← Акыда

Акыда · id 566

الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (772 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال الإمام الزجاج:" فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك " (١). وقال الإمام ابن بطال: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان" (٢). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في حكاية إجماعات أهل السنة: "وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها على الجنة" (٣) ... وقال الإمام البربهاري عن الميزان:" له كفتان ولسان" (٤). وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة:" أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً، فكان من مذهبهم ... والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها حق " (٥). وقال العلامة ابن أبي العز: "والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان " (٦). وقال العلامة العيني: "قال أهل السنة: إنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين" (٧) ٠). وقال العلامة ابن علان:" وفي كيفيته أقوال: الأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين" (٨). وقال العلامة السفاريني: "قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال" (٩).

стр. 422

وقد خالف البعض فيما ورد من صفات الميزان: وممن خالف في ذلك: الإمام ابن حزم، فقال: "ولم يأت عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولو صحّ عنه ﵇، لقلنا به "، ثم رد على من يثبت أن للميزان كفتين، فقال:" وأما من قال بما لا يدري في قياسه، إذ في موازين الدنيا مالا كفة له كالقرطسون" (١). وكذا قال العلامة محمد رشيد رضا: "إذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولساناً، فلا نغتر بقول الزجاج: إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة" (٢). وما ذكره الإمامان غير مسلّم، وهو مبني على عدم ورود النصوص في إثبات صفات الميزان ومنه الكفتان، وفيما سبق ذكره ونقله، دلالة ظاهرة على إثبات الكفتين للميزان، قال العلامة النفراوي عن الميزان:" وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد عليه إجماع أهل الحق، وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" (٣). وقد ذكر الإمام الغزالي في عقيدته الإيمان بالميزان، فقال:" وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان"، وهو الوارد عن عمرو بن دينار (٤). قال أنس بن مالك ﵁: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً) (٥).

стр. 423

وذكر أهل التفسير عن داود ﵇، أنه سأل ربه أن يريه الميزان فأراه فلما رآه غُشي عليه ثم أفاق، فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة (١). (ب) اللسان: هل ثبت في صفات الميزان أن له لسان؟ لم يثبت في السنة المطهرة ما يدل على أن للميزان لسان، لكن ورد عن جماعة من السلف، وذكره بعض أهل العلم في عقائدهم. وهو الوارد عن ابن عباس ﵄، وعن الحسن البصري، وقد سبق النقل عنهما. قال الإمام ابن بطال: "وأن الميزان له لسان وكفتان" (٢). وقال الإمام ابن قدامة:" والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال" (٣). وقال الإمام البربهاري:" والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان" (٤). وقال العلامة علي المنوفي:" والصحيح الذي عليه السلف، أنه ميزان حسي له كفتان ولسان" (٥). وقال العلامة النفراوي:" وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" (٦). وقال العلامة محمد صديق خان:" والميزان له كفتان ولسان " (٧). وقال العلامة العثيمين:" والقول الصحيح أنه حسي، له كفتان، وله لسان توزن به الأعمال الصالحة والسيئة" (٨).

стр. 424

وقال العلامة صالح الفوزان:" فالأعمال توزن بميزان حقيقي، له لسان وكفتان " (١). إلا أن الشيخ الغنيمان يقول فيما يتعلق بالكفتين واللسان للميزان:" ولغة العرب: الميزان يطلق فيها على ما يكون له الكفتان اللتان يوزن بهما، فيوضع في جانب منه شيء، وفي الجانب الآخر شيء آخر، ثم هل نصف الميزان بأن له لسان؟ والجواب: لا يلزم؛ لأنه إذا جاء النص بذلك لزم، وإذا لم يأت فأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، وأحوال الآخرة وما يقيمه الله جل وعلا لعباده، لا يقاس بما نتعارف عليه في الدنيا حتى يأتي النص" (٢). ولكن وروده عن بعض الصحابة وغيرهم، يدل على ثبوته، ولذا يقول العلامة البرديسي: "وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي، له كفتان ولسان" ... ويقول الإمام ابن جزي:"ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال " (٣) (ج) هل ثبت في الآثار غير هذين الوصفين من صفات الميزان؟ لم يرد في ا لسنة المطهرة والآثار المنيفة شيء يثبت غير هذين الوصفين، وإنما نص بعض العلماء على بعض أوصاف الميزان التي ينبغي التوقف في إثباتها لأنها تحتاج إلى دلائل صحيحة تثبتها، ومن هذه الصفات: - أن كفتي الميزان من ذهب (٤). - وله خيوط وعمود وساقان (٥). - وأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام.

стр. 425

- وأن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن العرش مقابل النار (١). - ومما يجدر الإشارة إليه: أن قدماء المصريين كانوا يصورون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب (٢). إذن: كيفيات الميزان من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الذي الله ، يقول العلامة ابن أبي العز: " وثبت أن الميزان له كفتان، و الله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات " (٣). ويحسن بنا في ختام هذا المسألة أن نشير إلى ما نقله الإمام الذهبي في تاريخه قال: قال عبد الملك بن حبيب: كنا جلوساً عند زياد بن عبد الرحمن بن زياد إذ جاء كتاب من بعض الملوك، فكتب فيه وختمه، فذهب به الرسول فقال لنا زياد: أتدرون عما يسأل هذا؟ سأل عن كفتي الميزان، أمن ذهب هي أم من فضة؟ فكتب إليه هذا الحديث: ثنا مالك، عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٤). المسألة الخامسة: هل الميزان واحد أم هناك موازين متعددة؟ وما الموزون فيه؟ وهل هو خاص للمؤمنين ؟ اختلف العلماء في الجواب عن هذه المسائل إلى أقوال، أرجع العلامة محمد رشيد رضا أسباب الخلاف فيها إلى أمور ثلاثة: ١ - "اختلاف الأخبار والآثار عن السلف، وأن أكثرها لا يصح، ولا يحتج بمثله في الأحكام العملية فضلاً عن المسائل الاعتقادية. ٢ - الاختلاف في فهمها. ٣ - الرأي والتخيل والقياس مع الفارق " (٥).

стр. 426

أما اختلاف الأخبار والآثار الواردة عن السلف، فالتعامل مع ما صح منها هو الجمع إن أمكن الجمع بينهما، كما هو منهج جماعة من الأئمة، فإن لم يمكن الجمع، وعُلِم المتأخر فهو ناسخ للمتقدم، فإن تعذر العلم بتاريخ الناسخ والمنسوخ، عُمِل بالراجح إن كان هناك مُرَجِح (١). وأما اختلاف الفهوم فهذا هو شأن العلماء في كل زمن، والعبرة في الفهم: الأقرب إلى الأدلة، والذي عليه جماعات العلماء. وأما الرأي والتخيل والقياس الفاسد، فهذا لا شأن للمحققين من أهل السنة به، إذ كلامهم في الغيبيات ظاهر، وواضح، وبيّن، في أنه يجب عدم التعرض لحقائق الأمور الغيبية. (١) اختلف العلماء في الموزون على ثلاثة أقوال (٢): القول الأول: أن الذي يوزن العمل، وهي الحسنات والسيئات بوضع إحداهما في كفة والأخرى في كفة، قاله الحسن والسدي. وخالف في ذلك المعتزلة -كما نقل الأئمة عنهم - فقالوا: الأعمال أعراض فكيف توزن؟ (٣). وأجاب عنه العلماء: بأن الله جل وعلا قادر على قلب الأعراض أجساماً فالموت معنى من المعاني، ويؤتى به يوم القيامة على صورة كبش (٤). واستدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة تدل على أن العمل نفسه يوزن: قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧].

стр. 427

وقال النبي ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ «(١)، وقال النبي ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيم (٢)، وقال النبي ﷺ «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (٣). وهذا القول هو الظاهر من كلام الإمام ابن تيمية في عقيدته الواسطية، يقول:" وتنصب الموازين فتوزن فيها أعمال العباد" (٤). وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر فقال:" والصحيح أن الأعمال هي التي توزن " (٥)، واختاره الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره (٦)، وترجم له الإمام البخاري في صحيحه فقال:" باب قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن " (٧). وهذا الذي نقله الإمام ابن تيمية عن الإمام الزهري حين قال: "وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله" (٨).

стр. 428

القول الثاني: أن الذي يوزن العامل، وهو الإنسان نفسه: واحتجوا بقوله ﵊: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥]» (١). وقال عبيد بن عمرو «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ (٢). وقال النبي ﷺ لما ضحك القوم من حموشة ساقي ابن مسعود: «لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (٣). القول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال، ورجح هذه القول الإمام ابن عبد البر والإمام القرطبي، وقال العلامة السفاريني:" وصوبه الشيخ مرعي في بهجته، وذهب إليه جمهور من المفسرين" (٤)، ونسب هذا القول إلى عبد الله بن عمر ﵄، نسبه إليه جماعة من أهل التفسير (٥). واحتجوا بحديث صاحب البطاقة وفيه: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (٦).

стр. 429

قال العلامة السفاريني:" قال العلامة الشيخ مرعي في بهجته: ثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون صحائف الأعمال" (١). ورجح هذا القول العلامة الشوكاني فقال:" واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل: المراد به: وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزناً حقيقياً وهذا هو الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة" (٢). وذهب جمع من الأئمة إلى إمكان الجمع بين هذه الأقوال: يقول الإمام ابن كثير: "وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها" (٣). وقال العلامة ابن أبي العز: "فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال " (٤). وقال العلامة حافظ الحكمي: "والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعمله وصحيفة عمله، كل ذلك يوزن؛ لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل من ذلك، ولا منافاة بينها " (٥). وقال العلامة العثيمين:" وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص: بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة، صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به: قدره وحرمته، وهذا جمع حسن" (٦). وقال العلامة ابن باز:"الجمع بين النصوص الواردة في وزن الأعمال والعاملين والصحائف: أنه لا منافاة بينها، فالجميع يوزن ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه، لا بذات العامل ولا بالصحيفة " (٧).

стр. 430

(٢) اختلف العلماء في الميزان، هل هو ميزان واحد أو متعدد؟ على قولين: القول الأول: أنها موازين متعددة، وهؤلاء قالوا: الجمع إما باعتبار: - تعدد الميزان لكل أمة. - أو تعدد الميزان لكل عمل - أو تعدد الميزان لكل شخص. واحتجوا بالأدلة التي وردت فيها كلمة الميزان بلفظ الجمع: قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة:٦ - ٩]. وقال النبي ﷺ : «تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ، فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، فَيُوضَعُ مَا أُحْصِيَ عَلَيْهِ، فَتَمَايَلَ بِهِ الْمِيزَانُ «(١). وهو الوارد عن الحسن بن أبي الحسن البصري، حيث قال: لكل واحد من المكلفين ميزان (٢). واختار هذا القول الإمام الرازي فقلا: "الأظهر: إثبات موازين في يوم القيامة، لا ميزان واحد، والدليل عليه قول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، وعلى هذا: فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر"، ومال إليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣). القول الثاني: أنه ميزان واحد، وهو الذي عليه الأكثر من أهل العلم. واحتجوا بالأدلة التي وردت فيها كلمة الميزان بلفظ الإفراد، ومنها:

стр. 431

قال النبي ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (١). قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (٢). وهذا قول الجمهور (٣)، وهو أنه ميزان واحد، وأجابوا عن الأدلة التي ورد فيها لفظ الميزان بصيغة الجمع بما يلي: ١ - قيل: لأن الميزان مشتمل على الكفتين واللسان والعمود، ولا يحصل الوزن إلا باجتماعها، فهو جمع على تعدد أجزاء الموزون (٤). ٢ - وقيل: الأصل أنه ميزان عظيم، ولكل عبد فيه ميزان معلق به (٥). وهذا لا دليل عليه. ٣ - وقيل: الجمع باعتبار الموزون، فإنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة سميت موازين، فهو جمع على تعدد الأعمال الموزونة (٦). ٤ - وقيل: هو جمع تفخيم (٧). ٥ - وقد عبر عنها الإمام الزجاج بقوله:" إنما جمع الله الموازين هاهنا فقال: (فمن ثقلت موازينه) ولم يقل: ميزانه لوجهين: الأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد، فيقولون: خرج فلان إلى مكة على البغال.

стр. 432

والثاني: أن المراد من الموازين هاهنا جمع موزون، لا جمع ميزان، وأراد بالموازين: الأعمال الموزونة" (١). والأقرب من القولين والأظهر منهما - والعلم عند الله تعالى - هو الثاني وهو أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون (٢). (٣) هل توزن أعمال الكفار أم لا؟ ذكر الإمام ابن تيمية في الواسطية في مبحث الحساب قوله:" وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها" (٣). كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ظاهر في خلو الكفار من الحسنات، وعليه كيف يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؟ إن شيخ الإسلام لا ينفي مطلق الوزن للكفار؛ لأنه صرح في موضع آخر، بأن الكفار توزن سيئاتهم لتظهر خفة موازينهم فقال:" وقد يراد بالحساب: وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيهما أرجح، فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته، إذ أعماله كلها حابطة، وإنما توزن لتظهر خفة موازينه لا لتبين رجحان حسنات له" (٤). وقد استغرب الشيخ محمد رشيد رضا من كلام شيخ الإسلام السابق وأرجعه إلى وقوع السهو من الإمام فقال:" وهو سهو سببه - والله أعلم - ما كان علق بذهنه من هذا القول "، ثم طفق يرد عليه فقال:" وما من كافر إلا له حسنات، ولكن الكفر يحبطها فتكون هباء منثوراً، وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه، واستدلوا على تخفيف العذاب عن الكافر بسبب عمله الصالح بما ورد في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب" (٥). وبالنقل السابق عن شيخ الإسلام يظهر مراده.

стр. 433

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن أعمال الكافرين لا توزن، واحتجوا بقوله تعالى: ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥]. وأحد التفسيرين في هذه الآية يدل على المقصود فقيل في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أي لا يقام لهم ميزان؛ لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين؛ لتتميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات (١). قال الإمام القرطبي في معنى هذه الآية: "والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار" (٢). وقال الشيخ الهراس:" والصحيح أن أعمال الخير التي يعملها الكافر يجازي بها في الدنيا فقط حتى إذا جاء يو القيامة وجد صحيفة حسناته بيضاء، وقيل: يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر" (٣). وقد أجاب القائلون بوزن أعمال الكافرين عن الاستدلال بهذه الآية: بأن المقصود بأنه تعالى لا يقيم لهم وزناً نافعا. بل ذهب الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب إلى أن هذه الآية تدل على وزن أعمال الكفار فقال: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح ... وهذا النص يدل على وزن أعمال الكفار، فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله، وإذ كان لا يصحبها توحيد، ولا إيمان بالرسل (٤).

стр. 434

واحتج أصحاب هذا القول بالأدلة القرآنية المثبتة حبوط عمل الكافر، ومنها قوله تعالى: - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان:٢٣] - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]. واحتجوا بقوله ﵊: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ «(١). وتعقب: بأنه مجاز عن حقارة قدره، ولا يلزم منه عدم الوزن (٢). القول الثاني: أن أعمال الكفار توزن، واحتجوا بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٩] وفُسر الظلم في الآية: بالجحود والكفر، قال الإمام البيهقي:" في الآية التي كتبناها دلالة على أن أعمال الكفار توزن، لأنه قال في آية أخرى ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾، والظلم بآيات الله: الاستهزاء بها وترك الإذعان لها" (٣). وقال الإمام ابن حزم:" فنقطع على الموازين أن توضع يوم القيامة لوزن أعمال العباد، قال تعالى عن الكفار: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥] وليس هذا على أن لا توزن أعمالهم، بل توزن لكن أعماله شائلة وموازينهم خفاف" (٤).

стр. 435

وقال الإمام الصنعاني:" والأحاديث ظاهر في أن أعمال بني آدم توزن وأنه عام لجميعهم، ويخص منه الكافر الذي لا حسنة له ولا ذنب له غير الكفر فإنه يقع في النار بغير حساب ولا ميزان " (١)، واختار هذا القول الحافظ ابن حجر فقال: "وظاهره التعميم" (٢)، وهو قول القرطبي بالتفصيل الذي نقله عنه الصنعاني وغيره، واستحسنه الإمام السيوطي (٣). وقال الإمام ابن كثير:" وأما الكفار فتوزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق" (٤). المطلب الثالث نشر الدواوين يقول الإمام ابن تيمية - في الواسطية -:" وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهر، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] " (٥). وهذا الأمر الذي ذكره الإمام ابن تيمية، أمر متفق عليه مستقر عند علماء الأمة، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. والحديث عن هذا المطلب ينتظم المسائل التالية:

стр. 436

المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في نشر صحف الأعمال يوم القيامة: اتفقت كلمة العلماء واستفاضت أقوالهم في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بنشر صحف الأعمال يوم القيامة: يقول الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيراً " (١). ويقول الأمام الطحاوي:" ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال ... وقراءة الكتاب" (٢). ويقول الإمام ابن قدامة:" وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل" (٣). ويقول الإمام ابن حزم:" وأن الصحف التي تكتب فيها أعمال العباد حق نؤمن بها ولا ندري كيف هي ... وأن الناس يعطون كتبهم يوم القيامة " (٤). ويقول العلامة السفاريني:" أن نشر الصحف وأخذها باليمين والشمال مما يجب الإيمان به وعقد القلب بأنه حق، لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع " (٥). ويقول العلامة القصري:" وتنشر عليه دواوين الأعمال، مفرقة على أوقات الأعمار نشراً واحداً، فيرى جميع عمره كيوم واحد" (٦). ويقول الإمام المزني: "وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون، محضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه " (٧). ويقول العلامة البلباني: "وبأن الصحف حق وصدق" (٨).

стр. 437

ويقول العلامة البزدوي:" قال أهل السنة والجماعة: إن قراءة الكتب حق، وإن الملائكة يكتبون الحسنات للعباد وسيئاتهم على الكتب، فتقرأ عليه يوم القيامة" (١). وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد في ذلك شعراً: "وطارت الصحف في الأيدي منشرة ... ... فيها السرائر والأخبار تطلع" (٢) ولذا قال العلامة جمال الدين الغزنوي:" قراءة الكتب حق " (٣). المسألة الثانية: الأدلة من الكتاب والسنة: دلت الدلائل الصحيحة والنصوص الصريحة على نشر صحائف الأعمال يوم القيامة: (أ) الأدلة من القرآن الكريم: تظافرت دلالات الكتاب العزيز على إثبات كتابة صحف الأعمال والموكلين بها وعرضها ونشرها على أهلها يوم الدين، ومن الأدلة القرآنية الدالة على ذلك: قول الله تعالى: ١ - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. يقول الإمام الطبري:" وعنى بقوله (اقرأ كتابك): اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا الذي كان كاتباً يكتبانه ونحصيه عليك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا ". (٤) وقال بعضهم: يقال له: هذا كتاب، كان لسانك قلمه، وريقك مداده، وجوارحك قرطاسه، وكتب المملي على كاتبك، فاقرأ ما أمليت (٥). وكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فاعمل ما شئت، فإذا مت طويت، ثم إذا بعثت نشرت (٦).

стр. 438

٢ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٥]. ٣ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢]. ٤ - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ ... [الإسراء:٧١]. وكل هذه الآيات الكريمة تدل على صفة أخذ الكتاب يوم القيامة، فحين تطاير الصحف منهم صنف آخذ كتابه وديوان أعماله باليمين، وهم أهل اليمين، ومنهم صنف آخذ كتابه وملاق جزاء عمله بشماله أو من وراء ظهره وهم أهل الشمال، قد حققت عليهم جميع دقائق أعمالهم، فرأوها عياناً عن شمائلهم. ٥ - ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير:١٠]، يقول الإمام الطبري: "وإذا صُحف أعمال العابد نشرت لهم بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات والسيئات" (١). وهذه الآية الكريمة دلالتها في إثبات نشر صحائف الأعمال يوم القيامة كدلالة قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ ... [الزلزلة:٩]. قال العلامة ابن عطية:" الصحف المنشورة، قيل: هي صحائف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرئ كتابه. وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالإيمان والشمائل بالجزاء" (٢). وحين يصدر الناس من قبورهم يصار بهم إلى الموقف، ليروا أعمالهم في كتبهم (٣).

стр. 439

٦ - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩]. فكل أمة تدعى إلى كتاب أعمالها فتجازى بأعمالها خيرها وشرها (١). وهذه الكتب تستحضر جميع الأعمال من غير زيادة ولا نقصان، وهي تدل على كتب الأعمال في الدنيا واستحضارها في الآخرة، يقول جل وعلا: ٧ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]، والكتاب الموضوع هو كتاب أعمال العباد، يوضع في أيديهم فيرون فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير والصغير والكبير وقد أخبر المولى جل وعلا أنه حفظ أعمال العباد مع نسيانهم إياها، فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ [المجادلة:٦]. ٨ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ فتجد كل نفس ما عملته في صحائف أعماله، فما رأى من أعماله، فما رأى من أعماله حسناً سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد (٢).

стр. 440

٩ - وردت جملة من الآيات مضمون دلالاتها ظاهر في كتب كل ما يصدر عن المرء، وأن ذلك مسجلاً مسطوراً عليه، يقول ابن البناء: "وكل مكلف معه ملكان ليلاً ونهاراً يحفظان عليه ما كان من خير وشر ويكتبانه في الصحائف" (١). يقول جل شأنه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ... [ق: ١٧ - ١٨]. ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١]. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران:١٨١]. فالدلائل على إثبات كتابه أعمال العباد في الدنيا، ثم استحضارها يوم القيامة، ظاهرة بينة، كلها تدل على هول المطلع، وشدة الموقف الذي تنكشف فيه الحقائق، فلا مكان لإخفاء عمل أو تجاهله أو المغالطة فيه. ذلك اليوم العصيب الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار، ولا يحتاج المرء فيه إلى شاهد أو حسيب، بل يقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (٢). (ب) الأدلة من السنة المطهرة:

стр. 441

ثبت في السنة كتابة أعمال العباد، من الخير والشر، في صحائف أعمالهم التي تعرض عليهم يوم القيامة، ويجري في ذلك اليوم من بعض الناس جدالاً ... ومعاذير، ويحكي النبي ﷺ هذا الموقف العظيم، يقول أنس بن مالك ﵁، قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (١). وعن عائشة ﵂، أنها سألت النبي ﷺ : هل تذكرون أهليكم؟ قال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز» (٢).

стр. 442

وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدواوين عند الله ثلاثة: فديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه، فيما بينه وبين ربه، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً» (١). يقول العلامة على القاري:" الدواوين: أي صحائف الأعمال" (٢). ومع هذه الدلائل والنصوص، في إثبات نشر الدواوين يوم الدين، إلا أن البعض أنكر ذلك، كما نقل عن الجهم بن صفوان. يقول العلامة الملطي: " وأنكر جهم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ " (٣). وكذا نُسب إنكار الكتابة والقراءة إلى المعتزلة والروافض (٤)، ولكن الذي صرّح به القاضي عبد الجبار المعتزلي إثبات نشر الصحف (٥). المسألة الثالثة: كيفية أخذ الكتب يوم القيامة: أشار القرآن الكريم إلى حالات أخذ الكتب يوم القيامة، وقد جاء تفصيلها في قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة:١٩]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ [الحاقة:٢٥]. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ [الانشقاق:١٠ - ١١].

стр. 443

فأثبتت هذه الآيات الكريمات صفات الآخذين لصحائف أعمالهم وظاهرها أنها ثلاث صفات، والذي عليه علماء السلف أنها صفتان: ١ - إما أن يأخذها بيمينه، وهذا للمؤمن. ٢ - وإما أن يأخذها بشماله، وهذا للكافر. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾، فقد قال الإمام مجاهد: "يجعل شماله وراء ظهره فيأخذ كتابه"، وقال الإمام يحى بن سلام:"ثم تُخلع كتفه اليسرى، فتجعل وراء ظهره، ثم يُعطى كتابه بشماله، ويقال له: انطلق إلى أصحابك، فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا " (١). وقال الإمام الطبري في الجمع بين الآيات:"وأما من أعطي كتابه منكم أيها الناس يومئذ وراء ظهره، وذلك أن جعل يده اليمنى إلى عنقه، وجعل الشمال من يديه وراء ظهره، فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره، ولذلك وصفهم جل ثناؤه أحياناً أنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم، وأحياناً أنهم يؤتونها من وراء ظهورهم " (٢). وقد نقل الإمام القرطبي عن ابن عباس ﵄، قوله في معنى هذه الآية:" يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه، فيجذبه ملك فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره ". وقال قتادة ومقاتل: يفك ألواح صدره وعظامه، ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك" (٣). إذن: فلا تنافي بين الآيتين السابقتين، في بيان أخذ الكافر كتابه بشماله ومن وراء ظهر، إذ يظهر من كلام الأئمة السابق ذكرهم وغيرهم: - أن الكافر تنقل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه (٤). - وذكر بعض أهل العلم خلافاً في المسلم العاصي، هل يأخذ كتابه بيمينه أم بشماله؟

стр. 444

ما ذكره الأئمة رحمهم الله تعالى: أنه يأخذ كتابه بشماله من أمامه والصحيح أن القرآن الكريم قسم الآخذين لكتبهم إلى قسمين: قسم آخذ كتابه بيمينه، وهذا في المؤمن الطائع والعاصي، وقسم آخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وهذا في الكافر. وقد ذكر بعض العلماء وجهاً في هذه المسألة فقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر:٣٢]، "السابق الذي يُعطى كتابه بيمينه والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله، والظالم الذي يعطى كتابه وراء ظهره" (١). وهذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذه الآية كلهم من هذه الأمة، من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك، حتى روي عن عائشة ﵂، أنها قالت حين سئلت عن هذه الآية، كلهم من أهل الجنة وكذا روي عن أبي سعيد ﵁. قال الإمام القرطبي: "وممن روي عنه هذا القول عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وعقبة بن عامر، وعائشة" (٢). وقال الإمام ابن تيمية:" وهذا التقسيم لأمة محمد ﷺ " (٣)؛ لأنهم وارثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة.

стр. 445

المطلب الرابع لحساب يوم القيامة يقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:" ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها" (١). حساب الله جل وعلا للخلائق يوم القيامة أمر متفق عليه، شهدت به وعليه نصوص الكتاب والسنة، وما ذكره الإمام ابن تيمية من حكاية الإجماع، على وقوع الحساب يوم الدين، أمر أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، واستفاضت أقوالهم في بيان ذلك، والكلام عن الحساب ينتظم المسائل التالية: المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحساب يوم القيامة: ذكر الإمام ابن تيمية أن الحساب يوم القيامة من الأصول المتفق عليها من أهل السنة والجماعة فقال:" وما أخبر به النبي ﷺ من أمر الجنة والنار والبعث والحساب، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة" (٢). وممن نقل إجماع العلماء في هذه المسألة: الإمام أبي الحسن الأشعري في قوله: "وأجمعوا على أن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حساباً يسيراً ... ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيراً " (٣). وقال في الإبانة: "ونؤمن بعذاب القبر، وأن الله يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين" (٤). وقال الإمام المزني:" وبعد البلى منشورون يوم القيامة إلى ربهم محشورون ولدى العرض عليه محاسبون" (٥).

стр. 446

وقال الإمام البربهاري:" والإيمان بالرؤية يوم القيامة يرون الله بأبصارهم رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان" (١). وقال الإمام ابن أبي يعلى:" ثم الإيمان بالمساءلة، إن الله تعالى جل ذكره يسأل العباد عن كل قليل وكثير في المواقف، وعن كل ما اجترموا " (٢). وقال العلامة القصري عن الإيمان بالحساب وكونه من شعب الإيمان: " أما كون هذه الشعبة من الإيمان فبيّن؛ لإجماع أهل الشرائع عليه" (٣). وقال الإمام ابن أبي زمنين:" ومن قول أهل السنة: أن الله يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم مشافهة منه إليهم" (٤). قال العلامة أبو نصر السجزي:" وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة" (٥). وقال الإمام الغزالي:" وأن يؤمن بالحساب تفاوت الناس فيه، إلى مناقش في الحساب، وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب" (٦). وقال الإمام الطحاوي: "ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب" (٧). وقال الإمام أبو حنيفة: "والحساب ... وذلك كله حق" (٨). ونُقل عن أعيان الصحابة ﵃، الإيمان بهذا الموقف العظيم ومنهم:

стр. 447

عمر بن الخطاب ﵁، فقد قال:" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يومئذ على من حاسب نفسه في الدنيا" (١). وقال أبو الدرداء ﵁:" إن أخوف ما أخاف، إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فما عملت فيما علمت؟ " (٢) ونقل ابن أبي نجيح عن الحسن البصري: أنه سئل فقيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والجنة والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فلا أدري أمنهم أنا أم لا (٣)؟ فالحساب يوم الدين في الآخرة مما أجمعت عليه الأمة، واستقرت عليه أقوالهم، وقد أشار العلامة الإيجي إلى هذا الإجماع قبل ظهور المخالف (٤). المسألة الثانية: أدلة إثبات الحساب في الآخرة: حفلت نصوص الكتاب والسنة بذكر أخبار الحساب يوم الدين، والكيفية التي يكون عليها في ذلك اليوم العظيم، وهذا دليل على عناية القرآن والسنة ... بذكر الحساب وأحواله وعظيم شأنه. أ - الأدلة القرآنية على إثبات الحساب: جاءت الدلائل القرآنية المثبتة للحساب يوم القيامة، على أوجه متعددة وصور متنوعة، يجمعها بيان إثبات أحقية الحساب، والرد على منكريه والمتشاغلين عنه. ومن أوجه دلائل القرآن الكريم على إثبات الحساب ما يلي: ١ - تأكيد وقوع الحساب يوم القيامة وأنه آت لا محالة، ولذا سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الحساب: قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء:١].

стр. 448

يقول الإمام ابن كثير: "هذا تنبيه من الله على اقتراب الساعة ودنوها وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها" (١) ... "وهذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير وأنهم قد قرب حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة" (٢). واقتراب الحساب هو: اقتراب الوقت الذي يحاسبون فيه، ولذا سمى القرآن الكريم الساعة قريبة؛ لأنها كائنة لا محالة، وكل ما هو كائن لا محالة فهو قريب، وأيضاً فإن ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى قليل (٣). وفي تسمية يوم القيامة بيوم الحساب فائدة، كما قال جل وعلا: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦]، قال الإمام الرازي:" الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب، أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم " (٤). - وقال جل وعلا في تأكيد الحساب: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران:٢٥]، ولذا أقسم الرب جل وعز على وقوع سؤالهم وحسابهم فقال سبحانه: ... ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، قال العلامة النسفي:" أقسم بذاته وربوبيته، ليسألن يوم القيامة واحداً واحداً من هؤلاء المقتسمين، عما قالوه في رسول الله ﷺ أو في القرآن، أو في كتب الله" (٥).

стр. 449

قال عبد الله بن مسعود ﵁: "والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلوا أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: يا ابن آدم، ماذا غرك مني بي يا ابن آدم؟ ماذا عملت فيما علمت ابن آدم؟ ماذا أجبت المرسلين؟ " (١). ٢ - تأكيد الحساب يوم الدين بتوفية الجميع جزاء أعمالهم فيه: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور:٣٩]. قال أهل التفسير: (فوفاه حسابه): أي جزاء عمله (٢). - وقال جل وعز: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور:٢٥]. قال ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: حسابهم، وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن الدين فهو الحساب وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (٣). وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة:٢٨١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران:١٦١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ [هود:١١١].

стр. 450

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ [النحل:١١١]. وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف:١٩]. وقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر:٧٠]. ٣ - أن حساب الخلائق من خصائص الرب جل وعز، ولذا نسبه إلى نفسه الشريفة المقدسة: قال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧]. وقال : ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد:٤٠]. وقال : ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء:١١٣]. وقال : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. ٤ - أن يوم الجزاء والحساب، يظهر فيه مشهد الحق والعدل، فيؤتى بالعباد للحساب، فينبوأ كل فرد بما عمل، ليجازى ويحاسب، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة:٤٨]. وقال : ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ [الأنعام:٦٠]. وقال : ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام ١٠٨

стр. 451

وقال : ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس:٢٣]. والآيات الكريمات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على موقف الحق، في يوم الحق، بين يدي الحق، لفصل القضاء بين الخلائق. ٥ - أخبر الرب جل وعلا عن نفسه سبحانه بأنه سريع الحساب ... وأسرع الحاسبين في آيات كثيرة، كلها تؤكد هذه الحقيقة. يقول المولى جل وعلا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم:٥١]. يقول الإمام الطبري:" وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصي من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكر ولا روية، فعل العجزة الضعفة من الخلق ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجاز عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب"، وقال الإمام البغوي في معنى الآية:" أي: حسابه واقع لا محالة، وكل ما هو واقع لا محالة فهو سريع " (١)، ولذا امتدح الرب نفسه في الآية الأخرى بأنه جل في علاه أسرع الحاسبين فقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام:٦٢]. وقد كان من دعاء النبي ﷺ -على الأحزاب قوله: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) (٢).

стр. 452

فهو سريع الحساب يوم القيامة، حيث لا يشغله محاسبة واحد عن الآخر، سريع المجازاة للعباد بأعمالهم، فيحاسبهم في حالة واحدة لا يشغله شأن عن شأن، قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصر (١). ٦ - بيان تعنت الكفار وتكذيبهم بالحساب، أو تناسي بعض العصاة له: قال الله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧]. قال مجاهد في تفسير الآية: لا يبالون الحساب ولا يخافونه ولا يصدقون بالغيب والبعث (٢)، فلم يكونوا يعتقدون أن ثَم داراً يجازون فيها ويحاسبون (٣)، ولهذا قال في الآية بعدها: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٨]، وقال جل وعلا في هذا المعنى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر:٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦]. ومعناه: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا: أي تركوا أمر الله وغفلوا عن القيامة (٤). ٧ - التعبير بالمساءلة الدال على الحساب: يقول جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، ويقول جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢]، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت:١٣]، ويقول جل وعلا: ... ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤]، ويقول جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر:٨].

стр. 453

قد نبه العلماء في هذا الموضع وأمثاله الذي تذكر فيه الآيات المثبتة للسؤال والمحاسبة ما قد يشكل من ورود جملة أخرى من الآيات الكريمة التي تنفي السؤال والحساب من مثل قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]، ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]. وظاهر هذه الآيات يوهم التعارض مع ما سبق من الآيات الأخرى المثبتة للحساب، وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض الظاهر ودُفع بما يلي: أ. أن المسألة التي نفاها الله تعالى عن نفسه بقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]، ونحوها، فهي محمولة على المسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات، فيما لا يعلمه السائل عنها، ويعلمه المسؤول ليعلم السائل علم ذلك من قِبَلِ من سأل منه، وهذا غير جائز أن يوصف الله تعالى به؛ لأنه العالم بالأشياء قبل كونها، وحال كونها، وبعد كونها، فهو العالم بذلك كله وبكل شيء غيره (١). ب. أن المنفي في السؤال هو سؤال الاستعلام، والمثبت هو سؤال التقريع والتوبيخ، فلا يقال لهم: هل فعلتم؟ بل يقال لهم: لم فعلتم؟ (٢). ج. أن القيامة مواطن؛ لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض، وعليه فتحمل الآيات الكريمات على تعدد المواقف في القيامة فيسألون في مواقف دون مواقف (٣). د. وقيل: نفي السؤال عن المجرمين محمول على أنهم لا يسألون سؤال من له عذر في الجواب، وإنما يسألون على معنى إظهار قبائحهم؛ ليفتضحوا على رؤوس الجمع (٤).

стр. 454

هـ. وقيل: المراد أنهم لا يسألون عن إحصاء أعمالهم، ويعطون الصحائف فيعرفونها، ويعترفون بها (١). ٨ - ذكر خوف أنبياء الله تعالى ورسله من هول الموقف، وما فيه من الحساب والجزاء، قال تعالى عن نبيه إبراهيم الخليل ﵇: ... ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم:٤١] وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : قل وأنت رسول الله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ [الزمر:١٣]، واليوم العظيم: يوم القيامة، وهذا شرط ومعناه: التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى. ولهذا فأنبياء الله جل وعز يخوفون أقوامهم بهذا اليوم وما فيه من الجزاء والحساب: قال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح ﵇، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف:٥٩]. وقال شعيب لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ [هود:٨٤]، قال الإمام ابن كثير: " أي في الدار الآخرة " (٢). ٩ - أشار القرآن الكريم إلى أحوال المحاسبين يوم القيامة:

стр. 455

فقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشاق: ٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]، فهذه الدلائل وغيرها، كلها تصب في معين واحد يشهد لها الإله الواحد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤]. ب - أدلة السنة في إثبات الحساب: كما حفل الإيمان بالحساب بالعديد من الآيات القرآنية، الدالة على إثباته فكذلك حظي بجملة من الأحاديث المتضافرة المتوافرة، وهو يدخل أصالة في حديث جبريل المشهور حين ذكر أركان الإيمان، ومنها: واليوم الآخر يقول الإمام ابن تيمية: "وأما قوله: واليوم الآخر: فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة" (١). وأحاديثها قد بلغت حد التواتر المشترك، يقول العلامة الأيجي: "وكتب الأحاديث طافحة بذلك بحيث تواتر القدر المشترك " (٢). والأحاديث الواردة في شأن الحساب أحاديث صحيحة، وهي حق يجب الإيمان بها، وإجراؤها على ظاهرها. يقول العلامة الشهرستاني: " وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر ... والحساب ... حق يجب الاعتراف بها وإجراؤها على ظاهرها، إذا لا استحالة في وجودها" (٣).

стр. 456

وذكر العلامة البغدادي: أن الأحاديث الواردة في الحساب، هي أخبار مستفيضة بين الأئمة، وهم مجمعون على صحتها (١)، وقال العلامة السعد التفتازاني: "سائر ما ورد به السمع، من عذاب القبر، والحساب، والصراط والميزان، وغير ذلك حق " (٢). والأحاديث الواردة في شأن الحساب كثيرة متضافرة منها: عن عائشة ﵂ م قالت: قال النبي ﷺ : «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ» (٣). قال الأئمة: قوله: من نوقش الحساب يهلك، له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة، وعرض الذنوب والتوقيف عليها، هو التعذيب؛ لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، صححه الإمام النووي وقال: "وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه: أن التقصير غالب في العباد، فمن استُقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء" (٤). وقال الإمام ابن الجوزي: "وظاهر هذا الحديث أن من فتش عن كل شيء عمله عذب؛ لأنه إنما يفتش المسخوط عليه، فأما المرحوم فإن بداية رحمته المسامحة في المسألة " (٥).

стр. 457

وعن أبي بردة الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (٣). فهذه النصوص كلها تدل على أمر الحساب يوم الحساب، وجاءت نصوص أخرى فيها دلالة على أولية الحساب في الأمم، وفي الأعمال: ومما ورد في أولية هذه الأمة في الحساب:

стр. 458

ما جاء عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ : «نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ: أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ، وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ» (١). قال الإمام ابن كثير:" ثم يُقضى بين هذه الأمة؛ لشرف نبيها، كما أنهم أول من يجوز على الصراط، وأول من يدخل الجنة " (٢). وفي صحيح مسلم قال النبي ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (٣). ومما ورد في أولية الحساب على الأعمال: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ» (٥). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ»: (٦).

стр. 459

فهذه الأحاديث الشريفة الصحيحة المنيفة، دلت على إثبات الحساب، إلا أن ظاهرها يوهم وجود تعارض في أولية الحساب، فبعضها يثبت أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الدماء، وبعضها الصلاة، وبعضها النعيم من صحة الجسد وشرب الماء البارد، ومع هذه الروايات المختلفة في الدلالة، إلا أن العلماء جمعوا بين ما يتوهم تعارضه بين تلك الروايات، وأجابوا عنها بأجوبة منها: أن حديث: «أول ما يحاسب به العبد صلاته»: محمول على ما بين العبد وربه جل وعلا، وحديث: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»، محمول على ما بين العباد بعضهم البعض (١)، فاللفظ مخصوص بما يقع فيه الحكم بين الناس (٢). يقول الحافظ ابن حجر في وجه الجمع بين الأحاديث:" الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء» ". (٣) ويقول الإمام السيوطي:" والمعاصي التي يُعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يُقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء" (٤).

стр. 460

ويقول العلامة علي القاري في وجه الجمع بين الحديثين: "قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا، وبين قوله ﵊: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء»، أن الأول من حق الله تعالى والثاني: من حقوق العباد. ا. هـ، أو الأول من حق ترك العبادات، والثاني من فعل السيئات " (١)، ثم قال: "قلت: الأظهر أن يقال: لأن ذلك من المنهيات، وهذا في المأمورات، أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم " (٢). وقال في وجه البدء بهذه بهاتين الخصلتين: " وحاصله: أن أول ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة؛ لفضلها على سائر العبادات، وأول ما يقضى من حقوق العباد قتل النفس؛ فإنه أكبر الخطيئات" (٣). ويقول العلامة العثيمين:" أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين" (٤). ومع هذه الاستفاضة وهذا التواتر في أحاديث وأخبار الحساب، تَعجب ممن أنكر حساب الله جل وعز للخلائق يوم القيامة، وقد نقل جماعة من أهل العلم إنكار بعض الفرق للحساب (٥)، في حين أن الواجب في مثل هذه الأمور: الإيمان الجازم بمحاسبة الرب جل وعلا للخلائق يوم الدين، يقول الإمام الغزالي: " وأن يؤمن بالحساب، وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسأل الله تعالى من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال " (٦).
следующие страницы →