جاءت النصوص القرآنية مؤكدة حقيقة البعث بالدلائل الشرعية والعقلية النفسية مؤيدة ذلك بقوة القسم المؤكد لإثباته ووقوعه، قال تعالى بعد أن أكد أخبار البعث وما خلق في السماء من الرزق: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات:٢٣] (١). يقول الإمام ابن كثير:" يقسم تعالى بنفسه الكريمة، أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون" (٢). وقال العلامة السعدي: "أقسم الله تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك بأظهر الأشياء لنا وهو النطق فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾، فكما لا تشكون في نطقكم فكذلك لا ينبغي الشك في البعث بعد الموت" (٣). ٣ - أن البعث والمعاد للروح والبدن معا، وأنهما ينعمان ويعذبان، وهو قول جماهير أهل السنة والجماعة وجماهير المتكلمين وجماهير اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم (٤). يقول الإمام ابن تيمية في إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعاً:" وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار" (٥). ٤ - إن إنكار البعث له أسباب: فتارة يتولد من الشبهة وأخرى من الشهوة:

стр. 399

أما تولده من الشبهة: فهو ما حكاه الله تعالى بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ [القيامة:٣]، وتقريره: أن الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات تفرقت أجزاؤه واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء التراب، وتفرقت في مشارق الأرض ومغاربها، فكان تمييزها بعد ذلك عن غيرها محالاً، فكان البعث محالاً. وهذه الشبهة ساقطة من وجهين: الأول: لا نسلّم أن الإنسان هو البدن، فلِم لا يجوز أن يقال: هو شيء مدبر لهذا البدن، فإذا فسد االبدن بقي هو حيا كما كان، وحينئذ يكون الله تعالى قادراً على أن يرده إلى أي بدن شاء وأراد. الثاني: إن سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن، فلم قلتم: إنه بعد تفريق أجزائه لا يمكن جمعه مرة أخرى؟ وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات فيكون عالماً بالجزء الذي هو عمرو، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من الممكنات، وإلا لما وجد أولاً، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها، ومتى ثبت كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات، قادر على جميع الممكنات، لا يبقى في المسألة إشكال. وأما تولده من الشهوة: فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ [القيامة:٥]، ومعناه: أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات؛ لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبداً منكراً لذلك، قائلاً على سبيل الهزء والسخرية: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ (١).

стр. 400

٥ - وقد جاء في السنة المطهرة مثل تقريبي، بيّن فيه النبي ﷺ إمكان البعث ففي حديث أبي رزين العقيلي قال: يا رسول الله: كيف يحي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال «أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ» (١). قال الإمام القرطبي: "هذا حديث صحيح، لأنه موافق لنص التنزيل " (٢). وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحج:٥ - ٦]. قال الإمام البيهقي:" وآيات القرآن في الإعادة كثيرة " (٣). المطلب الثالث صفة قيام الناس من قبورهم: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية: " وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً " (٤). وهذا الكلام الذي أشار إليه الإمام ابن تيمية في صفة قيام الناس من قبورهم على هذه الهيئة، هو الأمر المستقر عند أهل السنة والجماعة، والمؤيد بالنصوص الشرعية، وتحت هذا المطلب جملة من المسائل:

стр. 401

المسألة الأولى: حكاية بعض أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة: يقول الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأجمعوا على أن الله يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلاً " (١). ويقول الإمام ابن قدامة في بيان منهج أهل السنة: " ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا (٢). المسألة الثانية: أدلة حشر الناس على هذه الصفة: (أ): قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء:١٠٤]، قال الإمام الطبري:" نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة كما بدأناهم أول مرة في حال خلقناهم في بطون أمهاتهم، وبه الخبر عن رسول الله ﷺ " (٣) فعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ -قال: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (٤). وأخرجه البخاري بلفظ آخر وفيه: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا» (٥). وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» (٦). وجاء عن عقبة بن عامر الجهني ﵁، أنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا أول يوم. قال مجاهد:" أول خلق نعيده: حفاة عراة غرلاً" (٧).

стр. 402

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "هذا كائن لا محالة، يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ " (١). ﴿ب﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. "عن سعيد بن جبير: أنه تلا هذه الآية ثم قال: كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه من يوم ولد " (٢). يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عراة غلفاً غرلا حفاة كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم، لاشيء عليهم ولا معهم، مما كانوا يتباهون به في الدنيا" (٣). وروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂، أنها قرأت قول الله عز و جل: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاسَوْأَتَاهُ إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ، وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ» (٤).

стр. 403

﴿ج﴾ قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨]. وهذا خطاب لمنكري البعث الذين زعموا ألّن يبعثوا، ولن يجعل لهم موعداً، يقال لهم يوم القيامة: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حفاة عراة، لا مال معكم ولا ولداً ولا أعوان، وليس معكم شيء مما تفتخرون به في الدنيا، لا مال، ولا أهل، ولا عشيرة (١). المسألة الثالثة: جاء في وصف بعث الخليقة يوم القيامة، أنه يبعثون حفاة عراة غرلاً بهما ، وجاء في تفسير بعض هذه الألفاظ ما محصله: قوله: غرلا: جمع أغرل، والمراد: غير مختتنين، والغرلة: القلفة (٢). قال الإمام النووي:" والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم، ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم" (٣). والحكمة كما قال أبو الوفاء بن عقيل:" حشفة الأقلف موقاه بالقلفة فتكون أرق، فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا، أعادها الله تعالى، ليذيقها من حلاوة فضله" (٤). ويقول الإمام السيوطي:" قوله: غرلاً: أي غير مختونين، ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان، وكذلك يرد إليه كل جزء فارقه، كالشعر والظفر ... ليذوق نعيم الثواب أو أليم العقاب" (٥). وأما قوله (بهما): وردت في حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - «عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ» ... (٦).

стр. 404

قال أبو عبيد في تفسير هذا اللفظ:" فمعناه عندي: أنه أراد بقوله (بهما) يقول: ليس فيهم شيء من الأعراض والعاهات التي تكون في الدنيا من العمى والعور والعرج والجذام والبرص وغير ذلك، من صنوف الأمراض والبلاء، ولكنها أجساد مبهمة مصححة لخلود الأبد" (١). وأما قوله: (عراة): وهو من لا ثوب له على جسده، وهذا صريح ما ورد في الأحاديث، وهو أن الخلائق تحشر عراة، يقول الإمام القرطبي: "والأخبار دالة ثابتة، على أن جميع الناس يخرجون عراة ويحشرون كذلك " (٢). وقد عارض هذا الباب ما رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري ﵁، لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» (٣)، فذهب بعض العلماء بناء على هذا الحديث، إلى أنه يعاد خلق ثيابه له كما يعاد خلقه وذهب البعض إلى أن هذا القول خرج على المجاز (٤). وأجاب العلماء عن هذا الحديث لمعارضته الأحاديث المتقدمة في بعث الناس حفاة عراة غرلا بأجوبة (٥): ١ - أنها تبلى بعد قيامهم من قبورهم، فإذا وافوا الموقف يكونون عراة ثم يلبسون من ثياب الجنة. ٢ - أنه إذا كسي الأنبياء ثم الصديقون ثم من بعدهم على مراتبهم فتكون كسوة كل إنسان من جنس ما يموت فيه، ثم إذا ادخلوا الجنة لبسوا من ثياب الجنة. ٣ - أن ا لمراد بالثياب هاهنا: الأعمال، أي: يبعث في أعماله التي مات فيها من خير أو شر.

стр. 405

٤ - وقيل: يحمل على الشهيد الذي أُمر أن يزمل في ثيابه، ويدفن فيها، ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عليه شيء من حاله. يقول الحافظ العراقي:" ويحتمل أن أبا سعيد ﵁، إنما نزع الثياب التي كانت عليه، لنجاسة فيها إما محققة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محققة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيما عند انختام الآجال، فإن الإنسان محثوث على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور " (١).وهذا الذي ورد في خروج الناس للقيامة عراة لا يعارض ما جاء من أحاديث من أن الموتى يتزاورن في أكفانهم فإن التزاور يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء ذكره الإمام القرطبي (٢).

стр. 406

المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى ، وفيه تسعة مطالب: ١ - دنو الشمس، ولجوم العرق. ٢ - إثبات الميزان. ٣ - نشر الدواوين. ٤ - الحساب يوم القيامة. ٥ - الحوض المورود. ٦ - الصراط. ٧ - القنطرة بين الجنة والنار. ٨ - أول من يستفتح باب الجنة، وأول الأمم دخولا الجنة. ٩ - إثبات الشفاعة. المطلب الأول دنو الشمس ولجوم العرق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: "وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا، وتدنوا منهم الشمس ويلجمهم العرق"" (١). وهذا الذي حكاه الإمام ابن تيمية عن أهوال القيامة من دنو الشمس من أهل الموقف حتى يلجمهم العرق إلجاماً، هو الأمر المستقر عند السلف الذي لم يحك عنهم خلافه ودلت عليه الدلائل الشرعية الصحيحة.

стр. 407

فأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ» (١). عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (٢). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -قَالَ: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (٣). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن المقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» - قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ - قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (٤). دل مجموع هذه الأحاديث الصحيحة على أمور:

стр. 408

١ - أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة، بمعنى: تقرب، وجاء في الحديث: «أن الشمس تدنو كمقدار ميل»، وفي رواية الترمذي بالشك: «حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ اثْنَيْنِ»، يعني: أو ميلين. والميل: اسم مشترك بين مسافة الأرض، والمرود الذي تكحل به العين ولذا أشكل المراد على سليم بن عامر (١). ورجح جماعات أن المراد: ميل المسافة، لأنها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود، فهي متصلة بالرؤوس لقلة مقدار المرود (٢). ٢ - أن الناس يكونون على قدر أعمالهم السيئة في العرق، وقد جاء في الحديث الصحيح: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (٣). قال الإمام ابن العربي:" الرشح، العرق، لأنه يخرج من البدن شيئاً فشيئاً كما يرشح الإناء المتخلل الأجزاء" (٤). «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا». وهذا هول من أهوال القيامة، وحال من أحوالها، الذي يجب الإيمان به فالناس على قدر أعمالهم، يكونون في رشحهم. وهذا الرشح والعرق يحتمل أن يكون المراد به: عرق الإنسان نفسه خاصة، ويحتمل أن يكون عرق نفسه وغيره (٥).

стр. 409

وأما سبب كثرة العرق: لتراكم الأهوال، ودنو الشمس من رؤوسهم وزحمة بعضهم بعضاً، وما يكون في الموقف الرهيب من شدة الضغط وتزاحم الناس، وحر الشمس وحرارة الأنفاس وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر (١). وأورد البعض إشكالاً مفاده: إن كان العرق كالبحر يلجم البعض فيكف يصل إلى كعب الآخر؟ وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه منها (٢): أ. يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعاً في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله، فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته. ب. أن يحشر الناس جماعات متفرقة، فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا، والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره وإن كان بإزائه، كما أمسك جرية البحر لموسى ﵇، حيث طلب لقاء الخضر، ولنبي إسرائيل حين اتبعهم فرعون. وجزم الشيخ على القاري بالقول الثاني فقال: "المعتمد هو القول الأخير فإن أحد الآخر كله على وفق خرق العادة، أما ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الآخر، ولا يدري أحدهما عن غيره" (٣). وفي هذا يقول الإمام ابن العربي:" كل أحد يقوم عرقه معه، وهو خلاف المعتاد في الدنيا، فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة، أخذهم الماء أخذاً ولا يتناوبون، وهذا من القدرة التي تخرق العادات، والإيمان بها من الواجبات " (٤).

стр. 410

٣ - أن هذا الموقف موقف رهيب عظيم، فليس "ببعيد أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد، وموقف سواء يشرب بعضهم من الحوض ومن غيره وكذا حكم النور، والغرق يغرق في عرقه، أو يبلغ منه ما شاء الله، جزاء لسعيه في الدنيا، والآخر في ظل العرش، كما في الدنيا، يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس، بخلاف الكافر والمؤمن في الوقاية بخلافه، والمؤمن يروى ببرد اليقين والهداية، بخلاف المبتدع، وكذا الأعمى" (١)، ويكفي القول بأن "هذا المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص:٦٧ - ٦٨] " (٢). أهل الإيمان واليقين في معزل عن هذا الأذى، قال الإمام ابن عبد البر:" من كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، نجا من هول ذلك الموقف إن شاء الله " (٣)، وما أجمل ما سطرته يراع الإمام الغزالي في هذا المشهد قائلاً: "اعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد في قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب، ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور، لعلم أن تعب العرق في تحمل مصاعب الطاعات أهون أمراً وأقصر زماناً من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته" (٤).

стр. 411

ولذا من تأمل الحالة المذكورة في الأحاديث عرف عظم الهول والشدة في الموقف، "وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدني الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعاً مع أن كل واحد لا يجد إلا موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه، إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، وفائدة الإخبار بذلك: أن يتنبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان وإدخاله دار الكرامة منه وكرمه" (١). المطلب الثاني إثبات الميزان يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية: "وتنصب الموازين فتوزن فيها أعمال العباد: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٩] (٢). وهذا الذي قرره الإمام ابن تيمية في رسالته هو المستقر عند الأمة وعلمائها ودلت عليه النصوص الشرعية، والكلام عن الميزان ينتظم المسائل التالية: المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الميزان: أجمع علماء الأمة من أهل السنة على إثبات الميزان، واستفاضت أقوالهم وتتابعت مؤلفاتهم، لبيان دلائله ومسائله. والإيمان بالميزان واجب، قال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي: "والإيمان بثبوت الميزان واجب على الأمة، صرح به غير واحد من الأئمة، وقال: وإثبات ميزان الآخرة مذهب الفرقة الناجية القاهرة، ومن خالفهم بمخالفة الشريعة، ونبز بالبدعة الشنيعة" (٣). وممن حكى الإجماع على إثبات الميزان:

стр. 412

قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي:" سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصر وشاماً ويمناً، وكان من مذهبهم .. والميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق" (١). وقال الإمام ابن بطة: "وقد اتفق أهل العلم بالأخبار والعلماء والزهاد والعباد في جميع الأمصار، أن الإيمان بذلك - الميزان - واجب لازم " (٢). ... وقال الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأجمعوا على ... أن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد " (٣). وقال العلامة الإيجي: "والميزان حق، وأجمع عليه المسلمون قبل ظهر المخالف" (٤). والمنقول عن الأئمة في إثبات الميزان كثير، وقد ذكره الأئمة في بيان معتقداتهم وأفاضوا في بيان أدلته، قال الإمام ابن بطال: " أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان" (٥). وقال العلامة القصري:" فإن الإجماع من أهل السنة على الإيمان به" (٦). قال زهير بن عباد:" كل من أدركت من المشايخ: مالك، وسفيان وفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، ووكيع بن الجراح، كانوا يقولون: الميزان حق".

стр. 413

وقال ابن وضاح:" سألت يحيى بن معين عنه فقال: حق " (١). وهو الوارد عن بقية جماعات السلف، رحمهم الله تعالى (٢). والخلاصة كما قال الإمام السفاريني:" وأما الإجماع فأجمع أكابر محققي هذه الأمة من أهل السنة، بان الإيمان بالميزان حق واجب، وفرض لازب لثبوته بالسماع وعدم استحالة ذلك عقلاً، وهو مذهب أهل السنة "، ويقول الإمام أبي زمنين: "وأهل السنة يؤمنون بالميزان يوم القيامة" (٣). المسألة الثانية: أدلة ثبوته في الكتاب والسنة: (أ) أدلة ثبوت الميزان في القرآن الكريم: حفلت آيات الكتاب العزيز بذكر جملة من الأدلة المثبتة للميزان الذي يوزن به الأعمال يوم القيامة، يقول الإمام ابن الجوزي:" والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به" (٤). قال الله جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٨ - ٩]. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧].

стр. 414

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣].، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. هذه الآيات تدل على إثبات ميزان القيامة الحقيقي، وأهل التفسير على أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ أنه الميزان، قال عمرو دينار: قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ إنا نرى ميزاناً وكفتين، ورجحه الإمام الطبري وصوبه، وهو الذي عليه جماعات أهل التفسير (١). (ب) أدلة ثبوت الميزان في السنة المطهرة: بلغت الأحاديث الواردة في الميزان إلى حد التواتر، وقد استفاضت واشتهرت بين أئمة هذا الشأن. يقول الإمام السفاريني عن أحاديث الميزان: "وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه" (٢). ويقول الإمام أبو بكر بن أبي عاصم: "الأخبار التي في ذكر الميزان أخبار كثيرة صحاح، لا تذهب عن أهل المعرفة بالأخبار؛ لكثرتها وصحتها وشهرتها، وهي من الأخبار التي توجب العلم على ما ذكرنا " (٣). وذكر الإمام عبد القاهر البغدادي، أن أحاديث الميزان من الأحاديث المستفيضة بين أئمة الحديث وهم مجمعون على صحتها (٤).

стр. 415

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ -قال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (١). وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَان .. » (٢). وأخرج أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء عن الني ﷺ -قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (٣). وأخرج الإمام أحمد في المسند من حديث علي ﵁ قال: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ -ابْنَ مَسْعُودٍ فَصَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى سَاقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حِينَ صَعِدَ الشَّجَرَةَ، فَضَحِكُوا مِنْ حُمُوشَةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَضْحَكُونَ؟ لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (٤). والمتتبع لكتب السنة، يجد أحاديث إثبات الميزان مبثوثة فيها، ولذا ترجم له الأئمة في مصنفاتهم، وذكروا أخباره وأحواله.

стр. 416

المسألة الثالثة: المنكرون للميزان: مع توافر الأدلة وتضافرها في إثبات الميزان، إلا أن بعض الناس أنكره، أو أنكر بعض صفاته الواردة في الأحاديث الصحيحة. وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري الخلاف بين الإسلاميين في إثبات ا لميزان من عدمه (١). فمنهم من أنكر الميزان جملة وتفصيلاً، ومنهم من أثبته ثم نفى بعض صفاته ومنهم من أثبته ميزاناً مجرداً عن كل وصف (٢). وقد نسب الأئمة إنكار الميزان للجهمية والمعتزلة والخوارج والمرجئة والفلاسفة: قال الإيجي:" وأما الميزان فأنكره المعتزلة عن آخرهم " (٣). وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "وقوم من قدماء المعتزلة يقال لهم: الوزنية، أنكروا الميزان وقالوا: إنما هو العدل، وهو اختيار الجهمية " (٤). وقال الجيلاني:" وقد أنكرت المعتزلة مع المرجئة والخوارج ذلك، فقالت: إن معنى الميزان: العدل دون موازنة الأعمال" (٥). وقال الملطي: "وأنكر الجهم الميزان " (٦). ويشار في هذا المقام إلى أن ما نسب إلى المعتزلة من إنكار الميزان، أو تأويله بمعنى العدل، هو خلاف المنقول عن أئمتهم كالقاضي عبد الجبار، فإنه نص في كتابه شرح الأصول الخمسة: على إثبات الميزان، بل وغلا في إثباته، ورد على من يتأوله بمعنى العدل (٧). فربما يكون منقول عن بعضهم، كما نقله ابن ناصر الدين الدمشقي، أو لا تصح النسبة إليهم به. وللمنكرين للميزان شبهات متهافتة تعلقوا بها، لينفوا ما ثبت بالتواتر من أخبار الميزان، وأكبر هذه الشبه: * أنه لا فائدة من نصب الميزان إلا وزن الأعمال، وذلك متعذر؛ لأنها إما أن توزن في حال عدمها، أو بعد عدمها، والأول محال جداً، وكذا الثاني محال. ثم لو قدر إعادة الأعراض المتجددة، فوزنها أيضاً متعذر، وحركه الميزان بها ممتنعة (٨).

стр. 417

وأجيب عن هذه الشبهة بما يلي: أ. أن إنكار الميزان بناء على إنكار حصول الفائدة، هذا مأخوذ من الأصول الفاسدة التي توجب الغرض في أفعال الله تعالى وهو باطل، وهذا الرد تقلده أئمة الأشاعرة، وهو رد عليل؛ لأنه مبني كذلك على أصلهم الفاسد في نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، ولزم كلا الفريقين لوازم باطلة. وأهل السنة والجماعة يثبتون الحكمة والتعليل، ولكنها تتضمن أمرين: أحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها، وهذا ما ينفيه المعتزلة. الثانية: حكمة تعود إلى عباده، وهي نعمه عليهم يفرحون بها ويلتذون في المأمورات والمخلوقات. ب. قد ذكر العلماء أن لنصب الميزان حكم متعددة، "لولم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" (١) لكفى ومع ذلك ذكر الأئمة أقوالاً واجتهادات في بيان أوجه الحكمة في نصب الميزان، هي مجرد استنباطات، وتبقى حقيقة علم ذلك إلى الله تعالى (٢). فمما قيل في أوجه الحكمة: - امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا. - إظهار علامة السعادة الشقاوة يوم القيامة. - ليعرف العباد مالهم من خير وشر. - لإقامة الحجة عليهم، وإظهار الإنصاف وقطع المعذرة (٣).

стр. 418

المسألة الرابعة: صفات الميزان: الميزان في القيامة من مسائل الغيب التي لا تثبت إلا بالدلائل الشرعية فميزان القيامة حق لا شك فيه، دلت عليه نصوص الوحيين، نؤمن به دون كيفية، يقول الإمام ابن حزم:" الموازين حق، توزن فيها أعمال العباد، نؤمن بها ولا ندري كيف هي؟ " (١). ويقول الإمام ابن تيمية:" وأما كيفية تلك الموازين، فهو منزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب" (٢). وهل ثبت في الآثار الصحيحة شيء من صفات الميزان؟ - أما ما يتعلق بصفات الميزان فالثابت منه: أ. ما ورد في السنة الشريفة المطهرة من أن الميزان له كفتان، توضع فيهما الحسنات والسيئات ودليله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ "، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (٣).

стр. 419

وعن ابن عمر ﵄، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «رأيت آنفاً كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهي المفاتيح فوضعت في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فرجحت لهم، ثم جيء بأبي بكر فرجح بهم، ثم جيء بعمر فرجح بهم، ثم جيء بعثمان فرجح بهم، ثم رفعت، فقال له رجل: فأين نحن؟ قال: أنت حيث جعلتم أنفسكم» (١). واستدل بهذا الحديث جماعة من الأئمة، منهم الإمام الآجري في الشريعة (٢). وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (٣). وجاء في الرواية الأخرى التصريح بكفة الميزان وفيها: «فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، كَانَتْ أَرْجَحَ» (٤).

стр. 420

وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ -قال: «يا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ، يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبُّ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تُخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ كَانَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَعَامِرُهُنَّ غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعُ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد، في باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب: " المسألة التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان" (٢). فهذه الأحاديث صريحة في إثبات الكفات للميزان، وكما دلت عليه السنة دل عليه كلام أئمة السلف ﵃: عن سلمان ﵁، قال: (يوضع الصراط يوم القيامة وله حد كحد الموسى، قال، ويوضع الميزان ولو وضعت في كفته السماوات والأرض وما فيهن لوسعتهم، فتقول الملائكة: ربنا لمن تزن بهذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي، فيقولون: ربنا ما عبدناك حق عبادتك) (٣). وقال ابن عباس ﵄: "توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان"، وكذا ذكر عن عبد الله بن سلام (٤). وعن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذُكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان (٥). واستفاضت نقولات العلماء في إثبات ما دلت عليه هذه الأحاديث والآثار:

стр. 421

قال الإمام الزجاج:" فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك " (١). وقال الإمام ابن بطال: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان" (٢). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في حكاية إجماعات أهل السنة: "وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها على الجنة" (٣) ... وقال الإمام البربهاري عن الميزان:" له كفتان ولسان" (٤). وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة:" أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً، فكان من مذهبهم ... والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها حق " (٥). وقال العلامة ابن أبي العز: "والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان " (٦). وقال العلامة العيني: "قال أهل السنة: إنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين" (٧) ٠). وقال العلامة ابن علان:" وفي كيفيته أقوال: الأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين" (٨). وقال العلامة السفاريني: "قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال" (٩).

стр. 422

وقد خالف البعض فيما ورد من صفات الميزان: وممن خالف في ذلك: الإمام ابن حزم، فقال: "ولم يأت عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولو صحّ عنه ﵇، لقلنا به "، ثم رد على من يثبت أن للميزان كفتين، فقال:" وأما من قال بما لا يدري في قياسه، إذ في موازين الدنيا مالا كفة له كالقرطسون" (١). وكذا قال العلامة محمد رشيد رضا: "إذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولساناً، فلا نغتر بقول الزجاج: إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة" (٢). وما ذكره الإمامان غير مسلّم، وهو مبني على عدم ورود النصوص في إثبات صفات الميزان ومنه الكفتان، وفيما سبق ذكره ونقله، دلالة ظاهرة على إثبات الكفتين للميزان، قال العلامة النفراوي عن الميزان:" وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد عليه إجماع أهل الحق، وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" (٣). وقد ذكر الإمام الغزالي في عقيدته الإيمان بالميزان، فقال:" وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان"، وهو الوارد عن عمرو بن دينار (٤). قال أنس بن مالك ﵁: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً) (٥).

стр. 423

وذكر أهل التفسير عن داود ﵇، أنه سأل ربه أن يريه الميزان فأراه فلما رآه غُشي عليه ثم أفاق، فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة (١). (ب) اللسان: هل ثبت في صفات الميزان أن له لسان؟ لم يثبت في السنة المطهرة ما يدل على أن للميزان لسان، لكن ورد عن جماعة من السلف، وذكره بعض أهل العلم في عقائدهم. وهو الوارد عن ابن عباس ﵄، وعن الحسن البصري، وقد سبق النقل عنهما. قال الإمام ابن بطال: "وأن الميزان له لسان وكفتان" (٢). وقال الإمام ابن قدامة:" والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال" (٣). وقال الإمام البربهاري:" والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان" (٤). وقال العلامة علي المنوفي:" والصحيح الذي عليه السلف، أنه ميزان حسي له كفتان ولسان" (٥). وقال العلامة النفراوي:" وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" (٦). وقال العلامة محمد صديق خان:" والميزان له كفتان ولسان " (٧). وقال العلامة العثيمين:" والقول الصحيح أنه حسي، له كفتان، وله لسان توزن به الأعمال الصالحة والسيئة" (٨).

стр. 424

وقال العلامة صالح الفوزان:" فالأعمال توزن بميزان حقيقي، له لسان وكفتان " (١). إلا أن الشيخ الغنيمان يقول فيما يتعلق بالكفتين واللسان للميزان:" ولغة العرب: الميزان يطلق فيها على ما يكون له الكفتان اللتان يوزن بهما، فيوضع في جانب منه شيء، وفي الجانب الآخر شيء آخر، ثم هل نصف الميزان بأن له لسان؟ والجواب: لا يلزم؛ لأنه إذا جاء النص بذلك لزم، وإذا لم يأت فأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، وأحوال الآخرة وما يقيمه الله جل وعلا لعباده، لا يقاس بما نتعارف عليه في الدنيا حتى يأتي النص" (٢). ولكن وروده عن بعض الصحابة وغيرهم، يدل على ثبوته، ولذا يقول العلامة البرديسي: "وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" ... ويقول الإمام ابن جزي:"ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال " (٣) (ج) هل ثبت في الآثار غير هذين الوصفين من صفات الميزان؟ لم يرد في ا لسنة المطهرة والآثار المنيفة شيء يثبت غير هذين الوصفين، وإنما نص بعض العلماء على بعض أوصاف الميزان التي ينبغي التوقف في إثباتها لأنها تحتاج إلى دلائل صحيحة تثبتها، ومن هذه الصفات: - أن كفتي الميزان من ذهب (٤). - وله خيوط وعمود وساقان (٥). - وأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام.

стр. 425

- وأن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن العرش مقابل النار (١). - ومما يجدر الإشارة إليه: أن قدماء المصريين كانوا يصورون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب (٢). إذن: كيفيات الميزان من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الذي الله ، يقول العلامة ابن أبي العز: " وثبت أن الميزان له كفتان، و الله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات " (٣). ويحسن بنا في ختام هذا المسألة أن نشير إلى ما نقله الإمام الذهبي في تاريخه قال: قال عبد الملك بن حبيب: كنا جلوساً عند زياد بن عبد الرحمن بن زياد إذ جاء كتاب من بعض الملوك، فكتب فيه وختمه، فذهب به الرسول فقال لنا زياد: أتدرون عما يسأل هذا؟ سأل عن كفتي الميزان، أمن ذهب هي أم من فضة؟ فكتب إليه هذا الحديث: ثنا مالك، عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٤). المسألة الخامسة: هل الميزان واحد أم هناك موازين متعددة؟ وما الموزون فيه؟ وهل هو خاص للمؤمنين ؟ اختلف العلماء في الجواب عن هذه المسائل إلى أقوال، أرجع العلامة محمد رشيد رضا أسباب الخلاف فيها إلى أمور ثلاثة: ١ - "اختلاف الأخبار والآثار عن السلف، وأن أكثرها لا يصح، ولا يحتج بمثله في الأحكام العملية فضلاً عن المسائل الاعتقادية. ٢ - الاختلاف في فهمها. ٣ - الرأي والتخيل والقياس مع الفارق " (٥).
следующие страницы →